← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.

стр. 11061

الخِتَانُ) وهو واجبٌ عند الشَّافعيَّة (١)، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: سنَّةٌ (وَ) ثانيها (الاِسْتِحْدَادُ) وهو حلق شعرِ العانة (وَ) ثالثها (نَتْفُ) شعر (الإِبْطِ، وَ) رابعُها (قَصُّ الشَّارِبِ، وَ) خامسها (تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ) وسبق في أواخر «اللِّباس» مبحثُ ذلك [خ¦٥٨٨٩]. والغرضُ منه هنا ذكر الختان، وهو واجبٌ والأربعة الأخرى سنَّةٌ، فالمرادُ بالفطرة السُّنَّة الَّتي هي الطَّريقة الأعمُّ من المندوبِ. ٦٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ) خليلُ الرَّحمن ﵊ (بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً) من مولدهِ (وَاخْتَتَنَ بِالقَدُومِ) بفتح القاف وضم الدال المهملة (مُخَفَّفَةً) بعدها واو فميم. (قَالَ أَبُو عَبْدُ الله) البخاريُّ: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا المُغِيرَةُ) بن عبد الرَّحمن (٢) الحِزَاميُّ -بالحاء المهملة المكسورة والزاي المخففة- المدنيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، الحديث (وَقَالَ: بِالقَدُّومِ (٣) وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشَدَّدٌ) داله، وسقط لغير أبي ذرٍّ «وهو موضعٌ مشدَّدٌ» وفي «المتَّفق» للجوزقيِّ بسندٍ صحيحٍ عن عبد الرَّزَّاق، قال: القدُّوم: قرية. وفي «تاريخ أبي العبَّاس السَّرَّاج» عن عُبيد الله بن سعيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ابن (٤) عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه: «اختتَنَ إبراهِيمُ بالقَدُومِ» قال: فقلت ليحيى: ما القدوم؟ قال: الفأسُ. وقال ابن العديم (٥): الأكثر أنَّ القدوم الَّذي اختتن به إبراهيمُ هو الآلة، ويقال: بالتَّشديد

стр. 11062

والتَّخفيف، والأفصح التَّخفيف، وأنكر ابن السِّكِّيت التَّشديد مطلقًا، وقيل: قدوم كانت قريةً عند حلب، وقيل: كانت مجلس إبراهيم، وقال المهلَّب: بالتَّخفيف الآلة، وبالتَّشديد الموضع (١). قال: وقد يتَّفق لإبراهيم ﷺ الأمران؛ يعني أنَّه اختتنَ بالآلة، وفي الموضع، وفي «الموطَّأ» من رواية أبي الزِّناد عن الأعرجِ، عن أبي هُريرة، موقوفًا عليه: أنَّ إبراهيم أوَّل من اختتنَ وهو ابنُ العشرين ومئة، واختتنَ بالقَدُوم، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. وهو في «فوائد ابن السَّمَّاك» من طريق أبي أويس، عن أبي الزِّناد بهذا السَّند مرفوعًا لكن أبو أويسٍ فيه لينٌ، وأكثر الرِّوايات أنَّه اختتن وهو ابنُ ثمانين كحديثِ الباب، وجمع في «الفتح» بينهما على تقدير تساوي الحديثين في الرُّتبة باحتمال أنْ يكون المراد بقوله: وهو ابن ثمانين سنة (٢)، من وقت فراق قومه وهاجر من العراق إلى الشَّام، وأنَّ الرِّواية الأخرى وهي ابن مئةٍ وعشرين، أي: من مولده، وأنَّ بعض الرُّواة رأى مئةً وعشرين فظنَّها مئةً إلَّا عشرين أو بالعكس، وليس المراد تأخير الاختتان لِما ذُكر، كما (٣) لا يخفى، والَّذي ينبغِي المبادرة به عند بلوغ السِّنِّ الَّذي (٤) يؤمر به (٥) الصَّبيُّ بالصَّلاة، وثبت لأبي ذرٍّ قوله: «قال (٦) أبو عبد الله» وقوله: «وهو موضعٌ مشدَّدٌ». ٦٢٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة البغداديُّ قال:

стр. 11063

(أَخْبَرَنَا (١) عَبَّادُ بْنُ مُوسَى) بتشديد الموحدة بعد فتح المهملة (٢)، الخُتَّليُّ -بضم الخاء المعجمة وتشديد (٣) الفوقية المفتوحة بعدها لام- من شيوخ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ الزَّرقيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (مِثْلُ) بكسر الميم وسكون المثلثة (مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ) يوم قُبض (مَخْتُونٌ. قَالَ) أبو (٤) إسحاق، أو إسرائيل، أو مَن دونه (وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ) بفتح التحتية وكسر الفوقية، أي: كانت عادتهم لا يختنون الصَّبيَّ (حَتَّى يُدْرِكَ) الحلم. ٦٣٠٠ - ((٥) وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ) هو عبدُ الله بنُ إدريس بن يزيد بنِ عبد الرَّحمن بنِ الأسود، الأوديُّ الكوفيُّ، فيما وصله الإسماعيليُّ (عَنْ أَبِيهِ) إدريس (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا خَتِينٌ) بفتح المعجمة وكسر الفوقية، والصَّحيح أنَّ ابن عبَّاسٍ وُلد بالشِّعب قبل الهجرةِ بثلاث سنين فيكون له عند الوفاة النَّبويَّة ثلاث عشرة سنةً، فيكون أدرك فخُتن قبل الوفاة النَّبويَّة وبعد حجَّة الوداع، والختان إنَّما يجبُ بعد البلوغ ويُندب قبله. ووجهُ مناسبة التَّرجمة لـ «كتابِ الاستئذان» كما قال الكِرمانيُّ: إنَّ الختانَ يَستدعي الاجتماع في المنازل غالبًا. (٥٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ) أي: شغل اللَّاهي به (عَنْ طَاعَةِ اللهِ) ولو كان مأذونًا فيه، كمَن اشتغلَ بصلاةٍ نافلةٍ، أو تلاوةٍ، أو ذكرٍ، أو تفكُّرٍ في معاني القرآن حتَّى خرج وقت المفروضة عمدًا (وَ) حكم (مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ) بالجزم (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ

стр. 11064

النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾) قال ابنُ مسعودٍ فيما رواه ابن جريرٍ هو الغناءُ، والله الَّذي لا إله إلا هو يردِّدُها ثلاث مرَّاتٍ. وبه قال ابن عبَّاسٍ وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير. وقال الحسن: أنزلت في الغناء والمزامير. وعند الإمام أحمد عن وكيعٍ، قال: حدَّثنا خلَّاد الصَّفَّار عن عُبيد الله بن زَحْرٍ (١)، عن عليِّ بن يزيد، عن القاسمِ بن عبد الرَّحمن، هو: أبو عبد الرَّحمن (٢) مرفوعًا: «لَا يحلُّ بيعُ المغنِّياتِ، ولَا شراؤهُنَّ، ولا التِّجارَة فيهنَّ، وأكلُ أثمانهِنَّ حرَامٌ». ورواه ابن أبي شيبة بالسَّند المذكور إلى القاسم (٣)، عن أبي أُمامة مرفوعًا بلفظ أحمد، وزاد وفيه أُنزلت (٤) هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]. ورواه التِّرمذيُّ من حديث القاسم بن عبد الرَّحمن، عن أبي أُمامة، عن رسول الله ﷺ ، قال: «لَا تبيعُوا القيِّنَاتِ، ولَا تشترُوهُنَّ، ولَا تُعلِّموهنَّ، ولا خيرَ في تجارَةٍ فيهنَّ، وثمنهُنَّ حرامٌ في مثل هذا أُنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآيةَ» [لقمان: ٦] وقال: حديثٌ غريبٌ إنَّما نعرفه من هذا الوجه، قال: وسألت البخاريَّ عن إسنادِ هذا الحديث، فقال: عليُّ بن يزيد ذاهب الحديث، ووثَّق عبيد الله والقاسم بن عبد الرَّحمن. ورواه ابن ماجه في «التِّجارات» من حديث عُبيد الله الإفريقيِّ، عن أبي أُمامة، قال: «نَهى رسولُ الله ﷺ عن بيع المغنِّيات، وعن شرائهنَّ، وعن كسبهنَّ، وعن أكل أثمانهنَّ». ورواه الطَّبرانيُّ عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: «ثمنُ القيِّنةِ (٥) سُحْتٌ، وغناؤُهَا حرامٌ، والنَّظرُ إليهَا حرامٌ، وثمنُهَا مِن ثمنِ الكلبِ، وثمَنُ الكلبِ سُحْتٌ، ومَن نبتَ لحمُهُ مِن سُحتٍ فالنَّارُ أولى بهِ». ورواه البيهقيُّ عن أبي أُمامة من طريقِ ابن زَحْرٍ مثل رواية الإمام أحمد، وفي «معجم الطَّبرانيِّ الكبير» من حديث أبي أُمامة الباهليِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا رفعَ رجلٌ بعقيرَتِهِ

стр. 11065

غنَاءً إلَّا بعثَ اللهُ شيطانين يجلسَانِ على منكبَيهِ يضربَانِ بأعقابِهِمَا على صدرِهِ حتَّى يسكُتَ متى سكتَ (١)». وقيل: الغناءُ مفسدةٌ للقلب، منفذةٌ للمالِ، مسخطةٌ (٢) للرَّبِّ، وفي ذلك الزَّجر الشَّديد للأشقياءِ المعرضين عن الانتفاعِ بسماعِ كلام الله المُقبلين على استماعِ المزامير والغناء بالألحان وآلات الطَّرب، وإضافة اللَّهو إلى الحديث للتَّبيين بمعنى من؛ لأنَّ اللَّهو يكون من الحديث وغيره، فبيَّن بالحديث، أو للتَّبعيض كأنَّه قيل: ومن النَّاس مَن يشتري بعض الحديث الَّذي هو اللَّهو منه (﴿لِيُضِلَّ﴾) أي: ليصدَّ النَّاس (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [لقمان: ٦]) دين الإسلام والقرآن، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾» وقال بدلها: «الآية». ٦٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بنِ بُكيرٍ المخزوميُّ مَولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميُّ أبو الحارث المصريُّ، الإمام المشهور (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، ابن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ) بغيرِ الله (فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) يمينهِ: (بِاللَّاتِ) بالموحدة أوله (وَالعُزَّى) كما يحلفُ المشركون (فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) المبرَّأ من الشِّرك، فإنَّه قد شابه الكفَّار حيث حلفَ بآلهتهم فكفَّارته كلمة التَّوحيد (وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ) بفتح اللَّام (أُقَامِرْكَ) بضم الهمزة، والجزم جوابُ الأمر (فَلْيَتَصَدَّقْ) بما يطلق (٣) عليه اسم الصَّدقة، فإنَّه يكفِّر عنه إثمَ دُعائه صاحبَه إلى القمار المحرَّم اتِّفاقًا، وفيه أنَّ القمارَ من جملة اللَّهو.

стр. 11066

ووجه تعلُّق هذا الحديث بالتَّرجمة، والتَّرجمة بالاستئذان -كما قاله في «الكواكب» - أنَّ الدَّاعي إلى القمار لا ينبغي أن يُؤذَن له في دُخول المنزل، ثمَّ لكونه يتضمَّن اجتماع النَّاس، ومناسبة بقيَّة حديث الباب للتَّرجمة أنَّ الحلفَ باللَّات لهوٌ يَشْغل عن الحقِّ بالخلقِ فهو باطلٌ. والحديثُ سبق في «تفسير سورة النَّجم» [خ¦٤٨٦٠]. (٥٣) (بابُ مَا جَاءَ فِي البِنَاءِ) من إباحةٍ ومنعٍ (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ممَّا سبق موصولًا في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في سؤال جبريل إيَّاه متى السَّاعة، قال: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها (إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ البَهْمِ فِي البُنْيَانِ) بكسر الراء وبعد الألف همزة ممدودًا، والبَهْم: بفتح الموحدة وسكون الهاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «رُعاة» بضم الراء وبعد الألف هاء تأنيث، أي: وقتَ تفاخُرهم في طولِ بيوتهم، ورفعتِها تطاول الرَّجل إذا تكبَّر. قال في «الفتح»: وأشار المؤلِّف بهذه القطعة من الحديث إلى ذمِّ التَّطاول في البُنيان، وفي الاستدلال بذلك نظرٌ، وقد ورد في ذمِّ تطويل البناء صريحًا ما أخرج ابن أبي الدُّنيا بسندٍ ضعيفٍ مع كونه موقوفًا من رواية عُمارة بن عامر: «إذا رفع الرَّجل بناءً فوق سبعةِ أذرعٍ نُودي يا فاسقُ إلى أين تذهب؟» وفي ذمِّه مطلقًا حديث خبَّاب يرفعه (١): «يُؤجرُ الرَّجلُ في نفقتِهِ كلِّها إلَّا التُّرابَ -أو قال: البِنَاءَ-» صحَّحه التِّرمذيُّ، وأخرج له شاهدًا عن أنسٍ بلفظ «إلَّا البنَاءَ فلا خيرَ فيهِ» وفي «المعجم الأوسط» من حديث ابن بشيرٍ (٢) الأنصاريِّ: «إذا أرادَ الله بعبدٍ سوءًا أنفقَ ماله في البُنيان» وهو محمولٌ على ما لا تمسُّ الحاجة إليه ممَّا لا بدَّ منه للتَّوطُّن، وما يُكِنُّ (٣) من البرد (٤) والحرِّ.

стр. 11067

٦٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دُكَين قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ-) بكسر العين، ابن عَمرو بنِ سعيد بنِ العاص الأُمويُّ القرشيُّ (عَنْ) أبيه (سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُنِي) بضم الفوقية، أي: رأيتُ نفسِي (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في زمنه (بَنَيْتُ بِيَدِي بَيْتًا يُكِنُّنِي) بضم التحتية والنون الأولى المشددة بينهما كاف مكسورة، من أكنَّ، أي: يقيني (١) (مِنَ المَطَرِ، وَيُظِلُّنِي مِنَ الشَّمْسِ، مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ) أي: على بنائهِ (أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ) تأكيدٌ لقوله: «بنيتُ بيدي». والحديثُ أخرجهُ ابن ماجه في «الزُّهد». ٦٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله ﵄: (وَاللهِ مَا وَضَعْتُ لَِبِْنَةً عَلَى لَِبِْنَةٍ) بفتح اللام وكسر الموحدة فيهما (٢)، ويجوز الكسر ثمَّ السُّكون (وَلَا غَرَسْتُ نَخْلَةً مُنْذُ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لِبَعْضِ أَهْلِهِ) أي: أهل ابن عمر (٣)، ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على تسميتهِ (قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ بَنَى) ابن عمر، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بيتًا» (قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ) لبعضِ أهله: (فَلَعَلَّهُ قَالَ): ما وضعتُ لبنةً على لبنةٍ (قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ) البيت الَّذي بناهُ بيدهِ، وهو اعتذارٌ حسنٌ من سفيان رحمه الله تعالى.

стр. 11068

هذا (١) آخر «كتابِ الاستئذان» ولله الحمد والمنَّة، فرغ في رابع عشر (٢) جمادى الأولى، سنةَ أربعةَ عشرة وتسع مئة، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم (٣).

стр. 11069

((٨٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ) بفتح الدال والعين المهملتين، جمع: دَعوةٍ، بفتح أوَّله، مصدر يُراد به الدُّعاء. يقال: دعوتُ الله، أي: سألتُهُ (وَقَوْلُهُ (١)) بالرَّفع على الاستئناف، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾) لَمَّا كان من أشرف أنواع الطَّاعات الدُّعاء والتَّضرُّع، أمرَ الله تعالى به فضلًا وكرمًا وتكفَّل (٢) لهم الإجابةَ، وعن سفيان الثَّوريِّ -فيما رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ- أنَّه كان يقول: يا مَن أحبُّ عبادِهِ إليه مَن سألَهُ فأكثرَ سُؤاله، ويا مَن أبغضُ عبادِهِ إليه مَن لم يسألْهُ، وليس أحدٌ كذلك غيرك يا ربِّ. وفي معناه قال القائل: اللهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَتَرَى ابْنَ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ وفي (٣) حديثِ أنس بن مالكٍ عند أبي يَعلى في «مسنده» عن النَّبيِّ ﷺ فيما يَرْوِي عن ربِّه : «وأمَّا الَّتِي بينِي وبينكَ: فمنكَ الدُّعاءُ وعليَّ الإجابَةُ». وفي حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ عند الإمام أحمد مرفوعًا: «إنَّ الدُّعاءَ هو العبادَةُ، ثمَّ قرأَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر: ٦٠]». ورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَن لم يَدْعُ اللهَ غضِبَ اللهُ عليهِ» ورواه أحمدُ منفردًا به

стр. 11070

بإسنادٍ لا بأس به، وقيل: المراد بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الأمرُ بالعبادةِ بدليل قوله بعد: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]) صاغرينَ ذليلين، والدُّعاء بمعنى العبادة كثيرٌ في القرآن، كقوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧] وأجاب الأوَّلون: بأنَّ هذا ترك للظَّاهر فلا يُصار إليه إلَّا بدليلٍ. وقال العلَّامة تقيُّ الدِّين (١) السَّبكيُّ: الأولى حملُ الدُّعاء في الآية على (٢) ظاهرهِ، وأمَّا قوله بعد ذلك: ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجه الرَّبط أنَّ الدُّعاء أخصُّ من العبادةِ، فمن استكبرَ عن العبادةِ استكبرَ عن الدُّعاء، وعلى هذا فالوعيدُ في حقِّ مَن تركَ الدُّعاء استكبارًا، ومَن فعل ذلك كفرَ. انتهى. وتخلُّف الدُّعاء عن الإجابةِ إنَّما هو لفقدِ شرطه، وفي قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] إشارة إلى أنَّ مَن دعا الله وفي قلبه ذرَّةٌ من الاعتماد على مالهِ، أو جاههِ، أو أصدقائهِ، أو اجتهادهِ، فهو في الحقيقةِ ما دعا الله إلَّا باللِّسان، وأمَّا القلب فإنَّه يُعَوِّل في تحصيلِ ذلك المطلوب على (٣) غير الله، وأمَّا إذا دعا الله تعالى في وقتٍ لا يكون القلب فيه مُتلفتًا إلى غيرِ الله، فالظَّاهر أنَّه يُستجاب له. واستُشكل حديث: «مَن شغلَهُ ذِكرِي عن مسألَتِي أعطيتُهُ أفضَلَ ما أُعطِي السَّائلينَ» المقتضِي لأفضليَّة ترك الدُّعاء حينئذٍ مع الآية المقتضيةِ للوعيد الشَّديد على تركهِ. وأُجيب بأنَّ العقلَ إذا كان مستغرقًا في الثَّناء كان أفضل من الدُّعاء؛ لأنَّ الدُّعاء طلب الجنَّة، والاستغراق في معرفةِ جلال الله أفضل من الجنَّة، أمَّا إذا لم يحصلِ الاستغراقُ كان الاشتغال بالدُّعاء أَولى؛ لأنَّ الدُّعاء يشتملُ على معرفةِ عزِّ الرُّبوبيَّة وذلِّ العبوديَّة، والصَّحيح استحبابُ الدُّعاء، ورجَّح بعضُهم تركه استسلامًا للقضاء، وقيل: إنَّ دعا لغيره فحسنٌ، وإن خصَّ نفسه فلا، وقيل: إن وجد في نفسهِ باعثًا للدعاء استُحِبَّ وإلَّا فلا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بدله: «الآية». (وَلِكُلِّ نَبِيٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «لكلِّ نبيٍّ» (دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ).

стр. 11071

٦٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس بن مالكٍ بن أبي عامر الأصبحيُّ، أبو عبد الله المدنيُّ، إمامُ دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله ابن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو) ولأبي ذرٍّ: «دعوةٌ مستجابةٌ يدعو (١)» (بِهَا) أي: بهذه الدَّعوة على أمَّته مقطوعٌ فيها بالإجابةِ، وما عَدَاها على رجاءِ الإجابة (وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ) بخاء معجمة ساكنة وفوقية مفتوحة فموحدة مكسورة فهمزة، أي: أدَّخر (دَعْوَتِي) المقطوعَ بإجابتها (شَفَاعَةً لأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ) في أهمِّ أوقات حاجاتهِم، وهذا من كمالِ شفقتِهِ على أمَّته، ورأفتِهِ بهم، واعتنائهِ بالنَّظر في أحوالهِم، جزاه الله عنَّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمَّته، وصلَّى الله عليه وسلَّم كثيرًا دائمًا أبدًا. والحديثُ من أفراده. ٦٣٠٥ - (وقَالَ مُعْتَمِرٌ (٢)) هو ابنُ سليمان التَّيميُّ، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال لي (٣) خليفة» هو ابن خيَّاطٍ: «قال معتمر»: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كُلُّ نَبِي سَألَ سُؤْلًا) بضمِّ السين وسكون الهمزة، مطلوبًا (-أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ-) في حقِّ أمَّته، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ) له في الدُّنيا، وفي نسخةٍ: «فاستجيبتْ» بزيادة تاء التَّأنيث الساكنة آخره (فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي) المجابة (٤) جزمًا (شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ) قال

стр. 11072

ابن الجوزيِّ ﵀: هذا من حُسن (١) تصرُّفه ﷺ حيث اختار أن تكون فيما يبقَى، ومن كثرة كَرَمه أنْ آثرَ أمَّته على نفسهِ، ومن صحَّة نظرهِ أن جعلَها للمُذْنبين؛ لكونهم أحوج إليها من الطَّائعين. والحديثُ رواه مسلمٌ موصولًا. (٢) (بابُ) بيانِ (أَفْضَلِ الاِسْتِغْفَارِ) الاستغفارُ استفعالٌ من الغُفْران، وأصلهُ من الغَفْر وهو إلباسُ الشَّيء بما يصونُه من الدَّنس، ومنه قيل: اغفرْ ثوبَك في الوعاء، فإنَّه أَغْفَر للوسخِ، والغُفْران والمغفرةُ من الله هو أن يصونَ العبدَ من أن يمسَّه العذاب، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ فـ «أفضلُ» رفع، والأفضلُ الأكثرُ ثوابًا عند الله، فالثَّواب للمستغفرِ لا للاستغفارِ فهو (٢) نحو: مكَّة أفضل من المدينة، أي: ثواب العابدِ فيها أفضلُ من ثواب العابد في المدينة، فالمراد: المستغفرُ بهذا النَّوع من الاستغفارِ أكثر ثوابًا من المستغفرِ بغيره، قاله في «الكواكب». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرورِ قبله: (﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾) أي: سلوهُ المغفرةَ لذنوبكُم بإخلاص الإيمان (﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]) لم يزل غفَّارًا لذُنوب مَن يُنيبُ إليه (﴿يُرْسِلِ السَّمَاء﴾) المطر قال: إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بَأَرْضِ قَومٍ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانَوا (٣) غِضَابا أو فيه إضمارٌ، أي: يرسل ماء السَّماء (﴿عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]) يُحتمل أن يكون حالًا من السَّماء، ولم يؤنَّث؛ لأنَّ (٤) مِفعالًا يَستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، فتقول: رجلٌ مِخْدامٌ ومِطْرابٌ (٥)، وامرأةٌ مطرابٌ ومخدامٌ، وأن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إرسالًا مدرارًا، وجزم ﴿رآروز﴾ جوابًا للأمر، ومعنى ﴿مِّدْرَارًا﴾: ذا غيثٍ كثيرٍ (﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾) يزدكُم أموالًا

стр. 11073

وبنين (﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ﴾) بساتين (﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]) جاريةً لمزارعِكم وبساتينكُم. قال مقاتلٌ: لمَّا كذَّبوا نوحًا ﵇ زمانًا طويلًا حبسَ الله عنهم المطرَ وأعقمَ أرحامَ نسائهم أربعين سنةً، فهلكت مَواشيهم وزروعهم، فساروا إلى نوح ﵇ واستغاثوا به، فقال: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ الاستغفارَ يُسْتنزل (١) به الرِّزق والمطر. قال الشَّعبيُّ: خرج عمر يستسقِي فلم يزد على الاستغفار حتَّى رجعَ فأُمطروا، فقالوا: ما رأيناكَ استسقيتَ، فقال: «لقد استسقيتُ بمجاديح السَّماء الَّتي يُستنزَل بها المطر، ثمَّ قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾» إلى آخر ذلك. وشكا رجلٌ إلى الحسنِ الجدوبة، فقال: استغفرِ الله، وشكا آخَرُ إليه الفقر، فقال: استغْفرِ الله، وقال له (٢) آخرُ: ادعُ الله أن يَرزقني ولدًا، فقال له: استغْفرِ الله، وشكا إليه آخَرُ جفافَ بساتينه، فقال له: استغْفرِ الله، فقلنا له في ذلك، فقال: ما قلتُ من عندي شيئًا إنَّ الله تعالى يقول في سورة نوح: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى آخر ذلك. وساق الآية إلى آخر قوله: «﴿أَنْهَارًا﴾» لغير رواية أبي ذرٍّ، وله: «إلى قوله: ﴿غَفَّارًا﴾» ثمَّ قال: «الآية». (﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾) فعلةً متزايدة القبحِ خارجةً عمَّا أذن الله فيه، أو الفاحشة: الزِّنا (﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾) باكتسابِ أيِّ ذنبٍ كان ممَّا يؤاخذُ الإنسان به، أو الفاحشة: الكبيرةُ، وظلم النَّفس هي الصَّغيرة كالقُبلة واللَّمسة والنَّظرة، وقيل: فعلوا فاحشةً فعلًا، أو ظلموا أنفسهم قولًا (﴿ذَكَرُواْ اللّهَ﴾) بلسانِهِم أو بقلوبهِم ليبعثهم على التَّوبة، أو ذكروا وعيدَ الله أو عقابَهُ فهو من بابِ حذف المضافِ، أو ذكروا العرضَ الأكبرَ على الله (﴿فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ (٣)) فتابوا عنها (٤) لقُبحها نادمين على فعلها، وهذا حقيقة التَّوبة، فأمَّا الاستغفارُ باللِّسان فلا أثرَ (٥) له في إزالةِ الذَّنب، وقوله: ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: لأجل ذُنوبهم (﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ﴾) ﴿مَن﴾ مبتدأ و ﴿يَغْفِرُ﴾ خبره، وفيه ضميرٌ يعودُ إلى ﴿مَن﴾ و ﴿إِلاَّ اللّهُ﴾ بدل من الضَّمير في ﴿يَغْفِرُ﴾ والاستفهام بمعنى النَّفي، والتَّقدير: ولا أحد يغفر الذُّنوب إلَّا الله، وفيه تطييبٌ لنفوس العباد وتنشيطٌ للتَّوبة وبَعْثٌ عليها، وردعٌ عن اليأسِ والقنوتِ، وبيانٌ لسعةِ رحمتهِ، وقربِ مَغْفرته من التَّائب، وإشعارٌ بأنَّ الذُّنوب وإن جلَّت فإنَّ عفوَهُ أجلُّ وكرمَهُ أعظمُ، وفي إسناده غفران الذُّنوب إلى نفسه المقدَّسة سبحانه وإثباته لذاته المقدَّسة بعد وجود الاستغفار وتنصُّل عبيده دَلالةٌ على وجوب ذلك قطعًا بحسب الوعد الَّذي لا خُلْف له. (﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾) جملة حاليَّةٌ من فاعل ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ أي: استغفروا غير مصرِّين، أو الجملة منسوقةٌ على ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ أي: ترتَّب على فعلهم الفاحشةَ ذِكْر الله تعالى والاستغفارُ لذنوبهم

стр. 11074

وعدمُ الإصرار عليها، وتكون الجملة من قوله: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ﴾ على هذين الوجهين معترضة بين المتعاطفين على الوجه الثَّاني، وبين الحال وذي الحال على الأوَّل، والمعنى: ولم يُقيموا على قبيح فعلهم (﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]) حالٌ من فاعل ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ﴾ أو من فاعل ﴿يُصِرُّواْ﴾ أي: ولم يصرُّوا على ما فعلوا من الذُّنوب حال ما كانوا عالِمين بكونها محرَّمةً؛ لأنَّه قد يُعذَرُ مَن لا يعلم حرمة الفعل، أمَّا العالمُ بالحرمةِ فلا يُعذر، ومفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾ محذوفٌ للعلم به، تقديره: يعلمون (١) أنَّ الله يتوب على مَن تاب، أو تركه أولى، أو أنَّها معصيةٌ، أو أنَّ الإصرار ضارٌّ، أو أنَّهم إن (٢) استغفروا غُفر لهم، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿ذَكَرُواْ اللّهَ﴾ … » إلى آخره وقال: «الآية» بدل ذلك.

стр. 11075

٦٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمرو بن أبي الحجَّاج التَّيميُّ المقعد المِنْقَريُّ -بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ) بضمِّ الحاء، ابن ذكوان المعلِّم قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ (١) اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحدة، ابن الحُصَيب الأسلميُّ أبو سهل المروزيُّ قاضيها (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ) بضمِّ الموحدة وفتح المعجمة (العَدَوِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «قال: حَدَّثني» بالإفراد «بشيرُ بن كعبٍ العدويُّ» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ) الأنصاريُّ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ) ترجم البخاريُّ بالأفضليَّة، والحديث بلفظ السِّيادة فكأنَّه -كما في «الفتح» - أشار إلى أنَّ المراد بالسِّيادة الأفضليَّة، والسَّيِّدُ هنا مُستعارٌ من الرَّئيس المقدَّم الَّذي يُعتمد عليه في الحوائجِ، ويرجع إليه في الأمور، كهذا (٢) الدُّعاء الَّذي هو جامعٌ لمعاني التَّوبة كلِّها (أَنْ تَقُولَ) بصيغة المخاطب في الفرع، وقال في «الفتح»: «أن يقول (٣) العبد» وثبت (٤) في رواية أحمد والنَّسائيِّ: «إنَّ سيِّد الاستغفارِ أن يقول العبدُ»: (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي) كذا في الفرع وأصله «أنتَ» مرَّةً واحدةً. وقال الحافظ ابن حجرٍ: «أنت، أنت» بالتَّكرير مرَّتين، وسقطت الثَّانية من معظم (٥) الرِّوايات (وَأَنَا عَبْدُكَ) قال في «شرح المشكاة»: يجوز أن يكون (٦) حالًا مُؤكِّدة، وأن يكون مُقدَّرة، أي: أنا عابدٌ لك، كقولهِ تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] وينصُرُه عطف قوله (٧): (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ) أي: ما عاهدتك

стр. 11076

عليه، وواعدْتُ من الإيمانِ بك وإخلاص الطَّاعة لك (مَا اسْتَطَعْتُ) من ذلك، وفيه الإشارةُ إلى أنَّ (١) الاعترافَ بالعجزِ والقصور عن (٢) كُنْهِ الواجبِ من حقِّه تعالى، وقد يكون المراد -كما قاله ابن بطَّال- بالعهد: العهد الَّذي أخذهُ الله على عبادهِ، حيث أخرجهم أمثال الذَّرِّ وأشهدَهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقرُّوا له بالرُّبوبيَّة وأذعنُوا له بالوحدانيَّة، وبالوعدِ ما قال على لسانِ نبيِّه ﷺ : «إنَّ مَن ماتَ لا يشرِكُ باللهِ شيئًا، وأدَّى مَا افتُرِضَ عليهِ أن يُدخلهُ (٣) الجنَّة» (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودًا، أعترفُ (لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي) أعترفُ به، أو أحملهُ برَغْمِي (٤) فلا أستطيعُ صرفَه عنِّي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وأبوءُ لك بذَنبي» (اغْفِرْ لِي) ولأبي ذرٍّ: «فاغفرْ لي» بزيادة فاء (فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) قال في «شرح المشكاة»: اعْتَرفَ أوَّلًا بأنَّه أنعم عليه ولم يقيِّده ليشمل كلَّ إنعامٍ (٥)، ثمَّ اعترفَ بالتَّقصير وأنَّه لم يقمْ بأداءِ شكرهَا، وعدَّه ذنبًا مبالغةً في التَّقصير وهضمِ النَّفس. انتهى. قال في «الفتح»: ويُحتمل أن يكون قوله: «وأبوء لك بذنبي» اعترافًا (٦) بوقوع الذَّنب مطلقًا ليصحَّ الاستغفار منه، لا أنَّه (٧) عدَّ ما قصَّر فيه من أداء النِّعم ذنبًا. (قَالَ) ﷺ : (وَمَنْ قَالَهَا) أي: الكلمات (مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا) مخلصًا (بِهَا) من قلبهِ مصدِّقًا بثوابها (فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) الدَّاخلين لها ابتداءً من غير دخولِ النَّار؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ المؤمن بحقيَّتها المؤمنَ بمضمونها لا يعصِي الله تعالى، أو أنَّ الله يعفو عنه ببركةِ هذا الاستغفار، قاله في «الكواكب» (وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ) مخلصٌ (بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ،

стр. 11077

فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) ويحتمل أن يكون هذا فيمن (١) قالها وماتَ قبل أن يفعلَ ما يغفر له به ذنوبه. وقال في «بهجة النُّفوس»: من شروط الاستغفار صحَّةُ النِّيَّةِ والتَّوجُّه والأدب، فلو أنَّ أحدًا حصَّل الشُّروط واستغفرَ بغير هذا اللَّفظ الواردِ، واستغفر (٢) آخر بهذا اللَّفظ الوارد (٣)، لكن أخلَّ بالشُّروط هل يتساويان؟ والَّذي يظهر أنَّ اللَّفظ المذكور إنَّما يكون سيِّد الاستغفار إذا جمعَ الشُّروط المذكورة. قال: وقد جمعَ هذا الحديث من بديعِ المعاني وحُسن الألفاظِ ما يحقُّ له أن يسمَّى سيِّد الاستغفارِ، ففيه الإقرارُ لله وحدَهُ بالإلهيَّة والعبوديَّة والاعتراف بأنَّه الخالقُ، والإقرارُ بالعهد الَّذي أخذَهُ عليه، والرَّجاء بما وعدَه به، والاستعاذةُ من شرِّ ما جَنى العبدُ على نفسه، وإضافةُ النَّعماء إلى مُوجدها، وإضافةُ الذَّنب إلى نفسهِ ورغبتهُ في المغفرةِ (٤)، واعترافُه بأنَّه لا يقدر أحدٌ على ذلك إلَّا هو، وفي ذلك الإشارة إلى الجمع بين الشَّريعة والحقيقة (٥)، وأنَّ تكاليف الشَّريعة لا تحصلُ إلَّا إذا كان في ذلك عون من الله تعالى. انتهى. وقال في «الكواكب»: لا شكَّ أنَّ في الحديثِ ذكر الله تعالى بأكملِ الأوصاف، وذكر العبد نفسَه بأنقص الحالاتِ، وهي أقصى غاية التَّضرُّع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقُّها إلَّا هو، أمَّا الأوَّل فلما فيه من الاعترافِ بوجود الصَّانع وتوحيدِه الَّذي هو أصل الصِّفات العدميَّة (٦) المسمَّاة بصفات الجلالِ، والاعتراف بالصِّفات السَّبعةِ الوجوديَّة المسمَّاة بصفاتِ الإكرام، وهي القدرةُ اللَّازمة من الخلق الملزومةُ للإرادةِ والعلم والحياة، والخامسة الكلام اللَّازم من الوعد والسَّمع والبصر اللَّازمان من المغفرة؛ إذ المغفرة للمسموع والمبصَر لا يُتَصوَّر إلَّا بعد السَّماع والإبصار، وأمَّا الثَّاني فلِمَا فيه أيضًا من الاعترافِ بالعبوديَّة وبالذُّنوب في مقابلةِ النِّعمة الَّتي تقتضِي نقيضَها وهو الشُّكر. انتهى. والحديثُ أخرجه النَّسائيُّ في «الاستعاذةِ»، وفي اليوم واللَّيلة.

стр. 11078

(٣) (بابُ) مقدارِ (اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ). ٦٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: وَاللهِ (١) إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنيِّ: «إليه» (فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) أي: أفعل ذلك الاستغفار إظهارًا للعبوديَّة، وافتقارًا لكرم الرُّبوبيَّة، أو تعليمًا منه لأمَّته، أو مِنْ تَرْكِ الأولى، أو قالهُ تواضعًا، أو أنَّه ﷺ لَمَّا كان دائم التَّرقِّي في معارجِ القرب كان كلَّما ارتقى درجةً ورأى ما قبلَها دونها استغفرَ منها، لكن قال (٢) في «الفتح»: إنَّ هذا مفرَّعٌ على أنَّ العدد المذكور في استغفارهِ كان مفرَّقًا بحسب تعدُّد الأحوال، وظاهرُ ألفاظ الحديث يخالفُ ذلك، وفي حديث أنسٍ: «إنِّي لأستَغفِرُ اللهَ في اليومِ سبعِينَ مرَّةً» والتَّعبير بالسَّبعين، قيل: هو على ظاهرهِ، وقيل: المراد التَّكثير، والعربُ تضع السَّبع والسَّبعين والسَّبع مئة موضع الكثرة، وقوله في حديث الباب: «أكثر» مبهم يحتملُ أن يفسَّر بحديثِ أبي هُريرة [خ¦٦٣٠٧] «لأستغفرُ اللهَ فِي اليومِ مئةَ مرَّةٍ» وفي حديث الأغرِّ عند مسلمٍ مرفوعًا: «إنَّهُ ليغَانُ علَى قلبِي، وإنِّي أستغفِرُ اللهَ كلَّ يومٍ مئة مرَّةٍ». وقد ذكروا في الغينِ وجوهًا ذكرتُ منها جملة في كتابي «المواهب» وأحقُّ مَن يعبِّر عن هذا أو يُعْرب -كما قال في «شرح المشكاة» - مشايخ الصُّوفيَّة الَّذين نازل الحقُّ أسرارَهم، ووضعَ الذِّكر

стр. 11079

أوزارَهُم. قال: ومن كلمات شيخنا شيخِ الإسلام أبي حفصٍ السَّهرورديِّ: لا ينبغِي أن يُعتقدَ أنَّ الغين نقصٌ في حاله صلوات الله عليه وسلامه، بل هو (١) كمالٌ، أو (٢) تتمَّة كمالٍ، وهذا سرٌّ دقيقٌ لا ينكشفُ إلَّا بمثالٍ، وهو أنَّ الجفنَ المسبل على حدقةِ البصر وإن كانتْ صُورته صورةَ نُقصانٍ من حيث هو إسبالٌ وتغطيةٌ على ما من شأنهِ أن يكون باديًا مكشوفًا، فإنَّ المقصودَ من خلق العين إدراك المدركات الحسِّيَّة، وذلك لا يتأتَّى إلَّا بانبعاثِ الأشعَّة الحسِّيَّة من داخلِ العين، واتِّصالها بالمرئيَّات على مذهب قومٍ، وبانطباع صور المدركات في الكرةِ الجليديَّة على مذهبٍ آخر، فكيفما قُدِّر لا يتمُّ المقصود إلَّا بانكشافِ العين عمَّا (٣) يمنع من انبعاث الأشعَّة عنها، ولكن لمَّا كان الهواء المحيط بالأبدانِ الحيوانيَّة قلَّما يخلو من الأغبرةِ الثَّائرة بحركة الرِّياح، فلو كانت الحدقةُ دائمة الانكشافِ لاستضرَّت بملاقاتها وتراكمها عليها، فأُسبلت أغطية الجفون (٤) وقايةً لها ومصقلةً لتنصقلَ الحدقةُ بإسبال الأهدابِ ورفعها لخفَّة حركةِ الجفن، فيدوم جلاؤها ويحتدَّ نظرها، فالجفنُ وإن كان نقصًا ظاهرًا فهو كمالٌ حقيقةً، فكذا لم تزل بصيرة النَّبيِّ ﷺ متعرِّضةً (٥) لِأَنْ تصدأَ بالأغبرة الثَّائرة من أنفاسِ الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلى إسبال جفنٍ من العين (٦) على حدقةِ بصيرته سترًا لها ووقايةً، وصقالًا عن تلكَ الأغبرة المثارةِ برؤيةِ الأغيار وأنفاسها، فصحَّ أنَّ الغين وإن كانت صورته نقصًا فمعناه كمالٌ وصقالٌ حقيقةً. ثمَّ قال أيضًا: إنَّ روح النَّبيِّ ﷺ لم تزل في التَّرقِّي (٧) إلى مقاماتِ القُرب مستتبعة للقلبِ في رقيِّها إلى مَركزها، وهكذا القلبُ كان يستتبعُ نفسه الزَّكيَّة، ولا خفاء أنَّ حركة الرُّوح والقلب أسرع وأتمُّ من نهضة النَّفس وحركتها، فكانت خُطى النَّفس تقصر عن (٨) مدى الرُّوح والقلب في

стр. 11080

العروجِ والولوجِ في حرمِ القرب (١) ولحوقها (٢) بهما، فاقتضتِ العواطف الرَّبَّانيَّة على الضُّعفاء من الأمَّة إبطاء حركةِ القلب بإلقاء الغين عليه؛ لئلَّا يسرعَ القلبُ ويسرحَ (٣) في معارج الرُّوح ومدارجها، فتنقطع علاقة النَّفس عنه لقوَّة الانجذاب، فيبقى العبادُ مُهمَلِين محرومِين عن الاستنارةِ بأنوار النُّبوَّة والاستضاءة بمشكاةِ مصباحِ الشَّريعة، و (٤) حيث كان يَرى ﷺ إبطاءَ القلبِ بالغين المُلْقى عليه، وقصور النَّفس عن شأو (٥) ترقِّي الرُّوح إلى الرَّفيق الأعلى كان يفزعُ إلى الاستغفار؛ إذ لم تفِ قواها في سرعةِ اللُّحوق لها. وهذا من أعزِّ مقولٍ في هذا المعنى، وأحسن مشروحٍ فيه. (٤) (باب التَّوْبَةِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «التَّوبةُ» رفع، وهي في الشَّرع تركُ الذَّنب لقُبحه، والنَّدمُ على ما فرَّط منه، والعزمُ على تركِ المعاودة، وتدارك ما أمكنَه أن يتداركه من الأعمالِ (٦) بالإعادة (٧)، وردِّ (٨) الظُّلامات لذويها أو تحصيل البراءة منهم، وزاد عبدُ الله بن المبارك: وأن يعمدَ إلى البَدَنِ الَّذي ربَّاه بالسُّحت فيذيبه بالهمِّ والحزن حتَّى ينشأ له لحمٌ طيِّبٌ، وأن يُذيق نفسه ألم الطَّاعة كما أذاقَها لذَّة المعصية. انتهى. والتوبة: أهمُّ قواعد الإسلام، وهي أوَّل مقامات سالكي الآخرةِ وبها سعادة الأبد. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (قَتَادَةُ) فيما وصله عبد بن حميدٍ في تفسير قوله تعالى: (﴿(٩) تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]) أي: (الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ) وقيل: هي الَّتي لا عود بعدها كما لا يعود اللَّبن

стр. 11081

إلى الضَّرع، وقيل: الخالصة، وقال الحسنُ: النَّصوح: أن يبغض الذَّنب الَّذي أحبَّه ويستغفر منه إذا ذكره، وقيل: ﴿نَّصُوحًا﴾ من نصاحة الثَّوب، أي: توبةً تَرْفو خُروقَك في دينكَ وترمُّ خللكَ، ويجوز أن يراد توبةً تنصح النَّاس، أي: تدعوهم إلى مثلِها لظهور أثرها في صاحبهَا، واستعماله (١) الجدَّ والعزيمة في العملِ على مُقتضاها، وسقط «﴿تُوبُوا إِلَى اللهِ﴾» لأبي ذرٍّ. ٦٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس التَّميميُّ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحَنَّاط -بالحاء المهملة والنون المشددة وبعد الألف مهملة- الصَّغير لا الكبير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين فيهما والثَّاني مصغَّرٌ، التَّيميِّ (٢) من بني تيم اللَّات بن ثعلبة الكوفيِّ (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ أيضًا التَّابعيِّ الكبير، كالسَّابقَيْن لكن أوَّلهما صغيرٌ من صغارهم، والَّذي بعدهم من أوساطهم (٣) (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن مسعود» ﵁ (حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ) وهو الحديث الموقوفُ. (إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ) مفعول «يرى» الثَّاني محذوفٌ، أي: كالجبال بدليلِ قوله في

стр. 11082

الآخر (١): «كذبابٍ مرَّ» أو هو (٢) قوله: (كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ) لقوَّة إيمانه وشدَّة خوفه، فلا يأمن العقوبةَ بسبب ذنوبه، والمؤمنُ دائم الخوف والمراقبة، يستصغرُ عمله الصَّالح، ويخافُ من صغيرِ عمله (وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ) بالمعجمة، الطَّير المعروف (مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ) فلا يُبالي به لاعتقادهِ عدم حصولِ كبير ضررٍ بسببهِ (فَقَالَ بِهِ) بالذُّباب (هَكَذَا) أي: نحَّاهُ بيدهِ أو دفعهُ، وهو من إطلاق القول على الفعلِ، فالفاجر لقلَّة علمه يقلُّ خوفه فيستهين بالمعصيةِ، ودلَّ التَّمثيل الأوَّل على غايةِ (٣) الخوف والاحترازِ من الذُّنوب، والثَّاني على نهايةِ قلَّة المبالاة والاحتفالِ بها (٤). (قَالَ أَبُو شِهَابٍ) الحنَّاط المذكور بالسَّند السَّابق في تفسير قوله: «فقال به» أي: (بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ) والتَّعبير بالذُّباب؛ لكونه أخفَّ الطَّير وأحقرَهُ، ولأنَّه يُدفع بالأقلِّ، وبالأنف للمبالغةِ في اعتقاده خفَّة الذَّنب عنده؛ لأنَّ الذُّباب قلَّما ينزلُ عن الأنف، وإنَّما يقصد غالبًا العين، وباليد تأكيدًا للخفَّة. (ثُمَّ) قال ابن مسعودٍ: (قَالَ) رسول الله ﷺ : (لَلَّهُ) بلام التَّأكيد المفتوحة (أَفْرَحُ) أرضى (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ) وأَقْبَلُ لها، والفرح المتعارفُ في نعوتِ بني آدم غير جائزٍ على الله تعالى؛ لأنَّه اهتزازُ طربٍ يجدُه الشَّخص في نفسهِ عند ظفرِهِ بغرضٍ يستكمِلُ به نقصانه (٥) أو يسدُّ به (٦) خلَّته، أو يدفعُ به عن نفسهِ ضررًا أو نقصًا، وإنَّما كان غير جائزٍ عليه تعالى لأنَّه الكاملُ بذاتهِ الغنيُّ بوجودِهِ الَّذي لا يلحقُه نقصٌ ولا قصورٌ، وإنَّما معناه: الرِّضا، والسَّلف فهموا منه ومن أشباهه ما وقع التَّرغيب فيه من الأعمال والإخبارِ عن فضلِ الله، وأثبتُوا هذه الصِّفات له تعالى، ولم يشتغلُوا بتفسيرهَا مع اعتقادهِم تنزيهَهُ تعالى عن صفاتِ المخلوقين، وأمَّا مَن اشتغلَ بالتَّأويل فله طريقان: أحدهما: أنَّ التَّشبيه مركَّبٌ عقليٌّ من غير نظرٍ على مفرداتِ التَّركيب،

стр. 11083

بل تؤخذ الزُّبدة والخلاصة من المجموعِ وهي غاية الرِّضا ونهايته، وإنَّما أبرزَ ذلك في صورة التَّشبيه تقريرًا لمعنى الرِّضا في نفس السَّامع وتصويرًا لمعناه، وثانيهما: تمثيليٌّ وهو أن يتوهَّم للمشبَّه الحالات الَّتي للمشبَّه به، وينتزعَ له منها ما يُناسبه (١) حالةً حالةً بحيث لم يختلَّ منها شيءٌ، والحاصل: إنَّ إطلاق الفرح في حقِّه تعالى مجازٌ عن رضاه، وقد يُعَبَّر عن الشَّيء بسببهِ أو عن ثمرتهِ الحاصلة عنه، فإنَّ من فرح بشيءٍ جادَ لفاعلهِ بما سأل وبذلَ له ما طلبَ، فعبَّر عن عطائهِ (٢) تعالى وواسع كرمه بالفرحِ، وزاد الإسماعيليُّ بعد قوله: عبده: «المؤمن» وكذا عند مسلم، ولأبي ذرٍّ: «الله أفرحُ بتوبةِ العبدِ» (مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا) بكسر الزاي في الثَّاني (وَبِهِ) أي: بالمنزل، وعند الإسماعيليِّ: «بِدَوِيَّةٍ» بموحدة مكسورة فدال مفتوحة فواو (٣) مكسورة فتحتية مشددة مفتوحة فتاء تأنيث، وهو كذا عند مسلمٍ و «السُّنن»، أي: مقفرة (مَهْلَكَةٌ) بفتح الميم واللام، تُهلِك سالكها (٤) أو مَن حصل فيها، وفي بعض النُّسخ، -كما في «الفتح» -: «مُهلِكةٌ» بضم الميم وكسر اللَّام، من مزيد الرباعيِّ، أي: تهلك هي مَن حصل بها، وفي مسلمٍ: «في أرضٍ دوِّيَّةٍ مُهلكةٍ» (وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ) من نومهِ (وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ) فخرجَ في طلبها (حَتَّى اشْتَدَّ) ولأبي ذرٍّ «حتَّى إذا اشتدَّ» (عَلَيْهِ الحَرُّ وَالعَطَشُ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ) شكٌّ من أبي (٥) شهابٍ، قاله (٦) في «الفتح»، وفي رواية أبي معاوية: «حتَّى إذا أدركَه الموت» (قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي) بقطع الهمزة، الَّذي كنت فيه فأنام (فَرَجَعَ) إليه (فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) بعد أن استيقظَ (فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ) عليها زادهُ طعامُه وشرابُه، كذا في روايةٍ عند مسلمٍ (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا شهاب الحنَّاط (أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ، فيما وصله الإسماعيليُّ (وَ) تابعه أيضًا (جَرِيرٌ) بفتح الجيم فيما وصله البزَّار (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران.

стр. 11084

(وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، فيما وصله مسلمٌ: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (١) قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بن عُميرٍ (٢) قال: (سَمِعْتُ (٣) الحَارِثَ بن سُويْد) يعني (٤): عن ابنِ مسعودٍ بالحديثين (٥)، ومرادُه -كما في «الفتح» -: أنَّ هؤلاء الثَّلاثة وافقوا أبا شهابٍ في إسنادِ هذا الحديث إلَّا أنَّ الأوَّلين عنعناه. (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (وَأَبُو مُسْلِمٍ) بضم الميم وسكون المهملة، زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «اسمه عُبيد الله» بضم العين، ابن سعيد بن مسلمٍ، كوفيٌّ، قائدُ الأعمش سليمان، وقد ضعَّفه جماعةٌ، لكن لمَّا وافقه شعبة أخرج له البخاريُّ، وقال في «تاريخه»: في حديثه نظرٌ (عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) أي: عن ابن مسعودٍ. ففيه: أنَّ شعبة وأبا مسلمٍ خالفا أبا شهابٍ الحنَّاط، ومن وافقَه في تسميةِ شيخ الأعمش، فقال الأوَّلون: عُمَارة، وقال هذان: إبراهيم التَّيميُّ. (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ، بالمعجمتين: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ عُمَارَةَ) بضم العين وتخفيف الميم، ابن عمير (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعودٍ، وغرض المؤلِّف الإعلام بأنَّ أبا معاويةَ خالف الجميعَ، فجعلَ الحديث عن (٦) الأعمشِ، عن عُمَارة بن عميرٍ (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ) جميعًا؛ لكنَّه عند عُمارة عن الأسود بن يزيد، وعند إبراهيم التَّيميِّ (٧) (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابن مسعودٍ، وأبو شهابٍ ومَن تبعَه جعلوهُ عند عُمَارة، عن الحارثِ بن سويدٍ. قال في «الفتح»: ورواية أبي معاويةَ لم أقف عليها في شيءٍ من السُّنن والمسانيد على هذين (٨) الوجهين، ثمَّ قال: وفي الجملةِ فقد اختلف فيه على عُمارة في شيخه هل هو الحارثُ بن سويدٍ أو الأسود؟ واختلف على الأعمشِ

стр. 11085

في شيخه هل هو عُمارة أو إبراهيم التَّيميُّ؟ والرَّاجح من الاختلاف كلِّه ما قاله أبو شهابٍ ومَن تبعه، ولذا اقتصر عليه مسلمٌ، وصدَّر به البخاريُّ كلامَه فأخرجه موصولًا، وذكر الاختلاف معلَّقًا كعادتهِ في الإسناد للإشارةِ إلى أنَّ مثل هذا الاختلاف غير قادحٍ، والله أعلم. تنبيهٌ: قوله: «حدَّثنا عبد الله حديثين أحدُهما عن النَّبيِّ ﷺ ، والآخرُ عن نفسه» أي: نفس ابن مسعودٍ ولم يصرِّح بالمرفوع. قال النَّوويُّ: قالوا (١): المرفوع: «للهُ أفرح … » إلى آخره والأوَّل قول ابن مسعودٍ، وكذا جزمَ ابن بطَّالٍ بأنَّ الأوَّل هو الموقوفُ، والثَّاني هو المرفوعُ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهو كذلك. ٦٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو: ابنُ منصورٍ، كما قال الجيانيُّ، ولفظه يحتمل أن يكون ابن منصورٍ، فإنَّ مسلمًا أخرج عن إسحاق بن منصورٍ، عن حبَّان حديثًا غير هذا، وقوَّاه الحافظُ ابن حَجرٍ بما في «باب البيعان بالخيار» في رواية أبي عليِّ بن شبويه: «حدَّثنا إسحاق بن منصورٍ: حدَّثنا حبَّان» [خ¦٢١١٠] فذكر حديثًا غير هذا، قال: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ابن هلال الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (٢) (هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، ولأبي ذرٍّ: «عن قتادة» قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال البخاريُّ: (ح (٣) وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحَدَّثني» بالإفراد (هُدْبَةُ) بن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اللهُ) بهمزة وصل (أَفْرَحُ) أرضى (بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ) وهو من باب التَّمثيل كما مرَّ، وهو أن يشبِّه الحال الحاصلة بتنجيز الرِّضا والإقبال على العبد التَّائب بحال مَن كان في المفازة على الصُّورة المذكورة في

стр. 11086

الحديث، ثمَّ يترك المشبَّه ويذكر المشبَّه به (١)، وفي مسلمٍ من رواية أبي هريرة وغيره: «لله أفرحُ بتوبةِ عبده المؤمن» (مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ) أي: صادفهُ وعثر عليهِ من غير قصدٍ فظفرَ به (وَقَدْ أَضَلَّهُ) ذهبَ منه بغير قصدهِ (فِي أَرْضِ فَلَاةٍ) بالإضافة، أي: مفازة ليس فيها ما يؤكلُ وما لا يُشرب. قال في «الفتح»: إلى هنا انتهتْ رواية قتادة. وزاد إسحاق بن أبي طلحة عن أنسٍ فيه -عند مسلمٍ-: «فانفلتتْ منه وعليهَا طعامهُ وشرابَهُ فآيس منها، فأَتى شجرةً فاضطجعَ في ظلِّها فنامَ، فبينما هو كذلكَ إذا بها قائمةٌ عنده فأخذَ بخطامهَا، ثمَّ قال من شدَّة الفرحِ: اللَّهمَّ أنتَ عبدِي وأنا ربُّك، أخطأَ من شدَّة الفرحِ»، وفيه كما قال القاضي عياضٌ: إنَّ مثل هذا إذا (٢) صدرَ في حال الدَّهشة والذُّهول لا يؤاخذُ به الإنسان، وكذا حكايتُه عنه على وجهِ العلم أو الفائدةِ الشَّرعيَّة لا على سبيلِ الهزءِ والعبث، والله تعالى بمنِّه وكرمهِ يعافينا من كلِّ مكروهٍ بمنِّه وكرمهِ (٣). (٥) (بابُ) استحباب (الضَّجْعِ) بفتح المعجمة وسكون الجيم (عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ) بكسر الشين المعجمة. ٦٣١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «حَدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابن راشدٍ عالم اليمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنة الفجر (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) لأنَّه كان يحبُّ التَّيمُّن (حَتَّى يَجِيءَ المُؤَذِّنُ فَيُؤْذِنَهُ) بسكون

стр. 11087

الواو وكسر الذال المعجمة مخففة، يُعْلِمُه بصلاة الصُّبح. قال في «الكواكب»: فإن قلت: ما وجه تعلُّق هذا بـ «كتاب الدَّعوات»؟ وأجاب: بأنَّه يعلم من سائر الأحاديث أنَّه كان ﵊ يدعو عند الاضطجاعِ. وقال في «الفتح»: وذكر المصنِّف هذا الباب والَّذي بعده توطئةً لِما يذكرهُ بعدهما من القول عند النَّوم. انتهى. والحديثُ أخرجهُ في «أبواب الوتر» [خ¦٩٩٤]. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه: الشَّخص (إِذَا بَاتَ طَاهِرًا) ولأبي ذرٍّ زيادة: «وفضله». ٦٣١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان (قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورًا) هو ابنُ المعتمر (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأول، وضمِّها في الثاني وآخره هاء تأنيث، الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ «قال لي رسولُ الله» (¬ ﷺ : إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم، أي: إذا أردتَ أن تأتي موضع نومك (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ) كوضوئك (لِلصَّلَاةِ) والأمر للنَّدب؛ لئلَّا يأتيه الموت بغتةً فيكون على هيئةٍ كاملةٍ. قال مجاهدٌ: قال لي ابن عبَّاسٍ: «لا تبيتنَّ إلَّا على وضوءٍ فإنَّ الأرواح تُبعث على ما قُبضت عليه». رواه عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجاله ثقاتٌ إلَّا يحيى القتَّات وهو صدوقٌ فيه كلام، ولِتَصْدق (١) رؤياهُ وليكون (٢) أبعد من تلاعب الشَّيطان به (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ) بكسر الشين المعجمة، جانبكَ (الأَيْمَنِ) لأنَّه أسرع للاستيقاظ؛ لتعلُّق

стр. 11088

القلب إلى جهة اليمين، فلا يثقل بالنَّوم (وَقُل: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ: «وجهي» بدل: «نفسي»، قيل: ذاتي، أي: جعلت نفسي منقادةً لك تابعةً لحكمك؛ إذ لا قدرةَ لي على تدبيرها، ولا على جلبِ ما ينفعها إليها، ولا على دفعِ ما يضرُّها عنها (وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ) أي: توكَّلت عليك في أمرِي كلِّه لتكفيني همَّه وتتولَّى صلاحَه (وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: اعتمدتُ في أمورِي عليك لتُعينني على ما يَنْفعني؛ لأنَّ من استند إلى شيءٍ تقوَّى به (رَهْبَةً) خوفًا من أليمِ عقابكَ (وَرَغْبَةً إِلَيْكَ) أي: طمعًا في رِفْدك وثوابك، وهما متعلِّقان بالإلجاءِ، وأسقط «من» مع ذكر الرَّهبة، وأعمل «إلى» مع ذكر الرَّغبة على طريقِ الاكتفاء (لَا مَلْجَأَ) بالهمز، أي: لا مهربَ (وَلَا مَنْجَا) بالقصر، لا مخلصَ (مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) ويجوزُ همز (١) «منجأ» للازدواج، وأن يترك الهمز فيهما، وأن يهمزَ المهموزَ ويترك الآخر. وقال في «الكواكب» في آخر (٢) الوضوء: هذان اللَّفظان إن كانا مصدرين يتنازعان في «منك» وإن كانا ظَرفين فلا؛ إذ اسمُ المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأَ منك إلى أحدٍ إلَّا إليك ولا مَنجا إلَّا إليك (آمَنْتُ بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَـ) هـ (٣) على رسولكَ ﷺ وهو يتضمَّن الإيمان بجميعِ كتب الله المنزلة (وَبِنَبِيِّكَ) محمَّد ﷺ (الَّذِي أَرْسَلْتَـ) هـ (٤) والإيمان به مستلزمٌ للإيمان بكلِّ الأنبياء (فَإِنْ مُتَّ) زاد في «الوضوء»: «من ليلتك» [خ¦٢٤٧] (مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ) أي: دينِ الإسلام. قال الشَّيخ أكمل الدِّين الحنفيُّ في «شرحه لمشارق الأنوار»: فإن قلتَ: إذا مات الإنسانُ على إسلامهِ ولم يكن ذكر من هذه الكلمات شيئًا فقد مات على الفطرة لا محالةَ، فما فائدة ذكر مثل هذه الكلمات؟ أُجيب بتنويع الفطرة، ففطرة القائلين: فطرة المقرَّبين الصَّالحين، وفطرة الآخرين: فطرةُ عامَّة المؤمنين. وردَّ بأنَّه يلزم أن يكون للقائلين فطرتان: فطرة المؤمنين، وفطرة المقرَّبين. وأُجيب بأنَّه لا يلزم ذلك بل إن مات القائلون فهم على فطرة المقرَّبين، وغيرهم لهم فطرة غيرهم. انتهى. وعند أحمد من رواية حُصين بن عبد الرَّحمن، عن سعد بن عبيدة: «بُني له بيتٌ في الجنَّة» بدل

стр. 11089

قوله: «مات على الفطرة» (وَاجْعَلْهُنَّ) أي: الكلمات، ولأبي ذرٍّ: «فاجعلهنَّ» بالفاء بدل الواو (آخِرَ مَا تَقُولُ) تلك اللَّيلة. قال البراء: (فَقُلْتُ أَسْتَذْكِرُهُنَّ) أي: الكلمات: (وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَـ) هـ (قَالَ) ﷺ : (لَا) تقل: ورسولك (١) بل قل: (وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَـ) هـ؛ لأنَّه ذكرٌ ودعاءٌ، فينبغي أن يُقْتصرَ فيه على اللَّفظ الواردِ بحروفه؛ لأنَّ الإجابة ربَّما تعلَّقت بتلك الحروف، أو لعلَّه أُوحي إليه بها، فتعيَّن أداؤها بلفظِها. والحديثُ سبق في آخر «كتاب الوضوء» قبل «الغسل» [خ¦٢٤٧]. (٧) (باب مَا يَقُولُ) الشَّخص (إِذَا نَامَ). ٦٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة، ابن عقبة الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُميرٍ (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد التحتية، و «حِراش» بالحاء المهملة المكسورة وبعد الراء ألف فشين معجمة (٢) (عَنْ حُذَيْفَةَ) ﵁، ولأبي ذرٍّ زيادة «ابن اليمان»، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى) بقصر الهمزة (إِلَى فِرَاشِهِ) دخل فيه (قَالَ: بِاسْمِكَ) بوصل الهمزة (أَمُوتُ وَأَحْيَا) بفتح الهمزة، أي: بذكرِ اسمكَ أحيا ما حييتُ وعليه أموتُ، أو المراد: باسمك المميت أموتُ، وباسمك المحيي أحيا؛ إذ معاني الأسماء الحسنى ثابتةٌ له تعالى، فكلُّ ما (٣) ظهر في الوجودِ فهو صادرٌ عن تلك المقتضيات (وَإِذَا قَام) من النَّوم (قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا) قال ابن الأثير: سمِّي النَّوم موتًا لأنَّه يزول معه العقلُ والحركة تمثيلًا وتشبيهًا. انتهى.

стр. 11090

قال الله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي: يسلب ما هي به حيَّةٌ حسَّاسةٌ درَّاكةٌ ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] أي: و (١) يتوفَّى الأنفس الَّتي لم تمتْ في منامها، أي: يتوفَّاها حين تنام تشبيهًا للنَّائمين بالموتى حيث (٢) لا يميزون ولا يتصرَّفون كما أنَّ الموتى كذلك، وقيل: يتوفَّى الأنفس الَّتي لم تمتْ في منامها هي أنفس التَّمييز، فالَّتي تتوفَّى في المنامِ هي نفس (٣) التَّمييز لا نفس الحياة؛ لأنَّ نفس الحياة إذا زالت زال معها النَّفس والنَّائم يتنفَّس، ولكلِّ إنسانٍ نفسان: نفس الحياة الَّتي تفارقه عند الموت، والأخرى: نفس التَّمييز الَّتي تفارقه إذا نام. وعن ابن عبَّاسٍ: «في ابن آدم نفسٌ وروحٌ بينهما مثل شعاع الشَّمس، فالنَّفس الَّتي بها العقل والتَّمييز، والرُّوح الَّتي بها النَّفس والتَّحرك، فإذا نام الإنسان قبض الله نفسه ولم يقبضْ روحه» (وَإِلَيْهِ) تعالى (النُّشُورُ) الإحياءُ للبعث يوم القيامة. فإن قيل: ما سبب الشُّكر على الانتباه من النَّوم؟ أجاب في «شرح المشكاة»: بأنَّ انتفاع الإنسان بالحياة إنَّما هو بتحرِّي رضا الله عنه (٤)، وتوخِّي طاعته، والاجتناب عن سخطه وعقابهِ، فمَن نامَ زال عنه هذا الانتفاعُ، ولم يأخذْ نصيب حياته وكان (٥) كالميِّت، فكان قوله (٦): الحمد لله، شكرًا لنيل هذه النِّعمة، وزوال ذلك المانع. (تُنْشِرهَا) بالفوقية المضمومة أوله، أي: (تُخْرِجُهَا) كذا في الفرع وأصله، وهو ثابتٌ في رواية الحَمُّويي، والَّذي في القرآن: ﴿نُنِشرُهَا﴾ بالنون، ورواه الطَّبريُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ.

стр. 11091

والحديثُ أخرجه البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٩٤]، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في اليوم واللَّيلة، وابن ماجه في «الدُّعاء». ٦٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة، و «سعْد» في الفرع بسكون العين، والَّذي في «اليونينيَّة» وهو (١) الصَّواب (٢): «سعيد» بكسرها ثمَّ تحتية، البصريُّ (وَمُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح فسكون ففتح مهملات (قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (سَمِعَ) ولأبي ذرٍّ: «سمعتُ» (البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا) زاد أحمد: «من الأنصارِ» قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله (الهَمْدَانِيُّ) بفتح الهاء وسكون الميم بعدها دال مهملة، السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ (٣) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي «عن أبي إسحاق: سمعتُ البراء بن عازبٍ (٤)». قال في «الفتح»: والأوَّل أصوب، وإلَّا لكان موافقًا للرِّواية الأولى من كلِّ وجهٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى رَجُلًا) هو البراء راوي الحديث (فَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ) جعلتها منقادةً لك (وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ) لتتولَّى صلاحه (وَوَجَّهْتُ وَجْهِي) أي: ذاتي (إِلَيْكَ) وهذه ليست في الرِّواية السَّابقة في الباب قبل هذا [خ¦٦٣١١] (وَأَلْجَأْتُ) أسندتُ

стр. 11092

(ظَهْرِي إِلَيْكَ) قال في «شرح المشكاة»: في (١) قوله: «أسلمتُ نفسي إليك» إشارة إلى أنَّ جوارحَه مُنْقادة (٢) لله تعالى في أوامره ونواهيه، وقوله: «وجَّهتُ وجهي إليك» إلى أنَّ ذاته مُخْلَصة له تعالى بريئةٌ من النِّفاق، «وفوَّضت» إلى أنَّ أموره الخارجة والدَّاخلة مفوَّضةٌ إليه لا مدبِّر لها غيره، «وألجأتُ» بعد قوله: «وفُوَّضت» تفويض أموره الَّتي هو مفتقرٌ إليها وبها معاشه (٣) وعليها مدارُ أمره (رَغبَةً وَرَهبَةً إِلَيكَ) منصوبان على المفعول له على طريقة اللَّف والنَّشر، أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري من المكاره والشَّدائد إليك رهبةً منك؛ لأنَّه (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا) بالقصر فيهما في الفرع كأصله للازدواج (مِنْكَ) إلى أحدٍ (إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ) القرآن المستلزم الإيمان به الإيمان بسائر الكتب السَّماويَّة (٤) (الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ) من ليلتك (مُتَّ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة. وسبق هذا (٥) الحديث قريبًا [خ¦٦٣١١] وفي «الوضوء» [خ¦٢٤٧]. (٨) (باب) استح بابِ (وَضْعِ اليَدِ اليُمْنَى تَحْتَ الخَدِّ الأَيْمَنِ) ولأبي ذرٍّ: «اليُمنى» على تأنيث الخدِّ لغةً فيه لكن رأيتُ في حاشية الفرع كأصله (٦). قال ابن سيده في «المحكم»: قال الجيانيُّ: وهو مذكَّرٌ لا غير، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «اليمنى» من قوله: «اليد اليمنى». ٦٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عميرٍ (عَنْ رِبْعِيٍّ) بكسر الراء

стр. 11093

وسكون الموحدة، ابن حراشٍ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بفتح الجيم (مِنَ اللَّيْلِ) صلةٌ لـ «أخذ» على طريق الاستعارة؛ لأنَّ لكلِّ أحدٍ حظًّا منه وهو السُّكون والنَّوم، فكأنَّه يأخذُ منه حظَّه ونصيبه. قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] فالمضجع على هذا يكون مصدرًا (وَضَعَ يَدَهُ) زاد أحمدُ من (١) طريق شريكٍ، عن عبد الملك بن عُميرٍ: «اليُمنى» (تَحْتَ خَدِّهِ) وبهذه (٢) الزِّيادة يحصل الغرض من التَّرجمة، وجرى المؤلِّف على عادتهِ في الإشارة إلى ما (٣) وقع في بعض طرق الحديث (ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ) بذكر اسمك (أَمُوتُ وَأَحْيَا) بفتح الهمزة (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا) أي: ردَّ أنفسنَا بعد ما (٤) قبضَها عن التَّصرُّف بالنَّوم، والنَّوم أخو الموت (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الإحياءُ بعد الإماتةِ، والبعثُ يوم القيامة. والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦٣١٢]. (٩) (باب) استح بابِ (النَّوْمِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ). ٦٣١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ مولاهم

стр. 11094

البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا العَلَاءُ بْنُ المُسَيَّبِ) بفتح التَّحتية، ابن رافعٍ الأسديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) المسيَّب بن رافعٍ الكاهليُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ إِذَا أَوَى) بقصر الهمزة (إِلَى فِرَاشِهِ) دخل فيه (نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) بكسر الشين المعجمة (ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي) ذاتي (إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي) قصدِي (إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ) إذ لا قدرةَ لي على صلاحه (وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: توكَّلت عليك واعتمدتك في أمري، كما يعتمدُ الإنسانُ بظهره إلى ما يسنده (رَغْبَةً) طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) خوفًا من عقابكَ، وأخرج النَّسائيُّ وأحمدُ من طريق حُصين بن عبد الرَّحمن عن سعيدِ بن عبيدة عن البراءِ بن عازبٍ: «رهبةً منك ورغبةً إليك» (لَا مَلْجَأَ) بالهمز (وَلَا مَنْجَا) بغير همز وفتح الميم فيهما (مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ) اسم جنسٍ شامل لكلِّ كتاب سماويٍّ (وَنَبِيِّكَ) ولأبي ذرٍّ: «وبنبيِّك» (الَّذِي أَرْسَلْتَ) وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «أرسلته»، و «أنزلته» بزيادة الضَّمير فيهما (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ) قال في «شرح المشكاة»: فيه إشارةٌ إلى وقوع ذلك قبلَ أن ينسلخ النَّهار من اللَّيل وهو تحتَه، أو المعنَى بالتَّحت؛ أي (٢): مات تحت نازلٍ ينزل عليه (٣) في ليلته (مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ) أي: على الدِّين القويم ملَّة إبراهيم فإنَّه ﵊ أسلم واستسلم. وقال جماعةٌ: دين الإسلام، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة، كقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] قال الكِرمانيُّ: وهذا الذِّكر مشتملٌ على الإيمان بكلِّ ما يجبُ به الإيمان إجمالًا من الكتب والرُّسل من الإلهيات والنُّبوَّات، وعلى إسناد الكلِّ إلى الله من الذَّوات ويدلُّ عليه الوجه، ومن الصِّفات ويدلُّ عليه من الأمور، ومن الأفعال ويدلُّ عليه إسناد الظَّهر على ما فيه من التَّوكُّل على الله والرِّضا بقضائه، وهذا بحسب المعاش، وعلى الاعتراف بالثَّواب والعقاب خيرًا وشرًّا، وهذا بحسب المعاد. (﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]) في سورة الأعراف هو (مِنَ الرَّهْبَةِ) وهي الخوفُ (﴿مَلَكُوتِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]) تفسيره (مُلْكٌ) بضم الميم وسكون اللام (مَثَلُ: رَهَبُوتٌ) بفتح الميم والمثلثة، مصحَّحًا عليه في «اليونينيَّة» (خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ) في الوزن (تَقُولُ: تَرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ) بفتح

стр. 11095

الأول والثالث فيهما، كذا في الفرع وأصله (١) بفتح المثناة الفوقية فيهما مصلحًا على كشطٍ، وفي غيرهما (٢) بضمها، أي: لأَنْ تَرهب خيرٌ من أن تَرحم، وسقط قوله «﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ كذا (٣) في الفرع وأصله (٤). وقال (٥) الحافظ: وقع في «مستخرج أبي نُعيم» في هذا الموضع (٦) ما نصّه: «﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ … » إلى آخره، ولم أره لغيره هنا. وقال العينيُّ: هذا لم يقعْ في بعض النُّسخ وليس لذكره مناسبةٌ هنا، وإنَّما وقع هذا في «مستخرج أبي نُعيم». (١٠) (باب) استح باب (الدُّعَاءِ إِذَا انْتَبَهَ بِاللَّيْلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من اللَّيل». ٦٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ) بفتح الميم، عبد الرَّحمن (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهيلٍ (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بِتُّ عِنْدَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة أمّ المؤمنين خالة ابن عبَّاسٍ ﵃

стр. 11096

(فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ، غَسَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فغسل» (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى القِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا) بكسر (١) الشين المعجمة وبعد النون ألف فقاف، رِبَاطها (ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ) بضم الواو، ولأبي ذرٍّ: بفتحها، من غير تقتيرٍ ولا تبذيرٍ، كما فسَّره بقوله: (لَمْ يُكْثِرْ) بأن اكتفى بأقلَّ من الثَّلاث في الغسل (وَقَدْ أَبْلَغَ) أوصلَ الماء إلى ما يجبُ إيصالهُ (٢) إليه (فَصَلَّى، فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ) بالمثناة التَّحتية السَّاكنة، وأصله: تمطَّط، أي: تمدَّد، وقيل: هو من المَطَا، وهو الظَّهر؛ لأنَّ المتمطِّي يمدُّ مَطَاه، أي: ظهرهُ (كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى) ﷺ (أَنِّي كُنْتُ أَنْقِيْه) بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة، كذا في الفرع مصلَّحةً على كشطٍ، ولأبي ذرٍّ في هامشه كأصله (٣): «أَرْقبه» براء ساكنة بعد همزة مفتوحة وبعد القاف موحدة، ولم يرقم عليه في «اليونينيَّة» وفي (٤) «الفتح»: «أتَّقِيه» بمثنَّاة فوقيَّة مشددة وقاف مكسورة، كذا (٥) للنَّسفيِّ (٦) وطائفة. وقال الخطَّابيُّ: أي: أرتقبه. وفي روايةٍ: «أتنَقَّبه» بتخفيف النون وتشديد القاف ثمَّ موحدة، من التَّنقيب، وهو التَّفتيش، وفي رواية القابسيِّ: «أبغيه» بموحدة ساكنة بعدها غين معجمة مكسورة ثمَّ تحتية، أي: أطلبه. قال: والأكثر: «أرقبُه» وهي أوجه (فَتَوَضَّأْتُ، فَقَامَ) ﷺ (يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ (٧)، فَتَتَامَّتْ) بمثنَّاتين تفاعل، وهو لا يجيءُ إلَّا لازمًا، أي: تكاملت (صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ) ﵊ (إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ) بالمد، أي: أعلمه (بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) لأنَّه تنام عينه ولا ينام قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه (وَكَانَ يَقُولُ فِي) جملةِ (دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) يكشف لي عن المعلومات (وَفِي بَصَرِي نُورًا) يكشفُ المبصرات (وَفِي سَمْعِي نُورًا) مَظهرًا للمسموعات (وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وعن شمالي» (نُورًا) وخصَّ القلب والبصر والسَّمع بـ «في» الظَّرفيَّة؛ لأنَّ

стр. 11097

القلب مقرُّ الفكرة (١) في آلاء الله، والبصر مَسارح آيات الله المصونة، والأسماع مراسي أنوار وحي الله ومحطُّ آياته المنزلة، وخصَّ اليمين والشِّمال بـ «عن» إيذانًا بتجاوز الأنوار عن قلبهِ وسمعهِ وبصرهِ إلى مَن عن يمينهِ وشمالهِ من أتباعهِ، قاله الطِّيبيُّ (وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا) ثمَّ أجمل ما فصَّله بقوله: (وَاجْعَلْ لِي نُورًا) فذلكَةً لذلك وتوكيدًا له، وقد سأل ﷺ النُّور في أعضائهِ وجهاته ليزدادَ في أفعاله وتصرُّفاته ومتقلَّباته نورًا على نورٍ، فهو دعاءٌ بدوام ذلك، فإنَّه كان حاصلًا له لا محالة، أو هو تعليمٌ لأمَّته. وقال الشَّيخ أكمل الدِّين: أمَّا النُّور الَّذي عن يمينه فهو المؤيِّد له والمعين على ما يطلبه من النُّور الَّذي بين يديه، والَّذي عن يساره نور الوقاية، والَّذي خلفه فهو النُّور الِّذي يسعى بين يدي مَن يقتدي به ويتبعه، فهو لهم من بين أيدِيهم وهو له ﷺ من خلفهِ فيتَّبعونَه على بصيرةٍ، كما أنَّ المتَّبع على بصيرةٍ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وأمَّا (٢) النُّور الَّذي فوقه فهو تنزُّل نورٍ إلهيٍّ قدسيٍّ بعلمٍ غريبٍ لم يتقدَّمه خبرٌ، ولا يعطيه نظرٌ، وهو الَّذي يعطي من العلم بالله ما تردُّه (٣) الأدلَّة العقليَّة إذا لم يكن لها إيمانٌ، فإن كان لها إيمانٌ نُوراني قبلته بتأويلٍ للجمع بين الأمرين وقوله: «واجعل لي نورًا» يجوز أنَّه ﷺ أراد نورًا عظيمًا جامعًا للأنوار كلِّها يعني الَّتي ذكرها هنا والَّتي لم يذكرها، كأنوار السَّماء الإلهيَّة، وأنوار الأرواح وغير ذلك، وتحقيقُ هذا المقام يقتضي بسطًا يخرج عن غرضِ الاختصار. (قَالَ كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ بالسَّند المذكور: (وَسَبْعٌ) من الكلمات أو الأنوار (فِي التَّابُوتِ) الصَّدر الَّذي هو (٤) وعاءُ القلبِ تشبيهًا بالتَّابوت الَّذي يحرزُ فيه المتاع، أو التَّابوت الَّذي كان لبني إسرائيل فيه السَّكينة، أو الصُّندوق، أي: سبعٌ مكتوبةٌ عند كُريبٍ لم يحفظها ذلك الوقت، أو المراد بالتَّابوت حينئذٍ أنَّ السَّبعة بجسدِ الإنسان لا بالمعاني كالجهات السِّتِّ. قال كُريبٌ أو سلمة بن كُهيلٍ: (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ العَبَّاسِ) هو عليُّ بن عبد الله بن العبَّاس ﵃ (فَحَدَّثَنِي

стр. 11098

بِهِنَّ، فَذَكَرَ عَصَبِي) بفتح العين والصاد المهملتين ثمَّ موحدة، أطناب المفاصلِ (وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي) ظاهرُ جلده (١) الشَّريف (وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ) أي: العظم والمخّ، كما قاله السَّفاقسيُّ والدَّاوديُّ (٢). وقال في «الكواكب»: لعلَّهما الشَّحم والعظم. وفي مسلمٍ من طريق عُقيلٍ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ: فدعا رسولُ الله ﷺ بتسع عشرة كلمة حدَّثنيها كريبٌ فحفظتُ منها عشرة ونسيتُ ما بقي، فذكر ما في رواية الثَّوريِّ، وزاد: «في لساني نورًا» بعد قوله: «في قلبي»، وقال في آخره: «واجعل لي في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا». وعند التِّرمذيِّ -وقال: غريبٌ- من طريق داود بن عليِّ بن عبد الله بنِ عبَّاسٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: سمعتُ نبيَّ الله ﷺ ليلةً حين فرغَ من صلاتهِ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ رحمةً مِن عندِكَ» الحديث. وفيه: «اللَّهُمَّ اجعَل لِي نُورًا فِي قبرِي» ثمَّ ذكر القلب، ثمَّ الجهاتِ السِّتَّ والسَّمع والبصر، ثمَّ الشَّعر والبشر، ثمَّ اللَّحم والدَّم، ثمَّ العظام، ثمَّ قال في آخره: «اللَّهُمَّ أعظِم لِي نُورًا وأعطِنِي نُورًا واجعَل لِي نُورًا». وعند ابن أبي عاصمٍ في «كتاب الدُّعاء» من طريق عبدِ الحميد بن عبد الرَّحمن، عن كُريبٍ في آخرِ الحديث: «وَهَبْ لِي نُورًا على نُورٍ (٣)». والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الصَّلاة» وفي «الطَّهارة»، وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه في «الطَّهارة». ٦٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن

стр. 11099

عُيينة قال: (سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ) الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ) حال من الضَّمير في «قام» (قَالَ) في موضع نصب خبر «كان» أي: كان ﷺ عند قيامهِ متهجِّدًا (١) يقول: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) وفي (٢) رواية مالكٍ عن أبي الزُّبير عن طاوسٍ: «إذا قام إلى الصَّلاة من جوف اللَّيل» وظاهر السِّياق: أنَّه كان يقوله أوَّل ما يقوم إلى الصَّلاة، والتَّهجُّد: التَّيقُّظ من النَّوم، والهجودُ: النَّومُ، فمعناه: التَّجنُّب عن النَّوم، والحمدُ: الوصفُ بالجميل على التَّفضيل، والألف واللَّام فيه للاستغراق (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) منوِّرهما (وَ) منوِّر (مَنْ فِيهِنَّ) بنورِ هدايتك، وعبَّر بـ «مَن» دون «ما» تغليبًا للعقلاء على غيرهم (وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) المدبِّر لهم في جميعِ أحوالهم فلا يُتصوَّر وجودُ موجودٍ إلَّا به (وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ) أي: المتحقِّق الوجود الثَّابت بلا شكٍّ فيه (وَوَعْدُكَ حَقٌّ) ثابتٌ لا يدخله شكٌّ في وقوعه وتحقُّقه، ولأبي ذرٍّ: «الحقُّ» بالتَّعريف (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي: مدلوله ثابتٌ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتَّعريف كالسَّابقة (وَلِقَاؤُكَ) بعد الموت في القيامة (حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ) وهو (٣) قيامها (حَقٌّ) فلا بدَّ منه، وهو ممَّا يجب الإيمان به -فمنكرهُ كافرٌ- ثبَّتنا الله على ذلك وعلى تصديقِ كلِّ ما جاءتْ به الرُّسل صلواتُ الله وسلامُه عليهم (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ) لا يجوزُ إنكار واحدٍ منهم (وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ) عطفه (٤) عليهم إيذانًا بالتَّغاير؛ إذ إنَّه فائقٌ عليهم بخصوصيَّاتٍ اختصَّ بها دونهم وجرَّده عن ذاته كأنَّه غيره، ووجبَ عليه الإيمان به وتصديقه مبالغةً في إثبات نبوَّته، وهذه كلُّها وسائلُ قُدِّمت لتحقيقِ (٥) المطلوب من قوله: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) انقدتُ لأمرك ونهيكَ (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت الأمرَ إليك قاطعًا النَّظر عن الأسباب العاديَّة (وَبِكَ آمَنْتُ) صدَّقتُ بك، وبما أنزلتَ (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) رجعتُ مقبلًا بالقلب عليك (وَبِكَ) بما أعطيتنِي من البرهان والسِّنان (٦) (خَاصَمْتُ) الخصم: المعاند،

стр. 11100

وقمعتُه بالحجَّة والسَّيف (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من جَحد (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أخفيتُ وأظهرتُ، أو ما تحرَّك به لساني أو حدَّثت به نفسِي، قال ذلك مع القطعِ له بالمغفرةِ تواضعًا وتعظيمًا لله تعالى وتعليمًا وإرشادًا للأمَّة (١) (أَنْتَ المُقَدِّمُ) لي في البعثِ في القيامة (وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ) لي في البعثِ في الدُّنيا (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ -أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ-) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ بإسقاط الألف من «أو». والحديثُ سبق في «أوَّل التَّهجد»، في «آخر كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٢٠]. (١١) (باب) استحبابِ (التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ) وكذا التَّحميد للشَّخص (عِنْدَ المَنَامِ). ٦٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتيبة (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (عَنْ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ ﵁ (أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ) بالتَّخفيف (مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى) من أثر إدارة الرَّحى، وهي بالقصر (٢) لطحنِ البرِّ والشَّعير (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا) جَارِيَةً تخدمها، ويطلق على الذَّكر،
следующие страницы →