← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

آمين، وأن لا يخصَّ نفسه بالدُّعاء بل يعمُّ ليدرج دعاؤه وطلبه في تضاعيف دعاء الموحِّدين (١)، ويخلطَ حاجته بحاجتهم لعلَّها أن تقبلَ ببركتهم وتجاب، وأصل هذا كلِّه ورأسُه اتِّقاء الشُّبهات فضلًا عن الحرام، وفي حديث مالك بن يسارٍ مرفوعًا: «إذَا سألتُمُ اللهَ فاسألُوهُ ببطُونِ أكفِّكُم، ولا تسألُوهُ بظهُورِهَا، فإذَا فرغتُم فامسَحُوا بهَا وجوهَكُم» رواه أبو داود، ومن عادة مَن يطلب شيئًا (٢) من غيره أن يمدَّ كفَّه إليه، فالدَّاعي يبسط كفَّه إلى الله متواضعًا متخشِّعًا، وحكمةُ مسح الوجه بهما: التَّفاؤل بإصابة ما طلب، وتبرُّكًا بإيصاله إلى وجهه الَّذي هو أعلى الأعضاء وأولاها (٣)، فمنه يسري إلى سائرِ الأعضاء. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات» أيضًا، وأبو داود في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الدُّعاء». (٢٣) (بابُ) مشروعيَّة (رَفْعِ الأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ) وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ. (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيُّ) ﵁، فيما سبق موصولًا في «غزوة حُنين» [خ¦٤٣٢٣] (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) في قصَّة قتل أبي عامرٍ عمِّ أبي موسى (وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) بكسر الهمزة وسكون الموحدة (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄، ممَّا (٤) وصله المؤلِّف في (٥) «غزوة بني جَذِيمة» -بجيم ومعجمة بوزن عَظِيمة-[خ¦٤٣٣٩] (رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ: اللَّهُمَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وقال: اللَّهمَّ» (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) أي: ابنُ الوليد ﵁ من قتله لهم بعد قولهم: صبأنَا، يريدون: خرجنَا من دِيْننَا (٦) إلى دينِ الإسلام،

стр. 11132

ولم يُحسنوا أن يقولوا ذلك، ولم يتثبَّتْ في أمرهم، ولم يروَ أنَّه ﷺ أوجبَ عليه القود؛ لأنَّه متأوِّلٌ. ٦٣٤١ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ ﵀: (وَقَالَ الأُوَيْسِيُّ) عبد العزيز بنُ عبد الله: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي كثيرٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (وَشَرِيكٍ) بفتح الشين المعجمة، ابن أبي نَمِرٍ (١)، أنَّهما (سَمِعَا أَنَسًا) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الاستسقاء» معلَّقًا [خ¦١٠٢٩] ووصله أبو نُعيمٍ، وفي حديث أبي هُريرة: «قدمَ الطُّفيل بن عَمرو على النَّبيِّ ﷺ فقال: إنَّ دوسًا عصتْ، فادعُ الله عليها فاستقبلِ القبلةَ ورفعَ يديهِ، فقال: اللَّهمَّ اهدِ دوسًا» رواه البخاريُّ في «الأدب» [خ¦٦٣٩٧] وفي حديثِ عائشة عندَ مسلمٍ «أنَّها رأت النَّبيَّ ﷺ يدعو رافعًا يديه». وفي الباب أحاديث كثيرةٌ يطولُ سردها، وفيها ردٌّ على القائلِ بعدم الرَّفع إلَّا في الاستسقاء؛ لحديث أنسٍ الصَّحيح: «لم يكن النَّبيُّ ﷺ يرفع يديه في شيءٍ من دعائه إلَّا في الاستسقاء» [خ¦١٠٣١] وأُجيب بأنَّ المنفيَّ صفةٌ خاصَّةٌ لا أصل الرَّفع، فالرَّفع في الاستسقاءِ يخالف غيره إمَّا بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدُّعاء إلى المنكبين، ويكون رؤية بياض إبطيهِ في الاستسقاءِ أبلغُ منها في غيره، أو أنَّ الكفَّين في الاستسقاءِ يليان الأرضَ، وفي الدُّعاء يليان (٢) السَّماء. (٢٤) (باب الدُّعَاءِ) حال كون الدَّاعي (غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ).

стр. 11133

٦٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) بالحاء المهملة، البُنانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ (١) ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَامَ رَجُلٌ) أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَتَغَيَّمَتِ السَّمَاءُ) الفاء هي الفصيحة الدَّالة على محذوفٍ، أي: فدعا فاستجاب الله دعاءه فتغيَّمتِ السَّماء (وَمُطِرْنَا، حَتَّى مَا كَادَ الرَّجُلُ يَصِلُ إِلَى مَنْزِلِهِ) من كثرةِ المطر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكشميهنيِّ: «إلى المنزل» (فَلَمْ نَزَلْ نُمْطَرُ) بضم النون وفتح الطاء، من الجمعة (إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ) والَّذي في الفرع وأصله (٢): «فلم تزلْ تُمطِر» بالفوقية فيهما (فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ): يا رسولَ الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَصْرِفَهُ) أي: المطر (عَنَّا (٣) فَقَدْ غَرِقْنَا، فَقَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ) أنزلِ المطر (حَوَالَيْنَا وَلَا) تنزلهُ (عَلَيْنَا، فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَقَطَّعُ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَلَا يُمْطِرُ) بضم أوَّله وكسر ثالثه، السَّحابُ (أَهْلَ المَدِينَةِ) نصب، ولأبي ذرٍّ: «ولا يُمطَر» بفتح الطاء، مبنيًّا للمفعول، و «أهلُ» رفع. ومناسبة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الخطيبَ من شأنه أن يكون مُستدبر القبلة، وأنَّه لم ينقل أنَّه ﷺ لمَّا دعا في المرَّتين استدارَ. والحديثُ سبقَ في «الاستسقاء (٤) على المنبر» (٥) [خ¦١٠١٥]. (٢٥) (باب الدُّعَاءِ) حال كون الدَّاعي (مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ).

стр. 11134

٦٣٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين، المازنيُّ الأنصاريُّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد الموحدة، الأنصاريُّ المازنيُّ (عَنْ (١) عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ إِلَى هَذَا المُصَلَّى) بفتح اللام المشددة (يَسْتَسْقِي، فَدَعَا وَاسْتَسْقَى، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ) فقدَّم الدُّعاء قبل الاستقبال، وحينئذٍ فلا مطابقة بين التَّرجمة والحديث، لكن قال الإسماعيليُّ: يُحتمل أنَّ البخاريَّ أراد أنَّه لمَّا تحوَّل وقلَّب رداءه دعا حينئذٍ أيضًا، ويُحتمل أنَّه أشار كعادته لِما ورد في بعض طرق الحديث ممَّا سبق في «كتاب الاستسقاء» [خ¦١٠٢٣] أنَّه لمَّا أراد أن يدعوَ استقبل القبلة وحوَّل رداءه، وقد وردَ في استقبال القبلةِ عند الدُّعاء من فعله ﷺ عدَّة أحاديث. (٢٦) (بابُ) ذكرِ (دَعْوَةِ) وفي نسخةٍ: «دعاء» (النَّبِيِّ ﷺ لِخَادِمِهِ) أنس بن مالكٍ ﵁ (بِطُولِ العُمُرِ وَبِكَثْرَةِ مَالِهِ). ٦٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه محمَّد، واسم أبي الأسود حميدٌ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم وتشديد التحتية، ابن عمارة العتكيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدوسيِّ (عَنْ أَنَسٍ) بن مالكٍ (٢) (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَتْ أُمِّي) أمُّ سُلَيمٍ الرُّميصاءُ: (يَا رَسُولَ اللهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللهَ لَهُ)

стр. 11135

سقط «أنس» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) زاد مسلم من طريق إسحاقَ بن عبد الله بنِ أبي طلحة، عن أنسٍ في آخرِ هذا الحديث، قال أنس: «فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ وإنَّ ولدِي وولد ولدِي ليعادُّون على نحو المئة اليوم». وثبت في «الصَّحيح» أنَّه كان في الهجرةِ ابن تسع سنين (١)، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاثٍ، وله مئة وثلاث سنين. قال خليفة: وهو المعتمد، وأمَّا طول عمره فلم يذكر في حديث الباب، وكأنَّ المؤلِّف أشار لِما في بعض طرق الحديث عن أنسٍ، قال: «قالت أمُّ سُليمٍ: خويدمُك ألا تدعو له؟ فقال: اللَّهمَّ أكثرْ مالَهُ وولدَهُ، وأَطِل حياتَهُ، واغفِرْ لهُ» رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد» وفيه دَلالة على إباحة الاستكثار من المال والولد والعيال؛ لكن إذا لم يشغلْه ذلك عن الله والقيام بحقوقه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ولا فتنةَ أعظم من شغلهم (٢) العبد عن القيامِ بحقوق المولى، ولولا دَعوته ﷺ لأنسٍ لخيفَ عليه. (٢٧) (باب) ذكرِ (الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ) بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة، وهو ما يَدْهم الإنسانَ فيأخذ بنفسه فيغمُّهُ ويحزنهُ. ٦٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزديُّ الفراهيديُّ -بالفاء- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ الحافظ المفسِّر (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيْع الرَّيحانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ) ولمسلمٍ من رواية يوسف بنِ عبد الله بنِ الحارث، عن أبي العالية: «كان إذا حَزبهُ أمرٌ» وهو بفتح الحاء المهملة (٣) والزاي وبالموحدة، أي: هجمَ عليه أو غلبه (٤) (يَقُوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ) المطلق البالغ أقصى مراتبِ العظمة (٥) الَّذي لا يتصوَّره عقلٌ، ولا يحيطُ بكُنْهه بصيرةٌ (الحَلِيمُ) الَّذي لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يحمله غيظٌ على استعجالِ العقوبة، والمسارعة إلى الانتقامِ، وسقط لغير أبي (٦) ذرٍّ لفظ «يقول» (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) بالجرِّ صفةً لـ «العرش»، ووصفَ العرش بالعظيم؛ لأنَّه أعظمُ خلقِ الله مطلقًا لأهل السَّماء، وقِبلةٌ للدُّعاء، وضبطه الدَّاوديُّ فيما نقله عنه ابن التِّين السَّفاقسيُّ (٧) بالرَّفع، وبه قرأ ابن مُحيصن (٨) آخر التَّوبة نعتًا للرَّبِّ. قال أبو بكرٍ الأصمُّ: جعل العظيم صفةً لله أولى من جعله صفةً للعرشِ، وثبتت (٩) الواو في قوله: «وربُّ العرش (١٠)» لأبي ذرٍّ. ٦٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ) الدَّستوائيِّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي العَالِيَةِ) رُفَيع (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ) حلولِ (الكَرْبِ)

стр. 11136

ولمسلمٍ من رواية سعيد بنِ أبي عَروبة عن قتادة: «كان يدعو بهنَّ ويقولهنَّ عند الكرب»: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ

стр. 11137

العَرْشِ العَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) وصف العرشَ بالكرم لأنَّ الرَّحمة تنزلُ منه، أو لنسبتهِ إلى أكرمِ الأكرمين، وقرئ في آية المؤمنين بالرَّفع صفةً للرَّبِّ تعالى، كما مرَّ [خ¦٦٣٤٥] وقد صدّر هذا الثَّناء بذكر الرَّبِّ ليناسب كشف الكرب؛ لأنَّه مقتضى (١) التَّربية، وَوُصِف الرَّبُّ تعالى بالعظمةِ والحلم (٢)، وهما صفتان مُستلزمتان لكمال القدرةِ والرَّحمة والإحسان والتَّجاوز، ووصفه بكمال ربوبيَّته الشَّاملة للعالم العلويِّ والسُّفليِّ، والعرش الَّذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، وحِلمه يستلزمُ كمال رحمتهِ وإحسانه إلى خلقهِ، فعلم القلب ومعرفته بذلك يوجب محبَّته وإجلالَه وتوحيدَه، فيحصل له (٣) من الابتهاجِ واللَّذَّة والسُّرور ما يدفعُ عنه ألم الكربِ والهمِّ والغمِّ، فإذا قابلتَ بين ضيقِ الكرب وسعةِ هذه الأوصاف الَّتي تضمَّنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبةِ لتفريج هذا الضِّيق وخروج القلبِ منه إلى سعة البهجة والسُّرور، وإنَّما يصدِّق هذه الأمور من (٤) أشرقتْ فيه أنوارُها، وباشرَ قلبَه حقائقُها، أشار إليه في «زاد المعاد». وقال في «الكواكب»: فإن قلت: هذا ذكرٌ لا دعاء. قلتُ: هو ذكرٌ يُستفتح به الدُّعاء بكشفِ كربه. وعن سفيان بن عُيينة: أما علمتَ أنَّ الله قال: مَن شغلَهُ ذِكْري عن مَسْألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعْطي السَّائلين (٥). ومن دعوات الكرب: ما رواه أبو داود وصحَّحه ابن حبَّان، عن أبي بكرةَ رفعه: «اللَّهُمَّ رحمتكَ أرجُو فلا تكلنِي إلى نفسِي طرفةَ عينٍ، وأصلِحْ لي شأنِي كلَّهُ لَا إلَه إلَّا أنتَ». ومنها: «الله الله ربِّي لا أشرِكُ بهِ شيئًا» رواه أصحاب السُّنن إلَّا التِّرمذيَّ من حديث أسماء بنت عُميسٍ قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ : «ألا أعلِّمكِ كلماتٍ تقوليهِنَّ عندَ الكربِ». ولابن أبي الدُّنيا «كتاب الفرج بعد الشِّدَّة» فائقٌ في معناه.

стр. 11138

(وَقَالَ وَهْبٌ) بفتح الواو وسكون الهاء، وللمستمليِّ: «وُهَيب» بضم الواو وفتح الهاء، لكن قال أبو ذرٍّ الهرويُّ: الصَّواب: وَهب -يعني: بفتح الواو- وهو وَهْب بن جرير بن حازمٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) السَّدوسيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، وأشار المؤلِّف بهذا التَّعليق إلى ردِّ قول القائل: إنَّ قتادة لم يسمعْ من أبي العاليةَ إلَّا أربعةَ أحاديث (١): حديث يونس بن متَّى (٢)، وحديث ابنِ عمر (٣) في «الصَّلاة»، وحديث القضاة الثَّلاثة، وحديث ابن عبَّاسٍ: شهد عندي رجالٌ مرضيُّون (٤) [خ¦٥٨١] لأنَّ شعبة ما كان يحدِّث عن أحدٍ من المدلِّسين إلَّا بما يكون ذلك المدلِّس قد سمعَه من شيخهِ، وقد حدَّث شُعبة بهذا الحديثِ عن قتادةَ فانتفتْ ريبةُ تدليس (٥) قتادة (٦) في هذا الحديث حيثُ رواهُ بالعنعنةِ، لا سيَّما (٧) وقد أخرجه مسلمٌ من طريقِ سعيد بن أبي عَروبة (٨) عن قتادة: أنَّ أبا العالية حدَّثه. فصرَّح بسماعه له منه. (٢٨) (باب التَّعَوُّذِ) بالله (مِنْ جَُهْدِ البَلَاءِ) بفتح الجيم وضمها. ٦٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُمَيٌّ) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن (عَنْ

стр. 11139

أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ) تعبُّدًا وتواضعًا وتعليمًا لأمَّته (مِنْ جَُهْدِ البَلَاءِ) بفتح الموحدة مع المدِّ، ويجوز الكسر مع القصر، وهو الحالةُ الَّتي يمتحنُ بها الإنسان، وتشقُّ عليه بحيث يتمنَّى فيها الموت ويختاره عليها، وعن ابن عُمر: جهد البلاء: قلَّة المال وكثرةُ العيال (وَ) من (دَرَكِ الشَّقَاءِ) بفتح الدال والراء المهملتين وقد تسكن الراء، اللَّحاق والوصول إلى الشَّيء، و «الشَّقاء» بالشين المعجمة والقاف: الهلاك، وقد (١) يطلقُ على السَّبب المؤدِّي إلى الهلاك (وَ) من (سُوءِ القَضَاءِ) ما يسوءُ الإنسان ويوقعه في المكروهِ، ولفظ السُّوء منصرفٌ (٢) إلى المقضيِّ عليه دون القضاءِ، وهو -كما قال النَّوويُّ- شاملٌ للسُّوء في الدِّين والدُّنيا والبدن والمال والأهل، وقد يكونُ في الخاتمةِ، أسألُ الله تعالى العافية، وأسألُه (٣) بوجاهة وجههِ الوجيه (٤) أن يختمَ لي وللمسلمين بخاتمةِ الحُسنى، ويرفعنا إلى المحلِّ الأسنى بمنِّه وكرمه (وَ) من (شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) وهي فرح العدوِّ ببليَّةٍ تنزلُ بمن يُعاديه. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة، بالسَّند السَّابق: (الحَدِيثُ) مذكورٌ فيه (ثَلَاثٌ، زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً) من قِبَلِ نفسي (لَا أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ) وقد أخرج الإسماعيليُّ الحديثَ من طريقِ ابن أبي عمرٍ عن سفيان فبيَّن فيه أنَّ الخَصلة المزيدة هي: «شماتةُ الأعداء». ولعلَّ سفيانَ كان إذا حدَّث ميَّزها، ثمَّ طالَ الأمر فطرأَ عليه النِّسيان فحفظَ بعض مَن سمعَ تعيينها منه قبل أن يطرأَ عليه النِّسيان، ثمَّ كان بعدَ أن خفيَ عليه تَعْيينها يذكر كونها مزيدةً مع إبهامها. والحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «القدر» [خ¦٦٦١٦]، ومسلمٌ في «الدَّعوات»، والنَّسائيُّ في «الاستعاذة». (٢٩) (باب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عند موتهِ بقوله: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) قال في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ: وفي رواية الأكثرين: «بابٌ» بغير ترجمةٍ.

стр. 11140

٦٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) نسبة لجدِّه «عُفَير» بضم العين المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة راء، واسم أبيه: محمَّد (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (اللَّيْثُ) بن سعدٍ إمامُ المصريِّين، صاحبُ المكارم العظيمة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ) أحدُ الأعلام، وسيِّد التَّابعين (وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام الأسديُّ المدنيُّ، ولد في أوائلِ خلافةِ عُثمان، وتوفِّي سنة أربعٍ وتسعين على الصَّحيح (فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) أي: أخبراه في جملةِ طائفةٍ أُخرى أخبروه أيضًا بذلك، أو في حضورِ طائفةٍ مُستمعين له. وقال في «الفتح»: لم أقف على تعيين أحدٍ منهم صريحًا، وقد روى أصل الحديث المذكور عن عائشة (١) ابنُ أبي مُليكة، وذَكوانُ مولى عائشة، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، والقاسم بن محمَّد، فيُحتمل أن يكون الزُّهريُّ عناهم أو بعضهم (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ وَهْوَ صَحِيح: لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لم يقبض» بـ «لم» الجازمة، و «يُقبَض» بضم أوله وفتح ثالثه، مبنيًا للمفعول فيهما (حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ) على صيغة المجهول، بين الموتِ والحياة (فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ) بفتح النون والزاي في الفرع كأصله (٢)، حضرهُ الموت (وَرَأْسُهُ) أي (٣): والحالُ أنَّ رأسه (عَلَى فَخِذِي) بالمعجمتين (غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ) بفتح الهمزة والخاء، أي: رفعَ (بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) بنصب «الرَّفيق» أي: اخترتُ الرَّفيق الأعلى، وهو

стр. 11141

اسمٌ جاء على فَعِيْلٍ، ومعناه: الجماعةُ كالصَّديق والخليط. قيل: وهو الَّذي جاء مبيَّنًا في الحديث من قوله: «مع الَّذين أنعمت عليهم من النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين» وقيل: هم المقرَّبون من الملائكة، وقيل: ليس الأعلى من الصِّفات الموضِّحة، فلا يتوهَّم أنَّ ثمَّة رفيقًا ليس بأعلى، بل هو من الصِّفات المادحة من باب قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤]. قالت عائشة: (قلْتُ: إِذًا لَا يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ الحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا) به (وَهْوَ صَحِيحٌ) تعني قوله: «لن يُقبض نبيٌّ قطُّ حتَّى يرى مقعده من الجنَّة ثمَّ يُخيَّر» (قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى). والحديثُ يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٩] وسبق في مواضع [خ¦٣٦٦٩] [خ¦٤٤٣٦] [خ¦٤٤٦٣]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الفضائل». (٣٠) (باب) ذكر كراهية (١) (الدُّعَاءِ بِالمَوْتِ وَالحَيَاةِ) إذا كانت الحياة شرًّا للدَّاعي. ٦٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) بنِ أبي حازمٍ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا) بالخاء المعجمة والموحدة المشددة المفتوحتين وبعد الألف موحدة أخرى، ابن الأرتِّ (وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا) لوجعٍ كان به (قَالَ) وللكُشميهنيِّ: «وقال»: (لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ) على نفسِي. والحديثُ مرَّ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧٢].

стр. 11142

٦٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازمٍ (قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا، وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا فِي بَطْنِهِ) لم يقل في الأولى: في بطنهِ، فلذا أوردَ هذا الحديثَ أيضًا (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ) وفي نسخةٍ «أنَّ رسول الله» (١) (¬ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ). ٦٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام وتشديدها، محمَّد قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين وفتح اللام والتحتية المشددة، هو إسماعيلُ بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديُّ مَولاهم البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنَانيِّ الأعمى (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مخاطبًا للصَّحابة ومن بعدهم من المسلمين عمومًا: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ) بنون التَّأكيد (٢) الثَّقيلة (أَحَدٌ مِنْكُمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أحدكم» (المَوْتَ لِضُرٍّ) أي: لأجل مرضٍ أو غيره (٣) (نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ) مَن نزل به الضُّر (لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ، فَلْيَقُلِ: أَللَّهُمَّ) بقطع الهمزة كهمزة (أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ

стр. 11143

خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي) فإن قلت: ما الحكمة في كونهِ أتى بـ «ما» في الأوَّل، و «إذا» في الثَّاني؟ قلت: أجابَ عنه الحافظُ فقال: عبَّر في الحياة بقوله: «ما كانت» لأنَّها حاصلةٌ، فحَسُنَ أن يأتيَ بالصِّيغة المفيدة للاتصاف بالحياة، ولمَّا كانت الوفاة لم تقعْ بعدُ حَسُنَ أنْ يأتيَ بصيغة الشَّرط، والظَّاهر أنَّ هذا الضَّرر دُنيويٌّ لا دِينيٌّ (١)، وقوله: «لا يتمنينَّ» نهيٌ خرج في صورة النَّفي للتَّأكيد، وإنَّما نهى عن ذلك؛ لأنَّه في معنى التَّبرُّم عن (٢) قضاء الله في أمرٍ منفعتُه عائدةٌ على العبدِ في آخرته. نعم لو كان التَّمنِّي خوف فسادِ الدِّين ساغَ له ذلك. وقوله: «فليقل» ليس للوجوب؛ لأنَّ الأمرَ بعد الحظرِ لا يبقى على حقيقتهِ. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات» أيضًا، والتِّرمذيُّ في «الجنائز»، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ» والله أسألَ أن يُطيل عمري في طاعتهِ، ويلبسنِي أثوابَ عافيتهِ، ويقبضنِي على الإسلامِ والسُّنَّة من غير فتنةٍ ولا محنةٍ، في طَيْبةَ الطَّيِّبة، وأن يردَّ ضالَّتي ويُصلحَ لي دِيني ودُنياي وآخرتي، والحمد لله وصلَّى الله على سيدنا محمَّد (٣) رسول الله وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. (٣١) (باب الدُّعَاءِ لِلصِّبْيَانِ بِالبَرَكَةِ (٤)، وَمَسْحِ رُؤوسِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ ﵁، ممَّا سبق موصولًا في «العقيقة» [خ¦٥٤٦٧]: (وُلِدَ لِي غُلَامٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «مولودٌ» (وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) معطوفٌ على محذوفٍ، ذكره في «العقيقة» ولفظه: «وُلد لي غلامٌ فأتيتُ به النَّبيَّ ﷺ فسمَّاه: إبراهيم، وحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له» (بِالبَرَكَةِ).

стр. 11144

٦٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقية، ابن إسماعيل المدنيُّ، أبو إسماعيل الحافظ الحارثيُّ (١) مَولاهم (عَنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ويُدْعى الجُعَيد بن أوسٍ، وقد يُنسب إلى جدِّه، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بن سعيدٍ (٢) الكنديَّ، صحابيٌّ صغيرٌ له أحاديث قليلة، وحجَّ به في حجَّة الوداع وهو ابنُ سبع سنين، وهو آخر مَن مات من الصَّحابة بالمدينة ﵃ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي) لم تُسمَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عليَّة بنت شريحٍ (وَجِعٌ) بفتح الواو وكسر الجيم، أي: مريضٌ، قال: السَّائب (فَمَسَحَ) ﷺ (رَأْسِي) بيدِه (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ). وهذا من (٣) غرض بعض التَّرجمة. (ثُمَّ تَوَضَّأَ) ﷺ (فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، من الماء المتقاطرِ من أعضائه المقدَّسة (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِهِ) الَّذي كان يعرف به عند أهل الكتاب (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) بالتَّثنية، إلى جهة كتفهِ الأيسر (مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ) بكسر الميم وسكون المثلثة، مفعول نظرت، و «زِرِّ» بكسر الزاي وتشديد الراء، و «الحَجَلة» بفتح الحاء المهملة والجيم، واحدة الحجال، بيوتٌ تزيَّن لها عرًى وأزرار. والحديثُ سبقَ في «باب خاتم النُّبوَّة، قبل المبعث» [خ¦٣٥٤١] وفي «باب استعمال وَضوء (٤) النَّاس» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦١٩٠].

стр. 11145

٦٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله -أحدُ الأعلام- قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي (١) أَيُّوبَ) الخزاعيُّ مولاهم المصريُّ، أبو يحيى بنُ مقلاصٍ (عَنْ أَبِي عَقِيلٍ) بفتح العين المهملة وكسر القاف، زهرة بن معبد بنِ عبد الله بنِ هشامٍ القرشيِّ المصريِّ (٢) (أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ هِشَامٍ) التَّيميُّ من بني تيم بن مرَّةٍ (مِنَ السُّوقِ -أَوْ: إِلَى السُّوقِ-) قال الكِرمانيُّ: من السُّوق، أي: من جهة دخول السُّوق، والمعاملة فيه (٣)، بالشَّكِّ من الرَّاوي، وفي «باب الشَّركة في الطَّعام» [خ¦٢٥٠١]: «إلى السُّوق» بالجزم من غير شكٍّ (فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ (٤) ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله (وَابْنُ عُمَرَ) عبد الله (فَيَقُولَانِ) له: (أَشْرِكْنَا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الراء، في الطَّعام الَّذي اشتريته (فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالبَرَكَةِ) وذلك أنَّ أمَّه زينب بنت حميدٍ ذهبتْ به إلى رسولِ الله ﷺ فمسحَ رأسه ودعا له. كما في روايةِ الباب المذكورة (٥) (فَيَشْرَكهمْ) بفتح التَّحتية والراء لأبي ذرٍّ، وبالضم ثمَّ الكسر لغيره، وعبَّر بالجمع باعتبارِ أنَّ أقلَّ الجمع اثنان (فَرُبَّمَا أَصَابَ) ابن هشامٍ، من الرِّبح (الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ) أي: بتمامها (فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ) ببركة دعوة النَّبيِّ ﷺ له. وفي الحديثِ ما تُرجم له من «الدُّعاء للصِّبيان بالبركةِ ومسحِ رؤوسهم» كما في روايةِ باب الشَّركة المذكورة (٦)، وإجابة دعائه ﷺ .

стр. 11146

٦٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ الفقيه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهريُّ المدنيُّ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، المدنيِّ أبي (١) محمَّد، أو أبي الحارث، مؤدِّب ولدِ عمر بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الراء وكسر الموحدة، الأنصاريُّ الجزريُّ المدنيُّ (وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهْوَ غُلَامٌ) ابن خمسِ سنين (مِنْ) ماء (بِئْرِهِمْ) الَّتي في دارهم، وكان فعله لذلك ﷺ للتَّبريك على عادته الشَّريفة مع أولادِ أصحابه (٢)، والدُّعابة معهم لُطفًا ورحمةً وتشريعًا، جزاه الله عنَّا أفضلَ ما جازى نبيًّا عن أمَّته، وصلَّى عليه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. والحديثُ مرَّ في «العلم» [خ¦٧٧] وغيره [خ¦١٨٩]. ٦٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بنُ عثمان بنِ جَبَلة بنِ أبي روَّاد (٣) العتكيُّ المروزيُّ الحافظ أبو عبد الرَّحمن قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ) لم يأكل ولم يشرَبْ غير اللَّبن للتَّغذِّي، وهو: ابنُ أمِّ قيسٍ، أو الحسن، أو الحسين، كما في «الأوسط» للطَّبرانيِّ (فَبَالَ) الصَّبيُّ (عَلَى ثَوْبِهِ) ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ) بقطع الهمزة وسكون الفوقية، صبَّه عليه حتَّى غمرَه من غير إسالةٍ، بدليل قوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ).

стр. 11147

وسبق الحديثُ في «الوضوء» [خ¦٢٢٢]. ٦٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهُ بْنُ ثَعْلَبَةَ) بفتح المثلثة والعين المهملة الساكنة، الصَّحابيُّ (ابْنِ صُعَيْرٍ) بضم الصاد وفتح العين المهملتين، الصَّحابيّ أيضًا (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ مَسَحَ عَنْهُ (٢)) سبق معلَّقًا في «غزوة الفتح» من طريق يونس عن الزُّهريِّ: «مسح وجهه عام الفتح» [خ¦٤٣٠٠] (أَنَّهُ رَأَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) واحدةٍ، وحمل الطَّحّاوي هذا ومثله على أنَّ الرَّكعة مضمومةٌ إلى الرَّكعتين قبلها، ولم يتمسَّك في دعوى ذلك إلَّا بالنَّهي عن البُتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبُتيراء أن يوترَ بواحدةٍ فردة ليس قبلها شيءٌ. ولا يخفى مُطابقة الحديث لِمَا ترجم له، والله الموفِّق. (٣٢) (باب الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) الصَّلاة لغةً: الدُّعاء. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم، والدُّعاء نوعان: دعاء عبادةٍ، ودعاء مسألةٍ، فالعابدُ داعٍ كالسَّائل، وبهما فُسِّر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فقيل: أطيعوني أُثبْكم، وقيل: سلوني أُعطكم، وقد يُستعمل بمعنى الاستغفار، ومنه قوله ﵊: «إنِّي بعثتُ إلى أهلِ البقِيعِ لأصلِّي عليهِم» فقد فسِّر في الرِّواية (٣) الأُخرى: «أمرتُ (٤) أن أستَغفِرَ لهُم» وبمعنى القراءة، ومنه (٥) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ

стр. 11148

بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وإذا عُلِم هذا فليُعلَم أنَّ الصَّلاة يختلفُ حالها بحسبِ حال المصلِّي والمصلَّى له (١) والمصلَّى عليه. وقد سبق نقل البخاريِّ في «تفسير سورة الأحزاب» [خ¦٤٧٩٦]: عن أبي العاليةِ: أنَّ معنى صلاة الله تعالى على نبيِّه: ثناؤه عليه عندَ ملائكته، ومعنى صلاة الملائكةِ عليه: الدُّعاء له. ورجَّح القرافيُّ المالكيُّ أنَّ الصَّلاة من الله المغفرة. وقال الإمام فخر الدِّين والآمديُّ: إنَّها الرَّحمة. وتعقِّب: بأنَّ الله تعالى غاير بين الصَّلاة والرَّحمة في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقال ابنُ الأعرابيِّ: الصَّلاة من الله الرَّحمة، ومن الآدميِّين وغيرهم من الملائكة والجنِّ الرُّكوع والسُّجود والدُّعاء والتَّسبيح، ومن الطَّير والهوامّ التَّسبيح، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]. ٦٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء (٢) المهملة والكاف، ابن عُتَيْبة -بضم العين المهملة وفتح الفوقية وسكون التحتية بعدها موحدة- فقيهُ الكوفةِ في عصره (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللامين مقصورٌ، الأنصاريَّ عالم الكوفة (قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، المدنيُّ الأنصاريُّ بالحِلْفِ (٣)، من أصحاب الشَّجرة، وعند الطَّبريِّ: من طريق المحاربيِّ عن مالكِ بن مِغْول أنَّ ذلك كان وهو يطوف بالبيت الحرام (فَقَالَ) لي: (أَلَا) بالتَّخفيف، وتكون للعرض والتَّحضيض، والفرق بينه وبين العرض: أنَّ العرض معه لينٌ، بخلاف التَّحضيض فإنَّه بِحَثٍّ، فقوله هنا: ألا (أُهْدِي) بضم

стр. 11149

الهمزة (لَكَ هَدِيَّةً؟) عرض، والهديَّة اسم مصدر، والمصدرُ إهداءٌ (١)؛ لأنَّه من أهدَى، والهدية: ما يُتقرَّب به إلى المهدى إليه تودّدًا وإكرامًا، وزاد فيه بعضُهم: من غير قصدِ نفع عوضٍ دنيوي بل لقصدِ ثواب الآخرةِ، وأكثر ما يستعمل في الأجسام لا سيَّما والهديَّة فيها نقلٌ من مكانٍ إلى آخرٍ، وقد يُستعمل في المعاني كالعلومِ والأدعية مجازًا لِمَا يشتركان فيه من قصدِ المواددةِ والتَّواصل في إيصالِ ذلك إليه، وفي رواية شَبَابةَ وعفَّان عن شعبةَ عند الخِلَعِيِّ في «فوائده»: «قلت: بلى» (إِنَّ) بكسر الهمزة على الاستئناف، ويجوز الفتحُ بتقدير: هي أنَّ، فتكون معمولة، أو بتقدير فعلٍ، أي: أهدي لك أنَّ (النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ) عطفٌ على «خرجَ» وجملة: «يا رسول الله» معمولةٌ للقولِ، وقوله: «قلنا» بصيغةِ الجمع يحتملُ أنَّه (٢) أرادَ نفسه وغيره من الصَّحابة ممَّن كان حاضرًا. قال في «الفتح»: وقد وقفتُ من تعيين مَن باشر السُّؤال على جماعةٍ منهم: أبيُّ بن كعبٍ عند الطَّبرانيِّ، وبشيرُ بن سعدٍ والد النُّعمان في حديث ابنِ مسعودٍ عند مالكٍ ومسلمٍ، وزيدُ بن خارجة الأنصاريُّ عند النَّسائيِّ، وطلحةُ بن عُبيد الله عند الطَّبريِّ، وحديث أبي هريرة عند الشَّافعيِّ، وعبدُ الرَّحمن بن بشيرٍ عند إسماعيل القاضِي في كتاب «فضل الصَّلاة» فإن ثبتَ أنَّ السَّائل كان متعدِّدًا فواضحٌ، وإن ثبتَ أنَّه كان واحدًا، فالحكمة في التَّعبير بصيغة الجمع: الإشارة إلى أنَّ السُّؤال لا يختصُّ به بل يريدُ نفسَه ومَن يوافقُه على ذلك، ولا يُقال: هو من باب التَّعبير عن البعضِ بالكلِّ، بل حملهُ على ظاهرهِ من الجمع هو المعتمد لِما ذكر. وعند البيهقيِّ والخِلَعِيِّ من طريقِ الأعمش ومِسْعر ومالك بن مِغْولٍ، عن الحكم، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بن عجرة لمَّا نزلت: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الاية [الأحزاب: ٥٦] قلنا (٣): يا رسول الله (قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ) بما علَّمتنا من أن نقول: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ، وقد أمرنا الله تعالى بالصَّلاة والسَّلام عليك في الآية (فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) أي: فعلِّمنا كيف اللَّفظ اللَّائق بالصَّلاة عليك؟ (قَالَ) ﷺ : (فَقُولُوا (٤)) والأمر

стр. 11150

هنا للوجوب اتِّفاقًا. نعم اختُلِفَ هل تتعدَّد أم لا؟ فقيل: في العمر مرَّةً واحدةً، وقيل: في كلِّ تشهُّدٍ يعقبُه سلامٌ، قاله الشَّافعيُّ، وفيه مباحثُ سبقتْ في «سورة الأحزابِ» [خ¦٤٧٩٧] [خ¦٤٧٩٨] وقيل: تجبُ كلَّما ذُكِر لحديث: «رغَِمَ أنفُ رجلٍ ذكِرتُ عندَهُ ولم (١) يصلِّ عليَّ» وفي «كتاب المواهب اللَّدنِّيَّة» من ذلك ما يكفِي ويشفِي، ولأبي ذرٍّ: «فقال: قولوا»: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) قال الحَليميُّ: أي: عظِّمه في الدُّنيا بإعلاءِ ذكرهِ وإظهارِ دينهِ وإبقاءِ شريعته، وفي الآخرة بإجزالِ مَثُوبته وتشفيعهِ في أمَّته وإبداءِ فضيلتهِ بالمقامِ المحمود، ولمَّا كان البشرُ عاجزًا عن أن يبلغَ قدر الواجبِ له من ذلك، شرَّع لنا أن نحيلَ أمر ذلك على الله تعالى بأنْ نقول: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ، أي: لأنَّك أنت العليم بما يليقُ به من ذلك (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) مَن حرُمت عليه الصَّدقة (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) وعند البيهقيِّ من وجهٍ آخر، عن آدم بن أبي إياسٍ -شيخ المؤلِّف-: «على إبراهيم»، ولم يقل: «على آل إبراهيم». قال في «الفتح»: والحقُّ أنَّ ذكر محمَّد وإبراهيم، وذكر آل محمَّدٍ وآل إبراهيم ثابتٌ في أصلِ الخبر، وإنَّما حفظ بعض الرُّواة ما لم يحفظِ الآخر (إِنَّكَ حَمِيدٌ) محمودٌ (مَجِيدٌ) ماجدٌ، وصفان بُنيا (٢) للمبالغةِ (اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ) أي: أثبت له وأدمْ له ما أعطيتهُ من التَّشريفِ والكرامةِ، وزدهُ من الكمالاتِ ما يليقُ بك وبه (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). قال في «شرح المشكاة»: هذا تذييلٌ للكلام السَّابق وتقريرٌ له على سبيلِ العموم، أي: إنَّك حميدٌ فاعلٌ ما تستوجبُ به الحمد من النِّعم المتكاثرةِ، والآلاءِ المتعاقبة المتواليةِ، مجيدٌ كريم الإحسان على جميعِ عبادك الصَّالحين، ومن محامدِك وإحسانِك أن توجِّه صلواتكَ وبركاتكَ وترحُّمك على حبيبكَ نبيِّ الرَّحمة وآلهِ، وللحافظِ أبي الحسن بن المفضَّل (٣) المقدسيِّ (٤) جزءٌ جمع فيه طرق (٥) حديث عبد الرَّحمن بن أبي (٦) ليلى، عن كعبِ بن عجرة.

стр. 11151

٦٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، ابن محمَّد بن حمزة بنِ مصعبِ ابن الزُّبير بنِ العوَّام، أبو إسحاق القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ، والد مصعب بن إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز، واسم أبي حازمٍ: سلمة بن دينار المدنيُّ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدال المهملة والراء وبعد الألف واو مفتوحة فراء ساكنة فدال مهملة مكسورة، عبد العزيز بن محمَّدٍ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ابن عبدِ الله بن أسامة بنِ الهاد، اللَّيثيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ) أي: قد عرفناه (فَكَيْفَ نُصَلِّي) أي: عليك (قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى (١) آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ) بإسقاطِ «على» في «آل» في الموضعين، وإثبات: «إبراهيم» في الموضعين. نعم الَّذي في «اليونينيَّة» في قوله: «وبارك على (٢) محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ» بإثبات «على» بخلاف الحديث الأوَّل فأسقطها في (٣) الموضعين. وسبق أنَّ بعض الرُّواة حفظ ما لم يحفظْه الآخرُ فلا حاجةَ إلى القول بأنَّ ذكر الآلِ مقحمٌ على روايةِ الحديث الأوَّل كما لا يخفى. فإن قلتَ: لم قال: «كما صلَّيت على إبراهيم»، ولم يقل: على موسى؟ أجاب المرجانيُّ: بأنَّ موسى كان التَّجلِّي لهُ بالجلالِ فخرَّ موسى صعقًا، والخليلُ كان التَّجلي له بالجمالِ؛ لأنَّ

стр. 11152

المحبَّة والخلَّة من آثار التَّجلِّي بالجمال، فلذا أمرَ نبيُّنا ﷺ أن نصلِّي عليه كما صلَّى الله على إبراهيم لنسأل له التَّجلِّي بالجمال، وهذا لا يقتضِي التَّسوية بينه وبين الخليلِ في الوصف الَّذي هو التَّجلِّي بالجمالِ، فإنَّ الحقَّ سبحانه يتجلَّى بالجمال لشخصين بحسبِ مقامهما (١)، وإن اشتركا في وصفِ التَّجلِّي بالجمال، فيتجلَّى لكلِّ واحدٍ منهما بحسبِ مقامه عنده ومكانتهِ. انتهى. (٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُصَلَّى) بفتح اللام (عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) من الأنبياءِ والملائكة والمؤمنين استقلالًا أو تَبَعًا؟ (وَقَوْلُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقولُه» (تَعَالَى) لنبيِّه ﵊: (﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾) أي: اعطفْ عليهم بالدُّعاء لهم (﴿إِنَّ صَلَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]) يسكنونَ إليها وتطمئنُّ قلوبُهم بها، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿صَلَاتَكَ﴾» بالتَّوحيد وفتح التاء نصب بـ ﴿إِنَّ﴾ وبها قرأَ حفصٌ وحمزة والكسائيُّ (٢)، قيل: وهي أكثرُ من الصَّلوات؛ لأنَّ المصدر بلفظه يدلُّ على الكثرةِ. ٦٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّةَ) الجمليِّ -بالجيم- أحدِ الأعلام (عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها فاء مفتوحة مقصورة، عبد الله الأسلميِّ له صحبةٌ، أنَّه (قَالَ: كَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَدَقَتِهِ) المفروضةِ (قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) أي: اغفِرْ له وارحمْه (فَأَتَاهُ أَبِي) أبو أوفى (بِصَدَقَتِهِ) المفروضةِ، وللحَمُّويي والمُستملي: «بصدقة» (فَقَالَ) ﵊: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى) امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وفي حديث قيسِ بنِ سعد بنِ عُبادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رفعَ يديهِ، وهو يقول: «اللَّهُمَّ اجعَلْ صلواتِكَ ورحمَتكَ على آلِ سَعدِ بن عُبادَةَ» رواه أبو داود والنَّسائيُّ وسندُه جيِّدٌ، وتمسَّك بذلك

стр. 11153

من جوَّز الصَّلاة على غيرِ الأنبياءِ استقلالًا، وهو مقتضَى صنيعِ المؤلِّف (١) رحمه الله تعالى؛ لأنَّه صدّر بالآية، ثمَّ بالحديثِ الدَّال على الجوازِ مطلقًا، وقال قومٌ: لا يجوزُ مطلقًا استقلالًا، ويجوزُ تبعًا فيما وردَ به النَّصُّ، أو أُلحق به لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] ولأنَّه لمَّا علَّمهم السَّلام قال: «السَّلام علينا وعلى عبادِ الله الصَّالحين» [خ¦٨٣١] ولمَّا علَّمهم الصَّلاة قصر ذلك عليهِ وعلى أهلِ بيتهِ، وقال آخرون: يجوزُ تَبَعًا مطلقًا، ولا يجوز استقلالًا، وأجابوا عن حديثِ ابنِ أبي أوفى، ونحوه: بأنَّ لله ورسولهِ أن يخصَّا مَن شاءا بما شاءا وليسَ ذلك لغيرهما، وثبتَ عن ابن عبَّاسٍ اختصاص الصَّلاة بالنَّبيِّ ﷺ ، فعندَ ابنِ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ من طريقِ عثمان بن حكيمٍ، عن عكرمةَ، عنه: «ما أعلم الصَّلاة تنبغِي على أحدٍ من أحدٍ إلَّا على النَّبيِّ ﷺ ». وحكي القولُ به عن مالكٍ، وقال: ما تُعبِّدنا به. ونحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالكٍ يُكره. وقال القاضي عياض: عامَّة أهلِ العلمِ على الجوازِ. وقال سفيان: يُكره إلَّا على نبيٍّ، ووجدتُ بخطِّ بعض شيوخ مذهب مالك: لا يجوزُ أن يصلَّى إلَّا على محمَّد. وهذا غير معروفٍ من مذهبِ مالك، وإنَّما قال: أكرهُ الصَّلاة على غيرِ الأنبياء، وما ينبغِي لنا أن نتعدَّى ما أُمرنا به، وعند التِّرمذيِّ والحاكمِ في (٢) حديث عليٍّ في الَّذي يحفظُ القرآن: «وصلِّ عليَّ وعلَى سائرِ النَّبِيِّينَ»، وعند إسماعيل القاضي -بسندٍ ضعيفٍ- من حديث أبي هريرة رفعه: «صلُّوا على أنبيَاءِ اللهِ». وقال ابنُ القيِّم: المختار أن يصلَّى على الأنبياءِ والملائكة، وأزواجِ النَّبيِّ ﷺ وآلهِ وذرِّيَّته، وأهلِ الطَّاعة على سبيلِ الإجمال، ويُكره في غيرِ الأنبياء؛ لشخصٍ مفردٍ بحيثُ يصيرُ شعارًا. ٦٣٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ

стр. 11154

أَبِيهِ) أبي بكر بن محمَّد (١) بن عمرو (٢) بن حزمٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين (الزُّرَقِيِّ) بضم الزاي وفتح الراء وكسر القاف، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة مصغَّرًا، عبد الرَّحمن (السَّاعِدِيُّ) ﵁ (أَنَّهُمْ) أي: الصَّحابة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ) بضم الذال المعجمة، نسلهِ، وعند عبد الرَّزَّاق من طريقِ ابن طاوس، عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزمٍ، عن رجلٍ من الصَّحابة: «صلِّ على محمَّدٍ وأهل بيتهِ وأزواجهِ وذرِّيته» (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ) و «آل» ثابتةٌ في الموضعين، وهم إبراهيم وذريَّته من إسماعيل وإسحاق، كما جزم به غيرُ واحدٍ، وإن ثبتَ أنَّ إبراهيم كان له أولادٌ من غير سارةَ وهاجر فهم داخلون، والمراد: المسلمون منهم بل المتَّقون دونَ من عدَاهم (إِنَّكَ حَمِيدٌ) محمودٌ بتعجيل النِّعم (مَجِيدٌ) ظاهر الكرم بتأجيل النِّقم، ومناسبة ختم الدُّعاء بهذين الاسمين العَظيمين أنَّ المطلوبَ تكريم الله تعالى لنبيِّه ﷺ وثناؤه عليه، والتَّنويه به، وزيادة تقريبهِ، وذلك ممَّا يستلزمُ طلبَ الحمدِ والمجد. واستُشكل قوله: «كما صلَّيت على إبراهيم» بأنَّ (٣) المقرَّر أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، والواقع هنا عكسه؛ لأنَّ محمَّدًا ﷺ أفضلُ من إبراهيم وآل إبراهيم، وقضيَّة كونه أفضل أن تكون الصَّلاة المطلوبةُ له أفضل من كلِّ صلاةٍ حصلتْ أو تحصلُ لغيره؟ وأَجاب (٤) الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام بأنَّ (٥) المشبَّه أصل الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ وآله بالصَّلاة على إبراهيم وآلهِ، أي: المجموع بالمجموعِ، ومعظمُ الأنبياء هم آل إبراهيم. انتهى. وهذا غير متأتٍّ في هذه الرِّواية فإنَّه اقتصرَ فيها على إبراهيمَ فقط دونَ آله بالنِّسبة إلى الصَّلاة، وقد أُجيب عن الاستشكالِ المذكور بأجوبةٍ أُخرى، منها: أنَّه تشبيهٌ لأصل الصَّلاة

стр. 11155

بأصلِ الصَّلاة لا القدر بالقدرِ، وهذا كما اختاروا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] أنَّ (١) المراد: أصل الصِّيام لا كمِّيَّته ووقته، ومنها أنَّ هذه الصَّلاة الأمر بها للتَّكرار بالنِّسبة إلى كلِّ صلاةٍ في حقِّ كلِّ مصلٍّ، فإذا اقتصرَ في حقِّ كلِّ مصلٍّ على حصولِ صلاةٍ مساويةٍ للصَّلاة على إبراهيم ﵊، كان الحاصلُ للنَّبيِّ ﷺ بالنِّسبة إلى مجموعِ الصَّلوات أضعافًا مُضَاعفةً لا ينتهِي إليها الإحصاءُ، وأوردَ ابنُ دقيق العيد هنا سؤالًا فقال: التَّشبيه حاصلٌ بالنِّسبة إلى أصلِ هذه الصَّلاة والفرد منها، فإنَّ (٢) الإشكالَ واردٌ؟ وأجاب: بأنَّ الإشكالَ إنَّما يَرِدُ على تقديرِ أنَّ الأمرَ ليس للتَّكرار، وهو هنا للتَّكرار بالاتِّفاق، فالمطلوبُ من المجموعِ مقدار ما لا يُحصى من الصَّلوات بالنِّسبة إلى المقدارِ الحاصلِ لإبراهيمَ عليه صلواتُ الله وسلامه. (٣٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ آذَيْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً). ٦٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ، المعروف بابن الطَّبرانيِّ، كان أبوهُ من أهل طبرستان، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (٣) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ) الفاء جزائيَّة والشَّرط

стр. 11156

محذوفٌ (١) يدلُّ عليه السِّياق، أي: إن كنت سببت مؤمنًا، وفي مسلم من طريق ابن أخي ابن شهابٍ عن عمِّه -بهذا الإسناد-: «اللَّهمَّ إنِّي اتَّخذت عندك عهدًا لن تخلفنيْهِ، فأيُّما مؤمنٌ سببتُهُ أو جلدتُهُ … » ومن طريقِ أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ، فأيُّما رجلٍ من المسلمين سببتُهُ، أو لعنتُهُ، أو جلدتهُ … » ومن طريق الأعرج عن أبي هريرة، مثل رواية ابن أخي ابن شهابٍ، قال: «فأيُّ مؤمنٍ آذيته شتمتُهُ لعنتُهُ جلدتُهُ … » ومن طريق سالمٍ عن أبي هريرة: «اللَّهُمَّ إنَّما محمَّدٌ بشرٌ يغضبُ كما يغضَبُ البشرُ، وإنِّي قد اتَّخذتُ عندَكَ عهدًا … » الحديث. وفيه: «فأيُّما مؤمنٍ آذيتُهُ» ومن حديث عائشة ﵂ قالتْ: دخلَ على رسولِ الله ﷺ رجلان فكلَّماه بشيءٍ لا أدرِي ما هو فأغضباهُ فسبَّهما ولعنهمَا، فلمَّا خرجَا قلتُ له، فقال: «أَوَمَا علمتِ مَا شارطْتُ عليهِ ربِّي؟ قلتُ: اللَّهمَّ إنَّما أنا بشرٌ فأيُّ المسلمينَ لعنتُهُ، أو شتمتُهُ، أو سببتُهُ» (فَاجْعَلْ ذَلِكَ) السبَّ أو غيره ممَّا ذُكر (لَهُ قُرْبَةً) تقرِّبه بها (إِلَيْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي رواية ابن أخي الزُّهريِّ: «فاجعلْ ذلك كفَّارةً له يوم القيامة» وفي رواية أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فاجعلها له زكاةً ورحمةً» وفي رواية الأعرج: «فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً تقرِّبه بها إليك يوم القيامة». وفي حديث عائشة: «فاجعلهَا لهُ زكاةً وأجرًا». وفي حديث أنسٍ عند مسلم أيضًا: «إنَّما أنا بشرٌ أرضَى كما يرضَى البشرُ، وأغضَبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليهِ من أمَّتِي بدعوةٍ ليسَ لها بأهلٍ أن تجعلَهَا لهُ طهورًا وزكَاةً وقربَةً تقرِّبه بِهَا (٢) يومَ القيامَةِ»، وقوله: «ليسَ لها بأهلٍ» أي: عندك في باطن أمرهِ، لا في ظاهر ما (٣) يظهر منه حين دعائي عليه؛ لأنَّه ﷺ كان متعبّدًا بالظَّواهر وحساب النَّاس في البواطنِ إلى الله تعالى، وفي الحديثِ كمالُ شفَقته على أمَّته، وجميل خُلقه ﷺ ، وجزاه عنَّا أفضلَ الجزاء بمنِّه وكرمهِ، وأماتنَا على محبَّته وسنَّته. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب». (٣٥) (بابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ) جمع: فتنةٍ، وهي اسمٌ للامتحانِ والاختبار.

стр. 11157

٦٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه قال: (سَأَلُوا) أي: الصَّحابة (رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «سُئِل» بضم السين مبنيًّا للمفعول «رسولُ الله» (¬ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ المَسْأَلَةَ) بحاء مهملة ساكنة وفتح الفاء وسكون الواو، ألحُّوا عليه فيها (فَغَضِبَ) ﵊ لتعنُّتهم وتكلُّفهم بما (١) لا حاجةَ لهم به (فَصَعِدَ) بكسر العين المهملة، رَقِيَ (المِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) بحذف نون الوقاية (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لا تَسْألونني» (اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ) من الغيبِ (٣) (إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ من الصَّحابة (لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي) بألفٍ بعد لامٍ ففاء مشدَّدة مرفوعةٍ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «لافًّا» بالنَّصب (٤)، أي: حال كونه لافًّا، وفي «تفسير المائدة» [خ¦٤٦٢١] من وجهٍ آخر: «لهم خَنِينٌ» وهو بالخاء المعجمة المفتوحة والنون المكسورة، صوتٌ مرتفعٌ من الأنف بالبكاءِ (فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى) بالحاء المهملة المفتوحة؛ أي (٥) خاصم (الرِّجَالَ يُدْعَى) بضم التحتية وسكون الدال وفتح العين المهملتين، يُنسب (لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ) ﵊ له: أبوكَ (حُذَافَةُ) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة المخففة وبعد الألف فاء، وعند أحمدَ عن أبي هُريرة: «فقال عبدُ الله بنُ حُذَافة: مَن

стр. 11158

أبي يا رسولَ الله؟ فقال: حُذَافةُ بنُ قَيسٍ» وقيل: الرَّجلُ هو خارجةُ أخو عبد الله، والمعروف السَّابق (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمَّا رأى (١) بوجههِ ﷺ من أثر الغضبِ (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا) قال في «الكواكب»: أي رضينا بما عندنا من كتابِ الله وسنَّة نبيِّنا، واكتفينَا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ) جمع فتنةٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ) بضم المهملة وكسر الواو المشدَّدة (لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ، صوِّرتا له ﷺ (وَرَاءَ الحَائِطِ) أي: حائط محرابهِ الشَّريف، كانطباع الصُّورة (٢) في المرآة، فرأى جميعَ ما فيهما. لا يُقال: الانطباع إنَّما يكون في الأجسام (٣) الصَّقيلة؛ لأنَّ ذلك شرطٌ عاديٌّ، فيجوزُ انخراقُ العادة خصوصًا له ﷺ . (وَكَانَ قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ (يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الحَدِيثِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء﴾) قال الخليلُ وسيبويه وجُمهور البصريِّين: أصله: شيئاء، بهمزتين بينهما ألف، وهي فعلاء من لفظ شيءٍ، وهمزتها الثَّانية للتَّأنيث، ولذا لم تنصرفْ كحمراء، وهي مفردةٌ لفظًا، جمعٌ معنًى، ولمَّا استثقلت الهمزتان المجتمعتان قُدِّمت الأولى الَّتي هي لامٌ فجُعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء، والجملة الشَّرطية في قوله: (﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) صفةٌ لـ ﴿أَشْيَاء﴾ في محلِّ جرٍّ، وكذا الشَّرطيَّة المعطوفة أيضًا. والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٩] وسبق مختصرًا في «كتاب العلم» [خ¦٩٣] وأخرجهُ مسلمٌ في «الفضائل». (٣٦) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ) أي: قهرهم.

стр. 11159

٦٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ، وسقط «ابن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدنيُّ، ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ الزُّرقيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، واسم الثاني ميسرة (مَوْلَى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ) بفتح المهملتين بينهما نون ساكنة آخره باء موحدة، المخزوميِّ القرشيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (١) (¬ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، زوج أمِّ سُليمٍ أمّ أنسٍ: (التَمِسْ لَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لي» (غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بالرفع، أي: هو يخدمُني (فَخَرَجَ بِي (٢) أَبُو طَلْحَةَ) حال كونه (يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ) على الدَّابَّة (فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا خرج إلى غزوةِ خيبر (كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَ) من (الحَزَنِ) بفتح المهملة والزاي وفرَّق بينهما؛ لأنَّ الهمَّ إنَّما يكون في الأمر المتوقَّع، والحزن فيما قد وقع (وَ) من (العَجْزِ) بسكون الجيم، وأصله: التَّأخُّر عن الشَّيء، مأخوذٌ من العَجُزِ، وهو مؤخَّر الشَّيء، وللزومِ الضَّعف عن الإتيانِ بالشَّيء استُعمل في مقابلة القدرةِ واشتهر فيها (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل عن الشَّيء مع وجودِ القدرة عليه، والدَّاعية إليه (وَالبُخْلِ) وهو ضدُّ الكرم (وَالجُبْنِ) ضدُّ الشَّجاعة (وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح المعجمة واللام، و «الدَّين» بفتح الدال المهملة، ثقله، حتَّى يميلَ صاحبُه عن الاستواءِ لثقلهِ وذلك حيث لا يجد منه وفاء، ولاسيَّما مع المطالبة (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) تسلُّطِهم (٣)

стр. 11160

واستيلائهم هرجًا ومرجًا، وذلك كغلبةِ العوامِّ (١)، قاله الكِرمانيُّ، وعن بعضهم: قهر الرِّجال هو (٢) جور السُّلطان (فَلَمْ أَزَلْ أَخْدُمُهُ) ﷺ (حَتَّى أَقْبَلْنَا (٣) مِنْ خَيْبَرَ، وَأَقْبَلَ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَدْ حَازَهَا) بالحاء المهملة والزاي بينهما ألف، أخذها لنفسهِ من الغنيمةِ (فَكُنْتُ أَرَاهُ) بفتح الهمزة، أنظرُ إليه (يُحَوِّي) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة وكسر الواو المشددة بعدها تحتية ساكنة، أي: يجمِّع ويدوِّر (وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ) هي ضربٌ من الأكسية (-أَوْ: كِسَاءٍ-) بالمدِّ، بالشَّكِّ من الرَّاوي، نحو سنام الرَّاحلة (ثُمَّ يُرْدِفُهَا) أي: صفيَّة (وَرَاءَهُ) وإنَّما كان يُحَوِّي لها خشية أن تسقطَ (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) بالصاد المهملة والموحدة المفتوحتين بينهما هاء ساكنة ممدودًا، اسم موضعٍ، و (٤) حلَّت صفيَّة بطُهرها من الحيضِ (صَنَعَ حَيْسًا) بحاء وسين مهملتين بينهما تحتية ساكنة، طعامًا من تمرٍ وأقطٍ وسمنٍ (فِي نِطَعٍ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَدَعَوْتُ رِجَالًا فَأَكَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ بِنَاءَهُ بِهَا) زفافه بصفيَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ) إلى المدينة (حَتَّى بَدَا) ظهر، ولأبي ذرٍّ: «حتَّى إذا بدا» (لَهُ أُحُدٌ) بضم الهمزة والمهملة (قَالَ) ﷺ (هَذَا جُبَيْلٌ) بالتَّصغير، ولأبي ذرٍّ: «جبلٌ» (يُحِبُّنَا) حقيقةً أو مجازًا أو أهله، والمراد بهم: أهلُ المدينة (وَنُحِبُّهُ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا، مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ (٥) إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) في حُرمة الصَّيد لا في الجزاءِ ونحوه، و «مِثْلَ»: نُصِب بنزعِ الخافض (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) لأهل المدينةِ (فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ). وسبق الحديثُ في «باب مَن غزا بصبيٍّ» من (٦) «كتاب الجهاد» [خ¦٢٨٩٣]. (٣٧) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ).

стр. 11161

٦٣٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبير بن عيسى (١) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، مولى آل الزُّبير (قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ خَالِدٍ) اسمها: أمَةٌ -بتخفيف الميم- (بِنْتَ خَالِدٍ) أي: ابن سعيدٍ (٢) الأمويَّة الصَّحابيَّة، ولدتْ بالحبشة (قَالَ) موسى: (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَهَا. قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَعَوَّذُ) تعليمًا لأمَّته (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) العذاب: اسمٌ للعقوبة، والمصدر: التَّعذيب، فهو مضاف إلى الفاعل على طريقِ المجاز، أو الإضافة من إضافةِ المظروف إلى ظرفهِ، فهو على تقديرِ «في» أي: يتعوَّذ من عذابٍ في القبر، وفيه إثبات عذاب القبرِ فالإيمانُ به واجبٌ. (٣٧ م) (باب التَّعَّوُّذِ مِنَ البُخْلِ) قال الواحديُّ: البخلُ في كلامِ العرب عبارةٌ عن منع الإحسان، وفي الشَّرع: منعُ الواجب، والبابُ و (٣) تاليهِ ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي، ساقطٌ لغيره (٤)، وهو الوجه؛ لأنَّه ذكره قريبًا بعد ثلاثةِ أبوابٍ [خ¦١٠/ ٢٢ - ١٠١٩]. ٦٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عُمير بن سويدِ بن حارثة الكوفيُّ (عَنْ مُصْعَبٍ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، ابن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: (كَانَ سَعْدٌ) أي: ابنُ أبي وقَّاصٍ (يَأْمُرُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يأمرنا» (بِخَمْسٍ وَيَذْكُرُهُنَّ (٥) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِنَّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) ضدُّ الكرم، و «أعوذُ» لفظه لفظ الخبر، ومعناه الدُّعاء، قالوا: وفي ذلك تحقيق الطَّلب كما قيل في: غفرَ اللهُ لك، بلفظ الماضي، والباء للإلصاقِ، وهو إلصاقٌ معنويٌّ؛

стр. 11162

لأنَّه لا يلتصق (١) شيءٌ بالله ولا بصفاتهِ؛ لكنَّه التصاقُ تخصيصٍ كأنَّه خصَّ الرَّبَّ بالاستعاذة. قال الإمامُ فخر الدِّين (٢): جاء الحمدُ لله، ولله الحمدُ، وتقديم المعمول يفيدُ الحصر عند طائفةٍ، فما الحكمةُ في أنَّه جاءَ: أعوذ بالله، ولم يُسمع (٣): بالله أعوذُ؛ لأنَّ الإتيان بلفظ الاستعاذةِ امتثال الأمر. وقال بعضُهم: تقديم المعمولِ في الكلام تفنُّنٌ وانبساطٌ، والاستعاذةُ هربٌ إلى الله وتذلُّلٌ، فقَبْضُ عنان الانبساط والتَّفنُّن فيه لائقٌ؛ لأنَّه لا يكون إلَّا حالة خوفٍ وقبضٍ، و «الحمدُ» (٤) حالةُ شكرٍ وتذكُّر إحسانٍ ونِعَم. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) ضدُّ: الشَّجاعة وهي فضيلة قوَّة الغضب وانقيادها للعقلِ (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ) بضم الهمزة وفتح الراء والدال المهملة المشددة (إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) أخسِّه، يعني: الهرم والخرف (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا -يَعْنِي:) بفتنة الدُّنيا (فِتْنَةَ الدَّجَّالِ-) قال الكِرمانيُّ: إنَّ قوله: «يعني: فتنة الدَّجَّال» من زيادات (٥) شُعبة بن الحجَّاج، وردَّه في «فتح الباري» بما في حديثِ الإسماعيليِّ أنَّه من كلامِ عبد الملك بنِ عميرٍ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) الواقع على الكفَّار، ومَن شاء الله من عصاة الموحِّدين، أعاذنَا الله من كلِّ مكروهٍ. والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا [خ¦٦٣٧٤]، والنَّسائيُّ في «الاستعاذةِ» و «اليوم واللَّيلة».

стр. 11163

٦٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابنُ عبد الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدعِ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَتْ (١) عَلَيَّ عَجُوزَانِ) بالتَّثنية، لم يسمَّيا (مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ) بضم العين والجيم، جمع: عجوزٍ، كعمُودٍ وعُمُدٍ، ويجمع أيضًا على عجائزِ، والعجوز: المرأةُ المسنَّة، ولا يقال: عجوزة، بهاء التَّأنيث، أو هي لغةٌ رديئةٌ (فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ) بضم الهمزة وكسر العين بينهما نون ساكنة، أي: ولم أُحْسِن (أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا) من عندي (وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ (٢): يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ) من يهودِ المدينةِ دخلتا عليَّ (وَذَكَرْتُ لَهُ) ما قالتا، والراء في «ذكرْتُ» ساكنة، وعند الإسماعيليِّ عن عمران بنِ موسى عن عثمانَ بنِ أبي شيبة: «دخلتا (٣) عليَّ فزعمتَا أنَّ أهلَ القبورِ يُعذَّبون في قبورهِم» (فَقَالَ) ﷺ : (صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ) أي: أهل القبور المعذَّبين (يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ (٤) البَهَائِمُ كُلُّهَا) والعذابُ ليس مسموعًا، فالمسموعُ (٥) صوت المعذَّب، أو بعض العذاب مسموعٌ كالضَّرب، قاله الكِرمانيُّ (فَمَا رَأَيْتُهُ) ﵊ (بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا يتعوَّذ» (مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) وقوله: «عجوزان» بالتَّثنية لا يُنافي قوله في الحديث المرويِّ في «الجنائز» [خ¦١٣٧٢] «أنَّ يهوديَّةً دخلت عليها» لاحتمال أنَّ إحداهما تكلَّمت وأقرَّتها الأخرى على ذلك، فنسبت عائشة القول إليهما مجازًا، والإفراد يُحمل على المتكلِّمة. (٣٨) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ).

стр. 11164

٦٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سليمان بن طَرْخان (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ يَقُولُ) تشريعًا لأمَّته وتعليمًا لهم صفة المهمّ (١) من الأدعية: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ) وهو عدمُ القدرة (وَالكَسَلِ) وهو التَّثاقل والفتور والتَّواني عن الأمر (وَالجُبْنِ) ضدُّ: الشَّجاعة، ولأبي ذرٍّ (٢): «والبخل» بدل: «والجبن»، (وَالهَرَمِ) وهو أقصى الكِبَر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا) ممَّا يعرض للإنسان في مدَّة حياته من الافتتان بالدُّنيا، وشهواتها وجهالاتها، وأعظمها والعياذُ بالله أمر الخاتمةِ عند الموت (وَ) فتنة (المَمَاتِ) قيل: فتنة القبر كسؤال الملكَينِ، والمراد من شرِّ ذلك، وإلَّا فأصل السُّؤال واقعٌ لا محالةَ، فلا يُدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسبَّبًا عن ذلك، والسَّبب غير المسبَّب، وقيل: المراد: الفتنة قُبيل الموت، وأُضيفت إلى الموتِ لقربها منه، وحينئذٍ تكون فتنةُ المحيا قبل ذلك، وقيل غيرُ ذلك، و «المحيا» و «الممات» مصدران مجروران بالإضافة على وزن مفعل، ويصلحان للزَّمان والمكان والمصدر. والحديثُ سبقَ في «الجهادِ» [خ¦٢٨٢٣] بهذا الإسنادِ والمتن. (٣٩) (باب التَّعَوُّذِ مِنَ المَأْثَمِ) بفتح الميم والمثلثة بينهما همزة ساكنة (وَالمَغْرَمِ) بفتح الميم والراء بينهما غين معجمة ساكنة.

стр. 11165

٦٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ) تعليمًا لأمَّته أو عبوديَّةً منه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ) وهو الفتورُ عن الشَّيء مع القدرة على عمله إيثارًا لراحةِ البدن على (١) التَّعب (وَ) من (الهَرَمِ) وهو الزِّيادة في كِبَر السِّنِّ المؤدِّي (٢) إلى ضعف الأعضاء (وَالمَأْثَمِ) ما يوجب الإثم (وَالمَغْرَمِ) أي: الدَّين فيما لا يجوز (وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ) سؤالِ منكر ونكير (وَعَذَابِ القَبْرِ) وهو ما يترتَّب بعد فتنتهِ على المجرمين، فالأوَّل كالمقدِّمة للثَّاني وعلامةٌ عليه (وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ) هي سؤال الخَزَنة على سبيل التَّوبيخ، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] (وَعَذَابِ النَّارِ) بعد فتنتها (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى) كالبطرِ والطُّغيان وعدم تأدية الزَّكاة (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ) كأن يحمله الفقر على اكتسابِ الحرام، أو التَّلفُّظ بكلماتٍ مؤدِّيةٍ إلى الكفر. قال في «الكواكب»: فإن قلت: لم زادَ لفظ الشَّرِّ في الغنى، ولم يذكره في الفقر ونحوه؟ وأجاب: بأنَّه تصريحٌ بما فيه من الشَّرِّ وأنَّ مضرَّته أكثر من مضرَّة غيره، أو تغليظًا على الأغنياء حتَّى لا يغترُّوا بغناهُم، ولا يغفلوا عن مفاسدهِ، أو إيماءً إلى أنَّ صورة أخواته لا خيرَ فيها، بخلاف صورته فإنَّها قد تكون خيرًا. انتهى. وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّ هذا كلَّه غفلةٌ عن الواقع، فإنَّ الَّذي ظهرَ لي أنَّ لفظة شرٍّ في الأصل ثابتةٌ (٣) في الموضعين، وإنَّما اختصرَه (٤) بعض الرُّواة، فسيأتي بعد قليلٍ (٥) في «باب الاستعاذةِ من أرذلِ العمر» [خ¦٦٣٧٥] من طريق وكيعٍ وأبي معاوية مفرَّقًا عن هشام بسنده هذا بلفظ: «وشرِّ فتنة الغنى، وشرِّ فتنةِ الفقرِ» (٦) ويأتي بعد أبواب أيضًا [خ¦٦٣٧٦]-إن شاء الله تعالى (٧) - من رواية

стр. 11166

سلام بن أبي مطيعٍ، عن هشامٍ بإسقاط «شرٍّ» في الموضعين، والتَّقييد في الغنى والفقر بالشَّرِّ لا بدَّ منه؛ لأنَّ كلًّا منهما فيه خيرٌ باعتبارٍ، فالتَّقييدُ في الاستعاذة منه بالشَّرِّ يُخرج ما فيه من الخير سواءٌ قلَّ أم كثُر. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا غفلةٌ منه حيث يدَّعي اختصارَ بعض الرُّواة بغير دليلٍ على ذلك. قال: وأمَّا قوله: وسيأتي بعدُ لفظ: «شرِّ فتنة الغنى، وشرِّ فتنة الفقر» فلا يساعده فيما قاله؛ لأنَّ للكِرمانيِّ أن يقول: يُحتمل أن يكون لفظ: «شرِّ» في فتنة الفقر مدرجًا من بعض الرُّواة على أنَّه لم ينفِ مجيء لفظ شرٍّ في غير الغنى ولا يلزمه هذا؛ لأنَّه في بيان هذا الموضع الَّذي وقع هنا خاصّةً. انتهى. قال (١) الحافظ ابن حَجرٍ في «انتقاض الاعتراض»: حكاية هذا الكلام -أي: الَّذي قاله العينيُّ- يُغني العارف عن التَّشاغل بالرَّدِّ عليه. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ) بفتح الميم وكسر السين آخره حاء مهملتين (الدَّجَّالِ) بتشديد الجيم، الأعور الكذَّاب، وهذه الفتنة وإن كانت من جملةِ فتنة المحيا لكن أُعيدت تأكيدًا لعظمتِها وكثرة شرِّها، أو لكونها (٢) تقعُ في محيا أناسٍ مخصوصين وهم الَّذين في زمنِ خروجهِ، وفتنة المحيا عامَّة لكلِّ أحدٍ فتغايرا (اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ) جمع: خطيئةٍ (بِمَاءِ الثَّلْجِ) بالمثلَّثة (وَالبَرَدِ) بفتح الموحدة والراء، هو حَبُّ الغمام، وفي «باب ما يقول بعد التَّكبير» في أوائل «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٤] «بالماء والثَّلج والبرد» وقال التُّوربشتيُّ: ذكر أنواع المطهِّرات المنزَّلة من السَّماء الَّتي لا يمكن حصول الطَّهارة الكاملة إلَّا بأحدها (٣) تبيانًا لأنواع المغفرة الَّتي لا تَخَلُّصَ من الذُّنوب إلَّا بها، أي: طهِّرني من الخطايا بأنواعِ مغفرتكَ الَّتي هي في تمحيصِ (٤) الذُّنوب بمثابةِ هذه الأنواعِ الثَّلاثة في إزالةِ الأرجاسِ والأوصابِ ورفع الجنابةِ والأحداثِ. وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يُقال: ذكر الثَّلج والبرد بعد ذكر الماء المطلوب منهما

стр. 11167

شمول أنواع الرَّحمة بعد المغفرةِ؛ لإطفاء حرارة عذاب النَّار الَّتي هي في (١) غايةِ الحرارة؛ لأنَّ عذاب النَّار يقابله الرَّحمة، فيكون التَّركيب من باب قوله: متقلِّدًا سيفًا ورُمحًا أي: اغسل خطايايَ بالماء، أي: اغفرْها، وزدْ على الغفرانِ شمول الرَّحمة. (وَنَقِّ) بفتح النون وتشديد القاف (قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخ، و «نقَّيت» بفتح المثناة الفوقية، وهو تأكيدٌ للسَّابق، ومجازٌ عن إزالة الذُّنوب، ومحو أَثَرها (وَبَاعِدْ) أَبْعِد (٢) (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدكَ (بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) أي: حُلْ بيني وبينها حتَّى لا يبقى لها منِّي اقتراب بالكليَّة. وسبق الحديث في «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٤]. (٤٠) (باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة (وَ) الاستعاذة من (الكَسَلِ) بفتح الكاف والمهملة (كُسَالَى) بضم الكاف (وكَسَالَى) بفتحها (واحِدٌ) وبالأوَّل قرأ الجمهور وبالآخر قرأ الأعرج، وهو لغة تميمٍ، وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ وأبي الوقتِ عن المُستملي (٣). ٦٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم بينهما معجمة ساكنة، القَطَوَانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب بن عبد الله بن حنطبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ: «أنس (٤) بن مالكٍ» (قَالَ:

стр. 11168

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ) بفتح الحاء المهملة والزاي (وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ) قال الزَّركشيُّ (١): قال صاحب «تثقيف اللِّسان»: العجزُ: ما لا يستطيعُه الإنسان، والكسلُ: أن يترك الشَّيء ويتراخى عنه وإن كان يستطيعه (وَ) أعوذ بك من (الجُبْنِ) وهو الخورُ من تَعاطي الحربِ ونحوها خوفًا على المهجة (وَ) أعوذُ بك من (البُخْلِ) ضدُّ الكرم (وَ) أعوذُ بك من (ضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللَّام، ثقله (وَ) من (غَلَبَةِ الرِّجَالِ) تسلُّطهم (٢). والحديثُ سبق تقريبًا [خ¦٦٣٦٧]. (٤١) (باب التَّعَوُّذِ مِنَ البُخْلِ) بسكون الخاء المعجمة (البُخْلُ) بضم الموحدة وسكون المعجمة (وَالبَخَلُ) بفتحهما (وَاحِدٌ) في المعنى، وبالثَّاني قرأَ حمزة والكسائيُّ (مِثْلُ الحُزْنِ) بضم الحاء وسكون الزاي (وَالحَزَنِ) بفتحهما وزنًا، وهذا ثابتٌ في رواية المُستملي هنا، وقد تكرَّر ذمُّ البُخْل في الحديث، وصحَّ: «خصلتان لا تجتمعانِ في مُؤمنٍ: البخلُ وسوءُ الخلق»، وقال سلمان: إذا ماتَ البخيلُ قالتِ الأرض والحفظة: اللَّهمَّ احجبْ هذا العبدَ عن الجنَّة، كما حجبَ عبادَك عمَّا في يده من الدُّنيا. ٦٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (٣) (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ

стр. 11169

عُمَيْرٍ) الكوفيِّ (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ) أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁¬) أنَّه (كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلَاءِ الخَمْسِ، وَيُحَدِّثُهُنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويخبر بهنَّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) أي: بشيءٍ (١) من الخير سواءٌ كان مالًا أو علمًا (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢) «من أن» (أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) بالذال المعجمة، الهرمُ الشَّديد (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) سبق قريبًا [خ¦٦٣٦٥] أنَّها الدَّجَّال، وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أنَّ فتنته أعظمُ الفتن الكائنةِ في الدُّنيا (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) من إضافةِ المظروفِ إلى ظرفهِ، وسبقَ. (٤٢) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ ﴿أَرَاذِلُنَا﴾) في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: (أَسْقَاطُنَا) وللمستمليِّ والكُشميهنيِّ: «سُقَّاطنا» بضم السين وتشديد القاف، تقول: قوم سَقْطَى، وأسقاطٌ، وسُقَّاط، والسَّاقط: اللَّئيم في حسبهِ ونسبهِ. ٦٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، المِنْقَريُّ المقعد البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنَانيِّ الأعمى (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ) حال كونهِ (يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ) سقط من أصل «اليونينيَّة»: «بك» من قوله: «أعوذ بك من الكسل» (٣) (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) وليس في هذا الحديث ما ترجم به لكنَّه -كما قال في «الفتح» - أشار بذلك إلى أنَّ المراد بأرذلِ العُمر في

стр. 11170

حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ السَّابق في الباب قبلهُ [خ¦٦٣٧٠] «الهرم» الَّذي في هذا الحديث المفسَّر بالشَّيخوخة (١) وضَعْفِ (٢) القوَّة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف (٣) وضعفِ الفكر. قال في «شرح المشكاة»: المطلوبُ -عند المحقِّقين- من العمر التَّفكُّر في آلاءِ الله ونَعْمائه تعالى مِنْ خَلْقِ الموجودات، فيقوموا بواجب (٤) الشُّكر بالقلبِ والجوارحِ، والخرفُ الفاقدُ لهما فهو كالشَّيء الرَّديء الَّذي لا يُنتفع به، فينبغي أن يُستعاذ منه (٥). (٤٣) (باب الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الوَبَاءِ) بفتح الواو والموحدة والمدِّ، مرضٌ عامٌّ ينشأُ عن فسادِ الهواء، وقد يسمَّى طاعونًا بطريق المجاز (وَ) برفع (الوَجَعِ) الشَّامل لكلِّ مرضٍ، وهو من عطفِ العامِّ على الخاصِّ. ٦٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ) طَيبة، وسبب ذلك أنَّه ﷺ لَمَّا قدم المدينة كانت أوبأ أرضِ الله، ووُعك أبو بكرٍ وبلالٌ ﵄، قالتْ عائشة: دخلتُ عليهما، فقلت: يا أبتِ كيف تجدُك، ويا بلالُ كيف تجدُك؟ وكان أبو بكرٍ إذا أخذتْهُ الحمَّى يقول: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالمَوْتُ أَدْنَى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ وكان بلال إذا أقلعَ عنه الحمَّى يرفع عقيرتَهُ، فيقول:
следующие страницы →