سلام بن أبي مطيعٍ، عن هشامٍ بإسقاط «شرٍّ» في الموضعين، والتَّقييد في الغنى والفقر بالشَّرِّ لا بدَّ منه؛ لأنَّ كلًّا منهما فيه خيرٌ باعتبارٍ، فالتَّقييدُ في الاستعاذة منه بالشَّرِّ يُخرج ما فيه من الخير سواءٌ قلَّ أم كثُر. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا غفلةٌ منه حيث يدَّعي اختصارَ بعض الرُّواة بغير دليلٍ على ذلك. قال: وأمَّا قوله: وسيأتي بعدُ لفظ: «شرِّ فتنة الغنى، وشرِّ فتنة الفقر» فلا يساعده فيما قاله؛ لأنَّ للكِرمانيِّ أن يقول: يُحتمل أن يكون لفظ: «شرِّ» في فتنة الفقر مدرجًا من بعض الرُّواة على أنَّه لم ينفِ مجيء لفظ شرٍّ في غير الغنى ولا يلزمه هذا؛ لأنَّه في بيان هذا الموضع الَّذي وقع هنا خاصّةً. انتهى.
قال (١) الحافظ ابن حَجرٍ في «انتقاض الاعتراض»: حكاية هذا الكلام -أي: الَّذي قاله العينيُّ- يُغني العارف عن التَّشاغل بالرَّدِّ عليه.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ) بفتح الميم وكسر السين آخره حاء مهملتين (الدَّجَّالِ) بتشديد الجيم، الأعور الكذَّاب، وهذه الفتنة وإن كانت من جملةِ فتنة المحيا لكن أُعيدت تأكيدًا لعظمتِها وكثرة شرِّها، أو لكونها (٢) تقعُ في محيا أناسٍ مخصوصين وهم الَّذين في زمنِ خروجهِ، وفتنة المحيا عامَّة لكلِّ أحدٍ فتغايرا (اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ) جمع: خطيئةٍ (بِمَاءِ الثَّلْجِ) بالمثلَّثة (وَالبَرَدِ) بفتح الموحدة والراء، هو حَبُّ الغمام، وفي «باب ما يقول بعد التَّكبير» في أوائل «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٤] «بالماء والثَّلج والبرد» وقال التُّوربشتيُّ: ذكر أنواع المطهِّرات المنزَّلة من السَّماء الَّتي لا يمكن حصول الطَّهارة الكاملة إلَّا بأحدها (٣) تبيانًا لأنواع المغفرة الَّتي لا تَخَلُّصَ من الذُّنوب إلَّا بها، أي: طهِّرني من الخطايا بأنواعِ مغفرتكَ الَّتي هي في تمحيصِ (٤) الذُّنوب بمثابةِ هذه الأنواعِ الثَّلاثة في إزالةِ الأرجاسِ والأوصابِ ورفع الجنابةِ والأحداثِ. وقال الطِّيبيُّ: ويمكن أن يُقال: ذكر الثَّلج والبرد بعد ذكر الماء المطلوب منهما
стр. 11167
شمول أنواع الرَّحمة بعد المغفرةِ؛ لإطفاء حرارة عذاب النَّار الَّتي هي في (١) غايةِ الحرارة؛ لأنَّ عذاب النَّار يقابله الرَّحمة، فيكون التَّركيب من باب قوله:
متقلِّدًا سيفًا ورُمحًا
أي: اغسل خطايايَ بالماء، أي: اغفرْها، وزدْ على الغفرانِ شمول الرَّحمة.
(وَنَقِّ) بفتح النون وتشديد القاف (قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخ، و «نقَّيت» بفتح المثناة الفوقية، وهو تأكيدٌ للسَّابق، ومجازٌ عن إزالة الذُّنوب، ومحو أَثَرها (وَبَاعِدْ) أَبْعِد (٢) (بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدكَ (بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) أي: حُلْ بيني وبينها حتَّى لا يبقى لها منِّي اقتراب بالكليَّة.
وسبق الحديث في «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٤].
(٤٠) (باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنَ الجُبْنِ) بضم الجيم وسكون الموحدة (وَ) الاستعاذة من (الكَسَلِ) بفتح الكاف والمهملة (كُسَالَى) بضم الكاف (وكَسَالَى) بفتحها (واحِدٌ) وبالأوَّل قرأ الجمهور وبالآخر قرأ الأعرج، وهو لغة تميمٍ، وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ وأبي الوقتِ عن المُستملي (٣).
٦٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم بينهما معجمة ساكنة، القَطَوَانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب بن عبد الله بن حنطبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ: «أنس (٤) بن مالكٍ» (قَالَ:
стр. 11168
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ) بفتح الحاء المهملة والزاي (وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ) قال الزَّركشيُّ (١): قال صاحب «تثقيف اللِّسان»: العجزُ: ما لا يستطيعُه الإنسان، والكسلُ: أن يترك الشَّيء ويتراخى عنه وإن كان يستطيعه (وَ) أعوذ بك من (الجُبْنِ) وهو الخورُ من تَعاطي الحربِ ونحوها خوفًا على المهجة (وَ) أعوذُ بك من (البُخْلِ) ضدُّ الكرم (وَ) أعوذُ بك من (ضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللَّام، ثقله (وَ) من (غَلَبَةِ الرِّجَالِ) تسلُّطهم (٢).
والحديثُ سبق تقريبًا [خ¦٦٣٦٧].
(٤١) (باب التَّعَوُّذِ مِنَ البُخْلِ) بسكون الخاء المعجمة (البُخْلُ) بضم الموحدة وسكون المعجمة (وَالبَخَلُ) بفتحهما (وَاحِدٌ) في المعنى، وبالثَّاني قرأَ حمزة والكسائيُّ (مِثْلُ الحُزْنِ) بضم الحاء وسكون الزاي (وَالحَزَنِ) بفتحهما وزنًا، وهذا ثابتٌ في رواية المُستملي هنا، وقد تكرَّر ذمُّ البُخْل في الحديث، وصحَّ: «خصلتان لا تجتمعانِ في مُؤمنٍ: البخلُ وسوءُ الخلق»، وقال سلمان: إذا ماتَ البخيلُ قالتِ الأرض والحفظة: اللَّهمَّ احجبْ هذا العبدَ عن الجنَّة، كما حجبَ عبادَك عمَّا في يده من الدُّنيا.
٦٣٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (٣) (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ
стр. 11169
عُمَيْرٍ) الكوفيِّ (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ) أبيه (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁¬) أنَّه (كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلَاءِ الخَمْسِ، وَيُحَدِّثُهُنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويخبر بهنَّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) أي: بشيءٍ (١) من الخير سواءٌ كان مالًا أو علمًا (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢) «من أن» (أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) بالذال المعجمة، الهرمُ الشَّديد (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) سبق قريبًا [خ¦٦٣٦٥] أنَّها الدَّجَّال، وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أنَّ فتنته أعظمُ الفتن الكائنةِ في الدُّنيا (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) من إضافةِ المظروفِ إلى ظرفهِ، وسبقَ.
(٤٢) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ ﴿أَرَاذِلُنَا﴾) في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] أي: (أَسْقَاطُنَا) وللمستمليِّ والكُشميهنيِّ: «سُقَّاطنا» بضم السين وتشديد القاف، تقول: قوم سَقْطَى، وأسقاطٌ، وسُقَّاط، والسَّاقط: اللَّئيم في حسبهِ ونسبهِ.
٦٣٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، المِنْقَريُّ المقعد البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنَانيِّ الأعمى (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ) حال كونهِ (يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ) سقط من أصل «اليونينيَّة»: «بك» من قوله: «أعوذ بك من الكسل» (٣) (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) وليس في هذا الحديث ما ترجم به لكنَّه -كما قال في «الفتح» - أشار بذلك إلى أنَّ المراد بأرذلِ العُمر في
стр. 11170
حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ السَّابق في الباب قبلهُ [خ¦٦٣٧٠] «الهرم» الَّذي في هذا الحديث المفسَّر بالشَّيخوخة (١) وضَعْفِ (٢) القوَّة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف (٣) وضعفِ الفكر.
قال في «شرح المشكاة»: المطلوبُ -عند المحقِّقين- من العمر التَّفكُّر في آلاءِ الله ونَعْمائه تعالى مِنْ خَلْقِ الموجودات، فيقوموا بواجب (٤) الشُّكر بالقلبِ والجوارحِ، والخرفُ الفاقدُ لهما فهو كالشَّيء الرَّديء الَّذي لا يُنتفع به، فينبغي أن يُستعاذ منه (٥).
(٤٣) (باب الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الوَبَاءِ) بفتح الواو والموحدة والمدِّ، مرضٌ عامٌّ ينشأُ عن فسادِ الهواء، وقد يسمَّى طاعونًا بطريق المجاز (وَ) برفع (الوَجَعِ) الشَّامل لكلِّ مرضٍ، وهو من عطفِ العامِّ على الخاصِّ.
٦٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ) طَيبة، وسبب ذلك أنَّه ﷺ لَمَّا قدم المدينة كانت أوبأ أرضِ الله، ووُعك أبو بكرٍ وبلالٌ ﵄، قالتْ عائشة: دخلتُ عليهما، فقلت: يا أبتِ كيف تجدُك، ويا بلالُ كيف تجدُك؟ وكان أبو بكرٍ إذا أخذتْهُ الحمَّى يقول:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالمَوْتُ أَدْنَى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ
وكان بلال إذا أقلعَ عنه الحمَّى يرفع عقيرتَهُ، فيقول:
стр. 11171
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ … وَهَل يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
فجئت رسولَ الله ﷺ فأخبرتُه، فقال: «اللَّهمَّ حبِّب إلينا المدينة» (كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ) حبًّا من حبِّنا لمكَّة (وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ) بضم الجيم وسكون المهملة، ميقاتُ مصر، وكانت مسكن يهود، فنُقلت إليها (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا) يريد كثرةَ الأقواتِ من الثِّمار والغلَّات.
والحديثُ سبق في «فضائل المدينة» [خ¦١٨٨٩].
٦٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين (أَنَّ أَبَاهُ) سعد بن أبي وقَّاصٍ (قَالَ: عَادَنِي) بالدال المهملة (رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، مِنْ شَكْوَى) من غير تنوين، من مرضٍ (١) (أَشْفَيْتُ)
стр. 11172
بالمعجمة الساكنة وبعد الفاء تحتية ساكنة، أَشْرَفْتُ (مِنْهُ عَلَى المَوْتِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «منها» أي: من الشَّكوى، واتَّفق أصحاب الزُّهريِّ على أنَّ ذلك كان في حجَّة الوداع إلَّا ابن عُيينة، فقال: في فتح مكَّة، أخرجه التِّرمذيُّ وغيره من طريقهِ (١)، واتَّفق الحفَّاظ على أنَّه وَهِمَ فيه (٢)، نعم وَرَدَ عند أحمدَ والبزَّار والطَّبرانيِّ والبخاريِّ في «تاريخه»، وابن سعدٍ من حديثِ عَمرو بن القاري ما يدلُّ لروايةِ ابن عُيينة، ويمكنُ الجمعُ بينهما بالتَّعدد مرَّتين مرَّةً في (٣) عام الفتحِ، وأُخرى في حجَّة الوداعِ.
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنَ الوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي) من أربابِ الفروض، أو من الأولادِ (إِلَّا ابْنَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (لِي وَاحِدَةٌ) تكنى: أمَّ الحكم الكبرى (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) بفتح المثلثة الثانية وسكون التَّحتية، والتَّعبير بقوله: «أفأتصدَّق»، يحتمل التَّنجيز والتَّعليق بخلاف «أفأوصي» [خ¦٢٧٤٢] لكنَّ المخرج مُتَّحدٌ فيُحمل على التَّعليق جمعًا بين الرِّوايتين (قَالَ) ﷺ : (لَا. قلْتُ): يا رسول الله (فَبِشَطْرِهِ؟) أي: فبنصفهِ (قَالَ) ﷺ : (الثُّلُثُ) كافٍ، وهو (٤) (كَثِيرٌ) بالمثلَّثة (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ) بفتح الهمزة وبالذال المعجمة، أن تدعَ (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ) (٥) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «تدعهم» (عَالَةً) بالعين المهملة وتخفيف اللام، فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ) يسألونَ (النَّاسَ) بأكفِّهم، أو يسألون ما يكفُّ عنهمُ الجوع (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ) تعالى (إِلَّا أُجِرْتَ) أي: عليها، والجملة عطفٌ على قوله: «إنَّك أن تذرَ» (٦)، وهو علَّةٌ للنَّهي عن الوصيَّة بأكثر من الثُّلث، كأنَّه قيل: لا تفعلْ؛ لأنَّك إن متَّ وتذر ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهُم فقراء، وإن عشتَ و (٧) تصدَّقت بما بقي من الثُّلث، وأنفقتَ على عيالكَ
стр. 11173
يكن خيرًا لك (حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ) في فمِها. قال سعدٌ: (قلْتُ): يا رسولَ الله (آأُخَلَّفُ (١) بَعْدَ أَصْحَابِي؟) بضم همزة «أُخَلَّف» وفوقها مدة في «اليونينيَّة» (٢) (قَالَ) ﵊: (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بفتح اللام المشددة، كالسَّابق بعد أصحابك (فَتَعْمَلَ) نُصِبَ عطفًا (٣) على سابقه (عَمَلًا) صالحًا (تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ) تعالى (إِلَّا ازْدَدْتَ) أي: بالعملِ الصَّالح (دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) من المسلمينِ (وَيُضَرَّ) بفتح الضاد (بِكَ آخَرُونَ) من المشركين (اللَّهُمَّ أَمْضِ) بقطع الهمزة، أي: أتمِّم (لَأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) من مكَّة إلى المدينة (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) بترك هجرتهم. قال إبراهيمُ بن سعدٍ -فيما قال الزُّهريُّ-: (لَكِنِ البَائِسُ) الَّذي عليه أثرُ البؤس، وهو الفقرُ والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو (قالَ سَعْدٌ: رَثَى) بفتح الراء والمثلثة، بلفظ الماضي، أي: تحزَّن وتوجَّع (لَهُ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (٤) (¬ ﷺ مِنْ أَنْ تُوُفِّي) في حجَّة الوداع (بِمَكَّةَ) الَّتي هاجر منها وحُرم ثواب الهجرة. وقوله: «قال سعدٌ: رثى له النَّبيُّ ﷺ » صريحٌ في وصل قوله: «لكن البائس» فلا يكون مُدرجًا من قول الزُّهريِّ، كما ادَّعاه ابن الجوزيِّ وغيره. وفي الحديث: جوازُ إخبار المريض بشدَّة مرضهِ، وقوَّة ألمهِ، إذا لم يقترن بهِ ما يمنعُ كعدم الرِّضا وغير ذلك ممَّا لا يخفى.
وسبق الحديثُ في «كتاب الوصايا» [خ¦٢٧٤٢].
(٤٤) (باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ) وسبقَ قبلُ: «باب (٥) التَّعوُّذ من أرذل العمر» [خ¦٨٠/ ٤٢ - ٩٥٠٤] (وَمِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَفِتْنَةِ النَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وعذاب النَّار» بدل قوله: «وفتنة النَّار».
стр. 11174
٦٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (١) (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا (٢) الحُسَيْنُ) بضم الحاء المهملة، ابن عليٍّ الجعفيُّ، الزَّاهدُ المشهورُ (عَنْ زَائِدَةَ) بن قُدامة الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُميرٍ (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) وثبت «ابن سعدٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، أنَّه (قَالَ: تَعَوَّذُوا بِكَلِمَاتٍ) خمسٍ (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ) عبوديَّةً وإرشادًا لأمَّته: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) أستجيرُ وأعتصمُ، وأصله: أَعْوذ، بسكون العين فنقلت حركة الواو تخفيفًا إليها (مِنَ الجُبْنِ) ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) ضدُّ الكرم، ولمَّا كان الجود إمَّا بالنَّفس وإمَّا بالمال، ويسمَّى الأوَّل شجاعةً ويقابلها الجبن، والثَّاني سخاوةً ويقابلُها البخل، ولا تجتمعُ السَّخاوة والشَّجاعة إلَّا في نفسٍ كاملةٍ، ولا ينعدمان إلَّا من مُتَنَاهٍ في النَّقص، استعاذَ منهما لِمَا لا يخفَى (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) إلى أسفلهِ، وهو الهرم الشَّديد حتَّى لا يعلمَ ما كان قبلُ (٣) يعلمُ، وهو أسوأُ العمر، أعاذنا الله من البلايا بمنِّه وكرمهِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) وأعظمها فتنة الدَّجَّال (وَ) من (عَذَابِ القَبْرِ) ما فيه من الأهوالِ والشَّدائد.
٦٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) البلخيُّ -المعروف بـ: خَتٍّ- قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح
стр. 11175
الواو وكسر الكاف، ابن الجرَّاح أبو سفيان الرَّؤاسيُّ (١)، أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ) المفسَّر بأرذلِ العمر فيما مرَّ [خ¦٦٣٧٠] (وَ) أعوذُ بك من (المَغْرَمِ) مصدر وُضِعَ مَوضع الاسم، يريد (٢) به مغرم الذُّنوب والمعاصي، وقيل: كالغرم وهو الدَّين، ويريد به ما استدين فيما يكرهُه الله، أو فيما يَجُوزُ ثمَّ عَجَزَ (٣). قال بعضُهم: ما دخلَ همُّ الدَّين قلبًا إلَّا أذهبَ من العقلِ ما لا يعودُ إليه، فأمَّا دينٌ احتاجَ إليه وهو قادرٌ على أدائهِ فلا يُستعاذُ منه (وَالمَأْثَمِ) الأمر الَّذي يأثمُ به الإنسان، أو هو الإثمُ نفسُه، وضعًا للمصدرِ موضعَ الاسم (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ النَّارِ) بسؤال (٤) الخزنةِ على سبيل التَّوبيخ (وفِتْنَةِ القَبْرِ) سؤال منكر ونكيرٍ مع الخوف، وهذه ثابتةٌ هنا لأبي ذرٍّ ساقطةٌ لغيرهِ (وَ) من (عَذَابِ القَبْرِ وَ) من (شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى) من البَطر والطُّغيان، والتَّفاخر به، وصرف المال في المعاصي، وما أشبه ذلك (وَشَرِّ فِتْنَةِ الفَقْرِ (٥)) بإثبات لفظ «شرِّ» وسبق [خ¦٦٣٦٨] أنَّ هذه ثابتةٌ في رواية أبي ذرٍّ بعد قوله: «وفتنة النَّار» (وَمِنْ شَرِّ (٦) فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) سمِّي مسيحًا؛ لأنَّ إحدى عينيهِ ممسوحةٌ، فعيلًا بمعنى: مفعول، أو لأنَّه يمسحُ الأرض: يقطعُها في أيَّامٍ معلومةٍ بمعنى فاعل (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالبَرَدِ) بفتح الموحدة والراء، حبُّ الغمام. قال في «الكواكب»: العادةُ أنَّه إذا أُريد المبالغةُ في الغسلِ يغسل (٧) بالماء الحارِّ لا بالبارد. قال الخطابيُّ: هذه أمثالٌ لم يُرَدْ بها أعيانها بل التَّأكيد في التَّطهير والمبالغةِ في محوها، والثَّلج والبَرد ماءان مقصوران على الطَّهارةِ لم تمسَّهما الأيدي ولم يمتهنهُما الاستعمال، فكان ضربُ المثل بهما أوكدَ في المراد (وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى) بضم التحتية وفتح القاف المشددة، مبنيًّا للمفعول (الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخِ (وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ).
стр. 11176
والحديثُ سبق (١) قريبًا [خ¦٦٣٦٨].
(٤٥) (باب الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الغِنَى).
٦٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ) بتشديد اللام، الخزاعيُّ البصريُّ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ خَالَتِهِ) عائشة أمّ المؤمنين ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ: اللَّهُمَّ) معمولٌ لقولٍ (٢) مقدَّرٍ، أي: يقول: اللَّهمَّ (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ) أي: من (٣) فتنةٍ تؤدِّي إلى عذاب النَّار ((٤) وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ) من فتنةٍ تؤدِّي إلى عذاب القبر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الغِنَى) كصرف المالِ في المعاصي (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ) كالطَّمع في مال الغيرِ، وغير ذلك ممَّا سيُذكر في الباب اللَّاحق [خ¦٦٣٧٧] (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) بدلٌ من «المسيح»، أو نعتٌ، أو عطف بيانٍ.
(٤٦) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ).
стр. 11177
٦٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) بن سلامٍ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد ابن خازمٍ، بالمعجمتين بينهما ألف (١)، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (٢) (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ القَبْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ، وَشَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الفَقْرِ) بإثبات لفظة شرٍّ في الغنى، كما مرَّ التَّنبيه عليه محقَّقًا [خ¦٦٣٦٨]، والمراد: الفقرُ المدقع؛ لأنَّه الَّذي يُخافُ من فتنتهِ كحسد الغني والتَّذلُّل له بما يتدنَّس به عرضُه وينثلمُ به دينه، وتسخُّطه وعدم رضاه بما قسمَ الله له إلى غير ذلك ممَّا يُذمُّ فاعلُه ويأثمُ عليه (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ (٣) فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ قَلْبِي بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالمَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ).
(٤٧) (باب الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ المَالِ وَالوَلَدِ مَعَ البَرَكَةِ) ثبتَ هذا الباب مع ترجمتهِ في رواية المُستملي والكُشميهنيِّ، وسقط للحَمُّويي، والصَّواب -كما قال الحافظُ ابن حَجرٍ- إثباته.
٦٣٧٨ - ٦٣٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشدَّدة، ابن عثمان العبديُّ مولاهم الحافظ بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم المعجمة وسكون النون وفتح المهملة
стр. 11178
آخره راء، محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ) وهي: أمُّ أنسٍ ﵃ (أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسٌ خَادِمُكَ، ادْعُ اللهَ لَهُ، قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ) فكان أكثر الصَّحابة أولادًا، قاله النَّوويُّ، وقال ابن قُتيبة في «المعارف»: كانَ بالبصرةِ ثلاثة ما ماتوا حتَّى رأى كلُّ واحدٍ منهم من ولدِه مئة ذَكَرٍ لصلبه: أبو بكرةَ، وأنسٌ، وخليفةُ بن بدرٍ (١)، وزاد غيره رابعًا وهو: المهلَّبُ بن أبي صفرة (وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) هذا أعمُّ من المال والولدِ، فيتناولُ العلم والدِّين، وعند التِّرمذيِّ بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ: «أنَّه كان له بستانٌ تأتي منه في كلِّ سنةٍ الفاكهة مرَّتين، وكان فيه ريحانٌ يجيءُ منه ريحُ المسك».
(وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) أي: ابن أنسٍ، أي: بالسَّند (٢) المذكورِ إلى قتادة، فالواو عطفٌ عليه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، مِثْلَهُ) أي: الحديث السَّابق، وأخرجهُ الإسماعيليُّ من رواية حجَّاج بن محمَّدٍ عن شعبة، عن قتادةَ، عن هشام بن زيدٍ جميعًا عن أنسٍ، ولأبي ذرٍّ: «بمثلهِ» بزيادة الموحدة، فغُنْدر عن شعبةَ جعلَ الحديث من مسندِ أمِّ سُليمٍ، وكذا هو عند التِّرمذيِّ عن محمَّد بن بشَّارٍ عن غندرٍ. وقال: حسنٌ صحيحٌ. وكذا عند الإمام أحمدَ عن حجَّاج بن محمَّد وعن محمَّد بن جعفر، كلاهما عن شعبة. وأخرجه المؤلِّف في «باب دعوة النَّبيِّ ﷺ لخادمهِ بطولِ العمر» [خ¦٦٣٤٤]، من طريق حَرَمي بن عُمَارة، عن شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ قال: قالت أمِّي أمُّ سُليمٍ. فظاهره: أنَّه من مسند أنسٍ، وهذا الاختلاف لا يضرُّ فإنَّ أنسًا حضرَ ذلك.
والحديثُ سبق قريبًا.
(٤٧ م) (باب الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ الوَلَدِ (٣) مَعَ البَرَكَةِ) وثبتَ (٤) البابُ وما بعده لأبي ذرٍّ.
стр. 11179
٦٣٨٠ - ٦٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) الهَرَويُّ -نسبةٌ لبيع الثِّياب الهَرَوِيَّة- قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدوسيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) ﵂، أي: لرسول الله ﷺ : (أَنَسٌ خَادِمُكَ) أي (١): ادْعُ لهُ (٢) (قَالَ) ﷺ : (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) فيه دليلٌ لتفضيل الغِنى على الفقر. وأُجيب بأنَّه يختصُّ بدعائهِ ﷺ وأنَّه بارك فيه، ومتى بارك فيه لم يكن فيه فتنةٌ، ولم يحصلْ بسببه ضررٌ، وفيه: استحباب أنَّه إذا دعا بشيءٍ يتعلَّق بالدُّنيا أن يضمَّ إلى دعائه طلب البركة فيه والصِّيانة.
(٤٨) (باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الاِسْتِخَارَةِ) أي: طلب الخِيَرة -بكسر الخاء وفتح التحتية- بوزن: العِنَبة، اسمٌ من قولك: اختار الله له. وقال في «النهاية»: الاستخارة طلبُ الخير في الشَّيء، وهي استفعالٌ من الخيرِ ضدّ الشَّرِّ، فالمراد: طلبُ خير الأمرين لمن احتاجَ إلى أحدهما.
٦٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء مشددة بعدها فاء (أَبُو مُصْعَبٍ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين، الأصمُّ مولى ميمونة بنتِ الحارث قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِ) بفتح الميم وتخفيف الواو وبعد الألف لام من غير ياء، جمع مولى، واسمه زيدٌ، ويقال: زيدٌ جدُّ عبد الرَّحمن، وأبوه لا يُعرف اسمه، وثَّقه ابن معينٍ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وغيرهم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ)
стр. 11180
ابن عبد الله التَّيميِّ (١)، المدنيِّ الحافظ (عَنْ جَابِرٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا) خصَّه في «بهجة النُّفوس» بغير الواجبِ والمستحبِّ فلا يُستخار في فعلهما، والمحرَّم (٢) والمكروهُ لا يُستخار في تركهمَا، فانحصرَ الأمرُ في المباحِ أو المستحبِّ إذا تعارضَ فيه أمران أيُّهما يبدأ بهِ، أو يقتصرُ عليه، وألحقَ به في «الفتح» الواجبَ والمستحبَّ المخيَّر، وفيما إذا (٣) كان موسَّعًا قال (٤): ويتناولُ العموم العظيم والحقير، فربَّ حقيرٍ يترتَّب عليه الأمرُ العظيم (كَالسُّورَةِ) كما يعلِّمنا (٥) السُّورة (مِنَ القُرْآنِ) قال في «البهجة»: التَّشبيه في تحفُّظِ حروفهِ، وترتيبِ كلماته، ومنع الزِّيادة والنَّقص منه، والدَّرس له، والمحافظة عليه.
(إِذَا هَمَّ) فيه حذف تقديره: يقول: إذا همَّ (بِالأَمْرِ) قال الشَّيخ عبدُ الله بن أبي جمرة: ترتيبُ الوارد على القلبِ على مراتب: الهمَّةُ، ثمَّ اللَّمَّةُ، ثمَّ الخطرةُ، ثمَّ النِّيَّة، ثمَّ الإرادةُ، ثمَّ العزيمةُ، فالثَّلاثة الأُولَى لا يُؤاخذ بها بخلاف الثَّلاثةِ الأخرى (٦)، فقوله: «إذا همَّ» يُشير إلى أوَّل ما يَرِدُ على القلبِ (فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) أي: من غيرِ الفريضة في غيرِ وقت الكراهة (ثُمَّ يَقُولُ) دعاءَ الاستخارة، فيظهرُ له إذ ذاك ببركةِ الصَّلاة والدُّعاء ما هو خيرٌ، بخلافِ ما إذا تمكَّن الأمر عنده، وقويتْ فيه عزيمتُه وإرادته، فإنَّه يصيرُ له إليه ميلٌ وحبٌّ، فيُخشى أن يخفَى عنه وجه الأرشديَّة لغلبة ميلهِ إليه. قال: ويحتملُ أن يكون المراد بالهمِّ العزيمةَ؛ لأنَّ الخاطرَ لا يثبتُ فلا يستمرُّ إلَّا على ما يَقصِد التَّصميم على فعلهِ، وإلَّا لو استخارَ في كلِّ خاطرٍ لاستخارَ فيما لا يعبأُ به، فتضيع عليه أوقاتُه. انتهى.
وقوله: «فليركع» جواب «إذا» المتضمِّن معنى الشَّرط، ولذا دخلتْ فيه الفاء، واحترز بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦١١٧٢]: «من غير الفريضة» عن صلاة الصُّبح مثلًا، وذكر النَّوويُّ أنَّه يقرأ فيهما بسورة الكافرون والإخلاص، لكن قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ (٧): لم أقف
стр. 11181
لذلك على دليلٍ، ولعلَّه ألحقهما بركعتي الفجر. قال: ولهما مناسبةٌ بالحال لِما فيهما من الإخلاصِ والتَّوحيد والمُستخير يحتاج لذلك. قال: ومن المناسبِ أن يقرأَ مثل قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] والأكملُ أن يقرأَ في كلٍّ منهما السُّورة والآية الأُوليين في الأُولى، والأُخريين في الثَّانية، وهل يقدّم الدُّعاء على الصَّلاة؟ الظَّاهر لا؛ للإتيان بـ «ثمَّ» المقتضيةِ للتَّرتيب في قوله، «ثمَّ يقول»: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ) أي: أطلب منكَ الخِيَرة (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) أي: أطلب منك أن تجعلَ لي على ذلك قدرةً، أو أطلب منك أن تقدِّره لي؛ إذ المراد بالتَّقدير: التَّيسير، والباء في «بعلمك» و «بقدرتك» للتَّعليل، أي: لأنَّك أعلم، ولأنَّك قادرٌ، أو للاستعانة كقوله: ﴿بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١] أو للاستعطاف كقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ) إلَّا بك (وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ) إلَّا بك فيما فيه خيرتي، فالقدرة والعلم لك وحدك، وليس للعبد إلَّا ما قدَّرته له (وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ) فيه لفٌّ ونشرٌ غير مرتَّبٍ (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي) قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: كلمة «إِنْ» للشَّكِّ، ولا يجوزُ الشَّكُّ في كونِ الله عالمًا؟ وأجاب: بأنَّ الشَّكَّ في أنَّ العلم (١) يتعلَّق بالخيرِ أو الشَّرِّ لا في أصلِ العلم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تعلمُ هذا الأمر خيرًا لي» (فِي دِينِي وَمَعَاشِي) بالشين المعجمة وفتح الميم، حياتي أو ما يُعاش فيه، وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ: «في دِيني ودُنياي» وعندَه من حديث أبي أيُّوبٍ: «دنياي وآخرتي» (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُِرْهُ لِي) بوصل الهمزة وضم الدال وتكسر، أي: اجعلهُ مقدورًا لي، أو قدِّره، أو يسِّره (وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أو قال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ) حتَّى لا يبقى (٢) قلبِي بعد صرفهِ عنِّي متعلِّقًا به، ثمَّ عمَّم الطَّلب بقوله: (وَاقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ) ثمَّ ختم بقوله: (ثُمَّ رَضِّنِي) بتشديد المعجمة؛ لأنَّ رضا الله ورضا العبدِ متلازمان بل رضا العبدِ مسبوقٌ برضا الله، وهو جماعُ كلِّ خيرٍ واليسيرُ منه خيرٌ من الجنان (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ثمَّ
стр. 11182
أرضنِي» (بِهِ) بالهمز قبل الراء، والَّذي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ورضِّني» (١) أي: اجعلنِي به راضيًا (وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) أي: ينطقُ بها بعد الدُّعاء، أو (٢) يستحضرُها بقلبه عند الدُّعاء، أي: فليَدْعُ مسمِّيًا حاجتَه، فالجملة حاليَّةٌ، والشَّكُّ في قوله: «أو قال» في الموضعين من الرَّاوي. قال في «الكواكب»: ولا يخرج الدَّاعي به عن العهدة حتَّى يكون جازمًا بأنَّه (٣) قال (٤) كما قال رسول الله ﷺ حتَّى يدعو به ثلاث مرَّاتٍ؛ يقول تارةً: «في ديني ومعاشي وعاقبة أمري» وأخرى: «في عاجلي وآجلي» وثالثةٌ: «في ديني وعاجلي وآجلي». انتهى.
وينبغي أن يفتتحَ الدُّعاء ويختمَه بالحمد لله، والصَّلاة على رسول الله ﷺ ، وأن يستخير الله سبعًا، ففي حديث أنسٍ -عند ابن السُّنِّيِّ-: «إذا هممتَ بأمرٍ فاستخرْ ربَّك سبعًا، ثمَّ انظرْ إلى الَّذي يسبقُ في قلبكِ، فإنَّ الخير فيه» لكن سنده واهٍ جدًّا، وليشرعْ في حاجتهِ، فإن كانَ له فيها خيرةٌ يسَّر الله له أسبابهَا وكانتْ عاقبتُها محمودةً.
وقد أوردَ المَحامِليُّ في «اللُّباب» حديثًا لأبي أيُّوب (٥) الأنصاريِّ في استخارة التَّزويج: عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «اكتمِ الخطبةَ، ثمَّ توضَّأْ فأحسنِ الوضوءَ، ثمَّ صلِّ ما كتبَ اللهُ لكَ، ثمَّ احمَد ربَّكَ ومجِّدهُ، ثمَّ قُل: اللَّهمَّ إنِّي أستخيرُكَ بعلمِكَ وأستقدرُكَ بقدرتِكَ، وأسألُكَ مِن فضلكَ العظيمِ، إنَّكَ تقدرُ ولا أقدرُ، وتعلمُ ولا أعلمُ، وأنت علَّامُ الغيُوبِ، فإن رأيتَ لِي فِي فلانةَ -وتسمِّيهَا باسمِهَا- خيرًا لي في دِينِي ودنيَايَ وآخرَتِي فاقضهَا لِي -أو قالَ: اقدُرهَا لِي- وإن كانَ غيرُهَا خيرًا لي منهَا فِي دينِي ودنيايَ وآخِرَتِي فاصرِفهَا عنِّي -أي: فلانة المسمَّاة-». وفي نسخةٍ: «فاقضها لي -أو قال: قدِّرها واقسمْها لي-» أي: غير فلانةٍ.
стр. 11183
(٤٩) (باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الوُضُوءِ).
٦٣٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين والمدِّ، أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الراء (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ) ممَّا (١) سبق معناه في «المغازي» [خ¦٤٣٢٣] لمَّا رمى رجلٌ جُشَمِيٌّ أبا عامرٍ -يعني: عمَّه- في ركبته بسهمٍ، فأثبته (٢) وأنَّه قال له: «يا ابنَ أخِي أقْرِئ النَّبيَّ ﷺ السَّلام، وقل له أن يستغفرَ لي، ثمَّ مات» (دَعَا (٣) النَّبِيُّ ﷺ ¬) حينَ بلغه ذلك (بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتوضَّأ به ثمَّ» (رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ) بضم العين وفتح الموحدة (أَبِي عَامِرٍ) الأشعريِّ. قال أبو موسى: (وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) ﷺ (فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ) بيانٌ لِمَا قبله لأنَّ الخلق أعمُّ.
والحديثُ مرَّ في «غزوة أوطاسٍ» [خ¦٤٣٢٣] وساقه هنا مختصرًا.
(٥٠) (باب الدُّعَاءِ إِذَا عَلَا) صعدَ الإنسان (عَقَبَةً) بفتح العين والقاف.
стр. 11184
٦٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) أبو أيُّوب الواشحيُّ الأزديُّ البصريُّ قاضي مكَّة (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهمٍ، أحدُ الأئمَّة الأعلام (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ النَّهديِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) قال الحافظ ابن حَجرٍ: لم أقفْ على تعيينهِ (فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا) شَرَفًا (كَبَّرْنَا) الله تعالى فرفعنَا أصواتنَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا) بالوصل وفتح الموحدة (١) (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ارفقوا بها، ولا تبالغُوا في الجهر (٢) (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ) قال الكِرمانيُّ: ويروى: «أصمًا» بالألف، قال: ولعلَّه باعتبارِ مناسبتهِ لقوله: (وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ) بتخفيف النون (تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا) كالتَّعليل لقوله: «لا تدعون أصمَّ»، وفي «الجهادِ» [خ¦٢٩٩٢]: «إنَّه معكم (٣) إنَّه سميعٌ قريبٌ». قال أبو موسى: (ثُمَّ أَتَى (٤)) ﷺ (عَلَيَّ) بتشديد التَّحتية (وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. فَقَالَ) لي: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ -أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي. قال في «الكواكب»: أي: كالكنزِ في كونه نفيسًا مدَّخرًا مكنونًا عن أعينِ النَّاس. وقال في «شرح المشكاة»: هذا التَّركيب ليس باستعارةٍ لذكرِ المشبَّه وهو الحوقلةُ، والمشبَّه به وهو الكنزُ، ولا التَّشبيه الصِّرف لبيان الكنز بقوله: «من كنوز الجنَّة»، بل هو إدخالُ الشَّيء في جنسٍ، وجعلهِ أحدَ أنواعه على التَّغليب، فالكنز إذًا نوعان؛ الأوَّل: المتعارف وهو المال الكثير يُجعلُ بعضُه فوق بعضٍ ويُحفظ، والثَّاني: غير المتعارف، وهو هذه الكلمة الجامعة المكتنزة بالمعاني الإلهيَّة لِمَا أنَّها محتويةٌ على التَّوحيد الخفيِّ؛ لأنَّه إذا نُفِيَتِ الحيلة والاستطاعةُ عمَّا مِن شأنه ذلك، وأُثْبِتَتْ لله على سبيلِ الحصر بإيجادهِ واستعانتهِ وتوفيقه، لم يخرج شيءٌ من ملكه وملكوته، ومن الدَّليل على أنَّها دالَّةٌ على التَّوحيد الخفيِّ قوله ﷺ لأبي موسى: «ألَا أدلُّكَ على كنزٍ» مع أنَّه كان يذكرها في نفسهِ، والدَّلالة على ذلك (٥) إنَّما (٦) تستقيم على ما لم يكنْ عليه، وهو أنَّه لم يعلمْ
стр. 11185
أنَّه توحيدٌ خفيٌّ وكنزٌ من الكنوزِ، ولأنَّه لم يقلْ له ما ذكرته كنزٌ من الكنوزِ، بل صرَّح بها، فقال: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) تنبيهًا على هذا السِّرِّ. انتهى.
فإن قلتَ: ما مناسبةُ الحديث للتَّرجمة، فإنَّه ترجم بالدُّعاء والَّذي في الحديث التَّكبير؟ أُجيب باحتمال أن يكون أخذه من قوله فيه: «فإنَّكم لا تدعون أصمَّ».
(٥١) (باب الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ) نزل (وَادِيًا. فِيهِ) أي: في الباب (حَدِيثُ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (¬﵁¬) السَّابق (١) في «باب التَّسبيح إذا هبط واديًا» من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٩٩٣] بلفظ: حدَّثنا محمَّد بن يوسفٍ: حدَّثنا سفيان، عن حُصين بن عبد الرَّحمن، عن سالمِ بن أبي الجعد، عن جابرِ بن عبد الله ﵄، قال: «كنَّا إذا صعدنَا كبَّرنا، وإذا نزلنا سبَّحنا». هذا آخرُ الحديث، وحكمةُ التَّكبير عند الصُّعود الاستشعار بكبرياءِ الله تعالى عندما يقعُ البصرُ على الأمكنةِ العالية، والتَّسبيح عند الهبوط استنباطٌ من قصَّة يونس وتسبيحه في بطنِ الحوت؛ لينجو من بطنِ الأوديةِ، كما نجا يونسُ من بطنِ الحوت، وقيل غير ذلك ممَّا ذكرتهُ في الباب المذكور.
وهذا الباب والتَّرجمة وقوله: «فيه حديث جابرٍ ﵁» ثابتةٌ في روايةِ المُستملي والكُشميهنيِّ ساقطةٌ لغيرهما (٢).
(٥٢) (بابُ الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ) الإنسانُ (سَفَرًا أَوْ رَجَعَ) منه (فِيْهِ) أي: في الباب (يَحْيَى بنُ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميُّ (عنْ أنَسٍ) ﵁، ممَّا وصله في «الجهادِ» في «باب ما يقولُ إذا رجعَ من الغزو» [خ¦٣٠٨٥] وفيه: «فلمَّا أشرفنَا على المدينة، قال: آيبونَ تائبونَ عابدونَ لربِّنا حامدون» وثبتَ الباب وما بعدَه إلى هنا في روايةِ أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي.
стр. 11186
٦٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ) رجعَ (مِنْ غَزْوٍ (١) أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أو غيرها من الأسفار (يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتح الشين المعجمة والراء بعدها فاء، مكانٍ عالٍ (مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ) عقب التَّكبير وهو على الشَّرَفِ أو بعده: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحن (٢) راجعونَ إلى الله، نحن (تَائِبُونَ) قاله تعليمًا لأمَّته (٣)، أو تواضعًا منه ﵊، نحن (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) له، وقوله: «لربِّنا» متعلِّقٌ بـ «عابدون»، أو بـ «حامدون» أو بهما، أو بالثَّلاثة السَّابقة، أو بالأربعةِ على طريق التَّنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعدَ به من إظهارِ دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا ﷺ (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الَّذين تحزَّبوا لحربهِ ﵊ (وَحْدَهُ) أفنى السَّبب فناءً في المسبِّب. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ولم يذكر المؤلِّف الدُّعاء إذا أراد سفرًا، ولعلَّه يشيرُ إلى نحو ما وقع عند مسلمٍ في رواية عليِّ بن عبد الله الأزديِّ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا استَوى على بعيرهِ خارجًا إلى سفرٍ كبَّر ثلاثًا، ثمَّ قال: «سُبحانَ الَّذِي سخَّرَ لنا هذا» الحديث، وفيه: وإذا رجعَ، قال: «آيِبُونَ تَائبُونَ» ولا اختصاصَ للحجِّ والعمرةِ والغزو عندَ الجمهور، بل يُشرع ذلك في كلِّ سفرٍ.
(٥٣) (باب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ).
стр. 11187
٦٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال (١): (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي (٢): ابنُ درهمٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنَانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁ (أَثَرَ صُفْرَةٍ) من الطِّيب الَّذي استعمله عندَ الزَّفاف (فَقَالَ) له: (مَهْيَمْ) بفتح الميم والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره ميم ساكنة على البناءِ. قال ابنُ السِّيْد: كلمةٌ يمانيةٌ يُقيمونها مقام حرفِ الاستفهام، والشَّيء المستفهم (٣) عنه، وهل هي بسيطةٌ أو مركَّبةٌ؟ استبعد الثَّاني بأنَّه لا يكادُ يوجد اسمٌ مركَّبٌ على أربعةِ أحرفٍ، أي: ما شأنك (أَوْ) قال (٤): (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، فـ «ما» استفهاميَّة قُلِبت ألفها هاءً، والشَّكُّ من الرَّاوي (قَالَ) عبد الرحمن: (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ) اسمٌ لقدرٍ معروفٍ عندهم، فسَّروه بخمسةِ دراهم (مِنْ ذَهَبٍ) صفة لنواةٍ (فَقَالَ) ﷺ له (٥): (بَارَكَ اللهُ لَكَ) واللَّام هنا لامُ الاختصاص (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) أمرٌ من أولم، والوليمة فعيلةٌ من الولم، وهو الجمع لأنَّ الزَّوجين يجتمعان، ثمَّ نُقِلت في الشَّرع لطعامِ العرس، و «لو» -كما قال ابنُ دقيق العيد- تفيد التَّقليل، أي: اصنعْ وليمةً، وإنْ قلت: وقيل: بمعنى التَّمنِّي (٦).
والحديثُ سبق في «البيع» [خ¦٢٠٤٨] و «النِّكاح» [خ¦٥١٥٣] وغيرهما.
٦٣٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بنُ الفضل المشهور: بعارمٍ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
стр. 11188
زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريِّ (¬﵁¬) وعن أبيه، أنَّه (قَالَ: هَلَكَ أَبِي وَتَرَكَ سَبْعَ -أَوْ: تِسْعَ- بَنَاتٍ) لم أقفْ على أسمائهنَّ (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَقَالَ) لي (النَّبِيُّ ﷺ : تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (بِكْرًا) استفهامٌ محذوفُ الأداة منصوبٌ بتقدير: تزوَّجتَ؛ ولأبي ذرٍّ: «أبكرًا» (أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا؟ قُلْتُ: ثَيِّبًا) كذا في «اليونينيَّة» بالنَّصب، وفي نسخةٍ: بالرفع، أي: الَّتي تزوَّجتها ثيِّبٌ. قال في «الفتح»: قيل: كان الأحسن النَّصب على نسقِ الأوَّل، أي: تزوَّجت ثيِّبًا، لكن لا يمتنع أن يكون منصوبًا، فكتب بغير ألفٍ (١) على تلك اللُّغة (قَالَ) ﷺ : (هَلَّا) تزوَّجت (جَارِيَةً) بكرًا (تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ) كذا في الفرع، وقال العينيُّ كابن حجرٍ: «أو تضاحكها» بالشَّكِّ من الرَّاوي، كذا وجدته في نسخةٍ أخرى معتمدة، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» والتَّلاعب هل هو من اللَّعب، أو من اللُّعاب، سبق في محلِّه [خ¦٢٠٩٧] (قُلْتُ): يا رسول الله (هَلَكَ أَبِي فَتَرَكَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وترك» (سَبْعَ -أَوْ: تِسْعَ- بَنَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ) صغيرة لا تجربة لها بالأمور (فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) قد جرَّبت الأمور وعرفتها (تَقُومُ عَلَيْهِنَّ) وتصلحُ شأنهنَّ (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَبَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ) دعاءٌ له (٢) بالبركةِ واستعلائها عليه، وهي النَّماء والزِّيادة. يقال: بارك الله لك وفيك وعليك.
فإن قلتَ: قال لعبد الرحمن: «بارك الله لك» [خ¦٦٣٨٦] ولجابرٍ: «عليك» فهل بينهما فرقٌ؟ أُجيب بأنَّ المراد بالأوَّل: اختصاصُه بالبركةِ في زوجتهِ، كما مرَّ أنَّ اللَّام فيه للاختصاصِ، والثَّاني: شمولُ البركةِ له في جودةِ عقله حيث قدَّم مصلحة أخواته على حظِّ نفسهِ، فعدل لأجلهنَّ عن تزوُّج البكرِ مع كونها أرفعُ رتبةً للمتزوِّج الشَّابّ من الثَّيِّب غالبًا، ويحتملُ أن يكون قوله: «فبارك الله عليك» خبرًا، والفاء سببيَّة، أي: بسبب تزوُّجك الثَّيِّب (٣) لما (٤) ذكرت يبارك لك وعليك.
стр. 11189
(لَمْ يَقُلِ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، فيما سبق موصولًا في «المغازي» [خ¦٤٠٥٢] و «النَّفقات» (١) [خ¦٥٣٦٧] (وَ) لا (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الطَّائفيُّ فيما سبقَ أيضًا (٢) في «المغازي» في روايتهما (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينارٍ، عن جابرٍ: (بَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ).
(٥٤) (باب مَا يَقُولُ) الرَّجل (إِذَا أَتَى أَهْلَهُ) إذا أرادَ أن يجامعَ امرأتهِ.
٦٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع (٣)، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (٤) (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعدِ (عَنْ كُرَيْبٍ) بضم الكاف آخره موحدة مصغَّر، ابن أبي مسلمٍ الهاشميِّ مولاهم المدنيِّ مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) يجامعُ امرأته، أو سُرِّيَّته (قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) بالجمع (الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) وأطلق «ما» على مَن يعقلُ؛ لأنَّها بمعنى شيءٍ كقوله: ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] (فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ) بفتح الدال المشددة (بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي (٥) ذَلِكَ) الجماع المقول فيه ذلك (لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ) بإضرارهِ في دينه، أو بدنه (أَبَدًا).
والحديثُ سبق في «باب ما يقول الرَّجل إذا أتى أهله» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٦٥].
стр. 11190
(٥٥) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]).
٦٣٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : اللَّهُمَّ آتِنَا) وللكُشميهنيِّ: «اللَّهمَّ ربَّنا آتنا» (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً) الجارّ في قوله: «في الدُّنيا» يتعلَّق (١) بـ «آتنا» أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من «حسنةٍ» لأنَّه كان في الأصلِ صفة لها، فلمَّا قُدِّمَ عليها انتصبَ حالًا، والواو في قوله: «وفي الآخرةِ» عاطفةٌ شيئين على شيئين متقدِّمين، فـ «في الآخرةِ» عطفٌ على «في الدُّنيا» بإعادة العامل، و «حسنةٌ» عطف على «حسنةٍ» والواو تعطفُ شيئين فأكثر على شيئين فأكثر، تقول: أعلمَ اللهُ زيدًا عَمْرًا فاضِلًا وبَكرًا خالدًا صالحًا، اللَّهمَّ إلَّا أن ينوبَ عن عاملين ففيها خلافٌ وتفصيلٌ مذكورٌ في محلِّه، واختلف في الحسنتين؛ فعن الحسن ممَّا أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ بسندٍ صحيحٍ: العلمُ والعبادة في الدُّنيا. وعنه -عند عبد الرَّزَّاق-: الرِّزق الطَّيِّب والعلم النَّافع، وفي الآخرة الجنَّة. وعن قتادة: العافية في الدُّنيا والآخرة. وعن محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ: الزَّوجة (٢) الصَّالحة من الحسنات، وعن عطيَّة: حسنة الدُّنيا العلم والعمل به، وحسنة الآخرة تيسير الحسابِ ودخول الجنَّة، وعن عوفٍ قال: مَن آتاهُ الله الإسلامَ والقرآن، والأهل والمال والولد، فقد آتاه الله في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً. وقيل: الحسنة في الدُّنيا الصِّحة والأمن والكفاية والولد الصَّالح والزَّوجة الصَّالحة والنُّصرة على الأعداء، وفي الآخرة الفوز بالثَّواب والخلاص من العقاب، ومنشأ الخلاف كما
стр. 11191
قال الإمام فخر الدِّين: أنَّه لو قيل: آتنا في الدُّنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة؛ لكان ذلك متناولًا لكلِّ الحسنات، لكنَّه نُكِّر في محلِّ الإثبات فلا يتناول إلَّا حسنةً واحدةً، فلذلك اختلف المفسِّرون فكلُّ واحدٍ منهم حمل اللَّفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة، وهذا بناءً منه على أنَّ المفرد المعرَّف بالألف واللَّام يعمُّ، وقد اختار في «المحصول» خلافه.
ثمَّ قال: فإن قيل: أليس لو قيل: آتنا الحسنة في الدُّنيا، والحسنة في الآخرة، لكان متناولًا لكلِّ الأقسام فَلِمَ ترك ذلك وذكره منكَّرًا؟ وأجاب بأن قال: إنَّا بيَّنَّا أنَّه ليس للدَّاعي أن يقول: اللَّهمَّ أعطني كذا وكذا، بل يجب أن يقول: اللَّهمَّ (١) إن كان كذا وكذا مصلحةً لي وموافقة (٢) لقضائكَ وقدركَ، فأعطني ذلك، فلو قال: اللَّهمَّ أعطني الحسنة (٣) في الدُّنيا لكان ذلك جزمًا، وقد بيَّنَّا أنَّ ذلك غير جائزٍ، فلمَّا ذكره على سبيل التَّنكير كان المراد (٤) منه: حسنةً واحدةً هي الَّتي توافق قضاءهُ وقدرهُ، فكان ذلك أقرب إلى رعايةِ الأدب.
(وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) «قنا» ممَّا حذفت منه فاؤه ولامه؛ لأنَّه مَن وقى يقي وقايةً، أمَّا حذف فائه فبالحملِ على المضارعِ؛ لوقوع الواو بين ياء وكسرة، وأمَّا حذف لامهِ فلأنَّ الأمر جارٍ مجرى الفعلِ المضارع المجزوم، وجزمه بحذف حرف العلَّة، فكذلك الأمر منه، فوزن قِنا عِنا، والأصل: اوْقِنا، فلمَّا حذفت الفاء استُغْنِى عن همزةِ الوصل فحذفتْ، والمعنى: احفظنَا من عذابِ جهنَّم، أو عذاب النَّار: المرأة السُّوء.
وهذا الحديثُ سبق في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٥٢٢].
(٥٦) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ فـ «التَّعوُّذ» رفع.
стр. 11192
٦٣٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء، ممدودًا، و «فَرْوة» بفتح الفاء وسكون الراء، أبو القاسم الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ) بفتح العين وكسر الموحدة (ابْنُ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن» (حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة (١) مصغَّرًا، الضَّبيُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين المهملة مصغَّرًا (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعْد، بسكون العين (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ) أي: الخمس (كَمَا تُعَلَّمُ الكِتَابَةُ) بضم الفوقية وفتح العين واللام المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٢): «الكتاب» بإسقاط هاء التَّأنيث، وهي: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ) الَّذي هو ضدُّ الكرم (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ) الَّذي هو ضدُّ الشَّجاعة (وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ: «من أن» (نُرَدَّ) بالنون، وفي «باب الاستعاذة من أرذل العمر»: «مَن أن أُردَّ» [خ¦٦٣٧٤] بالهمزة بدل النون (إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ) وهو الهرمُ المؤدِّي إلى الخرفِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا) فتنة المسيحِ الدَّجَّال، أو أعمُّ (وَ) من (عَذَابِ القَبْرِ).
وسبق الحديثُ قريبًا في الباب المذكور [خ¦٦٣٧٤].
(٥٧) (باب تَكْرِيرِ الدُّعَاءِ) مرَّةً بعد أخرى؛ لإظهار الفقر والحاجة إلى الرَّبِّ تعالى وخضوعًا وتذلُّلًا له (٣).
стр. 11193
٦٣٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرٍ) الحزاميُّ المدنيُّ أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو ضمرة (١) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طُبَّ) بضم الطاء المهملة وتشديد الموحدة، سُحِرَ (٢) (حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ) مبنيٌّ (٣) للمفعول واللام للتَّأكيد، أي: يظهر له من نشاطهِ، وسابق عادته (أَنَّهُ قَدْ صَنَعَ الشَّيْءَ وَمَا صَنَعَهُ) أي: جامعَ نساءه وما جامعهنَّ، فإذا دنا منهنَّ أخذتْه أخذة السِّحر فلم يتمكَّن من ذلك، ولم يكنْ ذلك إلَّا في أمرِ زوجاته فلا ضررَ فيه على نبوَّته؛ إذ هو معصومٌ (وَأَنَّهُ) ﵊ (دَعَا رَبَّهُ) ، وفي «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٦] من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة: «دعا الله ودعاهُ» (ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ) أَعَلِمْتِ (أَنَّ اللهَ) تعالى (أَفْتَانِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قد أَفتاني» (فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَمَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وما» (ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ) أي: مَلَكانِ في صفةِ رجلين (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا) وهو: جبريلُ (عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ) وهو ميكائيلُ (عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التحتية على التَّثنية (فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ) وفي الرِّواية المذكورة: «فقال الَّذي عند رأسِي للآخر». وعند الحميديِّ: «فقال الَّذي عند رجليَّ للَّذي عند رأسي» قال الحافظ ابن حَجرٍ: وكأنَّها أصوبُ (مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟) يعني: النَّبيَّ ﷺ (قَالَ: مَطْبُوبٌ) أي: مسحورٌ (قَالَ: مَنْ طَبَّهُ) مَن سَحَرَه؟ (قَالَ) سحرهُ: (لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الصاد المهملتين،
стр. 11194
وزاد في الرِّواية المذكورة: «رجلٌ من بني زُرَيق حليف اليهود وكان منافقًا» (قَالَ: فَبِمَاذَا) سَحَرَهُ؟ (قَالَ: فِي مُشْطٍ) الآلة المعروفة (وَمُشَاطَةٍ) بضم الميم وبالطاء، ما يخرج من الشَّعر بالمشط، وفي رواية ابن جريج: عن آل عروة عن عروة -في «الطِّبِّ» -: «مُشَاقَة (١)» [خ¦٥٧٦٥] بالقاف (وَجُفِّ طَلْعَةٍ) بضم الجيم وتشديد الفاء وإضافتها لتاليها، وعاءُ طلع النَّخل، وقيَّده في أخرى: بـ «ذَكَرٍ» [خ¦٣٢٦٨] (قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ فِي ذَرْوَانَ) بالذال المعجمة المفتوحة وسكون الراء (وَذَرْوَانُ بِئْرٌ فِي بَنِي زُرَيْقٍ. قَالَتْ) عائشةُ ﵂: (فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) في أناسٍ من أصحابهِ فنظر إليها وعليها نخلٌ (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (فَقَالَ) لها: (وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا) يعني: البئر (نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ) بضم النون بعدها قاف، أي: في حمرةِ لونه (وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا) أي: نخل البستان الَّتي (٢) هي فيه (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) في بشاعة منظرها وخُبثها، ويحتملُ أن يُراد بـ «رؤوس الشَّياطين»: رؤوس الحيَّات؛ إذ العرب تسمِّي بعض الحيَّات شيطانًا (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهَا عَنِ البِئْرِ (٣)) قالت عائشة: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلَّا أَخْرَجْتَهُ) أي: الجُفَّ (قَالَ) ﵊: (أَمَّا أَنَا) بتشديد الميم (فَقَدْ شَفَانِي اللهُ) منهُ (وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا) باستخراجه فيتعلَّمونه، ويضرُّون به المسلمين (زَادَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ) ابن أبي إسحاق السَّبيعيُّ على الحديث المذكور، ممَّا (٤) وصله في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٣] (وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) ممَّا سبق في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٦٨] كلاهما (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (٥) (قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) بضم
стр. 11195
السين مبنيًّا للمفعول (فَدَعَا وَدَعَا) بتكرير «دعا» مرَّتين (وَسَاقَ الحَدِيثَ … ) إلى آخره، ولم يذكر في رواية أنس بن عياضٍ المسوقة في هذا الباب تكرير الدُّعاء، وفي رواية عبدِ الله بن نُميرٍ عن هشامٍ -عند مسلم- في هذا الحديث: «فدعا ثمَّ دعا». وبالتَّكرير تحصلُ المطابقةُ بين الحديث والتَّرجمة.
(٥٨) (باب الدُّعَاءِ عَلَى المُشْرِكِينَ) قيَّد هذه التَّرجمة في «الجهاد» [خ¦٥٦/ ٩٨ - ٤٥٩٠] بالهزيمة والزَّلزلة، والتَّبويب هنا ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن المُستملي.
(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبدُ الله ﵁، ممَّا سبق موصولًا في «الاستسقاء» [خ¦١٠٠٧] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ) على كفَّار قريش (بِسَبْعٍ) من السِّنين مقحطةٍ (كَسَبْعِ يُوسُفَ) ﵇ (وَقَالَ) ﷺ ، ممَّا رواه عنه ابن مسعودٍ ﵁، وسبق موصولًا في آخر «كتاب الطَّهارة»، في قصَّة سَلَى الجزور [خ¦٢٤٠] (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ) دعا عليه بالهلاك (١).
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄، ممَّا سبق موصولًا في «غزوة أُحد» [خ¦٤٠٦٩] و «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٩] (دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) في القُنوت (فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا. حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ ولأبي ذرٍّ: «تعالى»: (﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) اسمُ ﴿لَيْسَ﴾ ﴿شَيْءٌ﴾ والخبر ﴿لَكَ﴾ و ﴿مِنَ الأَمْرِ﴾ حالٌ من ﴿شَيْءٌ﴾ لأنَّها صفةٌ متقدِّمةٌ (٢).
٦٣٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام، محمَّدٌ قال: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابن الجرَّاح (عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ) هو إسماعيلُ، واسم
стр. 11196
أبيه: سعد (١) أو هرمز (٢) أو كثير البجليِّ الأَحْمَسِيِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله، واسمُ أبي أوفى: علقمةُ، وهو بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة، وهما صحابيَّان (¬﵄ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الأَحْزَابِ) الَّذين اجتمعوا يوم الخندق بالهزيمة والزَّلزلة (فَقَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ) أي: سريعًا (٣) فيه، أو أنَّ مجيء الحساب سريعٌ (اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ) أي: اجعلْ أمرَهُم مضطربًا متقلقلًا غير ثابتٍ، فاستجابَ الله تعالى دُعاءه عليهم، فأرسلَ عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها فهزمَهم.
٦٣٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة المخففة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ، ولأبي ذرٍّ: «هشام بن أبي عبد الله» (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ العِشَاءِ قَنَتَ) قبل أن يسجدَ يقول: (اللَّهُمَّ أَنْجِ) بقطع الهمزة (عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) أخا أبي جهلٍ لأمِّه (اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ) بن المغيرة، أخا خالد ابن الوليد (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) أخا أبي جهلٍ (اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) عامٌّ بعد خاصٍّ (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ) عقوبتكَ (عَلَى) كفَّار قريشٍ أولاد (مُضَرَ) القبيلة المشهورة الَّتي فيها (٤) جميع بطونِ قريشٍ وغيرهم (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا) أي: وطأتك (سِنِينَ) مُجْدِبة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «عليهم سنين» (كَسِنِي يُوسُفَ) المذكورة في سورتهِ.
والحديث سبق في «النِّساء» [خ¦٤٥٩٨] وغيرها.
стр. 11197
٦٣٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البجليُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بالحاء والصاد المهملتين، سلَّام -بتشديد اللام- ابن سُليمٍ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً يُقَالُ لَهُمُ: القُرَّاءُ) لأنَّهم كانوا أكثرَ دراسةً للقرآن من غيرهم، وكانوا سبعين إلى أهل نجدٍ؛ ليدعوهم إلى الإسلام، فلمَّا نزلوا بئر (١) معونةَ قصدَهم عامرُ بن الطُّفيل في جماعةٍ فقتلوهُم وهو معنى قوله: (فَأُصِيبُوا) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ) بفتح الواو والجيم، حَزِن (عَلَى شَيْءٍ مَا وَجَدَ) ما حَزِن (عَلَيْهِمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَيَقُولُ: إِنَّ عُصَيَّةَ) بضم العين وفتح الصاد، تصغير العصا، قبيلةٌ معروفةٌ (عَصَوُا اللهَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «عصتِ الله» (وَرَسُولَهُ).
والحديثُ سبق في «الوتر» [خ¦١٠٠٢] و «المغازي» [خ¦٤٠٩١].
٦٣٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٢): «كانت» (اليَهُودُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ) ولأبي ذرٍّ: «تقول»: (السَّامُ) يعنون الموت (عَلَيْكَ، فَفَطِنَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (إِلَى قَوْلِهِمْ فَقَالَتْ: عَلَيْكُمُ السَّامُ (٣) وَاللَّعْنَةُ) وفي رواية
стр. 11198
«باب كيف الرَّدُّ» [خ¦٦٠٢٤]: «ففهمتها فقلتُ: عليكم السَّام واللَّعنة» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَهْلًا) بفتح الميم وإسكان الهاء، أي: رفقًا (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ. فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ أَوَلَمْ) بفتح الواو (تَسْمَعْ مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي أَرُدُّ) ولأبي ذرٍّ: «أنِّي أردُّ» (١) (ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ) بواو العطف وإسقاط لفظ «السَّام» وسقطت الواو لأبي ذرٍّ.
وسبق الحديث في «السَّلام» [خ¦٦٢٥٦].
٦٣٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العَنَزِيُّ الحافظ (٢) قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ) هو محمَّد بن عبد الله قاضِي البصرة -شيخ البخاريِّ، روى عنه بالواسطةِ- قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديُّ مَولاهم الحافظ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) أبو بكرٍ أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ) بفتح العين وكسر الموحدة، السَّلمانيُّ بن عَمرٍو، وقيل: عَبيدة بن قيسٍ الكوفيُّ، أحدُ الأئمَّة (٣)، أسلمَ في حياة النَّبيِّ ﷺ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ) وهي غزوة الأحزاب (فَقَالَ: مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُمْ) أمواتًا (وَبُيُوتَهُمْ) أحياءً (نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الوُسْطَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن الصَّلاة الوسطى» (حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَهْيَ صَلَاةُ العَصْرِ) وفي مسلمٍ من رواية أبي أسامة، ومن رواية المعتمر بنِ سليمان، ومن رواية يحيى بنِ سعيدٍ، ثلاثتهم عن هشامٍ: «شغلونَا عنِ الصَّلاة الوسطى صلاة العصرِ» وأخرج أيضًا من حديثِ حذيفة مرفوعًا: «شغلُونَا عن صلَاةِ العصرِ» وهذا ظاهرٌ في أنَّ قوله: «وهي صلاة العصر» من نفس الحديث، وهو يردُّ على قوله في «الكواكب»: إنَّه هنا مدرجٌ في الخبر من قول بعض الرُّواة على ما لا يخفى، وهشام ابن حسَّانٍ وإن تُكُلِّمَ فيه من قبلِ حفظه فقد صرَّح غيرُ واحدٍ بأنَّه ثَبْتٌ في محمَّد بن سيرين حتَّى
стр. 11199
قال سعيدُ بن أبي عَرُوبة: ما كان أحدٌ أحفظَ عن ابنِ سيرين من هشام بن حسَّان. وقال يحيى القطَّان: هشام بن حسَّانٍ ثقةٌ في محمَّد بن سيرين.
والحديثُ سبقَ في «غزوة الخندق» [خ¦٤١١١].
(٥٩) (باب الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ) زاد في «الجهاد» [خ¦٥٦/ ٩٨ - ٤٥٩٠] «بالهدى ليتألَّفهم».
٦٣٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (١) بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام، وعين «عَمرو» مفتوحة، الدَّوسيُّ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا) بفتح الدال المهملة وسكون الواو بعدها سين مهملة، وهي قبيلةُ أبي هريرة (قَدْ عَصَتْ) أي: عصت الله (وَأَبَتْ) امتنعَت عن الإسلام (فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا. فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ) ﷺ (يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا) للإسلامِ (وَأْتِ بِهِمْ) مسلمين، وكان الطُّفيل قدم مكَّة وأسلم، وقال: «يا رسولَ الله إنِّي امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وإنَّي راجعٌ إليهم فداعيهِم إلى الإسلام (٢)، فلمَّا قدمَ على أهلهِ دعا أباهُ وصَاحِبَتَهُ إلى الإسلام (٣) فأجاباهُ، ثمَّ دعا دوسًا فأبطؤوا عليه فجاءَ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله إنَّه قد غَلبني على دوسٍ الزِّنا فادعُ الله عليهم، فقال: «اللَّهمَّ اهدِ دوسًا»، ثمَّ قال: «ارجِع إلى قومِكَ، فادعهُم إلى اللهِ، وارفُق بهِم» قال: فرجعتُ إليهم فلم أزلْ بأرض دوسٍ أدعوهم إلى الله، ثمَّ قدمتُ على رسول الله ﷺ بخيبر فنزلتُ
стр. 11200
المدينة بسبعين أو ثمانين (١) بيتًا من دوسٍ، ثمَّ لَحِقْنَا برسول (٢) الله ﷺ فأسهمَ لنا مع المسلمين»، وقد استُشكل قوله: «باب الدُّعاء على المشركين» و «باب الدُّعاء للمشركين». وأُجيب بأنَّه باعتبار حالين، فالدُّعاء عليهم لتمادِيهم على كُفْرهم (٣) وإيذائهِم للمسلمين، والدُّعاء لهم بالهدايةِ ليتألَّفهم إلى الإسلام (٤).
والحديثُ سبق في «الجهاد» [خ¦٢٩٣٧].
(٦٠) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عبوديَّةً وتعليمًا لأمَّته: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ).
٦٣٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكَ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة، المصريُّ. قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ: صالحٌ، وهي من (٥) ألفاظ التَّوثيق، لكنَّها في الرُّتبة الأخيرة عنده (٦)، فيُكْتَبُ حديثُه للاعتبار، وحينئذٍ فليس عبد الملك هذا من شرط الصَّحيح. وأُجيب بأنَّ اتِّفاق الشَّيخين
стр. 11201
على التَّخريج له يدلُّ على أنَّه أرفع رتبةً من ذلك لا سيَّما وقد تابعَه معاذ بن معاذٍ، وهو من الأثبات، وليس لعبدِ الملك في «الصَّحيح» إلَّا هذا الموضع، قاله في «الفتح».
قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى) أبي بُرْدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله بنِ قيس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي) ذنبِي (وَجَهْلِي) ضدُّ العلم (وَإِسْرَافِي) مجاوزَتي الحدَّ (فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ) جمع: خطيئةٍ (وَعَمْدِي) ضدُّ السَّهو (وَجَهْلِي) ضدُّ العلم، كما مرَّ (وَهَزْلِي) ضدُّ الجدِّ، وعَطْفُ العَمْد على الخطأ من عطف الخاصِّ على العامِّ باعتبار أنَّ الخطيئة أعمُّ من التَّعمُّد، أو من عَطْفِ أحد المتقابلين على الآخرِ بأن تُحْمَلَ الخطيئةُ على ما وقعَ على سبيلِ الخطأ، وفي مسلمٍ: «اغفِرْ لِي هزلِي وجِدِّي». قال في «الفتح»: وهو أنسبُ وهو بالكسر، ضدُّ الهزل (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) موجودٌ، أو ممكنٌ، كالتَّذييل للسَّابق، أي: أنا متَّصفٌ بهذهِ الأشياء فاغفرْها لي، قاله ﷺ مُتَواضعًا، وهضمًا لنفسهِ، أو عدَّ فَواتَ الكمال وتَرْكَ الأولى ذُنُوبًا، أو أراد ما كان عن سهوٍ، أو ما كان قبل النُّبوَّة (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) وهذان شاملانِ لجميع (١) ما سبقَ كقوله: (وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ) لمن تشاءُ من خلقكَ بتوفيقكَ إلى رحمتكَ (وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ) لمن تشاءُ عن (٢) ذلك (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى ما قبلَها، و «على كلِّ شيءٍ» متعلِّق بـ «قديرٍ»، وهو فعيلٌ بمعنى فاعل مشتقٌّ من القدرةِ، وهي القوَّة والاستطاعةُ، وهل يُطلق الشَّيءُ على المعدومِ والمستحيلِ؟ خلافٌ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات».
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بضم العين مصغَّرًا، و «مُعاذ» بضم الميم آخره معجمة، العنبريُّ التَّيميُّ البصريُّ شيخ المؤلِّف (وَحَدَّثَنَا أَبِي) معاذ، وسقطت الواو لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ هنا: «بنحوه» أي: بنحو الحديثِ السَّابق.
стр. 11202
٦٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِنُ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بفتح الميم بعدها جيم، الحنفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) هو: السَّبيعيُّ جدُّ إسرائيل (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى وَ) أخيه (أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى (أَحْسِبُهُ عَنْ) أبيهمَا (أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁، وسقط «الأشعريِّ» لأبي ذرٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي) بكسر الجيم (وَخَطَئِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وخطاياي (١)» بغير همز (٢) (وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ) المذكور (٣) (عِنْدِي) قاله على سبيلِ التَّواضع والشُّكر لربِّه لِمَا علم (٤) أنَّه قد غُفر له.
(٦١) (باب الدُّعَاءِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي) تُرجى إجابة الدُّعاء فيها (فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ).
стр. 11203
٦٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ عُلَيَّة قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : فِي الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ: «في يوم الجمعة» (سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ) أو مسلمةٌ (وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ خَيْرًا) ثلاثة أحوالٍ متداخلةٍ أو مترادفةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يسألُ الله خيرًا» (إِلَّا أَعْطَاهُ) وقُيِّد بالخير ليخرج نحو الدُّعاء بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ (وَقَالَ) أي: أشارَ ﵊ (بِيَدِهِ) إلى أنَّها ساعةٌ لطيفةٌ (قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا) أي: السَّاعة (يُزَهِّدُهَا) بضم التحتية وفتح الزاي وتشديد الهاء المكسورة، تأكيدٌ إذ معناه: يقلِّلها أيضًا. واختلف في تعيينهَا فقيل: ساعة الصَّلاة، وقيل: آخر ساعةٍ عند الغروب، وسبقَ مزيدٌ لذلك في «كتاب الجمعةِ» [خ¦٩٣٥] والحاصل: أنَّه قد اختُلف في ذلك على أكثر من أربعين قولًا كليلةِ القدر. وفي حديثِ أبي سلمة عند أحمدَ وصحَّحه ابنُ خُزيمة أنَّ أبا هُريرة ﵁ سألَ عن ساعةِ الجمعة رسولَ الله ﷺ ، فقال: «إنِّي كنتُ أعلمُها، ثمَّ أنسيتُهَا كما أنسيتُ ليلةَ القَدرِ» قال في «الفتح»: ففي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ روايةٍ جاء فيها تعيينُ وقت السَّاعة المذكورة مرفوعًا وهمٌ، فالله أعلم، والحكمةُ في إخفائها استمرارُ الطَّاعة في يومها.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٩٣٥]، وأخرجهُ النَّسائيُّ فيه.
(٦٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يُسْتَجَابُ لَنَا) الدُّعاء (فِي اليَهُودِ) لأنَّا لا ندعو عليهم إلَّا بالحقِّ (وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا) لأنَّهم يدعون علينا بالظُّلم.
٦٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) ابنُ
стр. 11204
عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بنِ أبي مُليكة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ اليَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ) بغير همزة (عَلَيْكَ. قَالَ) ﷺ لهم (١): (وَعَلَيْكُمْ) بواو التَّشريك، أي: وعليكُم الموت، إذ كلُّ أحدٍ يموتُ، أو هي للاستئناف، أي: عليكُم ما تستحقُّونه (٢) من الذَّمِّ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ لهم: (السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ) فالزَميه (٣) (وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ) وهو ضدُّ الرِّفق فاحذريه، والعين مثلَّثة (-أَوِ: الفُحْشَ-) بالشَّكِّ، ولأبي ذرٍّ: «والفحش» بإسقاط الألف من «أو» (قَالَتْ): يا رسول الله (أَوَلَمْ تَسْمَعْ) بفتح الواو (مَا قَالُوا؟ قَالَ) ﵊: (أَوَلَمْ) بفتح الواو أيضًا (تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ) قولهُم (فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ) بتشديد التَّحتية.
والحديثُ سبق في «الاستئذانِ» [خ¦٦٢٥٦] وفي «باب الدُّعاء على المشركين» [خ¦٦٣٩٥].
(٦٣) (باب التَّأْمِينِ) وهو قولُ: آمينَ، عقبَ الدُّعاء، ومعناها: اللَّهمَّ اسمعْ واستجبْ. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة: كذلك يكون، فهي اسمُ فعلٍ مبنيٌّ على الفتح، وقيل: ليس باسم فعلٍ، بل هو من أسماء الله تعالى، والتَّقدير: يا آمين، وضعَّفه أبو البقاء بوجهين:
أحدُهما: أنَّه لو كان كذلك لكان ينبغِي أن يُبنى على الضَّمِّ؛ لأنَّه مُنادى مفرد معرفة.
والثَّاني: أنَّ أسماء الله تعالى توقيفيَّة. ووجَّه الفارسيُّ قول من جعلهُ اسمًا لله تعالى على معنى أنَّ فيه ضميرًا يعود على الله تعالى؛ لأنَّه اسم فعلٍ، وهو توجيهٌ حسنٌ، نقله صاحب «المُغرِب».
وفي آمين لغتان: المدُّ والقصر؛ فمن الأوَّل قوله:
آمِيْنَ آمِيْنَ لَا أَرْضَى بِوَاحِدَةٍ … حَتَّى أُبلِّغَهَا أَلْفَينِ آمِيْنَا
وقال آخر:
يَا رَبِّ لَا تَسْلُبْنِي حُبَّهَا أَبَدًا … ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمِيْنَا
стр. 11205
ومن الثَّاني قوله:
تَبَاعَدَ مِنِّي فَطْحَلٌ إِذْ رَأَيْتُه … أَمِينَ فَزَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
و «فَطْحَل» بفتح الفاء والحاء المهملة بينهما طاء مهملة ساكنة، اسمُ رجلٍ، وقيل: الممدودُ اسمٌ أعجميٌّ؛ لأنَّه بِزِنَةِ قابيل وهابيل، وقال النَّوويُّ في «تهذيبه»: قال (١) عطيَّة العوفيُّ: آمين، كلمةٌ عبرانيَّة، أو سريانيَّة، وليست عربيَّة، وقال جماعة: إنَّ: أمين، المقصورة لم تجئ عن العرب، والبيت الَّذي يُنْشَد مقصورًا لا يصحُّ على هذا الوجه وإنَّما هو: فآمين زادَ الله ما بيننا بُعدًا.
وهل يجوزُ تشديد الميم؟ المشهور أنَّه خطأٌ نقله الجوهريُّ، لكنَّه رُوي عن الحسن البصريِّ وجعفر الصَّادق التَّشديد، وهو قولُ الحسنِ بن الفضلِ، مِنْ «أمَّ» إذا قصدَ، أي: نحن قاصدونَ نحوك، وعند (٢) أبي داودٍ من حديثِ أبي زهير النَّميريِّ (٣) قال: «وقف النَّبيُّ ﷺ على رجلٍ قد ألحَّ في الدُّعاء فقال: أوجبَ إن خَتم، فقيل بأيِّ شيءٍ؟ قال: بآمِين، فأتاه الرَّجل، فقال: يا فلانُ اختمْ بآمين وأبشِرْ، فكان أبو زهيرٍ يقول: آمين مثلُ الطَّابع على الصَّحيفة».
فآمين طابعُ الدُّعاء، وخاتمُ الله على عبادهِ، يدفع به الآفات عنهم، كما أنَّ خاتمَ الكتاب يمنعه من ظهورِ ما فيه على غيرِ من كُتِب إليه وهو الفساد، كذلك الختمُ في الدُّعاء يمنعهُ من الفساد الَّذي هو الخَيبة، كما في مسلمٍ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِذا دعا أحدُكُم لا يقُل: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شئتَ، ولكِن ليعزِمْ، وليُعظِّم الرَّغبةَ» أي: في الإِجابة. وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدٍ: آمين، كنزٌ من كنوز الجَّنة. وقال غيرهُ: آمين، درجةٌ في الجنَّة تجبُ لِقائلها.
٦٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: الزُّهْرِيُّ)