(فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى حَاجَتَهُ، غَسَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فغسل» (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى القِرْبَةَ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا) بكسر (١) الشين المعجمة وبعد النون ألف فقاف، رِبَاطها (ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ) بضم الواو، ولأبي ذرٍّ: بفتحها، من غير تقتيرٍ ولا تبذيرٍ، كما فسَّره بقوله: (لَمْ يُكْثِرْ) بأن اكتفى بأقلَّ من الثَّلاث في الغسل (وَقَدْ أَبْلَغَ) أوصلَ الماء إلى ما يجبُ إيصالهُ (٢) إليه (فَصَلَّى، فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ) بالمثناة التَّحتية السَّاكنة، وأصله: تمطَّط، أي: تمدَّد، وقيل: هو من المَطَا، وهو الظَّهر؛ لأنَّ المتمطِّي يمدُّ مَطَاه، أي: ظهرهُ (كَرَاهِيَةَ أَنْ يَرَى) ﷺ (أَنِّي كُنْتُ أَنْقِيْه) بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة، كذا في الفرع مصلَّحةً على كشطٍ، ولأبي ذرٍّ في هامشه كأصله (٣): «أَرْقبه» براء ساكنة بعد همزة مفتوحة وبعد القاف موحدة، ولم يرقم عليه في «اليونينيَّة» وفي (٤) «الفتح»: «أتَّقِيه» بمثنَّاة فوقيَّة مشددة وقاف مكسورة، كذا (٥) للنَّسفيِّ (٦) وطائفة. وقال الخطَّابيُّ: أي: أرتقبه. وفي روايةٍ: «أتنَقَّبه» بتخفيف النون وتشديد القاف ثمَّ موحدة، من التَّنقيب، وهو التَّفتيش، وفي رواية القابسيِّ: «أبغيه» بموحدة ساكنة بعدها غين معجمة مكسورة ثمَّ تحتية، أي: أطلبه. قال: والأكثر: «أرقبُه» وهي أوجه (فَتَوَضَّأْتُ، فَقَامَ) ﷺ (يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ (٧)، فَتَتَامَّتْ) بمثنَّاتين تفاعل، وهو لا يجيءُ إلَّا لازمًا، أي: تكاملت (صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ) ﵊ (إِذَا نَامَ نَفَخَ فَآذَنَهُ) بالمد، أي: أعلمه (بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) لأنَّه تنام عينه ولا ينام قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه (وَكَانَ يَقُولُ فِي) جملةِ (دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) يكشف لي عن المعلومات (وَفِي بَصَرِي نُورًا) يكشفُ المبصرات (وَفِي سَمْعِي نُورًا) مَظهرًا للمسموعات (وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وعن شمالي» (نُورًا) وخصَّ القلب والبصر والسَّمع بـ «في» الظَّرفيَّة؛ لأنَّ
стр. 11097
القلب مقرُّ الفكرة (١) في آلاء الله، والبصر مَسارح آيات الله المصونة، والأسماع مراسي أنوار وحي الله ومحطُّ آياته المنزلة، وخصَّ اليمين والشِّمال بـ «عن» إيذانًا بتجاوز الأنوار عن قلبهِ وسمعهِ وبصرهِ إلى مَن عن يمينهِ وشمالهِ من أتباعهِ، قاله الطِّيبيُّ (وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا) ثمَّ أجمل ما فصَّله بقوله: (وَاجْعَلْ لِي نُورًا) فذلكَةً لذلك وتوكيدًا له، وقد سأل ﷺ النُّور في أعضائهِ وجهاته ليزدادَ في أفعاله وتصرُّفاته ومتقلَّباته نورًا على نورٍ، فهو دعاءٌ بدوام ذلك، فإنَّه كان حاصلًا له لا محالة، أو هو تعليمٌ لأمَّته.
وقال الشَّيخ أكمل الدِّين: أمَّا النُّور الَّذي عن يمينه فهو المؤيِّد له والمعين على ما يطلبه من النُّور الَّذي بين يديه، والَّذي عن يساره نور الوقاية، والَّذي خلفه فهو النُّور الِّذي يسعى بين يدي مَن يقتدي به ويتبعه، فهو لهم من بين أيدِيهم وهو له ﷺ من خلفهِ فيتَّبعونَه على بصيرةٍ، كما أنَّ المتَّبع على بصيرةٍ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وأمَّا (٢) النُّور الَّذي فوقه فهو تنزُّل نورٍ إلهيٍّ قدسيٍّ بعلمٍ غريبٍ لم يتقدَّمه خبرٌ، ولا يعطيه نظرٌ، وهو الَّذي يعطي من العلم بالله ما تردُّه (٣) الأدلَّة العقليَّة إذا لم يكن لها إيمانٌ، فإن كان لها إيمانٌ نُوراني قبلته بتأويلٍ للجمع بين الأمرين وقوله: «واجعل لي نورًا» يجوز أنَّه ﷺ أراد نورًا عظيمًا جامعًا للأنوار كلِّها يعني الَّتي ذكرها هنا والَّتي لم يذكرها، كأنوار السَّماء الإلهيَّة، وأنوار الأرواح وغير ذلك، وتحقيقُ هذا المقام يقتضي بسطًا يخرج عن غرضِ الاختصار.
(قَالَ كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ بالسَّند المذكور: (وَسَبْعٌ) من الكلمات أو الأنوار (فِي التَّابُوتِ) الصَّدر الَّذي هو (٤) وعاءُ القلبِ تشبيهًا بالتَّابوت الَّذي يحرزُ فيه المتاع، أو التَّابوت الَّذي كان لبني إسرائيل فيه السَّكينة، أو الصُّندوق، أي: سبعٌ مكتوبةٌ عند كُريبٍ لم يحفظها ذلك الوقت، أو المراد بالتَّابوت حينئذٍ أنَّ السَّبعة بجسدِ الإنسان لا بالمعاني كالجهات السِّتِّ. قال كُريبٌ أو سلمة بن كُهيلٍ: (فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ العَبَّاسِ) هو عليُّ بن عبد الله بن العبَّاس ﵃ (فَحَدَّثَنِي
стр. 11098
بِهِنَّ، فَذَكَرَ عَصَبِي) بفتح العين والصاد المهملتين ثمَّ موحدة، أطناب المفاصلِ (وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي) ظاهرُ جلده (١) الشَّريف (وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ) أي: العظم والمخّ، كما قاله السَّفاقسيُّ والدَّاوديُّ (٢). وقال في «الكواكب»: لعلَّهما الشَّحم والعظم. وفي مسلمٍ من طريق عُقيلٍ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ: فدعا رسولُ الله ﷺ بتسع عشرة كلمة حدَّثنيها كريبٌ فحفظتُ منها عشرة ونسيتُ ما بقي، فذكر ما في رواية الثَّوريِّ، وزاد: «في لساني نورًا» بعد قوله: «في قلبي»، وقال في آخره: «واجعل لي في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا».
وعند التِّرمذيِّ -وقال: غريبٌ- من طريق داود بن عليِّ بن عبد الله بنِ عبَّاسٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: سمعتُ نبيَّ الله ﷺ ليلةً حين فرغَ من صلاتهِ يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ رحمةً مِن عندِكَ» الحديث. وفيه: «اللَّهُمَّ اجعَل لِي نُورًا فِي قبرِي» ثمَّ ذكر القلب، ثمَّ الجهاتِ السِّتَّ والسَّمع والبصر، ثمَّ الشَّعر والبشر، ثمَّ اللَّحم والدَّم، ثمَّ العظام، ثمَّ قال في آخره: «اللَّهُمَّ أعظِم لِي نُورًا وأعطِنِي نُورًا واجعَل لِي نُورًا». وعند ابن أبي عاصمٍ في «كتاب الدُّعاء» من طريق عبدِ الحميد بن عبد الرَّحمن، عن كُريبٍ في آخرِ الحديث: «وَهَبْ لِي نُورًا على نُورٍ (٣)».
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الصَّلاة» وفي «الطَّهارة»، وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه في «الطَّهارة».
٦٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن
стр. 11099
عُيينة قال: (سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ) الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ) حال من الضَّمير في «قام» (قَالَ) في موضع نصب خبر «كان» أي: كان ﷺ عند قيامهِ متهجِّدًا (١) يقول: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) وفي (٢) رواية مالكٍ عن أبي الزُّبير عن طاوسٍ: «إذا قام إلى الصَّلاة من جوف اللَّيل» وظاهر السِّياق: أنَّه كان يقوله أوَّل ما يقوم إلى الصَّلاة، والتَّهجُّد: التَّيقُّظ من النَّوم، والهجودُ: النَّومُ، فمعناه: التَّجنُّب عن النَّوم، والحمدُ: الوصفُ بالجميل على التَّفضيل، والألف واللَّام فيه للاستغراق (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) منوِّرهما (وَ) منوِّر (مَنْ فِيهِنَّ) بنورِ هدايتك، وعبَّر بـ «مَن» دون «ما» تغليبًا للعقلاء على غيرهم (وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) المدبِّر لهم في جميعِ أحوالهم فلا يُتصوَّر وجودُ موجودٍ إلَّا به (وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ) أي: المتحقِّق الوجود الثَّابت بلا شكٍّ فيه (وَوَعْدُكَ حَقٌّ) ثابتٌ لا يدخله شكٌّ في وقوعه وتحقُّقه، ولأبي ذرٍّ: «الحقُّ» بالتَّعريف (وَقَوْلُكَ حَقٌّ) أي: مدلوله ثابتٌ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالتَّعريف كالسَّابقة (وَلِقَاؤُكَ) بعد الموت في القيامة (حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ) وهو (٣) قيامها (حَقٌّ) فلا بدَّ منه، وهو ممَّا يجب الإيمان به -فمنكرهُ كافرٌ- ثبَّتنا الله على ذلك وعلى تصديقِ كلِّ ما جاءتْ به الرُّسل صلواتُ الله وسلامُه عليهم (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ) لا يجوزُ إنكار واحدٍ منهم (وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ) عطفه (٤) عليهم إيذانًا بالتَّغاير؛ إذ إنَّه فائقٌ عليهم بخصوصيَّاتٍ اختصَّ بها دونهم وجرَّده عن ذاته كأنَّه غيره، ووجبَ عليه الإيمان به وتصديقه مبالغةً في إثبات نبوَّته، وهذه كلُّها وسائلُ قُدِّمت لتحقيقِ (٥) المطلوب من قوله: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) انقدتُ لأمرك ونهيكَ (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت الأمرَ إليك قاطعًا النَّظر عن الأسباب العاديَّة (وَبِكَ آمَنْتُ) صدَّقتُ بك، وبما أنزلتَ (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) رجعتُ مقبلًا بالقلب عليك (وَبِكَ) بما أعطيتنِي من البرهان والسِّنان (٦) (خَاصَمْتُ) الخصم: المعاند،
стр. 11100
وقمعتُه بالحجَّة والسَّيف (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من جَحد (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أخفيتُ وأظهرتُ، أو ما تحرَّك به لساني أو حدَّثت به نفسِي، قال ذلك مع القطعِ له بالمغفرةِ تواضعًا وتعظيمًا لله تعالى وتعليمًا وإرشادًا للأمَّة (١) (أَنْتَ المُقَدِّمُ) لي في البعثِ في القيامة (وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ) لي في البعثِ في الدُّنيا (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ -أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ-) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ بإسقاط الألف من «أو».
والحديثُ سبق في «أوَّل التَّهجد»، في «آخر كتاب الصَّلاة» [خ¦١١٢٠].
(١١) (باب) استحبابِ (التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ) وكذا التَّحميد للشَّخص (عِنْدَ المَنَامِ).
٦٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتيبة (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (عَنْ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ ﵁ (أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ شَكَتْ) بالتَّخفيف (مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى) من أثر إدارة الرَّحى، وهي بالقصر (٢) لطحنِ البرِّ والشَّعير (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا) جَارِيَةً تخدمها، ويطلق على الذَّكر،
стр. 11101
وكان قد بلغها أنَّه جاءه رقيقٌ، كما في «النَّفقات» من طريق يحيى القطَّان عن شعبة [خ¦٥٣٦١] (فَلَمْ تَجِدْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) ﵂ (فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ) عائشة ﵂ (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَجَاءَنَا) ﷺ (وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ أَقُومُ فَقَالَ: مَكَانَكَ) الزمْهُ، وفي «اليونينيَّة» كشط نصبة الكاف ولم يضبطْها. نعم، في «آل ملك» كسرها، فليتأمَّل (١) (فَجَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية (عَلَى صَدْرِي) زاد مسلمٌ (٢) هنا «إنِّي أُخبِرتُ أنَّكِ جئتِ تطلُبِيني فما حاجتُك؟» قالت: بلغني أنَّه قدم عليك خدمٌ فأحببتُ أن تُعْطيني خادمًا يَكفيني الخبز والعجن، فإنَّه قد شقَّ عليَّ (فَقَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) في الآخرة (٣)؟ أو أنَّه يحصلُ لكما بسبب ذلك قوَّةٌ تقدران بها على الخدمةِ أكثر ممَّا يقدرُ الخادم عليه؟ قالا: بلى، فقال: «كلِمَاتٍ علَّمَنِيهنَّ جبريلُ» (إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا -أَوْ: أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي -سليمان بن حربٍ- كما في «الفتح» (فَكَبِّرَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) مرَّةً (وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهَذَا) التَّكبير وما بعده إذا قلتماهُ في الوقتِ المذكور (خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ) فأحبَّ (٤) لابنته وزوجها ما أحبَّ لنفسه من إيثار الفقر، وتحمُّل شدَّته بالصَّبر عليه تعظيمًا للأجر، وآثر أهل الصُّفَّة لوقفهم أنفسهم على سماع العلم المقتضي لعدمِ التكسُّبِ. وقال الطِّيبيُّ: وهذا من باب تلقِّي المخاطب بغير ما يتطلَّب إيذانًا بأنَّ الأهمَّ من المطلوب هو التَّزوُّد للمعاد والتَّجافي من دارِ الغرور.
(وَعَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، بالسَّند السَّابق (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد، موقوفًا (٥) عليه، أنَّه (قَالَ: التَّسْبِيحُ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ) ووقع في مرسل عروة -عند جعفر-: أنَّ التَّحميد أربع، واتِّفاق الرُّواة على أنَّ الأربع للتَّكبير أرجحُ.
والحديثُ سبق في «باب الدَّليل على أنَّ الخُمس لنوائبِ رسول الله ﷺ »، من «كتاب الخُمس» [خ¦٣١١٣].
стр. 11102
(١٢) (باب التَّعَوُّذِ وَالقِرَاءَةِ عِنْدَ المَنَامِ) مصدرٌ ميميٌّ، ولأبي ذرٍّ: «عند النَّوم».
٦٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّد الكلاعيُّ الدِّمشقيُّ، ثمَّ (١) التِّنِّيسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ محمَّد (٢)، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بفتح الجيم (نَفَثَ فِي يَدَيْهِ) بالمثلثة، نفخ كالَّذي يبصقُ، وقيل: لا بصاق فيه، فإن كان فهو التَّفل، وقيل: هما بمعنًى، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «في يده» بالإفراد (وَقَرَأَ بِالمُعَوِّذَاتِ) بكسر الواو المشددة وبالذال المعجمة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والسُّورتين بعدها، وعبَّر بالمعوِّذات تغليبًا (وَمَسَحَ بِهِمَا) بيديه (جَسَدَهُ) ما استطاع منه، والنَّفث بعد القراءة، والواو لا تقتضِي التَّرتيب.
والحديثُ مرَّ في «آخر فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٧].
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير (٣) ترجمةٍ، وهو ساقطٌ لبعضهم.
стр. 11103
٦٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس مشهورٌ بجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ عُمَر) بضم العين، العمريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيد كَيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ) بقصر همزة «أوى» (١) (إِلَى فِرَاشِهِ) أتى إليه لينام عليه (فَلْيَنْفُضْ) بضم الفاء (فِرَاشَهُ) قبل أن يدخلَ إليه (بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ) طرفه الَّذي يلي جسدَه، وحكمةُ ذلك لعلَّه لسرٍّ طبيٍّ يمنعُ من قرب بعضِ الحيوانات استأثرَ الشَّارع بعلمهِ. وقال البيضاويُّ: وإنَّما أمرنا بالنَّفض بها؛ لأنَّ المتحوِّل إلى فراشهِ يحلُّ بيمينه خارجةَ إزاره، وتبقى الدَّاخلة معلَّقةٌ فينفض بها. وقال الكِرمانيُّ: ولينفض ويده مستورةٌ بطرف إزاره؛ لئلَّا يحصل في يده مكروهٌ إن كان شيءٌ هناك (فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ) بفتح المعجمة واللام (عَلَيْهِ) من المؤذياتِ كعقربٍ أو حيَّةٍ، أو المستقذرات (ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ) أي: بك أستعين على وضع جنبي وعلى (٢) رفعه، فالباء للاستعانة (إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي) توفَّيتها (فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا) رددتها (فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ) ولأبويِّ الوقت وذرٍّ (٣): «به عبادك الصَّالحين». وعند النَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان من حديث ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر رجلًا إذا أخذَ مَضْجعه أن يقول: «اللَّهُمَّ أنتَ خلَقتَ نفسِي، وأنتَ تتوفَّاهَا، لكَ موتهَا ومحيَاهَا، إنْ أحييتَهَا فاحفظْهَا، وإِن أمتَّهَا فاغفِرْ لها».
(تَابَعَهُ) أي: تابع زهيرَ بن معاوية (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياضٍ، فيما وصله في «الأدب المفرد» ومسلمٌ في «صحيحه» (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) أبو زياد الكوفيُّ، ممَّا وصله الحارثُ بن أبي أسامة في «مسنده» كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر العمريِّ السَّابق في إدخاله الواسطة بين
стр. 11104
سعيدٍ المقبُريِّ وأبي (١) هريرة (وَقَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان، ممَّا وصله النَّسائيُّ: (وَبِشْرٌ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، ابن الفضل، فيما (٢) وصله مسدَّدٌ في «مسنده الكبير» كلاهما (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) العمريُّ (عَنْ سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بدون الواسطةِ بين سعيدٍ وأبي هريرة (وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة، فيما وصله المؤلِّف في التَّوحيد [خ¦٧٣٩٣] (وَابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين وسكون الجيم، محمد الفقيه، ممَّا وصله أحمدُ وغيره، كلاهما (عَنْ سَعِيْدٍ) المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من غير واسطةٍ أيضًا.
وفي حديث الباب ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ، وأخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات»، وأبو داود في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٤) (باب) فضلِ (الدُّعَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ) على غيره إلى طلوعِ الفجر؛ لتخصيصهِ بالتَّنزُّل (٣) الإلهيِّ، والتَّفضُّل بإجابة الدُّعاء وغيره.
٦٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأُويسيُّ الفقيه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ) سلمان (٤) (الأَغَرِّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد الراء، الجهنيِّ المدنيِّ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: يَتَنَزَّلُ) بالفوقية بعد التَّحتية وفتح الزاي المشددة، وللكُشميهنيِّ: «ينزلُ» (رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) هذا من
стр. 11105
المتشابهاتِ، وحظُّ السَّلف من (١) الرَّاسخين في العلم أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ونقله البيهقيُّ وغيره عن الأئمَّة الأربعة، والسُّفيانَيين والحمَّادَين والأوزاعيِّ واللَّيث، ومنهم من أوَّل على وجهٍ يليقُ، مستعملٌ في كلامِ العرب، ومنهم مَن أفرطَ في التَّأويل حتَّى كادَ أن يخرجَ إلى نوعٍ من التَّحريف، ومنهم من فصَّل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين (٢) ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأوَّل في بعضٍ وفوَّض في آخرَ، ونقل هذا عن مالكٍ. قال البيهقيُّ: وأسلمها الإيمانُ بلا كيفٍ، والسُّكوت عن المراد إلَّا أن يردَ (٣) ذلك عن الصَّادق فيصار إليه، ونُقل عن مالكٍ أنَّه أوَّل النُّزول هنا بنزولِ رحمته تعالى وأمره، أو ملائكته، كما يقال: فعل المَلِك كذا، أي (٤): أتباعُه بأمرهِ، ومنهم مَن أوَّله على الاستعارة، والمعنى: الإقبال على الدَّاعي باللُّطف والإجابة. وقد سبق «في التَّهجُّد» من أواخر «كتاب الصَّلاة» مباحثه (٥) [خ¦١١٤٥] ويأتي -إن شاء الله تعالى- بعون الله غير ذلك في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٤] وقال البيضاويُّ: لمَّا ثبت بالقواطعِ أنَّه سبحانه منزَّهٌ عن الجسميَّة والتَّحيُّز امتنعَ عليه النُّزول على مَعنى الانتقالِ من موضعٍ إلى موضعٍ أخفض منه، فالمراد: دنوُّ رحمته، أي: ينتقلُ من مقتضَى صفةِ الجلال الَّتي تقتضِي الغضب والانتقام إلى مقتضى صفةِ الإكرام الَّتي تقتضِي الرَّحمة والرَّأفة.
(حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) بكسر المعجمة، والرَّفع صفة لـ «ثلث» لأنَّه وقت خلوةٍ ومناجاةٍ وتضرُّعٍ، وخلوِّ النَّفس من خواطر الدُّنيا وشواغلها.
وساق المؤلِّف التَّرجمة بلفظ «نصف اللَّيل» والحديث مصرِّحٌ (٦) أنَّ التَّنزُّل ثلث اللَّيل، فيُحتمل أنَّه جرى على عادتهِ بالإشارةِ إلى حديثِ أحمد عن أبي سلمة (٧) عن أبي هريرة بلفظ: «ينزلُ الله إلى سماءِ الدُّنيا نصفَ اللَّيل الآخِر -أو: ثلث اللَّيل الآخر-»، وأخرجه الدَّارقطنيُّ عن الأغرِّ عن أبي هريرة بلفظ «شطر اللَّيل» من غير تردُّدٍ، وقد اختلفت الرِّوايات في تعيين الوقت
стр. 11106
على ستَّةٍ: الثُّلث الأخير، كما هنا، أو الثُّلث الأوَّل، أو الإطلاق فيحملُ المطلق على المقيَّد، والَّذي بـ «أو» إن كان للشَّكِّ فالمجزوم به مقدَّمٌ على المشكوكِ فيه، وإن كان للتَّردد بين حالين، فيجمعُ بذلك بين الرِّوايات (١) بأنَّ ذلك يقع بحسب اختلافِ الأحوال؛ لكون أوقات اللَّيل تختلف في الزَّمان والأوقات (٢) باختلاف تقدُّم دخول اللَّيل عند قومٍ وتأخُّره عند قومٍ، أو يكون النُّزول يقعُ في الثُّلث الأوَّل، والقولُ يقع في النِّصف وفي الثُّلث الثَّاني، أو أنَّه يقعُ في جميع الأوقات الَّتي وردتْ به، ويُحملُ على أنَّه أُعْلِم بأحدِها في وقتٍ فأخبر به، ثمَّ بالآخر في آخر، فأخبر به، فنقلتِ الصَّحابة ذلك عنه.
(يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقول»: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَُ لَهُ) فأجيبُ (٣) دعاءه (مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَْهُ) سؤله (وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَُ لَهُ) ذنوبه، وقوله: «فاستجيب» و «فأعطيه» و «فأغفر»، نصب على جواب الاستفهام، ويجوز الرَّفع على تقدير مبتدأ، أي: فأنا أغفرُ، فأنا أستجيبُ، فأنا أعطيه. وفي الحديث: أنَّ الدُّعاء في هذا (٤) الوقت مجابٌ، ولا يعكِّر عليه تخلُّف عن بعضِ الدَّاعين، فقد يكون لخللٍ في شرطٍ من شروط الدُّعاء كالاحترازِ في المطعمِ والمشربِ والملبسِ، أو لاستعجالِ الدَّاعي، أو بأن يكون الدُّعاء بإثمٍ، أو قطيعة رحمٍ، أو تحصلُ الإجابة ويتأخَّر وجودُ المطلوب لمصلحةِ العبد، أو لأمرٍ يريدُه الله تعالى.
والحديثُ سبق في «باب التَّهجُّد» [خ¦١١٤٥] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٤].
(١٥) (باب الدُّعَاءِ عِنْدَ) إرادةِ دخول (الخَلَاءِ) وهو بفتح الخاء المعجمة ممدودًا، وأصله: المكانُ الخالي كانوا يقصدونَه لقضاء الحاجة، ثمَّ غلبَ في الكنيف.
стр. 11107
٦٣٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْدِ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنانيِّ الأعمى (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ) أراد دخولهُ (قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) أستجيرُ بك، والباء في «بكَ» للإلصاق، وهو إلصاقٌ معنويٌّ؛ لأنَّه لا يلتصق (١) شيءٌ بالله ولا بصفاتهِ، لكنَّه التصاقُ تخصيصٍ (٢) كأنَّه (٣) خصَّ الرَّبَّ بالاستعاذةِ (مِنَ الخُبُْثِ وَالخَبَائِثِ) بضم الموحدة وبالمثلثة فيهما، يريد: ذكران الشَّياطين وإناثهم، ويروى بسكون الموحدة.
وذكر الخطَّابيُّ: التَّسكين في أغاليطِ المحدِّثين، ويراد به: الكفر، والخبائث الشَّياطين، وقيل: الخبث الشَّياطين، والخبائث البولُ والغائط، استعاذَ من شرِّ الأوَّل، وضررِ الآخرين.
وقال التُّوربشتيُّ: الخبْث -ساكن الباء- مصدر خبث الشَّيء يخبث خبثًا، وفي إيراد الخطَّابيِّ هذا اللَّفظ في جملةِ الألفاظ الَّتي يرويها الرُّواة ملحونةَ نَظَرٌ؛ لأنَّ الخبث إذا جمع يجوزُ أن تسكَّن الباء للتَّخفيف، كما يفعل في سُبُل وسُبْل ونظائرها (٤) من الجموع، وهذا الباب مستفيضٌ في كلامهم غير نادرٍ، ولا يُسمع من أحدٍ مخالفته إلَّا أن يزعمَ أنَّ ترك التَّخفيف فيه أولى؛ لئلَّا يشتبهَ بالخبْث الَّذي هو المصدر، و «من» للتَّبعيض والتَّقدير: من كيدهم وشرِّهم، أو للابتداء إذا فسِّرا (٥) بذكور الجنِّ وإناثهم، وخصَّ الخلاء؛ لأنَّ الشَّياطين تحضر الأخلية لأنَّه يُهجر فيها
стр. 11108
ذكر الله تعالى، واستعاذته ﷺ لإظهار العبوديَّة، وتعليم الأمَّة، وإلَّا فهو (١) ﷺ معصومٌ من ذلك كلِّه.
والحديثُ سبق في «الطَّهارة» [خ¦١٤٢].
(١٦) (باب مَا يَقُولُ) الشَّخصُ (إِذَا أَصْبَحَ).
٦٣٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسين بعدها دالان مهملتان، ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء، أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) بضم الحاء وفتح السين، ابن ذكوان المعلِّم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة، العدويِّ (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ) أي: أفضلهُ وأعظمهُ نفعًا (اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ) الِّذي عاهدتُك عليه (وَوَعْدِكَ) الَّذي واعدتُك من الإيمان بك والإخلاص (مَا اسْتَطَعْتُ، أَبُوءُ) أعترفُ (لَكَ بِنِعْمَتِكَ، وَأَبُوءُ) أعترفُ (لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ. إِذَا قَالَ) ذلك (حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ دَخَلَ الجَنَّةَ -أَوْ) قال: (كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ-) من غير أن يدخل النَّار (وَإِذَا قَالَ) ذلك (حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ. مِثْلَهُ).
وسبق الحديثُ قريبًا في «باب أفضل (٢) الاستغفار» [خ¦٦٣٠٦].
стр. 11109
٦٣٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين وفتح الميم (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة، و «حِرَاشٍ» بكسر الحاء المهملة وفتح الراء المخففة وبعد الألف شين معجمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمانِ ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا) بفتح الهمزة. قال القرطبيُّ: فيه أنَّ الاسم عينُ المسمَّى، فهو كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أي: سبِّح ربَّك. والمعنى: نزِّه تسمية ربِّك بأن تذكرهُ وأنت له معظِّمٌ ولذكرهِ مُحترمٌ، فالاسم يكون بمعنى التَّسمية، وقال الإمام: كما يجبُ تنزيه ذاتهِ وصفاتهِ عن النَّقائص يجبُ تنزيه الألفاظ الموضوعةِ لها (١) عن الرَّفث وسوءِ الأدب، وقال آخرون: المعنى: نزِّه ربَّك، فالاسم صلةٌ؛ لأنَّ أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله؛ بل سبحان الله، وقد سمَّى الله تعالى نفسه بالأسماءِ الحسنى، ومعانيها ثابتةٌ له، فكلُّ ما ظهر في الوجودِ فهو صادرٌ عن تلك المقتضياتِ، فكأنَّه قال: باسمكَ المحيي أحيا، وباسمك المميت أموتُ. وقال بعضُهم: المحيي مَن أحيا قلوب العارفين بأنوارِ معرفته وأرواحَهم بلطيفِ (٢) مُشاهدته، والمميت مَن أماتَ القُلوب بالغفلةِ والنُّفوس باستيلاءِ الزَّلَّة والعقول بالشَّهوة.
(وَ) كان ﷺ (إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا) أطلق الموتَ على النَّوم لِما بينهما من الشَّبه بجامعِ ما بينهما من عدمِ الإدراك والانتفاع بما شُرع من القُربات، فحمد الله تعالى شكرًا على ردِّ ذلك لينال ذلك، وهذا صدر منه ﷺ على جهة العبوديَّة والتَّعليم (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الإحياءُ للبعثِ، أو المرجع في نيل الثَّواب ممَّا نكتسبه في حياتنا هذه.
والحديثُ مرَّ في «باب ما يقول إذا نام» [خ¦٦٣١٢].
стр. 11110
٦٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بن عثمان المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريِّ (١) (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) أبي مريم العبسيِّ الكوفيِّ، ثقة عابدٌ مخضرمٌ (عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ) بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة، و «الحُرِّ» بالحاء المهملة المضمومة والراء المشددة، الفَزارِيّ بالفاء والزاي بعدها راء مكسورة (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب الغفاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بفتح الجيم (مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَ) باسمك (أَحْيَا، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) «فإذا» بالفاء هنا، وفي السَّابق بالواو بدلها [خ¦٦٣٢٤] (قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ولم يحصل في حديثِ حذيفة الماضي وحديث أبي ذرٍّ هذا اختلافٌ في المتن إلَّا في الفاء والواو، كما ذكرته، وقد ظهر أنَّ لربعيٍّ فيه (٢) طريقين، وقد وافقَ أبا حمزة على هذا الإسناد شيبان النَّحويُّ فيما أخرجه الإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ في «مستخرجيهما» (٣) من طريقه، وفي الباب أحاديثُ أُخر.
(١٧) (باب الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ).
стр. 11111
٦٣٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ) بن أبي حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله اليزنيِّ المصريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاصي ﵄ (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : عَلِّمْنِي) قال ابن فَرحون: أي: حفِّظني (دُعَاءً) مفعولٌ ثانٍ لـ «علِّم» (أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي) جملةٌ في محلِّ نصبٍ صفة لـ «دُعاء» والعائد قوله: به، والضَّمير يعود على «دعاء»، و «في صلاتي» متعلِّق (١) بـ «أدعو» لا بـ «علِّمني» لفسادِ المعنى (قَالَ) ﷺ : (قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا) بملابسةِ ما يوجبُ عُقوبتها أو يُنقص حظَّها، وأصل الظُّلم وضعُ الشَّيء في غير موضعه، والنَّفس (٢) المراد بها هنا: الذَّات المشتملة على الرُّوح، وإن كان بين العلماء خلافٌ في أنَّ النَّفس هي الرُّوح أو غيرها حتَّى قيل: إنَّ فيها ألف قولٍ، و «ظلمًا» مصدر، و «كثيرًا» بالمثلَّثة نعتٌ له لا بالمنعوت (وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) فليس (٣) لي حيلةٌ في دفعها، فأنا المفتقرُ إليك المضطرُّ الموعود بالإجابةِ (فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ) الفاء للسَّببية، و «اغفرْ» لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الدُّعاء، و «إلَّا» إيجابٌ للنَّفي، وفائدة قوله: «من عندك» وإن كان الكلُّ من عند (٤) الله: أنَّ فضلَ الله ومغفرته لا في مقابلةِ عملٍ، ولا بإيجابٍ على الله، وتفيدُ العنديَّة معنى القربِ في المنزلة (وَارْحَمْنِي) عطفٌ على سابقهِ (إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ) فعولٌ، بمعنى: فاعل (الرَّحِيمُ) بمعنى: راحم، وفي الكلام لفٌّ ونشرٌ مرتَّبٌ (٥)؛ لأنَّ طلب المغفرة بقوله (٦): «اغفر لي» وطلب الرَّحمة بقوله: «ارحمني (٧)» فالتَّقدير: اغفر لي إنَّك أنت الغفور، وارحمني إنَّك أنت الرَّحيم، وفي الكلام حذفٌ لدَلالة ما تقدَّم عليه، والتَّقدير (٨): ولا يغفرُ الذُّنوب إلَّا أنت ولا يرحم العباد إلَّا أنت، فحُذف: ولا يرحمُ العباد إلَّا أنت؛ لدَلالة
стр. 11112
وارحمني (١)، ويحتملُ أن يكون التَّقدير: ولا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت فاغفرْ لي، ولا يرحمُ العباد إلَّا أنت فارْحمني.
وهذا الدُّعاء من أحسنِ الأدعية لاسيَّما في ترتيبهِ، فإنَّ فيه تقديم نداء الرَّبِّ واستغاثتهِ بقوله: «اللَّهمَّ» ثمَّ الاعتراف بالذَّنب في قوله: «ظلمتُ نفسي» ثمَّ الاعتراف بالتَّوحيد إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى مع ما اشتملَ عليه من التَّأكيد بقوله: «إنَّك أنت الغفور الرَّحيم» بكلمة «إن» وضميرُ الفصل وتعريفُ الخبر باللَّام وبصيغة المبالغة.
تنبيه: الأمرُ في قوله ﷺ : «قل (٢)» يقتضِي جواز الدُّعاء به في الصَّلاة من غير تعيين محلِّه، لكنَّه يخصَّص بالموضع اللَّائق بالدُّعاء، وعيَّنه بعضهم في السُّجود لحديث: «فأمَّا السُّجود فاجتهدوا فيه بالدُّعاء» وعيَّنه آخرون بعد التَّشهُّد لحديث «ثمَّ ليتخيَّر بعد ذلك في المسألةِ ما شاء» (٣) وهذا الأخير رجَّحه ابن دقيق العيد، ويؤيِّده أنَّ الأئمة كالبخاريِّ والنَّسائيِّ والبيهقيِّ وغيرهم، احتجُّوا بهذا الحديث للدُّعاء في آخر الصَّلاة. وقال النَّوويُّ: إنَّه استدلالٌ صحيحٌ. وقال الفاكهانيُّ: الجمع (٤) بينهما في المحلَّين الأولى.
وحديثُ الباب سبقَ في «أواخر صفة الصَّلاة» قبيل «كتاب الجمعة» [خ¦٨٣٤].
(وَقَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ: «عمرو بن الحارث» فيما وصله البخاريُّ في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٨٧] (عَنْ يَزِيدَ) بن حبيبٍ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثدٍ (إِنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) أي: ابن العاص (قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) وثبت قوله: «إنَّه» لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ.
٦٣٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ سلمة اللَّبَقِيُّ -بفتح اللام والموحدة بعدها قاف مكسورة، كما قاله الكلاباذيُّ- قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ) بضم السين وفتح العين المهملتين وبعد التحتية
стр. 11113
الساكنة راء، ابن الخِمْس -بكسر الخاء المعجمة وسكون الميم بعدها سين مهملة- قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ) وقال به ابن عبَّاسٍ فيما رواه عنه عكرمة، وقال به مجاهدٌ وسعيدُ بن جبيرٍ ومكحول وعروةُ بن الزُّبير، وقال آخرون: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءة صلاتك على حذف مضافٍ؛ لأنَّه (١) يلتبس؛ إذ (٢) الجهرُ والمخافتةُ يعتقبانِ على الصَّوت لا غير، والصَّلاة أفعالٌ وأذكارٌ، وسبقَ في «تفسير سورة الإسراء» [خ¦٤٧٢٢] حديث ابن عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا صلَّى بأصحابه رفعَ صوته بالقرآنِ، فإذا سمعَه المشركون سبُّوا (٣) فنزلت الآية». وحديث عائشة ظاهره العموم في الصَّلاة وخارجها، لكن روى حديثها هذا ابنُ خزيمة والحاكم وزاد فيه التَّشهُّد فهو مخصِّصٌ؛ لإطلاقهِ، كما مرَّ في آخر (٤) «الإسراء» [خ¦٤٧٢٣]، والله أعلم.
٦٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمانُ بن محمَّد بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة: إبراهيمُ بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكرٍ والقاسم قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ) زاد يحيى في روايته عند المؤلِّف في «باب ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد»: «من عباده» [خ¦٨٣٥] وأخرجه أبو داود عن مسدَّدٍ شيخِ البخاريِّ، فقال: «قبل عباده» (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) مرَّةً، و «في الصَّلاة»: «على فلانٍ وفلانٍ» [خ¦٨٣١] وفي ابن ماجه: «يعنون الملائكة» (فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) لفظ
стр. 11114
«ذات» مقحمٌ، أو هو (١) من إضافة المسمَّى إلى اسمه: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) فكلُّ سلامٍ منه وهو مالكهُ ومعطيه. وقال الخطابيُّ: المراد: أنَّ الله هو ذو السَّلام، فلا تقولوا: السَّلام على الله، فإنَّ السَّلام منه وإليه يعود، ومرجعُ الأمرِ في إضافتهِ إليه أنَّه ذو السَّلام من كلِّ آفةٍ وعيبٍ (فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي) تشهُّد (الصَّلَاةِ) في وسطها وآخرها (فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) أي: أنواع التَّعظيم له (إِلَى قَوْلِهِ: الصَّالِحِينَ) القائمين بما يجبُ عليهم من حقوق الله وحقوقِ عباده (٢)، وتتفاوتُ درجاتهم (فَإِذَا قَالَهَا) أي: وعلى عباد الله الصَّالحين (أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ صَالِحٍ) بالجرِّ صفة العبد (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الثَّنَاءِ) على الله (مَا شَاءَ) وفي «كتاب الصَّلاة» في «باب ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد» [خ¦٨٣٥] «من الدُّعاء» بدل قوله هنا «من الثَّناء».
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(١٨) (باب) مشروعيَّة (الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) المكتوبة.
٦٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصورٍ، أو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون بن زاذان السُّلميُّ مولاهم الواسطيُّ، أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وسكون الراء بعدها قاف ممدودًا، ابن عمر أبو بشرٍ اليشكريُّ الحافظ (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتية، مولى أبي بكر بن عبدِ الرَّحمن بن الحارث بنِ هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالُوا) أي: فقراء المهاجرين، وسمَّى منهم النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»: أبا الدَّرداء (٣)، من طريقِ أبي عمر الضَّبِّيِّ وأبي صالحٍ، كلاهما عن أبي الدَّرداء بلفظ: «قلتُ: يا رسول الله» (٤). وأبو داود والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من وجهٍ آخر، عن أبي هُريرة: أبا ذرٍّ. وأخرجه الإمام أحمدُ وابنُ خُزيمة وابنُ ماجه من حديث أبي ذرٍّ نفسه: (يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضم
стр. 11115
الدال المهملة والمثلَّثة، جمع: دُثُر، والدُّثر (١): المال الكثير، والدُّثور أيضًا: الدُّروس، يقال: دَثَر -كقَعَد (٢) - الرَّسم وتداثر، والدَّثور -بالفتح- الرَّجلُ الخاملُ النَّؤوم. وفي رواية عُبيد الله العمريِّ، عن سُميٍّ في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٣]: «وذهب (٣) أهلُ الدُّثور من الأموالِ» (بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ) الَّذي لا انقطاع له، والنَّعيم ما يتنعَّم به من مطعمٍ وملبسٍ وعلومٍ ومعارف وغيرها، والباء في «بالدَّرجات» بمعنى: المصاحبة، أي: ذهب أهل الدُّثور بالدَّرجات واستصحبُوها معهم في الدُّنيا والآخرة، ومضوا (٤) بها ولم يتركوا لنا شيئًا؟! فما حالنا (قَالَ) ﷺ : (كَيْفَ ذَاكَ) استفهام والكاف للخطابِ، وحقُّها في خطاب الجماعةِ: ذاكم، بالكاف والميم، ولكنَّه أراد خطاب واحدٍ منهم؛ لأنَّ الكلامَ قد يكون من واحدٍ لمصلحة جماعةٍ (٥) (قَالَ) أحدُ الفقراء من المهاجرين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ «قالوا»: (صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا) أي: كانوا يصلُّون كما نصلِّي، و «ما» مصدريَّة، والكاف نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ عند الفارسي ومَن تبعه، واختار ابن مالكٍ أن تكون (٦) حالًا من المصدرِ المفهوم من الفعل المتقدِّم بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، أي: يصلُّون الصَّلاة في حال كونها مثل ما نصلِّي (وَجَاهَدُوا) في سبيل الله (كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ) أي: من زيادتها صدقاتٍ ومبرَّاتٍ (وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ) ننفقُ منها
стр. 11116
كما أنفقوا (قَالَ) ﷺ : (أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ) «ألا» حرف عرض، والفاء عاطفة، وكان حقُّها أن تتقدَّم على همزة الاستفهام إلَّا أنَّ الاستفهام له الصَّدر، وقيل: الفاء زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وقيل: يقدَّر في مثل هذا محذوفٌ من معنى الجملةِ قبلها فيعطف عليه، والمعنى هنا: إذا قلتم ذلك فأُعْلمكم (بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ) أي: به (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من هذه الأمَّة المحمَّديَّة؛ لأنَّ فضل هذه الأمَّة على غيرها من الأمم ثابتٌ، وإن لم يذكروا هذا الذِّكر (وَتَسْبِقُونَ) به (مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ) من أهل الأموال (وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ) زاد أبو ذرٍّ: «به» (إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ) بمثل ما جئتُم به (تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) مكتوبةٍ (عَشْرًا) بعد السَّلام إجماعًا، فليس المراد بدبرها قرب آخرها وهو التَّشهُّد كما قال بعضهم. قال ابن الأعرابيِّ: دُبر الشَّيء: بالضَّم والفتح.
وقال المطرزيُّ في «اليواقيت»: دَبر كلِّ شيءٍ -بفتح الدال- آخر أوقاته من الصَّلاة وغيرها. قال: وهذا هو المعروف في اللُّغة، وأمَّا الدُّبر الَّذي هو الجارحة فبالضَّم، والمراد بالدُّبر في الحديث: عقب السَّلام والصَّلاة، فهو مخالفٌ لكلام أهل اللُّغة، قالوا: إلَّا أن يكون مراد أهل اللُّغة بآخر أوقات الشَّيء الفراغ منه، فيُطابق تفسيرهم (وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا).
(تَابَعَهُ) أي: تابع ورقاءَ (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريُّ، فيما رواه مسلمٌ في روايته (عَنْ سُمَيٍّ) عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة ﵁. وهذه المتابعةُ في إسناد الحديث وأصله، لا في العدد المذكور، وقد خالف ورقاء غيره في قوله: «عشرًا». قال في «فتح الباري»: لم أقفْ في شيءٍ من طرق حديث (١) أبي هريرة على مَن تابع ورقاء على ذلك لا عن سُمَيٍّ ولا عن غيره، ثمَّ قال: وجدتُ لرواية العشر شواهدَ؛ منها عن عليٍّ عند أحمد. وعن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ عند النَّسائيِّ. وعن عبد الله بن عَمرو عنده وعند أبي داود والتِّرمذيِّ. وعن أمِّ سلمة عند البزَّار. وعن أمِّ مالكٍ الأنصاريَّة عند الطَّبرانيِّ.
وفي حديث زيد بن ثابتٍ وابن عمر: أنَّه ﷺ أمرهم أن يقولوا كلَّ ذكرٍ منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: لا إله إلَّا الله، خمسًا وعشرين. أخرجه النَّسائيُّ. وفي حديثِ ابنِ عمر عند البزَّار بإسنادٍ فيه ضعفٌ: إحدى عشرة (٢).
стр. 11117
وسبق في «باب الذِّكر بعد الصَّلاة» بلفظ: «تُسبِّحون وَتْحمَدون وتُكبِّرون خلف كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». [خ¦٨٤٣] وجمع البغويُّ في «شرح السُّنَّة» بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدرَ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ أوَّلها عشرًا، ثمَّ إحدى عشرة … إلى آخره، ويحتملُ أن يكون على سبيلِ التَّخيير.
(وَرَوَاهُ) أي: حديثَ الباب (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، محمَّد (عَنْ سُمَيٍّ، وَ) (١) عن (رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) بفتح الراء والجيم ممدودًا، و «حَيْوَة» (٢) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو بعدها هاء تأنيث، وهذا وصله مسلمٌ قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا اللَّيث، عن ابن عجلان. فذكره مقرونًا برواية عبيد الله العمريِّ، كلاهما عن أبي صالحٍ، به.
ووصله الطَّبرانيُّ من طريق حَيْوَة بن شريحٍ، عن محمَّد بن عَجْلان، عن رجاء بنِ حَيْوة وسُمَيٍّ، كلاهما (٣) عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، وفيه: «تسبِّحون الله دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وتحمدونَهُ ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّرونه أربعًا وثلاثين».
(وَرَوَاهُ) أيضًا (جَرِيرٌ) أي: ابن عبد الحميد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء، الأسديِّ المكِّيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السَّمَّان (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر الأنصاريِّ، فيما وصلَهُ أبو يَعلى في «مسنده» لكن في سماع أبي صالحٍ من أبي الدَّرداء نظرٌ.
(وَرَوَاهُ) أيضًا (سُهَيْلٌ) بضم السين المهملة وفتح الهاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي صالحٍ ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) رواه مسلمٌ، لكن قال: «تُسبِّحون وتُكبِّرون وتَحْمَدون دبر كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». قال سُهيلٌ: «إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة، فذلك كلُّه ثلاثٌ وثلاثون».
وأخرجه النَّسائيُّ من رواية اللَّيث، عن ابن عَجلان، عن سهيلٍ بهذا السَّند (٤) وقال فيه: «مَن قال خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، وثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، وثلاثًا وثلاثين تحميدةً،
стр. 11118
ويقول: لا إله إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ له -يعني: تمام المئة- غفرتْ له خطاياهُ»، وهذا اختلافٌ شديدٌ على (١) سهيلٍ، والمعتمدُ في ذلك رواية سُميٍّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، قاله في «الفتح».
وحديث الباب سبقَ في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٣].
٦٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء (٢) التَّحتية المشددة (ابْنِ رَافِعٍ) الكاهليِّ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ المُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) لمَّا كتب له معاوية: اكتبْ لي بحديثٍ سمعتَه من رسول الله ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) مكتوبةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «صلاته» (إِذَا سَلَّمَ) منها: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) تأكيدٌ لسابقه مع ما فيه من تكثيرِ حسنات الذَّاكر (لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ) زاد الطَّبرانيُّ من طريقٍ آخر (٣) عن المغيرة: «يُحيي ويُميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير» (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا معدودٌ من العمومات الَّتي لم يطرقْها تخصيصٌ، ونازعَ بعضهم فيه من جهةِ تخصيصهِ بالمستحيلِ، لكنَّه مبنيٌّ على أنَّ لفظة «شيءٍ» تُطلق على المستحيلِ بل على المعدوم، وفيه خلافٌ مشهورٌ ومذهب أهل السُّنَّة المنع.
(اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ) يمنع من كلِّ أحدٍ (لِمَا أَعْطَيْتَ) أي (٤): لِمَا أردتَ إعطاءه، وإلَّا فبعد الإعطاء
стр. 11119
من كلِّ أحدٍ (١) لا مانع له؛ إذ الواقع لا يرتفعُ بخلاف قوله: (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) فإنَّه لا يحتاجُ إلى هذا التَّأويل والرِّواية بفتح «مانعَ» و «مُعطيَ» واستُشكل: لأنَّ اسم «لا» إذا كان شبيهًا بالمضاف يُعرَّف فما وجه ترك التَّنوين؟ وأُجيب بأنَّ الفارسيَّ حكى لغة بإجراء الشَّبيه بالمضاف مُجرى المفرد، فيكون مبنيًّا، وجوَّز ابن كَيسان في المطوَّل التَّنوين وتركه، وقال: تركه أحسن.
(وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم. قال ابنُ دقيق العيد: الَّذي ينبغِي أن يضمَّن «ينفعَ» معنى يمنع أو ما يقاربه، ولا يعود «منك» إلى الجدِّ على الوجه الَّذي يقال فيه: حظِّي منك كثيرٌ أو قليلٌ؛ بمعنى عنايتُك بي، أو رعايتك لي، فإن ذلك نافعٌ (٢).
قال ابن فَرحون: وإنَّما قال ذلك لأنَّ العناية من الله تعالى تنفع ولا بدَّ، وأمَّا «الجَدُّ» الثَّاني فإنَّه فاعل «ينفع»، أي: لا ينفع صاحب الحظِّ من نزولِ عذابك حظَّه، وإنَّما ينفعه عمله الصَّالح، فالألف واللَّام في «الجدِّ» الثَّاني عوضٌ عن الضَّمير، وقد سوَّغ الزَّمخشريُّ ذلك، واختاره (٣) كثيرٌ من البصريين والكوفيين في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].
والجمهورُ على أنَّ الجدَّ معناه: الحظُّ والغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى (٤) والحظِّ منك غناهُ وحظّه، وإنَّما ينفعه العمل الصَّالح، وقيل: أراد بالجدِّ أبا الأب وأبا الأمِّ، أي: لا ينفع أحدًا نسبُه، وضبطه بعضهم بالكسر وهو الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، وإنَّما ينفعه رحمتك (٥).
(وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، بالسَّند المذكور (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمرِ (قَالَ: سَمِعْتُ المُسَيَّبَ) بن رافعٍ، ووصله أحمد عن محمَّد بن جعفرٍ: حدَّثنا شعبة به (٦) بلفظ: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا سلَّم قال: «لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شرِيكَ لهُ … » الحديث.
وحديثُ الباب سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤].
стр. 11120
(١٩) (باب) ذكر (قَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]) أي: اعطف عليهم بالدُّعاء لهم والتَّرحُّم (وَ) ذكر (مَنْ خَصَّ أَخَاهُ) المسلم، أو من النَّسب (بِالدُّعَاءِ دُونَ نَفْسِهِ) فيه ردٌّ لِما في حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة: «ابدأْ بنفسك».
(وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ ﵁، فيما وصله المؤلِّف في «غزوة أوطاس» [خ¦٤٣٢٣] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لَمَّا قال له أبو موسى: إنَّ أبا عامرٍ قال: قل للنَّبيِّ ﷺ يستغفر لي ودعا ﷺ بماءٍ فتوضَّأ به، ثمَّ رفع يديه (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ) بالتَّنوين (أَبِي عَامِرٍ) وهو (١) عمُّ أبي موسى (٢) وفيه: «فقلت: ولي فاستغفر» فقال: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ (٣) بْنِ قَيْسٍ) الأشعريِّ (٤) (ذَنْبَهُ) وأدخلْه يوم القيامةِ مُدخلًا كريمًا.
٦٣٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) أبي خالدٍ (مَوْلَى سَلَمَةَ) بن الأكوع قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) ﵁، أنَّه (قَالَ:
стр. 11121
خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) لم يُعرف اسمه لعامر بنِ الأكوع وهو عمُّ سلمة: (أَيَا عَامِرُ) وفي نسخةٍ: «أيْ عامرُ» (لَوْ أَسْمَعْتَنَا (١) مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) بضم الهاء وفتح النون وبعد التَّحتية الساكنة هاء أخرى، جمع: هُنيهة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «هنيَّاتك» بتشديد التَّحتية بعد النون من غير هاء ثانية، من أراجيزك القصار (فَنَزَلَ) عامرٌ (يَحْدُو بِهِمْ يُذَكِّرُ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الكاف المكسورة (تَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا) يقول ذلك وما بعده من المصاريعِ الأخرى نحو: «ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا».
قال يحيى القطَّان: (وَذَكَرَ) يزيد بن أبي عُبيدٍ (شِعْرًا غَيْرَ هَذَا، وَلَكِنِّي لَمْ أَحْفَظْهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ هَذَا السَّائِقُ) للإبلِ؟ (قالُوا: عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ) رسول الله ﷺ : (يَرْحَمُهُ اللهُ) وكانوا قد عرفوا أنَّه ﷺ ما استرحم لإنسانٍ قطُّ في غزاةٍ يخصُّه إلَّا استشهدَ (وقال) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) هو عمرُ بن الخطَّاب: (يَا رَسُولَ اللهِ لَوْلَا) هلا (مَتَّعْتَنَا بِهِ) أي: وجبت له الجنَّة بدعائك وهلَّا تركته لنا (فَلَمَّا صَافَّ) المسلمون (القَوْمَ قَاتَلُوهُمْ، فَأُصِيبَ عَامِرٌ) الحادي (بِقَائِمَةِ سَيْفِ نَفْسِهِ) لأنَّه كان قصيرًا، فتناولَ به ساقَ يهوديٍّ ليضربهُ فرجعَ ذباب السَّيف، فأصابَ عينَ ركبة نفسه (فَمَاتَ) ﵁ (فَلَمَّا أَمْسَوْا) مساء اليوم الَّذي فُتحت عليهم خيبر (أَوْقَدُوا نَارًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا هَذِهِ النَّارُ؟ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قالُوا): نوقدها (عَلَى) لحم (حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ) ﷺ : (أَهْرِيقُوا) بهمزة مفتوحة وسكون الهاء، أي: أريقوا (مَا فِيهَا وَكَسِّرُوهَا) بتشديد السين المهملة، ولأبي ذرٍّ: «هَريقوا» بإسقاط الهمزة وفتح الهاء، و «أَكسروها» بهمزة قطع مفتوحة (قالَ رَجُلٌ) لم يسمَّ، أو هو عمر بن الخطَّاب ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «يا نبيَّ الله» (أَلَا) بالتَّخفيف (نُهَرِيقُ) بضم النون وفتح الهاء، أي: نريقُ (مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) ﷺ : (أَوْ ذَاكَ) بإسكان الواو في الفرع حرف عطف والمعطوف عليه محذوفٌ، أي: افعلوا الإراقةَ والغسل، ولا تكسروا القدورَ؛ لأنَّها تَطهُر بالغسل. وقال في «التَّنقيح»: «أوَذاك» -بفتح الواو- على معنى التَّقرير.
стр. 11122
والحديثُ سبق في «غزوةِ خيبر» [خ¦٤١٩٦] وغيرها [خ¦٦١٤٨].
٦٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو: ابنُ إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ولأبي ذرٍّ: «هو ابن مُرَّة» بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة بعدها هاء تأنيث، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله الصَّحابيَّ ابن الصَّحابيِّ (¬﵄¬) أنَّه قال: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ) بزكاةِ ماله، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «بصدقته» (قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وفيه مشروعية الدُّعاء لدافع الزَّكاة، والجمهور على سنِّيَّة ذلك خلافًا لمن أخذَ بظاهر الأمر، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «آل».
(فَأَتَاهُ أَبِي) أبو أوفى علقمة بصدقته (فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) أي: عليه نَفْسِه، فـ «آل» مقحمٌ، أو عليه وعلى أتباعه، ولا يحسن هذا من غيره ﷺ ؛ إذ هو معدودٌ من خصائصه. نعم يجوز الصَّلاة لنا على غيرِ الأنبياء تبعًا، والمراد بالصَّلاة هنا معناها اللُّغويُّ وهو الدُّعاء.
والحديثُ سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٧]، والله أعلم.
٦٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ إِسْمَاعِيلَ)
стр. 11123
ابن أبي خالدٍ الأحمسيِّ الكوفيِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازمٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا) بفتح الجيم وكسر الراء، ابن عبد الله الأحمسيَّ الكوفيَّ (١) البجليَّ ﵁ (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَا) بالتَّخفيف (تُرِيحُنِي) بالراء والحاء المهملتين، من الإراحة (مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟) بالخاء المعجمة واللام والصاد المهملة المفتوحات (وَهْوَ نُصُبٌ) بضم النون والصاد المهملة، صنمٌ أو حجرٌ (كَانُوا يَعْبُدُونَهُ) من دونِ الله (يُسَمَّى الكَعْبَةَ اليَمَانِيَةَ) بالتَّخفيف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «كعبة اليمانيَّة (٢)» (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ) أي: أسقطُ لعدم اعتيادِي ركوبها، أو (٣) كان يخاف السُّقوط عنها حالة جريها (فَصَكَّ) بالصاد المهملة المفتوحة، فضرب ﷺ (فِي صَدْرِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ) فدعا له ﷺ بأكثر ممَّا طلب، وهو الثُّبوت مطلقًا (وَاجْعَلْهُ هَادِيًا) لغيرهِ، حال كونه (مَهْدِيًّا) في نفسهِ (قَالَ) جريرٌ: (فَخَرَجْتُ فِي خَمْسِينَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فارسًا» (مِنْ أَحْمَسَ مِنْ قَوْمِي) قال عليُّ ابن المدينيِّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَانْطَلَقْتُ فِي عُصْبَةٍ) ما بين عشرةٍ إلى أربعين رجلًا (٤) (مِنْ قَوْمِي) أحمس (فَأَتَيْتُهَا) أي: ذا الخَلَصة (فَأَحْرَقْتُهَا) وكان ذلك أوَّل ما استُجيب من دعائهِ له (٥) ﷺ ، وذلك أنَّه عملَ في ذلك هو والخمسون ما لا يعمله خمسةُ آلافٍ (ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا) أي: ذا الخلصة (مِثْلَ الجَمَلِ الأَجْرَبِ) أي: المطليِّ بالقطران، فكأنَّ التَّشبيه باعتبار السَّواد الحاصل بالإحراقِ (فَدَعَا) ﷺ (لأَحْمَسَ وَخَيْلِهَا) وفي «المغازي» [خ¦٤٣٥٦] «فبرَّك على خيلِ أحمس ورجالها خمس مرَّاتٍ».
والحديثُ سبق في «المغازي» [خ¦٤٣٥٦].
стр. 11124
٦٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) أبو زيدٍ (١) الهرويُّ البصريُّ، وكان يتَّجر في الثِّياب الهرويَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ (قَالَ: قَالَتْ) أمِّي (أُمُّ سُلَيْمٍ) ﵂ (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬): يا رسول الله (أَنَسٌ خَادِمُكَ) ادعُ له (قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ) بهمزة مفتوحة وكسر المثلَّثة (مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) فكثر ماله، وكان له بالبصرة بستانٌ يُثمر في السَّنة مرَّتين، وكان فيه ريحانٌ ريحُه ريحُ المسك، وكان له مئةٌ وعشرون ولدًا، وقيل: إنَّه كان يطوفُ بالكعبةِ ومعه من ذرِّيَّته أكثر من سبعين نفسًا. وطال عمره، فقيل: عاش تسعةً وتسعين سنةً، وقيل: مئة سنةٍ وثلاثين سنة، وقيل: مئة وعشرين، وقيل: مئة وسبعًا (٢)، وفي «صحيح مسلمٍ» قال أنسٌ: «فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ، وإنَّ ولدِي وولد ولدِي ليعادُّون على نحو المئة».
وحديثُ الباب أخرجهُ مسلمٌ في «الفضائل».
٦٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمانُ بن محمَّد، ونسبه لجدِّه أبي شيبة إبراهيم لشهرتهِ به، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين (٣) المهملة وسكون الموحدة آخرها هاء تأنيث، ابن سليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) هو عبدُ الله بن زيدٍ الأنصاريُّ (يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا) أي: نسيتُها بعد تبليغها (فِي سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقفْ على تعيينِ الآيات المذكورة.
стр. 11125
والحديثُ سبق في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٤٢]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «فضائل القرآن».
٦٣٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، ابن الحارث بن سَخْبرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمشُ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا) بفتح القاف وسكون السين، غنائمَ حُنينٍ فآثرَ ناسًا في القسمةِ أعطى الأقرعَ بن حابسٍ مئةً من الإبل، وأعطى عُيينة بن حصنٍ مئةً من الإبل، وأعطى ناسًا من العرب استئلافًا لهم [خ¦٣١٥٠] (فَقَالَ رَجُلٌ) اسمه: معتِّبُ بن قُشيرٍ المنافق كما عند الواقديِّ (١): (إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ) بضم همزة «أُريد» مبنيًّا للمفعول.
قال ابن مسعودٍ ﵁: (فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بذلك (فَغَضِبَ، حَتَّى رَأَيْتُ الغَضَبَ) أي: أثرهُ (فِي وَجْهِهِ) وفي «باب الصَّبر على الأذى» من «كتاب الأدب» [خ¦٦١٠٠] «وتغيَّر وجهه» (وَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا) الَّذي قاله هذا الرَّجل (فَصَبَرَ) وأشار بقوله: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا» إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] و (٢) أذى موسى ﵇ هو حديثُ المومسة الَّتي راودها قارون على قذفهِ بنفسِها حتَّى كان ذلك سببَ هلاك قارون، أو اتِّهامهم إيَّاه بقتلِ هارون، فأحياهُ الله فأخبرهم ببراءةِ موسى، أو قولهم: هو آدر. وفي الحديث: أنَّ أهل الفضل قد يُغضبهم ما يُقال فيهم ممَّا (٣) ليس فيهم ومع ذلك (٤) فيتلقَّونه بالحلم، كما فعل النَّبيُّ ﷺ اقتداءً بموسى ﵇، والمراد من الحديث هنا قوله:
стр. 11126
«يرحم الله موسى» (١) فخصَّه بالدُّعاء، فهو مطابقٌ لأحد جزأي التَّرجمة، والله أعلم.
(٢٠) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ) وهو بفتح السين المهملة وسكون الجيم بعدها عين مهملة، كلامٌ من غير مُراعاة وزنٍ.
٦٣٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ (٢) بْنِ السَّكَنِ) بفتح السين (٣) المهملة والكاف بعدها نون، ابن حبيبٍ القرشيُّ البزَّار (٤) -بالموحدة والمعجمة- البصريُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة (أَبُو حَبِيبٍ) الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا هَارُونُ) بن موسى (المُقْرِئُ) بالهمزة، النَّحوي قال: (حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الخِرِّيتِ) بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة بعدها تحتية ساكنة ثمَّ مثناة، البصريُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ) آمرًا أمر إرشادٍ: (حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ) امتنعتَ (فَمَرَّتَيْنِ) في كلِّ جمعةٍ (فَإِن أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكر (٥) «مرَّاتٍ» (وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا القُرْآنَ) بضم الفوقية وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة (٦)، من الإملال، وهي السَّآمة، و «النَّاسَ» نصبٌ
стр. 11127
على المفعوليَّة، وهو كالبيانِ لحكمةِ الأمر بعدمِ الإكثار، و «القرآنَ» مفعولٌ ثانٍ، أو بنزعِ الخافض، أي: لا تملَّهم عن القرآن (وَلَا) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١) بالفاء. (أُلْفِيَنَّكَ) بضم الهمزة وسكون اللام وكسر الفاء وفتح التحتية وتشديد النون المؤكدة، أي: لا أصادفنَّك ولا أجدنَّك (تَأْتِي القَوْمَ وَهُمْ) أي: والحال أنَّهم (فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ، فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ، فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَُّهُمْ) بضم الفوقية وكسر الميم والرفع، ويجوز النَّصب بتقدير: بأن (٢) تملَّهم (وَلَكِنْ أَنْصِتْ) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الصاد، اسكُت مع الإصغاء (فَإِذَا أَمَرُوكَ) التمسوا منك أن تقصَّ عليهم وتحدِّثهم (فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ) والحالُ أنَّهم (يَشْتَهُونَهُ، فَانْظُرِ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وانظر» (السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ) المتكلَّف المانع من الخشوعِ المطلوب فيه، أو المستكره من السَّجع، أو (٣) الاستكثار (٤) منه (فَاجْتَنِبْهُ) ولا تشغلْ فكرك به لِما ذكر.
(فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ) ولفظة «إلَّا» ثابتةٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، كما في الفرع وأصله، فتكون ساقطة عند الكُشميهنيِّ، وحينئذٍ فيكون موافقًا لِمَا عند الإسماعيليِّ: عن القاسم بن زكريِّا عن يحيى بن محمَّدٍ شيخ البخاريِّ بسنده فيه حيث قال: «لا يفعلون ذلك» بإسقاط «إلَّا» وذلك واضحٌ كما لا يخفى، وفسَّره في غير رواية أبي ذرٍّ على وجهِ إثبات لفظ «إلَّا» بقوله: (يَعْنِي: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الاِجْتِنَابَ) وقوله (٥) «يعني» ساقطٌ لأبي ذرٍّ (٦). قال في «الإحياء»: المكروهُ من السَّجع هو المتكلَّف لأنَّه لا يُلائم الضَّراعة والذِّلَّة، فإن وقعَ من غير قصدٍ فلا بأس به، وفي الألفاظِ النَّبويَّة كثيرٌ من ذلك كقوله (٧): «اللَّهمَّ مُنزل الكتاب، مجريَ السَّحاب، هازمَ الأحزاب» [خ¦٢٩٣٣] وكقوله: «صدقَ وعدَه، وأعزَّ جندَه»، وقوله: «أعوذُ بك من عينٍ لا تدمعُ، ونفسٍ لا تشبعُ، وقلبٍ لا يخشعُ».
стр. 11128
(٢١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين: (لِيَعْزِمِ) الشَّخص (المَسْأَلَةَ) لربِّه تعالى (فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ) بكسر الراء.
٦٣٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ) أي: فليقطع بالسُّؤال، ولأحمد «الدُّعاء» بدل: «المسألة»، (وَلَا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي) بقطع الهمزة، أي: فلا يشكُّ في القبول بل يستيقنُ وقوع مطلوبه، ولا يعلِّق ذلك بمشيئةِ الله، وإن كان مأمورًا في جميعِ ما يريدُ فعله بمشيئة الله (فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ) بكسر الراء، فينبغِي الاجتهادُ في الدُّعاء، وأن يكون الدَّاعي على رجاءِ الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله (٢) تعالى فإنَّه يدعو كريمًا ويلحُّ فيه ولا يَستثني، بل يدعو دعاءَ البائس الفقير.
وفي التِّرمذيِّ -وقال: حديثٌ غريبٌ- عن أبي هريرة مرفوعًا: «ادعُو اللهَ وأنتُم مُوقِنُون بالإجابَةِ (٣)، واعلمُوا أنَّ اللهَ لا يستجِيبُ دُعاءً مِن قلبٍ غافِلٍ لاهٍ».
قال التُّوربشتيُّ: أي: كونوا عند الدُّعاء على حالةٍ (٤) تستحقُّون فيها (٥) الإجابة، وذلك بإتيان المعروف، واجتنابِ المنكر، وغير ذلك من مُراعاة أركان الدُّعاء وآدابهِ، حتَّى تكون الإجابة على القلبِ أغلب من الرَّدِّ، أو المراد: ادعوهُ معتقدين وقوعَ الإجابة؛ لأنَّ الدَّاعي إذا لم يكن متحقِّقًا في الرِّجاء لم يكن رجاؤهُ صادقًا، وإذا لم يكن الرَّجاء صادقًا لم يكن الرَّجاء خالصًا والدَّاعي مخلِصًا، فإنَّ الرَّجاء هو الباعثُ على الطَّلب، ولا يتحقَّق الفرعُ إلَّا بتحقُّق الأصل.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
стр. 11129
٦٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ الحارثيُّ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ) لأنَّ هذا التَّعليق صورته صورةُ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوب منه، وقوله: «إنْ شئتَ» ثبتَ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي في الأولى، وأمَّا في الثَّانية فثابتةٌ (١) اتِّفاقًا، وزاد في رواية همَّام عن أبي هريرة في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٤٧٧] «اللَّهمَّ ارزُقْني إنْ شئتَ» (لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ) ولا يقلْ: إن شئت كالمستثني، فلو قال ذلك للتَّبرُّك لا للاستثناء فلا يكرهُ (فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ) تعالى، وهل النَّهي للتَّحريم أو للتَّنزيه (٢) خلافٌ، وحمَّله النَّوويُّ على الثَّاني.
والحديثُ أخرجهُ أبو داود في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات».
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ) دعاؤهُ (مَا لَمْ يَعْجَلْ).
٦٣٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين وتنوين الدال (مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) بفتح الهمزة والهاء بينهما زاي ساكنة آخره راء، عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ) بفتح التَّحتية والجيم بينهما عين ساكنة. وقال في «الكواكب»:
стр. 11130
يُستجاب، من الاستجابةِ بمعنى الإجابة.
قال الشَّاعر:
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
وقوله: «لأحدكم» (١) أي: يجابُ دعاءُ كلِّ واحدٍ منكم؛ إذ المفرد (٢) المضافُ يُفيد العمومَ (٣) على الأصحِّ.
(يَقُولُ) بيان لقوله: «ما لم يعجَلْ» ولأبي ذرٍّ -ممَّا (٤) في «الفتح» - «فيقولَ» بالفاء والنَّصب: (دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) بضم التحتية وفتح الجيم، وفي روايةِ أبي إدريس الخولانيِّ عن أبي هريرة عند مسلمٍ والتِّرمذيِّ: «لا يزالُ يستجابُ للعبدِ ما لم يدعُ بإثمٍ، أو قطيعةِ رحمٍ، وما لم يستعجل، قيل: وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ وقد دعوتُ، فلم أرَ يستجاب لي، فيستحسرُ عند ذلك ويَدَعُ الدُّعاءَ»، وقوله: «فيستحسر (٥)»، بمهملاتٍ استفعالٌ من حسر، إذا أعيا وتعبَ، وتكرارُ «دعوتُ» للاستمرار، أي: دعوتُ مرارًا كثيرةً.
قال المظهريُّ: مَن كان له ملالةٌ من الدُّعاء لا يُقبَل دعاؤه؛ لأنَّ الدُّعاء عبادةٌ حصلت الإجابة أو لم تحصلْ، فلا ينبغِي للمؤمن أن يملَّ من العبادةِ، وتأخيرُ الإجابةِ إمَّا أنَّه لم يأتِ وقتها فإنَّ لكلِّ شيءٍ وقتًا، وإمَّا لأنَّه لم يقدَّرْ في الأزل قَبول دعائه في الدُّنيا؛ ليُعطى عوضه في الآخرة، وإمَّا أن يؤخَّر القَبول ليلحَّ ويبالغ في ذلك، فإنَّ الله تعالى يحبُّ الإلحاح في الدُّعاء مع ما في ذلك من الانقيادِ والاستسلام وإظهار الافتقار، ومَن يكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له، ومن يُكثر الدُّعاء يوشكُ أن يُستجاب له.
وللدُّعاء آدابٌ منها: تقديمُ الوضوء، والصَّلاة، والتَّوبة، والإخلاص، واستقبال القبلة، وافتتاحُه (٦) بالحمد والثَّناء، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ، وأن يختتم الدعاء بالطَّابع وهو:
стр. 11131
آمين، وأن لا يخصَّ نفسه بالدُّعاء بل يعمُّ ليدرج دعاؤه وطلبه في تضاعيف دعاء الموحِّدين (١)، ويخلطَ حاجته بحاجتهم لعلَّها أن تقبلَ ببركتهم وتجاب، وأصل هذا كلِّه ورأسُه اتِّقاء الشُّبهات فضلًا عن الحرام، وفي حديث مالك بن يسارٍ مرفوعًا: «إذَا سألتُمُ اللهَ فاسألُوهُ ببطُونِ أكفِّكُم، ولا تسألُوهُ بظهُورِهَا، فإذَا فرغتُم فامسَحُوا بهَا وجوهَكُم» رواه أبو داود، ومن عادة مَن يطلب شيئًا (٢) من غيره أن يمدَّ كفَّه إليه، فالدَّاعي يبسط كفَّه إلى الله متواضعًا متخشِّعًا، وحكمةُ مسح الوجه بهما: التَّفاؤل بإصابة ما طلب، وتبرُّكًا بإيصاله إلى وجهه الَّذي هو أعلى الأعضاء وأولاها (٣)، فمنه يسري إلى سائرِ الأعضاء.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات» أيضًا، وأبو داود في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الدُّعاء».
(٢٣) (بابُ) مشروعيَّة (رَفْعِ الأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.
(وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) ﵁، فيما سبق موصولًا في «غزوة حُنين» [خ¦٤٣٢٣] (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) في قصَّة قتل أبي عامرٍ عمِّ أبي موسى (وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) بكسر الهمزة وسكون الموحدة (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄، ممَّا (٤) وصله المؤلِّف في (٥) «غزوة بني جَذِيمة» -بجيم ومعجمة بوزن عَظِيمة-[خ¦٤٣٣٩] (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ: اللَّهُمَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقال: اللَّهمَّ» (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) أي: ابنُ الوليد ﵁ من قتله لهم بعد قولهم: صبأنَا، يريدون: خرجنَا من دِيْننَا (٦) إلى دينِ الإسلام،
стр. 11132
ولم يُحسنوا أن يقولوا ذلك، ولم يتثبَّتْ في أمرهم، ولم يروَ أنَّه ﷺ أوجبَ عليه القود؛ لأنَّه متأوِّلٌ.
٦٣٤١ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ ﵀: (وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بنُ عبد الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي كثيرٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (وَشَرِيكٍ) بفتح الشين المعجمة، ابن أبي نَمِرٍ (١)، أنَّهما (سَمِعَا أَنَسًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الاستسقاء» معلَّقًا [خ¦١٠٢٩] ووصله أبو نُعيمٍ، وفي حديث أبي هُريرة: «قدمَ الطُّفيل بن عَمرو على النَّبيِّ ﷺ فقال: إنَّ دوسًا عصتْ، فادعُ الله عليها فاستقبلِ القبلةَ ورفعَ يديهِ، فقال: اللَّهمَّ اهدِ دوسًا» رواه البخاريُّ في «الأدب» [خ¦٦٣٩٧] وفي حديثِ عائشة عندَ مسلمٍ «أنَّها رأت النَّبيَّ ﷺ يدعو رافعًا يديه».
وفي الباب أحاديث كثيرةٌ يطولُ سردها، وفيها ردٌّ على القائلِ بعدم الرَّفع إلَّا في الاستسقاء؛ لحديث أنسٍ الصَّحيح: «لم يكن النَّبيُّ ﷺ يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلَّا في الاستسقاء» [خ¦١٠٣١] وأُجيب بأنَّ المنفيَّ صفةٌ خاصَّةٌ لا أصل الرَّفع، فالرَّفع في الاستسقاءِ يخالف غيره إمَّا بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدُّعاء إلى المنكبين، ويكون رؤية بياض إبطيهِ في الاستسقاءِ أبلغُ منها في غيره، أو أنَّ الكفَّين في الاستسقاءِ يليان الأرضَ، وفي الدُّعاء يليان (٢) السَّماء.
(٢٤) (باب الدُّعَاءِ) حال كون الدَّاعي (غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ).
стр. 11133
٦٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) بالحاء المهملة، البُنانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ (١) ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَامَ رَجُلٌ) أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَتَغَيَّمَتِ السَّمَاءُ) الفاء هي الفصيحة الدَّالة على محذوفٍ، أي: فدعا فاستجاب الله دعاءه فتغيَّمتِ السَّماء (وَمُطِرْنَا، حَتَّى مَا كَادَ الرَّجُلُ يَصِلُ إِلَى مَنْزِلِهِ) من كثرةِ المطر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكشميهنيِّ: «إلى المنزل» (فَلَمْ نَزَلْ نُمْطَرُ) بضم النون وفتح الطاء، من الجمعة (إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ) والَّذي في الفرع وأصله (٢): «فلم تزلْ تُمطِر» بالفوقية فيهما (فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ): يا رسولَ الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَصْرِفَهُ) أي: المطر (عَنَّا (٣) فَقَدْ غَرِقْنَا، فَقَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ) أنزلِ المطر (حَوَالَيْنَا وَلَا) تنزلهُ (عَلَيْنَا، فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَقَطَّعُ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَلَا يُمْطِرُ) بضم أوَّله وكسر ثالثه، السَّحابُ (أَهْلَ المَدِينَةِ) نصب، ولأبي ذرٍّ: «ولا يُمطَر» بفتح الطاء، مبنيًّا للمفعول، و «أهلُ» رفع.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الخطيبَ من شأنه أن يكون مُستدبر القبلة، وأنَّه لم ينقل أنَّه ﷺ لمَّا دعا في المرَّتين استدارَ.
والحديثُ سبقَ في «الاستسقاء (٤) على المنبر» (٥) [خ¦١٠١٥].
(٢٥) (باب الدُّعَاءِ) حال كون الدَّاعي (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ).
стр. 11134
٦٣٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، المازنيُّ الأنصاريُّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد الموحدة، الأنصاريُّ المازنيُّ (عَنْ (١) عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ إِلَى هَذَا المُصَلَّى) بفتح اللام المشددة (يَسْتَسْقِي، فَدَعَا وَاسْتَسْقَى، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ) فقدَّم الدُّعاء قبل الاستقبال، وحينئذٍ فلا مطابقة بين التَّرجمة والحديث، لكن قال الإسماعيليُّ: يُحتمل أنَّ البخاريَّ أراد أنَّه لمَّا تحوَّل وقلَّب رداءه دعا حينئذٍ أيضًا، ويُحتمل أنَّه أشار كعادته لِما ورد في بعض طرق الحديث ممَّا سبق في «كتاب الاستسقاء» [خ¦١٠٢٣] أنَّه لمَّا أراد أن يدعوَ استقبل القبلة وحوَّل رداءه، وقد وردَ في استقبال القبلةِ عند الدُّعاء من فعله ﷺ عدَّة أحاديث.
(٢٦) (بابُ) ذكرِ (دَعْوَةِ) وفي نسخةٍ: «دعاء» (النَّبِيِّ ﷺ لِخَادِمِهِ) أنس بن مالكٍ ﵁ (بِطُولِ العُمُرِ وَبِكَثْرَةِ مَالِهِ).
٦٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه محمَّد، واسم أبي الأسود حميدٌ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم وتشديد التحتية، ابن عمارة العتكيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسٍ) بن مالكٍ (٢) (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَتْ أُمِّي) أمُّ سُلَيمٍ الرُّميصاءُ: (يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللهَ لَهُ)
стр. 11135
سقط «أنس» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) زاد مسلم من طريق إسحاقَ بن عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أنسٍ في آخرِ هذا الحديث، قال أنس: «فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ وإنَّ ولدِي وولد ولدِي ليعادُّون على نحو المئة اليوم». وثبت في «الصَّحيح» أنَّه كان في الهجرةِ ابن تسع سنين (١)، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاثٍ، وله مئة وثلاث سنين. قال خليفة: وهو المعتمد، وأمَّا طول عمره فلم يذكر في حديث الباب، وكأنَّ المؤلِّف أشار لِما في بعض طرق الحديث عن أنسٍ، قال: «قالت أمُّ سُليمٍ: خويدمُك ألا تدعو له؟ فقال: اللَّهمَّ أكثرْ مالَهُ وولدَهُ، وأَطِل حياتَهُ، واغفِرْ لهُ» رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد» وفيه دَلالة على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال؛ لكن إذا لم يشغلْه ذلك عن الله والقيام بحقوقه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ولا فتنةَ أعظم من شغلهم (٢) العبد عن القيامِ بحقوق المولى، ولولا دَعوته ﷺ لأنسٍ لخيفَ عليه.
(٢٧) (باب) ذكرِ (الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ) بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، وهو ما يَدْهم الإنسانَ فيأخذ بنفسه فيغمُّهُ ويحزنهُ.
٦٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ الحافظ المفسِّر (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيْع الرَّيحانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ) ولمسلمٍ من رواية يوسف بنِ عبد الله بنِ الحارث، عن أبي العالية: «كان إذا حَزبهُ أمرٌ» وهو بفتح الحاء المهملة (٣) والزاي وبالموحدة، أي: هجمَ عليه أو غلبه (٤) (يَقُوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ) المطلق البالغ أقصى مراتبِ العظمة (٥) الَّذي لا يتصوَّره عقلٌ، ولا يحيطُ بكُنْهه بصيرةٌ (الحَلِيمُ) الَّذي لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يحمله غيظٌ على استعجالِ العقوبة، والمسارعة إلى الانتقامِ، وسقط لغير أبي (٦) ذرٍّ لفظ «يقول» (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) بالجرِّ صفةً لـ «العرش»، ووصفَ العرش بالعظيم؛ لأنَّه أعظمُ خلقِ الله مطلقًا لأهل السَّماء، وقِبلةٌ للدُّعاء، وضبطه الدَّاوديُّ فيما نقله عنه ابن التِّين السَّفاقسيُّ (٧) بالرَّفع، وبه قرأ ابن مُحيصن (٨) آخر التَّوبة نعتًا للرَّبِّ. قال أبو بكرٍ الأصمُّ: جعل العظيم صفةً لله أولى من جعله صفةً للعرشِ، وثبتت (٩) الواو في قوله: «وربُّ العرش (١٠)» لأبي ذرٍّ.
٦٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) الدَّستوائيِّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ)