← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

٦٢٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (١) الثَّقفيُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بنِ حميد (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا) بضم الخاء المعجمة، وقال: هذا توطئةٌ لقولهِ: (وَكَانَ لِي أَخٌ) من أمِّه أمِّ سُلَيمٍ (يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ) بضم العين وفتح الميم، ابن أبي طلحةَ زيد بن سهل الأنصاريُّ، وكان اسمه عبد الله، فيما جزم به الحاكمُ أبو أحمد، وقيل: اسمه حفص، كما عند ابنِ الجوزيِّ في «الكنى» (٢)، مات على عهد النَّبيِّ ﷺ . وعن أنسٍ قال: كان لأبي طلحة ابنٌ يَشتكي فخرجَ أبو طلحةَ في بعض حاجاتهِ فقبض الصَّبيُّ … الحديث، وهذا هو الصَّبيُّ المقبوض قال ﷺ : «باركَ الله لكمَا في ليلتكُمَا» [خ¦١٣٠١] فولدتْ له بعد ذلك عبد الله بن أبي طلحةَ فبورك فيه وهو والدُ إسحاق بن عبد الله بنِ أبي طلحةَ الفقيه، وإخوتهُ كانوا عشرةً كلُّهم حملَ عنه العلم (قَالَ: أَحْسِبُهُ) أي: أظنُّه (فَطِيمٌ) بالرفع صفة لقولهِ: «لي أخٌ»، وأحسبه اعتراض بين الصِّفة والموصوف، أي: مفطومٌ بمعنى فصل رضاعه، ولأبي ذرٍّ: «فطيمًا» بالنَّصب مفعولًا ثانيًا (٣) لـ «أحسب» (وَكَانَ) النَّبيُّ ﷺ (إِذَا جَاءَ) إلى أمِّ سُلَيمٍ (قَالَ) لأبي عميرٍ يمازحهُ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟) تصغير نُغَر، بضم النون وفتح الغين المعجمة (كَانَ يَلْعَبُ) أي: يتلهى (بِهِ) أبو عمير، وكان قد مات وحزنَ عليه، والنُّغيرُ طائرٌ يشبه العصفور، وقيل: فراخ العصافيرِ. قال عياض: والرَّاجح أنَّه طائرٌ أحمرُ المنقار، وفي رواية ربعي: فقالت أمُّ سُلَيمٍ: ماتت صَعْوَتهُ الَّتي كان يلعبُ بها، فقال النَّبيُّ: «يا أبا عُمير ما فعل النُّغير؟» قال أنسٌ: (فَرُبَّمَا حَضَرَ) النَّبيُّ ﷺ (الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالبِسَاطِ) بكسر الموحدة (الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ) مبنيَّان للمفعول، والنَّضحُ -بالضاد المعجمة ثمَّ الحاء المهملة- الرَّشُّ بالماء (ثُمَّ يَقُومُ) ﵊ (وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا). وفي الحديثِ الآخر (٤) جوازُ تكنيةِ الصَّغير، والحديث مطابقٌ للجزء الأوَّل من التَّرجمة، وقول صاحب «الفتح»: والرُّكن الثَّاني مأخوذٌ بالإلحاقِ بل (٥) بطريقِ الأولى، تعقَّبه في «عمدة

стр. 10922

القاري» فقال: هذا كلامٌ غير موجَّه لأنَّ جواز التَّكنِّي للصَّبيِّ لا يستلزم جواز التَّكنِّي للرَّجل قبل أن يُولد له، فكيف يصحُّ الإلحاق به فضلًا عن الأولويَّة؟ والظَّاهر أنَّه لم يظفرْ بحديثٍ على شرطهِ مطابق (١) للجزء الثَّاني، فلذلك لم يذكر له شيئًا. وقال ابنُ بطَّال: بناء اللَّقب والكنية إنَّما هو على معنى التَّكرمة والتَّفاؤل له أن يكون أبًا وأن يكون له ابن، وإذا جاز للصَّبيِّ في صغره فالرَّجل قبل أن يُولد له أولى بذلك. انتهى. وفي حديث صهيبٍ عند أحمدَ وابنِ ماجه، وصحَّحه الحاكم أنَّ عمر قال له: ما لك تكنَّى أبا يحيى، وليس لك ولدٌ؟ قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كنَّاني. وعن علقمة، عن ابن مسعودٍ -عند الطَّبرانيِّ بسندٍ صحيحٍ-: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كنَّاه أبا عبد الرَّحمن. وقال بعضُهم: بادرُوا أبناءكُم بالكُنى قبل أن تغلبَ عليها الألقاب. وحديث الباب فيه فوائد جمعها أبو العبَّاس بن القاص من الشَّافعيَّة في جزءٍ مفرد، وسبقه إلى ذلك أبو حاتمٍ الرَّازي أحد أئمَّة الحديث، ثم التِّرمذيُّ في «الشَّمائل»، ثمَّ الخطابيُّ. (١١٣) (بابُ) جواز (التَّكَنِّي بِأَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى) سابقةٌ قبل (٢) ذلك.

стр. 10923

٦٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللَّام، البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (قَالَ (١): حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ﵁ إِلَيْهِ لأَبُو تُرَابٍ) «إن» مخففة من الثَّقيلة، ولفظ «كانت» زائدة كقولهِ: وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام و «أحبَّ» منصوبٌ اسم «إنْ» و «إنْ كانَتْ» مخفَّفة لأنَّ تخفيفَها لا يوجبُ إلغاءها، قاله في «الكواكب»، وأنث «كانت» باعتبار الكُنية. وقال السَّفاقِسيُّ: أنث على تأنيثِ الأسماء مثل: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١] وفيه إطلاقُ الاسم على الكُنية، واللَّام في «لَأبو تراب» للتَّأكيد (وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ) بلام التَّأكيد أيضًا و «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة أيضًا والضَّمير لعليٍّ (أَنْ يُدْعَى بِهَا) بضم أوله وفتح العين أي: ينادى بها، ولأبي الوقتِ: «أن يُدْعاها» وللحَمُّويي والمُستملي: «أن يدعُوها» بضم العين بعدها واو فهاء، أي: يذكرها، وفي «الفتح» عن رواية النَّسفيِّ: «أن ندعُوها» «بنون» بدل: «الياء»، أي: نذكُرها (وَمَا سَمَّاهُ أَبُو تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ ¬) برفع «أَبُو» على الحكايةِ، وصوَّب النَّصبَ السَّفاقِسيُّ على المفعوليَّة وهو ظاهرٌ. نعم، قيل: إنَّ في بعض النُّسخ بالنَّصب كذلك، وسبب تكنيتهِ بها أنَّه (غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ) زوجتَهُ ﵂ (فَخَرَجَ) من عندها خشية أن يبدو منه في حالة الغيظِ ما لا يليقُ بجنابِ فاطمة، فحسمَ مادَّة الكلام إلى أن تسكُنَ فورةُ الغضبِ من كلٍّ منهما (فَاضْطَجَعَ إِلَى الجِدَارِ إِلَى المَسْجِدِ) كذا في رواية النَّسفيِّ، كما قاله في «الفتح»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلى الجدارِ في المسجد» بلفظ: «في» بدل: «إلى»، في الثَّاني، وللكشميهنيِّ: «في جدارِ المسجد» (فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَتْبَعُهُ) بسكون الفوقية مخفَّفًا، كذا في فرع «اليونينية» كهي. قال في «الفتح»: قوله: يتَّبعه -بتشديد المثناة- من الاتِّباع، وقال العينيُّ: ويروى من الثُّلاثيِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يَبْتغيه» -بموحدة ساكنة فمثناة فوقية فغين معجمة- من الابتغاء، أي: يطلبهُ (فَقَالَ: هُوَ ذَا) أي: عليٌّ (مُضْطَجِعٌ فِي الجِدَارِ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَ) الحال، أنَّه قد (امْتَلَا ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ

стр. 10924

يَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ) فاشتقَّ له النَّبيُّ ﷺ من حالته هذه الكنية، قال الخليل: يقال لمن كان قائمًا: اقعد، ولمن كان نائمًا: اجلس. وتعقَّبه ابنُ دِحية بحديث «الموطأ» حيث قال للقائمِ: اجلسْ، وفيه كرم خلقِ النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه توجَّه نحو عليٍّ ليترضَّاه ومسح التُّراب عن ظهرهِ ليُبسطه وداعبهُ بالكُنية المذكورةِ، ولم يعاتبْه على مغاضبتهِ لابنته مع رفيع منزلتها عندَه، ففيه استحباب الرِّفق بالأصهار وتركِ معاتبتهم إبقاءً لمودَّتهم، وفيه أيضًا أنَّ أهل الفضلِ قد يقعُ بينهم وبين أزواجِهم ما جبلَ الله عليه البشرَ من الغضبِ، وليس ذلك بعيبٍ، وفيه جوازُ تكنيةِ الشَّخص بأكثر من كنيةٍ، فإنَّ عليًّا كانت كنيتُه أبا الحسن. (١١٤) (بابُ أَبْغَضِ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ) . ٦٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : أَخْنَى) بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة بعدها ألف مقصورة، أي: أفحشُ، من الخَنَى، وهو الفحشُ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أخنعُ» بالعين المهملة بدل الألف، أي: أذلُّ وأوضعُ (الأَسْمَاءِ) وفي مسلم عن أبي هُريرة من وجهٍ بلفظ: «أبغضُ» وفي لفظ: «أخبثُ الأسماءِ» (يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ) بكسر اللام، والأملاكُ جمع ملِك -بالكسر-، وبالفتح جمع مَليك، ولأبي ذرٍّ: «بملك الأملاك» بزيادةِ موحدةٍ، أي: سمَّى نفسَه بذلك، أو سمِّي بذلك فرضِي به، واستمرَّ عليه وذلك لأنَّ هذا من صفات الحقِّ ﷻ ، وذلك لا يليقُ بمخلوقٍ، والعبادُ إنَّما يوصفون بالذُّلِّ والخضوعِ والعبوديَّة.

стр. 10925

قال في «المصابيح»: فإن قلتَ: كيف جازَ جعل رجل خبرًا عن أَخْنى الأسماء؟ وأَجاب: بأنَّه على حذفِ مضاف، أي: اسمُ رجلٍ تسمَّى ملِك الأملاك. انتهى. وزاد في «شرح المشكاة» أنْ يُراد بالاسمِ المسمَّى مجازًا، أي: أخنى الرِّجال رجلٌ، كقولهِ تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفيه من المبالغةِ؛ أنَّه إذا قدَّس اسمه عمَّا لا يليقُ به فكأن ذاته بالتَّقديس أولى، وهنا إذا كان الاسمُ محكومًا عليه بالهوانِ والصَّغار فكيف بالمسمَّى، وإذا كان حكمُ المسمَّى ذلك فكيف بالمسمِّي. والحديثُ من أفراده. ٦٢٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (رِوَايَةً) نصب على التَّمييز، أي: من حيث الرِّواية عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه (قَالَ: أَخْنَعُ اسْمٍ) بالعين، أي: أشدُّ ذلًّا (عِنْدَ اللهِ) وفي الرِّواية السَّابقة: «يوم القيامة» [خ¦٦٢٠٥] والتَّقييدُ بيوم القيامة مع أنَّ حكمه في الدُّنيا كذلك؛ للإشعارِ بترتب ما هو مسبَّبٌ عنه من إنزالِ الهوانِ، وحلول العقاب (-وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة -بالسَّند السَّابق- (غَيْرَ مَرَّةٍ أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ) بالعين (عِنْدَ اللهِ- رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ) بكسر اللام، وزاد ابنُ أبي شيبة في روايته عند مسلمٍ: «لا مالك إلَّا الله»، وهو استئنافٌ لبيان تعليلِ تحريم التَّسمية (١) بهذا الاسم، فنفى جنسَ الملاك (٢) بالكليَّة؛ لأنَّ المالك الحقيقي ليس إلَّا هو، ومالكيَّةُ الغير عاريةٌ مستردَّة إلى مالك الملوك، فمن تسمَّى بهذا الاسمِ نازعَ الله في رداءِ كبريائهِ، واستنكفَ أن يكون عبد الله، فيكون له الخْزِي والنَّكال (قَالَ سُفْيَانُ) أيضًا: (يَقُولُ غَيْرُهُ) أي: غير أبي الزِّناد (تَفْسِيرُهُ) بالفارسية، أي: ملِك الأملاك (٣)

стр. 10926

(شَاهَانْ) بشين معجمة مفتوحة فألف فنون ساكنة (شَاهْ) بشين معجمة (١) فألف فهاء ساكنة، وليست هاء تأنيث. وعند أحمد قال سفيان: مثل شاهان شاه. وزادَ الإسماعيليُّ من رواية محمَّد بن الصَّبَّاح، عن سفيان: مثل ملكِ الصِّين، وقد كانت التَّسمية بذلك كَثُرت في ذلك الزَّمان، فنبَّه سفيان على أنَّ الاسم الَّذي وردَ الخبر بذمِّه لا ينحصرُ في ملكِ الأملاك، بل كلُّ ما أدَّى إلى معناه بأيِّ لسانٍ كان فهو مُراد الذَّم (٢)، وزعم بعضُهم أنَّ الصَّواب شاه شاهان، بالتَّقديم والتَّأخير، وليس كذلك؛ لأنَّ قاعدة العجم تقديم المضاف إليه على المضاف، فإذا أرادوا قاضي القضاة بلسانهم؟ قالوا: موبذان موبذٌ، فموبذٌ هو القاضِي، ومُوْبذان جمعُه، وكذا شاه هو الملكُ، وشاهان هو الملوك، ويُؤخذ من الحديث تحريم التَّسمِّي بهذا الاسم؛ لورودِ الوعيد الشَّديد، ويلحقُ به ما في معناهُ كأحكمِ الحاكمين، وسُلطان السَّلاطين، وأمير الأمراءِ، وهل يلحقُ (٣) به من تسمَّى بأقضَى القُضاة؟ فقال (٤) الزَّمخشريُّ في «كشافه» عند قولهِ تعالى: ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] بالمنعِ من أن يلقَّب بأقضَى القضاة، وتعقَّبَه ابنُ المُنَيِّر بحديث: «أَقْضاكم عليٌّ» وقد وجدت التَّسمية بقاضِي القضاة في العصرِ القديم من عهدِ أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفةَ ﵀، وكان الماورديُّ يلقَّب بأقضى القُضاة مع منعه من تلقيب الملك الَّذي كان في زمانه بملك الملوك. وقال العينيُّ: يمتنعُ أن يقال: أقضَى القضاة؛ لأنَّ معناه أحكمُ الحاكمين، وهذا أبلغُ من قاضِي القضاة؛ لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ (٥). قال: ومن جهل أهل زماننا من مسطِّري سجلاتِ القضاة يكتبون للنَّائب أقضَى القضاة، وللقاضِي الكبير قاضِي القضاة.

стр. 10927

(١١٥) (بابُ) حكمُ (كُنْيَةِ المُشْرِكِ، وَقَالَ مِسْوَرٌ) بكسر الميم وسكون السين المهملة، ابن مخرمَة، ممَّا (١) وصلَه البخاريُّ، في أواخر «كتابِ النِّكاح» في «باب ذبِّ الرَّجل عن ابنته» [خ¦٥٢٣٠]: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) وهو على المنبرِ: «إنَّ بني هشامِ بن المغيرة استأذَنوا (٢) في أن يُنْكحوا ابنتهم عليَّ بن أبي طالبٍ فلا آذنُ، ثمَّ لا آذنُ، ثمَّ لا آذن» (إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ) أن يطلِّق ابنتي ويَنْكِح ابنتهم … الحديث. فذكر أبا طالب المشركَ بكنيتهِ في غيبتهِ، وكان اسمه عبد منافٍ.

стр. 10928

٦٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. قال البخاريُّ: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثنا» بواو العطف على السَّند السَّابق (إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميدِ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبدِ الله بنِ أبي عتيقٍ، واسمه محمَّدُ ابن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ) كساءٌ (فَدَكِيَّةٌ) بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف والتحتية المشددة، نسبة لقريةٍ قرب المدينةِ تسمَّى فَدَك، ولأبي ذرٍّ: «على قطيفةٍ فَدَكيَّة» (وَأُسَامَةُ) بن زيدٍ (وَرَاءَهُ) حالَ كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي) منازلِ (بَنِي حَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) بغير ألف ولام في حارث (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا) أي: النَّبيُّ ﷺ وأسامة (حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية منونة (ابْنُ سَلُولَ) برفع «ابن» صفة لعبد الله؛ لأنَّ سَلول أمُّ عبد الله، وهي بفتح السين المهملة (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم التحتية وسكون السين المهملة، أي: قبل أن يظهرَ إسلامهُ ولم يسلم قطُّ (فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بالخاء المعجمة الساكنة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلثة، وجر «عبدة» بدلًا ممَّا قبله (وَاليَهُودِ) عطفٌ على «عبدة»، أو على «المشركين» (وَفِي المُسْلِمِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «وفي المجلس» بدل: «وفي المسلمين»، (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والواو المخففة والحاء المهملة، الخزرجيُّ الأنصاريُّ الشَّاعر (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين المهملة والجيمين بينهما ألف مخففًا، أي: غُبارها (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة والميم المشددة بعدها راء، غَطَّى

стр. 10929

(ابْنُ أُبَيٍّ) عبد الله (أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالموحدة بعد المعجمة، أي: لا تُثيروا علينا الغُبار (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ) ناويًا المسلمين (ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ) عن الدَّابَّة (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ ﷺ : (أَيُّهَا المَرْءُ لَا) شيءَ (أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة والسين المهملة بينهما حاء مهملة ساكنة، أفعل تفضيل اسمُ «لا» وخبرها شيء المقدر (١) (إِنْ كَانَ حَقًّا) ويجوزُ أن تكون «إن كان حقًّا» شرطًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لا أُحْسِن» بضم الهمزة وكسر السين «ما تقول» بإسقاطِ الميم الأولى (فَلَا تُؤْذِنَا) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة، وعلى القولِ بأنَّ «إن كان حقًّا» شرط فجزاؤهُ فلا تؤذنا (بِهِ) بقولك (فِي مَجَالِسِنَا) بالجمعِ (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) ﵁: (بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا) بهمزة وصلٍ وفتح الشين المعجمة، زاد أبو ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «به» أي: بقولكَ (فِي مَجَالِسِنَا) بالجمع (فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) بالتَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة ثمَّ المثلَّثة المفتوحات، أي: قاربوا أن يثبَ بعضُهم على بعض فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضاد المعجمتين بينهما فاء مشددة مكسورة، وفي «اليونينيَّة»: بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة (٢)، يسكِّنهم (٣) (حَتَّى سَكَتُوا) بالفوقية من السُّكوت، وللحَمُّويي والمُستملي: «سكنوا» بالنون بدل الفوقية (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) يعودهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيْ سَعْدُ) وفي «تفسيرِ آل عمران»: يا سعدُ [خ¦٤٥٦٦] (أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة الأولى المخفَّفة (يُرِيدُ) ﷺ (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ) وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ عبد الله لم يكن يُظهر الإسلام، فذكره النَّبيُّ ﷺ بكنيتهِ في غيبتهِ (قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا» (رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) أي مفدَّى بأبي (اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَ) الله (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ

стр. 10930

الكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) بفتح الهمزة والزاي (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة، البلدة وهي المدينة النَّبويَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «البُحَيرة» بضم الموحدة، مصغَّرًا (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) بتاج الملكِ (وَيُعَصِّبُوهُ بِالعِصَابَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعصابةِ الملك» (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ) الَّذي اصطلحوا عليه (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء (١)، غصَّ ابنُ أبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الَّذي أعطاك (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من (٢) فعله وقولهِ القبيح (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ) ﵃ (يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٦]) يعني اليهودَ والنَّصارى (الآيَةَ، وَقَالَ) تعالى: (﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩]) الآية (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَأَوَّلُ فِي العَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ) والتَّأويل تفسيرُ ما يؤول إليه الشَّيء (حَتَّى أَذِنَ) تعالى (لَهُ) ﷺ (فِيهِمْ) بالقتالِ، فترك العفوَ عنهم بالنِّسبة للقتالِ (فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ) جمع صنديد، وهو السَّيِّد الشُّجاع (فَقَفَلَ) بالفاء (٣) أي: رجعَ (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) من بدرٍ (مَنْصُورِينَ) على الكفَّار (غَانِمِينَ مَعَهُمْ أُسَارَى) بضم الهمزة (مِنْ صَنَادِيدِ الكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ. قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) برفع ابن (وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) لمَّا رأوا نصرَ المسلمين (٤) ومَغْنمهم (هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ) أي: ظهرَ وجهُه (فَبَايِعُوا) بكسر التحتيَّة (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «وأسلِموا» بالواو وكسر اللَّام. والحديث مرَّ في «تفسير سورةِ آل عمران» [خ¦٤٥٦٦].

стр. 10931

٦٢٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عُمير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ) ﵁، أنَّه (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة وسكون الواو وبالطاء المهملة، يحفظُكَ ويرعاكَ (وَيَغْضَبُ لَكَ) لأجلكَ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) نفعتهُ (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ) بضادين معجمتين وحاءين مهملتين (مِنْ نَارٍ) موضعٌ قريبُ القعرِ خفيفُ العذابِ (لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: في الطَّبق الَّذي في قعرِ جهنَّم، والنَّار سبعُ درَكاتٍ سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها متداركةٌ مُتَتابعةٌ بعضُها فوقَ بعض. وفي هذا الحديثِ أنَّه ﷺ سمعَ تكنيةَ (١) أبي طالبٍ من العبَّاس فأقرَّه، وقد جوَّزوا ذكرَ الكافر بكُنيته إذا كان لا يُعرف إلَّا بها، كما في أبي طالبٍ، أو كان على سبيلِ التَّألُّف رجاءَ إسلامهم، أو تحصيلِ منفعةٍ منهم لا على سبيلِ التَّكريم، فإنَّا مأمورونَ بالإغلاظِ عليهم، وأمَّا ذكرُ أبي لهبٍ بالكُنْية دون اسمهِ عبد العزَّى فقيل: لاجتناب نسبتهِ إلى عبوديَّة الصَّنم، وقيل: للإشارة إلى أنَّه سيصلَى نارًا ذات لهبٍ. والحديثُ سبق في «ذكر أبي طالبٍ» [خ¦٣٨٨٣]. (١١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المَعَارِيضُ) من التَّعريض خلاف التَّصريح (مَنْدُوحَةٌ) بفتح الميم وسكون النون وضم الدال وبالحاء المهملتين، أي: في المعاريضِ من الاتِّساع ما يغني (عَنِ

стр. 10932

الكَذِبِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ) بنُ عبد الله بنِ أبي طلحة زيد الأنصاريُّ، ممَّا سبق موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠١]: (سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁، يقول: (مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟) وكان جاهلًا بموته (قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ الغلام: (هَدَأَ نَفَسُهُ) بفتح الهاء والدال المهملة بعدها همزة، و «نفَسه» بفتح الفاء، واحدُ الأنفاس، أي: سكنَ نفسُه وانقطعَ بالموت (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من بلاءِ الدُّنيا وألم أمراضها (وَظَنَّ) أبو طلحةَ (أَنَّهَا صَادِقَةٌ) باعتبار ما فهمَهُ من كلامها (١) لأنَّ مفهومه أنَّ الصَّبي تعافى؛ لأنَّ النَّفس إذا سكن أشعر بالنَّوم، والعليل إذا نام أشعرَ بزوال مرضهِ أو خفَّته، فالمرأة صادقةٌ باعتبارِ مرادها، وأمَّا خبرها بذلك فهو غير مطابقٍ للأمر الَّذي فهمَه أبو طلحةَ، فمن ثمَّ قال الرَّاوي: وظنَّ أنَّها صادقةٌ، ومثل ذلك لا يسمَّى كذبًا على الحقيقةِ، بل مندوحةٌ عن الكذب. ٦٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ البُنانيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الحَادِي) أنجشةُ الحبشيُّ، والحدو سوقُ الإبل والغناء لها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ، وَيْحَكَ بِالقَوَارِيرِ) متعلِّق بقولهِ: ارفق، ولأبي ذرٍّ: «ويحكَ القواريرَ» بإسقاط الجار ونصب القوارير، أي: النِّساء، فهو من المعاريضِ، وهي التَّورية بالشَّيءِ عن الشَّيء، كما مرَّ معناه. والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦٢٠٢] [خ¦٦١٦١] [خ¦٦١٤٩]. ٦٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، ابن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ وَ) عن حمَّاد بن زيدٍ، عن (أَيُّوبَ)

стр. 10933

السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ) أي: بالنِّساء (يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : رُوَيْدَكَ) نصب على الإغراءِ، أو مفعول بفعلٍ مُضمر، أي: الزم رويدكَ، أو المصدر، أي: أرود رويدكَ، أي: أمهِل (يَا أَنْجَشَةُ، سَوْقَكَ) نصب على الظَّرفيَّة (١) أي: في سوقكَ (بِالقَوَارِيرِ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) بالسَّند: (يَعْنِي) بالقوارير (النِّسَاءَ). ٦٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) قال في «المقدمة»: قال أبو عليٍّ الجيانيُّ: لم أجدْ إسحاق هذا منسوبًا عن أحدٍ من رواة الكتاب، ولعلَّه إسحاق بن منصورٍ، فإنَّ مسلمًا قد روى في «صحيحه» عنه (٢) عن حَبَّان بن هلال. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ ﵀: رأيتُه (٣) في رواية أبي عليٍّ محمَّد بن عُمر الشَّبويِّ في «باب البيِّعان بالخيار» [خ¦٢١١٠] قد قال فيه: حَدَّثنا إسحاق بن منصور: حَدَّثنا حَبَّان، فهذه قرينةٌ تقوِّي ما ظنَّه أبو عليٍّ. انتهى. وحَبَّان: بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة آخره نون، ابن هلالٍ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى بن دينار قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَادٍ) بالتَّنوين من غير تحتيَّة (يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وقد سمعهُ يحدو بالنِّساء (رُوَيْدَكَ (٤) يَا أَنْجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ القَوَارِيرَ) بجزم «تكسر» (٥) على النَّهيِّ، كُسِرَ لالتقاء السَّاكنين (٦) (قَالَ قَتَادَةُ) بالسَّند: (يَعْنِي) بالقواريرِ (ضَعَفَةَ النِّسَاءِ) لسرعةِ (٧) التَّأثُّر فيهنَّ.

стр. 10934

٦٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضم الميم وفتح السين وتشديد الدال الأولى المهملة، ابن مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ) بفتح الفاء والزاي بعدها مهملة، خوفٌ فاستغاثُوا (فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَسًا) اسمه مندوبٌ (لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوجُ أمِّ سُلَيم، واستبرأَ الخبر (فَقَالَ) ﷺ لمَّا رجع: (مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) يقتضِي فزعًا (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) أي: الفرس (لَبَحْرًا) بلام التَّأكيد، و «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة، و «بحرًا» المفعول الثَّاني لـ «وجدناه» وشبَّه الفرس بالبحرِ لسعةِ خطوهِ وسرعةِ جريهِ. قال في «فتح الباري»: وكأنَّ البخاريَّ استشهدَ (١) بحديثَي أنسٍ لجوازِ التَّعريض، والجامع بين التَّعريضِ وبين ما دلَّا عليه استعمال اللَّفظ في غيرِ ما وضع له لمعنى جامعٍ بينهما. وقال ابن المُنَيِّر في «شرح التراجم»: حديثُ القوارير والفرس ليسا من المعاريضِ (٢) بل من المجازِ، فكأنَّ (٣) البخاريَّ لمَّا رأى ذلك جائزًا قال: فالمعاريض الَّتي هي حقيقةٌ أولى بالجوازِ (٤). انتهى. ومحلُّ جواز استعمال المعاريضِ إذا كانت فيما يخلِّصُ من الظُّلم أو يحصِّل الحقَّ، وأمَّا استعمالُها في إبطالِ حقٍّ أو تحصيلِ باطلٍ فلا يجوزُ. والحديثُ سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٢].

стр. 10935

(١١٧) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلشَّيْءِ) الموجودِ: (لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهْوَ) أي: والحالُ أنَّه (يَنْوِي أنَّه لَيْسَ بِحَقٍّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا وصله المؤلِّف في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢١٦]: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْقَبْرَينِ: يُعَذَّبَان) بفتح الذال المعجمة المشددة (بِلَا كَبِيْرٍ) نفيٌ (وَإنَّهُ لَكَبِيرٌ) إثبات، فكأنَّه قال لشيءٍ: ليسَ بشيءٍ، وهذا التَّعليق ثابتٌ لأبوي الوقتِ وذرٍّ ساقطٌ لغيرهما. ٦٢١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلميُّ مولاهم، البخاريُّ البِيْكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة، و «يزيد» من الزِّيادة، الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيزِ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ سَمِعَ) أباهُ (عُرْوَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (سَأَلَ أُنَاسٌ) ذكر في «مسلم» ممَّن سأل معاوية بن الحكم السُّلميُّ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ) بضم الكاف وتشديد الهاء، جمع كَاهن، وهو من يدَّعي علم الأخبارِ المستقبلةِ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَيْسُوا بِشَيْءٍ) فيما يتعاطونَهُ من علمِ الغيبِ، أي: ليس قولهم بصحيحٍ يعتمدُ عليه، كما يعتمدُ قولَ النَّبيِّ ﷺ الَّذي يخبرُ عن الوحي (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ) من الغيبِ (يَكُونُ حَقًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَِفُهَا) بكسر الطاء في الفرع مصلحةً والمشهورُ فتحها، وفي «اليونينيَّة» كشط الخفضة، ولم يضبطِ الطاء، أي: يأخذها (الجِنِّيُّ) بسرعةٍ

стр. 10936

(فَيَقُرُّهَا) بفتح التحتية وضم القاف، مصحَّحًا عليها (١) في الفرع كأصله وبتشديد (٢) الراء، أي: يصوِّت بها (فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ) الكاهن (قَرَّ الدَُِّجَاجَةِ) بتثليث الدال المهملة، حكاهُ ابن معين الدِّمشقيُّ وابن مالكٍ وغيرهما، و «قرُّ الدَّجاجة» صوتها إذا قطعتْه، ويروى: بالزاي بدل الدال واختارها التُّوربشتيُّ ورد رواية الدال. قال في «شرح المشكاة»: لا ارتياب أنَّ قرَّ الدَّجاجة مفعول مطلقٌ وفيه معنى التَّشبيه، فكما يصحُّ أن يشبَّه إيراد ما اختطفَهُ من الكلامِ بإذن الكاهنِ بصبِّ الماء في القارورةِ، يصحُّ أن يشبَّه ترديدَ كلام الجنِّيِّ في أُذن الكاهن بترديد الدَّجاجة صوتها في أُذن صواحبها، كما نشاهد الدِّيكة إذا وجدت شيئًا، فتقرُّ وتسمع صواحبها فيجتمعنَ عليها، وباب التَّشبيه بابٌ واسعٌ لا يفتقرُ إلَّا إلى العلاقةِ على أنَّ الاختطافَ ههنا مستعارٌ للكلامِ من خطف الطَّير، فتكون الدَّجاجة أنسب من القارورة لحصول التَّرشيح في الاستعارةِ. قال: ويؤيِّد ما ذهبنَا إليه قول ابن الصَّلاح: إنَّ الأصل قرُّ الدَّجاجة -بالدال- فصحَّف إلى قرِّ الزُّجاجة -بالزاي- (فَيَخْلِطُونَ فِيهَا) أي: في الكلمة الَّتي سمعها استراقًا من الوحي (أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ) بفتح الكاف وسكون المعجمة، وقوله: فيخلطونَ، جمع بعد الإفراد نظرًا إلى الجنسِ. والحديثُ مرَّ في «باب الكهانة» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢]. (١١٨) (بابُ) جوازِ (رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾) طويلةً ثمَّ تبرك حتَّى تركبَ ويحمل عليها ثمَّ تقومُ (﴿وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨]) رفعًا بعيد المدَى بلا مِساك (٣) ولا عمدٍ، ثمَّ نجومها تكثر حتَّى لا تدخلَ في حسابِ الخلق، وتخصيصُ هذين والآيتين بعدهما وهما الجبال والأرض باعتبارِ أنَّ هذا خطابٌ للعربِ، وحثٌّ لهم على الاستدلالِ، والمرءُ إنَّما يستدلُّ بما تكثرُ مشاهدته له، والعربُ تكون في البوادِي ونظرهم فيها

стр. 10937

إلى السَّماء والأرضِ والجبالِ والإبل، فهي أعزُّ أموالهم وهم لها أكثرُ استعمالًا منهم لسائرِ الحيوانات، ولأنَّها (١) تجمع (٢) جميعَ المآرب المطلوبةِ من الحيوان (٣) وهي النَّسل والدَّرُّ والحمل والرُّكوب والأكلُ بخلاف غيرها، ولأنَّ خَلْقها أعجبُ من غيرها، فإنَّها مُسخَّرة (٤) منقادةٌ لكلِّ من اقتادَها بأزمَّتها، لا تمانع صغيرًا، وبَرَأَها (٥) طِوَال الأعناقِ لتنوءَ بالأوقارِ، وجعلها بحيث تبرك حتَّى تحمل عن قربٍ ويسرٍ، ثمَّ تنهضُ بما حملتْ وتجره (٦) إلى البلاد الشَّاسعة، وصبَّرها على احتمال العطشِ حتَّى إنَّ أظماءهَا لترتفعُ إلى العشرِ فصاعدًا، وجعلها ترعى كلَّ نابتٍ في البرارِي ما لا يرعاهُ سائر البهائمِ. وغرضُ البخاريِّ من هذه الآية ذكر السَّماء لينصَّ على جوازِ رفع البصر إليها، وأمَّا النَّهيُ عن رفع البصرِ إلى السَّماء في الصَّلاة فخاصٌ بها لِمَا هو مطلوبٌ فيها من الخشوعِ، وجمع الهمَّة وتطهيرِ السِّرِّ من السِّوى، بحيث لا يكون فيه متَّسعٌ لغيرهَا؛ إذ المصلِّي يُناجي ربَّه. (وَقَالَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمةَ السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ) وصله أحمدُ وهو طرفٌ من حديث أوَّله ماتَ رسولُ الله ﷺ في بيتي ويومِي وبين سحرِي ونحرِي … الحديث، وفيه فرفعَ بصره إلى السَّماء وقال: «الرَّفيق الأعلى» وهو عند البخاريِّ في «الوفاة النبويَّة»، من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيوب بلفظ: «فرفع رأسه إلى السَّماء» [خ¦٤٤٥١]. وهذا التَّعليق ثبت في رواية المُستملي والكُشميهنيِّ وسقط لغيرهما

стр. 10938

٦٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «يحيى ابن بكير»، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الوَحْيُ) احتبسَ بعد نزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (١) [العلق: ١] ثلاثَ سنين أو سنتين ونصفًا (فَبَيْنَما) بالميم، وفي «اليونينية» بإسقاطها (أَنَا أَمْشِي) وجواب بينما (سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ) في أثناء أوقات المشيِ (فَرَفَعْتُ بَصَرِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريلُ (قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ … ) الحديث. وسبق في «بدء الوحي» أوَّل الكتاب [خ¦٣]. ٦٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن محمَّد بنِ الحكم بنِ أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي كثير المدنيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (شَرِيكٌ) بفتح الشين المعجمة، ابنُ عبد الله بن أبي نمر (٢) (عَنْ كُرَيْبٍ) بضم الكاف، ابنُ أبي مسلمٍ مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ (٣) مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين خالتِهِ ﵂ (وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا) في نوبتها (فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) بمدِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «الأخير» بقصر الهمزة وزيادة تحتية بعد المعجمة (أَوْ بَعْضُهُ) شكٌّ من الرَّاوي (قَعَدَ) ﷺ (فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ

стр. 10939

فَقَرَأَ) عشرَ آياتٍ من سورة آل عمران (﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ﴾) لأدلَّةٍ واضحةٍ على صانعٍ قديم عليمٍ حكيمٍ قادرٍ (﴿لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]) لمن خلص عقلهُ عن الهوى خلوص اللُّب عن القشرِ، فيرى أنَّ العرضَ المحدث في الجواهر يدلُّ على حدوث الجواهرِ؛ لأنَّ جوهرًا ما لا يخلو عن عرضٍ حادث، وما لا يخلو عن الحادثِ فهو حادثٌ، ثمَّ حدوثها يدلُّ على محدِثها وذا قديم، وإلَّا لاحتاج إلى محدثٍ آخر إلى ما لا يتناهَى، وحسنُ صنعه يدلُّ على علمهِ، وإتقانهُ يدلُّ على حكمتهِ وبقاؤهُ يدلُّ على قدرتهِ. قال رسولُ الله ﷺ : «ويلٌ لمن قرأهَا ولم يتفكَّر فيها» رواه [عبدُ بنُ حميدٍ وابنُ حبَّان] (١) ويحكى أنَّ في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلَّته سحابةٌ، فعبدها فتًى فلم تظلّه، فقالتْ له أمُّه: لعلَّ فرطةً فرطت (٢) منك في مدَّتك. قال: ما أذكر. قالت: لعلك (٣) نظرتَ مرَّة إلى السَّماء ولم تعتبرْ. قال: لعلَّ. قالت: فما أُتِيت إلَّا من ذاك. والحديثُ مرَّ في «أبوابِ الوترِ» [خ¦٩٩٢] و «تفسير سورة آل (٤) عمران» [خ¦٤٥٦٩]. ومطابقته للتَّرجمة لا خفاءَ فيها، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ … » إلى آخره. وقال: بعد قولهِ: ﴿وَالأَرْضِ﴾: «الآيةَ». (١١٩) (بابُ) ذكر (نَكْتِ العُودِ) بفتح النون وبعد الكاف الساكنة فوقية. يقال: نكتَ في الأرض، إذا ضرب فأثَّر فيها، ولأبي ذرٍّ: «من نكتِ العود» (فِي المَاءِ وَالطِّينِ).

стр. 10940

٦٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ) بكسر الغين المعجمة آخره مثلثة، البصريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ) في بستانٍ من بساتينها، وكان فيه بئر أريس، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٣٦٧٤] (وَفِي يَدِ النَّبِيِّ (١) ﷺ عُودٌ يَضْرِبُ بِهِ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ) ويحتملُ أن يكون (٢) هذا العودُ هو المِخْصَرة الَّتي كان ﷺ يتوكَّأ عليها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «في الماء والطِّين» (فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَفْتِحُ) يطلبُ أن يفتحَ له باب الحائطِ ليدخلَ فيه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بعد أن استأذنَه (افْتَحْ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «له» (وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ. فَذَهَبْتُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فإذا هو أبو بكرٍ» (فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ (٣) رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ) ﷺ : (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ. فَإِذَا) هو (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، وَكَانَ) ﷺ (مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: افْتَحْ) زاد أبو ذرٍّ: «له» (وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى) غير منون، أي: مع بَلوى (تُصِيبُهُ) هي قتلُه في الدَّار (أَوْ تَكُونُ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا) هو (عُثْمَانُ، فَفَتَحْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقمتُ ففتحتُ» (لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ، فَأَخْبَرْتُهُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأَخْبرته» (بِالَّذِي قَالَ) ﷺ : على بلوى تصيبهُ (قَالَ) عثمان: (اللهُ المُسْتَعَانُ) أي: على مرارةِ الصَّبر على ما أنذرَ به ﷺ من البلاءِ. وفيه علمٌ من أعلامِ نبوَّته ﷺ حيث وقعَ ما أشار إليه ﷺ ، وموافقة الحديث للتَّرجمة لا تخفى، والنَّكتُ بالعصا (٤) يقعُ كثيرًا عند التَّفكُّر في شيءٍ، لكن لا يسوغ استعماله

стр. 10941

إلَّا فيما لا يضرُّ، فلو ضر (١) بجدارٍ أو غيره منع. والحديثُ مرَّ في «المناقب» [خ¦٣٦٩٣] والله الموفِّق. (١٢٠) (بابُ) ذكرِ (الرَّجُلِ يَنْكُتُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ فِي الأَرْضِ) ينكت بالفوقيَّة (٢). ٦٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثَنِي» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد (٣)، واسم أبي عدي إبراهيمُ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الأعمشُ، لا التَّيميُّ (وَمَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبيدة) بسكون العين في الأوَّل، وضمها في الثاني، الكوفيِّ السُّلميِّ (٤) ختن أبي عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيبٍ (السُّلَمِيِّ) المقرئ الكوفيِّ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ) في البقيع (فَجَعَلَ يَنْكُتُ الأَرْضَ) (٥) ولأبي ذرٍّ: «في الأرض» (بِعُودٍ) وفي «الجنائز» فقعدَ وقعدنَا حولهُ ومعه مِخْصَرة، فنكَّسَ فجعلَ ينكتُ بمخصرتهِ [خ¦١٣٦٢]. وهذا الفعلُ يقعُ غالبًا ممَّن يتفكَّر في شيءٍ يريد استحضار معانيهِ (فَقَالَ: لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ فُرِغَ) بضم الفاء وكسر الراء (مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) و «من» بيانيَّة (فَقَالُوا) وفي «الجنائز» فقال رجلٌ [خ¦١٣٦٢]. وفسِّر بعليٍّ وبسُرَاقة (٦) بن جُعْشُم وبعمر

стр. 10942

(أَفَلَا نَتَّكِلُ؟) نعتمدُ، زاد في «الجنائزِ» على كتابنَا وندعُ العملَ، فمن كان منَّا من أهلِ السَّعادة فسيصيرُ إلى عمل أهل السَّعادة، وأمَّا من كان منَّا من أهل الشَّقاوة فسيصيرُ إلى عمل أهلِ الشَّقاوة [خ¦١٣٦٢] (قَالَ) ﷺ : (اعْمَلُوا فَكُلٌّ) من أهلِ السَّعادة والشَّقاوة (مُيَسَّرٌ) أي: لما خُلِق له (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيَةَ [الليل: ٥]) واستدلَّ بذلك على إمكانِ معرفةِ الشَّقيِّ من السَّعيد في الدُّنيا؛ لأنَّ العملَ علامةٌ على الجزاءِ، فيحكمُ بظاهرِ الأمر، وأمرُ الباطنِ إلى الله تعالى. (١٢١) (بابُ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ). ٦٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَتْنِي) بالفوقية بعد المثلَّثة مع الإفراد (هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ) الفِرَاسِيَّة -بكسر الفاء وبالسين المهملة بعد الراء والألف- (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميَّة أمَّ المؤمنين (¬﵂ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) ليلةً (فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ) أي: خزائن الرَّحمة (وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ) من العذابِ، وقيل: المرادُ بالخزائن إعلامهُ ﷺ بما سيفتحُ على أمَّته من الأموالِ بالغنائمِ من البلاد الَّتي يفتحونهَا، وأنَّ الفتن تنشأُ عن ذلك، «ماذا» استفهام متضمِّن معنى التَّعجب، ولأبي ذرٍّ: «من الفتنة» بالإفراد (مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجَرِ -يُرِيدُ) ﷺ (بِهِ أَزْوَاجَهُ-) ﵅ (حَتَّى يُصَلِّينَ، رُبَّ كَاسِيَةٍ) عرفتها (فِي الدُّنْيَا) أثوابًا رقيقةً لا تمنعُ إدراك البشرةِ (عَارِيَةٍ) معاقبة (فِي الآخِرَةِ) بفضيحة التَّعرِّي.

стр. 10943

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ) بالمثلَّثة، هو عبدُ الله بن عبد الله بنِ أبي ثور، ممَّا وصله المؤلِّف في «العلم» [خ¦٨٩] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ) ﵃، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟) بإسقاط أداةِ الاستفهام (قَالَ: لَا) لم أطلقهنَّ. قال عمرُ: (قُلْتُ) متعجِّبًا (١): (اللهُ أَكْبَرُ). ٦٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم ابنِ شهابٍ. قال البخاريُّ: (ح) (٢) (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال (٣) (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ) بضم الحاء وفتح السين، زين العابدين (أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونها (تَزُورُهُ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الغَوَابِرِ) بفتح الغين المعجمة والواو و (٤) بعد الألف موحدة فراء، البواقي (مِنْ رَمَضَانَ) وتطلقُ الغوابر على المواضي، وهو من الأضداد (فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ العِشَاءِ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ) تنصرفُ إلى بيتها (فَقَامَ مَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ مَسْكَنِ (٥) أُمِّ سَلَمَةَ

стр. 10944

زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يسمَّيا (فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ نَفَذَا) بفتح النون والفاء والذال المعجمة، مضيا (فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الراء وسكون السين المهملة، هينتكما (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) أي: تنزَّه الله أن يكون رسولهُ متَّهمًا بما لا ينبغِي، أو كنايةً عن تعجُّبهما من هذا القولِ المذكور بقرينة قولهِ (وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) بضم الموحدة، أي: عظُم وشقَّ (مَا قَالَ) وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «ما قال» (قَالَ) ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي) بالجيم والراء (مِنِ ابْنِ آدَمَ) ولأبي ذرٍّ: «يبلغُ من الإنسان» (مَبْلَغَ الدَّمِ) أي: كمبلغ الدَّم، ووجه التَّشبيه كما في «الكواكب» عدمُ المفارقة، وكمال الاتِّصال (وَإِنِّي خَشِيتُ) عليكما (أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا) شيئًا تهلكان بسببهِ، وأشار المصنِّف بسياق ما ذكره هنا إلى الرَّدِّ (١) على من منعَ استعمال ذلك عند التَّعجُّب، وقد وردتْ أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في قولهِ: سبحان الله عند التَّعجُّب، وقد وقع حديث صفيَّة هذا مؤخرًا في رواية غير أبي ذرٍّ آخر هذا الحديث كما تَرى، والله أعلم. وقد سبق في «الاعتكاف» في «باب هل يخرج المعتكف لحوائجه» [خ¦٢٠٣٥] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] وفي «الخُمس» [خ¦٣١٠١]. (١٢٢) (بابُ) بيان (النَّهْيِ عَنِ الخَذْفِ) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين وبالفاء، وهو رميُ الحصى بالأصابعِ. ٦٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ) بضم العين وسكون القاف في الأول، وضم الصاد المهملة وسكون الهاء في الثاني (الأَزْدِيَّ) بفتح الهمزة وسكون الزاي والدال مهملة، نسبةً إلى أزدِ بن

стр. 10945

الغوث قبيلة (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة (المُزَنِيِّ) نسبةً إلى مزينة بنت كلب قبيلةٌ كبيرة، أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الخَذْفِ) قال ابنُ بطَّال: هو الرَّمي بالسَّبَّابة والإبهام (وَقَالَ) ﵊: (إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ) بل ربَّما تلف لغير مأكلةٍ، وذلك منهيٌّ عنه (وَلَا يَنْكَأُ العَدُوَّ) بالهمز وفتح أوله، وللأربعة: «ولا ينكِي» بغير همزٍ مع كسر الكاف. وقال القاضي عياض في «مشارقه»: الرِّواية بفتح الكاف مهموزُ الآخر وهي لغة، والأشهر يُنكِي، أي: بغير همز مع كسر الكاف، ومعناه: المبالغةُ في الأذى (وَإِنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ) أي: يقلعُها (وَيَكْسِرُ السِّنَّ) والغرض النَّهي عن أذى المسلمين، وهو من آدابِ الإسلام. والحديثُ مرَّ في «الصيد» [خ¦٥٤٧٩] وغيره [خ¦٤٨٤١]. (١٢٣) (بابُ) مشروعيَّة (الحَمْدِ لِلْعَاطِسِ) والحكمةُ فيه -كما (١) قاله الحليميُّ-: أنَّ العطاس يدفعُ الأذى عن (٢) الدِّماغ الَّذي فيه قوَّة الفكر، ومنه منشأُ الأعصاب الَّتي هي معدنُ الحسِّ، وبسلامته تسلمُ الأعضاء، فيظهر بهذا أنَّه (٣) نعمةٌ جليلةٌ يناسبُ أن تقابلَ بالحمد لما فيه من الإقرارِ لله بالحقِّ والقدرةِ، وإضافة الخلقِ إليه لا إلى الطَّبائع. ٦٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن طَرْخان التَّيميُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ (٤): عَطَسَ) بفتح

стр. 10946

الطاء المهملة (رَجُلَانِ) هما عامرُ بن الطُّفيل وابن أخيه، كما في الطَّبرانيِّ من حديثِ سهل بن سعدٍ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا) فقال له: يرحمُك الله (وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ) بالشين المعجمة والميم المشددة المفتوحتين (١) في الكلمتين، وأصله إزالة شماتةِ الأعداء، والتَّفعيل للسَّلب نحو: جلدتُ البعير، أي: أزلتُ جلدهُ، فاستعملَ للدُّعاء بالخيرِ لتضمُّنه ذلك، فكأنَّه دعا له أن لا يكون في حالةِ من يشمت به، أو أنَّه إذا حمدَ الله أدخلَ على الشَّيطان ما يَسوءُه فشمتَ هو بالشَّيطان، وفي «اليونينية» (٢): «فسمَّت أحدَهما ولم يسمِّت الآخرَ» بالسين المهملة فيهما. قال أبو ذرٍّ: بالسين المهملة (٣) في كلِّ موضعٍ عند الحَمُّويي، أي: دعا له بأن يكون على سمتٍ حسنٍ، وقيل: إنَّه أفصحُ. وقال القاضِي أبو بكر ابن العربيِّ: المعنى في اللَّفظين بديعٌ، وذلك أنَّ العاطسَ ينحل كلُّ عضوٍ في رأسه وما يتَّصل به من العنقِ ونحوه، فكأنَّه إذا قيل له: يرحمكَ الله، كان معناه أعطاكَ الله رحمةً يرجعُ بها بدنك إلى حالهِ قبل العُطاس، ويقيمُ على حاله من غير تغييرٍ، فإن كان السَّمت بالمهملةِ فمعناه رجعَ عن (٤) كلِّ عضو إلى سمتهِ الَّذي كان عليهِ، وإن كان بالمعجمةِ فمعناه: صانَ الله شوامتَهُ، أي: قوائمه الَّتي بها قوام بدنهِ (٥) عن خروجها عن الاعتدالِ. قال: وشوامتُ كلِّ شيءٍ قوائمُه الَّتي بها قِوَامه، فقوامُ الدَّابَّة بسلامة قوائمهَا الَّتي يُنتفعُ بها إذا سلمت، وقوام الآدميِّ بسلامةِ قوائمه الَّتي بها قوامه وهو رأسهُ وما يتَّصل به من عنقٍ وصدرٍ. انتهى. وفي «اليونينية» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فسمت» بالمهملة «ولم يشمت» بالمعجمة (٦).

стр. 10947

وفي «الأدب المفرد» للمؤلِّف وصحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي هريرة: «عطسَ رجلان عندَ النَّبيِّ ﷺ أحدهما أشرفُ من الآخر، وإنَّ الشَّريف لم يحمدِ الله، فشمَّت أحدهما ولم يشمِّت الآخر» (فَقِيلَ لَهُ): يا رسولَ الله، شمَّتَّ هذا ولم تشمِّت الآخر؟ (فَقَالَ) ﷺ : (هَذَا حَمِدَ اللهَ) فشمَّته (وَهَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللهَ) فلم أشمِّته، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لم يحمدْ» بحذفِ الجلالةِ. وفي حديث أبي هريرة المذكور: «إنَّ هذا ذكر الله فذكَرْتُه وأنت نسيتَ الله فنسيتُك» والنِّسيان يُطلق (١) على التَّرك أيضًا، والسَّائل هو العاطسُ الَّذي لم يحمدِ الله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بما فيه من البحث قريبًا بعد ثلاثة أبواب بعون الله تعالى وقوَّته [خ¦٦٢٢٥]. وفي الحديث مشروعيَّة الحمدِ، وقوله في حديث أبي هريرة الآتي -إن شاء الله تعالى- بعد بابين: «فليقل: الحمد لله» [خ¦٦٢٢٤] ظاهرٌ في الوجوب، لكن نقل النَّوويُّ الاتِّفاق (٢) على استحبابه، وأمَّا لفظه فنقل ابن بطَّال وغيرهُ عن طائفةٍ أنَّه لا يزيدُ على الحمد لله، كما في حديثِ أبي هريرة المذكور [خ¦٦٢٢٤] وفي حديث أبي مالك الأشعريِّ رفعه: «إذا عطسَ أحدُكم فليقلْ: الحمدُ لله على كلِّ حالٍ» ومثلهُ في حديث عليٍّ عند النَّسائيِّ، وحديث ابن عمر عند التِّرمذيِّ والبزَّارِ والطَّبرانيِّ. وفي حديث ابن مسعودٍ في «الأدب المفرد» للبخاريِّ يقول: الحمد لله ربِّ العالمين. وعن عليٍّ موقوفًا ممَّا رواه في «الأدب المفرد» برجالٍ ثقات «من قال عند عطسةٍ سمعها: الحمد لله ربِّ العالمين على كلِّ حالٍ ما كان لم يجد وجع الضِّرس ولا الأُذن أبدًا». وحكمه الرَّفع لأنَّ مثله لا يُقال من قبل الرَّأي، وأخرجه الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر عن عليٍّ مرفوعًا (٣) بلفظ: «من بادرَ العاطسَ بالحمد عُوفي من وجع الخاصرةِ، ولم يشك ضرسه أبدًا» وسنده ضعيفٌ. وعن ابن عبَّاس ممَّا في «الأدب المفرد» والطَّبرانيُّ بسندٍ لا بأس به: «إذا عطسَ الرَّجل فقال: الحمد لله. قال المَلَك: رب العالمين، فإن قال: ربَّ العالمين. قال الملكُ: يرحمك الله».

стр. 10948

وعن أمِّ سلمة ممَّا أخرجه أبو جعفرٍ الطَّبريُّ في «التهذيب» بسندٍ لا بأس به: عطسَ رجلٌ عند النَّبيِّ ﷺ فقال: الحمد لله، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «يرحمك الله» وعطس آخرُ فقال: الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، فقال: «ارتفع هذا على تسع عشرة درجة». تنبيه: قال الحافظ ابن حجرٍ: لا أصل لما اعتاده النَّاس من استكمال قراءة الفاتحة بعد العطاس، وكذا العدول عن الحمد إلى أشهد أنَّ لا إله إلا الله، أو تقديمها على الحمد، فمكروهٌ. والحديثُ أخرجه مسلمٌ في آخر الكتابِ، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الأدب». (١٢٤) (بابُ) مشروعيَّة (تَشْمِيتِ العَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللهَ، فِيْهِ) أي: في تشميت العاطسِ حديثٌ رواه (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، وهذا ثابتٌ لأبي ذرٍّ (١). ٦٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) باللام والمعجمة آخره مثلَّثة، ولأبي ذرٍّ: «أشعث» (بْنِ سُلَيْمٍ) بضم السين مصغَّرًا أبي الشَّعثاء المحاربيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون، المزنيَّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ) بالموحدة بعد السين فيهما (أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ) أي: زيارتهِ سواءٌ

стр. 10949

كان مسلمًا أو ذميًّا، قريبًا كان (١) للعائدِ أو جارًا له وفاء بصلة الرَّحم وحقِّ الجوار (وَاتِّبَاعِ الجِنَازَةِ) بكسر الجيم في الفرع بالمشي خلفها، وبه قال الحنفيَّة. وعند الشَّافعيَّة: الأفضلُ المشيُ أمامها، وحملوا قوله: اتِّباع الجنازة على الأخذ في طريقها والسَّعي لأجلها، وإنَّما ألجأهم لذلك حديث ابن عمر عند أبي داود أنَّه رأى النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمر يمشون أمامَ الجنازة (وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ) أي: إذا حمد الله، كما قال في حديث الباب التَّالي [خ¦٦٢٢٣] «فإذا عطسَ فحمدَ الله، فحقٌّ على كلِّ مسلمٍ سمعه أن يشمِّته» وهو كقولهِ: أمرنا ظاهرٌ في الوجوب، بل عند البخاريِّ من حديث أبي هريرة: «خمسٌ تجبُ على المسلمِ للمسلم» [خ¦١٢٤٠] فذكر فيها التَّشميت، وهو عند مسلمٍ أيضًا، وقال به جمهورُ أهل الظَّاهر، وقال أبو عبد الله في «بهجة النفوس»: قال جماعةٌ من علمائنا -أي: المالكيَّة- إنَّه فرضُ عينٍ، وقوَّاه ابن القيِّم في «حواشي السنن» بأنَّه جاء بلفظ الوجوب الصَّريح، وبلفظ الحقِّ الدَّالِّ عليه، وبصيغة الأمر الَّتي هي حقيقة فيه، وبقول الصَّحابيِّ: أَمَرَنا رسول الله ﷺ . قال: ولا ريب أنَّ الفقهاءَ يثبتون وجوب أشياء كثيرةٍ بدون مجموع هذه الأشياء. وقال قومٌ: هو فرض كفايةٍ يسقطُ بفعل البعض، ورجَّحه أبو الوليد بن رشد (٢)، وقال به الحنفيَّة وجمهور الحنابلة. وقال الشَّافعيَّة: مستحبٌّ على الكفايةِ، وقد خصَّ من عموم الأمر من لم يحمد، كما يأتي إن شاء الله تعالى، والكافر كما في رواية أبي داود وصحَّحه الحاكم عن أبي موسى أنَّ اليهود كانوا يتعاطسون عنده ﷺ رجاءَ أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: «يهديكم الله ويصلح بالكم». وإذا تكرَّر منه العطاس فزاد على الثَّلاث، ففي حديث أبي هريرة عند البخاريِّ في «الأدب المفرد» قال: يشمِّته واحدة واثنتين وثلاثًا، فما كان بعد ذلك فهو زُكام. وروي مرفوعًا عن عبد الله بن أبي بكرٍ عن أبيه مرفوعًا أخرجه في «الموطأ». وهل يقول لمن تتابع عطاسه: أنت مزكومٌ في الثَّانية، أو في الثَّالثة، أو الرَّابعة؟ أقوالٌ، والصَّحيح في الثَّالثة، ومعناه أنَّك لست ممَّن يشمَّت بعدها؛ لأنَّ الَّذي بك مرضٌ، وليس من العُطاس المحمودِ النَّاشئ عن خِفَّة (٣) البدن فيدعى له بالعافية، وكذا يخصُّ في العموم من كره التَّشميت،

стр. 10950

ويطَّرد (١) ذلك في السَّلام والعيادة، وفيه تفصيلٌ لابن دقيق العيد فلا يمتنع إلَّا ممَّن خاف منه ضررًا كعادة سلاطين مصر لا يشمَّت أحدهم إذا عطس، ولا يسلَّم عليه إذا دخل عليه، وكذا عند الخطبة يوم الجمعة؛ لأنَّ التَّشميت يخلُّ بالإنصات المأمور به، ومن عطس وهو يجامع، أو في الخلاء فيؤخِّر ثمَّ يَحْمد ويشمِّته من سمعَه. (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) إلى وليمة النِّكاح إلَّا لمانعٍ شرعيٍّ، كفرش حريرٍ (وَرَدِّ السَّلَامِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ) سواءٌ كان مسلمًا أو ذميًّا، بالقول أو بالفعل (وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ) بميم مضمومة وكسر السين، أي: تصديقُ من أقسم عليك، وهو أن تفعلَ ما سأله (٢) الملتمسُ وأقسم عليه أن يفعلَه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «القَسَم» (٣) بإسقاط الميم وفتحتين. (وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، عَنْ) لبسِ (خَاتَمِ الذَّهَبِ -أَوْ قَالَ: حَلْقَةِ الذَّهَبِ-) بسكون اللام، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ) للرِّجال، وسقط لفظ «لبس» لأبي ذرٍّ (وَالدِّيبَاجِ) المتَّخذ من الإبريسم (وَالسُّنْدُسِ) ما رقَّ من الدِّيباج (وَالمَيَاثِرِ) بالمثلثة، جمع: مِيثرة -بكسر الميم- مفعلة، من الوثَار، وأصلها: مِوْثرة، فقلبت الواو ياء لكسرة (٤) الميم، وهي مراكبُ العجم تُعمل من حريرٍ أو ديباجٍ، وتتَّخذ كالفراش الصَّغير وتُحشى بنحو قطنٍ يجعلها الرَّاكب تحتَه على السَّرج، فإن كانتْ من حريرٍ أو ديباجٍ حرِّمتْ، والمناهِي سبعة ذكر منها خمسة، وأسقطَ منها: القَسِّي، وآنية الفضة. وسبقا في «اللِّباس» [خ¦٥٨٦٣]. والحديثُ مضى في «الجنائز» [خ¦١٢٣٩] و «المظالم» [خ¦٢٤٤٥] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٩] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٠] و «النِّكاح» [خ¦٥١٧٥] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «النُّذور» [خ¦٦٦٥٤].

стр. 10951

(١٢٥) (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطَاسِ) بضم العين (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ التَّثَاوبِ) بالفوقية ثمَّ المثلَّثة والواو بغير همزٍ في الفرع وأصله. قال في «الكواكب»: وهو بالهمز على الأصحِّ، وهو تنفُّسٌ ينفتحُ منه الفمُ من الامتلاءِ، وثقلِ النَّفس، وكُدُورة الحواس. ٦٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، العسقلانيُّ، أصله خراسانيٌّ، يُكنى أبا الحسنِ، ونشأ ببغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بنِ الحارث بنِ أبي ذئبٍ، واسمه: هشامُ بن سعدٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان المدنيِّ، مولى أمِّ شريك (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ) الَّذي لا ينشأُ عن زكامٍ؛ لأنَّه يكون من خفَّة البدن وانفتاح السُّدد، وذلك ممَّا يقتضي النَّشاط لفعل الطَّاعة والخير (وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) لأنَّه يكون عن غلبة امتلاء البدن والإكثار من الأكل والتَّخليط فيه، فيؤدِّي إلى الكسل والتَّقاعد عن العبادة، وعن الأفعالِ المحمودة، فالمحبَّة والكراهة المذكوران منصرفان إلى ما ينشأ عن سببهما (١) (فَإِذَا عَطَسَ) بفتح الطاء (فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ) احتجَّ به من قال بالوجوب، وسبق ما فيه في الباب قبله [خ¦٦٢٢٢] (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يزيِّن للنَّفس شهوتها من امتلاءِ البدن بكثرةِ المآكل (فَلْيَرُدَّهُ) أي: التَّثاؤب (٢) (مَا اسْتَطَاعَ) إمَّا بوضع يدهِ على فمهِ، أو بتطبيقِ الشَّفتين (فَإِذَا قَالَ: هَا) هي حكاية صوت المتثاوبِ (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فرحًا بتشويهِ صورتهِ.

стр. 10952

والحديثُ سبق في «بدء الخلقِ» [خ¦٣٢٨٩]. (١٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا عَطَسَ) أحدٌ (كَيْفَ يُشَمَّتُ؟) بفتح الميم المشددة على صيغةِ المجهول. ٦٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبدُ العزيز بنُ عبد الله بن أبي سلمةَ الماجِشُون -بكسر الجيم بعدها شين معجمة مضمومة- المدنيُّ، نزيل بغداد قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ العدويُّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن، مولى ابن عمر (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ) وعند أبي داود عن موسى بن إسماعيل، عن عبد العزيز المذكور بلفظ: «فليقل: الحمد لله على كلِّ حالٍ» (وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ) في الإسلامِ (أَوْ صَاحِبُهُ) شكٌّ من الرَّاوي: (يَرْحَمُكَ اللهُ) يحتمل أن يكون دعاء بالرَّحمة، وأن يكون خبرًا على طريقِ البشارة، قاله ابنُ دقيق العيد. قال: فكأنَّ المشمِّت بشَّر العاطس بحصول الرَّحمة له في المستقبلِ بسبب حصولها له في الحالِ؛ لكونها دفعتْ ما يضرُّه، وفي الحديث أنَّه يخصُّه بالدُّعاء، وفي «شعب الإيمان» للبيهقيِّ وصحَّحه ابن حِبَّان عن طريق حفصِ بن عاصمٍ، عن أبي هريرة رفعه: «لمَّا خلقَ الله آدمَ عطسَ فألهمَه ربُّه أن قال: الحمدُ لله، فقال له ربُّه: يرحمك ربُّك». وأخرج الطَّبريُّ عن ابن مسعودٍ قال: يقول: يرحمنا الله وإيَّاكم. وأخرجه ابنُ أبي شيبة عن ابن عمر بنحوه، وفي «الأدب المفرد» بسندٍ صحيحٍ عن أبي جَمرة -بالجيم- عن ابن عبَّاس إذا شمِّت يقول: عافانا الله وإيَّاكم من النَّار يرحمكم الله. قال ابنُ دقيق العيد: ظاهر الحديث يقتضي أنَّ السُّنة لا تتأدى (١) إلَّا بالمخاطبة، وأمَّا ما اعتاده

стр. 10953

كثيرٌ من النَّاس من قولهم للرَّئيس (١): يرحمُ الله سيِّدنا فخلاف السُّنَّة، وبلغني عن بعض الفضلاء، أنَّه شمَّت رئيسًا فقال: يرحمك الله يا سيِّدنا، فجمع الأمرين (٢) وهو حسنٌ (فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ. فَلْيَقُلْ) له جوابًا عن التَّشميت: (يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) حالكُم أو شأنكم. قال في «الكواكب»: اعلم أنَّ الشَّارع إنَّما أمر العاطس بالحمد لِمَا حصل له من المنفعةِ بخروج ما احتقنَ في دماغهِ من الأبخرةِ. قال الأطبَّاء: العطسةُ تدلُّ على قوَّة طبيعة الدِّماغ، وصحَّة مزاجهِ فهي نعمةٌ، وكيف لا وهي جالبةٌ للخفَّة المؤدِّية إلى الطَّاعات فاستْدعِيَ الحمدَ عليها، ولمَّا كان تغيُّر (٣) الوضع الشَّخصيِّ لحصول حركاتٍ غير مضبوطةٍ بغير اختيار، ولهذا قيل: إنَّها زلزلةُ البدن أريد إزالة ذلك الانفعال عنه بالدُّعاء له والاشتغالِ بجوابهِ، ولمَّا دعا له كان مُقتضى ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] أن يكافئه بأكثر منها، فلهذا أمر بالدَّعوتين الأولى لفلاح الآخرة (٤) وهو الهداية المقتضية له، والثَّانية لصلاحِ حاله في الدُّنيا وهو إصلاحُ البال، فهو دعاءٌ له بخير الدَّارين وسعادةِ (٥) المنزلتين، وعلى هذا قس أحكام الشَّريعة وآدابها. انتهى. وقد ذهب الكوفيُّون إلى أنَّه يقول: يغفرُ الله لنا ولكم. وهذا الحديث (٦) أخرجه الطَّبريُّ (٧) عن ابن مسعودٍ وابن عمر وغيرهما. قال ابن بطَّال: ذهب مالكٌ والشَّافعيُّ إلى أنْ (٨) يتخيَّر بين اللَّفظتين (٩). وقال ابن رشدٍ: الثَّاني أولى؛ لأنَّ المكلَّف محتاجٌ إلى طلب المغفرة، والجمعُ بينهما أحسن إلَّا للذِّميِّ. والحديثُ أخرجهُ أبو داود في «الأدب» والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

стр. 10954

(١٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يُشَمَّتُ العَاطِسُ إِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللهَ) بفتح ميم «يشمَّت» على صيغة المجهول، وسقطَ «باب» لأبي ذرٍّ. ٦٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن طَرْخان (التَّيْمِيُّ) أبو المعتمرِ نزل (١) البصرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: عَطَسَ) بفتح الطاء (رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ. فَقَالَ الرَّجُلُ) العاطسُ الَّذي لم يشمَّت: (يَا رَسُولَ اللهِ، شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ، وَلَمْ تَحْمَدِ اللهَ) وفي الطَّبرانيِّ من حديث سهل: أنَّ الرَّجلين هما عامرُ بن الطُّفيل بن مالك وابن أخيه، وكان عامرٌ قدم المدينة ووقع بينه وبين ثابت بن قيس بحضرةِ النَّبيِّ ﷺ كلامٌ، ثمَّ عطس ابن أخيه فحمد فشمَّته النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ عطسَ عامرٌ فلم يحمد فلم يشمِّته فسأله … ومات عامرٌ هذا كافرًا فكيف يخاطب النَّبيَّ ﷺ بقولهِ: يا رسول الله، فيحتمل -كما قال (٢) في «الفتح» - أن يكون قالها غير معتقدٍ بل باعتبار ما يخاطبُه المسلمون، وأشار المصنِّف ﵀ بهذه التَّرجمة إلى أنَّ الحكم عامٌّ وليس مخصوصًا بالرَّجل الَّذي وقعَ له ذلك، وإن كانت واقعةَ حالٍ لا عموم فيها، لكن وردَ الأمر بذلك فيما أخرجه مسلمٌ من حديث أبي موسى بلفظ: «إذا عطَسَ أحدُكم فحمد الله (٣) فشمِّتوه، وإن لم يحمدِ الله فلا تشمِّتوه»، وهل هذا النَّهي للتَّحريم أو التَّنزيه؟ الجمهور على أنَّه للتَّنزيه. قال النَّوويُّ: يستحبُّ لمن حضر من عطس فلم يحمدْ أن يذكِّره الحمدَ ليحمد فيشمِّته.

стр. 10955

لطيفة: أخرج ابن عبد البرِّ بسندٍ جيِّدٍ عن أبي داود صاحب «السُّنن» أنَّه كان في سفينةٍ، فسمع عاطسًا على الشَّطِّ حَمِد، فاكترى قاربًا بدرهم حتَّى جاءَ إلى العاطس فشمَّته ثمَّ رجعَ، فسُئل عن ذلك فقال: لعلَّه يكون مجاب الدَّعوة، فلمَّا رقدوا سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السَّفينة إنَّ أبا داود اشترى الجنَّة من الله بدرهمٍ، ذكره في «الفتح». (١٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا تَثَاوَبَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تثاءب» بالهمز (فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) ليغطِّي فيها ما انفتحَ منه حفظًا له عن الانفتاحِ بسبب ذلك، ويحصل ذلك بنحو الثَّوب أيضًا ممَّا يحصل به الغرضُ. ٦٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ التَّيميُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ) بالهمزة مصحَّحًا عليه في الفرع وأصله، وقد أنكر الجوهريُّ كونه بالواو فقال: تقول: تثاءبتُ على تفاعلتُ، ولا تقل: تثاوبتُ. وقال غير واحدٍ: إنَّهما لغتان وبالهمز والمد أشهرُ (فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ) أي: حقًّا في حسن الأدب (١) ومكارم الأخلاق (وَأَمَّا التَّثَاوبُ) بالواو (فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ (٢) الشَّيْطَانِ) قال ابنُ العربيِّ: كلُّ فعلٍ مكروهٍ نسبه الشَّرع إلى الشَّيطان (٣)؛ لأنَّه بوساطته (٤)،

стр. 10956

وذلك بالامتلاء من الأكلِ النَّاشئ عنه التَّكاسل وهو بواسطةِ الشَّيطان (فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) أي: يأخُذ في أسباب ردِّه، وليس المراد أنَّه يملك دفعهُ؛ لأنَّه (١) الَّذي وقع لا يُرد حقيقة، أو المعنى: إذا أراد أن يتثاوب (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ) بالهمز مصحَّحًا عليه في الفرع (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) حقيقةً أو مجازًا عن الرِّضا به، والأصل الأوَّل؛ إذ لا ضرورةَ تدعو إلى العدول عن الحقيقة. وفي مسلم من حديث أبي سعيد: «فإنَّ الشَّيطان يدخل» وهذا يحتمل أن يراد الدُّخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسانِ مجرى الدَّم، لكنَّه لا يتمكَّن منه ما دامَ ذاكرًا لله تعالى، والمتثاوبُ في تلك الحالة غير ذاكرٍ، فيتمكَّن الشَّيطان من الدُّخول فيه حقيقة، ويحتملُ أن يكون أطلق (٢) الدُّخول وأراد التَّمكُّن منه؛ لأنَّ من شأن من دخلَ في شيءٍ أن يكون تمكَّن منه. وفي حديثِ ابن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيه -عند ابن ماجه-: «إذا تثاءبَ أحدُكم فليضعْ يدهُ على فِيْهِ ولا يَعوي، فإنَّ الشَّيطان يضحَكُ منه». ويعوي بالعين المهملة، فشبَّه التَّثاؤب الَّذي يُسترسلُ معه بعواءِ الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإنَّ الكلب يرفعُ رأسه ويفتح فاهُ ويعوي، والمتثاوب إذا أفرطَ في التَّثاؤب شابههُ، ومن ثمَّ تظهر النُّكتة في كونهِ يضحكُ منه؛ لأنَّه صيَّره ملعبةً له بتشويهِ خلقتهِ في تلك الحالة، ولم (٣) يتعرَّض لأيِّ اليدين يضعها، وقع في «صحيح أبي عَوانة» أنَّه قال عقب الحديث: ووضعَ سهيلٌ -يعني: راويه عن أبي سعيدٍ، عن أبيه (٤) - يدهُ اليسرى على فيهِ. وهو محتملٌ لإرادة التَّعليم خوفَ إرادة وضع اليمنى بخصوصها، وفي حديث أبي هريرة من طريقِ العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه «إنَّ التَّثاؤب في الصَّلاة من الشَّيطان، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليكظِمْ ما استطاعَ» فقيَّد بحالة الصَّلاة، فيحتملُ أن

стр. 10957

يحملَ المطلق على المقيَّد، وللشَّيطانِ غرضٌ قويٌّ في التَّشويش على المصلِّي في صلاتهِ، ويحتملُ أن تكونَ كراهته في الصَّلاة أشدَّ، ولم يلزمْ من ذلك أن لا يُكره في غيرِ حالة الصَّلاة، ويؤيِّد (١) كراهتَه مطلقًا كونه من الشيطان (٢)، وبذلك صرَّح النَّوويُّ.

стр. 10958

((٧٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الاِسْتِئذَانِ) وهو طلبُ الإذنِ في الدُّخول لمحلٍّ لا يملكهُ المستأذنُ، وقد أجمعوا على مشروعيَّته، وتظاهرتْ به دلائلُ القرآن والسُّنَّة. (١) (بابُ بَدْو السَّلَامِ) بفتح الباء (١) الموحدة وسكون الدال المهملة وبالواو (٢) من غيرِ همزٍ، ولأبي ذرٍّ: «بدء» بالهمز، بمعنى: الابتدَاء، أي: أوَّل ما وقع السَّلام، وأشار بالتَّرجمة للسَّلام مع الاستئذان إلى أنَّه لا يؤذَن لمن لم يسلِّم، كما سيأتي إن شاءَ الله تعالى بعون الله وقوَّته في الباب التَّالي مبحثه. ٦٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحافظ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ البصريِّ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) الضَّمير عائدٌ على آدم، أي: خلقه تامًّا مستويًا (طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) لم يتغيَّر عن حالهِ، ولا كان من نطفةٍ،

стр. 10959

ثمَّ من (١) علقةٍ، ثمَّ من مضغةٍ، ثمَّ جنينًا، ثمَّ طفلًا، ثمَّ رجلًا حتَّى تمَّ طوله، فلم يتنقلْ من الأطوارِ كذرِّيَّته، وفيه -كما قال ابن بطَّالٍ- إبطالُ (٢) قول الدَّهريَّة: إِنَّه لم يكن قطُّ إنسان إلَّا من نطفةٍ، ولا نطفة إلَّا من إنسانٍ، وقيل: إنَّ لهذا الحديث سببًا حُذِف من هذه الرِّواية، وإنَّ أوَّله قصَّة الَّذي ضرب عبده فنهاهُ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وقال له: «إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ علَى صورتِهِ» رواه [أبو داود] (٣). وللبخاريِّ (٤) في «الأدب المفرد» وأحمد من طريق ابنِ عجلان، عن سعيدٍ، عن أبي هُريرة مرفوعًا: «لَا تقُولنَّ قبَّحَ اللهُ وجهَكَ ووجهَ مَن أشبَهَ وجهَكَ، فإنَّ اللهَ خلقَ آدمَ علَى صورتِهِ» وهو ظاهرٌ في عود الضَّمير على المقولِ له ذلك، وقيل: الضَّمير «لله» لِما في بعض الطُّرق «على صورة الرَّحمن» أي: على صفتهِ من العلم والحياة والسَّمع والبصر وغير ذلك، وإن كانتْ صفاتُ الله تعالى لا يُشْبهها شيءٍ. وقال التُّوربشتيُّ: وأهل الحقِّ في ذلك على طبقتين: إحداهما: المتنزِّهون عن التَّأويلِ مع نفي التَّشبيه، وإحالةِ العلم إلى علمِ الله تعالى الَّذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وهذا أسلمُ الطَّريقتين. والطَّبقة الأخرى: يرون الإضافة فيها إضافة تكريمٍ وتشريفٍ، وذلك أنَّ الله تعالى خلقَ آدم على صورةٍ لم يشاكلْها شيءٌ من الصُّور في الجمالِ والكمال، وكثرة ما احتوتْ عليه من الفوائدِ الجليلة. وقال الطِّيبيُّ: تأويل الخطَّابيُّ في هذا المقام حسنٌ يجبُ المصير إليه؛ لأنَّ قوله: «طوله» بيانٌ لقوله: «على صورتهِ» كأنَّه قيل (٥): خلقَ آدمَ على ما عُرف من صورتهِ الحسنةِ وهيئتهِ من الجمالِ والكمالِ وطول القامةِ، وإنَّما خصَّ الطُّول منها؛ لأنَّه لم يكن متعارفًا بين النَّاس. وقال القرطبيُّ: كأنَّ مَن رواه «على صورة الرَّحمن» أورده بالمعنى متمسِّكًا بما توهَّمه، فغلطَ في ذلك، وقوله: «ستُّون ذراعًا» يحتملُ أن يريدَ بقدر ذراع نفسه، أو الذِّراع المتعارف

стр. 10960

يومئذٍ عند المخاطبين، والأوَّل أظهرُ؛ لأنَّ ذراع كلِّ أحدٍ ربعه، فلو كان بالذِّراع المعهود كانت يده قصيرةً في جنبِ طول جسدهِ (فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «خلقه الله، قال» (اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ) عدَّةٌ من الرِّجال من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ. وقال في «شرح المشكاة»: وتخصيص السَّلام بالذِّكر؛ لأنَّه فتح باب المودَّات وتأليف القلوب المؤدِّي إلى استكمالِ الإيمان، كما ورد: «لَا تدخُلُوا الجنَّةَ حتَّى تؤمِنُوا، ولَا تؤمنُوا حتَّى تحابُّوا» -إلى قوله-: «أَفشُوا السَّلَامَ»، والسَّلام هو اسم الله، فالمعنى: اسم الله عليك، أي: أنتَ في حفظه، وقيل: السَّلامة (١)، أي: السَّلامة مُستعليةٌ عليك ملازمةٌ لك، ولأبي ذرٍّ: «نفرٌ» (مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ) قال في «الفتح»: ولم أقفْ على تعيينهِم (فَاسْتَمِعْ) بالفوقية وكسر الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فاسمَع» بإسقاط الفوقية وفتح الميم (مَا يُحَيُّونَكَ) بالحاء المهملة بين التَّحتيَّتين (٢)، ولأبي ذرٍّ كما في «الفتح» (٣): «يجِيْبونك» بالجيم المكسورة والتحتية الساكنة بعدها موحدة، من الجواب (فَإِنَّهَا) أي: الكلمات الَّتي يُحيُّون، أو يُجيبون بها (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ) المسلمين شرعًا لكن في حديث عائشة مرفوعًا: «مَا حَسَدَتْكم اليهودُ علَى شيءٍ، مَا حَسَدُوكم علَى السَّلامِ والتَّأمينِ» أخرجه ابنُ ماجه وصحَّحه ابنُ خُزيمة، وهو يدلُّ على أنَّه شُرِع لهذه الأمَّة دُونهم (فَقَالَ) لهم آدمُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) واستُدلَّ بهذا على أنَّ هذه الصِّيغة هي المشروعة (٤) لابتداء السَّلام لقوله: «فهي تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيتك»، فلو حذف اللَّام جاز، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤] لكن اللَّام أَولى لأنَّها للتَّفخيم، وقال النَّوويُّ: ولو قال: وعليكم السَّلام، بالواو لا يكون سلامًا، ولا يستحقُّ (٥) جوابًا لأنَّها لا تصلح للابتداءِ، قاله المتولِّي، فلو أسقط الواو أجزأ، ويجبُ الجواب لأنَّه سلامٌ، وكرههُ الغزاليُّ في «الإحياء»، وعن بعض الشَّافعيَّة فيما نقلهُ ابنُ دقيق العيد: إنَّ المبتدِئ لو قال: عليكم السَّلام
следующие страницы →