(١٥) (بابُ) مشروعيَّة (التَّسْلِيمِ عَلَى الصِّبْيَانِ) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فالتَّسليم (١) مرفوعٌ.
٦٢٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين، الجوهريُّ البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَيَّارٍ) بفتح السين المهملة والتحتية المشددة وبعد الألف راء، أبي (٢) الحكم بن وردَان العنزيِّ الواسطيِّ (عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ) بضم الموحدة، نسبةً إلى بنانة امرأةٍ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ) قال الحافظ (٣) ابن حَجرٍ: لم أقف على أسمائهم (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ: «قال (٤): وكان» (النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ) أي: السَّلامَ على الصِّبيان تدريبًا لهم على آداب الشَّريعة، وفيه سلوك التَّواضع ولين الجانب. نعم، لو كان الصَّبيُّ وضيئًا يُخشى (٥) من السَّلام عليه الفتنة فلا يشرَع، ولو (٦) سلَّم على صبيٍّ لم يجب عليه الرَّدُّ؛ لأنَّ الصَّبيَّ ليس من أهلِ الفرض، ولو سلَّم على جماعةٍ فيهم صبيٌّ فردَّ دونهم لم يسقطِ الفرض عنهم، ولو سلَّم الصَّبيُّ على البالغِ وجب عليه الرَّدُّ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الاستئذان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «عمل اليوم واللَّيلة».
(١٦) (باب) مشروعيَّة (تَسْلِيمِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَ) تسليمُ (النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ) عند أمن الفتنةِ.
стр. 10992
٦٢٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ، واسمه سَلَمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين وسكون الهاء، ابن سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيوم الجمعة» بزيادة الجارِّ. قال أبو حازمٍ: (قُلْتُ) لِسَهل مُستفهمًا: (وَلِمَ) كنتم تفرحون به؟ (قَالَ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمها (تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ) بضم الموحدة وحُكِي كسرها وفتح المعجمة المخففة وبعد الألف عين مهملة (قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ) عبد الله -شيخ المؤلِّف مفسِّرًا لبُضاعة (١) -: (نَخْلٌ) بستانٌ (بِالمَدِينَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «نخلٍ» بالجرِّ عطف بيان لبُضاعة، أو بدلًا منها. وقال غير ابن (٢) مَسْلَمة: إنَّ بُضاعةَ دُور بني ساعدة، وبها بئرٌ مشهورةٌ (فَتَأْخُذُ) العَجُوز (مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ) بكسر السين المهملة وسكون اللام بعدها قاف (فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ) بكسر القاف وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «في القدر» (وَتُكَرْكِرُ) بضم الفوقية وفتح الكاف وسكون الراء بعدها كاف أخرى مكسورة فراء أيضًا، تطحنُ (حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ) والكركرةُ -كما قال الخطَّابيُّ-: الطَّحن والجشُّ، وأصله الكرُّ فضُوعف لتكرارِ عودة الرَّحى في الطَّحن مرَّةً بعد أخرى (فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا) وسقطت الواو من «ونسلِّم» لأبي ذرٍّ (فَتُقَدِّمُهُ) أي: الطَّعام المذكور (إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ) أي: الطَّعام (وَمَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النون وكسر القاف، من القيلولة، أي: نستريحُ نصف النَّهار (وَلَا نَتَغَدَّى) بالغين المعجمة، أي: لا نأكل أوَّل النَّهار (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الجُمُعَةِ).
стр. 10993
وهذا الحديثُ سبق في «باب قولِ الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]» من «كتاب (١) الجمعة» [خ¦٩٣٨].
٦٢٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) محمَّد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسْلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لي: (يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ) ﵊ (يَقْرَأُ) بفتح أوَّله وثالثه (عَلَيْكِ السَّلَامَ. قَالَتْ: قُلْتُ: وَعَليهِ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ) وقد كان جبريلُ ﵇ يأتي النَّبيَّ ﷺ في صورة دِحية (٢)، وحينئذٍ فتحصل المطابقة بين التَّرجمة والحديث، ويزولُ الإشكال (تَرَى مَا لَا (٣) نَرَى، تُرِيدُ) عائشة ﵂ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ومنع الكوفيُّون ابتداء النِّساء بالسَّلام على الرِّجال؛ لأنَّهنَّ مُنِعنَ من الأذانِ والإقامة والجهر، واستثنوا المحرَم فجوَّزوا لها السَّلام على محرَمِها، وفرَّق المالكيَّة بين الشَّابَّة والعجوز سدًّا للذَّريعة، ومنع منه ربيعة مطلقًا.
(تَابَعَهُ) أي: تابع معمرًا (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة في روايته عن الزُّهريِّ في قول عائشة: ورحمة الله، وهذه المتابعة وصلها البخاريُّ في «الرِّقاق» [خ¦٦٢٠١] (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد، ممَّا وصله في «المناقب» [خ¦٣٧٦٨] (وَالنُّعْمَانُ) بن راشدٍ، ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «الكبير» كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَبَرَكَاتُهُ).
وحديثُ الباب سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٢١٧] و «فضل عائشة» [خ¦٣٧٦٨] و «الأدب» [خ¦٦٢٠١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» بعون الله.
стр. 10994
(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَالَ) صاحبُ المنزل لمن طرق البابَ: (مَنْ ذَا) الَّذي يطرقُ؟ (فَقَالَ: أَنَا) ما حكمهُ، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
٦٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله الهُدَير التَّيميِّ المدنيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ولأبي ذرٍّ: «جابر بن عبد الله» (¬﵁ يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي) لأبي الشَّحم اليهوديِّ، وكان ثلاثين وسقًا من التَّمر (فَدَقَقْتُ البَابَ) بقافين الثانية ساكنة من الدَّقِّ، وعند الإسماعيليِّ «فضربت (١)» ولمسلمٍ استأذنتُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فدفعت» بالفاء ثمَّ العين المهملة، من الدَّفع (فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ ذَا) الَّذي يدقُّ الباب، أو يضربهُ، أو يدفعهُ، أو استأذن؟ (فَقُلْتُ) له: (أَنَا. فَقَالَ) ﷺ : (أَنَا أَنَا) الثَّانية تأكيد لسابقتها (٢) (كَأَنَّهُ كَرِهَهَا) أي: لفظة «أنا»، ولأبي داود (٣) الطَّيالسيِّ في «مسنده» عن شعبة كره ذلك. بالجزم، وكره ذلك؛ لأنَّه أجابه بغير ما يفيده علم ما سأل عنه، فإنَّه ﷺ أراد أن يعرف مَن ضرب الباب بعد أن عرفَ أنَّ ثمَّ ضاربًا، فأخبره أنَّه ضاربٌ فلم يستفدْ منه المقصود.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الاستئذان» أيضًا، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الأدب».
стр. 10995
(١٨) (بابُ مَنْ رَدَّ) على المسلم (فَقَالَ: عَلَيْكَ السَّلَامُ) بغير واو العطف والإفراد وتأخير السَّلام عن قوله: عليك.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂، لمَّا قال لها النَّبيُّ ﷺ : «يَا عائشَةُ هذَا جبريلُ يقرَأُ عليكِ السَّلامَ»: (وَعَليهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) بالواو، وقد مرَّ موصولًا في الباب السَّابق [خ¦٦٢٤٩] (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما سبق موصولًا في «بدء السَّلام» [خ¦٦٢٢٧]: (رَدَّ المَلَائِكَةُ عَلَى آدَمَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ).
٦٢٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم، الهمدانيُّ، أبو هاشم (١) الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابن عمر بن حفص العُمَريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان (المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) هو: خلَّاد بن رافعٍ (دَخَلَ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَصَلَّى) أي: ركعتين، كما عند النَّسائيِّ من رواية داود بن قيس، ففيه -كما في «الفتح» - إشعارٌ بأنَّه صلَّى نفلًا، والأقرب أنَّها تحيَّة المسجد (ثُمَّ جَاءَ) أصله جَيَأَ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها
стр. 10996
فقُلِبت ألفًا (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي: على النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَعَلَيْكَ السَّلَامُ) بالواو والإفراد وتأخير السَّلام، وهذا الغرض من التَّرجمة (ارْجِعْ فَصَلِّ) أمرٌ مِن رجع، ويأتي لازمًا ومتعدِّيًا، فمن اللَّازم هذا، ومن المتعدِّي قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] لكن مصدر اللَّازم رجوعًا، ومصدر المتعدِّي رَجعًا. وعند ابنِ أبي شيبة من رواية محمَّد بن عَجلان فقال: «أَعِد صَلاتكَ» (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) صلاةً صحيحةً، نفيٌ للحقيقةِ الشَّرعيَّة، ولا شكَّ في انتفائها بانتفاءِ ركنٍ أو شرطٍ منها، أو لم تصلِّ صلاةً كاملةً إذا كان بسبب الطُّمأنينة، وهي سنَّةٌ عند قومٍ (فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ) على النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ) له: (وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، فَارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ) الرَّجل (فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ) ﷺ : (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ) بهمزة قطعٍ، وعند النَّسائيِّ من رواية إسحاق ابنِ أبي طلحة: «إنَّها لم تتمَّ صلاةُ أحدكُم حتَّى يُتمَّ الوضوء كما أمره الله، فيغسلَ وجههُ ويديهِ إلى المرفقين ويمسحَ برأسهِ ورجليهِ إلى الكعبين» (ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ) تكبيرةَ الإحرام (ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) «ما» ههنا موصولةٌ أو موصوفةٌ، و «معك» متعلِّقٌ (١) بـ «تيسَّر» أو حال (٢) من القرآن، و «من» تبعيضيَّة ويبعد أن يتعلَّق «من القرآن» بـ «اقرأ» لأنَّه لا يجب عليه ولا يُستحبُّ أن يقرأ جميع ما تيسَّر له من القرآن، قاله ابن فَرحون، وهو محمولٌ على الفاتحة بأدلَّةٍ أُخرى على اشتراط قراءتها، أو على مَن لم يحفظِ الفاتحة، فإنَّه يقرأ ما تيسَّر من غيرها (ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) «حتَّى» هنا مقدَّرةً بإلى أن، و «راكعًا» نصب على الحال من الضَّمير في «تطمئنَّ» (ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) نصب على الحال كسابقها من ضمائر (٣) الأفعال قبلها (ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) أكَّد الصَّلاة بـ «كلِّها» لأنَّها أركانٌ متعدِّدةٌ، ويحتملُ أن يريد بقوله: «في صلاتك» جنسَ جميع الصَّلوات على اختلافِ أوقاتها وأسمائها (وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، ممَّا وصله في «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٧] (فِي) اللَّفظ (الأَخِيرِ) وهو «حتَّى تطمئنَّ جالسًا» (حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا) وأراد
стр. 10997
المؤلِّف بهذا الإشارة إلى أنَّ راوي الأولى خُولف، وأنَّ الثَّانية عنده أرجح.
٦٢٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة، محمَّد (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ (١) اللهِ) بضم العين، العمريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) المقبريُّ (عَنْ أَبِيهِ) كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) كذا ساقه هنا مختصرًا، وأورده في «الصَّلاة» بتمامه [خ¦٧٥٧] واستدلَّ به كثيرون على وجوبِ الطُّمأنينة؛ لأنَّه لمَّا علَّمه صفة الصَّلاة صرَّح له بالطُّمأنينة، فدلَّ على اعتبارها وأمره بها فدلَّ على وجوبها. قال في «العمدة» (٢): ولا علقة لمن منع وجوب الطُّمأنينة بجعل الطُّمأنينةِ غايةً في الرُّكوع والسُّجود وغيرهما ممَّا ذكر في الحديث في الدَّلالة على دعواه، فإنَّ الغاية في دخولها أقوالٌ مشهورةٌ، فمن يقول: الغايةُ لا تدخل مطلقًا ولو كانت من جنسِ ما قبلها كإمامنا الشَّافعيِّ وغيره ينبغي أن يقول: الطُّمأنينة ليست واجبةً؛ لأنَّا نقول: هذه مغالطةٌ وبيانه من وجوه:
أحدها: أنَّه قُيِّد بالحال وهو راكعًا وساجدًا وجالسًا، فالغاية داخلةٌ قطعًا بصريح التَّقييد لفظًا بالحالِ.
الثَّاني: أنَّه لو لم يقيِّده بالحال كان داخلًا باللَّازم؛ لأنَّه أمر مغيًّا (٣) بفعلٍ آخر من المأمورِ فلا بدَّ من وجوده لتحقُّق الغاية.
الثَّالث: أنَّ الغايةَ هنا صدق الطُّمأنينة، وإنَّما تصدق بوجودها. انتهى.
وقد سبق في «الصَّلاة» [خ¦٧٥٧] مزيدُ مباحث للحديث (٤)، والغرضُ هنا ما يتعلَّق بالتَّرجمة، وغرض البخاريِّ أنَّ ردَّ السَّلام ثبت بتقديم السَّلام على (٥) عليك، فيقال في الابتداء والرَّدِّ: السَّلام
стр. 10998
عليك؛ لأنَّ السَّلام اسم الله فينبغِي أن لا يقدَّم عليه شيءٌ، وعن بعض الشَّافعيَّة أنَّ المبتدِئ لو قال: عليك السَّلام، لم يجز، وثبت أيضًا بتأخيره فيقول: عليك السَّلام (١) وبلفظ الإفراد. وقال بعضهم: لا يقتصر على الإفراد بل يأتي بصيغة الجمع، ففي «الأدب المفرد» من طريق معاوية بن قُرَّة قال لي أبي: إذا مرَّ بك الرَّجل فقال: السَّلام عليكم، فلا تقل: وعليك السَّلام، فتَخُصَّه وحده، وسنده صحيحٌ. ولو وقع الابتداء بلفظ الجمعِ فلا يكفي الرَّدُّ بالإفراد؛ لأنَّ صيغة الجمع تقتضي التَّعظيم، فلا يكون امتثل الرَّدَّ بالمثل (٢) فضلًا عن الأحسنِ، كما نبَّه عليه الشَّيخ تقيُّ الدِّين. وقال آخرون: لا يحذف الواو في الرَّدِّ بل يجيبُ بواو العطف فيقول: وعليك. وقال قومٌ: يكفي في الجوابِ أن يقتصرَ على عليك بغير لفظ: السَّلام.
قال النَّوويُّ: الأفضلُ أن يقول: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضميرِ الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ويقول المجيبُ: وعليكم السَّلام ورحمة الله وبركاته، ويأتي بواو العطف في قوله: وعليكم، وأقلُّ السَّلام أن يقول: السَّلام عليكم، فإن قال: السَّلام عليك حصل أيضًا، وأمَّا الجواب فأقلُّه: وعليك السَّلام أو وعليكم السَّلام، فإن (٣) حذف الواو أجزأهُ، واتَّفقوا على أنَّه لو قال في الجواب: عليكم، لم يكن جوابًا، فلو قال: وعليكم، بالواو فهل يكون جوابًا؟ فيه وجهان. وقال الواحديُّ: في تعريف السَّلام وتنكيره بالخيارِ. وقال النَّوويُّ: بالألف واللَّام أولى، ولو تلاقى رجلان وسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبهِ دفعةً واحدةً أو أحدهما بعد الآخر، فقال القاضي حسين (٤) وأبو سعيدٍ المتولِّي: يصير كلُّ واحدٍ منهما مبتدئًا بالسَّلام، فيجب على كلِّ واحدٍ أن يردَّ على صاحبه.
وقال الشَّاشيُّ: فيه نظرٌ فإنَّ هذا اللَّفظ يصلح للجوابِ، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جوابًا، وإن كان دفعةً واحدةً لم يكن جوابًا، قال: وهو الصَّواب، فإذا (٥) قال المبتدئ: وعليكم السَّلام. قال المتولي: لا يكون ذلك سلامًا فلا يستحقُّ جوابًا، ولو قال بغير واو فقطع
стр. 10999
الواحديُّ بأنَّه سلامٌ يتحتَّم (١) على المخاطب به الجواب، وإن كان قد قلب اللَّفظ المعتاد وهو الظَّاهر، وقد جزمَ به إمام الحرمين. انتهى.
فإن قلت: ما الفرقُ بين قولك: سلامٌ عليكم، والسَّلام عليكم؟ أُجيب بأنَّه لا بدَّ للمعرَّف باللَّام من معهودٍ إمَّا خارجيٍّ أو ذهنيٍّ، فإن قيل بالأوَّل كان المراد الَّذي سلَّمه آدم ﵇ على الملائكة في قوله ﷺ : «قالَ (٢) لآدمَ: اذهَبْ فسلِّم على أولئِكَ النَّفر فإنَّها تحيَّتُك وتحيَّةُ ذُرِّيتكَ» [خ¦٦٢٢٧] وإن قيل بالثَّاني كان من (٣) جنس السَّلام الَّذي يعرفه كلُّ واحدٍ (٤) من المسلمين أنَّه هو، فيكون تعريضًا (٥) للفرق بين توارد (٦) السَّلامين معًا وبين ترتُّب (٧) أحدهما على الآخر، وذلك أنَّه إذا تواردا كان الإشارة منهما إلى أحدِ المعنيين المذكورين فلا يحصل الرَّدُّ، وإذا تأخَّر كان المشار إليه ما تلفَّظ به المبتدئ فيصحُّ الرَّدُّ، وكأنَّه قال: السَّلام الَّذي وجَّهته إليَّ فقد رددتُه عليك، وقد ذهبَ إلى مثل هذا الفرق في التَّعريف والتَّنكير الزَّمخشريُّ في سورة مريم في قول عيسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] وقد جرت عادةُ بعضهم بالسَّلام عند المفارقة، فهل يجبُ الرَّدُّ أم لا؟ قال القاضي حسين والمتولِّي: يستحبُّ لأنَّه دعاءٌ، ولا يجب لأنَّ التَّحيَّة إنَّما تكون عند اللِّقاء لا عند الانصراف. وأنكرهُ الشَّاشيُّ، وقال: السَّلام سنَّةٌ عند الانصراف، كما هو سنَّةٌ عند اللِّقاء، فكما يجب الرَّدُّ عند اللِّقاء كذلك عند الانصراف، وهذا هو الصَّحيح.
(تنبيه) إذا سلَّم على أصمَّ فيتلفَّظ (٨) بالسَّلام لقدرتهِ عليه، ويشيرُ باليد ليحصلَ الإفهام ويستحقَّ الجواب، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقُّ الجواب، ولو سلَّم عليه أصمُّ فيتلفَّظ بالرَّدِّ ويشيرُ باليد، ولو سلَّم على أخرسَ وأشار الأخرس باليد سقطَ الفرض لأنَّ إشارته قائمةٌ مقام
стр. 11000
العبارة، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإشارة يستحقُّ الجواب، ولو سلَّم على صبيٍّ لا يجب على الصَّبيِّ الرَّدُّ لأنَّه ليس من أهل الفرض، ولو سلَّم الصَّبيُّ على البالغِ وجب الرَّدُّ على الصَّحيح، ولو سلَّم بالغٌ على جماعةٍ فيهم صبيٌّ فردَّ الصَّبيُّ وحده لا يسقطُ به عن الباقين، وإذا سلَّم عليه إنسانٌ ثمَّ لقيه عن قربٍ سُنَّ له أن يسلِّم عليه ثانيًا وثالثًا فأكثرَ لحديث المسيء صلاته، ويكره السَّلام إذا كان المسلَّم عليه مُشتغلًا بالبولِ والجماع ونحوهما، ولو سلَّم لا يستحقُّ جوابًا، وكذا إن كان ناعسًا، أو نائمًا، أو مصليًّا، أو في حال الأذان والإقامة، أو في حمَّامٍ، أو نحو ذلك، أو في فمهِ لقمة يأكلُها، ولو سلَّم على أجنبيَّةٍ جميلةٍ يخافُ الافتتان بها لو سلَّم عليها لم يجزْ لها ردُّ الجواب ولا تسلِّم هي عليه، فإن سلَّمت لا يردُّ عليها، فإن أجابهَا كُره له. انتهى. ملخَّصًا من «أذكار النَّوويِّ».
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا قَالَ) شخصٌ لآخر: (فُلَانٌ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ) بضم التَّحتية، من أقرأ (١)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يَقرأُ عليك السَّلام» بفتح التحتية.
٦٢٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا) الشَّعبيَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا): يا عائشةُ (إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ) بضم التحتية، ولأبي ذرٍّ: «يَقرأ» بفتحها «عليك السَّلام». قال النَّوويُّ: يعني يقرأ السَّلام عليك، وقال غيره: كأنَّه حين يُبلّغه سلامه يحملُه على أن يقرأ السَّلام ويردَّه (قَالَتْ: وَعَليهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ) ولَمَّا بلَّغ ﷺ خديجة عن جبريلَ سلام الله تعالى عليها قالت: إنَّ الله هو السَّلام ومنه السَّلام، وعلى جبريل السَّلام. رواه الطَّبرانيُّ، وزاد النَّسائيُّ من حديث أنسٍ:
стр. 11001
وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته. ففيه استحباب الرَّدِّ على المبلِّغ، وفي النَّسائيِّ عن رجلٍ من بني تميم (١): أنَّه بلَّغ النَّبيَّ ﷺ سلام أبيه فقال له: وعليك وعلى أبيكَ السَّلام. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: لم أرَ في شيءٍ من طرق حديثِ عائشة أنَّها ردَّت على النَّبيِّ ﷺ فدلَّ على أنَّه غير واجبٍ. وقال النَّوويُّ: في هذا الحديث مشروعيَّة إرسال السَّلام، ويجب على الرَّسول تبليغه لأنَّه أمانةٌ، وعورضِ بأنَّه بالوديعةِ أشبَه، والتَّحقيق أنَّ الرَّسول إن التزمَه أشبه الأمانة وإلَّا فوديعةٌ، والوديع (٢) إذا لم يقبل لم يلزمه شيءٌ. قال: وفيه أنَّ مَن أتاه شخصٌ بسلام شخصٍ، أو في ورقةٍ، وجب الرَّدُّ على الفور.
والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦٢٤٩].
(٢٠) (بابُ) حكمِ (التَّسْلِيمِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِين).
стр. 11002
٦٢٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو: ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ) بكسر الهمزة، كالبَرْذَعةِ ونحوها لذواتِ الحافر (١) (تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ) بفتح القاف، كساءٌ ذات (٢) خملٍ (فَدَكِيَّةٌ) بالفاء والدال المهملة، نسبةً إلى فَدَك -بفتحتين-، مدينةٌ (٣) بعيدةٌ (٤) عن المدينة بيومين (وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) من مرضٍ كان به (فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ) ناسٌ مختلطون (مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالمثلَّثة (٥) (وَاليَهُودِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بضم الهمز والتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بفتح المهملة، اسم أمِّه، فلا ينصرف (وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء والحاء المهملة (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) غُبارها الَّذي تثيره (خَمَّرَ) غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ (٦) بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ) عبدُ الله بن أبيٍّ: (لَا تُغَبِّرُوا) بالموحدة، لا تُثيروا الغبار (عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ ﷺ : (أَيُّهَا المَرْءُ لَا) شيءَ (أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) الَّذي تدعو إليه (إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا) به (فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ارجع» (إِلَى رَحْلِكَ) بالحاء المهملة، منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ) ولأبي الوقتِ: «قال عبدُ الله ابن رواحة»: (اغْشَنَا) بالغين والشين المفتوحة المعجمتين، أي: باشِرنا به يا رسول الله (فِي
стр. 11003
مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ) لذلك (١) (حَتَّى هَمُّوا) قصدُوا (أَنْ يَتَوَاثَبُوا) بالمثلَّثة بعدها موحدة، يتحاربوا ويتضاربوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ) يُسكِّتهم (٢) (حَتّى سَكَتُوا (٣) ثُمَّ رَكِبَ) ﷺ (دَابَّتَهُ) فسار (حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ) لعيادتهِ (فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا) ولأبي ذرٍّ: «إلى ما» (قَالَ أَبُو حُبَابٍ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (يُرِيدُ) ﵊ (عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ) سعدٌ: (اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَاصْفَحْ، فَوَاللهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ) من الرِّسالة (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ) بفتح الموحدة وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «البُحَيرة» بضم الموحدة وفتح المهملة، القرية، والعربُ تسمِّي القرى البحار. وقال الجوهريُّ (٤): البحرةُ دون الوادي، والمراد طيبَة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) أي: عبد الله بن أبي، بتاجِ الملك (فَيُعَصِّبُونَهُ) بالفاء والنون، ولأبي ذرٍّ: «فيعصِّبوه» (بِالعِصَابَةِ) حقيقةً، أو كنايةً عن جعله ملكًا، وهما متلازمان (٥) للملكيَّة (فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ) الَّذي اصطلحوا عليه (بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ) بفتح المعجمة وكسر الراء، غُصَّ ابنُ أبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ (فَذَلِكَ) الحقُّ الَّذي (فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ) من فعلهِ (فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ … ) الحديث.
وسبق بأتمَّ من هذا قريبًا [خ¦٦٢٠٧] والغرضُ منه قوله: أنَّه مرَّ في مجلسٍ فيه أخلاطٌ من (٦) المسلمين والمشركين واليهود، وأنَّه سلَّم عليهم ﷺ ، ولم يرد أنَّه خصَّ المسلمين باللَّفظ، ففيه أنَّه يسلِّم (٧) بلفظ التَّعميم ويقصدُ به المسلم، وقد اختُلف في حكمِ ابتداء الكافر بالسَّلام هل يمنع منه؟ ففي «مسلمٍ» من حديث أبي هريرة: «لا تبدؤوا اليهودَ والنَّصَارى بالسَّلام واضْطَرُّوهم إلى أضيقِ الطَّريق (٨)»، وفي «النَّسائيِّ» عن أبي بَصرة الغفاريِّ -بفتح الموحدة- أنَّه ﷺ قال:
стр. 11004
«إنِّي راكِبٌ غدًا إلى يهُود فلَا تبدؤُوهُم بالسَّلامِ» وقال قومٌ: يجوزُ ابتداؤهم به لِما عند الطَّبريِّ من طريق ابن عُيينة، قال: يجوزُ ابتداء الكافر بالسَّلام لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] وقول إبراهيم لأبيهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] والمعتمد الأوَّل وأنَّ النَّهي للتَّحريم.
وأُجيب بأنَّه (١) ليس المراد بسلامِ إبراهيم على أبيهِ التَّحيَّة بل المتارَكة والمباعدةِ. وقال ابنُ كثيرٍ: هو كما قال الله تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فمعنى قولِ إبراهيم لأبيهِ (٢): ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: أمانٌ (٣) فلا ينالكَ منِّي مكروهٌ ولا أذًى، وذلك لحرمةِ الأبوَّة. انتهى.
لكن (٤) المراد منع ابتدائهم بالسَّلامِ المشروع، فلو سلَّم عليهم بلفظٍ يقتضِي خروجهم عنه كأنَّه يقول: السَّلام علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين فسائغٌ، كما كتبَ النَّبيُّ ﷺ إلى هرقل: سلامٌ على من اتَّبع الهدى، ونقل ابن العربيِّ عن مالكٍ إذا ابتدأ شخصًا بالسَّلام وهو يظنُّه مسلمًا فبان كافرًا، قال ابن عمر: يَستردُّ منه سلامه، وقال مالكٌ: لا. قال ابن العربيِّ: لأنَّ الاستردادَ حينئذٍ لا فائدةَ له؛ لأنَّه لم يحصلْ له منه شيءٌ؛ لكونه قصد السَّلام على المسلمِ، وقال غيره: له فائدةٌ وهي إعلامُ الكافر بأنَّه ليس أهلًا للابتداءِ بالسَّلام.
وحديثُ الباب سبق في «الأدبِ» [خ¦٦٢٠٧] وغيره [خ¦٥٦٦٣].
(٢١) (بابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا) اكتسبهُ (وَمَن لَمْ يَرُدَّ سَلَامَهُ) وهو مذهبُ الجمهور. نعم، إن خاف ترتُّب مفسدةٍ في دينٍ أو دنيا إن لم يسلِّم سلَّم، كذا قال النَّوويُّ. قال (٥) ابنُ
стр. 11005
العربيِّ: وينوي أنَّ السَّلام اسمٌ من أسماءِ الله فكأنَّه قال: الله رقيبٌ عليهم، وألحقَ بعضُ الحنفيَّة بأهل المعاصي مَن يتعاطَى خَوارم المروءةِ ككثرة المزاح، وفحش القول، فلا يُردُّ على أحدٍ سلامه (١) (حَتَّى تَتَبَيَّنَ (٢) تَوْبَتُهُ) تأديبًا له (وَإِلَى مَتَى تَتَبَيَّنُ تَوْبَةُ العَاصِي؟) المعتمدُ أنَّ ذلك ليس فيه حدٌّ محدودٌ، وليس يظهر ذلك من يومهِ ولا ساعتهِ بل حتَّى يمرَّ عليه ما يدلُّ لذلك.
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ممَّا وصله في «الأدب المفرد»: (لَا (٣) تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الخَمْرِ) بفتح المعجمة والراء والموحدة. واعترضَه السَّفاقسيُّ بأنَّ اللُّغويين لم يسمعوه (٤) كذلك بل شاربٌ وشَرْب كصاحبٍ وصَحْب. وأُجيب بأنَّهم قالوا: فسقةٌ وكذبةٌ في جمع: فاسقٍ وكاذبٍ، وعند سعيدِ بن منصورٍ، عن ابن عمر: «لَا تُسلِّمُوا على مَن يشرَبُ الخمرَ، ولَا تعودُوهُم إذا مرضُوا، ولا تصلُّوا عليهِم إذا ماتُوا»، لكن سندهُ ضعيفٌ، وهو عند ابنِ عديٍّ بسندٍ أضعفَ منه، عن ابنِ عمر مرفوعًا.
٦٢٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكيرٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين المهملة وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن
стр. 11006
مسلمٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن كعبٍ» (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) حالَ كونه (يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ) أي: عن غزوتها (وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) المسلمينَ (عَنْ كَلَامِنَا، وَآتِي) بمد الهمزة وكسر الفوقية (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) معطوفٌ على جملةٍ من الكلام حذفها (١) لروايتهِ له كذا، أو لغرضِ الاختصارِ والإتيانِ بالمراد منه (فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ) عليَّ (أَمْ لَا؟) لأنَّه لم يكن يُديم النَّظر إليه من كثرةِ حيائه (حَتَّى كَمَلَتْ) بفتح الميم (خَمْسُونَ لَيْلَةً) من حين نهى ﷺ عن كلامنا (وَآذَنَ) بمدِّ الهمزة وفتح المعجمة، أعلمَ، وللكشميهنيِّ: «وأَذِن» بالقصر وكسر المعجمة (النَّبِيُّ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى الفَجْرَ … ) الحديث.
وسبقَ بتمامهِ في «المغازي» [خ¦٤٤١٨] والغرضُ منه ما ترجم له، وهو ترك السَّلام تأديبًا، وترك الرَّدِّ أيضًا وهو ما يُخَصُّ به عموم الأمرِ بإفشاء السَّلام؟
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكرُ فيه (كَيْفَ يُرَدُّ) بضم التحتية وفتح الراء (عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ) بالمعجمة، اليهود والنَّصارى (السَّلَامُ؟) ولأبي ذرٍّ: «كيف الرَّدُّ بالسَّلام».
٦٢٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ) ولم يعرف الحافظ ابن حَجرٍ أسماء اليهود المذكورينَ لكنَّه (٢) قال: أخرج الطَّبرانيُّ بسندٍ ضعيفٍ،
стр. 11007
عن زيد بن أرقم، قال: بينا أنا (١) عند رسولِ الله ﷺ إذ أقبل رجلٌ من اليهود، يقال له (٢): ثعلبةُ بن الحارث، فقال: السَّام عليك يا محمَّد. فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أحد الرَّهط المذكورين، وكان هو الَّذي باشر السَّلام عنهم (٣)، كما جرت العادةُ من نسبة القولِ إلى الجماعة، والمباشر له واحدٌ منهم؛ لأنَّ اجتماعهم ورضاهُم به في قوَّةِ مشاركته (٤) في النُّطق، والسَّام (٥) بالمهملة والألف الساكنة وتخفيف الميم؛ الموتُ، وألفُه منقلبةٌ عن واو. قالت عائشة: (فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ) أطلقت اللَّعنة عليهم إمَّا لأنَّها ترى جواز لعن الكافرِ المعيَّن باعتبار الحالة الرَّاهنة، وإمَّا لأنَّها تقدَّم لها علمٌ بأنَّ المذكورين يموتون على الكفر (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ) وزعم بعضُهم أنَّ أصله: مه، زيدَتْ فيهِ لا (فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟) بفتح واو «أَوَلم» (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَقَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ) بإثبات الواو والجمع دون لفظ السَّلام (٦)، والمعنى وعليكم أيضًا، أي: نحن (٧) وأنتُم فيه سواءٌ كلُّنا نموت، فهو عطفٌ على قولهم، أو الواو للاستئناف، أي: وعليكم ما تستحقُّونه من الذَّمِّ. ومباحث ذلك في التَّالي لهذا. وقال النَّوويُّ: اتَّفقوا على الرَّدِّ على أهل الكتاب إذا سلَّموا لكن لا يقال لهم (٨): وعليكم السَّلام، بل يُقال لهم: عليكم فقط، أو وعليكم.
والحديثُ سبق في «كتاب الأدبِ» في «باب لم يكن النَّبيُّ ﷺ فاحشًا» [خ¦٦٠٣٠].
стр. 11008
٦٢٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكَ. فَقُلْ) في الرَّدِّ: (وَعَلَيْكَ) بالإفراد فيهما وبإثبات الواو في الثَّاني، وسقطت عند جميع رواة «الموطَّأ». نعم، أخرجه المؤلِّف في «استتابة المرتدِّين» من طريق يحيى القطَّان، عن مالكٍ والثَّوريِّ جميعًا، عن عبد الله بن دينارٍ بلفظ «قل: عليك» [خ¦٦٩٢٨] بغير واو، ولكن وقع في رواية السَّرخسيِّ وحده: «فقل: عليكم» بصيغة الجمع بغير واو أيضًا، وهو عند النَّسائيِّ من طريقِ ابن عيينة، عن عبد الله بنِ دينار بغير واو بصيغة الجمع. وقال النَّوويُّ: وقد جاءتِ الأحاديثُ في مسلم بالحذفِ، والأكثر بالإثباتِ، ويحتملُ أن تكون للعطف، وأن تكون للاستئناف كما مرَّ، واختارَ بعضهم الحذف؛ لأنَّ العطف يقتضِي التَّشريك، وتقريره (١): أنَّ الواو في مثل هذا التَّركيب تقتضِي تقرير الجملة الأولى، وزيادة الثَّانية عليها، كمن قال: زيدٌ كاتبٌ، فقلت: وشاعرٌ، فإنَّه يقتضي ثبوت الوصفين لزيدٍ. قال النَّوويُّ: والصَّواب أنَّ الحذف والإثبات جائزان، والإثبات أجودُ ولا مفسدةَ فيه؛ لأنَّ السَّام الموت وهو علينا وعليهم فلا ضررَ فيه. وقال البيضاويُّ: في العطف شيءٌ مقدَّرٌ، أي: وأقول (٢): عليكم ما تريدون بنا، أو ما تستحقُّون، وليس عطفًا (٣) على «عليكم» في كلامِهم وإلَّا لتضمَّن ذلك تقرير دُعائهم، ولذا قال: «فقل: عليك»، بغير واو، وقد (٤) روي بالواو أيضًا. قال الطِّيبيُّ: سواءٌ عطفَ على «عليكم» أو على الجملةِ من حيثُ هي؛ لأنَّ المعنى يدورُ مع إرادةِ المتكلِّم، فإذا أردتَ الاشتراك كان ذلك، وإذا (٥) لم تردْ حملتَ على معنى الحصول والوجود، كأنَّه قيل: حصل منهم ذاك ومنِّي هذا.
قال ابن الحاجبِ: حروف العطف هي الحروف الَّتي يُشرك بها بين المتبوع والتَّابع في الإعراب، فإذا وقعت بعدها المفرداتُ فلا إشكال، وإذا وقعت الجملُ بعدها، فإن كانت من
стр. 11009
الجمل الَّتي هي صالحةٌ لمعمول ما تقدَّم كان حُكمها حُكم المفرد في التَّشريك (١)، كقولك (٢): أصبحَ زيدٌ قائمًا وعمرو قاعدًا وشبهه، وإن كانت الجمل (٣) معطوفةً على غير ذلك، كقولك: قام زيدٌ وخرج عَمرو، فمثل ذلك المراد به حصولُ مضمون الجملتين حتَّى كأنَّه قال: حصل قيامُ زيدٍ وخروجُ عمرو، وبهذا يتبيَّن أنَّ معنى الواو على ما ذكرناه من تقدير حصولِ الأمرين، ثمَّ كلامه هذا على تقدير أن يكونا جملتين وعُطِفت إحدَاهما على الأخرى، وإذا عُطِفت على الخبرِ نظرًا إلى عطفِ الجملةِ على الجملةِ لا على الاشتراكِ جاز أيضًا.
قال ابنُ جنِّي في (٤) قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]: إنَّ (٥) قوله: ﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] عطفٌ على ﴿يَسْجُدَانِ﴾، وهو جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ، نحو قولك: قام زيدٌ وعمرو ضربته. وقال ابنُ الحاجب في «الأمالي» في قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]: الرَّفع فيه وجهان: أحدُهما أن يكون مشتركًا بينه وبين ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ (٦) في العطف، والآخر أن تكون جملةً مستقلَّةً معطوفةً على الجملة الَّتي قبلها باعتبارِ الجملةِ لا باعتبارِ الإفراد. وقال في «الشَّرح»: الرَّفع على الاشتراك أو على الابتداءِ بجملةٍ معربةٍ إعراب نفسها غير مشتركٍ بينها وبين ما قبلها في عاملٍ واحدٍ؛ إذ الجملة الاسميَّة لا تكون معطوفةً على جملةٍ فعليَّةٍ باعتبار التَّشريك، ولكن باعتبار الاستقلال. ذكره في «شرح المشكاة».
٦٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابن بشيرٍ الواسطيُّ السُّلميُّ، حافظ بغداد قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) يعني: جدَّه (¬﵁¬)
стр. 11010
أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) ﷺ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ) اليهودُ والنَّصارى (فَقُولُوا) لهم في الرَّدِّ: (وَعَلَيْكُمْ) وروي (٢) هذا الحديث بأتمَّ منه عن قتادةَ، عن أنسٍ، من طريق شُعبة -عند مسلمٍ وأبي (٣) داود والنَّسائيِّ- بلفظ إنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ قالوا: إنَّ أهل الكتاب يسلِّمون علينا، فكيف نردُّ عليهم؟ قال: «قُولُوا: وعليكُم». وفي مسلمٍ من حديث جابرٍ، قال: سلَّم ناسٌ من اليهود على النَّبيِّ ﷺ ، فقالوا: السَّام عليكم. قال: «وعليكُم». قالت عائشة وغضبت: أَوَلم تسمع ما قالوا؟ قال: «بَلَى، قَد رددْتُّ عليهِم نُجابُ فيهِم (٤)، ولَا يُجابونَ فينَا». وقال بعضُهم: يقول في الرَّدِّ: عليهم¬ السِّلام -بكسر السين-. واعترضهُ أبو عُمر بأنَّه لم يشرعْ لنا سبُّ أهل الذِّمَّة.
والحديثُ من أفراده.
(٢٣) (بابُ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ مَنْ يُحْذَرُ) مبني (٥) للمفعول (عَلَى المُسْلِمِين) منهُ (لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ).
стр. 11011
٦٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ) بضم الموحدة وسكون الهاء، التَّيميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله الأوديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين وفتح الموحدة، ختنُ أبي عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ) بضم السين وفتح اللام (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ وَأَبَا مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة (الغَنَوِيَّ) بفتح الغين المعجمة والنون وكسر الواو، وسبق في «الجهاد» بدل قوله هنا: أبا مرثدٍ والمقداد (١) [خ¦٣٠٠٧] ولا منافاةَ لاحتمالِ اجتماعهما؛ إذ التَّخصيصُ بالذِّكر لا ينفِي الغيرَ (وَكُلُّنَا فَارِسٌ فَقَالَ: انْطَلِقُوا) بكسر اللام (حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بمعجمتين بينهما ألف، موضعٌ بين مكَّة والمدينة (فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ) اسمها سارة (مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ) أي (٢) إلى ناسٍ (٣) من المشركين ممَّن بمكَّة، كما في رواية «سورة الممتحنة» [خ¦٤٨٩٠] (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: قُلْنَا) لها: (أَيْنَ الكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا) جملها (فَابْتَغَيْنَا) فطلبنَا الكتاب (فِي رَحْلِهَا) بالحاء المهملة، في مَتاعها (فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، قَالَ صَاحِبَايَ) الزُّبير وأبو مرثدٍ: (مَا نَرَى كِتَابًا. قَالَ) عليٌّ: (قُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالَّذِي يُحْلَفُ (٤) بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ) بضم الفوقية وكسر الراء والجيم وتشديد النون (أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ) من ثيابك (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ مِنِّي) بكسر الجيم
стр. 11012
وتشديد المهملة (أَهْوَتْ بِيَدِهَا إِلَى حُجْزَتِهَا) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاي، معقِد إزارها (وَهْيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتِ الكِتَابَ).
فإن قلتَ: سبق في «باب الجاسوس» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٧] أنَّها أخرجته من عِقَاصها، أي: شعرها، وهنا قال: من حُجزتها. أُجيب بأنَّه ربَّما كان في الحجزة أوَّلًا فأخرجتْه وأخفتْه (١) في العقاصِ فأخرج منها ثانيًا أو بالعكس.
(قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لحاطبٍ: (مَا حَمَلَكَ يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ (٢)) بكسر الهمزة وتشديد اللام، على الاستئناف (٣)، وللكُشميهنيِّ: «أن لا» بفتح الهمزة (وَمَا غَيَّرْتُ) ديني، يريد أنَّه لم يرتدَّ عن الإسلام (٤) (وَلَا بَدَّلْتُ) بتشديد المهملة (أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ) منَّةٌ ونعمةٌ (يَدْفَعُ اللهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي) الَّذي بمكَّة (وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ) أحدٌ له (هُنَاكَ) أهلٌ أو مالٌ (إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ) ﷺ : (صَدَقَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ) بالنصب والفاء أوله، وللكُشميهنيِّ: «أضرب» بإسقاط الفاء والجزم (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَقَالَ) ﷺ : (يَا عُمَرُ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) الَّذين شاهدوا وقعتَها (فَقَالَ) مخاطبًا لهم خطاب تكريمٍ: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ) بالمغفرةِ في الآخرة، وإلَّا فلو توجَّه على أحدٍ منهم حدٌّ أو حقٌّ استُوفي (٥) منه في الدُّنيا (قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) وقولُ عمر ﵁ مع قوله ﷺ : «لا تقولوا له إلَّا خيرًا» يحملُ على أنَّه لم يسمعْ ذلك، أو كان قوله قبل قولِ النَّبيِّ ﷺ قاله السَّفاقسيُّ، ويحتملُ أن يكون عمر لشدَّته في أمرِ الله حملَ النَّهي على ظاهرهِ من (٦) منع القول السَّيِّئِ له، ولم ير ذلك مانعًا من إقامةِ ما وجب عليه من العقوبةِ للذَّنب الَّذي ارتكبَه، فبيَّن ﷺ
стр. 11013
أنَّه صادقٌ في اعتذارهِ، فإنَّ الله عفا عنه، وفيه جوازُ النَّظر في كتاب الغيرِ إذا كان طريقًا إلى دفعِ مفسدةٍ هي أكبرُ (١) من مفسدةِ النَّظر، فحديث ابن عبَّاسٍ المرويُّ عند أبي داود بسندٍ ضعيفٍ «مَن نظرَ في كتابِ أخيهِ بغيرِ إذنهِ، فكأنما ينظرُ في النَّار» إنَّما هو في حقِّ مَن لم يكن متَّهمًا على المسلمين، وأمَّا مَن كان متَّهمًا فلا حُرمة له، والحاصل: أنَّه يخصُّ منه ما يتعيَّن طريقًا إلى دفعِ المفسدةِ، كما مرَّ.
والحديثُ مرَّ مرارًا (٢) [خ¦٣٠٠٧] [خ¦٤٨٩٠].
(٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (كَيْفَ يُكْتَبُ الكِتَابُ إِلَى أَهْلِ الكِتَابِ؟) اليهود والنَّصارى، وسقط لفظ «الكتاب» الأوَّل لأبي ذرٍّ.
٦٢٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ (أَبُو الحَسَنِ) قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخرَ (بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ) لقبه قيصر (أَرْسَلَ إِلَيْهِ) حال كونه (فِي) أي: معَ (نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا) بكسر الفوقية وتخفيف الجيم (بِالشَّأْمِ، فَأَتَوْهُ فَذَكَرَ الحَدِيثَ) السَّابق في أوَّل هذا الجامع [خ¦٧] وفي مواضع أُخر [خ¦٣١٧٤] إلى أن (قَالَ: ثُمَّ دَعَا) هرقل مَن يأتيه (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهلِ (الرُّومِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ … ) الحديثُ
стр. 11014
إلى آخرهِ، وليس المراد منه التَّحيَّة؛ لأنَّه لم يُسْلِم، فليس هو ممَّن اتَّبع الهدى فهو سلامٌ مقيَّدٌ لا تَمَسُّكَ به لمن أجازَ مكاتبة أهل الكتاب بالسَّلام عند الحاجة، وفيه جواز كتابة البسملةِ إلى أهل الكتاب، وتقديمُ اسم الكاتب (١) على المكتوبِ إليه.
(٢٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (بِمَنْ يُبْدَأُ فِي الكِتَابِ)؟ بضم التحتية وسكون الموحدة وفتح المهملة، أي: بنفسهِ، أو بالمكتوب إليه.
٦٢٦١ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب المفرد»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ (٢) بْنُ رَبِيعَةَ) الكنديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرجِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسْلفه ألفَ دينارٍ إلى أجلٍ (٣) فقال: ائتني بكفيلٍ، قال: الله فأعطاهُ الألف، فلمَّا بلغَ الأجلَ وأرادَ الخروج إليه وحبسه الرِّيح (أَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) أي: فحفرها (فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ) الَّذي أقرضه، وهو النَّجاشيُّ كما مرَّ في «الكفالة» [خ¦٢٢٩١] (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِيهِ) أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن أبي هريرة» يقول: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَجَرَ خَشَبَةً) بالنون والجيم المفتوحتين والراء، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «نقر خشبةً» بالقاف (فَجَعَلَ المَالَ) وهو الألف دينارٍ (فِي جَوْفِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ) فقدَّم الكاتب اسمَه على المكتوب له، ولعلَّ البخاريَّ خصَّ سياق هذا الحديث لعدم وجدانهِ ما هو على شرطهِ، وهو على قاعدتهِ في الاحتجاج
стр. 11015
بشرعِ مَن قبلنا؛ إذا لم يُنكر (١) ولا سيَّما إذا ذُكِر في مقام المدحِ لفاعله.
وعند أبي داود من طريق ابنِ سيرين، عن أبي العلاءِ بن الحضرميِّ، عن العلاء أنَّه كتب إلى النَّبيِّ ﷺ فبدأَ بنفسه.
(٢٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ).
٦٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ، قاضي المدينة (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة وفتح النون وبعد التحتية الساكنة فاء، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁ (أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ) بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة، قبيلةٌ من يهود (نَزَلُوا) مَن حصنِهم بعد أن حاصرهم النَّبيُّ ﷺ (عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ) هو ابنُ معاذٍ (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ) وكان وجعًا لما رُمي في أكحَلِه (فَجَاءَ فَقَالَ) ﷺ للأنصار خاصَّةً، أو لجميع مَن حضرَ من المهاجرين معهم: (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ -أَوْ قَالَ: خَيْرِكُمْ-) توقيرًا وإكرامًا له، ففيه إكرامُ أهل الفضلِ من علمٍ، أو صلاحٍ، أو شرفٍ بالقيام لهم، أو المراد: قوموا إليه لتُعينوه على النُّزول عن (٢) الحمار، وترفَّقوا به فلا يصيبه ألمٌ، وحذرًا من انفجارِ عرقه، قاله التُّوربشتيُّ. قال: ولو أراد الإكرام لقال: لسيِّدكم باللَّام بدل إلى. وأجاب الطِّيبيُّ: بأنَّ إلى في هذا المقام أفخم من اللَّام، كأنَّه قيل: قوموا واذهبُوا إليه تلقِّيًا وكرامةً يدلُّ عليه ترتُّب الحكم على الوصفِ المناسب المشعرِ بالعلِّية، فإن قوله: «إلى
стр. 11016
سيِّدكم» علَّة للقيام له، وليس ذلك إلَّا لكونه شريفًا كريمًا عليَّ القدرِ. انتهى.
نعم، في «مسند أحمد»: عن عائشة، من طريق علقمة بن وقَّاصٍ، عنها في قصَّة غزوة بني قُريظة، وقصَّة سعد بن معاذٍ: فلمَّا طلع، قال النَّبيُّ ﷺ : «قُومُوا إلَى سيِّدِكُم فأنزِلُوهُ» وسنده حسنٌ، وهذه الزِّيادة تخدش في الاستدلال بقصَّة سعدٍ على مشروعيَّة القيام المتنازعِ فيه، وقد منع قومٌ القيام تمسُّكًا بحديث أبي أمامة: خرج علينا النَّبيُّ ﷺ متوكِّئًا (١) على عصا فقمنَا له (٢) فقال: «لَا تقُومُوا كمَا تقُومُ الأعاجِمُ بعضُهُم لبعضٍ» وأُجيب بضعفهِ واضطرابِ سنده، وفيه مَن لا يُعرف. وفي حديث عبد الله بن بُريدة، عن معاوية -عند الحاكم-: «ما من رجلٍ يكون على النَّاس يقومُ على رأسه الرِّجال يحبُّ أن تكثرَ عنده الخصومُ فيدخلُ الجنَّة». وعند أبي داود عن معاويةَ سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن أحبَّ أن يتمثَّلَ له الرِّجالُ قيامًا فليتبَوَّأَ مقعدَهُ منَ النَّارِ»، وسئل مالكٌ عن المرأةِ تبالغُ في إكرامِ زوجها، فتتلقَّاه، وتنزعُ ثيابهُ، وتقفُ حتَّى يجلس، فقال: أمَّا التَّلقِّي فلا بأسَ به، وأمَّا القيام حتَّى يجلسَ فلا، فإنَّ هذا فعلُ الجبابرةِ.
وأجاب الخطَّابيُّ عن قوله: «مَن أحبَّ أن يُقام له»، أي: بأن يُلزمهم بالقيام له صفوفًا على طريق الكبرِ. وقال غيره: إنَّ المنهيَّ عنه أن يُقام عليه وهو جالسٌ. وعُورض بأنَّ سياق حديثِ معاوية على خلاف ذلك، وإنَّما يدلُّ على أنَّه كره القيامَ له لمَّا خرج تعظيمًا له، وبأنَّ هذا لا يُقال له: القيام للرَّجل، وإنَّما هو القيامُ على رأس الرَّجل، أو عند الرَّجل. انتهى.
وفي حديث أنسٍ عند الطَّبرانيِّ قال: «إنَّما هلكَ مَن كانَ قبلَكُم، فإنَّهم عظَّموا مُلُوكهم بأنْ قاموا وهم قعودٌ»، وعن أبي الوليد بن رشدٍ (٣) إنَّ القيامَ يكون على أربعة أوجهٍ: محظورٌ لمن يريدُ أن يُقام له تكبُّرًا وتعظيمًا على القائمين له. ومكروهٌ لمن لا يتكبَّر ولا يتعاظم ولكن يخشى أن يدخلَ نفسه بسبب ذلك ما يحذرُ (٤)، ولِمَا فيه من التَّشبُّه بالجبابرة، وجائزٌ على
стр. 11017
سبيلِ الاحترامِ والإكرام لمن لا يريدُ ذلك ويؤمن معه التَّشبُّه (١) بالجبابرةِ، ومندوبٌ لمن قدمَ من سفرٍ (٢) فرحًا بقدومه ليسلِّم عليه، أو إلى مَن تجدَّدت له نعمةٌ فيهنِّئه بحصولها، أو مصيبةٌ فيعزِّيه بسببهَا، أو لحاكمٍ (٣) في محلِّ ولايته، كما دلَّ عليه قصَّة سعدٍ، فإنَّه لَمَّا استقدمه النَّبيُّ ﷺ حاكمًا في بني قُريظة فرآه مُقبلًا، قال: «قُومُوا إلى سيِّدِكُم» وما ذاك إلَّا ليكون أنفذَ لحكمه، فأمَّا اتِّخاذه ديدنًا فإنَّه من (٤) شعار العجمِ، وقد جاء في «السُّنن»: أنَّه لم يكن أحبَّ إليهم من رسولِ الله ﷺ ، وكان إذا جاءَ لا يقومون له لِما يعلمون من كراهيته (٥) لذلك. والله الموفق.
ومباحثُ المسألة فيها طولٌ يخرج عن الغرض، ولشيخ الإسلام النَّوويِّ جزءٌ في ذلك، ولأبي عبد الله بن الحاجِّ في ذلك كلامٌ متينٌ جليلٌ، والله يهدينَا سواء السَّبيل، والشَّكُّ في قوله: «أو قال: خيركم»، من الرَّاوي.
(فَقَعَدَ) سعدٌ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ) له: يا سعدُ (هَؤُلَاءِ) أهل قُريظة (نَزَلُوا) من حِصنهم (عَلَى حُكْمِكَ. قَالَ) سعدٌ: (فَإِنِّي أَحْكُمُ) فيهم (أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ (٦)) أي: الطَّائفة المقاتلة من الرِّجال (وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ) بالمعجمة وتشديد التحتية وتخفف، جمع ذرِّيَّة، أي: النِّساء والصِّبيان (فَقَالَ) له ﷺ : (لَقَدْ حَكَمْتَ (٧)) فيهم (بِمَا حَكَمَ بِهِ المَلَِكُ) جلَّ وعلا، بكسر اللام وهو الله، وروي بفتحها، أي: بحكمِ (٨) جبريل الَّذي جاء به من عند الله.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف ﵀: (أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي) قال في «فتح الباري»: يُحتمل أن يكون محمَّد بن سعدٍ (٩) كاتب الواقديِّ فإنَّه أخرجه في «الطَّبقات» (عَنْ أَبِي الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيِّ، شيخ المؤلِّف في هذا الحديث بسنده (مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ
стр. 11018
من (١) أوَّل الحديث (إِلَى) قوله فيهِ: على (حُكْمِكَ). وقال في «الكواكب» أي: قال البخاريُّ: سمعتُ أنا من أبي الوليدِ على حكمكَ، وبعض الأصحاب نقلوا عنه إلى، بحرفِ الانتهاء، بدل حرف الاستعلاء.
والحديثُ مضى في «الجهاد» [خ¦٣٠٤٣] و «فضل سعدٍ» [خ¦٣٨٠٤] وفي «المغازي» [خ¦٤١٢١].
(٢٧) (بابُ) مشروعيَّة (المُصَافَحَةِ) وهي الإفضاءُ بصفحةِ اليد إلى صفحةِ اليد (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبدُ الله ﵁: (عَلَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ التَّشَهُّدَ، وَكَفِي بَيْنَ كَفَّيْهِ) وصله المؤلِّف في الباب الَّذي بعد [خ¦٦٢٦٥]، وسقط هذا لأبي ذرٍّ (وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) في قصَّة تخلُّفه عن تبوك (دَخَلْتُ المَسْجِدَ) أي: بعد أن تيبَ عليه (فَإِذَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَامَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (٢) (طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) حال كونهِ (يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي) بتوبة الله عليَّ.
وهذا قطعةٌ من حديثٍ سبق موصولًا في «غزوة تبوك» [خ¦٤٤١٨].
٦٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، ابن عبد الله البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ) ﵁: (أَكَانَتِ المُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ). وعن أبي أمامة عند التِّرمذيِّ بسندٍ فيه ضعفٌ رفعه (٣) «تمامُ تحيَّتكم بينكم المصافحة». وفي «الأدب المفرد» بسندٍ صحيحٍ عن أنس
стр. 11019
رفعه: «قَد أقبلَ أهلُ اليمنِ وهُم أوَّلُ مَن جاءَ بالمصافحَةِ». وفي حديث أنسٍ، قيل: يا رسول الله الرَّجل يلقى أخاه أينحنِي له؟ قال: «لَا» قال: فيأخذهُ بيده ويصافحُه؟ قال: «نعم». أخرجه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ. وعن البراء عند أبي داود والتِّرمذيِّ رفعهُ: «مَا مِن مسلمَينِ يلتقِيَانِ فيتصافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لهمَا قبلَ أن يتفرَّقَا». وزاد فيه ابن السُّنِّيِّ: «وتكاشرا بودٍّ ونصيحةٍ»، وفي روايةٍ لأبي داود: «وحمدا الله واستغفرَاه» فالمصافحة سنَّةٌ مُجمعٌ عليها عند التَّلاقي، كما قاله النَّوويُّ، لكن يُستثنى من ذلك المرأةُ الأجنبيَّة، والأمرد الحسن.
والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الاستئذان».
٦٢٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجُعْفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (١) المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة، ابن شريحٍ (٢) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين المهملة وكسر القاف (زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ) بضم الزاي وسكون الهاء، و «مَعْبَد» بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة، أنَّه (سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ هِشَامٍ) أي: ابن زهرة بن عثمان، من بني تمِيمِ بن مرَّة: (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ) بمدِّ الهمزة (بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) الحديثُ، اقتصرَ منه على الغرض هنا؛ لأنَّ الأخذ باليدِ يستلزمُ التقاء صفحة اليد بصفحةِ اليد غالبًا.
وساقهُ بتمامه في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٣٢].
(٢٨) (بابُ الأَخْذِ بِاليَدَيْنِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي بالإفراد، ولمَّا كان
стр. 11020
الأخذُ باليد يجوزُ أن يقعَ من غير حصول مصافحةٍ أفردَه بهذا الباب (وَصَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ابْنَ المُبَارَكِ) عبد الله المروزيَّ (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية، وصله غُنجارٌ في «تاريخ بُخْارى» من طريقِ إسحاق بن أحمد بنِ خلف.
٦٢٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سَيْفٌ) بسينٍ مهملة مفتوحة وتحتية ساكنة بعدها فاء، ابن سليمان، أو ابن أبي سليمانَ المخزوميُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابنُ جبرٍ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ) بفتح المهملة والموحدة بينهما معجمة ساكنة وبعد الراء هاء تأنيث (أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، الأزديُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ (يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (١) (¬ ﷺ وَكَفِي بَيْنَ كَفَّيْهِ) بالتَّثنية، وهو الأخذُ باليدينِ، فيُطابق (٢) التَّرجمة، والجملةُ حاليَّة من ضميرِ المفعول في «علَّمني» معترضة بين الفاعل والمفعول الثَّاني، وهو قوله: (التَّشَهُّدَ) وعندَ ابن أبي شيبة بتقديم التَّشهد على الجملةِ الحاليَّة (كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ) «ما» مصدريةٌ والكاف نعتٌ (٣) لمصدرٍ محذوفٍ، أي: يعلِّمني التَّشهُّد تعليمًا مثل تعليم (٤) السُّورة، واختارَ ابن مالكٍ أن تكون الكاف حالًا من المصدرِ المفهوم من الفعلِ المتقدِّم المحذوف بعد الإضمارِ على طريق الاتِّساع تقديره يعلِّمني التَّعليم مثل ما يعلِّمني السُّورة (٥) (مِنَ القُرْآنِ) «من» (٦)
стр. 11021
للتَّبعيض، أو لبيانِ الجنس؛ لأنَّ كلَّ سورةٍ منه قرآنٌ، ويتعلَّق حرف الجرِّ بحالٍ من السُّورة، أي: السُّورة كائنةٌ من القرآن (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ، تَفعلة، من الحياة بمعنى الإحياء والتَّبقية الدَّائمة، و «التَّحيَّات» مبتدأ، و «لله» الخبر، والجملةُ إلى آخرها محكيَّةٌ بدلًا من التَّشهُّد؛ أعني: مفعول «علَّمني» أو مفعولًا بفعلٍ مقدَّر على الحكاية يدلُّ عليه (١) ما قبله؛ أي: علَّمني (٢) التَّحيَّات لله … إلى آخره (٣)، أي: هذا اللَّفظ أو يقدَّر (٤) قال، قبل التَّحيَّات لله، فتكون الجملة إلى آخر الحديث معمولة للقول المقدَّر (وَالصَّلَوَاتُ) قيل: المعهودات في الشَّرع، فيقدَّر (٥) واجبة لله، وإن أُريد بها رحمتَه الَّتي تفضَّل بها على عبادِه، فيقدَّر كائنة، أو ثابتة لعباد الله، فيقدرُ مضاف محذوفٌ (وَالطَّيِّبَاتُ) بحرف العطف (٦) وقدِّم لله عليهما، فيُحتمل أن يكونا مَعطوفين على التَّحيَّات، ويُحتمل أن تكون «الصَّلوات» مبتدأٌ وخبرها محذوفٌ، و «الطَّيِّبات» عطف عليها، والواو الأولى لعطف الجملةِ على الجملة الَّتي قبلها، ولأبي ذرٍّ حذف الواو من «والطَّيِّبات» فتكون صفةً للصَّلوات (٧) (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) بالألف واللام للجنسِ، ويدخل فيه المعهودُ (وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) معطوفان على السَّلام (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) جملةٌ في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ على تقدير الباء، أي: بأن لا، و «أن» مخفَّفة من الثَّقيلة، واسمها ضمير منصوب محذوفٌ، والجملة بعدها خبرُها، والتَّقدير: أشهدُ أنَّه (٨) لا إله إلَّا الله (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) عطفٌ على سابقه، ورسول فعول، بمعنى مرسل، وفعول بمعنى مُفْعل قليل. قال ابن عطيَّة: العربُ تُجري رسول مُجرى المصدر، فتصف به
стр. 11022
الجمع والواحد والمؤنَّث (١)، ومنه ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) [الشعراء: ١٦] (وَهْوَ) ﷺ (بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا) بفتح النون وسكون التحتية بعدها نون أخرى بالتَّثنية، أي: ظهري المتقدِّم والمتأخِّر، أي: كائن بيننا، فزيدت الألف والنون للتَّأكيد (فَلَمَّا قُبِضَ) توفِّي ﷺ (قُلْنَا: السَّلَامُ) قال البخاريُّ: (يَعْنِي: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) يعني تركوا الخطابَ، وذكروهُ بلفظ الغيبة. وفي الحديثِ الأخذُ باليد، وهو مبالغةٌ في المصافحة، وهو مستحبٌّ.
واختلف (٣) في تقبيلِ اليد فأنكرهُ مالكٌ، وأجازه آخرون، وحملوا إنكار مالكٍ له على ما إذا كان على وجه التَّكبُّر، فإن كان لزهدٍ، أو صلاحٍ، أو علمٍ، أو شرفٍ فجائزٌ بل مستحبٌّ (٤)، وفي حديثِ أسامة بن شريكٍ عند أبي داود بسندٍ قويٍّ، قال: قمنَا إلى النَّبيِّ ﷺ فقبَّلنا يده. وفي حديث بريدة (٥) -عنده- في قصَّة الأعرابيِّ والشَّجرة، فقال (٦): يا رسولَ الله ائذن لي أن أقبِّل رأسكَ ورجليك، فأذن له. فلو كان التَّقبيل لغِنًى أو وَجاهةٍ في الدُّنيا كُرِه. وقال المتولِّي: لا يجوز. وللحافظ أبي بكر ابن المقرئ جزءٌ في تقبيل اليد، وفي الغرضِ جمع كتابٍ حافلٍ في السَّلام والقيام والمصافحةِ والتَّقبيل والمعانقة، أعانَني الله عليه في عافيةٍ.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(٢٩) (بابُ) حكمُ (المُعَانَقَةِ) وهي: مفاعلةٌ، من عانق الرَّجلُ الرَّجلَ (٧) إذا جعل يديهِ على عُنقه وضمَّه إلى نفسه، وليس في حديث الباب ذكرٌ للمعانقةِ. نعم، سبق ذكرها في «البيوع» في مُعانقته ﷺ للحسن [خ¦٢١٢٢]. فيحتملُ (٨) -كما نقلَه ابن بطَّالٍ عن المهلَّب- أنَّه قصد أن يسوقَه هنا
стр. 11023
فلم يستحضرْ له غير السَّند السَّابق، وليس من عادته غالبًا إعادة السَّند الواحد فأدركَه الموتُ قبل أن يقع له ما يُوافق ذلك، فصار ما ترجم له بالمعانقة (١) خاليًا (٢) من الحديثِ، وبعده (٣): بابُ قولِ الرَّجل كيف أصبحت؟ فظنَّ (٤) الكاتبُ الأوَّل لما لم يجدْ بينهما حديثًا أنَّ الباب معقودٌ لهما فجمعهما، لكنَّ لفظ المعانقة والواو بعدها إنَّما ثبت (٥) لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ وسقط (٦) لغيره، وفي نسخةِ الحافظ عبد المؤمن الدِّمياطيِّ مضروبٌ (٧) عليهما، وعلى هذا فلا إشكالَ كما لا يخفى (وَقَوْلِ الرَّجُلِ) بالجرِّ عطفًا على السَّابق الآخر (كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟).
٦٢٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه كما جزم به في «الفتح»، أو ابنُ منصورٍ كما قاله الكِرْمانيُّ بلفظ لعلَّه، قال: (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شُعيب بنُ أبي حمزة، دينار القرشيُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد
стр. 11024
بن مسلمِ ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ) أي ابنُ مالكٍ الأنصاريُّ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا -يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ-) ﵁ (خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط قوله: «قال أخبرني عبدُ الله بن كعبٍ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.
قال البخاريُّ (ح) (١): (وَحَدَّثَنَا) بإثبات واو العطف على السَّابق لأبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن الطَّبريِّ المصريُّ الثِّقة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بعين مهملة وموحدة مفتوحتين بينهما نون ساكنة وبالسين المهملة آخره تاء (٢) تأنيث، ابن خالدٍ الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريُّ، وقد ثبت سماع الزُّهريِّ من عبدِ الله بن كعبٍ، كما مرَّ في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٤٧] (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّي فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ) له: (يَا أَبَا حَسَنٍ (٣) كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا) بالهمز في الفرع كأصله. قال ثابتٌ: هذا على لغةِ أهلِ الحجاز، يقولون (٤): برأتُ من المرض، وتميمٌ يقولون: برِيت -بالكسر- يعني بغير همزٍ، كما (٥) يُروى باريًا بغير همزٍ، فيصحُّ أن يكون على اللُّغتين جميعًا (فَأَخَذَ بِيَدِهِ) بيدِ عليٍّ (العَبَّاسُ فَقَالَ) له: (أَلَا تَرَاهُ) ﷺ ، أي: ميِّتًا، أي: فيه علامة الموت، أو الضَّمير للشَّأن؛ لأنَّ الرُّؤية ليست بصريَّة (أَنْتَ وَاللهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ) ولأبي ذرٍّ: «بعد ثلاثٍ» أي: بعد ثلاثة أيَّامٍ (عَبْدُ العَصَا) أي: تصير مأمور الغير (٦) بموته ﷺ وولايةِ غيره (وَاللهِ إِنِّي لأُرَى) بضم الهمزة، لأظُنُّ (رَسُولَ اللهِ ﷺ سَيُتَوَفَّى) على صيغة المجهول (فِي وَجَعِهِ) هذا (وَإِنِّي لأَعْرِفُ فِي وُجُوهِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ المَوْتَ) أي: علامتهُ (فَاذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَسْأَلَهُ فِيمَنْ يَكُونُ الأَمْرُ) أي: الخلافة بعده (فَإِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا أَمَرْنَاهُ) قال
стр. 11025
السَّفاقسيُّ: آمرناه، بمدِّ الهمزة، أي: شاورناهُ. قال: والمشهورُ القصر، أي: طلبنا منه، وفيه أنَّ الأمرَ لا يشترط فيه العلوُّ ولا الاستعلاء. قال في «الفتح»: ولعلَّه أراد أن يؤكِّد عليه في السُّؤال حتَّى يصير كأنَّه آمرٌ له بذلك (فَأَوْصَى بِنَا) الخليفة بعده (قَالَ عَلِيٌّ: وَاللهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا) أي: الخلافة (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَمْنَعُنَا) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فمنعناها» أي: الخلافة (لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَبَدًا).
ولم يقع في الحديث أنَّ اثنين تلاقيا، فقال أحدُهما للآخر: كيف أصبحت؟ بل فيه أنَّ مَن حضرَ عند بابه ﷺ سأل عليًّا لمَّا خرج من عند النَّبيِّ (١) ﷺ عن حاله ﵊ فأخبر بقوله: بارئًا. نعم، أخرج البخاريُّ في «الأدب المفرد» من حديث جابرٍ، قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : كيف أصبحتَ؟ قال: «بخيرٍ».
وأمَّا المعانقة: ففي حديث أبي ذرٍّ من طريق رجلٍ من عَنَزَة لم يُسمَّ، قال: قلتُ: هل كان رسول الله ﷺ يُصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قطُّ إلَّا صافحني، وبعث إليَّ ذات يومٍ فلم أكنْ في أهلي، فلمَّا جئتُ أُخبرت أنَّه أرسل إليَّ، فأتيتُه وهو على سريره فالتزمَني فكانت أجود وأجود. رواه الإمام أحمد ورجالهُ ثقاتٌ إلَّا الرَّجل المبهم، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ: كانوا إذا تلاقوا تصافَحوا، وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا.
وفي حديث عائشة لمَّا قدم زيدُ بن حارثة المدينةَ ورسول الله ﷺ في بيتي فقرعَ الباب فقامَ إليه النَّبيُّ ﷺ عريانًا يجرُّ ثوبه فاعتنقَه وقبَّله. قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. وعن (٢) أبي الهيثم بن التَّيِّهان: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لقيهُ فاعتنقهُ وقبَّله. رواه قاسم بن أصبغ، وسنده ضعيفٌ.
وأمَّا حديث طاوس عن ابن (٣) عبَّاسٍ لمَّا قدم جعفر من الحبشة اعتنقهُ النَّبيُّ ﷺ . فقال الذَّهبيُّ في «ميزانه»: هذه الحكايةُ باطلةٌ وإسنادها مظلمٌ.
وحديثُ الباب سبق في أواخر «المغازي» في «باب مرض النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٤٤٤٧].
стр. 11026
(٣٠) (بابُ مَنْ أَجَابَ) من ناداهُ أو سألهُ (بِلَبَّيْكَ) أي: أنا مقيمٌ على طاعتكَ (وَسَعْدَيْكَ) إسعادًا لك بعد إسعادٍ.
٦٢٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بالتَّشديد، ابنُ يحيى البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ (عَنْ مُعَاذٍ) هو ابنُ جبلٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ) يا رسول الله (ثُمَّ قَالَ مِثْلَهُ ثَلَاثًا) تأكيدًا للاهتمامِ بما يخبر به، ثمَّ قال: (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟) قال معاذ: (قُلْتُ: لَا) وفي «باب إرداف الرَّجل خلف الرَّجل» من أواخر «اللِّباس»: قلت: الله ورسوله أعلم [خ¦٥٩٦٧] (قَالَ: حَقُّ اللهِ عَلى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ) يا رسول الله (قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ) وهو من باب المشاكلة، كقوله: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالأولى حقيقة والثَّانية لا، وإنَّما سمِّيت سيِّئةً؛ لأنَّها مجازاةً لسوءٍ، أو لأنَّه (١) لمَّا وعد به تعالى ووعده الصِّدق صار حقًّا من هذه الجهة (إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟) الحقَّ الَّذي له تعالى عليهم المفسَّر بأن يعبدوهُ ولا يشركوا به شيئًا. زاد في رواية الباب المذكور (٢): قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقُّ العباد على الله» [خ¦٥٩٦٧] (أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) أي: هو أن لا يعذِّبهم.
ومطابقةُ الحديث لِما تُرجم له لا خفاءَ فيها.
стр. 11027
وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ) بن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ مُعَاذٍ بِهَذَا) الحديث السَّابق.
٦٢٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهرانَ قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجهنيُّ، أبو سليمان الكوفيُّ، هاجرَ ففاتته رؤية رسولِ الله (١) ﷺ بأيَّامٍ، قال: (حَدَّثَنَا وَاللهِ أَبُو ذَرٍّ) جندب الغفاريُّ (٢) (بِالرَّبَذَةِ) بفتح الراء والموحدة والمعجمة، موضعٌ على ثلاث مراحل من المدينة، وذكر زيدٌ القَسَم تأكيدًا ومبالغةً دفعًا لما قيل له: إنَّ الرَّاوي لهذا الحديث أبو الدَّرداء لا أبو ذرٍّ، كما يشعر به آخر الحديث (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ عِشَاءً) أرض ذات حجارةٍ سُوْدٍ بها (اسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ) بفتح اللام، مسندًا إلى «أُحد»، و «أُحد» رُفع على الفاعليَّة، جبلٌ بالمدينة، وللأَصيليِّ: «استقبلْنا» بسكون اللام، مسندًا إلى ضمير المتكلِّمين، و «أحدًا» نصب على المفعوليَّة (فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا) الجبل المذكور (لِي ذَهَبًا) نصبٌ على التَّمييز
стр. 11028
(يَأْتِي عَلَيَّ) بتشديد التَّحتية (لَيْلَةٌ -أَوْ ثَلَاثٌ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ) ولأبي ذرٍّ: «دينارًا» بالنَّصب (إِلَّا أَرْصُدُهُ (١)) بفتح الهمزة وضم الصاد، ولأبي ذرٍّ: بضم الهمزة وكسر الصاد من الرُّباعي، والاستثناء مفرَّغ، وللأَصيليِّ: «لا أرصِده» بكسر الصاد، أي: لا أعدُّه (لِدَيْنٍ) صفة لـ «دينار» (إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ) أي: أصرفهُ (فِي عِبَادِ اللهِ) أي: أنفقهُ عليهم (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) يمينًا وشمالًا وقدامًا (وَأَرَانَا) أبو ذرٍّ (بِيَدِهِ) ذلك (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (يَا أَبَا ذَرٍّ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الأَكْثَرُونَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (إِلَّا مَنْ قَالَ) صرفَ المال في عباده (هَكَذَا وَهَكَذَا. ثُمَّ قَالَ لِي): الزمْ (مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ) منه (يَا أَبَا ذَرٍّ حَتَّى أَرْجِعَ) إليك (فَانْطَلَقَ) ﷺ (حَتَّى غَابَ عَنِّي، فَسَمِعْتُ صَوْتًا فَخَشِيتُ) (٢) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٣): «فتخوَّفت» (أَنْ يَكُونَ عُرِضَ) مبني (٤) للمفعول مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: ظهرَ عليه، أو أصابهُ آفةٌ (فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لَا تَبْرَحْ. فَمَكُثْتُ) فلمَّا جاء ﷺ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُ صَوْتًا خَشِيتُ) بالمعجمتين، أي: خفتُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «حسبت» بالحاء والسين المهملتين والموحدة (أَنْ يَكُونَ عُرِضَ لَكَ) بضم العين (ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَكَ) لا تبرَح (فَقُمْتُ) أي: فوقفتُ أو فأقمتُ موضعي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ذَاكَ) الَّذي سمعت (جِبْرِيلُ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) قال أبو ذرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) يدخل الجنَّة (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ) ﷺ يدخُلها: (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) قال الأعمشُ -بالإسناد السَّابق-: (قُلْتُ لِزَيْدٍ) أي: ابنُ وهبٍ المذكور: (إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ) أي: راوي الحديث (أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَقَالَ) زيدٌ: (أَشْهَدُ لَحَدَّثَنِيهِ) أي: الحديث المذكور (أَبُو ذَرٍّ) جندب (بِالرَّبَذَةِ) وأدخل اللَّام في لحدَّثنيه؛ لأنَّ الشَّهادة في حكمِ القسم (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهرانَ، بالسَّند المذكور (٥): (وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر (نَحْوَهُ) أي (٦) نحو الحديث الماضي (وَقَالَ أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه
стр. 11029
الحنَّاط، بالمهملتين والنون المشددة، ممَّا سبق موصولًا في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٨٨] (عَنِ الأَعْمَشِ) أي: عن زيد بن وهبٍ، عن أبي ذرٍّ (يَمْكُثُ عِنْدِي فَوْقَ ثَلَاثٍ) بدل قوله: «يَأتي (١) عليَّ ليلة أو ثلاث عندي منه دينارٌ».
والحديثُ سبق في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٨].
(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ (٢)) خبرٌ معناه النَّهي.
٦٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ابن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ (٣)، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ) وفي رواية اللَّيث عند مسلمٍ بلفظ النَّهي المؤكَّد بالنُّون وظاهر النَّهي التَّحريم، فلا يُصرف عنه إلَّا بدليلٍ، وزاد ابن جُريج، عن نافعٍ ممَّا في «كتاب الجمعة» قلتُ لنافعٍ: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها [خ¦٩١١]، ولفظ الحديث وإن كان عامًّا لكنَّه مخصوصٌ بالمجالس المباحة إمَّا على العمومِ كالمساجد ومجالسِ الحكَّام والعلم (٤)، وإمَّا على الخصوصِ كمن يدعو قومًا بأعيانهم إلى منزلهِ لوليمةٍ ونحوها، وأمَّا المجالس الَّتي ليس للشَّخص فيها ملكٌ ولا إذن له فيها فإنَّه يُقام ويُخرج منها، ثمَّ هو في المجالس العامَّة ليس عامًّا في النَّاس بل خاصٌّ بغير المجانين، ومَن يحصل منه الأذى كآكلِ الثُّوم النِّيءِ إذا دخلَ المسجد، والحكمة في هذا النَّهي منع استنقاص حقِّ المسلم المقتضِي للضَّغائن، ولأنَّ النَّاس في المباح كلُّهم سواءٌ، فمن سبقَ إلى مباحٍ استحقَّه، ومَن استحقَّ شيئًا فأُخذ منه بغير حقٍّ فهو غصبٌ والغصبُ حرامٌ. قاله في «بهجة النُّفوس».
والحديثُ سبق في «الجمعة» [خ¦٩١١].
стр. 11030
(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾) توسَّعوا فيه. وقرأ عاصمٌ: ﴿فِي الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع اعتبارًا بأنَّ لكلِّ واحدٍ مجلسًا، والمراد مجلس رسول الله ﷺ . وأخرج ابن أبي حاتمٍ عن مقاتل بن حيَّان، قال: نزلت يوم جمعةٍ، وكان رسول الله ﷺ يومئذٍ في الصُّفَّة، وفي المكان ضِيقٌ، وكان يُكْرِم أهل بدرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء أناسٌ من أهل بدرٍ وقد سبقوا إلى المجالسِ، فقاموا حيالَ رسول الله ﷺ على أرجلِهم ينتظرون أن يوسَّع لهم، فلم يُفْسَح لهم، فشقَّ ذلك على النَّبيِّ ﷺ ، فقال لمن حوله من غير أهل بدرٍ: «قُمْ يا فلانُ، وأنتَ يَا فلانُ» وأجلسَهُم في أماكِنِهِم فشقَّ ذلك على مَن أُقيم من مجلسه، وعرف النَّبيُّ ﷺ الكراهةَ في وجوهِهم وتكلَّم في ذلك المنافقون، فبلغنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رَحِمَ اللهُ رجلًا يفسَحُ لأخِيهِ» فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا فيفسحُ (١) القوم لإخوانهم، ونزلتْ هذه الآية يوم الجمعة. وعن ابن عبَّاسٍ: هي مجالسُ القتال إذا اصطفُّوا للحربِ. قال الحسن: كانوا يتشاحون على الصَّفِّ الأوَّل (٢)، فلا يوسِّع بعضُهم لبعضٍ رغبةً في الشَّهادة فنزلتْ، والظَّاهر أنَّ الحكمَ يطَّرد في مجالسِ الطَّاعات، وإن كان السَّبب خاصًّا (﴿فَافْسَحُوا﴾) فوسِّعوا (﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾) يوسِّع الله عليكم في الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، وهو يُطلق (٣) في كلِّ ما ينبغي للنَّاس الفُسحة فيه من المكان والرِّزق والقبر وغير ذلك (﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا﴾) انهضوا للتَّوسعة على المقبلين، أو انهضُوا عن مجلسِ رسول الله ﷺ إذا أُمرتم بالنُّهوض عنه (٤)، أو انهضوا إلى الصَّلاةِ والجهادِ وأعمالِ الخير (﴿فَانشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]) فانهضوا في المجلس للتَّفسُّح؛ لأنَّ مزيد التَّوسعة على الواردين يقعُ إلى فوق فيتَّسع الموضع أُمروا أوَّلًا بالتَّفسُّح، ثمَّ ثانيًا بامتثالِ الأمر فيه (الآيَةَ). وبقيَّتها: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ أي: بامتثالِ أوامرهِ وأوامرِ رسوله ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: والعالمين منهم خاصَّةً ﴿دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.