← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ولابن عساكر: «وقال» ووقع عند البزَّار من حديث الأجلح: فرفع رسول الله ﷺ (١) رأسه كما كان يرفعه (٢) عند تمام سجوده، فلمَّا قضى صلاته قال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) أي: بإهلاك كفَّارهم، أو من سمَّى منهم بَعْد، فهو عامٌّ أُرِيد به الخصوص (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كرَّره إسرائيل في روايته لفظًا لا عددًا، وزاد مسلمٌ في رواية زكريَّا: «وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا» (فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ) في «مسلمٍ»: «فلمَّا سمعوا صوته ﷺ ذهب عنهم الضَّحك وخافوا دعوته» (قَالَ) أي: ابن مسعودٍ: (وَكَانُوا يُرَوْنَ) بضمِّ أوَّله على المشهور، وبفتحه قاله البرماويُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ بالفتح في روايتنا من الرَّأي، أي: يعتقدون، وفي غيرها بالضَّمِّ، أي: يظنُّون (أَنَّ الدَّعْوَةَ) ولابن عساكر: «يرون الدَّعوة» (فِي ذَلِكَ البَلَدِ) الحرام (مُسْتَجَابَةٌ) أي: مُجابةٌ، يُقال: «استجاب» و «أجاب» بمعنًى واحدٍ، وما كان اعتقادهم إجابة الدَّعوة إلَّا من جهة المكان، لا من خصوص دعوة النَّبيِّ ﷺ ، ولعلَّ ذلك يكون ممَّا بقي عندهم من شريعة الخليل ﵊ (ثُمَّ سَمَّى) النَّبيُّ ﷺ ، أي: عيَّن في دعائه، وفصَّل ما أجملَ قَبْلُ، فقال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ) اسمه: عمرو بن هشامٍ، ويُعرَف بابن الحنظليَّة، فرعون هذه الأمَّة، وكان أحول مأبونًا

стр. 1122

(وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الرَّاء في الثَّاني، وضمِّ العين المُهمَلة وسكون المُثنَّاة الفوقيَّة في الأوَّل (وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) أخي عتبة (وَالوَلِيدِ) هو ولد المذكور بعد أبي جهلٍ (١) (بْنِ عُتْبَةَ) بفتح الواو وكسر اللَّام، و «عُتْبة» بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي «مسلمٍ»: عقبة (٢) بالقاف، واتَّفقوا على أنَّه وهمٌ من ابن سفيان راوي مسلمٍ (وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ) في رواية شعبة: «أو أُبيَّ بن خلفٍ» شكَّ شعبة (وَعُقْبَةَ) بالقاف (بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) بضمِّ الميم وفتح المُهمَلة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة (وَعَدَّ) النَّبيُّ ﷺ أو عبد الله بن مسعودٍ أو عمرو بن ميمونٍ (السَّابِعَ فَلَمْ نحْفَظْهُ (٣)) بنونٍ، أي: نحن، أو بياءٍ، فاعله: بن مسعودٍ أو عمرو بن ميمونٍ. نعم ذكره المؤلِّف في موضعٍ آخر [خ¦٥٢٠]: عمارة بن الوليد بن المغيرة، وذكره البرقانيُّ وغيره، ووقع في رواية الطَّيالسيِّ عن شعبة في هذا الحديث: أنَّ ابن مسعودٍ قال: ولم أرَه دعا عليهم إلَّا يومئذٍ، وإنَّما استحقُّوا الدُّعاء حينئذٍ لِمَا أقدموا (٤) عليه من التَّهكُّم حال عبادته لربِّه تعالى، وإلَّا فحلمه عمَّن آذاه لا يخفى (قَالَ) ابن مسعودٍ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) ولابن عساكر: «في يده» أي: قدرته (لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «الذي» (عَدَّ) بحذف المفعول، أي: عدَّهم (رَسُولُ اللهِ ﷺ

стр. 1123

صَرْعَى) جمع: صريعٍ، بمعنى: مصروعٍ، مفعولٌ ثانٍ لـ «رأيت» (فِي القَلِيبِ) بفتح القاف وكسر اللَّام: البئر قبل أن تُطوَى، أوِ العادية القديمة (قَلِيبِ بَدْرٍ) بالجرِّ، بدلٌ من قوله: «في القليب» ويجوز الرَّفع بتقدير «هو»، والنَّصب بـ «أعني»، لكنَّ الرِّواية بالجرِّ، وإنَّما أُلقوا في القليب تحقيرًا لشأنهم، ولئلَّا يتأذَّى النَّاس برائحتهم، لا أنَّه دَفْنٌ لأنَّ الحربيَّ لا يجب دفنه، وكان القاتل لأبي جهلٍ: «معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء» كما في «الصَّحيحين» [خ¦٣١٤١] ومرَّ عليه ابن مسعودٍ وهو صريعٌ، فاحتزَّ رأسه وأتى به رسول الله ﷺ ، وأمَّا عتبة بن ربيعة فقتله حمزة أو عليٌّ، وأمَّا شيبة بن ربيعة فقتله حمزة أيضًا، وأمَّا الوليد بن (١) عتبة -بالتَّاء- فقتله عُبيدة -بضمِّ العين- ابن الحارث، أو عليٌّ، أو حمزة، أو اشتركا، وأمَّا أميَّة بن خلفٍ فعند ابن عقبة: قتله رجلٌ من الأنصار من بني مازنٍ، وعند ابن إسحاق: معاذ بن عفراء وخارجة بن زيدٍ وخُبَيْب بن إسافٍ اشتركوا في قتله، وفي «السِّيَر» من حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أنَّ بلالًا خرج إليه ومعه نفرٌ من الأنصار فقتلوه، وكان بدينًا فانتفخ، فألقوا عليه التُّراب حتَّى غيَّبه، وأمَّا عقبة بن أبي معيطٍ فقتله عليٌّ أو عاصم بن ثابتٍ، والصَّحيح: أنَّ رسول الله ﷺ قتله بعرق الظَّبية، وأمَّا عمارة بن الوليد فتعرَّض لامرأة النَّجاشيِّ، فأمر ساحرًا فنفخ في إحليله عقوبةً له

стр. 1124

فتوحَّش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر بأرض الحبشة. ورواة هذا الحديث العشرة كوفيُّون سوى عبدان وأبيه، فإنَّهما مروزيَّان، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والعنعنة، وقرن رواية عبدان برواية أحمد بن عثمان -مع أنَّ اللَّفظ لرواية أحمد- تقوية لروايته (١) برواية (٢) عبدان؛ لأنَّ في رواية إبراهيم بن يوسف مقالًا، وفي رواية أحمد التَّصريح بالتَّحديث لأبي إسحاق من (٣) عمرو بن ميمونٍ، ولعمرٍو من (٤) عبد الله بن مسعودٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الجزية» [خ¦٣١٨٥] أيضًا وفي «الشُّعب» [خ¦٣٨٥٤] وفي «الصَّلاة» [خ¦٥٢٠] وفي «الجهاد» [خ¦٢٩٣٤] و «المغازي» [خ¦٣٩٦٠]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «السِّير». (٧٠) (بابُ البُزَاقِ) بالزَّايِ للأكثر، وبالصَّاد قال ابن حجرٍ: وهي روايتنا، وبالسِّين وضُعِّفت، والباء مضمومةٌ في الثَّلاث (٥) وهو ما يسيل (٦) من الفم (وَالمُخَاطِ) بضمِّ الميم، والجرُّ عطفًا على المُضاف إليه وهو ما يسيل من الأنف (وَنَحْوِهِ) بالجرِّ -أيضًا- عطفًا على سابقه، أي: ونحو كلٍّ

стр. 1125

منهما، كالعرق الكائن (فِي الثَّوْبِ) أي: والبدن ونحوه، هل يضرُّ أم لا؟ (وقَالَ عُرْوَةُ) ابن الزُّبير، التَّابعيُّ، فقيه المدينة ممَّا وصله المؤلِّف في قصَّة «الحديبية» في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى- في «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٢] (عَنِ المِسْوَرِ) بكسر الميم وسكون السِّين المُهمَلة وفتح الواو آخره راءٌ، ابن مَخْرمة، بفتح الميم وسكون المُعجَمَة، الصَّحابيّ (وَمَرْوَانَ) بن الحكم، بفتح الحاء والكاف، الأمويِّ، وُلِدَ في حياته ﷺ ولم يسمع منه لأنَّه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطَّائف لمَّا نفاه ﷺ إليها لأنَّه كان يفشي سرَّه، فكان فيه (١) حتَّى استُخِلف عثمان، فردَّه إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم «الفتح»، وحينئذٍ فيكون حديث مروان مُرسَل صحابيٍّ، وهو حجَّةٌ -لا سيَّما- وهو (٢) مع رواية المِسْوَر تقويةً لها وتأكيدًا (خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ زَمَنَ) وللأَصيليِّ: «في زمن» (حُدَيْبِيَةَ) وللهرويِّ (٣) والأَصيليِّ وابن عساكر: «الحديبيَة» وهي بتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة الثَّانية، عند الشَّافعيِّ مُشدَّدةٌ عند أكثر المحدِّثين: قريةٌ على مرحلةٍ من مكَّة، سُمِّيت ببئرٍ هناك، أو شجرةٌ حدباء كانت (٤) تحتها بيعة الرِّضوان (فَذَكَرَ) عروة (٥) (الحَدِيثَ) الآتي -إن شاء الله تعالى- مسندًا في قصَّة «الحديبية» [خ¦٢٧٣٢] وفيه: (وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً) أي: ما رمى بنخامةٍ (٦) زمن الحديبية أو مُطلَقًا (إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي:

стр. 1126

ما تنخَّم في حالٍ من الأحوال إلَّا حال (١) وقوعها في كفِّ رجلٍ منهم، والنُّخامة -بضمِّ النُّون- النُّخاعة، كما في «المُجمَل» و «الصّحاح»، أو ما يخرج من الخيشوم، وقال النَّوويُّ: ما يخرج من الفم بخلاف النُّخاعة فإنَّها تخرج من الحلق، وقِيلَ: بالميم، من الصَّدر، والبلغم من الدِّماغ (فَدَلَّكَ بِهَا) أي: بالنُّخامة (وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) تبرُّكًا به ﵊ وتعظيمًا وتوقيرًا، واستُدِلَّ به على طهارة الرِّيق ونحوه من فمٍ طاهرٍ غير مُتَنَجِّسٍ، وحينئذٍ فإذا وقع ذلك في الماء لا يُنَجِّسُه ويتوضَّأ به. ٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الِفرْيابيُّ، بكسر الفاء وسكون الرَّاء (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) أي: الثَّوريَّ كما قاله الدَّارقُطنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، أي: الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، زاد الأَصيليُّ: «ابن مالكٍ» (قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بالزَّايِ (فِي ثَوْبِهِ) ﵊، ولأبي نُعيمٍ: «وهو في الصَّلاة». (طَوَّلَهُ) أي: هذا الحديث، أي: ذكره مُطوَّلًا في «باب حكِّ البزاق باليد من المسجد» [خ¦٤٠٥] ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله: طوَّله (٢)» (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) شيخ المؤلِّف، سعيد بن الحكم، المصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ المصريُّ، مولى عمر بن مروان، المُتوفَّى سنة ثمانٍ

стр. 1127

وستِّين (١) ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) يعني: مثل الحديث المذكور، وهو مفعول «سمعت» الثَّاني حُذِف للعلم به، وصرَّح بسماع حُميدٍ من أنسٍ، فظهر أنَّه لم يدلِّس فيه خلافًا لمن زعمه. ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ وبصريٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة والسَّماع. (٧١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة وهو الماء الذي يُنبَذ فيه نحو التَّمر لتخرج حلاوته إلى الماء، «فَعْيلٌ» بمعنى «مفعولٍ» أي: مطروحٌ (وَلَا المُسْكِرِ) عُطِفَ على السَّابق، وإنَّما أفرد «النَّبيذ» لأنَّه محلُّ الخلاف في التَّوضُّؤ، والمُراد بـ «النَّبيذ»: ما لم يبلغ إلى حدِّ الإسكار، ولابن عساكر وأبي الوقت: «ولا بالمسكر» (٢) (وَكَرِهَهُ) أي: التَّوضُّؤ بالنَّبيذ (الحَسَنُ) البصريُّ فيما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق من طريقين عنه قال: «لا يتوضَّأ بنبيذٍ». وروى أبو عُبيدٍ (٣) من طريقٍ أخرى عنه: «أنَّه لا بأس به» وحينئذٍ فكراهته عنده للتَّنزيه (وَ) كذا كرهه (أَبُو العَالِيَةِ) رُفَيع بن مهران الرِّيَاحِيُّ -بكسر الرَّاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة- فيما رواه الدَّارقُطنيُّ و (٤) أبو داود في «سننه» بسندٍ جيِّدٍ عن أبي خَلْدة فقال: «قلت لأبي العالية: رجلٌ ليس عنده ماءٌ وعنده نبيذٌ أيغتسل به من الجنابة؟ قال: لا» وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: أنَّه كره أن يغتسل بالنَّبيذ.

стр. 1128

(وَقَالَ عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ: (التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة (وَاللَّبَنِ) روى أبو داود من طريق ابن جريجٍ (١) عن عطاءٍ: «أنَّه كره الوضوء بالنَّبيذ واللَّبن، قال: إنَّ التَّيمُّم أعجب (٢) إليَّ منه»، وجوَّز الأوزاعيُّ الوضوء بسائر الأنبذة، وأبو حنيفة بنبيذ التَّمر خاصَّةً خارج المصر والقرية عند فَقْدِ الماء، بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا سائلًا على الأعضاء كالماء، وقال محمَّدٌ: يجمع بينه وبين التَّيمُّم، وقال أبو يوسف كالجمهور: لا يتوضَّأ به بحالٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد، وإليه رجع أبو حنيفة، كما قاله قاضي خان، لكن في «المفيد» من كتبهم: إذا أُلقِي في الماء تمراتٌ فَحَلا ولم يَزُل عنه اسم الماء، جاز التَّوضُّؤ به بلا خلافٍ -يعني: عندهم- واحتجُّوا بحديث ابن مسعودٍ: يعني: ليلة الجنِّ؛ إذ قال ﷺ : «أمعك ماءٌ؟» فقال: نبيذٌ، فقال: «أصبت (٣)، شرابٌ وطهورٌ (٤)»، أو قال: «ثمرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طهورٌ» رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وزاد: «فتوضَّأ به»، وأُجيب بأنَّ علماء السَّلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث، ولئن سلَّمنا صحَّته فهو منسوخٌ لأنَّ ذلك كان بمكَّة، ونزول قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦] كان

стр. 1129

بالمدينة بلا خلافٍ عند فَقْدِ عائشة رضي الله تعالى عنها العقد، وأُجيب بأنَّ الطَّبرانيَّ في «الكبير» والدَّارقُطنيَّ رويا: أنَّ جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ بأعلى مكَّة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلَّمه الوضوء، وقال السُّهيليُّ: الوضوء مكِّيٌّ، ولكنَّه مدنيُّ التِّلاوة، وإنَّما قالت عائشة: «آية التَّيمُّم» ولم تقل: «آية الوضوء» لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قَبْلُ، غير أنَّه لم يكن قرآنًا يُتلَى حتَّى أُنزِلت آية التَّيمُّم، وحكى عياضٌ عن أبي الجَهْم أنَّ الوضوء كان سُنَّةً حتَّى نزل القرآن بالمدينة. انتهى. أو هو محمولٌ على ما أُلقِيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لم تغيِّر له وصفًا، وأمَّا اللَّبن الخالص فلا يجوز التَّوضُّؤ به إجماعًا، فإن خالط ماءً فيجوز عند الحنفيَّة. ٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، بكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، وللأَصيليِّ (١): «عن الزُّهريِّ» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) كثيره (فَهُوَ حَرَامٌ) قليله وكثيره، وحُدَّ شاربه المُكلَّف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنبٍ أو تمرٍ أو حنطةٍ أو لبنٍ أو غيرها نِيْئًا كان أو مطبوخًا، وقال أبو حنيفة: نقيع التَّمر والزَّبيب إذا اشتدَّ كان حرامًا قليله وكثيره، ويُسمَّى: نقيعًا لا خمرًا (٢)، فإن أسكر ففي شربه الحدُّ وهو نجسٌ، فإن طُبِخا أدنى

стр. 1130

طبخٍ حلَّ منهما ما غلب على ظنِّ الشَّارب منه أنَّه لا يسكر من غير لهوٍ ولا طربٍ، فإن اشتدَّ حَرُم الشُّرب منهما، ولم يُعتَبر في طبخهما أن يذهب ثلثاهما، وأمَّا نبيذ الحنطة والذُّرة والشَّعير والأرزِّ والعسل فإنَّه حلالٌ عنده نقيعًا أو مطبوخًا، وإنَّما يحرم المسكر ويُحَدُّ فيه، واستدلَّ له بحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا وموقوفًا (١): «وإنَّما (٢) حرِّمت الخمر لعينها، والمسكر من كلِّ شرابٍ»، فهذا يدلُّ على أنَّ الخمر -قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا- حرامٌ، وعلى أنَّ غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيدًا لهذا في بابه بحول الله وقوَّته. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب؟ أُجيب بأنَّ المسكر حرامٌ شربه، وما لا يحلُّ شربه لا يجوز (٣) التَّوضُّؤ به اتِّفاقًا، وبأنَّ النَّبيذ خرج عن اسم الماء لغةً وشرعًا، وحينئذٍ فلا يتوضَّأ به. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ ومدينيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦٥٥٨٥]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٧٢) (بابُ غَسْلِ المَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ) المنصوب الأوَّل وهو «أباها» مفعولٌ بالمصدر المُضاف لفاعله،

стр. 1131

و «الدَّمَ» بدل اشتمالٍ من «أباها»، أو بتقدير: «أعني» (عَنْ وَجْهِهِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من وجهه»، و «من» و «عن» بمعنًى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، أو يكون في روايةِ: «عن» ضُمِّن الغسل معنى: الإزالة، قال في «الفتح»: ولابن عساكر: «غسل المرأة الدَّم عن وجه أبيها». (وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفَيْعٌ، بضمِّ الرَّاء وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، الرِّياحيُّ، بعدما وَضَّؤُوهُ وبقيت إحدى رجليه، وهو وَجِعٌ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ) من حمرةٍ، فإن قلت: ما وجه المُطابقة بين هذا وبين التَّرجمة؟ أُجيب بأنَّه (١) من حيث جواز الاستعانة في الوضوء كهي في إزالة النَّجاسة. ٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) يعني: «ابن سلامٍ» كما لابن عساكر، وفي (٢) روايةٍ: «البيكنديُّ»

стр. 1132

كما في بعض الأصول (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (١): «حدَّثنا» (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي المكسورة، سلمة بن دينارٍ الأعرج المخزوميُّ المدنيُّ الزَّاهد، المُتوفَّى سنة (٢) خمسٍ وثلاثين ومئةٍ أنَّه (سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) الأنصاريَّ المدنيَّ ﵁، المُتوفَّى سنة إحدى وتسعين وهو ابن مئةِ سنةٍ، له في «البخاريِّ» أحدٌ (٣) وأربعون حديثًا (وَسَأَلَهُ النَّاسُ) جملةٌ من فعلٍ ومفعولٍ وفاعلٍ، محلُّها النَّصب على الحال (وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ) يعني: عند السُّؤال ليكون أدلَّ على صحَّة سماعه منه؛ لقربه منه والجملة حاليَّةٌ أيضًا، إمَّا من مفعول «سأل»، فهما متداخلتان، وإمَّا من مفعول سمع فهما مترادفتان، أو الجملة معترضةٌ لا محلَّ لها (بِأَيِّ شَيْءٍ) الجارُّ متعلِّقٌ بـ «سأل»، والمجرور للاستفهام (دُووِيَ) بواوين: الأولى ساكنةٌ والثَّانية مكسورةٌ، مبنيٌّ للمفعول من المُداوَاة، وربمَّا حذف في بعض الأصول إحدى (٤) الواوين كـ «داود» في الخطِّ (جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الذي أصابه في غزوة «أُحُدٍ» لمَّا شُجَّ رأسه وجُرِحَ وجهه؟ (فَقَالَ) سهلٌ: (مَا بَقِيَ أَحَدٌ) من النَّاس (أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) برفع «أعلم» صفةٌ

стр. 1133

لـ «أحدٌ»، وبالنَّصب على الحال، وإنَّما قال سهلٌ ذلك لأنَّه كان آخر من بقي من الصَّحابة بالمدينة كما وقع عند المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥٢٤٨] (كَانَ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ (يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ وَفَاطِمَةُ) ﵂ (تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ) بضمِّ الهمزة والحاء فيهما على البناء للمفعول، والضَّمير لِمَا أُحرِق (جُرْحُهُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، وللمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٢٢]: «فلمَّا رأت فاطمة الدَّم يزيد على الماء كثرةً عمدت إلى حصيرٍ (١) فأحرقتها وألصقتها على الجرح، فرقأ الدَّم» وإنَّما فعلت ذلك لأنَّ في رماد الحصير استمساك الدَّم، وفيه: إباحة التَّداوي وأنَّه لا ينافي التَّوكُل والاستعانة في المُداوَاة، وجواز وقوع الابتلاء بالأنبياء ليعظم أجرهم، وليتحقَّق النَّاس أنَّهم مخلوقون لله فلا يُفتَتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات، كما افتُتِن النَّصارى بعيسى. ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفي رواتية الإخبار في موضع التَّحديث، وأخرجه المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٣٠٣٧] و «النِّكاح» [خ¦٥٢٤٨]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه في «الطِّبِّ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. (٧٣) (بابُ السِّوَاكِ) بكسر السِّين وهو يُطلَق على الفعل والآلة، وهو مُذكَّرٌ، وقِيلَ: مُؤنَّثٌ، وجمع السِّواك: سُوُكٌ كـ «كتابٍ» و «كُتُبٍ»، ويجوز بالهمز (٢)، كما هو القياس في كلِّ واوٍ مضمومةٍ ضمَّةً لازمةً كـ «وقَّتت» و «أقَّتت»، وهو مُشتَقٌّ من «ساك» إذا دلك، أو من جاءت الإبل تتساوك (٣)، أي:

стр. 1134

تتمايل هزالًا، وهو من سنن الوضوء، فلذا ذكره المؤلِّف في بابه، أو أنَّ باب الطَّهارة يشمل الإزالة، والسِّواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله المؤلِّف في «تفسير آل عمران» مُطوَّلًا [خ¦٤٥٦٩]: (بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ) من الاستنان وهو دلك الأسنان وحكُّها بما يجلوها، مأخوذٌ من السَّنِّ -بفتح السِّين- وهو إمرار ما فيه خشونةٌ على آخر ليُذهِبها، وهذا التَّعليق ساقطٌ في (١) رواية المُستملي، وفي هامش الفرع سقط «وقال ابن عبَّاسٍ إلى آخره … فاستنَّ» عن «س» أي: ابن عساكر. ٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل، ويُشهَر بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ (عَنْ غَيْلَانَ) بفتح المُعجَمَة (بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الجيم وبالرَّاء المكسورة المُكرَّرة، المِعْوَليِّ، بكسر الميم أو (٢) بفتحها وسكون (٣) العين المُهمَلة وفتح الواو، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوَحَّدة، عامر بن أبي موسى (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ) كان (بِيَدِهِ) جملةٌ في موضع (٤) نصبٍ مفعولٌ ثانٍ لـ «وجدته»، حال كونه (يَقُولُ) أي: النَّبيّ ﷺ ، أو السِّواك مجازًا: (أُعْ أُعْ) بضمِّ الهمزة والعين مُهمَلةٌ فيهما، موضعه نصبٌ على أنَّه مقول القول، وذكر ابن التِّين أنَّ في رواية غير أبي ذَرٍّ بفتح الهمزة، وفي هامش فرع «اليونينيَّة» ما نصُّه عند الحافظ أبي

стр. 1135

القاسم، أي: ابن عساكر في أصله: «أغ أغ» بغينٍ مُعجَمةٍ، قال: وفي نسخةٍ بالعين المُهمَلة. انتهى. ورواه ابن خزيمة والنَّسائيُّ عن أحمد بن عبدة عن حمَّادٍ بتقديم العين المُهمَلة على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل القاضي عن عارمٍ شيخ المؤلِّف فيه، وفي «صحيح (١) الجوزقيِّ»: «إخ إخ» بكسر الهمزة وبالخاء المُعجَمَة، وإنَّما اختلف (٢) الرُّواة الثِّقات (٣) لتقارب مخارج (٤) هذه الأحرف، وكلُّها ترجع إلى حكاية صوته ﵊ إذ جعل السِّواك على طرف لسانه ﵇ كما عند «مسلمٍ»، والمُراد: طرفه الدَّاخل كما عند أحمد ليستنَّ إلى فوق، ولذا قال هنا: (وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ) أي: يتقيَّأ، يُقال: هاع يهوع إذا قاء بلا تكلُّفٍ، يعني: أنَّ له صوتًا كصوت المتقيِّئ على سبيل المُبالَغة (٥)، ويُفهَم منه مشروعيَّة السِّواك على اللِّسان طولًا، أمَّا الأسنان فالأحبُّ أن يكون عرضًا لحديث: «إذا استُكتُم فاستاكوا عرضًا»، رواه أبو داود في «مراسيله»، والمراد: عرض الأسنان، قال في «الرَّوضة»: كره جماعاتٌ (٦) من أصحابنا الاستياك طولًا، أي: لأنَّه يجرح اللِّثَة، وهو -كما مرَّ- من سنن الوضوء لحديث: [خ¦٣٠/ ٢٧ - ٣٠٢٥]: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ وضوءٍ» أي: أمر إيجابٍ، رواه ابن خزيمة وغيره، وكذا من سنن الصَّلاة لحديث الشَّيخين [خ¦٨٨٧]: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ صلاةٍ» أي: أمر إيجابٍ، ويُستحَبُّ عند قراءة القرآن والاستيقاظ من النَّوم وتغيُّر الفم، و (٧) في كلِّ حالٍ إلَّا للصَّائم بعد الزَّوال فيُكرَه،

стр. 1136

وقال ابن عبَّاسٍ: فيه عشر خصالٍ: يُذهِب الحفر، ويجلو البصر، ويشدُّ اللِّثَة ويطيِّب الفم، وينقِّي البلغم، وتفرح له الملائكة، ويرضي الرَّبَّ تعالى، ويوافق السُّنَّة، ويزيد في حسنات الصَّلاة، ويُصِحُّ الجسم، وزاد التِّرمذيُّ الحكيم: ويزيد الحافظ حفظًا، وينبت الشَّعر، ويصفِّي اللَّون، وليبلع (١) المتسوِّك (٢) ريقه في أوَّل استياكه فإنَّه ينفع من الجذام والبرص وكلِّ داءٍ سوى الموت، ويطهِّر الفم، ويبيِّض الأسنان، ويطيِّب النَّكهة، ويصفِّي الحلق، ويزيد في الفصاحة والفطنة، ويقطع الرُّطوبة، ويحدُّ البصر، ويبطئ الشَّيب، ويسوِّي الظَّهر، ويضاعف الأجر، ولرهاب العدوِّ، ويهضم الطَّعام، ويغذِّي الجائع، ويرغم الشَّيطان، ويذكِّر الشَّهادة عند الموت، وفي «الشُّعب» للبيهقيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «عليك بالسِّواك، فإنَّه مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ ﷻ ، مفرحةٌ للملائكة، يزيد في الحسنات، وهو من السُّنَّة، يجلو البصر ويذهب الخضرة ويشدُّ الِّلثَة ويذهب البلغم» وزاد البيهقيُّ في روايةٍ أخرى: «ويُصِحُّ المعدة»، وفي بعض طرقه عند غير البيهقيِّ: «ويزيد في الفصاحة»، قال البيهقيُّ: تفرَّد به الخليل بن مرَّة، وليس بالقويِّ. انتهى. وقال فيه أبو زرعة: شيخٌ صالحٌ، وقال ابن عَدِيٍّ: يُكتَب حديثه، وضعَّفه الجمهور، وصدر الحديث صحيحٌ، رواه النَّسائيُّ وابن خزيمة وابن حبَّان في «صحيحهما» من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا بلفظ: «السِّواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرَّبِّ»، وذكره البخاريُّ في «كتاب الصِّيام» مُعلَّقًا مجزومًا به (٣) [خ¦٣٠/ ٢٧ - ٣٠٢٥] ولا يبلع بعده شيئًا فإنهَّ يورث النِّسيان. ورواة الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

стр. 1137

٢٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) زاد الأَصيليُّ وابن عساكر وأبوي الوقت وذَرٍّ: «ابن أبي شيبة» وهو أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) أي: ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز (١)، شقيق الحضرميِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ) بالشِّين المُعجَمَة والصَّاد المُهمَلَة، أي: يدلِّك أو يغسل أو يحكُّ (فَاهُ بِالسِّوَاكِ) لأنَّ النَّوم يقتضي تغيير (٢) الفم، لِمَا يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسِّواك آلة تنظيفه، فيستحبُّ عند مقتضاه، وقوله: «إذا قام» ظاهره يقتضي تعليق الحكم بمُجرَّد القيام، ولفظة: «كان» تدلُّ على المُداوَمَة والاستمرار. ورواة هذا الحديث الخمسة كوفيُّون إلَّا (٣) حذيفة فعراقيٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٨٨٩] وفي «فضل قيام (٤) اللَّيل» [خ¦١١٣٦]، ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الطَّهارة» (٥). (٧٤) (بابُ دَفْعِ السِّوَاكِ إِلَى الأَكْبَرِ) سنًّا.

стр. 1138

٢٤٦ - (وَقَالَ عَفَّانُ) بن مسلمٍ الصَّفَّار البصريُّ الأنصاريُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة عشرين ومئتين، ممَّا وصله أبو عَوانة وأبو نُعيمٍ والبيهقيُّ: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) بالجيم المضمومة تصغير جاريةٍ، البصريُّ التَّميميُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، القرشيِّ العدويِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ) بفتح همزة «أَراني» للأَصيليِّ، أي: أرى نفسي، فالفاعل والمفعول: المتكلِّم، وهذا من خصائص أفعال القلوب، وبضمِّها لغيره، أي: أظنُّ نفسي، كذا ضبطها البرماويُّ كالكِرمانيِّ، ووهَّمه ابن حجرٍ، وقال العينيُّ: ليس بوهمٍ، والعبارتان مُستعمَلَتان، وللمُستملي: «رآني» بتقديم الرَّاء، قالوا: وهو خطأٌ لأنَّه إنَّما أخبر عمَّا رآه في النَّوم (فَجَاءَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلْتُ) أي: أعطيت (السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي) القائل له جبريل: (كَبِّرْ) أي: قدِّم الأكبرَ في السِّنِّ (فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا). (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف: (اخْتَصَرَهُ) أي: المتن (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيدٍ اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) وصله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» عن بكر (١) بن سهلٍ عنه بلفظ: «أمرني جبريل ﵊ أن أكبِّر»، ويُستفَاد منه: تقديم ذي السِّنِّ في السِّواك والطَّعام والشَّراب والمشيِ والرُّكوب والكلام. نعم إذا ترتَّب (٢) القوم في الجلوس فالسُّنَّة تقديم الأيمن فالأيمن، كما نبَّهَ عليه المُهلَّب.

стр. 1139

(٧٥) (بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ) بالألف واللَّام، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وضوءٍ» (١) بالتنكير. ٢٤٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة -بالزَّايِ- الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ ليَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَتَيْتَ) أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم من باب «منَع يمنَع»، وفي الفرع بكسرها (٢) (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و «الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من (٣) تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ) لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق (٤) القلب، فيسرع الإفاقة (٥) ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ) طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: «أسلمت نفسي» ومعنى «أسلمت»: استسلمت، أي: سلَّمتها لك (٦) إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح، ولذا جاء في روايةٍ: «أسلمت نفسي

стр. 1140

إليك، ووجَّهت وجهي إليك» فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما (وَفَوَّضْتُ) من التَّفويض، أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ) وبَرِئْتُ من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه (وَأَلْجَأْتُ) أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه (رَغْبَةً) أي: طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (١) بـ «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً» تغليبًا، كقوله: ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحًا والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه: علفتها تبنًا وماءً باردا أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر، أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد لأنَّه (٢) (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وَتَرْكِهِ في الثَّاني كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة، وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و «منجى» مصدرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك

стр. 1141

إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك (اللَّهُمَّ آمَنْتُ) أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي: أنزلته على رسولك محمَّد (١) ﷺ ، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن (٢) يعمَّ الكلَّ لإضافته إلى الضَّمير لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال (٣) الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] أوَّل «البقرة» وتعريف الموصول إمَّا للعهد فالمُراد به ناسٌ بأعيانهم، كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس متناولًا من صَمَّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذِف ضمير المفعول، أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم (وَاجْعَلْهُنَّ) أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: «ما تَكَلَّمُ به» بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من آخر ما تتكلَّم (٤) به» ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في «باب الإيمان»، وإن كان هو (٥) كلامًا في اللُّغة. (قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا) بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية، أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) لأحفظهنَّ (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ) زاد الأَصيليُّ: «الذي أرسلت» (قَالَ) رسول الله ﷺ : (لَا) أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك» لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف

стр. 1142

النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ كجبريل وغيره من الملائكة لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول» لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل بخلاف لفظ: «النَّبيِّ» فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير (١) عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ، يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة. انتهى. وهو مردودٌ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب (٢)، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل (٣) ألفاظه ﵊ لأنَّها ينابيع الحِكَم (٤) وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها ﷺ . انتهى. وقد (٥) تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ نحو: «بلى» «ونعم». انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ «الرَّسول» وعكسه لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات، كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه لأنَّه قد تُقبَض

стр. 1143

روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من (١) أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف «كتاب الوضوء» بهذا الحديث من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب (٢). ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣١١]، ومسلمٌ في «الدُّعاء»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» (٣)، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

стр. 1144

((٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الغَسْلِ) هو بفتح الغَيْن أفصح وأشهر من ضمِّها، مصدر «غسل»، وبمعنى: الاغتسال، وبكسرها: اسمٌ لما يُغسَل به من سدرٍ وخطميٍّ ونحوهما، وبالضَّمِّ: اسمٌ للماء الذي يُغتسَل به، وهو بالمعنيين الأوليين لغةً: سيلان الماء على الشَّيء، وشرعًا: سيلانه على جميع البدن، مع تمييز ما للعبادة عن العادة بالنِّيَّة، ووقع في رواية الأكثر: تأخير البسملة عن «كتاب الغسل»، وسقطت من رواية الأَصيليِّ، وعنده: «بابُ» بدل «كتاب» وهو أَوْلى لأنَّ الكتاب يجمع أنواعًا، و «الغسل» نوعٌ واحدٌ من أنواع الطَّهارة وإن كان في نفسه يتعدَّد، ثمَّ إنَّ المؤلِّف افتتح «كتاب الغسل» بآيتَي «النَّساء» و «المائدة»، إشعارًا بأنَّ وجوب الغسل على الجنب بنصِّ القرآن فقال: (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: « »: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾) أي: فاغتسلوا، و «الجُنُب»: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والواحد والجمع لأنَّه يجري

стр. 1145

مجرى المصدر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخاف معه من (١) استعمال الماء، فإنَّ الواجد له كالفاقد، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: نزلت في مريضٍ من الأنصار لم يكن له خادمٌ، ولم يستطع أن يقوم ويتوضَّأ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلًا كان (٢) أو قصيرًا، لا تجدون به ماءً (٣) (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾) فأحدث، بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض (﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾) أي: ماسستم بشرتهنَّ ببشرتكم، وبه استدلَّ الشَّافعيُّ على أنَّ اللَّمس ينقض الوضوء، وهو (٤) قول ابن مسعودٍ وابن عمر وبعض التَّابعين، وقِيلَ: أو جامعتموهنَّ، وهو قول عليٍّ والثَّابت عن ابن عبَّاسٍ وعن أكثر الصَّحابة والتَّابعين (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) فلم تتمكَّنوا من استعماله إذِ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التَّقسيم أنَّ المترخِّص بالتَّيمُّم إمَّا مُحْدِثٌ أو جُنُبٌ، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرضٌ أو سفرٌ، والجُنُبُ لمَّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمُحْدِث لمَّا لم يجرِ ذكره ذكر أسبابه (٥)، ما يحدث بالذَّات وما يحدث بالعرَضَ، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجُنُب، وبيان حال (٦) العذر مُجمَلًا، وكأنَّه قِيَل: وإن كنتم جنبًا (٧)، مرضى أو على سفر، أو مُحْدِثين جئتم من الغائط أو لامستم النِّساء، فلم تجدوا ماء (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) أي: اقصدوا ترابًا، أو ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالًا (﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾) أي: من بعضه؛ ولذا قال أصحابنا: لا بدَّ أن يَعْلَق باليد شيءٌ من التُّراب (﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم﴾) بما فرض من الغسل والوضوء والتَّيمُّم (﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾) ضيقٍ (﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾) من الأحداث والذُّنوب،

стр. 1146

فإنَّ الوضوء تكفيرٌ لها (١) (﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾) ببيان ما هو مَطْهَرَةٌ للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]) نعمتي فأزيدها عليكم. (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾) اجتنبوها حال السُّكْر، نزلت في جمعٍ من الصَّحابة شربوا الخمر قبل تحريمه (٢) عند ابن عوفٍ، وتقدَّم عليٌّ للإمامة وقرأ: «قل يا أيُّها الكافرون أعبد ما تعبدون» رواه التِّرمذيُّ وأبو داود، وقال الضَّحَّاك: عنى به سُكْرَ النَّوم لا سُكْر الخمر (﴿وَلَا جُنُبًا﴾) عطفٌ على ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إذِ الجملة في موضع النَّصب على الحال (﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾) مسافرين حين فَقْدِ الماء، فإنَّه جائزٌ للجنب (٣) حينئذٍ للصَّلاة، أوِ المعنى: لا تقربوا مواضع الصَّلاة في حال السُّكر

стр. 1147

ولا في (١) حال الجنابة، إلَّا حال العبور فيها، فجاز المرور لا اللُّبث، وعليه كلام أكثر السَّلف (﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾) من الجنابة (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾) استدلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح أجزأه (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]) يسهِّل ولا يعسِّر، كذا ساق الآيتين بتمامهما في الفرع، وعند ابن عساكر: «﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ (٢): «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ الآية» وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ … ﴾ الاية [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾». (١) (بابُ) سنَّة (الوُضُوءِ قَبْلَ الغَُسْلِ) -بفتح الغَيْن وضمِّها- على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء»

стр. 1148

على «الغسل» لفضل أعضاء الوضوء، ولا يحتاج إلى إفراد هذا الوضوء بنيَّةٍ، كما قاله (١) الرَّافعيُّ بناءً على اندراجه في الغسل، زاد (٢) في «الرَّوضة»: «قلت: المُختار أنَّه إن تجرَّدت جنابته عن الحدث نوى بوضوئه سُنَّة الغسل، وإنِ اجتمعا نوى به رَفْعَ الحدثِ الأصغر» وقال المالكيَّة: ينوي به رفع حدث الجنابة عن تلك الأعضاء، ولو نوى الفضيلة وجب عليه إعادة غسلها. ٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامٍ) هو «ابن عروة» كما للأَصيليِّ وابن عساكر (٣) (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوُّام (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: إذا أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ) أي: لأجلها، فـ «من» سببَّيةٌ (بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ) قبل الشُّروع في الوضوء والغسل لأجل التَّنظيف ممَّا بهما من مُستقذَرٍ، أو لقيامه من النَّوم، ويدلُّ عليه زيادة ابن عُيَيْنَةَ في هذا الحديث عن هشامٍ: «قبل أن يدخلهما في الإناء» رواه التِّرمذيُّ، وزاد أيضًا: «ثمَّ يغسل فرجه» وكذا لـ «مسلمٍ»، وهي زيادةٌ حسنةٌ لأنَّ تقديم غسله يحصل به الأمن من مسِّه في أثناء الغسل (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) ولأبي ذَرٍّ: «ثمَّ توضَّأ» (كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) ظاهره: أنَّه يتوضَّأ وضوءًا كاملًا، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ، وقال الفاكهانيُّ في «شرح العمدة»: وهو المشهور، وقِيلَ: يؤخِّر غسل قدميه إلى ما (٤) بعد الغسل، لحديث ميمونة الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦٢٤٩] وللمالكيَّة قولٌ ثالثٌ وهو: إن كان

стр. 1149

موضعه وسخًا أخَّر وإلَّا فلا، وعند الحنفيَّة: إن كان في مستنقعٍ يؤخِّر، وإِلَّا فلا، ثمَّ إنَّ (١) ظاهره مشروعيَّة التَّكرار ثلاثًا وهو كذلك، لكن قال عياضٌ: إنَّه لم يأت في شيءٍ من وضوء الجنب ذكر التَّكرار، وقد قال بعض شيوخنا: إنَّ التَّكرار في الغسل لا فضيلة فيه، وأُجِيب بأنَّ إحالتها على وضوء الصَّلاة تقتضيها (٢)، ولا يلزم من أنَّه لا فضيلة في عمل الغسل ألَّا تكون في وضوئه، ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتَّكرار، وكان غيره يفتي بتركه، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا) أي: بأصابعه التي أدخلها في الماء (أُصُولَ شَعَرِهِ) أي: شعر رأسه، كما يدلُّ عليه رواية حمَّاد بن سلمة عن هشامٍ: «يخلِّل بها شقَّ رأسه الأيمن، فيتبع بها أصول الشَّعر ثمَّ يفعل (٣) بشقِّه الأيسر كذلك» رواه البيهقيُّ، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي (٤) والحَمُّويي: «أصول الشَّعر» بالتَّعريف، والحكمة في هذا: تليين الشَّعر وترطيبه ليسهل مرور الماء عليه ويكون أبعد عن (٥) الإسراف في الماء، وفي «المُهذَّب»: يخلِّل (٦) اللِّحية أيضًا، وأوجب المالكيَّة والحنفيَّة تخليل شعر المغتسل لقوله ﵊: «خلِّلوا الشَّعر وأَنْقُوا البشرة؛ فإنَّ تحت كلِّ شعرةٍ جنابةً» (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ) من الماء

стр. 1150

(بِيَدَيْهِ) استُدِلَّ به على مشروعيَّة التَّثليث، وهو سُنَّةٌ عند الشَّافعيَّة كالوضوء، فيغسل رأسه ثلاثًا بعد تخليله في كلِّ مرَّةٍ، ثمَّ شقَّه الأيمن ثلاثًا، ثمَّ شقَّه (١) الأيسر ثلاثًا، وقال الباجيُّ من المالكيَّة: والثَّلاث يحتمل أنَّها لما جاء من التَّكرار، وأنَّها مُبالَغَةٌ لإتمام الغسل إذ قد لا تكفي الواحدة، وخصَّ الشَّيخ خليلٌ الثَّلاث بالرَّأس، وقوله: «غُرَفٍ» جمع غُرفةٍ بالضَّمِّ، وهي: ملء الكفِّ، وللأَصيليِّ: «غرفاتٍ» وهي الأصل في مُميَّز الثَّلاثة؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ، فـ «غرف» حينئذٍ من إقامة جمع الكثرة موضع القلَّة، أو أنَّه جمع قلَّةٍ عند الكوفيِّين كعشر سور وثماني حججٍ (ثُمَّ يُفِيضُ) ﵊، أي: يسيل (المَاءَ (٢) عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ) أكدَّه بلفظ: «الكلِّ» ليدلَّ على أنَّه عمَّ (٣) جميع جسده بالغسل بعدما تقدَّم، وفيه: دلالةٌ على أنَّ الوضوء قبل الغسل سُنَّةٌ مستقلَّةٌ، ولا يُفهمَ منه الدَّلك، وهو مُستحَبٌّ عند الشَّافعيَّة والحنفيَّة والحنابلة، وأوجبه المالكيَّة في المشهور عندهم، وقِيلَ: واجبٌ لا لنفسه، واحتجَّ ابن بطَّالٍ للوجوب بالإجماع على وجوب (٤) إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسًا لعدم الفرق بينهما، وأُجِيب بأنَّ جميع من لم يوجبِ (٥) الدَّلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضِّئ من غير إمرارٍ، فبطل الإجماع وانتفتِ المُلازَمَة. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ، وأبو داود.

стр. 1151

٢٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ، لا البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثِّوريُّ لا ابن عُيَيْنَةَ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلَة (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) هو كالذي قبله، احترازًا عن الوضوء اللُّغويِّ الذي هو: غسل اليدين فقط (غَيْرَ رِجْلَيْهِ) فأخَّرهما، قال القرطبيُّ: ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، والأرجح عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة تكميل الوضوء. نعم نُقِلَ في «الفتح» عن مالكٍ: إن كان المكان غير نظيفٍ فالمُستحَبُّ تأخيرهما، وكذا نُقِلَ عن الشَّافعيَّة أيضًا، وأجاب القائل بالتَّأخير بأنَّ الاستثناء زائدٌ على حديث عائشة، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وأُجِيب بأنَّ حديث عائشة هو الذي فيه زيادة الثِّقة لاقتضائه غسل الرِّجلين فيُقدَّم، وحمل القائل بالتَّأخير أيضًا إطلاقها على فعل أكثر الوضوء حملًا للمُطلَق على المُقيَّد، وأُجِيب بأنَّه ليس من المُطلَق والمُقيَّد لأنَّ ذلك في الصِّفات لا في غسل جزءٍ وتركه، وحمله الحنفيَّة على أنَّه كان في مستنقعٍ، كما تقدَّم قريبًا أنَّ (١) مذهبهم: إن كان في (٢) مستنقعٍ أخَّر، وإِلَّا فلا، قالوا: وكلُّ ما جاء من الرِّوايات التي فيها تأخير الرِّجلين فهو محمولٌ عليه، جمعًا بين الرِّوايات. (وَغَسَلَ) ﵊ (فَرْجَهُ) أي: ذَكَره المُقدَّس، وأخَّره لعدم وجوب التَّقديم، وهذا مذهب الشَّافعيَّة. نعم قال النَّوويُّ في «زيادة الرَّوضة»: ينبغي (٣) أن يستنجيَ قبل الوضوء والتَّيمُّم،

стр. 1152

فإن قدَّمهما صحَّ الوضوء لا التَّيمُّم. انتهى. أو لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون قدَّمه، والمُراد: أنَّه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التَّعيين فقد بيَّن ذلك فيما رواه المؤلِّف في «باب السَّتر في الغسل» [خ¦٢٨١] من طريق ابن المُبارك عنِ الثَّوريِّ: «فذكر أوَّلًا غسل اليدين، ثمَّ غسل الفرج، ثمَّ مسح يده (١) بالحائط، ثمَّ الوضوء غير رجليه»، وأتى بـ «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّرتيب في جميع ذلك (وَ) غسل ﵊ (مَا) أي: الذي (أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى) الطَّاهر، كالمنيِّ على الذَّكَر والمخاط، ولو كان على جسد المغتسل نجاسةٌ كفاه لها وللجنابة واحدةٌ على ما صحَّحه النَّوويُّ، والسُّنَّة البدء بغسلها ليقع الغسل على أعضاءٍ طاهرةٍ (ثُمَّ أَفَاضَ) ﷺ (عَلَيْهِ المَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ) الأفعالُ المذكورةُ (غُسْلُهُ) ﵊ أو صفةُ غُسْلِه، وضبَّب عليها ابن عساكر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا غُسْلُه» (مِنَ الجَنَابَةِ). وفي هذا الحديث: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيَّان (٢)، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الطَّهارة». (٢) (بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ) من (٣) إناءٍ واحدٍ. ٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر المُعجَمَة، محمَّد بن عبد الرَّحمن القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ

стр. 1153

عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا) أَبرزتِ الضمير لتعطف عليه الظَّاهر (١)، وهو قولها: (وَالنَّبِيُّ ﷺ ¬) فهو مرفوعٌ، ويجوز أن يكون مفعولًا معه (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ) بفتحتين، واحد الأقداح التي للشُّرب (يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ) بفتح الفاء والرَّاء، قال النَّوويُّ: وهو الأفصح، وهو فيما قِيلَ (٢) صاعان، والذي عليه الجماعة أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عُبيدٍ (٣) الاتِّفاق عليه (٤) كما عليه الجماهير (٥)، وقال ابن الأثير: «الفَرَق» بالفتح: ستَّة عشر رطلًا، وبالإسكان: مئة وعشرون رطلًا، قال في «الفتح»: وهو غريبٌ، وقال الجوهريُّ: مكيالٌ معروفٌ بالمدينة، ستَّة عشر رطلًا، وكان من شَبَهٍ -بفتح الشِّين المُعجَمَة والمُوحَّدة- كما عند الحاكم بلفظ: تَوْرٌ من شَبَهٍ، وهو نوعٌ من النُّحاس، و «من» في قوله: «من إناءٍ» ابتدائيَّةٌ، وفي قوله: «من قدحٍ» بيانيَّةٌ. وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ. (٣) (بابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ) أي: بالماء الذي هو قدر ملء الصَّاع (وَنَحْوِهِ) من الأواني التي تسع ما يسع الصَّاع، وهو: خمسة أرطالٍ وثلثٍ على مذهب الحجازيِّين، احتجاجًا بحديث الفَرَق، فإنَّ تفسيره: ثلاثة آصع، والمُراد بالرَّطل البغداديُّ وهو على (٦) ما رجَّحه النَّوويُّ: مئةٌ وثمانيةٌ

стр. 1154

وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهمٍ، وأمَّا احتجاج العراقيِّين بأنَّ الصَّاع ثمانية أرطالٍ بحديث مجاهدٍ: دخلنا على عائشة ﵂ فأُتِيَ بعُسٍّ، أي: قدحٍ (١) عظيمٍ، فقالت عائشة (٢): كان رسول الله ﷺ يغتسل بمثله، قال مجاهدٌ: فحزرته ثمانية أرطالٍ إلى تسعةٍ إلى عشرةٍ فلا يُقابَل بما اشتُهِر بالمدينة، وتداولوه في معايشهم وتوارثوا ذلك خلفًا عن سلفٍ، كما أخرجه مالكٌ لأبي يوسف حين قدم المدينة، وقال له: هذا صاع النَّبيِّ ﷺ ، فوجده أبو يوسف: خمسة أرطالٍ وثُلثًا، فرجع إلى قول مالكٍ، فلا يُترَك نقل هؤلاء الذين لا يجوز تواطؤهم على الكذب إلى خبر واحدٍ يحتمل التَّأويل لأنَّه حزر، والحزر لا يُؤمَن فيه الغلط. ٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسْنَدِيُّ، بضمِّ الميم (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث التَّنوريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (٣): «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) أي (٤): ابن عمر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ حال كونه (يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ) ﵂ من الرَّضاعة، كما صرَّح به مسلمٌ في «صحيحه» (٥)،

стр. 1155

وهو عبد الله بن يزيد البصريُّ كما عند «مسلمٍ» في «الجنائز» في حديثٍ غير هذا، واختاره النَّوويُّ وغيره، أو هو كَثِير بن عُبَيْدٍ (١) الكوفيُّ رضيعها أيضًا، كما في «الأدب المُفْرَد» للمؤلِّف و «سنن أبي داود»، وليس عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ، ولا الطُّفيل بن عبد الله أخاها لأمِّها، وعطف على الضَّمير المرفوع المتَّصل بضمير منفصلٍ وهو «أنا» لأنَّه لا يَحْسُنُ العطف على المرفوع المتَّصل بارزًا كان أو مستترًا، إلَّا بعد توكيده بمنفصلٍ (عَلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَسَأَلَهَا أَخُوهَا) المذكور (عَنْ) كيفيَّة (٢) (غُسْلِ النَّبِيِّ) بفتح الغَيْن كما في الفرع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «رسول الله» (¬ ﷺ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوٍ) بالجرِّ منوَّنًا، صفةٌ لـ «إناءٍ»، ولكريمة: «نحوًا» بالنَّصب نعتٌ للمجرور باعتبار المحلِّ، أو بإضمار «أعني» (مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ) يستر أسافل بدنها، ممَّا لا يحلُّ للمَحْرم -بفتح الميم الأولى- النَّظر إليه، لا أعاليه الجائز له النَّظر إليه (٣) ليَريَا عملَها في رأسها وأعالي بدنها، وإِلَّا لم يكن لاغتسالها بحضرة أخيها وابن أُختها أمِّ كلثومٍ من الرِّضاعة معنًى، وفي فعلها ذلك دلالةٌ على استحباب التَّعليم بالفعل؛ لأنَّه أوقعُ في النَّفس من القول وأدلُّ عليه. وهذا الحديث سباعيُّ الإسناد، وفيه: التَّحديث والسَّماع والسُّؤال. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (قَالَ) ولابن عساكر والأَصيليِّ: «وقال» (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بإسقاط: «قال أبو عبد الله» وزيادة واو العطف في تاليه، وطريقه مرويَّةٌ في «مُسْتَخْرَجَي أبي

стр. 1156

نُعيمٍ وأبي عوانة» (وَبَهْزٌ) بفتح المُوحَّدة وسكون الهاء آخره زايٌ، ابن أسدٍ الإمام الحجَّة البصريُّ، المُتوفَّى بمَرْوَ في بضعٍ وتسعين ومئةٍ، وطريقه مرويَّةٌ عند الإسماعيليِّ (وَالجُدِّيُّ) بضمِّ الجيم وتشديد الدَّال المكسورة، نسبةً لجدَّةَ ساحل البحر من جهة مكَّةَ المُشرَّفة، واسمه: عبد الملك بن إبراهيم، نزيل البصرة، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئتين (١)، الثَّلاثة روَوْه (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج المذكور: (قَدْرَِ صَاعٍ) بدل قوله: «نحوٍ من صاعٍ» «وقدرَ» بالنَّصب كما في «اليُونِيْنيَّة»، وبالجرِّ على الحكاية. ٢٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) الكوفيُّ، المتوفَّى سنة ثلاثٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي، ابن معاوية الكوفيُّ ثمَّ الجزريُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ -بفتح السِّين- الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ) الباقر محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ (أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هُوَ وَأَبُوهُ) عليُّ بن الحسين (وَعِنْدَهُ) أي: عند جابرٍ (قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ) السَّائل هو أبو جعفرٍ كما في «مُسنَد إسحاق بن رَاهُوْيَه» (فَقَالَ) جابرٌ: (يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ) هو الحسن ابن محمَّدٍ ابن الحنفيَّة -خولة بنت جعفرٍ- المُتوفَّى سنة مئةٍ أو (٢) نحوها: (مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى) أي: أكثر (مِنْكَ (٣) شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ) أي: النَّبيّ ﷺ ،

стр. 1157

«وخيرٌ» بالرَّفع عطفًا على «أوفى» المُخبَر به عن «هو»، وللأَصيليِّ: «وخيرًا» بالنَّصب عطفًا على الموصول المنصوب بـ «يكفي» (ثُمَّ أَمَّنَا) جابرٌ ﵁ (فِي ثَوْبٍ) واحدٍ ليس عليه غيره. واستُنبِط من هذا الحديث: كراهية الإسراف في استعمال الماء، وأكثر رواته كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال والجواب، وأخرجه النَّسائيُّ. ٢٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العَيْن، أي: ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) أبي الشعثاء، الأزديِّ البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَ) أمَّ المؤمنين (مَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ) ولأبي الوقت: «في» (إِنَاءٍ وَاحِدٍ) من الجنابة، فإن قلت: ما وجه تعلُّق هذا الحديث بهذا الباب؟ أُجيب بأنَّ المُراد بـ «الإناء»: الفَرَق المذكور، أو لكونه كان معهودًا عندهم أنَّه الذي يسع الصَّاع أو أكثر، فلم يحتجْ إلى التَّعريف، أو أنَّ في الحديث اختصارًا، وكان في تمامه ما يدلُّ عليه كما في حديث عائشة، ولا يخفى ما في الثَّلاثة من التَّعسُّف. ورواته الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومكيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريُّ: (كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (يَقُولُ أَخِيرًا) من عمره: (عَنِ ابْنِ

стр. 1158

عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ) ﵃، فجعل (١) الحديث من مُسنَدها، ورجَّحه الإسماعيليُّ بكون ابن عبَّاسٍ لا يطَّلع على النَّبيِّ ﷺ في حالة اغتساله معها، وهو يدلُّ على أنَّ ابن عبَّاسٍ أخذه عنها (وَالصَّحِيحُ) مِنَ الرِّوايتين (مَا رَوَاه أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ: أنَّه من مُسنَد ابن عبَّاسٍ لا من مُسنَدها، وهو الذي صحَّحه (٢) الدَّارقُطنيُّ، وثبت هنا في الفرع ما سبق من قوله: «وقال يزيد بن هارون وبَهزٌ والجُدِّيِّ عن شعبة: قدر صاعٍ» وكتبه في الهامش: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره، برقم علامة أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت (٣). (٤) (بابُ مَنْ أَفَاضَ) الماء في الغسل (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا). ٢٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) أي: ابن معاوية الجعفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، بفتح السِّين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ) بضمِّ الصَّاد وفتح الرَّاء آخره دالٌ مهمَلاتٌ، من أفاضل الصَّحابة، نزيل الكوفة، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ) بضمِّ الجيم وكسر العَيْن، القرشيُّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين، له في «البخاريِّ» تسعة أحاديث (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا أَنَا) بفتح الهمزة وتشديد الميم (فَأُفِيضُ) بضمِّ الهمزة (عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا) أي: ثلاث أكفٍّ، وعند الإمام (٤) أحمد: «فآخذ ملء كفِّي فأصبُّ على رأسي» (وَأَشَارَ) ﵊

стр. 1159

(بِيَدَيْهِ) الثِّنتين (كِلْتَيْهِمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كلاهما» بالألف، بالنَّظر إلى اللَّفظ دون المعنى، وفي بعض الرِّوايات فيما حكاه ابن التِّين: «كلتاهما» وهو على لغة لزوم الألف عند إضافتها للضَّمير، كما في الظَّاهر، كما (١) قال: إنَّ أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها وقسيم «أمَّا» محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، ففي «مسلمٍ» من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق: أنَّ الصَّحابة تمارَوا في صفة الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «أمَّا أنا فأفيض» أي: وأمَّا غيري فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله، قاله الحافظ ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا يحتاج إلى تقدير شيءٍ من حديثٍ رُوِيَ من طريقٍ لأجل حديثٍ آخر في بابه من طريقٍ آخر، وبأنَّ «أمَّا» هنا: حرف شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيدٍ، وإذا كانت للتَّوكيد فلا تحتاج إلى التَّقسيم، ولا أن يُقال إنَّه محذوفٌ. انتهى. وفي الحديث: أنَّ الإفاضة ثلاثًا باليدين على الرَّأس، وألحق به أصحابنا سائر الجسد قياسًا على الرَّأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أَوْلى بالتَّثليث من الوضوء، فإنَّ الوضوء مبنيٌّ على التَّخفيف مع تكراره، ورواته الخمسة ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه. ٢٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد

стр. 1160

الشِّين المُعجَمة، المُلقَّب ببندارٍ، وليس هو يسارًا بمُثنَّاةٍ تَحتِيَّةٍ ومُهمَلَةٍ مُخفَّفةٍ، وليس في «الصَّحيحين» محمَّد بن بشَّارٍ غيره (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ) بكسر الميم وسكون المُعجَمة، ولابن عساكر: «مُخوَّل» بضمِّ الميم وتشديد الواوِ المفتوحة، وكذا ضبطه الحاكم كما عزاه في هامش (١) فرع «اليونينيَّة» لعياضٍ النَّهديِّ -بالنُّون- الكوفيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أبي جعفرٍ الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْرِغُ) بضمِّ الياء آخره غَيْنٌ مُعجَمةٌ، مِنَ الإفراغ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) أي: ثلاث غرفاتٍ، وللإسماعيليِّ: أظنُّه من غسل الجنابة. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة، وليس لمِخْوَلٍ في «البخاريِّ» غير (٢) هذا الحديث، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا. ٢٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الميمَين وسكون العين في أكثر الرِّوايات، وجزم به المزِّيُّ، وللقابسيِّ: «مُعَمَّر» بضمِّ الميم الأولى وتشديد الثَّانية على وزن مُحمَّد، وجزم به الحاكم، وجوَّز الغسَّانيُّ الوجهين (بْنِ سَامٍ) بالمُهمَلة وتخفيف الميم، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن
следующие страницы →