وذلك بالامتلاء من الأكلِ النَّاشئ عنه التَّكاسل وهو بواسطةِ الشَّيطان (فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ) أي: يأخُذ في أسباب ردِّه، وليس المراد أنَّه يملك دفعهُ؛ لأنَّه (١) الَّذي وقع لا يُرد حقيقة، أو المعنى: إذا أراد أن يتثاوب (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ) بالهمز مصحَّحًا عليه في الفرع (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) حقيقةً أو مجازًا عن الرِّضا به، والأصل الأوَّل؛ إذ لا ضرورةَ تدعو إلى العدول عن الحقيقة. وفي مسلم من حديث أبي سعيد: «فإنَّ الشَّيطان يدخل» وهذا يحتمل أن يراد الدُّخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسانِ مجرى الدَّم، لكنَّه لا يتمكَّن منه ما دامَ ذاكرًا لله تعالى، والمتثاوبُ في تلك الحالة غير ذاكرٍ، فيتمكَّن الشَّيطان من الدُّخول فيه حقيقة، ويحتملُ أن يكون أطلق (٢) الدُّخول وأراد التَّمكُّن منه؛ لأنَّ من شأن من دخلَ في شيءٍ أن يكون تمكَّن منه.
وفي حديثِ ابن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيه -عند ابن ماجه-: «إذا تثاءبَ أحدُكم فليضعْ يدهُ على فِيْهِ ولا يَعوي، فإنَّ الشَّيطان يضحَكُ منه». ويعوي بالعين المهملة، فشبَّه التَّثاؤب الَّذي يُسترسلُ معه بعواءِ الكلب تنفيرًا عنه واستقباحًا له، فإنَّ الكلب يرفعُ رأسه ويفتح فاهُ ويعوي، والمتثاوب إذا أفرطَ في التَّثاؤب شابههُ، ومن ثمَّ تظهر النُّكتة في كونهِ يضحكُ منه؛ لأنَّه صيَّره ملعبةً له بتشويهِ خلقتهِ في تلك الحالة، ولم (٣) يتعرَّض لأيِّ اليدين يضعها، وقع في «صحيح أبي عَوانة» أنَّه قال عقب الحديث: ووضعَ سهيلٌ -يعني: راويه عن أبي سعيدٍ، عن أبيه (٤) - يدهُ اليسرى على فيهِ. وهو محتملٌ لإرادة التَّعليم خوفَ إرادة وضع اليمنى بخصوصها، وفي حديث أبي هريرة من طريقِ العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه «إنَّ التَّثاؤب في الصَّلاة من الشَّيطان، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليكظِمْ ما استطاعَ» فقيَّد بحالة الصَّلاة، فيحتملُ أن
стр. 10957
يحملَ المطلق على المقيَّد، وللشَّيطانِ غرضٌ قويٌّ في التَّشويش على المصلِّي في صلاتهِ، ويحتملُ أن تكونَ كراهته في الصَّلاة أشدَّ، ولم يلزمْ من ذلك أن لا يُكره في غيرِ حالة الصَّلاة، ويؤيِّد (١) كراهتَه مطلقًا كونه من الشيطان (٢)، وبذلك صرَّح النَّوويُّ.
стр. 10958
((٧٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الاِسْتِئذَانِ) وهو طلبُ الإذنِ في الدُّخول لمحلٍّ لا يملكهُ المستأذنُ، وقد أجمعوا على مشروعيَّته، وتظاهرتْ به دلائلُ القرآن والسُّنَّة.
(١) (بابُ بَدْو السَّلَامِ) بفتح الباء (١) الموحدة وسكون الدال المهملة وبالواو (٢) من غيرِ همزٍ، ولأبي ذرٍّ: «بدء» بالهمز، بمعنى: الابتدَاء، أي: أوَّل ما وقع السَّلام، وأشار بالتَّرجمة للسَّلام مع الاستئذان إلى أنَّه لا يؤذَن لمن لم يسلِّم، كما سيأتي إن شاءَ الله تعالى بعون الله وقوَّته في الباب التَّالي مبحثه.
٦٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحافظ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ البصريِّ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) الضَّمير عائدٌ على آدم، أي: خلقه تامًّا مستويًا (طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) لم يتغيَّر عن حالهِ، ولا كان من نطفةٍ،
стр. 10959
ثمَّ من (١) علقةٍ، ثمَّ من مضغةٍ، ثمَّ جنينًا، ثمَّ طفلًا، ثمَّ رجلًا حتَّى تمَّ طوله، فلم يتنقلْ من الأطوارِ كذرِّيَّته، وفيه -كما قال ابن بطَّالٍ- إبطالُ (٢) قول الدَّهريَّة: إِنَّه لم يكن قطُّ إنسان إلَّا من نطفةٍ، ولا نطفة إلَّا من إنسانٍ، وقيل: إنَّ لهذا الحديث سببًا حُذِف من هذه الرِّواية، وإنَّ أوَّله قصَّة الَّذي ضرب عبده فنهاهُ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وقال له: «إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ علَى صورتِهِ» رواه [أبو داود] (٣). وللبخاريِّ (٤) في «الأدب المفرد» وأحمد من طريق ابنِ عجلان، عن سعيدٍ، عن أبي هُريرة مرفوعًا: «لَا تقُولنَّ قبَّحَ اللهُ وجهَكَ ووجهَ مَن أشبَهَ وجهَكَ، فإنَّ اللهَ خلقَ آدمَ علَى صورتِهِ» وهو ظاهرٌ في عود الضَّمير على المقولِ له ذلك، وقيل: الضَّمير «لله» لِما في بعض الطُّرق «على صورة الرَّحمن» أي: على صفتهِ من العلم والحياة والسَّمع والبصر وغير ذلك، وإن كانتْ صفاتُ الله تعالى لا يُشْبهها شيءٍ. وقال التُّوربشتيُّ: وأهل الحقِّ في ذلك على طبقتين:
إحداهما: المتنزِّهون عن التَّأويلِ مع نفي التَّشبيه، وإحالةِ العلم إلى علمِ الله تعالى الَّذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وهذا أسلمُ الطَّريقتين.
والطَّبقة الأخرى: يرون الإضافة فيها إضافة تكريمٍ وتشريفٍ، وذلك أنَّ الله تعالى خلقَ آدم على صورةٍ لم يشاكلْها شيءٌ من الصُّور في الجمالِ والكمال، وكثرة ما احتوتْ عليه من الفوائدِ الجليلة.
وقال الطِّيبيُّ: تأويل الخطَّابيُّ في هذا المقام حسنٌ يجبُ المصير إليه؛ لأنَّ قوله: «طوله» بيانٌ لقوله: «على صورتهِ» كأنَّه قيل (٥): خلقَ آدمَ على ما عُرف من صورتهِ الحسنةِ وهيئتهِ من الجمالِ والكمالِ وطول القامةِ، وإنَّما خصَّ الطُّول منها؛ لأنَّه لم يكن متعارفًا بين النَّاس.
وقال القرطبيُّ: كأنَّ مَن رواه «على صورة الرَّحمن» أورده بالمعنى متمسِّكًا بما توهَّمه، فغلطَ في ذلك، وقوله: «ستُّون ذراعًا» يحتملُ أن يريدَ بقدر ذراع نفسه، أو الذِّراع المتعارف
стр. 10960
يومئذٍ عند المخاطبين، والأوَّل أظهرُ؛ لأنَّ ذراع كلِّ أحدٍ ربعه، فلو كان بالذِّراع المعهود كانت يده قصيرةً في جنبِ طول جسدهِ (فَلَمَّا خَلَقَهُ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «خلقه الله، قال» (اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ) عدَّةٌ من الرِّجال من ثلاثةٍ إلى عشرةٍ. وقال في «شرح المشكاة»: وتخصيص السَّلام بالذِّكر؛ لأنَّه فتح باب المودَّات وتأليف القلوب المؤدِّي إلى استكمالِ الإيمان، كما ورد: «لَا تدخُلُوا الجنَّةَ حتَّى تؤمِنُوا، ولَا تؤمنُوا حتَّى تحابُّوا» -إلى قوله-: «أَفشُوا السَّلَامَ»، والسَّلام هو اسم الله، فالمعنى: اسم الله عليك، أي: أنتَ في حفظه، وقيل: السَّلامة (١)، أي: السَّلامة مُستعليةٌ عليك ملازمةٌ لك، ولأبي ذرٍّ: «نفرٌ» (مِنَ المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ) قال في «الفتح»: ولم أقفْ على تعيينهِم (فَاسْتَمِعْ) بالفوقية وكسر الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فاسمَع» بإسقاط الفوقية وفتح الميم (مَا يُحَيُّونَكَ) بالحاء المهملة بين التَّحتيَّتين (٢)، ولأبي ذرٍّ كما في «الفتح» (٣): «يجِيْبونك» بالجيم المكسورة والتحتية الساكنة بعدها موحدة، من الجواب (فَإِنَّهَا) أي: الكلمات الَّتي يُحيُّون، أو يُجيبون بها (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ) المسلمين شرعًا لكن في حديث عائشة مرفوعًا: «مَا حَسَدَتْكم اليهودُ علَى شيءٍ، مَا حَسَدُوكم علَى السَّلامِ والتَّأمينِ» أخرجه ابنُ ماجه وصحَّحه ابنُ خُزيمة، وهو يدلُّ على أنَّه شُرِع لهذه الأمَّة دُونهم (فَقَالَ) لهم آدمُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) واستُدلَّ بهذا على أنَّ هذه الصِّيغة هي المشروعة (٤) لابتداء السَّلام لقوله: «فهي تحيَّتك وتحيَّة ذرِّيتك»، فلو حذف اللَّام جاز، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤] لكن اللَّام أَولى لأنَّها للتَّفخيم، وقال النَّوويُّ: ولو قال: وعليكم السَّلام، بالواو لا يكون سلامًا، ولا يستحقُّ (٥) جوابًا لأنَّها لا تصلح للابتداءِ، قاله المتولِّي، فلو أسقط الواو أجزأ، ويجبُ الجواب لأنَّه سلامٌ، وكرههُ الغزاليُّ في «الإحياء»، وعن بعض الشَّافعيَّة فيما نقلهُ ابنُ دقيق العيد: إنَّ المبتدِئ لو قال: عليكم السَّلام
стр. 10961
لم يجزْ لأنَّها (١) صيغةُ جوابٍ، قال: والأَولى الجواز لحصولِ مسمَّى السَّلام (فَقَالُوا) له الملائكة: (السَّلَامُ عَلَيْكَ) استُدلَّ به على جواز أن يقعَ الرَّدُّ باللَّفظ الذِّي ابتدئ به كما مرَّ، ويأتي مزيدٌ لذلك قريبًا إن شاء الله تعالى، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «عليك السَّلام» (وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ) الملائكة (٢) (وَرَحْمَةُ اللهِ) وهو مستحبٌّ اتِّفاقًا، فلو زادَ المبتدئُ رحمة الله، استُحبَّ أن يُزاد: وبركاتُه، ولو زاد: وبركاته، فهل تشرعُ الزِّيادة في الرَّدِّ؟ وكذا لو زادَ المبتدئُ على بركاته، هل يشرعُ له ذلك؟ عن ابن عبَّاسٍ ممَّا في «الموطأ» قال: انتهى السَّلام إلى البركة، وعن ابنِ عمر الجواز ففي «الموطأ» عنه أنَّه زاد في الجواب والغاديات والرَّائحات، وفي «الأدب المفرد» عن سالمٍ مولى ابن عمر أنَّه أتى ابن عمر مرَّةً، فقال: السَّلام عليكم، فقال: السَّلام عليكم ورحمة الله، ثمَّ أتيته فزدته وبركاته، فردَّ وزادني وطيِّب صلواته، واتَّفقوا على وجوب الرَّدِّ على الكفايةِ.
قال الحليميُّ (٣): وإنَّما كان الرَّدُّ واجبًا؛ لأنَّ السَّلام معناه الأمان، فإذا ابتدأَ به المسلم أخاهُ فلم يُجبه، فإنَّه يتوهَّم منه الشَّرَّ، فيجبُ عليه دفع ذلك التَّوهم عنه (فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ) هو مرتَّبٌ على ما سبق من قوله: «خلَقَ الله آدمَ على صورتهِ» فالفاء فصيحةٌ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يعني: الجنَّة». قال في «الفتح»: وكأنَّ لفظ «الجنَّة» سقط فزيد فيه يعني (عَلَى صُورَةِ آدَمَ) خبر المبتدأ الَّذي هو فـ «كلُّ من» (فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ) من طولهِ وجمالهِ (بَعْدُ) أي: بعدَ آدم (حَتَّى الآنَ) فإذا دخلُوا عادوا (٤) إلى ما كان عليه أبوهُم من الحسنِ والجمالِ وطولِ القامة. قيل: وقوله: «فلم يزلْ … » إلى آخره، هو معنى قوله تعالى (٥): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] قيل: إنَّ (٦) في الحديث أنَّ الملائكة يتكلَّمون بالعربيَّة، وعُورض
стр. 10962
باحتمال أن يكون بغير اللِّسان العربيِّ، ثمَّ لمَّا خلق العربَ ترجمَ بلسانهم.
والحديثُ سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٣٢٦] وأخرجه مسلمٌ.
(٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾) أي: بيوتًا لستُم تملكونهَا ولا تسكنونهَا، وهذا ممَّا أدَّب الله تعالى به عبادَهُ (﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾) تستأذِنوا. كذا رُوي عن ابن عبَّاسٍ -أخرجهُ سعيدُ بن منصورٍ- وقرأ به، وأخرج البيهقيُّ في «الشُّعب» بسندٍ صحيحٍ عن إبراهيم النَّخعيِّ، قال في «مصحف ابن مسعود»: (حتَّى تستأذنوا)، وعن سعيدِ بنِ منصورٍ، عن إبراهيمَ قال: في مصحف عبد الله (حتَّى تسلِّموا على أهلها وتستأذنوا)، وأخرجه إسماعيلُ بن إسحاق في «أحكام القرآن» عن ابن عبَّاسٍ واستشكلَهُ. وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاسٍ بناهُ على قراءتهِ الَّتي تلقَّاها عن أُبيِّ بن كعبٍ، وأمَّا اتِّفاق النَّاس على قراءتها بالسِّين؛ فلموافقةِ خطِّ المصحف الَّذي وقع على عدمِ الخروج عمَّا يوافقهُ، وكانت قراءةُ أُبيّ من الأحرفِ الَّتي تركت القراءة بها، والاستئناسُ في الأصلِ الاستعلام والاستكشافُ استفعال، من آنس الشَّيء، إذا أبصرهُ ظاهرًا مكشوفًا، أي: تستعلموا أيطلق لكم الدُّخول أم لا، وذلك بتسبيحةٍ، أو بتكبيرةٍ، أو تنحنحٍ، كما في حديث أبي أيُّوب عند ابن أبي حاتمٍ بسندٍ ضعيفٍ قال: قلت:
стр. 10963
يا رسولَ الله هذا السَّلام، فما الاستئناس؟ قال: «يتكَلَّمُ الرَّجلُ بتسبِيحَةٍ أو تكبِيرَةٍ ويتَنَحنَحُ، فيؤذِنُ أهل البيتِ» وأخرج الطَّبريُّ من طريقِ قتادة، قال: الاستئناسُ هو الاستئذانُ ثلاثًا، فالأُولى ليسمع، والثَّانية ليتأهَّبوا له، والثَّالثة إن شاؤوا أذنوا له وإن شاؤوا ردُّوا. وقال البيهقيُّ: معنى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستبصروا (١) ليكون الدُّخول على بصيرةٍ، فلا يُصادف (٢) حالةً يكره صاحبُ المنزل أن يطَّلعوا عليها (﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾) بأن تقولوا: السَّلام عليكم أأدخل ثلاث مرَّاتٍ، فإن أذن وإلَّا رجع، وهل يقدَّم السَّلام أو الاستئذان؟ الصَّحيح تقديمُ الاستئذان (٣). وأخرج أبو داود وابنُ أبي شيبة بسندٍ جيِّدٍ عن ربعيِّ بن حراشٍ: حدَّثني رجلٌ أنَّه استأذنَ على النَّبيِّ ﷺ وهو في بيتهِ، فقال: أألج؟ فقال لخادمهِ: «اخرجْ إلى هذا فعلِّمه». فقال: قل: السَّلام عليكم أألج؟ … الحديث. وصحَّحه الدَّارقطنيُّ، وعن الماورديِّ: إن وقعت عينُ المستأذن على صاحبِ المنزلِ قبل دخوله قدَّم السَّلام وإلَّا قدَّم الاستئذان (﴿ذَلِكُمْ﴾) أي: الاستئذان والتَّسليم (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾) من تحيَّة الجاهليَّة والدُّخول بغير إذنٍ، وكان الرَّجل من أهل الجاهليَّة إذا دخلَ بيت غيره يقول: حُيِّيتم صباحًا وحُيِّيتم مساءً، ثمَّ يدخل، فربَّما أصاب الرَّجل مع امرأتهِ في لحافٍ واحدٍ (﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾) أي: قيل لكم هذا لكي تذكَّروا وتتَّعظوا وتعملوا بما أُمِرتُم به في باب الاستئذان، وينبغي للمستأذنِ أن لا يقفَ تلقاءَ الباب بوجههِ، ولكن ليكنْ الباب عن يمينهِ أو يسارهِ؛ لحديث أنسٍ عند (٤) أبي داود، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أَتى باب قومٍ لم يستقبلْ الباب من تلقاء وجههِ، ولكن من ركنهِ الأيمن أو الأيسر، فيقول: «السَّلام عليكم، السَّلام عليكم»، وذلك أنَّ الدُّور لم يكن عليها يومئذٍ ستورٌ. تفرَّد به أبو داود (﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا﴾) في البيوت (﴿أَحَدًا﴾) من الآذنين (﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) حتَّى تجدوا مَن يأذن (٥) لكم، أو فإن لم تجدوا فيها أحدًا من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلَّا بإذنِ أهلها؛ لأنَّ التَّصرُّف في ملكِ الغير لا بدَّ من (٦) أن يكون برضاه (﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾)
стр. 10964
أي: إذا كان فيها قومٌ فقالوا: ارجعوا (﴿فَارْجِعُوا﴾) ولا تُلِحوا (١) في إطلاقِ الإذن، ولا تلِجُوا في تسهيلِ الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب؛ لأنَّ هذا ممَّا يجلب الكراهة، وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجبَ الانتهاء عن كلِّ ما أدَّى إليها من قرع الباب بعُنفٍ والتَّصييح بصاحب الدَّار وغير ذلك، وعن أبي عُبيدٍ: ما قرعتُ بابًا على عالم قطُّ (﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾) أي: الرُّجوع أطيبُ لكم وأطهر (٢) لِمَا فيه من سلامة الصُّدور والبعد عن الرِّيبة، أو أنفع وأنمى خيرًا (﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾) وعيدٌ للمخاطبين بأنَّه عالِمٌ بما يأتون وما يذرون ممَّا (٣) خُوطبوا به فموفٍ جزاءه عليه (﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا﴾) في أن تدخلوا (﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾) استثنى من البيوتِ الَّتي يجبُ الاستئذانُ على داخلِها ما (٤) ليس بمسكونٍ منها كالخاناتِ والرُّبُط (﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾) أي: منفعةٌ كاستكنانٍ من الحرِّ والبردِ وإيواء الرِّحال والسِّلع، وقيل: الخربات يتبرَّز فيها، والمتاع التَّبرُّز (﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٩]) وعيدٌ للَّذين يدخلون الدُّور والخَرِبات الخالية من أهل الرِّيب، وسقط في رواية الأَصيليِّ من قوله: «﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾» إلى قوله: «﴿مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾» وقال في «فتح الباري»: وساق البخاريُّ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ الآيات الثَّلاث. انتهى. ولأبي ذرٍّ مِمَّا في الفرع وأصله: «بابُ قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾».
(وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ) البصريُّ التَّابعيُّ (لِلْحَسَنِ) البصريِّ أخيهِ: (إِنَّ نِسَاءَ العَجَمِ يَكْشِفْنَ صُدُورَهُنَّ وَرُؤُوسَهُنّ. قَالَ) الحسنُ لأخيه سعيدٍ: (اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُنَّ) يدلُّ له (قَوْلُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «يقول الله» ولأبي ذرٍّ: «تعالى»: (﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾) «مِن» للتَّبعيض، والمراد غضُّ البصر عمَّا يحرم (﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]) عن الزِّنا (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال: (عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]) فلا يحلُّ للمرأةِ أن تنظرَ
стр. 10965
من الأجنبيِّ إلى ما تحت (١) سُرَّته وركبتهِ، وإن اشتهت غضَّت بصرها رأسًا، ولا تنظر إلى المرأة إلَّا إلى مثلِ ذلك، وغضُّها بصرها من الأجانبِ أصلًا أولى بها، وقدَّم غضَّ الأبصار على حفظِ الفروج؛ لأنَّ النَّظر بريد الزِّنا ورائد الفجور، ووجه ذكر المؤلِّف هذا عقبَ ذكر الآيات الثَّلاث المذكورة الإشارة إلى أنَّ أصل مشروعيَّة الاستئذان الاحتراز من وقع النَّظر إلى ما لا يريدُ صاحب المنزل النَّظر إليه لو دخل بلا إذنٍ، وأعظم ذلك النَّظر إلى النِّساء الأجنبيَّات. وسقط جميعُ ذلك من رواية النَّسفيِّ فقال بعد قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: «الآيتين وقول الله : ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾» (﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ) بضم النون في «نُهي» ولكريمة: «ما نهى الله عنه» وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «من» وعن ابن عبَّاسٍ مِمَّا عند ابنِ أبي حاتمٍ في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] قال: هو الرَّجل ينظرُ إلى المرأة الحسناء تمرُّ به (٢)، أو يدخل بيتًا هي فيه، فإذا فُطِنَ له غضَّ بصرَه، وقد علمَ الله تعالى أنَّه يودُّ أن لو اطَّلع على فرجِها، وإذا قدرَ عليها زنى بها.
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ (فِي النَّظَرِ إِلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ (٣) مِنَ النِّسَاءِ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «إلى ما لا يحلُّ من النِّساء»: (لَا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ يُشْتَهَى النَّظَرُ إِلَيْهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «إليهنَّ» (وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً. وَكَرِهَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابنُ أبي شَيبة (النَّظَرَ إِلَى الجَوَارِي يُبَعْنَ) ولأبي ذرٍّ: «الَّتي يُبَعن» (بِمَكَّةَ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ) منهنَّ فيسوغ، وهذا الأثر (٤) وسابقه سقطا (٥) للنَّسفيِّ.
стр. 10966
٦٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة المخففة، قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) أركبه (يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ) في حجَّة الوداع، و «عَجُز» بفتح العين المهملة وضم الجيم بعدها زاي، أي: مؤخِّرها (وَكَانَ الفَضْلُ) ﵁ (رَجُلًا وَضِيئًا) من الوضاءةِ، وهي الجمالُ والحسن (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة والعين المهملة بينهما مثلثة ساكنة، قبيلةٌ مشهورةٌ (وَضِيئَةٌ) لحسنها وجمالها (تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَطَفِقَ الفَضْلُ) فجعلَ الفضل (يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَالفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ) ﵊ (بِيَدِهِ) بهمزة مفتوحة وخاء معجمة ساكنة وبعد اللام فاء، أي: مدَّها إلى خلفهِ (فَأَخَذَ بِذَقَنِ الفَضْلِ) بفتح الذال المعجمة والقاف (فَعَدَلَ) بتخفيف الدال (وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا) حين علمَ بإدامةِ نظرهِ إليها أنَّه أعجبه حُسنها، فخشيَ عليه فتنةَ الشَّيطان، ففيه حرمة النَّظر إلى الأجنبيَّات (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) أي: وجب عليه الحجُّ بأن أسلم وهو بهذه الصِّفة، وزاد في حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: وإن شددتُه على الرَّاحلة خشيتُ أن أقتلَه (فَهَلْ يَقْضِي) يَجزِي (عَنْهُ) الحجُّ (أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟) نيابةً (قَالَ: نَعَمْ) يجزي. وفي الحديث: غضُّ البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنَّه إذا أَمِنَت الفتنة لم يمتنع؛ لأنَّه لم يحوِّل وجه الفضل حتَّى أدمن النَّظر إليها؛ لإعجابهِ بها فخُشي عليه الفتنة.
والحديثُ سبق في «الحجِّ» في «باب الحجِّ (١) عمَّن لا يستطيع الثُّبوت على الرَّاحلة» [خ¦١٨٥٤].
стр. 10967
٦٢٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي مصغرًا، ابن محمَّد التَّيميُّ الخراسانيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عُمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُمْ) للتَّحذير (وَالجُلُوسَ) بالنَّصب (بِالطُّرُقَاتِ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «في الطُّرقات» (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ) فراق منها (نَتَحَدَّثُ فِيهَا) فيه دليلٌ على أنَّ أمره لهم لم يكن للوجوبِ بل على طريق التَّرغيب والأولى؛ إذ لو فهموا الوجوبَ لم يراجعوه هذه المراجعة، قاله القاضي عياض (فَقَالَ: إِذْ) بسكون المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فإذا» (أَبَيْتُمْ) بالموحدة: امتنعتُم (إِلَّا المَجْلَسَ) بفتح اللام، مصدرٌ ميميٌّ إلَّا الجلوس (١) في مجالسكُم، وفي «اليونينيَّة»: بكسر اللام (فَأَعْطُوا) بهمزة قطع (الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ): حقُّ الطَّريق (غَضُّ البَصَرِ) عن كلِّ محرمٍ (وَكَفُّ الأَذَى) عن الخَلق (وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) مع القدرة عليهما. وزاد عمر في حديثه عند أبي داودٍ: «وتُغيثوا الملهوف، وتَهْدُوا الضَّالَّ»، وفي حديث أبي طلحة: «وإرشاد ابن السَّبيل، وتشميتُ العاطسِ إذا حَمد». وعند البزَّار: «وأعينوا على الحمولةِ». والبراء عند التِّرمذيِّ: «اهدوا السَّبيل، وأعينُوا المظلومَ، وأفشوا السَّلام». وسهل بن حنيف عند الطَّبرانيِّ: «ذكر الله كثيرًا»، ووحشيُّ بن حربٍ عند الطَّبرانيِّ: «واهدُوا الأغبياءِ، وأعينُوا المظلومَ».
стр. 10968
وحديث الباب سبقَ في «المظالم» [خ¦٢٤٦٥] ومناسبتهُ لِما تُرجم به هنا لا خفاء بها.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم﴾) أي: سُلِّم عليكم، فإنَّ التَّحية في ديننا بالسَّلام في الدَّارين، فسلِّموا على أنفسكم تحيَّةً من عند الله ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] (﴿بِتَحِيَّةٍ﴾) هي تَفْعِلة (١)، من حيَّا يحيِّي تحيَّةً (﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾) أي: قولوا (٢): وعليكم السَّلام ورحمة الله، إذا قال: السَّلام عليكم، وزيدوا (٣): وبركاته، إذا قال: ورحمة الله، كما مرَّ (﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]) أو أجيبوها بمثلِها، فردُّ (٤) السَّلام جوابُه بمثله؛ لأنَّ (٥) المجيبَ يردُّ قولَ المسلِّم، ففيه (٦) حذف مضافٍ، أي: ردُّوا مثلها.
وروي: «مَا مِن مُسلمٍ يمرُّ على قومٍ مُسلمينَ، فيسلِّمُ عليهِم، ولَا يردُّونَ عليهِ إلَّا نزَعَ عنهم رُوحَ القُدُسِ، وردَّت عليهِ الملائكَةُ».
وسقط لأبي ذرٍّ «﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾».
стр. 10969
٦٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو ابنُ سلمة أبو وائلٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا) في التَّشهُّد: (السَّلَامُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ) أي: قبل السَّلام على عباده (السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «وفلانٍ» وفي رواية عبد الله بن نُميرٍ، عن الأعمش -عند ابن ماجه- يعنون الملائكة. وللإسماعيليِّ من رواية عليِّ بن مسهرٍ «فنعدُّ (١) الملائكة» (فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: فرغ من الصَّلاة (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) قال النَّوويُّ: السَّلام اسمٌ من أسماء الله يعني: السَّالم من النَّقائص. ويقال: المسلِّم أولياءه، وقيل: المسلِّم عليهم. انتهى. فهو مصدرٌ نُعِت به، والمعنى: ذو السَّلامة من كلِّ آفةٍ ونقيصةٍ. وقد ثبتَ في القرآن في أسمائه تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] وفي «الأدب المفرد» من حديث أنسٍ بسندٍ حسنٍ: «السَّلام من أسماءِ الله، وضعَه الله في الأرض، فأفشُوه بينكم»، وأخرجه البزَّار من حديث ابنِ مسعودٍ مرفوعًا وموقوفًا، والبيهقيُّ في «شُعبه» من حديث أبي هُريرة مرفوعًا بسندٍ ضعيفٍ، وعن ابن عبَّاسٍ موقوفًا: السَّلام اسم الله وهو تحيَّةُ أهل الجنَّة. أخرجه البيهقيُّ في «الشعب». والظَّاهر أنَّ البخاريَّ أخذ بعض الحديث لمَّا لم يجد شيئًا صريحًا على شرطه فجعله ترجمةً، وأورد ما يؤدِّي معناه على شرطهِ وهو حديث التَّشهُّد. قال في «شرح المشكاة»: ووظيفة العارف من قوله: السَّلام أن يتخلَّق به بحيث يسلِّم قلبه من الحقدِ والحسدِ، وإرادة الشَّرِّ، وجوارحهِ عن ارتكابِ المحظوراتِ، واقترافِ الآثام، ويكون مسالمًا لأهل الإسلام ساعيًا في ذبِّ المضارِّ عنهم، ومسلِّمًا على كلِّ مَن يراهُ عرفه أو لم يعرفْه (فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ، وهي الملك الحقيقي التَّامُّ (وَالصَّلَوَاتُ) قيل: المراد الصَّلوات المعهوداتُ في الشَّرع، فيقدَّر: واجبة لله، وإن أريدَ بها رحمته التِّي تفضَّل بها على عباده، فيقدَّر: كائنة أو ثابتة لعباد الله، فيقدَّر مضاف محذوفٌ (وَالطَّيِّبَاتُ) أي: الكلمات الطَّيِّبات، وهي ذكرُ الله تعالى كلُّها مستحقَّة لله (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) «السَّلام» مبتدأٌ، و «عليك» في موضع خبره، وبه يتعلَّق حرف الجر، والألف واللَّام للجنسِ، ويدخلُ فيه المعهود، والمعنى السَّلام عليك ولك، أو معناه التَّسليم، أو التَّعوُّذ، أي: الله معك،
стр. 10970
أي: متولِّيك وكفيلٌ بك، أو معناهُ: الانقيادُ، لكن قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وليس يخلو بعضُ هذا من ضعفٍ؛ لأنَّه لا يتعدَّى السَّلام لبعضِ هذه المعاني بعلى. انتهى.
قال ابنُ فَرحون: ويحتملُ أن يكون «السَّلام عليك» مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: السَّلام عليك موجودٌ، ويتعلَّق حرف الجرِّ بـ «السَّلام» لأنَّه فيه معنى الفعل (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) أعاد حرف الجرِّ؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المجرور (فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ) أي: وعلى عباد الله الصَّالحين (أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) اعتراضٌ بين قوله: الصَّالحين، وبين قوله: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرْ) المصلِّي (بَعْدُ مِنَ الكَلَامِ) من الدُّعاء (مَا شَاءَ).
والحديثُ سبق في «باب التَّشهُّد» من «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(٤) (بابُ تَسْلِيمِ القَلِيلِ) من النَّاس (عَلَى الكَثِيرِ) منهم الشَّامل للواحد بالنِّسبة إلى الاثنين فأكثر، والاثنين بالنِّسبة إلى الثَّلاثة فأكثر.
٦٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ المجاور بمكَّة، وسقط «أبو الحسن» لأبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحدة المشدّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ) بلفظ الخبر، ومعناه الأمرُ، كما (١) عند أحمد من طريق عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ: «لِيُسَلِّم» بلامِ الأمر (عَلَى الكَبِيرِ) ندبًا للتَّوقير والتَّعظيم (وَ) يسلِّم (المَارُّ عَلَى القَاعِدِ) بكلِّ حالٍ سواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا، قاله النَّوويُّ (وَ) يسلِّم (القَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) وهو من باب التَّواضع؛ لأنَّ حقَّ الكثير أعظم.
стр. 10971
فإن قلت: المناسبُ أن يسلِّم الكثيرُ على القليل؛ لأنَّ الغالب أنَّ (١) القليلَ يخاف من الكثير. أجاب في «الكواكب»: بأنَّ الغالب في المسلمين أمن بعضهم من بعضٍ، فلُوحِظَ جانب التَّواضع الَّذي هو لازم السَّلام، وحيث لم يظهرْ رجحان أحد الطَّرفين باستحقاقِ التَّواضع له اعتُبر الإعلام بالسَّلامة (٢)، والدُّعاء له رجوعًا إلى ما هو الأصل من الكلامِ ومقتضى اللَّفظ. انتهى.
وقال الماورديُّ من الشَّافعيَّة: لو دخلَ شخصٌ مجلسًا، فإن كان الجمع قليلًا يعمُّهم بسلامٍ واحد فسلَّم كفَاه، فإن زاد فخصَّص (٣) بعضهم فلا بأس، وإن كانوا كثيرًا بحيث لا ينتشرُ فيهم، فيبتدئ أوَّل دخولهِ إذا شاهدهُم، وتتأدَّى سنَّة السَّلام في حقِّ جميع مَن سمعه، وإذا جلسَ سقطَ عنه سنَّة السَّلام فيمن لم يسمعْه من الباقين، وهل يستحبُّ أن يسلِّم على مَن جلس عندهم ممَّن لم يسمعْه؟ وجهان أحدُهما: لا لأنَّهم جمعٌ واحدٌ. والثَّاني: نعم.
والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الاستئذان».
(٥) (باب تَسْلِيمِ الرَّاكِبِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بابٌ» بالتَّنوين «يسلِّم الرَّاكب» (عَلَى المَاشِي) بلفظ المضارع ورفع «الرَّاكب».
٦٢٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» بتخفيف اللام على الأصحِّ، قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح اللام، ابن يزيد الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيزِ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زِيَادٌ) بكسر الزاي وتخفيف التحتية، ابن سعدٍ الخُراسانيُّ ثمَّ المكِّيُّ (أَنَّهُ سَمِعَ ثَابِتًا) هو ابنُ
стр. 10972
عياضٍ، الأحنف الأعرج العدويَّ (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ) أي ابن الخطَّاب، أخي (١) عمر بن الخطَّاب، وليس لثابتٍ في «البخاريِّ» غير هذا الحديث، وآخر في «المصراة» من «كتاب البيوع» [خ¦٢١٥١] (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُسَلِّمُ) أي: ليسلِّم (الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي) قال في «شرح المشكاة»: وإنَّما استُحِبَّ ابتداء السَّلام للرَّاكب؛ لأنَّ وضع السَّلام إنَّما هو لحكمةِ إزالة (٢) الخوف من الملتقيين إذا التقيا، أو من أحدهما في الغالبِ، أو لمعنى التَّواضع المناسب لحالِ المؤمن، أو للتَّعظيم؛ لأنَّ السَّلام إنَّما يُقصد به أحد أمرين: إمَّا اكتساب ودٍّ، أو استدفاعُ مكروهٍ، قاله الماورديُّ. وقال ابن بطَّالٍ: تسليمُ الرَّاكب؛ لئلَّا يتكبَّر بركوبهِ فيرجع إلى التَّواضع، وقال المازريُّ (٣): لأنَّ للرَّاكب مزيَّةً (٤) على الماشي، فعوِّض الماشي بأن (٥) يبدأهُ الرَّاكب احتياطًا على الرَّاكب من الزَّهو (وَالمَاشِي) يسلِّم (عَلَى القَاعِدِ) للإيذان بالسَّلامة وإزالة الخوف (وَالقَلِيلُ) كالواحدِ يسلِّم (عَلَى الكَثِيرِ) كاثنين (٦) فأكثر على ما سبقَ في الباب قبلَه [خ¦٦٢٣١] لفضيلةِ الجماعة، ولأنَّ الجماعةَ لو ابتدؤوا الواحد لزها (٧) فاحتيط له، ولم يذكر في الرِّواية المذكورة في الباب السَّابق [خ¦٦٢٣١] تسليم الرَّاكب على الماشي، ولا في رواية هذا الباب الصَّغير على الكبير، كما ذكرها في رواية همَّامٍ، فكأنَّ كلًّا منهما حفظَ ما لم يحفظه الآخرُ، واشتملَ الحديثان على أربعةٍ اجتمعتْ في رواية الحسن عن أبي هُريرة، فيما رواه التِّرمذيُّ، قاله في «الفتح».
والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الأدب».
(٦) (بابُ تسْلِيمِ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «يسلِّم» بصيغة المضارع.
стр. 10973
٦٢٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء وسكون الواو وبعدها حاء مهملة، و «عُبَادة» بضم العين وتخفيف الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زِيَادٌ) هو ابنُ سعدٍ (أَنَّ ثَابِتًا) هو: ابن عياضٍ (أَخْبَرَهُ -وَهْوَ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ-) وأمَّا ما حكاه أبو عليٍّ الجيانيُّ: أنَّ في رواية الأَصيليِّ، عن الجرجانيِّ: «عن عبد الرَّحمن بن يزيد» بزيادة تحتيَّة في أوَّله، فقال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وهمٌ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي وَ) يسلِّم (المَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَ) يسلِّمُ (القَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) وقد أبدى صاحب «الكواكب» سؤالًا فقال: فإن قلت: إذا كان المشاة كثيرًا والقاعدون قليلًا، فباعتبار المشي السَّلام على الماشي، وباعتبار القلَّة (١) فهما متعارضان فما حكمُه؟ وأجاب: بأنَّه يتساقط الجهتان ويكون حكم ذلك حكمَ رجلين التقيا معًا فأيُّهما ابتدأ بالسَّلام فهو خيرٌ، أو يرجَّح ظاهر أمر الماشي وكذا الرَّاكب، فإنَّه يوجب الأمان لتسلُّطه وعلوِّه.
(٧) (بابُ تسْلِيمِ الصَّغِيرِ عَلَى الكَبِيرِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «يسلِّم» بلفظ المضارع فـ «الصَّغير» (٢) رفع.
٦٢٣٤ - (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بن طَهْمَان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء، أبو سعيدٍ الخراسانيُّ من أئمَّة الإسلام لكن فيه إرجاءٌ، وثبتَ قوله: «ابن طهمان» لأبي ذرٍّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
стр. 10974
صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) الزُّهريِّ مولاهم المدنيِّ، الإمام القدوة، ومَن يُستسقى (١) بذكره (عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِيرِ) تعظيمًا له وتوقيرًا، ولم يقع تسليم الصَّغير على الكبير في «صحيح مسلم». قال في «الفتح»: وكأنَّه لمراعاة حقِّ (٢) السِّنِّ، فإنَّه معتبرٌ في أمورٍ كثيرةٍ في الشَّرع، فلو تعارضَ الصِّغر المعنويُّ والحسِّيُّ كأن يكون الأصغرُ أعلم مثلًا لم أرَ فيه نقلًا، والَّذي يظهر اعتبار السِّنِّ؛ لأنَّه الظَّاهر، كما تُقَدَّم الحقيقةُ على المجاز، ونقل ابنُ دقيق العيد عن ابن رشدٍ: أنَّ محلَّ الأمر في تسليم (٣) الصَّغير على الكبير إذا التقيا، فإن (٤) كان أحدهما ماشيًا والآخر راكبًا بدأ الرَّاكب، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصَّغير (وَ) يسلِّم (المَارُّ) ماشيًا كان أو راكبًا، صغيرًا أو (٥) كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا (عَلَى القَاعِدِ) تشبيهًا بالدَّاخل على أهلِ المنزل.
وفي حديث فُضالة بن عُبيدٍ عند البخاريِّ في «الأدب المفرد»، والتِّرمذيِّ وصحَّحه، والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابن حِبَّان: «يسلِّم الفارسُ على الماشِي، والماشِي على القائمِ … » الحديثَ. ولو تلاقى مارَّان رَاكبان أو مَاشيان؟ قال المازريُّ: يبدأ الأَدنى منهما الأعلى قدرًا في الدِّين إجلالًا لفضلهِ؛ لأنَّ فضيلةَ الدِّين مرغَّبٌ فيها في الشَّرع، وعلى هذا لو التقى راكبان ومركوبُ أحدِهما أعلى في الحسِّ من مركوبِ الآخر كالجملِ والفرس يبدأ صاحبُ الفرس، أو يُكتفى بالنَّظر إلى أعلاهما قدرًا في الدِّين فيبدأ الَّذي دونه، وهذا الثَّاني أظهرُ كما لا نظر إلى مَن يكون أعلاهما قدرًا من جهة الدُّنيا إلَّا أن يكون سلطانًا يخشى منه (وَ) يسلِّم (القَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) لفضلِ الجماعة، كما مرَّ.
وهذا التَّعليق وصله البخاريُّ في «الأدب المفرد» وأبو نُعيمٍ والبيهقيُّ، وقول الكِرمانيِّ: عبر البخاريُّ بقوله: وقال إبراهيم؛ لأنَّه (٦) سمعَ منه في مقامِ المذاكرة؛ ردَّه الحافظُ ابن حجرٍ:
стр. 10975
بأنَّه غلطٌ عجيبٌ، فإنَّ البخاريَّ لم يُدرك ابنَ طَهمان فضلًا عن أن يسمعَ منه؛ لأنَّه (١) ماتَ قبل مَولد البخاريِّ بستٍّ وعشرين سنة.
(٨) (بابُ إِفْشَاءِ السَّلَامِ) أي: إظهاره بين النَّاس ليُحيُوا سنَّته، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
٦٢٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميدِ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) بالشين المعجمة المفتوحة والتحتية الساكنة والموحدة وبعد الألف نون، أبي إسحاق سليمان بن فيروزٍ الكوفيِّ الحافظ (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سُليم بن أسود (٢) (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ) بالقاف المفتوحة وكسر الراء المشددة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄¬) وسقط «ابن عازبٍ» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ بِسَبْعٍ) أي: بسبع (٣) خصالٍ أو نحو ذلك، فحذف مميِّز العدد (بِعِيَادَةِ المَرِيضِ) مصدرٌ مضاف إلى مفعوله، كاللَّواحق (وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) افتعالٌ، مِن تبعَ يتبعُ (وَتَشْمِيْتِ العَاطِسِ) بالمعجمة ويجوز بالمهملة بأن يقول له: يرحمك الله إذا حمدَ (وَنَصْرِ الضَّعِيفِ) وفي «باب تشميتِ العاطس» «ونصر المظلوم» [خ¦٦٢٢٢] أي: إغاثته ومنعُه من المظالم (وَعَوْنِ المَظْلُومِ) قال في «الفتح»: الَّذي يظهر أنَّ نصر الضَّعيف المراد به عونُ المظلوم (وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ) انتشارُه
стр. 10976
وإظهارُه، وأقلُّه -كما قال النَّوويُّ- أن يرفعَ صوتَه به بحيث يسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعْه لم يكن آتيًا بالسُّنَّة. قال: ويستحبُّ أن يرفعَ صوته بقدر ما يتحقَّق أنَّه سمعَه فإن شكَّ استظهرَ، وقد أخرج المؤلِّف في «الأدب المفرد» بسندٍ صحيحٍ عن ابن عمر: إذا سلَّمت فأسمع فإنَّها تحيَّةٌ من عند الله. لكن يستثنى من رفع الصَّوت ما إذا كان بحضرةِ نيامٍ، فقد كان ﷺ يجيء من اللَّيل فيسلِّم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويُسمع اليقظان. رواه مسلمٌ في «صحيحه» من حديث المقداد، ومن فوائد إفشاء السَّلام حصول المحبَّة بين المتسالمين (١)، وفي «مسلمٍ» عن أبي هريرة: «ألَا أدُلُّكُم على مَا تَحَابُّونَ بهِ أَفشُوا السَّلامَ بينكُم» (وَ) من المأمورات، وهو سابعها لفظًا (إِبْرَارِ المُقْسِمِ) بضم الميم وكسر السين، اسم فاعلٍ من أقسم، أي: إبرار يمين المقسم، والمراد بالأمرِ هنا المطلق في الإيجابِ والنَّدب؛ لأنَّ بعضها إيجابٌ وبعضُها ندبٌ، وليس ذلك من استعمال اللَّفظ في حقيقتهِ ومجازه؛ لأنَّ ذاك إنَّما هو في صيغةِ أفعل، أمَّا لفظ الأمر فيُطلق عليهما حقيقةً على المرجَّح؛ لأنَّه حقيقةٌ في القول المخصوص.
(وَنَهَى) ﷺ (عَنِ الشُّرْبِ فِي) إناءِ (الفِضَّةِ) والذَّهب من باب أَولى، والتَّعبير بالشُّرب خرج مخرج الغالب (وَنَهَانَا) ولأبي ذرٍّ: «ونهى» (عَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ) لُبْسًا، وكذا اتِّخاذًا (وَعَنْ رُكُوبِ المَيَاثِرِ) بالمثلَّثة، جمع مِيثرة -بكسر الميم وسكون التحتية- من غير همزٍ، وطاءٌ في السُّروج يكون من الحرير والدِّيباج (وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ) وهو ما غلُظ وثخنَ من ثياب الحرير (وَالقَسِّيِّ) بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، ثيابٌ مضلَّعةٌ بالحريرِ تُعْمل (٢) بالقسِّ قريةٌ على ساحل البحر قريبةٌ من تنِّيس ببلادِ مصر، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في موضعهِ [خ¦٥٨٤٩] (وَالإِسْتَبْرَقِ) بهمزة قطع مكسورة. قال أبو البقاء: أصلُ استبرق فعل على استفعل، فلمَّا سمِّي به قطعتْ همزته، وهو غليظُ الدِّيباج، وكلُّ ذلك سبق غير مرَّةٍ.
والحديثُ سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٣٩] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٩] و «الأدب» [خ¦٦٢٢٢] و «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥٠] و «الأشربة» [خ¦٥٦٣٥] وأخرجهُ في «النُّذور» [خ¦٦٦٥٤].
стр. 10977
(٩) (بابُ) مشروعيَّة (السَّلَامِ لِلْمَعْرِفَةِ وَغَيْرِ المَعْرِفَةِ).
٦٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الأصل، الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الفهميُّ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ) بن أبي (١) حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن العاص ﵄ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسمَّ، أو هو أبو ذرٍّ (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ) خِصال (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ) الخَلق (الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ) بفتح الفوقية وضم الهمزة، مضارع قرأَ (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَعَلَى مَنْ (٢) لَمْ تَعْرِفْ) أي: من المسلمين للتَّأنيس ليكون المؤمنون كلُّهم إخوةً، فلا يستوحش أحدٌ من أحدٍ فلا حجَّة فيه لمن أجازَ ابتداء الكافر بالسَّلام؛ لأنَّ أصل مشروعيَّته للمسلم، فيحمل قوله: «مَن عرفت» عليه، وأمَّا «مَن لم تعرف» فلا دَلالة فيه بل إن عرف إسلامه سلَّم وإلَّا فلا، ولو سلَّم احتياطًا لم يمتنع حتَّى يعرف أنَّه كافرٌ، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «على» من قوله: «وعلى مَن لم تعرف».
والحديثُ سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦١٢].
٦٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسْلمٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ) المدنيِّ نزيل الشَّام (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن
стр. 10978
زيدٍ (١) الأنصاريِّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ) المسلمَ (فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليالٍ بأيَّامهنَّ (يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا) بيانٌ لكيفيَّة الهجران، أي: فيُعرض كلٌّ منهما عن الآخر. يقال: صدَّ عنه يصدُّ صُدودًا، أي: أعرض وصدَّه عن الأمر صدًّا منعه وصَرفه (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) لأنَّه فعل حسنةً وتسبَّب في فعلِ حسنةٍ، وهي الجوابُ مع ما دلَّ عليه الابتداء من حُسن طويَّة المبتدئ، وترك ما يكرهُ الشَّارع من الهجرِ والجفاء.
وفي حديث ابنِ مسعودٍ مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «شعبه»: «إنَّ مِن أشرَاطِ السَّاعةِ أن يمُرَّ الرَّجلُ بالمسجِدِ لا يُصلِّي فيهِ، وأنْ لَا يُسلِّم إلَّا على مَن يعرفُهُ (٢)».
والحديثُ سبقَ في «باب الهجرة» من «كتاب الأدب» [خ¦٦٠٧٦].
(وَذَكَرَ سُفْيَانُ) بن عُيينة، بالسَّند السَّابق: (أَنَّهُ سَمِعَهُ) أي: الحديثَ (مِنْهُ) أي: من الزُّهريِّ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
(١٠) (بابُ) ذكرِ نزول (آيَةِ الحِجَابِ) في أمرِ نساء النَّبيِّ ﷺ بالاحتجابِ من الرِّجال، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «علامةُ الحِجاب» بدل: «آية الحجاب».
стр. 10979
٦٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجُعْفيُّ الكوفيُّ، نزيلُ مصر قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (١)، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّهُ (٢) كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ مَقْدَمَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أي: وقت قدومهِ (المَدِينَةَ) قال: (فَخَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَشْرًا) من السِّنين (حَيَاتَهُ) أي: بقيَّة حياته إلى أن مات (وَكُنْتُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِشَأْنِ) سببِ نزول (الحِجَابِ حِينَ أُنْزِلَ) بضم الهمزة (وَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ) أي: عن سببِ نزوله (وَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي مُبْتَنَى) بضم الميم وسكون الموحدة وفتح الفوقية والنون، من الابتناءِ، أي: زفافِ (رَسُولِ اللهِ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنتِ» (جَحْشٍ) الأسديَّة (أَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا (٣) عَرُوسًا) نعتٌ يستوي فيه الرَّجل والمرأة ما داما في إعراسهما (فَدَعَا) ﷺ (القَوْمَ) لوليمتهِ وجاؤوا (فَأَصَابُوا) فأكلوا (مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ خَرَجُوا، وَبَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ) ثلاثةٌ لم يسمَّوا (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في الحجرة (فَأَطَالُوا المُكْثَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ) من الحجرةِ ليخرجوا (وَخَرَجْتُ مَعَهُ كَيْ يَخْرُجُوا، فَمَشَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَشَيْتُ (٤) مَعَهُ حَتَّى جَاءَ عَتَبَةَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ) ﵂، وفي «تفسير سورة الأحزاب» من غير هذا الوجهِ، فانطلقَ إلى حجرة عائشةَ، فقال: «السَّلَامُ عليكُم أَهلَ البَيتِ ورحمَةُ اللهِ» فقالت: وعليك السَّلام ورحمة الله، كيف وجدتَ أهلك باركَ الله لك. فتعرى (٥) حُجَر نسائه كلِّهنَّ يقول لهنَّ كما يقول لعائشة، ويقلنَ له كما قالت عائشة [خ¦٤٧٩٣] (ثُمَّ ظَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ لَمْ يَتَفَرَّقُوا، فَرَجَعَ
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (فِيهِ) أي: الحديثِ (مِنَ الفِقْهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُمْ) أي (١): لم يستأذن القوم الَّذين تخلَّفوا (حِينَ قَامَ وَخَرَجَ) فلا يحتاج في القيامِ والخروج إلى إذن الأضيافِ (وَفِيهِ أَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومُوا) ففيه جوازُ التَّعريض بذلك، وقول البخاريِّ هذا ثابتٌ في رواية أبي الوقت، وأبي ذرٍّ عن المُستملي، وسقط للباقين. قال في «الفتح»: وهو أولى فإنَّه أفردَ لذلك ترجمةً تأتي بعد اثنين وعشرين بابًا إن شاء الله تعالى.
٦٢٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه، كما جزمَ به أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» قال: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بِنُ إِبْرَاهِيْمَ) ثبتَ: «ابن إبراهيم» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقط «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (قَالَتْ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬): يا رسول الله (احْجُبْ نِسَاءَكَ) فإنَّه يدخل عليك البرُّ والفاجر (قَالَتْ: فَلَمْ يَفْعَلْ) ﷺ (وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجْنَ) للبرازِ للبولِ والغائطِ (لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهةَ المناصع موضعٌ معروفٌ بالمدينة (خَرَجَتْ) ولأبي ذرٍّ: «فخرجت» (سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ) القرشيَّة (٢) أمُّ المؤمنين ﵂ ليلةً من اللَّيالي، وثبتَ: «بنت (٣) زمعة» في رواية أبي ذرٍّ (وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ
стр. 10982
الخَطَّابِ وَهْوَ فِي المَجْلِسِ، فَقَالَ) لها: (عَرَفْتُكِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عرفناك» (يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا) نصب مفعولًا (١) له، لقوله: عرفتُك (٢) (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الحِجَابُ، قَالَتْ) عائشةُ: (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجَابِ) سقط لفظ «آية» لأبي ذرٍّ.
واستُشكِل بأنَّه ثبت (٣) أنَّ قصَّة زينب كانت سببًا لنزولِ آية الحجاب فتعارضا. وأُجيبَ بأنَّ عمر حرَّض على ذلك حتَّى قال لسودة ما قال، فوقعتِ القصَّة المتعلِّقة بزينب فنزلتِ الآية، فكان كلٌّ من الأمرين سببًا لنزولها أو (٤) أنَّ عمر تكرَّر منه هذا القول قبلَ الحجاب وبعده، أو أنَّ بعضَ الرُّواة (٥) ضمَّ قصَّةً إلى أُخرى، وقد سبقَ موافقات عمر ﵁ في «سورةِ الأحزاب» [خ¦٤٧٩٠].
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الاِسْتِئْذَانُ) شرع (مِنْ أَجْلِ البَصَرِ) لأنَّ المستأذِن لو دخل بغير إذنٍ لرأى بعض ما يكره مَن يدخل إليه أن يطَّلع عليه.
٦٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، ليس فيه التَّصريح بأنَّ سفيان سمعه. نعم، أخرجَ الحديث مسلمٌ والتِّرمذيُّ من طُرقٍ عن سفيان، وفيها عن الزُّهريِّ، ورواه الحميديُّ وابن أبي عمر في «مسنديهما» فقالا: حدَّثنا الزُّهريُّ. قال سفيان: (حَفِظْتُهُ) أي: الحديثَ من الزُّهريِّ (كَمَا أَنَّكَ هَهُنَا) أي: حفظًا ظاهرًا كالمحسوس من غير شكٍّ ولا شبهةٍ فيه (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ:
стр. 10983
اطَّلَعَ رَجُلٌ) قيل: هو الحَكمُ بن أبي العاص بن أميَّة (مِنْ جُحْرٍ) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة الساكنة، ثقبٌ مستديرٌ (فِي حُجَرِ النَّبِيِّ) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «في حجرةِ النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى) بكسر الميم وسكون الدال المهملة وتنوين الراء، بوزن مِفْعل (١)، حديدةٌ يُسرَّح بها الشَّعر. وقال الجوهريُّ: شيءٌ (٢) كالمِسلَّة يكون مع الماشطةِ تُصلِح بها قرون النِّساء، والمِدرى يذكَّر ويؤنَّث (يَحُكُّ بِهِ (٣) رَأْسَهُ، فَقَالَ) ﷺ له: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ) أي: إليَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تنتظر» بوزن تفتعل، والأوَّل (٤) أوجه (لَطَعَنْتُ بِهِ) بالمِدرى (فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ) بضم الجيم وكسر العين، أي: شُرِع الاستئذان في الدُّخول (مِنْ أَجْلِ البَصَرِ) لئلَّا يقع على عورة أهل البيت، ويطَّلع على أحوالهم.
والحديثُ سبق في «باب الامتشاط»، من «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٩٢٤].
٦٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضم الميم وفتح السين والدال الأولى المشددة المهملات، ابن مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ، أضر (٥)، وكان يحفظ حديثه كالماء (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن مالكٍ» (أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بضم الحاء وفتح الجيم، بلفظ الجمع (فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمِشْقَصٍ) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف بعدها مهملة، نصلُ سهمٍ إذا كان طويلًا غير عريضٍ (-أَوْ) قال: (بِمَشَاقِصَ-) بلفظ الجمع، والشَّكُّ من الرَّاوي. قال أنسٌ: (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) ﷺ
стр. 10984
(يَخْتِلُ الرَّجُلَ) بفتح أوله (١) وسكون (٢) الخاء المعجمة وكسر الفوقية بعدها لام، يأتيه من حيث لا يشعرُ (لِيَطْعُنَهُ) بضم العين في عينه وهو غافلٌ.
والحديثُ أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٩٠٠]، ومسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».
(١٢) (بابُ زِنَا الجَوَارِحِ) كاللِّسان والعين (دُونَ الفَرْجِ).
٦٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كَيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ بفتح اللام المشددة والميم الأولى، أي: بالصَّغائر كالنَّظرة والقُبلة واللَّمسة والغمزة، وأصل اللَّمم ما قلَّ وصغُر، وقيل: أن يلمَّ بشيءٍ من غير أن يركبه (٣) يقال: ألمَّ بكذا، أي (٤): قاربهُ ولم يخالطهُ، وقال سعيدُ بن المسيَّب: ما لمَّ (٥) على القلب، أي: خطرَ، واقتصرَ البخاريُّ من هذا الحديث من طريق سفيان على هذا القدرِ موقوفًا على أبي هُريرة، ثمَّ عطف عليه رواية معمرٍ، عن ابنِ طاوس فساقهُ
стр. 10985
مرفوعًا بتمامه، فقال: (١) (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وسقطتِ الواو لغير أبي ذرٍّ (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (٢) (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من قولِ أبي هُريرة» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللهَ كَتَبَ) قدَّر (عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، نصيبهُ ممَّا قُدِّر عليه (مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة واللام المخففة، لا حيلةَ له في التَّخلُّص من إدراك ما كُتب عليه ولا بدَّ له منه (فَزِنَا العَيْنِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «العينين» (النَّظَرُ) بشهوةٍ (وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «النُّطق» أي: فيما يستلذُّ به من محادثةِ ما لا يحلُّ له، وفي حديث أبي الضُّحى عن ابن مسعودٍ -عند ابن جريرٍ- قال: «زنا العينين النَّظر، وزنا الشَّفتين التَّقبيل، وزنا اليدين البطشُ، وزنا الرِّجلين المشي» (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) بحذف إحدى التاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تتمنَّى» بإثباتها (وَتَشْتَهِي) قال ابن بطَّالٍ: سُمِّي النَّظر والنُّطق زنًا؛ لأنَّه يدعو إلى الزِّنا الحقيقيِّ، ولذا (٣) قال: (وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «أو يكذِّبه» واستدلَّ به مَن قال: إنَّه إذا قال الرَّجل: زنت يدك أو رجلك أنَّه لا يكون قذفًا فلا حدَّ، وبه قال أشهبُ من أئمة المالكيَّة. وفي «الرَّوضة»: إذا قال: زنت يدك أو عينك أو رجلك، فكنايةٌ على المذهب. وقال ابن القاسم: يُحدُّ، ووُجِّه بأنَّ الأفعال من فاعلِها تضافُ إلى الأيدي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فكأنَّه إذا قال: زنت يدك وصف ذاته بالزِّنا؛ لأنَّ الزِّنا لا يتبعَّض. وقال في «الكواكب»: فإن قلت: التَّصديق والتَّكذيب من صفاتِ الأخبار، فما مَعناهما (٤) هنا؟ وأجاب: بأنَّه لَمَّا كان التَّصديق هو الحكم بمطابقةِ الخبر للواقع، والتَّكذيب الحكم بعدمِها، فكأنَّه هو المُوْقِع أو الوَاقِع فهو تشبيهٌ، أو لمَّا كان الإيقاع مُستلزمًا للحُكم بها (٥) عادة فهو كنايةٌ.
стр. 10986
(١٣) (بابُ) استح بابِ (التَّسْلِيمِ وَالاِسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا) سواءٌ اجتمعا أو انفردا.
٦٢٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصورٍ الكوسج الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُثَنَّى) أي: ابنُ عبد الله بن أنسٍ، واختُلف فيه فوثَّقه العجليُّ والتِّرمذيُّ (١). وقال أبو زُرعة وابن معينٍ: ليس بشيءٍ. وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ. قال الحافظ (٢) ابن حَجرٍ: لعلَّه أراد في بعضِ حديثه، وقد تقرَّر أنَّ البخاريَّ حيث يخرِّج لبعض مَن فيه مقالٌ لا يخرِّج شيئًا ممَّا أُنكر عليه، وقول ابن معينٍ: ليس بشيءٍ، أراد به في حديثٍ بعينه سُئل عنه، والرَّجل إذا ثبتتْ عدالته لم يُقبل فيه الجرح إلَّا مفسَّرًا بأمرٍ قادحٍ، وذلك غير موجودٍ في عبد الله بن المثنَّى هذا. وقال ابن حِبَّان لما ذكرهُ في «الثِّقات»: ربَّما أخطأ، والَّذي أُنكرَ عليه إنَّما هو من روايتهِ عن غير عمِّه ثُمَامة، وإنَّما أخرج له عن عمِّه هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضم المثلثة وتخفيف الميم الأولى، ابن أنس بن مالكٍ قاضي البصرة، وهو: عمُّ (٣) عبد الله بن المثنَّى (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ) على أناسٍ (٤) (سَلَّمَ) عليهم (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، وهذه الصِّيغة -كما قال في «الكواكب» - تُشعر بالاستمرارِ عند الأصوليين، وتُعقِّب بأنَّ (٥) صيغة «كان» بمجرَّدها لا تقتضِي مداومةً ولا تكثيرًا، فـ «إذا» شرط جوابه «سلَّم» وقال الإسماعيليُّ: يشبه أن يكون ذلك: كان إذا سلَّم سلامَ الاستئذانِ، على ما رواه أبو موسى وغيره، أي: التَّالي لهذا الحديث [خ¦٦٢٤٥] وأمَّا أن يمرَّ المارُّ مسلِّمًا فالمعروف عدم التَّكرار، والظَّاهر أنَّ البخاريَّ فهم
стр. 10987
هذا المعنى بعينه فأوردَ هذا الحديث مقرونًا بحديث أبي موسى في قصَّته مع عمر، لكن يحتملُ أن يكون ذلك كان يقعُ منه أيضًا إذا خشي أن لا يُسمعَ سلامه، وقد يُشرع تكرارُه إذا كان الجمع كثيرًا ولم يسمع بعضُهم وقصدَ الاستيعاب، وهل إذا سلَّم ثلاثًا (١) فظنَّ أنَّه لم يسمعْ يزيد عليها (٢)؟ فقال مالكٌ: يزيد حتَّى يتحقَّق، وقال الجمهورُ: إنَّه لا يزيد عملًا بالحديث (وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ) بجملةٍ مفيدةٍ (أَعَادَهَا ثَلَاثًا) زاد في «كتاب العلم» حتَّى تُفهم [خ¦٩٤] وللتِّرمذيِّ والحاكم حتَّى تُعقل عنه.
والحديثُ سبق في «باب مَن أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم» في «كتاب العلم» [خ¦٩٤] وقدَّم هنا السَّلام على الكلام كالحديث الأوَّل من البابِ المسوق في «العلم» وعَكَس في الحديث الثَّاني منه فقدَّم الكلام على السَّلام، وقد نبَّهت هناك على أنَّ الحديث الأوَّل من البابِ المذكور ساقطٌ في رواية ابن عساكر وأبي ذرٍّ.
٦٢٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابْنُ خُصَيْفَةَ) هو: يزيدُ بن عبد الله بن خُصَيْفَةَ -بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء- الكنديُّ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين وبسر بضم الموحدة وسكون المهملة، المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ، وإذ كلمة مفاجأة
стр. 10988
(كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ) يقال: ذعرتُه (١)، أي: أفزعته (فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (ثَلَاثًا) وكان قد أرسل إليه أن يأتيه كما في «مسلم» عن عَمرو النَّاقد، عن سفيان (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بضم التحتية وفتح المعجمة، وكأنَّه كان مشغولًا (فَرَجَعْتُ) وفي «البيوع» ففرغ عمر، فقال: ألم أسمع صوتَ عبد الله بن قيسٍ ائذنوا له، فقيل له: إنَّه رجع [خ¦٢٠٦٢]. وعند (٢) مسلمٍ من رواية بُكَير (٣) ابن الأشجِّ، عن بُسْر استأذنْتُ على عمر أمس ثلاث مرَّاتٍ فلم يُؤذَن لي فرجعتُ، ثمَّ جئت اليوم فدخلت عليه فأخبرته أنَّي جئتُ أمس (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (مَا مَنَعَكَ) أن تأتينا؟ (قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَ) قد (قَالَ: رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ : إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ. فَقَالَ) عمر ﵁: (وَاللهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ) أي: على ما رويتهُ (بَيِّنَةً) ولغير أبي ذرٍّ: «ببيِّنةٍ» وزاد مسلمٌ وإلَّا أوجعتك. فقال أبو موسى: (أَمِنْكُمْ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ (أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟) فيشهد عند عُمر بذلك (فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) سقط «ابنُ كعبٍ» لأبي ذرٍّ: (وَاللهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ) إلى عُمر يشهد (٥) عنده بذلك (إِلَّا أَصْغَرُ القَوْمِ) وفي رواية بُكَير ابن الأشجِّ: فوالله لا يقومُ معك إلَّا أحدثنا سنًّا، قم يا أبا سعيدٍ. قال (٦): (فَكُنْتُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكنت» (أَصْغَرَ القَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ) وفيه دليلٌ على أنَّ العلم الخاصَّ قد يخفى على الأكابرِ فيعلمه (٧) من دونهم، ألا تَرى أنَّ عمر ﵁ خفي عليه علم الاستئذان ثلاثًا، وعلمه أبو موسى وأبو سعيدٍ وغيرهما. قال ابنُ دقيق العيد: وذلك (٨) يَصدُّ في وجه مَن يطلق من المقلِّدين إذا استُدلَّ عليه بحديثٍ فيقول: لو كان صحيحًا لعلمه فلان مثلًا، فإنَّ ذلك إذا خفي على (٩) أكابر الصَّحابة فهو على غيرهم
стр. 10989
أَولى، وقول عمر ﵁: لتقيمنَّ عليه بيِّنة. يتعلَّق به مَن يرى اعتبار العدد، وليس قولُ عمر ذلك ردًّا لخبر الواحدِ بل خاف مسارعة النَّاس إلى القولِ على النَّبيِّ ﷺ بما لم يقلْ كما يفعله المبتدعون والكذَّابون، فأراد ﵁ سدَّ الباب لا شكًّا في الرِّواية، وفي «الموطَّأ» أنَّ عمر قال لأبي موسى: أمَّا إنِّي لا أتَّهمك، ولكنِّي أردت أن لا يتجرَّأ النَّاس على الحديث عن رسولِ الله ﷺ .
وحديث الباب أخرجهُ مسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».
(وَقَالَ ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (يَزِيدُ ابِنْ خُصَيْفَةَ) وثبت: «ابن خُصَيْفَةَ» لأبي ذرٍّ (عَنْ بُسْرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن سعيدٍ»، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريِّ (بِهَذَا) الحديث.
وغرضه من سياق هذا التَّعليق بيانُ سماع بُسر له من أبي سعيدٍ، والله الموفِّق والمعين لا إله غيره.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ) إلى منزلٍ (فَجَاءَ هَلْ يَسْتَأْذِنُ) قبل أن يدخل (١) أم لا؟
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (سَعِيْدٌ) هو ابنُ أبي عَروبة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «شعبة»، أي: ابن الحجَّاج. قال في «الفتح»: والأوَّل هو المحفوظ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفيع البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ النَبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: هُوَ) أي: الدُّعاء (إِذْنُهُ) فلا يحتاجُ إلى تجديدهِ.
وهذا التَّعليق وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد» وأبو داود من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبة، وزاد أبو داود إلى طعامٍ. ثمَّ قال: لم يسمعْ قتادة من أبي رافع ٍكذا في رواية اللُّؤلؤيِّ عن أبي داود. قال في «الفتح»: وقد ثبتَ سماعهُ منه في الحديث
стр. 10990
الآتي إن شاء الله تعالى في (١) «كتاب التَّوحيد» من رواية سليمان التَّيميِّ عن قتادة أنَّ أبا رافعٍ حدَّثه [خ¦٧٥٥٤].
٦٢٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بضم العين في الأول وفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، الهَمْدانيُّ (وَحَدَّثَنَا) وفي نسخة: «ح» للتَّحويل «وَحَدَّثَنَا» ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) المذكور، قال: (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدٌ) هو (٢) ابنُ جبرٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) منزلهُ (فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ) بكسر الهاء وتشديد الراء منوَّنة، زاد في «الرِّقاق» قلتُ: لبَّيك يا رسول [خ¦٦٤٥٢] قال: (الحَقْ) بهمزة وصل وفتح الحاء المهملة (أَهْلَ الصُّفَّةِ) سقيفةٌ كانت بالمسجدِ ينزلُ فيها فقراء الصَّحابة ﵃ (فَادْعُهُمْ إِلَيَّ) بتشديد الياء. (قَالَ) أبو هريرة ﵁: (فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا) في الدُّخول (فَأُذِنَ لَهُمْ) بضم الهمزة وكسر المعجمة (فَدَخَلُوا) الحديث. ويأتي بتمامهِ إن شاء الله تعالى في «باب كيف عيش النَّبيِّ ﷺ وأصحابه، وتخلِّيهم من الدُّنيا» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٥٢].
واستُشكل قولهُ: «فاستأذنوا» مع قوله في السَّابق: «هو إذنُه» [خ¦٦٢٤٥] إذ ظاهره التَّعارض. وأُجيب بأنَّه يختلف بطولِ العهدِ وقصره، فإن طالَ العهد بين الطَّلب والمجيءِ احتاجَ إلى استئنافِ الإذن، وإلَّا فلا. وقيَّده السَّفاقسيُّ بمَن علم أنَّه ليس عنده مَن يستأذنُ لأجله، قال: والاستئذانُ على كلِّ حالٍ أحوطُ.
стр. 10991
(١٥) (بابُ) مشروعيَّة (التَّسْلِيمِ عَلَى الصِّبْيَانِ) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فالتَّسليم (١) مرفوعٌ.
٦٢٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين، الجوهريُّ البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَيَّارٍ) بفتح السين المهملة والتحتية المشددة وبعد الألف راء، أبي (٢) الحكم بن وردَان العنزيِّ الواسطيِّ (عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ) بضم الموحدة، نسبةً إلى بنانة امرأةٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ) قال الحافظ (٣) ابن حَجرٍ: لم أقف على أسمائهم (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ: «قال (٤): وكان» (النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ) أي: السَّلامَ على الصِّبيان تدريبًا لهم على آداب الشَّريعة، وفيه سلوك التَّواضع ولين الجانب. نعم، لو كان الصَّبيُّ وضيئًا يُخشى (٥) من السَّلام عليه الفتنة فلا يشرَع، ولو (٦) سلَّم على صبيٍّ لم يجب عليه الرَّدُّ؛ لأنَّ الصَّبيَّ ليس من أهلِ الفرض، ولو سلَّم على جماعةٍ فيهم صبيٌّ فردَّ دونهم لم يسقطِ الفرض عنهم، ولو سلَّم الصَّبيُّ على البالغِ وجب عليه الرَّدُّ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الاستئذان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «عمل اليوم واللَّيلة».
(١٦) (باب) مشروعيَّة (تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَ) تسليمُ (النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ) عند أمن الفتنةِ.
стр. 10992
٦٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، واسمه سَلَمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين وسكون الهاء، ابن سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيوم الجمعة» بزيادة الجارِّ. قال أبو حازمٍ: (قُلْتُ) لِسَهل مُستفهمًا: (وَلِمَ) كنتم تفرحون به؟ (قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمها (تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ) بضم الموحدة وحُكِي كسرها وفتح المعجمة المخففة وبعد الألف عين مهملة (قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ) عبد الله -شيخ المؤلِّف مفسِّرًا لبُضاعة (١) -: (نَخْلٌ) بستانٌ (بِالمَدِينَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «نخلٍ» بالجرِّ عطف بيان لبُضاعة، أو بدلًا منها. وقال غير ابن (٢) مَسْلَمة: إنَّ بُضاعةَ دُور بني ساعدة، وبها بئرٌ مشهورةٌ (فَتَأْخُذُ) العَجُوز (مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ) بكسر السين المهملة وسكون اللام بعدها قاف (فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ) بكسر القاف وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «في القدر» (وَتُكَرْكِرُ) بضم الفوقية وفتح الكاف وسكون الراء بعدها كاف أخرى مكسورة فراء أيضًا، تطحنُ (حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) والكركرةُ -كما قال الخطَّابيُّ-: الطَّحن والجشُّ، وأصله الكرُّ فضُوعف لتكرارِ عودة الرَّحى في الطَّحن مرَّةً بعد أخرى (فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا) وسقطت الواو من «ونسلِّم» لأبي ذرٍّ (فَتُقَدِّمُهُ) أي: الطَّعام المذكور (إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ) أي: الطَّعام (وَمَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون وكسر القاف، من القيلولة، أي: نستريحُ نصف النَّهار (وَلَا نَتَغَدَّى) بالغين المعجمة، أي: لا نأكل أوَّل النَّهار (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةِ).
стр. 10993
وهذا الحديثُ سبق في «باب قولِ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]» من «كتاب (١) الجمعة» [خ¦٩٣٨].
٦٢٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسْلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لي: (يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ) ﵊ (يَقْرَأُ) بفتح أوَّله وثالثه (عَلَيْكِ السَّلَامَ. قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَليهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ) وقد كان جبريلُ ﵇ يأتي النَّبيَّ ﷺ في صورة دِحية (٢)، وحينئذٍ فتحصل المطابقة بين التَّرجمة والحديث، ويزولُ الإشكال (تَرَى مَا لَا (٣) نَرَى، تُرِيدُ) عائشة ﵂ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ومنع الكوفيُّون ابتداء النِّساء بالسَّلام على الرِّجال؛ لأنَّهنَّ مُنِعنَ من الأذانِ والإقامة والجهر، واستثنوا المحرَم فجوَّزوا لها السَّلام على محرَمِها، وفرَّق المالكيَّة بين الشَّابَّة والعجوز سدًّا للذَّريعة، ومنع منه ربيعة مطلقًا.
(تَابَعَهُ) أي: تابع معمرًا (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة في روايته عن الزُّهريِّ في قول عائشة: ورحمة الله، وهذه المتابعة وصلها البخاريُّ في «الرِّقاق» [خ¦٦٢٠١] (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد، ممَّا وصله في «المناقب» [خ¦٣٧٦٨] (وَالنُّعْمَانُ) بن راشدٍ، ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «الكبير» كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَبَرَكَاتُهُ).
وحديثُ الباب سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٢١٧] و «فضل عائشة» [خ¦٣٧٦٨] و «الأدب» [خ¦٦٢٠١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» بعون الله.
стр. 10994
(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَالَ) صاحبُ المنزل لمن طرق البابَ: (مَنْ ذَا) الَّذي يطرقُ؟ (فَقَالَ: أَنَا) ما حكمهُ، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
٦٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله الهُدَير التَّيميِّ المدنيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ولأبي ذرٍّ: «جابر بن عبد الله» (¬﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي) لأبي الشَّحم اليهوديِّ، وكان ثلاثين وسقًا من التَّمر (فَدَقَقْتُ البَابَ) بقافين الثانية ساكنة من الدَّقِّ، وعند الإسماعيليِّ «فضربت (١)» ولمسلمٍ استأذنتُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فدفعت» بالفاء ثمَّ العين المهملة، من الدَّفع (فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ ذَا) الَّذي يدقُّ الباب، أو يضربهُ، أو يدفعهُ، أو استأذن؟ (فَقُلْتُ) له: (أَنَا. فَقَالَ) ﷺ : (أَنَا أَنَا) الثَّانية تأكيد لسابقتها (٢) (كَأَنَّهُ كَرِهَهَا) أي: لفظة «أنا»، ولأبي داود (٣) الطَّيالسيِّ في «مسنده» عن شعبة كره ذلك. بالجزم، وكره ذلك؛ لأنَّه أجابه بغير ما يفيده علم ما سأل عنه، فإنَّه ﷺ أراد أن يعرف مَن ضرب الباب بعد أن عرفَ أنَّ ثمَّ ضاربًا، فأخبره أنَّه ضاربٌ فلم يستفدْ منه المقصود.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الاستئذان» أيضًا، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الأدب».
стр. 10995
(١٨) (بابُ مَنْ رَدَّ) على المسلم (فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ) بغير واو العطف والإفراد وتأخير السَّلام عن قوله: عليك.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂، لمَّا قال لها النَّبيُّ ﷺ : «يَا عائشَةُ هذَا جبريلُ يقرَأُ عليكِ السَّلامَ»: (وَعَليهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) بالواو، وقد مرَّ موصولًا في الباب السَّابق [خ¦٦٢٤٩] (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما سبق موصولًا في «بدء السَّلام» [خ¦٦٢٢٧]: (رَدَّ المَلَائِكَةُ عَلَى آدَمَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ).
٦٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم، الهمدانيُّ، أبو هاشم (١) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابن عمر بن حفص العُمَريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان (المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) هو: خلَّاد بن رافعٍ (دَخَلَ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَصَلَّى) أي: ركعتين، كما عند النَّسائيِّ من رواية داود بن قيس، ففيه -كما في «الفتح» - إشعارٌ بأنَّه صلَّى نفلًا، والأقرب أنَّها تحيَّة المسجد (ثُمَّ جَاءَ) أصله جَيَأَ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها