← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّها النَّخلة» (قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية الأخرى: «من حُمُر النَّعم» (قَالَ) ابن عُمر: قلتُ: يا أبتاه (مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ) ذلك لذلك. قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ هذا الحديث هنا إلى تقديمِ (١) الكبير حيث يقعُ التَّساوي، أمَّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبيرِ فلا يُمنعُ من الكلامِ بحضرة الكبيرِ؛ لأنَّ عمرَ تأسَّف حيثُ لم يتكلَّم ولدهُ مع أنَّه اعتذرَ له بكونهِ بحضورهِ وحضورِ أبي بكرٍ، ومع ذلك تأسَّف على كونهِ لم يتكلَّم. انتهى. والحاصل أنَّ الصَّغير إذا تخصَّصَ بعلمٍ جازَ له أن يتقدَّم به، ولا يعَدُّ ذلك سوءَ أدبٍ، ولا تنقيصًا لحقِّ الكبيرِ، ولذا قال عمرُ: لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ. وهذا الحديثُ سبقَ في مواضع [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦١٣١] [خ¦٤٦٩٨] [خ¦٥٤٤٨]. (٩٠) (بابُ مَا يَجُوزُ) أن يُنشدَ (مِنَ الشِّعْرِ) وهو الكلام المقفَّى الموزون قصدًا، والتَّقييد بالقصدِ مُخْرِج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمَّى شعرًا (وَ) ما يجوز من (الرَّجَزِ) بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوعٌ من الشِّعر عند الأكثرِ، فعلى هذا يكون عطفهُ على الشِّعر من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، واحتجَّ القائل بأنَّه ليس بشعرٍ، بأنَّه (٢) يقال فيه: راجزٌ لا شاعرٌ، وسمِّي رجزًا لتقارب أجزائهِ واضطراب اللِّسان به، يقال: رَجَزَ البعيرُ، إذا تقاربَ خَطْوهُ واضطربَ لضعفٍ فيه (وَ) ما يجوزُ من (الحُدَاءِ) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمدُّ ويُقصر، سَوقِ الإبلِ بضربٍ مخصوصٍ من الغناء (٣)، ويكون بالرَّجَز غالبًا، وأوَّل من حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بنِ نزارِ بن معدِّ بن

стр. 10852

عدنان، كان في إبلٍ لمضر فقصَّر، فضربَه مُضر على يدهِ فأوجعهُ، فقال: يا يداهُ يا يداهُ، وكان حسنَ الصَّوت، فأسرعتِ الإبلُ لَمَّا سمعته في السَّير، فكان ذلك مبدأ الحُدَاء، رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس مرسلًا، وأورده البزَّار موصولًا عن ابن عبَّاس. دخلَ حديثُ بعضهم في بعضٍ، ويلحقُ به غناءُ الحجيجِ المشوِّق للحجِّ بذكر الكعبةِ البيت الحرام وغيرها من المشاعرِ العظام، وما يحرِّضُ أهل الجهادِ على القتال (١)، ومنه غناءُ المرأة لتسكيت الولد في المهد (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ) إنشادُه (مِنْهُ) من الشِّعرِ، والجائز من الشِّعر ما لم يكثر منه في المسجدِ، وخلا عن الهجو، وعن الإغراقِ في المدحِ، والكذب المحضِ، فالتَّغزُّل بمعيَّنٍ لا يسوغُ. (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالشُّعَرَاء﴾) مبتدأ خبرُه (﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾) أي: لا يتبعُهم على باطلهِم وكذبهِم، وتمزيقِ الأعراضِ، والقَدح في الأنسابِ، ومدح من لا يستحقُّ المدح والهجاء، ولا يستحسنُ ذلك منهم إلَّا الغاوون، أي: السُّفهاء، أو الرَّاوون، أو الشَّياطين، أو المشركون، وسمَّى الثَّعلبيُّ من شعراء المشركين: عبدَ الله بن الزِّبَعْري (٢)، وهُبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومُسَافعَ بن عبد مناف وأبا عزة (٣) عَمرو، وأميَّة بنَ أبي الصَّلت. قال الزَّجَّاج: إذا مدحَ أو هجا شاعرٌ بما لا يكون، وأحبَّ ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٤) (﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾) من الكلام (﴿يَهِيمُونَ﴾) خبر ﴿أَنَّ﴾ أي: في كلِّ فنٍّ من الكذبِ يتحدَّثون، أو في كلِّ لغوٍ وباطلٍ يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عبَّاس إن شاء الله تعالى، والهائم الذَّاهب على وجههِ لا مقصدَ له، وهو تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شعبٍ من القولِ، واعتسافِهم حتَّى يفضِّلوا أجبنَ النَّاس على عنترةَ، وأبخلهم على حاتمٍ. وعن الفرزدق أنَّ سليمانَ بنَ عبد الملك سمعَ قوله: فَبِتْنَ بِجَانبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَاقَ الخِتَامِ

стр. 10853

فقال: قد وجبَ عليك الحدُّ، فقال: قد درأَ الله الحدَّ عنِّي بقولهِ: (﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾) حيث وصفَهم بالكذبِ، والخلف في الوعد، ثمَّ استثنى الشُّعراء المؤمنين الصَّالحين بقولهِ: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) كعبد الله بنِ رواحة، وحسَّان بن ثابتٍ، وكعبِ بن زهير، وكعبِ بن مالك (﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) يعني كان ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن أغلب عليهم من الشِّعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيدِ الله، والثَّناء عليه، والحكمة والموعظة والزُّهد والأدب، ومدح رسول الله ﷺ والصَّحابة وصلحاء الأمَّة ونحو ذلك ممَّا ليس فيه ذنبٌ (﴿وَانتَصَرُوا﴾) وهجوا (﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾) هجوًا، أي: ردُّوا هجاء من هجا رسولَ الله ﷺ والمسلمين، وأحقُّ الخلق بالهجاءِ من كذَّب رسول الله ﷺ وهجاهُ. وعن كعب بن مالكٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «اهجُهم فوالَّذي نفسِي بيده لهو أشدُّ عليهم من النَّبل» وكان يقول لحسَّان: «قلْ وروحُ القُدس معك» وختم (١) السُّورة بما يقطع أكبادَ المتدبِّرين، وهو قوله: (﴿وَسَيَعْلَمُ﴾) لِمَا (٢) فيه من الوعيدِ البليغ، وقوله: (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) وإطلاقه (٣)، وقوله: (﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]) وإبهامهُ. قال ابنُ عطاء: سيعلمُ المُعْرض عنَّا ما الَّذي فاته منَّا، وقوله: ﴿أَيَّ﴾ نصب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ على المصدرِ لا بـ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأنَّ أسماء الاستفهامِ لا يعملُ فيها ما قبلها، أي: ينقلبون أيَّ انقلابٍ، وسياق الآية إلى آخر السُّورة ثابتٌ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ أن قال: «إلى آخر السُّورة». ثمَّ قال: «وقولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾» وذكر: «إلى آخر السُّورة» كذا في الفرع وأصله (٤)، وفيه أيضًا على قولهِ: «﴿وَأَنَّهُمْ﴾ … إلى آخر السُّورة» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ أيضًا. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ووقع في رواية أبي ذرٍّ بين قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ وبين قولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ لفظ: «وقوله» وهي (٥) زيادةٌ لا يحتاجُ إليها (٦).

стр. 10854

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في تفسير قولهِ: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ: (فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ). ٦١٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أخي حمزة الحافظ أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ المخزوميُّ (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميَّة، أبا عبد الملك الأمويَّ، المدنيَّ، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستِّين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستُّون، لا تثبتُ له صحبةٌ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ) بن وهب بنِ عبد منافِ بنِ زُهرة الزُّهريَّ، وُلد على عهده ﷺ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) سيِّد القرَّاء الأنصاريَّ الخزرجيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً) أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحقِّ، وقيل: كلامًا نافعًا يمنعُ من الجهل والسَّفه، وإذا كان في الشِّعر حكمة كالمواعظ والأمثال الَّتي تنفعُ الناس، فيجوز إنشادهُ بلا ريبٍ. والحديثُ أخرجه أبو داود وابنُ ماجه في «الأدب». ٦١٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبديِّ، ويقال: العجليِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ (١): سَمِعْتُ جُنْدَبًا) بضم الجيم وسكون النون، ابن عبد الله بن سفيان البجليَّ الصَّحابيَّ (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي)

стр. 10855

وفي رواية ابن عُيينة عن الأسودِ، عن جُنَدب: كنتُ مع النَّبي ﷺ في غارٍ. وفي روايةِ شعبة (١)، عن الأسود -عند الطَّيالسيِّ وأحمد-: خرج إلى الصَّلاة (إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ) بفتح العين المهملة والمثلثة، أي: سقطَ (فَدَمِيَتْ) بفتح الدال المهملة وكسر الميم وفتح التحتية (إِصْبَعُهُ، فَقَالَ) ﷺ متمثِّلًا بقول عبد الله بن رواحة: (هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ) بكسر التاء الفوقية في آخر القسمين (٢) على وفق الشِّعر. وقال الكِرْمانيُّ: والتاء في الرَّجز مكسورةٌ وفي الحديث ساكنةٌ. وقال غيره: إنَّ النَّبيَّ ﷺ تعمَّد إسكانهما ليخرج القسمين عن الشِّعر، وردَّ بأنَّه يصيرُ من ضربٍ آخرَ من الشِّعر، وهو من ضروبِ البحر الملقَّب بالكاملِ، وفي الثَّاني زحاف جائز. قال القاضي عياض: وقد غفلَ بعض النَّاس فروى دَمِيت ولَقِيت بغير مدٍّ، فخالف الرِّواية؛ ليسلم من الإشكال، فلم يُصِب. وقال في «شرح المشكاة»: قوله: «دميت» صفةُ «إصبع»، أي: ما أنت يا إصبعُ موصوفةٌ بشيءٍ من الأشياء إلَّا بأن دميتِ، كأنَّها لَمَّا توجَّعت خاطبها على سبيلِ الاستعارة، أو الحقيقة معجزة مسلِّيًا لها، أي: تثبَّتي على نفسك، فإنَّكِ ما ابتُليتِ بشيءٍ من الهلاكِ والقطعِ سوى أنَّك دُميتِ، ولم يكن ذلك هدرًا بل كان في سبيل الله ورضاه، وقد ذكر ابنُ أبي الدُّنيا في «محاسبة النفس»: أنَّ جعفرَ بن أبي طالبٍ لَمَّا قُتل في غزوةِ مُؤْتَةَ بعد أن قُتل زيدُ بن حارثة، وأخذ اللِّواء عبدُ الله بن رواحة فقاتلَ فأصيبتْ إصبعه فارتجزَ، وجعل يقول: هل أنت إلَّا إصبعٌ … إلى آخره، وزاد: يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوْتِي … هَذَا (٣) حِيَاضُ المَوْتِ قَدْ صَلِيْتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ لَقِيْتِ … إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيْتِ والصَّحيح أنَّه يجوز له ﷺ أن يتمثَّل بالشِّعر وينشدهُ حاكيًا له عن غيرهِ. والحديثُ مضى في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٢].

стр. 10856

٦١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة المفتوحة والشين المعجمة المشددة، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي» بالإفراد «محمد بن بشار»، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عميرٍ الكوفيِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ) ولمسلم من طريق شعبةَ وزائدةَ، عن عبدِ الملك: «إنَّ أصدقَ بيتٍ» وذلك من وصفِ المعاني بما توصفُ به الأعيان، كقولهِم: شعر شاعر، وخوف خائف، ثمَّ يصاغ منه أفعل باعتبار ذلك المعنى مبالغة بما يوصفُ به، فيقال: شعري أشعرُ من شعرهِ، وخوفِي أخوفُ من خوفهِ (كَلِمَةُ لَبِيدٍ) بفتح اللام وكسر الموحدة، ابن ربيعةَ بن عامرٍ العامريِّ الصَّحابيِّ، من فحول الشُّعراء (أَلَا) بالتخفيف استفتاحية (كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأٌ، أو مضافٌ للنَّكرة مفيدٌ لاستغراقِ أفرادها نحو ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ) خبر المبتدأ، أي: فإنَّه مضمحلٌّ (١) وإنَّما كان أصدق لأنَّه موافقٌ لأصدقِ الكلام، وهو قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]. (وَكَادَ) أي: قاربَ (أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ) بضم التحتية وسكون السين المهملة وكسر اللام، أي: في شعرهِ وكان من شعراءِ الجاهليَّة، وأدركَ مبادئ الإسلامِ، وبلغهُ خبرُ المبعثِ، لكنَّه (٢) لم يوفَّق للإيمان برسولِ الله ﷺ وكان يتعبَّد (٣) في الجاهليَّة، وأكثر في شعرهِ (٤) من التَّوحيد، وكان غوَّاصًا على المعاني معتنيًا بالحقائق، ولذا استحسنَ ﷺ شعرهُ، واستزادَ (٥) من إنشادِه، ففي «مسلم» عن عَمرو بن الشَّرِيْد -بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبعد التحتية الساكنة دال مهملة- عن أبيهِ قال: ردفْتُ النَّبيَّ ﷺ فقال: «هلْ معَكَ

стр. 10857

من شعِرِ أميَّة شيءٌ؟» قلتُ: نعم، قال: «هيهِ» فأنشدتُهُ بيتًا، فقال: «هيهِ» حتَّى أنشدتُهُ مئةَ بيتٍ، فقال: «إن كادَ ليسلم». وهيهِ: كلمة استزادةٍ منوَّنةٌ وغيرُ منوَّنة مبنيَّة (١) على الكسر. قال ابنُ السِّكِّيت: إن وصلتَ نوَّنت، قلتَ: هيهٍ حدِّثنا (٢) وأصله: إيهٍ، فأبدل (٣) من الهمزةِ هاء. والحديثُ سبق في «أيَّام الجاهلية» [خ¦٣٨٤١].

стр. 10858

٦١٤٨ - به قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المهملة، الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة ابن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ ابْنِ الأَكْوَعِ) ﵁، أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو أسيدُ بن حضير (لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ) وهو عامرُ بن سنان بنِ عبد الله بنِ قشيرٍ الأسلميُّ، المعروفُ بابن الأكوع عمِّ سلمةَ بن الأكوع، واسم الأكوع سِنان، ويقال: أخوه (أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ؟) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية وبعد الهاء ألف ففوقية فكاف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «هنيَّاتك» بتحتية مشددة مفتوحة بدلًا من الهاء الثانية، أي: من كلماتكَ، أو من أراجيزكَ (قَالَ) سلمةُ ابن الأكوع: (وَكَانَ عَامِرٌ) أي: ابنُ الأكوع (رَجُلًا (١) شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالقَوْمِ) حال كونه (يَقُولُ) قال في «الأساس»: حَدَا الإبلَ حَدْوًا، وهو حَادِي الإبلِ، وهُم حُدَاتها، وحَدَا بها حُداءً، إذا غنَّى لها. وقال في «الفتح»: يؤخذُ منه جميعُ التَّرجمة؛ لاشتمالهِ على الشِّعر، والرَّجز والحُدَاء، ويُؤخذ منه أنَّ الرَّجز من جملة الشِّعر، وقول السَّفاقِسيِّ: إن قوله: (اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) ليس بشعرٍ ولا رجزٍ لأنَّه ليس بموزونٍ، ليس كذلك بل (٢) هو رَجزٌ موزون، وإنَّما زيد في أوَّله سببٌ خفيفٌ ويسمَّى الخزم -بالمعجمتين-. وقال في «الكواكب»: الموزون: لا همُّ، وقوله: لولا أنتَ ما اهتدينا، كقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] (وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا. فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ) بكسر الفاء والمد مرفوعٌ منوَّنٌ في الفرع. قال المازريُّ: لا يقال لله: فداءً لك؛ لأنَّها كلمة إنَّما تستعملُ لتوقع (٣) مَكروه بشخصٍ، فيختارُ شخصٌ آخرُ أن يحلَّ به دون ذلك الآخرِ، ويفديهِ فهو مجازٌ عن الرِّضا، كأنَّه قال: نفسِي

стр. 10859

مبذولةٌ لرضاكَ، أو وقعتْ هنا مخاطبة لسامع الكلام، وقولهِ: (مَا اقْتَفَيْنَا) ما اتَّبعنا أثرهُ. وقال ابن بطَّال: المعنى: اغفرْ لنا ما ارتكبنَا من الذُّنوب، وفداء لك دعاء، أي: افدِنا من عقابكَ على ما اقترفنَا من ذنوبنَا، كأنَّه قال: اغفرْ لنا وافدنا فداء لك، أي: من عندكَ فلا تعاقبنا به، وحاصلُه: أنَّه جعل اللَّام للتَّبين مثل: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] (وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) العدوَّ، كقولهِ تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا﴾ [البقرة: ٢٥٠] (وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا) مثل قولهِ: ﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] (إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا) بكسر الصاد المهملة وسكون التحتية بعدها حاء مهملة، أي: إذا دُعينا للقتال (أَتَيْنَا) من الإتيان (وَبِالصِّيَاحِ) بالصَّوت العالي والاستغاثةِ (عَوَّلُوا عَلَيْنَا) لا بالشَّجاعة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟ قَالُوا: عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ، فَقَالَ) ﷺ : (يَرْحَمُهُ اللهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو: عُمر بن الخطَّاب ﵁ (وَجَبَتْ) له الشَّهادة (يَا نَبِيَّ اللهِ) لأنَّه ﷺ ما كان يدعو لأحدٍ بالرَّحمة يخصُّه بها إلَّا استشهدَ (لَوْلا) هلا (أَمْتَعْتَنَا) أبقيتَه لنا لنتمتَّع (بِهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «لو أمتعتَنَا» (١) (قَالَ) سلمة: (فَأَتَيْنَا) أهل (خَيْبَرَ، فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «فأصابتْنَا (٢)» (مَخْمَصَةٌ) مجاعةٌ (شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ) تعالى (فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ) حِصنًا حصنًا (فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ اليَوْمَ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «مساء اليوم» (الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا): نُوقدها (عَلَى لَحْمٍ. قَالَ) ﷺ : (عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟) أي: على أيِّ أنواع اللُّحوم (قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ) بكسر الهمزة وسكون النون، وللكُشميهنيِّ: «الحمر»، ولأبي ذرٍّ: «الأَنَسيَّة» بإثبات «ال» فيهما وفتح نون الأنسيَّة والهمزة (٣) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَهْرِقُوهَا) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبعد الراء المكسورة قاف من غير تحتية بينهما، في الفرع وأصله (٤)، ولأبي ذرٍّ: «هَرِيْقوها» بإسقاطِ الهمزةِ وفتح الهاء وإثبات تحتية ساكنة بعد الرَّاء، ففي الرِّواية

стр. 10860

الأولى الهاء زائدةٌ، وفي الأُخرى منقلبةٌ عن الهمزةِ، أي: صبُّوها (وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، أو هو عمر: (يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ) بسكون الواو (نُهَرِيقُهَا) بضم النون وإثبات التحتية بعد الراء (وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) ﷺ : (أَوْ ذَاكَ) بسكون الواو، أي: الغسلُ (فَلَمَّا تَصَافَّ القَوْمُ) للقتالِ (كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ) أي: ابن الأكوع (فِيهِ قِصَرٌ) بكسر القاف وفتح الصاد (فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا) وفي «غزوة خيبر» ساق يهوديٍّ [خ¦٤١٩٦] (لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «فرجعَ» بالفاء (١) ولفظ الماضي (ذُبَابُ سَيْفِهِ) أي: طرفهِ الأعلى، أو حدِّه (فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا) رجعوا من خيبر (قَالَ سَلَمَةُ) ابن الأكوعِ: (رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ شَاحِبًا) بالشين المعجمة وبعد الألف حاء مهملة مكسورة فموحدة، متغيِّر اللَّون (فَقَالَ لِي: مَا لَكَ) متغيِّرًا؟ (فَقُلْتُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة؛ لكونه قتلَ نفسهُ (قَالَ) ﷺ : (مَنْ قَالَهُ؟ قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) ثلاثًا (وَأُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضم الهمزة، و «الحُضَير» بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «حضير» (الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجرُ الجهد في الطَّاعة، وأجر الجهادِ في سبيل الله (-وَجَمَعَ) ﷺ (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ) بكسر الهاء فيهما (قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ) بالنون والشين المعجمة والهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «مشى» بالميم والمعجمة والقصر (بِهَا) بالمدينة، أو الحربِ، أو الأرضِ (مِثْلَهُ) أي: مثلُ عامرٍ. والحديثُ سبق في «غزوة خيبرَ» [خ¦٤١٩٦]. ٦١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابن مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 10861

إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبدُ الله بن زيدٍ الجَرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ أنس (١)، وفي رواية حمَّاد بن زيد، في «باب المعاريض» [خ¦٦٢١٠] أنَّه كان في سفرٍ. ومن طريق شعبة عند الإسماعيليِّ والنَّسائيِّ وكان معهم سائقٌ وحادٍ. وفي رواية وهيب وأنجشةُ غلامُ النَّبيِّ ﷺ يسوقُ بهنَّ [خ¦٦٢٠٢] (فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ) بفتح الهمزة والجيم بينهما نون ساكنة وبعد الجيم شين معجمة فهاء تأنيث، وكان حبشيًّا، يكنى أبا مارية (رُوَيْدَكَ سَوْقًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «سوقَكَ» (بِالقَوَارِيرِ) وسقطَ من «الفرع التَّنكزي» (٢) لفظ «سوقك، وسوقًا» وعلى إثباته الشُّرَّاح، وهو الَّذي في «اليونينية» (٣)، و «رويدَكَ» مصدرٌ والكاف في موضعِ خفضٍ، أو اسم فعلٍ والكاف حرفُ خطابٍ، و «سوقك» بالنَّصب على الوجهين، والمراد حدوك إطلاقًا لاسم المسبِّب على السَّبب، وقال ابن مالكٍ: «رويدكَ» اسم فعلٍ بمعنى أرود، أي: أمهل، والكاف المتَّصلة به حرف خطابٍ، وفتحة داله بنائيَّة (٤)، ولك أن تجعلَ «رويدَكَ» مصدرًا مضافًا إلى الكافِ ناصبًا «سوقَكَ» وفتحةُ دالهِ على هذا إعرابيَّة، واختارَ أبو البقاء الوجه الأوَّل، والقواريرُ جمع قارورة، سمِّيت بذلك لاستقرارِ الشَّراب فيها، وكنَّى عن النِّساء بالقواريرِ من الزُّجاج لضعفِ بنيتهنَّ ورقَّتهنَّ ولطافتهنَّ، وقيل: شبَّههنَّ بالقواريرِ لسرعةِ انقلابهنَّ عن الرِّضا، وقلَّة دوامهنَّ على الوفاء، كالقواريرِ يسرعُ الكسرُ إليها، ولا تقبل الجبرَ، أي: لا تحسِنْ صوتك، فربَّما يقعُ في قلوبهنَّ فكفَّه عن ذلك، وقيل: أرادَ أنَّ الإبلَ إذا سمعت الحُداءَ أسرعتْ في المشي واشتدَّت فأزعجتِ الرَّاكب، ولم يؤمن على النِّساء السُّقوط، وإذا مشتْ رويدًا أمن على النِّساء، وهذا من الاستعارةِ البديعةِ؛ لأنَّ القواريرَ أسرعُ شيءٍ تكسُّرًا، فأفادتِ الكناية من (٥) الحضِّ على الرِّفق بالنِّساء في السَّير ما لم تفدْه الحقيقةُ لو قال: ارفق بالنِّساء، وقال في

стр. 10862

«شرح المشكاة»: هي استعارةٌ لأنَّ المشبَّه به غير مذكورٍ، والقرينة حاليَّة لا مقاليَّة، ولفظ الكسر ترشيحٌ لها. (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله الجرميُّ -بالسَّند السَّابق-: (فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ، لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ) ثبت لفظ: «بها» لأبي ذرٍّ (قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بِالقَوَارِيرِ). قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: هذه استعارةٌ لطيفةٌ بليغةٌ فلِمَ تعاب؟ وأجاب: بأنَّه لعلَّه نظر إلى أنَّ شرط الاستعارة أن يكون وجه الشَّبه جليًّا بين الأقوام، وليس بين القارورةِ والمرأة وجه شبهٍ ظاهرٍ، والحقُّ أنَّه كلامٌ في غايةِ الحُسن والسَّلامة عن العيوبِ، ولا يلزمُ في الاستعارةِ أن يكون جلاء وجهِ الشَّبه (١) من حيث ذاتهما، بل يكفِي الجلاءُ الحاصلُ من القرائنِ الحاصل للوجه جليًّا ظاهرًا (٢)، كما في المبحثِ، فالعيبُ في العائب: وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيْحًا … وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ قال: يحتملُ أن يكون قصدُ أبي قِلابة أنّ هذه الاستعارة تحسُن من مثلِ رسولِ الله ﷺ في البلاغةِ، ولو صدرتْ ممَّن لا بلاغةَ له لعبتموها، قال: وهذا هو اللَّائق بمنصبِ أبي قلابة، وقال الدَّاوديُّ: هذا قاله أبو قِلابةَ لأهل العراقِ لما كان عندهم من التَّكلُّف ومعارضة الحقِّ بالباطلِ. ومطابقةُ الأحاديثِ لما ترجمَ عليه (٣) ظاهرةٌ. فإن قلت: قد نفى الله تعالى عنه ﷺ في كتابه أن يكون شاعرًا، وفي الأحاديث أنَّه أنشد الشِّعر واستنشدَه؟ أُجيب بأنَّ المنفيَّ في الآية إنشاءُ الشِّعر لا إنشاده، ولا يقالُ لمن قاله متمثِّلًا أو جرى على لسانه موزونًا من غير قصدٍ: إنَّه شاعرٌ،

стр. 10863

وقد دلَّ غير ما حديثٍ على جوازِ وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصدٍ إلى ذلك، ولا يسمَّى مثل ذلك شعرًا ولا القائلُ به شاعرًا، وقد وقعَ كثيرٌ من ذلك في القرآنِ العظيمِ لكن غالبه أشطارُ أبيات، والقليل منه وقعَ وزن بيت تامٍّ، وللعلَّامة الشِّهاب أبي الطَّيِّب الحجازي «قلائد النحور في جواهر البحور» ذكر فيها ما استخرج من القرآن العزيز ممَّا جاء على أوزانِ البحور اتِّفاقًا، فمن ذلك قوله ممَّا هو من البحرِ الطَّويل: أَيَا مَنْ طَوِيلَ اللَّيلِ بالنَّومِ قَصَّروا … أَنِيْبُوا وكُوْنُوا مِنْ أُنَاسٍ بِهِ تَاهُوا وَإِنْ شِئْتُمُوا تَحْيوا أَمِيتُوا نُفُوسَكُم … وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ومن البحر الوافر: صُدُورَ الجَيْشِ يُظْفِرُكم إِلَه … بِوَافِر سَهْمِكُم بالكَافِرِين ويُخْزِهِم (١) وَيَنْصُركُم عَلَيهِم … وَيَشْفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤْمِنِين ومن الكامل: مَاتَ ابْنُ مُوسَى وَهُو بَحْرٌ كَامِل … فَهَنَّاكُمُ (٢) جَمْعُ المَلَائكِ مُشْتَرك يَأتِيْكُم التَّابُوتُ فِيهِ سَكِيْنَة … مِنْ ربِّكُم وبَقيَّةٌ ممَّا تَرَك

стр. 10864

ومن الرَّمل: أيُّهَا الأَرْمَلُ إِنْ رُمْتَ عَفَافًا … فَتَزَوَّجْ مِنْ نِسَاءٍ خَيِّرَاتٍ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ … تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ومن مجزوء الرَّمل: أَسْعِدُوا المُرَمَّلَ تُجْزوا … ذَاكَ أَوْلَى مَا تُعِدَّون لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى … تُنْفِقُوا مَمَّا تُحِبُّونَ ومن السريع: يَا أَهْلَ دِيْنِ اللهِ بُشْرَاكُمُ (١) … أَقَرَّ مَوْلاكُم بِهِ عَيْنَكُم إِذْ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى المُصْطَفَى … اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُم ومن الخفيف: لَا تَدَعِ اليَتِيمَ يَوْمًا وَكُنْ فِي … شَأْنِهِ كُلِّهِ رَؤوفًا رَحِيْمًا أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكِذِّبُ بِالدِّيْن … فَذَاكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيْمَا ومن المضارع: وَضَارِعْ أُهَيْلَ خَيْر … تَنَل مِنْ رَبٍّ يَقِيْنَا جِنَانًا مُزَخْرَفَاتٍ … وَهُمْ فِيْهَا خَالِدُونا ومن المجتثِّ: اجْتُثَّ قَلْبِي بِذَنْبِي … وَاللهُ خَيْرًا يَزِيْدُ وَكَيْفَ أَخْشَى ذُنُوبِي … وَهُو الغَفُوْرُ الوَدُوْدُ وفي «فتح الباري» جملة من الآيات (٢) من هذا المعنى، وكان الأولى بي ترك ذلك لكن

стр. 10865

جرى القلم بما حكمَ، والله أسأل الرَّشاد إلى طريق السَّداد، وأن يختمَ لي بالإسلام والسُّنَّة (١) في عافيةٍ بلا محنةٍ، وأن يفرِّج كربِي. (٩١) (بابُ) استح بابِ (هِجَاءِ المُشْرِكِينَ) أي: ذمَّهم في الشِّعر، والهجاءُ والهجوُ بمعنًى، يقال: هجوتُه بالواو، ولا يقال: هجيتُه بالياء. ٦١٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، ابنُ سليمان قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) بن المنذر بنِ حرام بنِ عَمرو بن زيدِ مناة بنِ عدي بنِ عمرو بنِ مالك ابنِ النَّجار الأنصاريُّ الخزرجيُّ، ثم النَّجاريُّ شاعرُ رسول الله ﷺ ، وأمُّه الفُرَيعة -بالفاء والعين المهملة- مصغَّرًا، خزرجيَّة أيضًا أدركتِ الإسلام فأسلمتْ وبايعتْ. قال أبو عُبيدة: فضل حسان الشُّعراء بثلاثٍ: كان شاعرَ الأنصار في الجاهليَّة، وشاعر النَّبيِّ ﷺ أيَّام النُّبوَّة، وشاعر اليمن كلِّها في الإسلام، وكان يهجو الَّذين كانوا يهجونَ رسول الله ﷺ واستأذن (رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ) ذمِّهم في شعره (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَكَيْفَ بِنَسَبِي؟) أي: فكيف تهجوهُم ونَسبي فيهم، فربَّما يُصيبني شيءٌ من الهجو (فَقَالَ حَسَّانُ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ) لأتلطَّفنَّ في تخليصِ نسبكَ من هجوهم بحيثُ لا يبقى جزءٌ من نسبكَ فيما نالهُ الهجو (كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ) فإنَّها لا يبقَى عليها منه شيءٌ، وذلك بأن يَهْجوهم بأفعالهِم وبما يختصُّ عارُه بهم. والحديث مرَّ في «المغازي» [خ¦٤١٤٥]، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل».

стр. 10866

(وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير -بالسَّند السَّابق- أنَّه (قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ) بن ثابتٍ (عِنْدَ عَائِشَةَ) ﵂ لموافقتهِ لأهل الإفكِ (فَقَالَتْ: لَا تَسُبُّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ) بضم التحتية وفتح النون وبعد الألف فاء فحاء مهملة، يُدافع ويُخاصم (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) والمرادُ بالمنافحةِ هنا هجاءُ المشركين ومُجَازاتهم على أشعارِهِم. ٦١٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالغين المعجمة، ابنُ الفرج أبو عبد الله المصريُّ، وهو من أفرادهِ، قال: (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (١) (أَنَّ الهَيْثَمَ بْنَ أَبِي سِنَانٍ) المدنيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (فِي قَِصَصِهِ) بفتح القاف والصاد الاسم، وبكسر القاف، جمع: قصَّة، والقصُّ في الأصل البيان (يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ) بالمثلثة، أي: الفحش (يَعْنِي) أبو هريرة (بِذَاكَ: ابْنَ رَوَاحَةَ) وهو عبدُ الله بن رَوَاحة -بفتح الراء والواو وبعد الألف حاء مهملة-، ابن ثعلبةَ بنِ امرئ القيسِ بن عَمرو الأنصاريِّ الخزرجيِّ، الشَّاعر المشهورُ، وليس له عَقِبٌ، من السَّابقين الأوَّلين من الأنصارِ، وهو أحدُ النُّقباء ليلةَ العقبة شهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهدَ بمؤتَةَ (قَالَ) بمدح النَّبيِّ ﷺ (فِينَا) ولأبي ذرٍّ: «وفينَا» (رَسُولُ اللهِ) ﷺ (يَتْلُو كِتَابَهُ) القرآن (إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ) مرتفع صفة لـ «معروفٌ» أي: أنَّه يتلو كتابَ الله وقتَ انشقاقِ الوقت السَّاطع من الفجرِ (أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ

стр. 10867

العَمَى) بعد الضَّلالة (فَقُلُوبُنَا بِهِ) ﷺ (مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ) من أمورِ الغيبِ (وَاقِعُ. يَبِيتُ) حال كونه (يُجَافِي) يرفع (جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ) كنايةً عن تهجُّده ﷺ (إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِيْن) ولغير الكشميهنيِّ: «بالكافرين» (المَضَاجِعُ) وهذه الأبياتُ من البحر الطَّويل. والحديثُ سبقَ في «باب فضل من تعارَّ من اللَّيل من التَّهجد» [خ¦١١٥٥]. (تَابَعَهُ) أي: تابع يونسَ (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ، في روايتهِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ، فيما وصله الطَّبرانيُّ في «الكبير» (وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمَّد ابن الوليد الشامي (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن المسيَّب (وَالأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فيما وصله البخاريُّ في «تاريخه الصغير» والطَّبرانيُّ أيضًا. ٦١٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح) كذا في بعضِ الفروعِ المعتمدة (٢) (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ، واسمُه عبد الحميدِ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ بلال (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّدُ بن عبد الله بنِ محمد بنِ عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق التَّيميِّ القرشيِّ، وأبو عتيق كنية جدِّه محمَّد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) كذا في بعضِ الفروع المعتمدة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ

стр. 10868

حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ) ﵁، حال كونه (يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ يطلبُ منه الإخبار (فَيَقُولُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ نَشَدْتُكَ بِاللهِ) بنون وشين معجمة مفتوحتين من غير ألف، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نشدتُكَ اللهَ» بإسقاط حرف الجرِّ من الجلالةِ الشَّريفة والنَّصب، أي: أقسمتُ عليكَ بالله (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَا حَسَّانُ أَجِبْ) دافعًا، أو أجب الكفَّار (عَنْ رَسُولِ اللهِ) ﷺ إذ هجوهُ وأصحابه، ولما كان الهجو في المشركين، والطَّعن في أَنْسابهم مظنَّة الفحشِ في الكلامِ وبذاءةِ اللِّسان، وذلك يؤدِّي أن يتكلَّم بما يكون عليه؛ لأنَّه احتاجَ التَّأييد (١) من الله وأن يطهِّره من ذلك، فقال ﷺ : (اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ) قوِّه (بِرُوحِ القُدُسِ) جبريل ﵇ (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ) سمعتُه ﷺ يقول ذلك. والحديثُ سبق في «باب الشِّعر في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥٣]. ٦١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ ابْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ (عَنِ البَرَاءِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِحَسَّانَ) بن ثابتٍ: (اهْجُهُمْ) بهمزة وصل وسكون الهاء وضم الجيم ثمَّ الهاء (أَوْ قَالَ) ﷺ : (هَاجِهِمْ) بفتح الهاء وألف بعدها وكسر الجيم والهاء، بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) بالتَّأييد والمعاونةِ. (٩٢) (باب مَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الغَالِبَُ) بالنَّصب، كما في الفرعِ خبر كان (عَلَى الإِنْسَانِ الشِّعْرَُ) بالرَّفع اسمها، ويجوزُ العكس (حَتَّى يَصُدَّهُ) أي: الشِّعر (عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالعِلْمِ وَالقُرْآنِ). ٦١٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذامَ العبسيُّ (٢) الكوفيُّ قال: (أَخْبَرَنَا

стр. 10869

حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان الجمحيُّ القرشيُّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عبد الله (١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ) بلام التَّأكيد، و «أن» المصدريَّة في موضعِ رفع على الابتداءِ (جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا) نصب على التَّمييز، والقيح المِدَّة، لا (٢) يخالطُها دمٌ، وخبر المبتدأ قوله: (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) ظاهرُه العموم في كلِّ شعرٍ لكنَّه مخصوصٌ بما لم يكن حقًّا، وأمَّا الحقُّ فلا؛ كمدحِ الله ورسولهِ، وما يشتملُ على الذِّكر والزُّهد وسائرِ المواعظ ممَّا لا إفراطَ فيه، وحملَه ابن بطَّال على الشِّعر الَّذي هُجِي به النَّبيُّ ﷺ ، وتعقَّبه أبو عُبيد بأنَّ الَّذي هُجي به النَّبيُّ لو كان شطر بيتٍ كان كفرًا، قال: والوجه عندِي أن يمتلئ قلبُه منه حتَّى يغلبَ عليه فيشغله عن القرآن والذِّكر، فأمَّا إذا كان الغالبُ القرآن والذِّكر عليه، فليس جوفُه بممتلئٍ من الشِّعر. نعم، أخرج أبو يعلى الموصليُّ، عن جابرٍ مرفوعًا «لأنْ يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحًا أو دمًا خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا هُجِيتُ به» وفي سندهِ راوٍ لم يُعرف، وأخرجه الطَّحاويُّ وابنُ عديٍّ من رواية الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة مثل حديث الباب. قال: فقالتْ عائشةُ: لم يحفظ إنَّما قال: «أنْ يمتلئَ شعرًا هُجِيتُ به». قال في «الفتح»: وابنُ الكلبيِّ واهي الحديث، وشيخه أبو صالحٍ ليس هو السَّمَّان المتَّفق على تخريجهِ في «الصَّحيحين» (٣) عن أبي هريرة بل هو آخرُ ضعيفٌ، يقال له: باذان، فلم تثبتْ هذه الزِّيادة، وقال السُّهيليُّ: إنْ قُلنا بما قالتْه عائشةُ من تخصيصِ النَّهي بمن يمتلئُ جوفهُ من شعرٍ هُجِي به ﷺ ، فليس في الحديثِ إلَّا عَيْبُ (٤) امتلاءِ الجوفِ منه، فلا يدخلُ في النَّهي رواية اليسيرِ على سبيلِ الحكايةِ ولا الاستشهاد به في اللُّغة، وحينئذٍ فلا يكُفُر قائله، ولا فرقَ بينه وبين الكلام الَّذي ذمُّوا به النَّبيَّ ﷺ . ٦١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ)

стр. 10870

سليمان بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ) ظاهره كما في «بهجة النفوس» أنَّ المراد الجوف كلُّه وما فيه من القلب وغيره، أو المراد القلب خاصَّة وهو الأظهرُ لأنَّ أهل الطِّبِّ يزعمون أنَّ القيحَ إذا وصل إلى القلبِ شيءٌ منه وإن كان يسيرًا، فإنَّ صاحبه يموتُ لا محالةَ بخلافِ غير القلب ممَّا (١) في الجوفِ من الكبدِ والرِّئة. وعند الطَّحاويِّ والطَّبرانيِّ من حديث عوفِ بن مالكٍ: «لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدكُم من عانتهِ إلى لهاتهِ قيحًا يتخضخضُ خيرٌ له من أن يمتلئَ شعرًا»، وسنده حسن، و «يَرِيْه» بفتح التحتية وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «حتَّى يريه» بزيادة حتَّى، ونسبها بعضُهم للأَصيليِّ فعلى حذف حتَّى مرفوع، وعلى ثبوتها بالنَّصب، وذكر ابنُ الجوزيِّ أنَّ جماعةً من المبتدئين يقرؤونها بالنَّصب مع إسقاط حتَّى جريًا على المألوفِ وهو غلطٌ إذ ليس هنا ما ينصب، وقال الزَّركشيُّ: رواه (٢) الأَصيليُّ بالنَّصب على بدلِ الفعل من الفعلِ، وأجرى إعرابَ «يمتلئ» على «يَرِيه» (٣) ومعناه -كما في «الصحاح» - يأكله، وقيل: معناه أنَّ القيحَ يأكلُ جوفه، وقيل: يصيبُ رئته. وتعقِّب بأنَّ الرِّئَة مهموزة العين. وأُجيب بأنَّه لا يلزمُ من كون الأصلِ مهموزًا أن لا يستعمل مسهلًا. قال: في «الفتح»: ووقع في حديثِ أبي سعيدٍ عند مسلم لهذا الحديثِ سببٌ ولفظه بينما نحن نسيرُ مع رسول الله ﷺ بالعَرْجِ، إذ عَرَض لنا شاعرٌ ينشدُ، فقال: «أمسكوا الشَّيطان لأن يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا» (خَيْرٌ مِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «له من» (أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا) وهذا الزَّجر (٤) إنَّما هو لمن أقبلَ على الشِّعر، وتشاغلَ له عن تلاوةِ القرآن والذِّكر والعبادةِ، وألحقَ أبو عبد الله محمد (٥) بنُ أبي جمرة -بامتلاءِ الجوف بالشِّعر المذمومِ المشغِلِ عن الواجباتِ والمستحبَّات- الامتلاءَ من السَّجع مثلًا، ومن كلِّ علمٍ مذمومٍ كالسِّحر وغيرهِ من العلوم.

стр. 10871

والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الطِّبِّ»، وابن ماجه في «الأدب». (٩٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : تَرِبَتْ) أي: افتقرَت (يَمِينُكَ) أو هي كلمةٌ يراد بها التَّحريض على الفعلِ لا الدُّعاء، أو يراد بها المبالغة في المدحِ، كقولهم للشَّاعر: قاتلهُ الله لقد أجادَ (وَعَقْرَى) أي: عَقرها اللهُ، و (١) (حَلْقَى) أصابها وجعٌ في حلقِها. ٦١٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بنِ بُكَير الحافظ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ) بضم القاف وفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة سين مهملة، عمَّ عائشة من الرَّضاعة، وفي رواية لمسلم أفلح بن أبي قُعَيس. وكذا عند البغويِّ من وجهٍ آخر (اسْتَأْذَنَ) أن يدخلَ (عَلَيَّ) بتشديد التحتية (بَعْدَ مَا نَزَلَ) ولأبي ذرٍّ: «بعدما أُنزل» (الحِجَابُ فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا آذَنُ لَهُ) أن يدخلَ عليَّ (حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) فيه (فَإِنَّ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي) بالفوقية السَّاكنة قبل النون (امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ) قال في «الفتح»: لم أعرف اسمها (فَدَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد التحتية (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ) أخا أبي القُعَيس (لَيْسَ هُوَ) الَّذي (أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ (٢). قَالَ) ﷺ : (ائْذَنِي لَهُ) في الدُّخول عليكِ (فَإِنَّهُ عَمُّكِ) من الرَّضاعة

стр. 10872

(تَرِبَتْ يَمِينُكِ) فأثبتَ ﷺ عمومة الرَّضاع (١) وألحقها بالنَّسب. ومطابقةُ الحديثِ لبعض التَّرجمة ظاهرةٌ لا خفاء فيها، والحديثُ سبق في «النكاح» [خ¦٥١٠٣]. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير -بالسَّند السَّابق-: (فَبِذَلِكَ) أي: بسبب ما ذكر في هذا الحديث (كَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ) ومبحث هذا سبق [خ¦٥٠٩٩]. ٦١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بن عُتَيْبة -بضم العين وفتح الفوقية وبعد التحتية الساكنة موحدة- الكنديُّ، مَولاهم فقيه الكوفة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ) بكسر الفاء، يرجعَ من الحجِّ (فَرَأَى صَفِيَّةَ) بنت حُييٍّ (عَلَى بَابِ خِبَائِهَا) بكسر الخاء المعجمة وبعد الموحدة ألف فهمزة ممدودًا، أي: خَيمتها (كَئِيبَةً) من الكآبة، أي: سيَّئة الحال (حَزِينَةً؛ لأَنَّهَا حَاضَتْ) ولم تطُف طوافَ الوداع، فظنَّت أنَّه كطواف الزِّيارة في تمام الحجِّ وأنَّه لا يجوز تركه مع العذر، وظنَّ ﷺ أنَّها لم تطفْ طوافَ الزِّيارة (فَقَالَ) لها: (عَقْرَى حَلْقَى) على وزن فَعْلى، بفتح الفاء مقصورًا، وحقُّهما التَّنوين ليكونا مصدرين، أي: عقرها الله عقرًا، وحلقها حلقًا، وهو دعاء لكنَّه (لُغَةُ قُرَيْشٍ) يُطلقونه ولا يريدونَ وقوعَه بل عادتهم التَّكلُّم بمثله على سبيل التَّلطُّف، وضبطَه أبو عُبيد في «غريب الحديث» بالقصر وبالتَّنوين، وذكر في الأمثال أنَّه في كلامِ العرب بالمدِّ، وفي كلام المحدِّثين بالقصر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «لفظة» بالفاء والمعجمة منونًا، بدل قوله: «لغة» ولأبي ذرٍّ: «لقريش» (إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا) عن الرِّحلة إلى المدينة (ثُمَّ قَالَ) ﷺ مستفهمًا: (أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ يَعْنِي) ﵊: (الطَّوَافَ) للزِّيارة؟ (قَالَتْ: نَعَمْ) أفضتُ (قَالَ) ﵊:

стр. 10873

(فَانْفِرِي إِذًا) بالتَّنوين لأنَّ حجَّك قد تمَّ. والحديثُ قد (١) سبق في «باب إذا حاضتِ المرأةُ بعدما أفاضتْ» من «كتاب الحج» [خ¦١٧٦٢] وبالله المستعان على التَّكميل، والتَّوفيق للصَّواب. (٩٤) (بابُ مَا جَاءَ فِي زَعَمُوا) في حديثِ أبي قِلابة عند أحمدَ وأبي داود بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، قال: قيل لأبي مسعودٍ: ما سمعتَ رسولَ الله ﷺ يقول في زعموا؟ قال: بئسَ مطيَّة الرَّجل، وفي المثل: زعموا مطيَّةُ الكذبِ، والأصلُ فيها أن تقال في الأمر الَّذي لا يعلم حقيقته، فمَن أكثر الحديث بما لا يتحقَّق حقيقتَه لم يُؤمن عليه الكذب. ٦١٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٢): «ابن يوسف» بدل قولهِ: «ابن مسلمة»، وعبد الله بن يوسف هو أبو محمَّدٍ الدِّمشقيُّ ثم التِّنِّيسيُّ الحافظ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون المعجمة، سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) المدنيِّ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، يزيد (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) فاختة (بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ) بمكَّة (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) أي: لاقت رحبًا وسعةً (فَلَمَّا فَرَغَ) رسولُ الله ﷺ (مِنْ غَسْلِهِ) بفتح الغين، ولأبي ذرٍّ بضمها (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) حال

стр. 10874

كونه (مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) من صلاتهِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي) عليُّ بن أبي طالبٍ، وهي شقيقتُه، لكنَّها خصَّت الأمَّ لاقتضاءِ مزيد الشَّفقة والرِّعاية، وقولها: زعم، أي: قال، ومثله قول سيبويه في كتابه في أشياءَ يرتضيهَا: زعمَ الخليلُ، والحاصل أنَّها قد تطلقُ ويرادُ بها القول، وقد أطلقت ذلك أمُّ هانئ في حقِّ عليٍّ، ولم ينكرْ عليها النَّبيُّ ﷺ (أَنَّهُ قَاتِلٌ) بالتَّنوين، اسم فاعل بمعنى الاستقبال (رَجُلًا) ففيه إطلاقُ اسم الفاعل على من عزمَ على التَّلبُّس بالفعل (قَدْ أَجَرْتُهُ) بالراء، أي: أمَّنتهُ هو (فُلَانَُ بْنَُ هُبَيْرَةَ) ويجوز النَّصب (١) قيل: اسمهُ الحارث بن هشامٍ المخزوميُّ، أو عبد الله بن أبي ربيعةَ، أو زهيرُ بن أبي أمية (٢)، كما عند الزُّبير ابن بكَّار في «النَّسب» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) أمَّنَّا من أمَّنت (يَا أُمَّ هَانِئٍ) فليس لعليٍّ قتلُهُ (قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ (٣)) أي: صلاتهُ الثَّمان ركعات، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وذلك» باللَّام (ضُحًى) أي: وقتَ ضُحى. والحديثُ سبق في «باب الصَّلاة في الثَّوب الواحد ملتحفًا به» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٣٥٧]. (٩٥) (بابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ) لغيرهِ: (وَيْلَكَ) كلمةُ عذابٍ، نصب على المصدرِ بفعل ملاقٍ له في المعنى دون الاشتقاقِ، ومثله ويحَهُ ووَيْسَه (٤)، أو على المفعول به، بتقدير ألزمك اللهُ ويلك، وقيل: أصلها وي (٥) كلمة تأوُّه، فلما كثُر قولهم: وي لفلان، وصلوها باللام، وقدَّروا أنَّها منها فأعربوها. ٦١٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء

стр. 10875

وتشديد الميم، ابن يحيى بن دينار العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا) لم يُسمَّ (يَسُوقُ بَدَنَةً) ناقةً تنحر بمكَّة، يعني أنَّها هديٌ تساق إلى الحرم (فَقَالَ) ﷺ له: (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ) ﷺ : (ارْكَبْهَا، قَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ) ﷺ : (ارْكَبْهَا وَيْلَكَ) بتكرير ذلك (١) ثلاثًا. وقال له: «ويلكَ» تأديبًا له لأجلِ مراجعتهِ له مع عدم خفاءِ الحال عليه، أو لم يردْ بها موضوعها الأصلي بل جرتْ على لسانهِ في المخاطبة من غير قصدٍ، وقيل غير ذلك، كما مرَّ في «الحجِّ» [خ¦١٦٨٩]. ٦١٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ مَالِكٍ) الإمامِ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا) لم يُسمَّ (يَسُوقُ بَدَنَةً) زاد مسلمٌ: مقلَّدةً (فَقَالَ لَهُ: ارْكَبْهَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أي: هديٌ (قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ) قالها (فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ أَوْ فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي. والحديثُ سبق في «الحج» [خ¦١٦٨٩]. ٦١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ) بضم الموحدة (٢) (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) سقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ قال: حمَّاد أيضًا

стр. 10876

(وَأَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيَّ، وفي بعض النُّسخ: «ح» للتَّحويل «وأيوب» (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ (٢) مَعَهُ غُلَامٌ لَهُ أَسْوَدُ) اللَّون حبشيًّا حسن الصَّوت بالحُداءِ (يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، يَحْدُو) ببعض أمَّهات المؤمنين، ومعهنَّ أمُّ أنسٍ أمُّ سُليم (٣) (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَيْحَكَ) بالحاء المهملة، كلمة رحمةٍ نصب بإضمار فعل، كأنَّه قال: ألزمهُ الله ويحًا. ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «ويلك» كلمة عذابٍ، كما مرَّ. وقال التِّرمذيُّ: إنَّهما بمعنى واحدٍ تقول: ويح لزيد وويل لزيدٍ، لكن عند الخرائطيِّ في «مساوئ الأخلاق» بسندٍ واهٍ (٤) عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها في قصَّة: «لا تجزعي من الويح، فإنَّها كلمة رحمةٍ، ولكن اجزعِي من الويل» (يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالقَوَارِيرِ) أي: ارفق بالنِّساء في السَّير؛ لئلَّا يسقطْنَ من شدَّة الإسراع. والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦١٤٩]. ٦١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، ابن خالدٍ (عَنْ خَالِدٍ) هو ابنُ مِهران الحذَّاء (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بَكْرة -بفتح الموحدة وسكون الكاف- نفيع بن الحارث، أنَّه (قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أعرفهما (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) خيرًا (فَقَالَ) ﵊ له: (وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ) بثنائكَ عليه لأنَّه أوقعه في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينهِ، وقطعُ العنق

стр. 10877

مجاز عن القتل فهما مشتركان في الهلاكِ إلَّا أنَّ هذا دينيٌّ (١) قال له ﷺ : «ويلك … » إلى آخره، (ثَلَاثًا) ثمَّ قال ﷺ : (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا) أحدًا (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة وتخفيف اللام، لا بدَّ (فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا) كذا وكذا (وَاللهُ حَسِيبُهُ) محاسبهُ على عمله (وَلَا أُزَكِّي) بهمزة مضمومة (عَلَى اللهِ أَحَدًا) أي: لا أشهدُ على الله جازمًا أنَّه عنده كذا وكذا؛ لأنَّه لا يعرفُ باطنه، أو لا يقطعُ به؛ لأنَّ عاقبة أمره لا يعلمها إلَّا الله، والجملتان اعتراضٌ، وقوله: (إِنْ كَانَ يَعْلَمُ) متعلِّقٌ بقولهِ: «فليقلْ». والحديثُ سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٢] وفي «باب ما يكره من التَّمادح» [خ¦٦٠٦١]. ٦١٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن ميمون أبو سعيدٍ المعروف بدُحَيْم ابن اليتيم قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ أبو العباس الدِّمشقيُّ (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بنِ عوف (وَالضَّحَّاكِ) بن شرحبيل المِشْرَقيِّ -بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء بعدها قاف- الهمْدانيِّ، ومِشْرَق بطنٌ من هَمْدان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعدِ بن مالك (الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغيرِ ميم (النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ ذَاتَ يَوْمٍ قِسْمًا) بكسر القاف، مصحَّحًا عليه (٢) في

стр. 10878

الفرع كأصله (١)، وسكون السين المهملة، وكان تبرًا (٢) بعثه عليُّ بن أبي طالبٍ (فَقَالَ ذُو الخُوَيْصِرَةِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وكسر الصاد المهملة مصغَّرًا، نافع أو حرقوصُ ابن زهير (رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْدِلْ) في القسمة (قَالَ) ﷺ : (وَيْلَكَ) دعاءٌ عليه (مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: يا رسول الله (ائْذَنْ لِي فَلِأَضْرِبْ عُنُقَهُ) بكسر اللام والجزم جوابُ الشرط، ولأبي ذرٍّ: «فلأضربَ» بالنَّصب، فالفاء سببيَّة ينصب بعدها المضارع (قَالَ) ﷺ : (لَا) تضرب عنقهُ (إِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) يصومون النَّهار ويقومون اللَّيل (يَحْقِرُ) بفتح أوله وكسر القاف (أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ) يخرجون سريعًا (مِنَ الدِّينِ) الإسلاميِّ من غير حظٍّ ينالهم منه، أو المراد (٣) بالدِّين الطَّاعة للإمام (كَمُرُوقِ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ) الصَّيد المرميِّ ولشدَّة (٤) سُرْعة خروج السَّهم من الرَّميَّة لقوة ساعد الرَّامي لا يعلَق بالسَّهم من جسد الصَّيد شيءٌ (يُنْظَرُ) مبنيٌّ (٥) للمفعول (إِلَى نَصْلِهِ) أي: إلى حديدهِ (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ) أي: في النَّصل (شَيْءٌ) من دم الصَّيد ولا غيره (ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ: «و» (يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد التحتية، وهي القدحُ، أي: عود السَّهم (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ) من الدَّم ولا غيره (ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ) بضم القاف وفتح الذال الأولى (٦)، ريشه (فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، سَبَقَ) ولأبي ذرٍّ: «قد سبق» أي: السَّهم (الفَرْثَ) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمثلثة، ما يجتمعُ في الكرشِ (وَالدَّمَ) فلم يظهرْ أثرهما فيه، كما أنَّ هؤلاء لا يتعلَّقون من الإسلامِ بشيءٍ (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها نون، و «فُرقة» بضم الفاء، أي: على زمانِ افتراق، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ:

стр. 10879

«على خَيرِ فرقةٍ» بالخاء المعجمة المفتوحة وبعد التحتية الساكنة (١) راء، أي: أفضل فِرقةٍ -بكسر الفاء- طائفةٍ (مِنَ النَّاسِ) عليِّ بن أبي طالبٍ وأصحابه (آيَتُهُمْ) بمدِّ الهمزة، علامتُهم (رَجُلٌ) اسمه نافعٌ، أو ذو الخويصرة (إِحْدَى يَدَيْهِ) بالتَّحتية أوله تثنيةُ يدٍ (مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ) بالمثلثة وسكون الدال المهملة (أَوْ) قال: (مِثْلُ البَضْعَةِ) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة وفتح العين المهملة، القطعةُ من اللَّحم (تَدَرْدَرُ) بفتح الفوقية والدالين المهملتين بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا، وأصلهُ تتدردرُ، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، أي: تتحرَّك. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ -بالسَّند السَّابق-: (أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهُ) أي: الحديثَ (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنِّي كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ) ﵁ (حِينَ قَاتَلَهُمْ) بالنَّهروان بقربِ المدائن (فَالتُمِسَ) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول، أي: طلب الرَّجل المذكور (فِي القَتْلَى) فوجد (فَأُتِيَ بِهِ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول إلى عليٍّ فإذا هو (عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: على الوصف الَّذي وصفه (٢) به، والفرق بين الصِّفة والنَّعت أنَّ النَّعت يكون بالحليةِ كالطَّويل والقصيرِ، والصِّفة بالأفعال نحو ضاربٍ وخارج (٣)، وحينئذٍ لا يقال: الله منعوتٌ بل يقال: موصوفٌ، وقيل: النَّعت ما كان لشيءٍ خاصٍّ كالعرجِ والعَمى والعور؛ لأنَّ ذلك يخصُّ موضعًا من الجسد، والصِّفة ما لم تكنْ لشيءٍ مخصوصٍ كالعظيمِ والكريم، فلذلك (٤) قال أبو سعيدٍ هنا (٥): على نعت النَّبيِّ ﷺ ، فافهم فإنَّ فيه دقَّة. وقال الجوهريُّ والمجدُ الشِّيرازيُّ: الصِّفة كالعلم والسَّواد، وأمَّا النَّحويون فلا يريدون بالصِّفة هذا؛ لأنَّ الصِّفة عندهم هي النَّعت، والنَّعت هو اسمُ فاعل نحو ضارب،

стр. 10880

والمفعول نحو مضروب، وما يرجع إليهما من طريق المعنى. والحديثُ سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦١٠]. ٦١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ المجاور بمكة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) قيل: هو سلمةُ بن صخرٍ، أو سلمان بن صخرٍ، أو أعرابيٌّ (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ) أي: فعلتُ ما هو سببُ هَلاكي (قَالَ) ﷺ له: (وَيْحَكَ) ما لك؟ (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي) أي: جامعت زوجتِي (فِي رَمَضَانَ. قَالَ) ﷺ : (أَعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَ: مَا أَجِدُهَا. قَالَ) ﷺ : (فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ) ﷺ : (فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) بهمزة قطع مفتوحة وكسر العين، أعمُّ من الفقير (قَالَ: مَا أَجِدُ) وفي حديث ابنِ عمر قال: والَّذي بعثك بالحقِّ ما أُشْبِع أهلي (فَأُتِيَ) بضم الهمزة، النَّبيُّ ﷺ (بِعَرَقٍ) بفتح العين والراء بعدها قاف، والعرقُ المكتلُ يسع خمسة عشر صاعًا (فَقَالَ) ﷺ : (خُذْهُ فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتَّمر الَّذي فيه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيِ) بطاء مهملة ونون مضمومتين وموحدة مفتوحة، تثنية طُنُبٍ واحد أَطْنَاب الخيمة، فاستعارَهُ للطَّرف والنَّاحية (١). وقال في «الكواكب»: شبَّه المدينة بفسطاطٍ مضروبٍ وحَرَّتيها بالطُّنبين أراد ما بين لابتي (المَدِينَةِ أَحْوَجُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ:

стр. 10881

«أفقر» (مِنِّي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) تعجُّبًا وهي وسط الأسنان، ولا منافاةَ بين قولهِ في الرِّواية الأخرى: «نواجذه» [خ¦٦٠٨٧] لظهورها عند الضَّحك، وقد يُطلق كلٌّ منهما على الآخر (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (خُذْهُ) وله عن الكُشميهنيِّ: «ثمَّ قال: أطعمْه أهلكَ» أي: من تلزمُك نفقتُه، أو زوجتك، أو مطلق أقاربكَ. والحديث سبق في «الصِّيام» [خ¦١٩٣٦]. (تَابَعَهُ) أي: تابع الأوزاعيَّ (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، فيما وصله البيهقيُّ، وقال: ويحكَ وما ذاك؟ (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ أمير مصر لهشامِ بن عبد الملك في روايتهِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وقال: (وَيْلَكَ) بدل «ويحك»، وهذا وصله الطَّحاويُّ من طريق اللَّيث حَدَّثَنِي عبد الرَّحمن، فذكرَهُ. ٦١٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عيسى الدِّمشقيُّ، ابن بنت شرحبيل أبو أيُّوب قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) بفتح العين، عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ) بالزاي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ) المدنيِّ نزيل الشَّام (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الهِجْرَةِ) وفي «باب الهجرة إلى المدينة» [خ¦٣٩٢٣] أنَّ أعرابيًا سأل رسولَ الله ﷺ عن الهجرة، أي: أن يبايعه على الإقامةِ بالمدينة، ولم يكن الأعرابيُّ من أهل مكَّة الَّذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فَقَالَ) ﷺ له (١): (وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَ الهِجْرَةِ) أي: القيام بحقِّها (شَدِيدٌ) لا يقدرُ عليه (فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) ﷺ :

стр. 10882

(فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟) زكاتها (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ) من وراء القرى والمدن سواءٌ كنت مقيمًا في بلدكَ، أو غيرها من أقصَى بلادِ الإسلام، وإن كان (١) أبعد من المدينةِ، والقرية يقال لها: البحرةُ لِاتِّساعها. وقال في «الفتح»: ووقع في رواية الكُشميهنيِّ: «من وراءِ التجار» بفوقية ثمَّ جيم، قال: وهو تصحيفٌ (فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ) بكسر الفوقية، أي: لن ينقصك (مِنْ) ثواب (عَمَلِكَ شَيْئًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم يترْك» بالجازمِ بدل النَّاصب، وسكون الراء للجزم، وفي رواية ذكرها في «الفتح»: «لن يَتْرُك» بفتح التحتية وسكون الفوقية، من التَّرك، والكاف أصليَّة. والحديثُ سبق في «الزكاة» [خ¦١٤٥٢] و «الهجرة» [خ¦٣٩٢٣]. ٦١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهجيميُّ -بالجيم- أبو عثمان المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج ابن الورد العتكيُّ مولاهم أبو بسطام الواسطيُّ ثمَّ البصريُّ، كان سفيان الثَّوريُّ يقول: هو أميرُ المؤمنين في الحديث (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) بالقاف والدال المهملة، ابن عبد الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب العدويِّ المدنيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن زيدٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: وَيْلَكُمْ -أَوْ وَيْحَكُمْ. قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (شَكَّ هُوَ-) أي: شيخهُ واقد بن محمَّد هل قال ﷺ : ويلكُم أو ويحكم (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) لا تكن أفعالكم تشبهُ أفعالَ الكفَّار في ضربِ رقاب المسلمين مستحلِّين. (وَقَالَ النَّضْرُ) بالمعجمة الساكنة، ابن شُميل -بضم المعجمة- (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج

стр. 10883

-بالسَّند السَّابق-: (وَيْحَكُمْ) بالحاء، ولم يشكَّ (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بضم العين، أخو واقدٍ المذكور، ممَّا وصله في أواخر (١) «المغازي»، من طريقِ ابن وهبٍ، عن عمر [خ¦٤٤٠٣] (عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن جدِّه ابن عمر (وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمْ) كقول أخيهِ واقد. قال في «الفتح»: فدلَّ على أنَّ الشَّكَّ فيه من محمَّد بن زيد، أو ممَّن فوقَه، والله أعلم. ٦١٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، القيسيُّ البصريُّ الكلابيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى العوذيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) قال في «المقدمة»: لم أعرف اسمهُ، لكن في الدَّارقطنيِّ ما يدلُّ على أنَّه ذو الخُويصرة اليمانيُّ، وهو الَّذي بال في المسجد (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ قَائِمَةًٌ؟) برفع «قائمة» على أنَّه خبر «السَّاعة» فـ «متى» ظرف متعلِّق به، وبنصبهِ على الحالِ من الضَّمير المستكن في «متى» إذ هو على هذا التَّقدير خبرٌ عن «السَّاعة» فهو ظرفٌ مستقرٌّ، ولما كان سؤال الرَّجل يحتملُ أن يكون على وجه التَّعنُّت وأن يكون على وجهِ الخوف، فامتحنَه النَّبيُّ ﷺ حيث (قَالَ) له: (وَيْلَكَ وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا) زاد مسلمٌ من طريق مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ: «من كبير عملٍ أحمد عليه نفسي» (إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ) ﷺ له: (إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) لمَّا امتحنَه وظهرَ من جوابهِ إيمانُهُ ألحقَه بمن ذكر، وليس المراد بالمعيَّة التَّساوي، فإنَّه يقتضِي (٢) التَّسوية (٣) في الدَّرجة بين الفاضلِ والمفضولِ، وذلك لا يجوزُ، بل المراد كونُهم في الجنَّة بحيثُ يتمكَّن كلُّ واحدٍ منهم من رُؤية الآخرَ وإن بَعُد المكان؛ لأنَّ الحجابَ إذا زال شاهدَ بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا

стр. 10884

الرُّؤية والتَّلاقي قدروا على ذلك. قال أنسٌ: (فَقُلْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فقالوا»: (وَنَحْنُ كَذَلِكَ) نكون مع مَن أحببنَا؟ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ، فَفَرِحْنَا) بذلك (يَوْمَئِذٍ فَرَحًا شَدِيدًا) وحقَّ لهم ذلك (فَمَرَّ غُلَامٌ لِلْمُغِيرَةِ) بن شعبة الثَّقفيِّ، واسمُ الغلام محمَّد كما في مسلم، وقيل: سعيدٌ، كما عند الباورديِّ في «الصَّحابة» وعند ابن مندهْ: سعد الدَّوسي (١)، وفي مسلم أنَّه غلامٌ من أزدِ شَنُوءة. قال في «الفتح»: فيحتملُ التَّعدد، أو اسم الغلام سعدٌ ويُدعى محمد أو بالعكسِ، ودوس من أزد شَنُوءة، فيحتملُ أن يكون حالف الأنصار. قال أنسٌ: (وَكَانَ) الغلام (مِنْ أَقْرَانِي) مثلي في السِّنِّ (فَقَالَ) ﷺ : (إِنْ أُخِّرَ هَذَا) الغلام بأن يمتْ في صغرهِ (فَلَنْ يُدْرِكَهُ الهَرَمُ) بنصبِ «يدركه» بـ «لن»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلَم يُدركْه» بالجزمِ بلم، وأسندَ الإدراكَ للهرمِ إشارةً إلى أنَّ الأجل كالقاصد للشَّخص (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) أي ساعةُ الحاضرين عندهُ ﷺ . قال الدَّاوديُّ: لأنَّهم كانوا أعرابًا، فلو قال لهم: لا أدري؛ لارتَابوا فكلَّمهم بالمعاريضِ، وفي مسلمٍ عن عائشةَ كان الأعرابُ إذا قدِموا على النَّبيِّ ﷺ سألوه (٢) عنِ السَّاعة: متَّى السَّاعة؟ فينظرُ إلى أحدثِ إنسانٍ منهم سنًّا فيقول: «إن يعِش هذا حتَّى يدركهُ الهرمُ قامتْ عليكم ساعتكم» وهذه الرِّواية -كما قال القاضي عياض- روايةٌ واضحةٌ يفسَّر بها (٣) كلَّما ورد من الألفاظ المشكلةِ في غيرها، أو المرادُ المبالغةُ في تقريبهَا لا التَّحديد بأنَّها (٤) تقوم عند بلوغِ المذكور الهرم، وفي رواية الباورديِّ المذكورةِ بدل قوله: حتَّى تقومَ السَّاعة: «لا يبقَى منكمْ عينٌ تطرفُ» وبهذا -كما في «الفتح» - يتَّضحُ المرادُ. (وَاخْتَصَرَهُ) أي: هذا الحديثَ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة قال: (سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وصله مسلمٌ من رواية محمَّد بن جعفر، عن شعبةَ، ولم يسق (٥) لفظه، بل أحالَ به على روايةِ سالمِ بن أبي الجعد، عن أنسٍ، وساقها أحمدُ في «مسنده» عن محمَّد بن جعفرٍ، بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وقال: متَّى السَّاعة؟ قال: «مَا أَعْدَدتَ لَهَا؟»

стр. 10885

قال: حبُّ الله ورسوله. قال: «أنتَ مَع مَن أحببْتَ» ولم يقلْ ما زاده همَّام فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم» ففرحنا يومئذٍ فرحًا شديدًا، فمرَّ غلامٌ … إلى آخره بل اختصرَهُ، كما قال المؤلِّف. ومطابقةُ الأحاديثِ للتَّرجمة ظاهرةٌ، وفيها ما اختلف الرُّواة في لفظهِ هل هو ويلٌ أو ويحٌ؟ وفيها ما جزم فيهِ بأحدهما، ومجموعها يدلُّ على أنَّ كلًّا منهما توجُّعٌ يُعرف ذلك بأن كان (١) المراد الذَّمَّ أو غيره من السِّياق؛ فإنَّ (٢) في بعضِها الجزم بـ «ويل» وليس حملهُ على العذابِ بظاهرٍ، والحاصلُ أنَّ الأصل في كلٍّ منهما ما ذُكر، وقد يستعملُ أحدُهما مَوضع الآخرِ. (٩٦) (بابُ) لبيان (٣) (عَلَامَةِ حُبِّ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «الحبُّ في اللهِ» لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]) محبَّة العبدِ لله إيثارُه (٤) طاعتَه على غيرِ ذلك، ومحبَّة الله للعبدِ أن يرضَى عنه، ويحمدُه على فعله (٥)، وعن الحسن فيما أخرجَه ابنُ أبي حاتمٍ، قال: كان قومٌ يزعمون أنَّهم يحبُّون الله، فأرادَ الله أن يجعلَ لقولهِم تصديقًا من عملٍ، فأنزلَ هذه الآية، فمن ادَّعى محبَّته تعالى وخالف سنَّة رسوله فهو كذَّابٌ وكتاب الله يكذِّبه، وقيل: محبَّة الله معرفتهُ ودوام خشيته، ودوامُ اشتغالِ القلب به وتذكره (٦) ودوام الأنسِ به، وقيل: هي اتِّباع النَّبيِّ ﷺ في أقوالهِ وأفعالهِ وأحوالهِ إلَّا ما خصَّ به. وقال في «الكواكب»: يحتملُ أن يرادَ بالتَّرجمة محبَّةُ الله للعبدِ، فهو المحبُّ، أو محبَّته (٧) لله فهو المحبوبُ، أو المحبَّة بين العبادِ في ذاتِ الله بحيث لا يشوبُها شيءٌ من الرِّياء، والآيةُ مساعدةٌ للأوَّلين، و (٨) اتِّباع الرَّسول علامةٌ للأولى؛ لأنَّها مسبِّبة للاتِّباع، وللثَّانية لأنَّها سببيَّةٌ له (٩).

стр. 10886

٦١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العسكريُّ الفرضيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أو هو عبدُ الله بن قيسٍ أبو موسى الأشعريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) في الجنَّة بحسنِ نيَّته من غير زيادةِ عملٍ؛ لأنَّ محبَّته لهم لطاعتهم (١)، والمحبَّة من أفعال القلوب فأثيب على معتقدهِ لأنَّ النِّيَّة الأصل، والعمل تابعٌ لها، وليسَ من لازم المعيَّة الاستواء في الدَّرجات. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب». ٦١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميدِ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (٢) (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الرَّجل هو أبو ذرٍّ. رواه أحمدُ من حديثه، أو (٣) أبو موسى، كما قال في «المقدمة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ) في العملِ والفضلِ؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَرْءُ) رجلٌ أو امرأةٌ (مَعَ مَنْ أَحَبَّ) في الجنَّة مع رفع الحُجبِ حتَّى تحصل الرُّؤية والمشاهدة وكلٌّ في درجته (تَابَعَهُ) أي: تابعَ جرير بن عبد الحميد (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) البصريُّ، فيما وصله أبو نُعيمٍ في «كتاب المحبين» (وَ) تابعه أيضًا (سُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ) بفتح القاف وسكون الراء، فيما وصله مسلمٌ (وَ) كذا تابعهُ (أَبُو عَوَانَةَ)

стр. 10887

الوضَّاح، فيما وصله أبو عَوَانة يعقوب في «صحيحه» فيما رواه الثَّلاثة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان ابن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ولم ينسبهُ كلٌّ من أبي نُعيم في «كتاب المحبين» ولا من بعدَه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٦١٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا الأعمشُ» (عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ ﵁، كذا صرَّح به أبو نُعيم بأنَّ عبد الله هو أبو موسى. قال في «فتح الباري»: وهذا يؤيِّد قول بُنْدارٍ أنَّ عبد الله حيث لم ينسبْه، فالمراد به في هذا الحديث أبو موسى، وأنَّ من نسبه ظنَّ أنَّه ابن مسعودٍ لكثرةِ مجيء ذلك على هذه الصُّورة في رواية أبي وائلٍ، ولكنَّه هنا خرج عن القاعدةِ، وتبيَّن بروايةِ من صرَّح بأنَّه أبو موسى الأشعريّ أنَّ المراد بعبد الله: عبدُ الله بن قيسٍ، وهو أبو موسى الأشعري (١)، ولم أر من صرَّح في روايته عن الأعمش بأنَّه عبدُ الله ابن مسعودٍ، إلَّا ما وقع في رواية جرير بن عبد الحميد هذه يعني السَّابقة في هذا الباب عند البخاريِّ عن قتيبة عنه [خ¦٦١٦٩]. (قَالَ) أي: أبو موسى: (قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬): يا رسول الله (الرَّجُلُ يُحِبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟) بالألف بعد الميم المشددة، وهي أبلغُ من «لم» فإنَّ النَّفي بـ «لمَّا» أبلغ لأنَّه يستمرُّ إلى (٢) الحال كقوله: فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ … وَإِلَّا فَأَدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ فيؤخذ منه هنا أنَّ الحكمَ ثابتٌ ولو بعد اللَّحاق. وقال في «الكواكب»: وفي كلمة «لمَّا» إشعارٌ بأنَّه يتوقع (٣) اللُّحوق، يعني هو قاصدٌ لذلك ساعٍ في تحصيلِ تلك المرتبةِ له، وعند مسلمٍ: «ولمَّا يلحق بعملهم». وفي حديث صفوان بن عسَّال -عند أبي نُعيمٍ-: «ولم يعملْ

стр. 10888

بمثلِ عملهم» (قَالَ) ﷺ : (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ) إذ لكلِّ امرئٍ ما نوى. قال في «الفتح»: جمع أبو نُعيمٍ الحافظ (١) طرق هذا الحديثِ في «كتاب المحبين مع المحبوبين» وبلغَ عدد الصَّحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم بهذا اللَّفظ يعني: «المرءُ مع من أحبَّ»، وفي بعضها بلفظ حديث أنس: «أنتَ مع مَن أحببْتَ» [خ¦٦١٧١] (تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ الثَّوريَّ (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد ابن خَازِم -بالخاء والزاي المعجمتين- (وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضم العين، ابن نُميرٍ، كلاهما عن الأعمش، فيما وصله مسلمٌ. ٦١٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبِي) عثمانَ ابن جبلة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة، وفتح عين عمرو (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة بعدها دال مهملة، واسمهُ: رافعٌ الكوفيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى السَّاعَةُ) قائمة (يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال في «الفتح»: الرَّجل هو ذو الخويصرة اليمانيُّ الَّذي بال في المسجد وحديثه في ذلك مخرجٌ عند الدَّارقطنيِّ، ومن زعم أنَّه أبو موسى أو أبو ذرٍّ فقد وهم، فإنَّهما وإن اشتركا في معنى الجواب وهو أنَّ المرء مع من أحبَّ، فقد اختلف سؤالهما، فإنَّ كلًّا من أبي موسى أو أبي ذرٍّ إنَّما سأل عن الرَّجل يحبُّ القوم ولم يلق (٢) بهم، وهذا سأل متى السَّاعة (قَالَ) ﷺ : (مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قال في «شرح المشكاة»: سلك مع السَّائل طريقَ الأسلوبِ الحكيم؛ لأنَّه سأل عن وقت السَّاعة وأيَّان مرساها؟ فقيل له: فيم (٣) أنت من ذكراها، وإنَّما يهمُّك أن تهتمَّ بأهبتها، وتعتنِي بما ينفعك عند إرسائهَا من العقائدِ الحقيَّة،

стр. 10889

والأعمال الصَّالحة (١) المرضيَّة، فأجاب حيث (قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ) بالمثلَّثة (وَلَا صَوْمٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا صيامٍ» (وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) أي: ملحقٌ بهم وداخلٌ في زمرتهم، وزاد أبو نُعيم الأصبهانيُّ من طريق سلَّامٍ بن أبي الصَّهباء، عن ثابتٍ، عن أنس: «ولك ما احتسبت». (٩٧) (بابُ) بيانِ (قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: اخْسَأْ) بسكون الخاء المعجمة وفتح السين المهملة بعدها همزة ساكنة؛ زجرٌ وإبعادٌ لمن قال أو فعلَ ما لا ينبغِي له ممَّا يسخطُ الله تعالى، أي: اسكتْ سكوتَ ذلٍّ وهوانٍ. ٦١٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ) بفتح السين المهملة وسكون اللام، و «زَرِير» بفتح الزاي وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فَراءُ أخرى، العطارديُّ قال: (سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ) بالجيم، عمران بن مِلْحَان -بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة-، العطارديَّ، مشهورٌ بكنيته قال: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄¬) يقول: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاِبْنِ صَائِدٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لابن صيَّاد» بالتَّحتية المشددة: (قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا) ولأبي ذرٍّ: «خبأ» أي: أضمرتُ لك في صدري، وكان النَّبيُّ ﷺ قد أضمرَ له في صدره الشَّريف ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] كما هو (٢) عند الإمامِ أحمد (فَمَا هُوَ؟ قَالَ) ابن صيَّادٍ: هو (الدُّخُّ) أراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطع أن يتمَّها على عادة الكهَّان من اختطاف بعض الكلماتِ من أوليائهم من الجنِّ (قَالَ) ﷺ له (٣): (اخْسَأْ) وهي كلمةٌ يُزجر بها الكلبُ ويُطرد، أي: اسكُت صاغرًا مَطرودًا. والحديثُ من أفرادهِ.

стр. 10890

٦١٧٣ - ٦١٧٤ - ٦١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ) أباه (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ) دون العشرةِ (مِنْ أَصْحَابِهِ) ﵃ (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة، جهةَ (ابْنِ صَيَّادٍ) لما ذكر أنَّ عينه ممسوحةٌ والأُخرى ناتئةٌ، فأشفق النَّبيُّ ﷺ أن يكون هو الدَّجال (حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ فِي أُطْمِ) بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة، حصنِ (بَنِي مَغَالَةَ) بفتح الميم والغين
следующие страницы →