على التَّخريج له يدلُّ على أنَّه أرفع رتبةً من ذلك لا سيَّما وقد تابعَه معاذ بن معاذٍ، وهو من الأثبات، وليس لعبدِ الملك في «الصَّحيح» إلَّا هذا الموضع، قاله في «الفتح».
قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى) أبي بُرْدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله بنِ قيس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي) ذنبِي (وَجَهْلِي) ضدُّ العلم (وَإِسْرَافِي) مجاوزَتي الحدَّ (فِي أَمْرِي كُلِّهِ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ) جمع: خطيئةٍ (وَعَمْدِي) ضدُّ السَّهو (وَجَهْلِي) ضدُّ العلم، كما مرَّ (وَهَزْلِي) ضدُّ الجدِّ، وعَطْفُ العَمْد على الخطأ من عطف الخاصِّ على العامِّ باعتبار أنَّ الخطيئة أعمُّ من التَّعمُّد، أو من عَطْفِ أحد المتقابلين على الآخرِ بأن تُحْمَلَ الخطيئةُ على ما وقعَ على سبيلِ الخطأ، وفي مسلمٍ: «اغفِرْ لِي هزلِي وجِدِّي». قال في «الفتح»: وهو أنسبُ وهو بالكسر، ضدُّ الهزل (وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي) موجودٌ، أو ممكنٌ، كالتَّذييل للسَّابق، أي: أنا متَّصفٌ بهذهِ الأشياء فاغفرْها لي، قاله ﷺ مُتَواضعًا، وهضمًا لنفسهِ، أو عدَّ فَواتَ الكمال وتَرْكَ الأولى ذُنُوبًا، أو أراد ما كان عن سهوٍ، أو ما كان قبل النُّبوَّة (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) وهذان شاملانِ لجميع (١) ما سبقَ كقوله: (وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ) لمن تشاءُ من خلقكَ بتوفيقكَ إلى رحمتكَ (وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ) لمن تشاءُ عن (٢) ذلك (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى ما قبلَها، و «على كلِّ شيءٍ» متعلِّق بـ «قديرٍ»، وهو فعيلٌ بمعنى فاعل مشتقٌّ من القدرةِ، وهي القوَّة والاستطاعةُ، وهل يُطلق الشَّيءُ على المعدومِ والمستحيلِ؟ خلافٌ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات».
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) بضم العين مصغَّرًا، و «مُعاذ» بضم الميم آخره معجمة، العنبريُّ التَّيميُّ البصريُّ شيخ المؤلِّف (وَحَدَّثَنَا أَبِي) معاذ، وسقطت الواو لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ هنا: «بنحوه» أي: بنحو الحديثِ السَّابق.
стр. 11202
٦٣٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ الزَّمِنُ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بفتح الميم بعدها جيم، الحنفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بنُ يونس قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَبُو إِسْحَاقَ) هو: السَّبيعيُّ جدُّ إسرائيل (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى وَ) أخيه (أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى (أَحْسِبُهُ عَنْ) أبيهمَا (أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁، وسقط «الأشعريِّ» لأبي ذرٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي) بكسر الجيم (وَخَطَئِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وخطاياي (١)» بغير همز (٢) (وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ) المذكور (٣) (عِنْدِي) قاله على سبيلِ التَّواضع والشُّكر لربِّه لِمَا علم (٤) أنَّه قد غُفر له.
(٦١) (باب الدُّعَاءِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي) تُرجى إجابة الدُّعاء فيها (فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ).
стр. 11203
٦٤٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ عُلَيَّة قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : فِي الجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ: «في يوم الجمعة» (سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ) أو مسلمةٌ (وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ خَيْرًا) ثلاثة أحوالٍ متداخلةٍ أو مترادفةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يسألُ الله خيرًا» (إِلَّا أَعْطَاهُ) وقُيِّد بالخير ليخرج نحو الدُّعاء بإثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ (وَقَالَ) أي: أشارَ ﵊ (بِيَدِهِ) إلى أنَّها ساعةٌ لطيفةٌ (قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا) أي: السَّاعة (يُزَهِّدُهَا) بضم التحتية وفتح الزاي وتشديد الهاء المكسورة، تأكيدٌ إذ معناه: يقلِّلها أيضًا. واختلف في تعيينهَا فقيل: ساعة الصَّلاة، وقيل: آخر ساعةٍ عند الغروب، وسبقَ مزيدٌ لذلك في «كتاب الجمعةِ» [خ¦٩٣٥] والحاصل: أنَّه قد اختُلف في ذلك على أكثر من أربعين قولًا كليلةِ القدر. وفي حديثِ أبي سلمة عند أحمدَ وصحَّحه ابنُ خُزيمة أنَّ أبا هُريرة ﵁ سألَ عن ساعةِ الجمعة رسولَ الله ﷺ ، فقال: «إنِّي كنتُ أعلمُها، ثمَّ أنسيتُهَا كما أنسيتُ ليلةَ القَدرِ» قال في «الفتح»: ففي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ روايةٍ جاء فيها تعيينُ وقت السَّاعة المذكورة مرفوعًا وهمٌ، فالله أعلم، والحكمةُ في إخفائها استمرارُ الطَّاعة في يومها.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٩٣٥]، وأخرجهُ النَّسائيُّ فيه.
(٦٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : يُسْتَجَابُ لَنَا) الدُّعاء (فِي اليَهُودِ) لأنَّا لا ندعو عليهم إلَّا بالحقِّ (وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا) لأنَّهم يدعون علينا بالظُّلم.
٦٤٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيدٍ» قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) ابنُ
стр. 11204
عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بنِ أبي مُليكة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ اليَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ) بغير همزة (عَلَيْكَ. قَالَ) ﷺ لهم (١): (وَعَلَيْكُمْ) بواو التَّشريك، أي: وعليكُم الموت، إذ كلُّ أحدٍ يموتُ، أو هي للاستئناف، أي: عليكُم ما تستحقُّونه (٢) من الذَّمِّ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ لهم: (السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ) فالزَميه (٣) (وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ) وهو ضدُّ الرِّفق فاحذريه، والعين مثلَّثة (-أَوِ: الفُحْشَ-) بالشَّكِّ، ولأبي ذرٍّ: «والفحش» بإسقاط الألف من «أو» (قَالَتْ): يا رسول الله (أَوَلَمْ تَسْمَعْ) بفتح الواو (مَا قَالُوا؟ قَالَ) ﵊: (أَوَلَمْ) بفتح الواو أيضًا (تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ) قولهُم (فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ) بتشديد التَّحتية.
والحديثُ سبق في «الاستئذانِ» [خ¦٦٢٥٦] وفي «باب الدُّعاء على المشركين» [خ¦٦٣٩٥].
(٦٣) (باب التَّأْمِينِ) وهو قولُ: آمينَ، عقبَ الدُّعاء، ومعناها: اللَّهمَّ اسمعْ واستجبْ. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة: كذلك يكون، فهي اسمُ فعلٍ مبنيٌّ على الفتح، وقيل: ليس باسم فعلٍ، بل هو من أسماء الله تعالى، والتَّقدير: يا آمين، وضعَّفه أبو البقاء بوجهين:
أحدُهما: أنَّه لو كان كذلك لكان ينبغِي أن يُبنى على الضَّمِّ؛ لأنَّه مُنادى مفرد معرفة.
والثَّاني: أنَّ أسماء الله تعالى توقيفيَّة. ووجَّه الفارسيُّ قول من جعلهُ اسمًا لله تعالى على معنى أنَّ فيه ضميرًا يعود على الله تعالى؛ لأنَّه اسم فعلٍ، وهو توجيهٌ حسنٌ، نقله صاحب «المُغرِب».
وفي آمين لغتان: المدُّ والقصر؛ فمن الأوَّل قوله:
آمِيْنَ آمِيْنَ لَا أَرْضَى بِوَاحِدَةٍ … حَتَّى أُبلِّغَهَا أَلْفَينِ آمِيْنَا
وقال آخر:
يَا رَبِّ لَا تَسْلُبْنِي حُبَّهَا أَبَدًا … ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمِيْنَا
стр. 11205
ومن الثَّاني قوله:
تَبَاعَدَ مِنِّي فَطْحَلٌ إِذْ رَأَيْتُه … أَمِينَ فَزَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
و «فَطْحَل» بفتح الفاء والحاء المهملة بينهما طاء مهملة ساكنة، اسمُ رجلٍ، وقيل: الممدودُ اسمٌ أعجميٌّ؛ لأنَّه بِزِنَةِ قابيل وهابيل، وقال النَّوويُّ في «تهذيبه»: قال (١) عطيَّة العوفيُّ: آمين، كلمةٌ عبرانيَّة، أو سريانيَّة، وليست عربيَّة، وقال جماعة: إنَّ: أمين، المقصورة لم تجئ عن العرب، والبيت الَّذي يُنْشَد مقصورًا لا يصحُّ على هذا الوجه وإنَّما هو: فآمين زادَ الله ما بيننا بُعدًا.
وهل يجوزُ تشديد الميم؟ المشهور أنَّه خطأٌ نقله الجوهريُّ، لكنَّه رُوي عن الحسن البصريِّ وجعفر الصَّادق التَّشديد، وهو قولُ الحسنِ بن الفضلِ، مِنْ «أمَّ» إذا قصدَ، أي: نحن قاصدونَ نحوك، وعند (٢) أبي داودٍ من حديثِ أبي زهير النَّميريِّ (٣) قال: «وقف النَّبيُّ ﷺ على رجلٍ قد ألحَّ في الدُّعاء فقال: أوجبَ إن خَتم، فقيل بأيِّ شيءٍ؟ قال: بآمِين، فأتاه الرَّجل، فقال: يا فلانُ اختمْ بآمين وأبشِرْ، فكان أبو زهيرٍ يقول: آمين مثلُ الطَّابع على الصَّحيفة».
فآمين طابعُ الدُّعاء، وخاتمُ الله على عبادهِ، يدفع به الآفات عنهم، كما أنَّ خاتمَ الكتاب يمنعه من ظهورِ ما فيه على غيرِ من كُتِب إليه وهو الفساد، كذلك الختمُ في الدُّعاء يمنعهُ من الفساد الَّذي هو الخَيبة، كما في مسلمٍ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِذا دعا أحدُكُم لا يقُل: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إنْ شئتَ، ولكِن ليعزِمْ، وليُعظِّم الرَّغبةَ» أي: في الإِجابة. وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدٍ: آمين، كنزٌ من كنوز الجَّنة. وقال غيرهُ: آمين، درجةٌ في الجنَّة تجبُ لِقائلها.
٦٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: الزُّهْرِيُّ)
стр. 11206
محمَّد بن مسلمٍ (حَدَّثَنَاهُ (١)) أي: الحديثَ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَإِذَا أَمَّنَ القَارِئُ) الإمامُ في الصَّلاة أو أعمّ (فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ) في الصِّفةِ كالخشوع، أو في الوقتِ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) الَّذي بينهُ وبين الله تعالى.
وفي حديثِ حبيبِ بن مسلمةَ (٢) الفهريِّ -عند الحاكم-: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يجتمِعُ ملأٌ فيدعُو بعضُهُم، ويؤمِّنُ بعضُهم إلَّا أجابهُمُ اللهُ تعالى».
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٧٨٠].
(٦٤) (بابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ) اعلم أنَّ العربَ إذا كثُر استعمالهم لكلمتين ضمُّوا بعض حروف إحداهما إلى بعضِ حروف الأُخرى مثل الحوقلة (٣) والبسملة، فالتَّهليل مأخوذٌ من قول: لا إله إلَّا الله، يقال: هيللَ الرَّجل وهلَّل إذا قالها، وهي الكلمةُ العُليا الَّتي يدورُ عليها رَحى الإسلام، والقاعدةُ الَّتي تُبنى (٤) عليها أركان الدِّين، وانظرْ إلى العارفين، وأرباب القلوبِ كيف يستأثرونها على سائرِ الأذكارِ، وما ذاك إلَّا لما رأوا فيها من الخواصِّ الَّتي لم يجدوهَا في غيرها.
٦٤٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ سُمَيٍّ) بضم
стр. 11207
السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قيل: التَّقدير: لا إله لنا أو في الوجودِ. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين بن دقيق العيد: وهذا أنكرهُ بعض المُتكلِّمين على النَّحويِّين بأنَّ نفي الحقيقة مطلقةً أعمُّ من نفيها مقيَّدةً، فإنَّها إذا نُفيت مقيَّدةً كان دالًّا على سلبِ الماهيةِ مع القيد، وإذا نُفيت غير مقيَّدةٍ كان نفيًا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقةُ انتفت مع كلِّ قيدٍ، أمَّا إذا نُفيت مقيَّدةً بقيدٍ مخصوصٍ لم يلزم نفيها مع قيدٍ آخر. انتهى.
وقال أبو حيَّان: «لا إله» مبنيٌّ (١) مع «لا» في موضع رَفْعٍ على الابتداء، وبُني الاسم مع «لا» لتضمُّنه معنى «من» أو للتَّركيب. وقال (٢) الزَّجَّاج: هو مُعربٌ منصوبٌ بها، وعلى البناء فالخبرُ مقدَّرٌ. قال أبو حيَّان: واعترض صاحب «المُنتخب» على النَّحويِّين في تقديرهم الخبر في: «لا إله إلَّا الله» وذكر ما ذكره الشيخ تقي الدِّين قال: وأجابَ أبو عبد الله محمَّد بن أبي الفضل المرسيُّ في «رِيِّ الظمآن» فقال: هذا كلامُ من لا يعرفُ لسان العرب، فإن «إله» في موضعِ المبتدأ على قولِ سيبويهِ، وعند غيره اسم «لا» وعلى التَّقديرين فلا بُدَّ من خبرٍ للمبتدأ أو لـ «لا»، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسدٌ، وأمَّا قوله: إذا لم يضمر كان نفيًا للإلهيَّة، فليس بشيءٍ؛ لأنَّ نفي الماهيَّة هو (٣) نفيُ الوجود؛ لأنَّ الماهيةَ لا تُتَصوَّر عندنا إلَّا مع الوجودِ فلا فرقَ بين لا ماهية ولا وجود (٤)، وهذا مذهبُ أهل السُّنَّة خلافًا للمعتزلةِ، فإنَّهم يُثبتون الماهية عَرِيَّةً عن الوجودِ وهو فاسدٌ، وقولهم في كلمةِ الشَّهادة: «إلَّا الله» (٥) هو في موضع رفعٍ بدلًا من «لا إله» ولا يكون خبرًا لـ «لا» لأنَّ «لا» لا تعملُ في المعارف، ولو قلنا: إنَّ (٦) الخبر للمبتدأ وليس لـ «لا» فلا يصحُّ أيضًا لِمَا يلزمُ عليه من تنكيرِ المبتدأ وتعريفِ الخبر.
стр. 11208
قال صاحب «المجيد» السَّفاقسيُّ: قد أجاز الشَّلَوْبِينُ في تقييدٍ له على «المفصَّل» أنَّ الخبر للمبتدأ يكون معرفةً، وسَوَّغَ (١) الابتداءَ بالنَّكرة النَّفيُ، ثمَّ أكَّدَ الحصرَ المُستفاد من قوله: «لا إله إلَّا الله» بقوله: (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) مع ما فيهِ من تكثيرِ حسنات الذَّاكر، فقوله: «وحدهُ» حالٌ مؤكّدةٌ وتؤوَّل بمنفردٍ (٢)؛ لأنَّ الحال لا تكون معرفةً، و «لا شريكَ له» حالٌ ثانيةٌ مُؤكِّدةٌ لمعنى الأولى، و «لا» نافيةٌ، و «شريك» مبنيٌّ مع «لا» على الفتحِ، وخبرُ «لا» متعلِّقٌ له (لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ) بضم الميم (وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملةٌ حاليَّةٌ أيضًا، ومن منع تعدُّد الحال جعلَ «لا شريكَ» له حالًا من ضمير «وحده» المؤوَّل بمنفردٍ (٣)، وكذلك «له الملك» حالٌ من ضميرِ المجرورِ في «له» وما بعدَ ذلك معطوفات (فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ) بفتح العين، أي: مثل ثوابِ إعتاق (عَشْرِ رِقَابٍ) بسكون الشين (وَكُتِبَتْ) بالتَّأنيث (٤) وللكُشميهنيِّ -كما (٥) في «الفتح» و «اليونينية» -: «وكتب» (لَهُ) بالقولِ المذكور (مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا) بكسر الحاء، أي: حِصْنًا (مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة (حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ) وفي روايةِ عبد الله بنِ يوسف، في «باب صفة إبليس» [خ¦٣٢٩٣] «ممَّا جاءَ به» (إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ) الاستثناءُ منقطعٌ، أي: لكنْ رجل عمل أكثر ممَّا عملَ، فإنَّه يزيدُ عليه، أو الاستثناءُ متَّصلٌ بتأويلٍ.
стр. 11209
٦٤٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، أبو عامر العقديُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) بضم العين، واسم أبي زائدة: خالدٌ أو ميسرة، وهو: أخو زكريَّا بن أبي زائدة الهَمْدانيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ التَّابعيِّ الكبيرِ المخضرم، أنَّه (قَالَ: مَنْ قَالَ عَشْرًا) أي: لا إله إلَّا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير (كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وعند مسلم: «كانَ كمَنْ أعتَقَ أربعَةَ أنفُسٍ منْ ولدِ إسماعِيْلَ» صفة رقبةٍ (١)، أي: حصلَ له من الثَّوابِ ما لو اشترَى ولدًا من أولادِ إسماعيلَ ﵊ وأعتقَه،
стр. 11210
وإنَّما خصَّه (١)؛ لأنَّه أشرفُ النَّاس (قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) بالسَّند السَّابق، و «عُمر»: بضم العين، وسقطَ لأبي ذرٍّ «ابنُ أبي زائدةَ». حدَّثنا أبو إسحاق (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) بفتح المهملة والفاء، واسمهُ: سعيدُ بن محمَّدٍ الثَّوريُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شَراحِيل (٢) (عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة بعدها تحتية ساكنة فميم، ولأبي ذرٍّ: «عن الرَّبيع بن خُثَيم» (مِثْلَهُ) أي: مثلَ روايةِ أبي إسحاق (فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ) بنِ خُثيم: (مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ (٣): مِنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديِّ (فَأَتَيْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ، فَقُلْتُ: مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ: مِنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (فَأَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى (٤) فَقُلْتُ) له: (مِمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ فَقَالَ (٥): مِنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجيِّ (يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وحاصله: أنَّ عمر بن أبي زائدة أسندهُ عن شيخين: أحدُهما: أبو إسحاق عن عَمرو بن مَيمون موقوفًا. والثَّاني: عن عبد الله بنِ أبي السَّفر، عن الشَّعبيِّ، عن الرَّبيع بن خُثيم، عن عَمرو بن ميمون (٦)، عن ابنِ أبي ليلى، عن أبي أيُّوب، مرفوعًا.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ: عَنْ أَبِيهِ) يوسف بنِ إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأوديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريِّ (قَوْلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) سقطَ «عن النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وأفادت هذه الرِّواية التَّصريح بتحديثِ عَمرو لأبي إسحاق، وأفادتْ أيضًا زيادة ذكرِ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي ليلى وأبي أيوب في السَّند (٧).
стр. 11211
(وَقَالَ مُوسَى) بنُ إسماعيل المِنْقَريُّ، التَّبوذكيُّ شيخ المؤلِّف، ممَّا وصلَه أبو بكر بن أبي خيثمةَ في «تاريخه»: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالدٍ (عَنْ دَاوُدَ) بنِ أبي هند دينار القشيريِّ البصريِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالدٍ الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولفظ رواية ابنِ أبي خيثمةَ: «كانَ لهُ من الأجرِ مثلُ مَن أعتقَ أربعةَ أنْفُسٍ من ولدِ إسماعيلَ».
(وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي خالدٍ الأحمسيُّ البجليُّ: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (عَنِ الرَّبِيعِ) بن خُثيم (قَوْلَهُ) أي: أنَّه موقوفٌ. قال في «الفتح»: واقتصارُ البخاريِّ على هذا القدر يوهم أنَّه خالفَ داود في وصلهِ، وليس كذلك، وإنَّما أرادَ أنَّه جاءَ في هذه الطَّريق عن الرَّبيع من قوله. ثمَّ لمَّا سُئل عنه وَصَلَهُ (١). قال: وقد وقع لنا ذلك واضحًا في «زيادات الزُّهد» لابن المبارك رواية الحسين بنِ الحسن المروزيِّ، قال الحسين: حدَّثنا المعتمرُ بن سليمان: سمعتُ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ يحدِّث عن عامرٍ الشَّعبيِّ: سمعتُ الرَّبيع (٢) بن خُثيم، يقول: «من قال: لا إله إلَّا الله … » فذكره بلفظ: «فهو عَدْل أربع رقابٍ» فقلتُ له: عمَّن ترويهِ؟ فقال: عن عَمرو بنِ ميمون، فلقيتُ عَمْرًا فقلت: عمَّن ترويه؟ فقال: عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي ليلى، فلقيتُ عبد الرَّحمن فقلتُ: عمَّن ترويهِ؟ فقالَ: عن أبي أيُّوب، عن النَّبيِّ ﷺ .
(وَقَالَ آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ شيخُ المؤلِّف، وعند الدَّارقطنيِّ: حدَّثنا آدم، بدل قوله: «وقال آدم» (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) الهلاليُّ الكوفيُّ الزَّراد (سَمِعْتُ هِلَالَ بْنَ يَسَافٍ) بفتح (٣) التَّحتية والمهملة مخففة وبعد الألف فاء، الأشجعيَّ (عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) كلاهما (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ (قَوْلَهُ) أي: من (٤) قولهِ موقوفًا عليه. وعند النَّسائيِّ من رواية محمَّد بنِ جعفر، عن شعبةَ بسنده السَّابق هنا عنِ ابنِ مسعودٍ قال: «لأنْ أقولَ: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له … » الحديث، وفيه: «أحبُّ إليَّ من أنْ أعتقَ أربعَ
стр. 11212
رقابٍ». وزاد من طريقِ منصور بنِ المعتمر عن هلال بنِ يساف عن الرَّبيع وحدَه عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ: «بيده الخير»، وقال في آخره: «كانَ لهُ عدْلُ أربعِ رقابٍ من ولدِ إسماعيل».
(وَقَالَ الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران، ممَّا وصله النَّسائيُّ من طريق وكيعٍ عنه (وَحُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميُّ الكوفيُّ، ممَّا وصله محمَّد بن الفضل في «كتاب الدَّعاء» له، كلاهما (عَنْ هِلَالٍ) هو ابنُ يساف (عَنِ الرَّبِيعِ) بن خُثيم (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (قوْلَهُ) أي: من قولهِ، ولفظ الأوَّل عند النَّسائيِّ عن عبدِ الله بن مسعودٍ قال: «مَن قال: لا إله إلَّا الله -وفيه-: كانَ له عدْلُ أربعِ رقابٍ من ولدِ إسماعيل». ولفظ ابنِ الفضل: قال عبدُ الله: «مَن قال أوَّل النَّهار: لا إله إلَّا الله -وفيه-: كُنَّ له كعدْلِ (١) أربعِ رقابٍ محرَّرِين من ولدِ إسماعيل». وقد وقعَ قوله: «قال عُمر بنُ أبي زائدةَ: وحدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي السَّفَر» عقبَ روايةِ أبي إسحاق عندَ غير أبي ذرٍّ في جميعِ الرِّوايات عن الفَِرَبْريِّ، وكذا في روايةِ إبراهيمَ بنِ معقلٍ النَّسفيِّ عن البخاريِّ، وهو الصَّواب، وأمَّا في روايةِ أبي ذرٍّ (٢) فتأخَّرت بعد روايةِ الأعمش وحُصين، فصار ذلك مشكلًا لا يظهرُ منه وجه الصَّواب، كما قالهُ في «الفتح».
(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبُو مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة، ولا يُعرفُ اسمه وكان خادمًا لأبي أيُّوب، وقال المزيُّ: اسمُه: أفلحُ مَولى أبي أيَّوب. وقال الدَّارقطنيُّ: لا يعرف إلَّا في هذا الحديثِ وليس له في «الصَّحيح» غيره، وقد وصلَه (٣) أحمدُ والطَّبرانيُّ (٤) من طريقِ سعيدِ بنِ أبي إياسٍ الجريريِّ، عن أبي الورد ثُمامة بن حزنٍ القشيريِّ، عن أبي محمَّدٍ الحضرميِّ (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) الأنصاريِّ ﵁ (عَنِ النَّبْيِّ ﷺ ¬) وقال فيه: (كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ) وهذا أَعني (٥) «كان كمن … » إلى آخره ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ، كما في الفرعِ وأصله.
ولفظُ رواية الإمام أحمد والطَّبرانيِّ. قال أبو أيُّوب: لمّا قدمَ النَّبيُّ ﷺ المدينة نزلَ
стр. 11213
عليٌّ فقال: «يا أبا أيوبَ ألَّا أعلِّمكَ؟» قلتُ: بلى يا رسولَ الله. قال: «مَا مِنْ عبدٍ يقولُ إذا أصبحَ: لَا إِله إِلَّا الله» فذكرهُ: «إلَّا كتبَ الله لهُ بها عشرَ حسنَاتٍ، ومحَا عنهُ (١) عشرَ سيِّئاتٍ، وإلَّا كنَّ له عندَ الله عدْل عشرِ رقابٍ محرَّرِين، وإِلَّا كانَ في جُنَّةٍ منَ الشَّيطان حتَّى يمسِيَ، ولا قالهَا حينَ يمسِي إلَّا كانَ كذلِك» قال: فقلتُ: لأبي محمَّدٍ أنت سمعتَها من أبي أيُّوب؟ قال: الله لسمعته من أبي أيُّوب.
ورواهُ الإمام أحمدُ أيضًا من طريقِ عبد الله بنِ يعيش، عن أبي أيُّوب رفعهُ: «مَن قال إذَا صلَّى الصُّبحَ: لا إلَه إلَّا الله» فذكرهُ بلفظ: «عشرُ مرَّاتٍ كُنَّ لهُ كعَدْلُ أربعَ رقَابٍ، وكُتِبَ لهُ بهنَّ عشر حسنَاتٍ، ومُحِيَ عنهُ بهنَّ عشرُ سيِّئاتٍ، ورُفِعَ لهُ بهنَّ عشرُ درجاتٍ، وكُنَّ لهُ حرزًا منَ الشَّيطان حتَّى يمسِي، وإذا قالهَا بعدَ المغربِ فمثلُ ذلِك» وسندهُ حسنٌ. قال الحافظُ ابن حجرٍ: واختلافُ هذه الرِّوايات في (٢) عددِ الرِّقاب مع اتِّحاد المخرجِ يقتضِي (٣) التَّرجيح بينها، فالأَكثر على ذكرِ «أربعةٍ» ويجمعُ بينهُ وبينَ حديثِ أبي هُريرة بذكر (٤) «عشرة» لِقولها (٥): «مئة» فيكونُ مقابل كلِّ عشر مرَّاتٍ رقبةٌ من قَبْلِ المضاعفةِ، فيكون لكلِّ مرةٍ بالمضاعفةِ رقبةٌ، وهي مع ذلك لمطلق الرِّقاب، ومع وصف كونِ الرَّقبة من بني (٦) إسماعيل يكون مُقابل العَشرة من غَيرهم أربعةٌ منهم؛ لأنَّهم أشرفُ من غيرهم من العربِ فضلًا عن العجم، وأمَّا ذِكر رقبةٍ بالإفرادِ في حديث أبي أيُّوبٍ فشاذٌّ، والمحفوظُ «أربعةٌ»، كما مرَّ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَالصَّحِيْحُ (٧) قَوْلُ عَمْرٍو) بفتح العين (قَالَ الحَافِظُ أَبْو ذَرٍّ الهَرَويُّ: صَوَابُهُ عُمَرُ) بضم العين (وَهُوَ ابْنُ أَبِيْ زَائِدَةَ) وفي «اليونينية» عقبَ قول أبي ذرٍّ (٨): قلتُ: وعلى الصَّواب ذكرهُ أبو عبدِ الله البخاريُّ في الأصلِ، أي: لمّا قال: قال عمرُ بنُ أبي
стр. 11214
زائدةَ: و (١) حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي السَّفَر (كَمَا تَرَاهُ) في محلِّه المذكور (لَا عَمْرُو) بفتح العين. قال في «فتح الباري»: وعندَ أبي زيدٍ المروزيِّ في روايتهِ «الصَّحيح» «قولُ عبد الملك بنِ عَمرو» وقال الدَّارقطنيُّ: الحديثُ حديث ابنِ أبي السَّفَر عن الشَّعبيِّ، وهو الَّذي ضبطَ الإسناد، ومرادُ البخاريِّ ترجيحُ روايةِ عمر بن أبي زائدة عن أبي إسحاق على روايةِ غيرهِ عنه. وقوله: «قَالَ أبو عبدِ الله … » إلى آخره ثبتَ لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وهو في الفرع كأصلهِ على هامشهِ مخرَّج له في الفرعِ بعد قولهِ: «وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه … » إلى آخره، قبل قوله: «وقال موسى: حَدَّثنا وهيب» ولم يخرِّج له في «اليونينيَّة».
(٦٥) (باب فَضْلِ التَّسْبِيحِ) يعني: قول: سبحان الله، وهو اسمُ مصدرٍ وهو التَّسبيح، وقيل: بل سبحان مصدرٌ (٢)؛ لأنَّه سُمِعَ له فعل ثلاثيٌّ وهو من الأسماء اللَّازمة للإضافة وقد يُفرد، وإذا (٣) أُفرد مُنع الصَّرف للتَّعريف وزيادةِ الألف والنون، كقولهِ:
أَقُوْلُ لمّا جَاءَنِي فَخْرُه … سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٤)
وجاء منوَّنًا كقوله:
سُبْحَانَهُ ثُمَّ (٥) سُبْحَانًا (٦) يَعُودُ لَهُ … وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ وَالجَمَدُ (٧)
فقيل: صُرِف صرفَ (٨) ضرورةٍ، وقيل: هو بمنزله «قبل» و «بعد» إن نُويَ تعريفه بقي على حاله، وإن (٩) نُكِّر أُعرب منصرفًا.
стр. 11215
وهذا البيت (١) يساعدُ على كونه مصدرًا لا اسم مصدر؛ لوروده منصرفًا، ولقائل القول الأوَّل أن يجيب عنه بأنَّ هذا نكرةٌ لا معرفةٌ، وهو (٢) من الأسماء اللَّازمة النَّصب على المصدريَّة فلا ينصرف (٣)، والنَّاصب له فعلٌ مقدَّرٌ (٤) لا يجوز إظهاره، وعن الكسائيِّ أنَّه منادى تقديره: يا سبحانكَ، ومنعه جمهور النَّحويِّين، وهو مضافٌ إلى المفعول، أي: سبَّحت الله، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل، أي: نزَّه الله نفسه، والأوَّل هو المشهور ومعناه: تنزيهُ الله عمَّا لا يليق به من كلِّ نقصٍ.
٦٤٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) مولى أبي بكر ابن عبد الرَّحمن المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) الواو للحال، أي: سبحانَ الله متلبِّسًا (٥) بحمدي له من أجل توفيقهِ لي للتَّسبيح (فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ) متفرِّقة؛ بعضها أوَّل النَّهار وبعضها آخره، أو متوالية، وهو أفضل خصوصًا في أوَّله (حُطَّتْ خَطَايَاهُ) الَّتي بينه وبين الله (وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ). وهذا وأمثالهُ نحو: «ما طلعتْ عليه الشَّمس» كناياتٌ عُبِّر بها عن الكثرة، وقد يشعر هذا بأنَّ التَّسبيح أفضل من التَّهليل من حيث إنَّ عدد (٦) زبد البحر أضعاف أضعافِ المئة المذكورة في مقابلة التَّهليل.
стр. 11216
وأُجيب بأنَّ ما جُعِل في مقابلة التَّهليل من عتق الرِّقاب يزيد على فضل التَّسبيح وتكفير الخطايا؛ إذ ورد «أنَّ من أعتق رقبةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار» فحصل بهذا العِتق تكفير جميع الخطايا عمومًا بعدما ذكره خصوصًا (١) مع زيادة مئة درجةٍ، ويؤيِّده حديث: «أفضلُ الذِّكر التَّهليل» وأنَّه أفضل ما قاله هو والنَّبيُّون من قبله، ولأنَّ التَّهليل صريحٌ في التَّوحيد، والتَّسبيح متضمِّنٌ له، ومنطوق «سبحان الله» تنزيهٌ ومفهومه توحيدٌ، ومنطوق «لا إله إلَّا الله» توحيدٌ ومفهومه تنزيهٌ، فيكونُ أفضل من التَّسبيح؛ لأنَّ التَّوحيد أصلٌ والتَّنزيه ينشأُ عنه.
والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الدَّعوات» والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة» وابن ماجه في «ثواب التَّسبيح».
٦٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النَّسائيُّ -بالنون والمهملة- الحافظ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) تصغير فضل، محمد الضَّبيُّ (عَنْ عُمَارَةَ) بضم المهملة وتخفيف الميم، ابن القعقاعِ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ بنِ عَمرو بن جريرٍ البجليِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ) أي: كلامان، من إطلاق الكلمةِ على الكلام، والخفَّة مستعارة من السُّهولة (عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ) حقيقةً (فِي المِيزَانِ) لأنَّ الأعمالَ تجسَّم أو (٢) الموزون صَحَائفها، لحديثِ البطاقةِ المشهور (حَبِيبَتَانِ) أي: محبوبتانِ (إِلَى الرَّحْمَنِ) أي: يُحبُّ قائلهما، فيُجزل (٣) له من مكارمهِ ما يليقُ بفضلهِ، وخصَّ لفظ «الرَّحمن» إشارة إلى بيانِ سعةِ رحمتهِ حيث يُجازي على العملِ القليل بالثَّواب الجَّزيل (سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) كذا هنا بتقديمِ «سبحان الله العظيم» على «سبحان الله وبحمدِه» وكرَّر التَّسبيح طلبًا للتَّأكيد، واعتناءً بشأنه.
стр. 11217
ومباحثُ هذا الحديثِ من الإعراب والبديع والمعاني وغير ذلك من اللَّطائف والأسرار الشَّريفة تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وتوفيقه في آخر الكتاب [خ¦٧٥٦٣].
والحديثُ أخرجهُ أيضًا في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٢] وآخر الكتاب [خ¦٧٥٦٣]، ومسلمٌ في «الدَّعوات» والتِّرمذيُّ فيه أيضًا، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة» وابن ماجه في «ثواب التَّسبيح».
(٦٦) (بابُ فَضْلِ ذِكْرِ اللهِ باللِّسان بالأذكار المُرغَّب فيها شرعًا، والإكثارُ منها كالباقياتِ الصَّالحات والحَوْقلةِ والحَسْبلةِ والبَسْملةِ والاستغفارِ وقراءة القرآن -بل هي أفضل (١) - والحديثِ ومُدارسةِ العلم ومُناظرةِ العلماء، وهل يشترطُ استحضارُ الذَّاكر لمعنى الذِّكر أم لا؟ المنقول (٢) أنّه يُؤجر على الذِّكر باللِّسان وإن لم يستحضرْ معناه. نعم يشترطُ أن لا يقصدَ به غير معناه، والأكملُ أن يتَّفق الذِّكر بالقلبِ واللِّسان (٣)، وأكملُ منه استحضارُ معنى الذِّكر وما اشتملَ عليه من تعظيمِ المذكور، ونفي النَّقائص عنه تعالى، وقسَّم بعضُ العارفين الذِّكر إلى أقسامٍ سبعةٍ: ذكرُ العينين بالبكاءِ، والأُذنين بالإصغاءِ، واللِّسانِ بالثَّناء، واليدين بالعطاءِ، والبدن بالوفاءِ، والقلبِ بالخوف والرَّجاء، والرُّوحِ بالتَّسليم والرِّضا، ذكره في «الفتح».
٦٤٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُريبٍ الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الراء (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر (عَنْ) أبيهِ (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ) زاد (٤) أبو ذرٍّ بعد هذه
стр. 11218
«ربَّه» (مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ) بفتح الميم والمثلَّثة في «مَثَلُ» في الموضعين، شبَّه (١) الذَّاكرَ بالحيِّ الَّذي يُزيَّن ظاهرُه بنور الحياة وإشراقها فيه، وبالتَّصرف التَّامِّ فيما يريدُه، وباطنُه بنور العلمِ والفهمِ والإدراك، كذلك الذَّاكر مُزيَّنٌ ظاهرهُ بنور العلم والطَّاعة (٢)، وباطنُه بنور العلمِ والمعرفة، فقلبُه مستقرٌّ في حظيرةِ القدس، وسرُّه في مَُخْدعِ الوصل، وغير الذَّاكر عاطلٌ ظاهرهُ وباطلٌ باطنُه، قاله في «شرح المشكاة».
والحديثُ رواه مسلمٌ عن أبي كُريبٍ وهو محمَّد بنُ العلاء شيخُ البخاريِّ فيه بسنده المذكور بلفظ: «مَثَل البيت الَّذي يُذكر الله فيه، والبيت الَّذي لا يُذكر الله فيه مثل الحيِّ والميِّت» وكذا أخرجه الإسماعيليُّ وابن حبَّان في «صحيحه» عن أبي يَعلى عن أبي كُريبٍ، فلعلَّ البخاريَّ رواه بالمعنى فإنَّ الَّذي (٣) يُوصَف بالحياة والموت حقيقةً هو السَّاكن لا السَّكن (٤)، فهو من بابِ ذكر المحلِّ وإرادةِ الحالِّ.
стр. 11219
٦٤٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح (١) الجيم، ابن عبدِ الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً) زاد الإسماعيليُّ وابن حبَّان ومسلمٌ «فُضْلًا» بسكون الضاد وضم الفاء، جمع: فاضل، كنُزْل ونازل، وقيل: بفتح الفاء وسكون الضاد، أي: زيادةً على (٢) الحَفَظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائقِ لا وظيفةَ لهم إلَّا حِلَق الذِّكر، وقيل في ضبطها غير ذلك، وهذه اللَّفظة ليست في «صحيح البخاريِّ» هنا في جميع الرِّوايات، ولمسلم: «سيَّارة فضلًا» (يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ) ولمسلمٍ من رواية سهيل: «يبتغونَ (٣) مجالسَ الذِّكر» (فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ) (تَنَادَوْا: هَلُمُّوا) أي: تَعالوا (إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة، يطوفونَ ويدورون حولَهم (بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال المظهريُّ: الباء للتَّعدية، يعني: يديرون أجنحتَهُم حول الذَّاكرين. وقال الطِّيبيُّ: الظَّاهر أنَّها للاستعانة، كما في قولك: كتبتُ بالقلم؛ لأنَّ حفَّهم الَّذي ينتهي إلى السَّماء إنَّما يستقيمُ بواسطةِ الأجنحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلى سماء الدُّنيا» (قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ (٤) وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ) أي: أعلمُ من الملائكةِ بحال الذَّاكرين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أعلمُ بهم»، أي: بالذَّاكرين، والجملة حاليَّةٌ. قال في «شرح المشكاة»: والأحسنُ أن تكون معترضةً، أو تتميمًا صيانة عن التَّوهُّم، وفائدةُ السُّؤال مع العِلم بالمسؤول: التَّعريض بالملائكة، وبقولهم في بني آدم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] … إلى آخره، (مَا يَقُولُ
стр. 11220
عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: تقول» أي: الملائكةُ: (يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ) يقولون: سبحانَ الله والله أكبر والحمد لله (وَيُمَجِّدُونَكَ) بالجيم، وزاد في رواية سهيلٍ: «ويهلِّلونك» وفي حديث البزَّار عن أنسٍ: «يُعظِّمون آلاءك، ويتلونَ كتابك، ويصلُّون على نبيِّك ويسألونك (١)» (قَالَ: فَيَقُولُ) : (هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، وَاللهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ) تعالى: (كَيْفَ؟) ولغير أبي (٢) ذرٍّ: «وكيف» (لَوْ رَأَوْنِي قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا) وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وتحميدًا» (وَأَكْثَرَ لَكَ (٣) تَسْبِيحًا) وزاد الإسماعيليُّ «وأشدَّ لك ذكرًا» (قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟) ولأبي ذرٍّ: «فيقول: فما يسألونني» بزيادة الفاء والنون (قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ. قَالَ: يَقُولُ) تعالى (٤): (وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقولُ) ولأبي ذرٍّ: «فيقول»: (فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ) تعالى: (فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. قَالَ: يَقُولُ) تعالى: (وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا) ولأبي ذرٍّ: «لا والله يا ربّ ما» (رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ) تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا (٥) كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً) وهذا كلُّه فيه تقريعٌ للملائكة، وتنبيهٌ على أنَّ تسبيحَ بني آدم وتقديسَهم أعلى وأشرفُ من تقديسهِم؛ لحصول هذا في عالمِ الغيب مع وجودِ الموانع والصَّوارف، وحصول ذلك للملائكةِ في عالم الشَّهادة من غيرِ صارفٍ (قَالَ: فَيَقُولُ) تعالى: (فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) زاد في رواية سهيل: «وأعطيتُهم ما سألوا» (قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ (٦) فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ) وفي رواية سهيل: «قال: يقولون: ربِّ (٧) فيهم فلانٌ عبدٌ خطَّاء إنَّما مرَّ فجلسَ معهم» وزاد: «قال: وله قد غفرت».
стр. 11221
قال في «شرح المشكاة»: قوله: «إنما مرَّ» مشكل لأنَّ «إنَّما» توجبُ حصرَ ما بعده (١) في آخرِ الكلام، كما تقول: إنَّما يجيء زيد، أو إنَّما زيدٌ يجيءُ، ولم يصرّح هنا غير كلمةٍ واحدةٍ، وكذلك قوله: «وله قد غفرتُ» يقتضي تقديمُ الظَّرف على عاملهِ اختصاصَ الغفران بالمارِّ دون غيره، وليس كذلك. وأجاب: بأنَّ في التَّركيب الأوَّل تقديمًا (٢) وتأخيرًا، أي: إنَّما فلانٌ مرَّ، أي: ما فعل فلانٌ إلَّا المرور والجلوسَ عَقِبَهُ (٣) يعني: ما ذكر الله تعالى، ثمَّ قال: فإن قلتَ: لمَ لم يجعلِ الضَّمير في «مرَّ» بارزًا؛ ليكون الحصر فيه؟ وأجاب: بأنَّه لو أريدَ هذا لوجبَ الإبراز، ولئن سلم لأدَّى إلى خلافِ المقصود، وأنَّ المرور منحصرٌ في فلانٍ لا (٤) يتعدَّى إلى غيره وهو خلف، وفي التَّركيب الثَّاني الواو للعطفِ وهو يقتضِي معطوفًا عليه، أي: قد غفرتُ لهم وله، ثمَّ أتبعَ «غفرتُ» تأكيدًا وتقريرًا.
(قَالَ) تعالى: (هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) وسقط لفظ «بهم» لأبي ذرٍّ، يعني: أنَّ مجالستهم (٥) مؤثِّرة في الجليس، ولمسلم: «همُ القومُ لا يشقى بهم جليسهم» وتعريفُ الخبر يدلُّ على الكمالِ، أي: هم القوم كلُّ القوم الكاملون فيما هم فيه من السَّعادة، فيكون قوله: «لا يشقى بهم جليسهم» استئنافًا (٦) لبيان الموجب، وفي هذه العبارةِ مبالغة في نفي الشَّقاء عن جليس الذَّاكرين، فلو قيل: يسعدُ (٧) بهم جليسُهم لكان ذلك في غايةِ الفضل، لكن التَّصريح بنفي الشَّقاء أبلغُ في حصولِ المقصود. (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج
стр. 11222
(عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران بسندِهِ المذكور (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ ، هكذا (١) وصله أحمدُ (وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ) بضم السين وفتح الهاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي صالح السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وصله مسلمٌ وأحمدُ.
(٦٧) (باب) فضل (قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) في إعرابه ونحوه ممَّا تكررت فيه «لا» النَّافية للجنسِ مع اسمها الوجوه الخمسة المقرَّرة قي كتب العربيَّة: فتح الأوَّل، وفي الثَّاني وهو اسمُ «لا» الثَّانية (٢) ثلاثة أوجهٍ: الفتح بناءً والنَّصبُ والرفع إعرابًا، فالفتحُ على أنَّه ركِّب مع «لا» كالأوَّل (٣)، والرَّفعُ على إهمالِ «لا» الثَّانية، أو إعمالها عملَ «ليس» والنَّصب على العطفِ على محلِّ اسم «لا» الأولى وإهمالِ الثَّانية ورفع الأول، فيمتنعُ النَّصب في الثَّاني، ويجوزُ فيه الفتح بناءً بإعمال «لا» الثَّانية، أو (٤) الرَّفع بإهمالها أو إعمَالها عملَ «ليس» (٥)، فهي خمسةٌ: فتح الأوَّل والثَّاني معًا، ورفعهما معًا، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني وعكسه، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني.
٦٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ) بن طَرْخان (التَّيْمِيُّ) البصريُّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن
стр. 11223
ابن مَُِلٍّ النَّهديِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) يمشِي (فِي عَقَبَةٍ -أَوْ قَالَ: فِي ثَنِيَّةٍ-) أي: عقبة، والشَّكُّ من الرَّاوي في أيِّ اللَّفظين قال، وسقط لفظ «في» لأبي ذرٍّ (قَالَ) أبو موسى: (فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا) على العقبة أو الثَّنيَّة (رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، قَالَ) أبو موسى (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) في إعرابه الوجوهُ الخمسة (١) في نحو «لا حولَ ولا قوَّةَ» وزاد في أُخرى: «إِنَّكم (٢) تدعُونَ سمِيعًا بصِيرًا وهوَ معكُم، والَّذي تدعُونَه أقرَبُ إلى أحدِكُم مِن عُنُقِ راحلتِه» (ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ) قال: (يَا عَبْدَ اللهِ) هو اسمُ أبي موسى (أَلَا) بالتَّخفيف (أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الجَنَّةِ؟) أي: كالكنزِ في كونها ذخيرةً نفيسةً يُتوقَّع الانتفاع منها، قال أبو موسى: (قُلْتُ: بَلَى) يا رسول الله (قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ).
والحديثُ سبق في «باب الدُّعاء إذا علا عقبة» [خ¦٦٣٨٤] ويأتي إن شاءَ الله تعالى بقوَّة الله ومعونتهِ في «كتاب القدرِ» [خ¦٦٦١٠].
(٦٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لِلَّهِ) (مِئَةُ اسْمٍ غَيْرَ وَاحِدٍ) بالتَّذكير، ولأبي ذرٍّ: «واحدةٍ» بالتَّأنيث باعتبار معنى التَّسمية.
٦٤١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ)
стр. 11224
أي: الحديث (مِنْ (١) أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان، وفي رواية الحميديِّ في «مسنده» عن سفيان (٢): «حدَّثنا أبو الزِّناد» (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ حالَ كونه (رِوَايَةً) أي: عن النَّبيِّ ﷺ ، وعند الحميديِّ: «قال رسولُ الله ﷺ » وكذا لمسلمٍ عن عَمرو النَّاقد عن سفيان، وللمؤلِّف في «التَّوحيد» من رواية شُعيب عن أبي الزِّناد (٣) بسنده: «أنَّ رسول الله ﷺ » (قَالَ: لِلَّهِ) (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا) بالنَّصب على التَّمييز، و «تسعةٌ» مبتدأ قُدِّم خبره (مِئَةٌ) رفعٌ على البدل (إِلَّا وَاحِدًا) بالتَّذكير، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا واحدةً» بالتَّأنيث. قال ابن بطَّال: ولا يجوز في العربيَّة، ووجَّهها ابن مالكٍ باعتبار معنى التَّسمية أو الصِّفة أو الكلمة، والحكمة في الإتيان بهذه الجملةِ بعد السَّابقة: أن يتقرَّر ذلك في نفس السَّامع جمعًا بين جهتي الإجمال والتَّفصيل، ودفعًا للتَّصحيف خطًّا لاشتباه تسعةٍ وتسعين بسبعةٍ وسبعين. وقال في «فتوح الغيب»: قوله: «مئة إلَّا واحدًا» تأكيدٌ وفَذْلكة؛ لئلَّا يُزاد على ما وردَ كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] (لَا يَحْفَظُهَا) لا يقرَؤها (أَحَدٌ) عن ظهرِ قلبهِ، والحفظُ يستلزم التِّكرار، أي: تكرارَ مجموعها، وفي الشُّروط «من أحصاها» [خ¦٢٧٣٦] أي: ضبطَها، أو عَلِمها، أو قام بحقِّها، وعملَ بمقتضاهَا بأن يعتبرَ معانيها، فيطالب نفسه بما تضمَّنه من صفات الرُّبوبيَّة وأحكام العبوديَّة فيتخلَّق بها (إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ) ذكر الجزاء بلفظ الماضِي تحقيقًا لوقوعهِ وتنبيهًا على أنَّه وإن لم يقعْ فهو في حكمِ الواقع؛ لأنَّه كائنٌ لا محالةَ (وَهْوَ) تعالى (وَتْرٌ) بفتح الواو وكسرها، أي: فردٌ، ومعناه: في حقِّ الله تعالى أنَّه الواحد الَّذي لا نظيرَ له في ذاتهِ (يُحِبُّ الوَتْرَ) من كلِّ شيءٍ، أو كلُّ وترٍ شرعَه وأثابَ عليه. وقال التُّوربشتيُّ: أي: يُثيب على العملِ الَّذي أتى به وترًا، ويَقْبل (٤) من عاملهِ، لِمَا فيه من التَّنبيه على مَعاني الفردانيَّة قلبًا ولسانًا وإيمانًا وإخلاصًا، ثمَّ إنَّه أدعى إلى مَعاني التَّوحيد.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات» أيضًا، وكذا التِّرمذيُّ لكن من حديثِ ابن عمر
стр. 11225
وسردها (١) ثمَّ قال: هذا حديثٌ غريبٌ، حدَّثنا به غير واحدٍ عن صفوان، ولا نعرفه إلَّا من حديث صفوان، وهو ثقةٌ، وقد رُوي من غير وجهٍ عن أبي هريرة ولا يعلم في كثيرٍ (٢) من الرِّوايات ذكر الأسماء إلَّا في هذه الطَّريق، وقد رُوي بإسنادٍ آخر عن أبي هُريرة فيه ذكر الأسماء وليس له إسنادٌ صحيحٌ. انتهى.
ولم ينفردْ به صفوان، فأخرجه البيهقيُّ من طريقِ موسى بنِ أيُّوب النَّصيبيِّ -وهو ثقةٌ- عن الوليدِ أيضًا، وسَرْدُ التِّرمذيِّ للأسماء معروفٌ محفوظٌ، وقد أخرج الحديث الطَّبرانيُّ، عن أبي زرعة الدِّمشقيِّ، عن صفوان بنِ صالح، فخالف (٣) في عدَّة أسماء فقال: «القائم الدَّائم» بدل: «القابض الباسطِ»، و «الشَّديد» بدل: «الرَّشيد»، و «الأعلى المحيطُ مالك يوم الدِّين» بدل: «الودود المجيد الحكيم». وعند ابن حبَّان: عن الحسن بن سفيان، عن صفوان: «الرَّافع» بدل: «المانع» وعند ابن خُزيمة -في رواية صفوانٍ أيضًا-: «الحاكمُ» بدل: «الحكيم» (٤)، و «القريبُ» بدل: «الرَّقيب»، و «الولي» (٥) بدل: «الوالي» (٦)، و «الأحدُ» بدل: «المغني» (٧).
وعند البيهقيِّ وابن مندهْ من طريق موسى بن أيُّوب عن الوليد: «المغيث» بالمعجمة والمثلثة، بدل: «المُقيت» بالقاف والمثناة، ووقع بين رواية زهير عن موسى بنِ عُقبة عن الأعرجِ عن أبي هُريرة عند أبي الشَّيخ وابن ماجه وابن أبي عاصمٍ والحاكم، وبين روايةِ صفوان عن الوليد المخالفة (٨) في ثلاثةٍ وعشرين اسمًا، فليس في رواية زهيرٍ: «الفتَّاح القهَّار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المُقتدر المُقدِّم المؤخِّر البرُّ المنتقم الغنيُّ النَّافع الصَّبور البديع الغفَّار الحفيظ الكبير الواسعُ الأحدُ مالكُ الملك ذو الجلال والإكرام» وذُكر بدلها: «الرَّب الفرد الكافي القاهر
стр. 11226
المُبين -بالموحدة- الصَّادق الجميل البادئ -بالدال- القديم البارُّ -بتشديد الراء- الوفيُّ البرهان الشَّديد الواقي -بالقاف- القدير الحافظ العدل العليُّ العالم (١) الأحد الأبدُ الوَتر ذو (٢) القوَّة».
ولم يقع في شيءٍ من طرق الحديث سرد الأسماء إلَّا في رواية الوليد بن مسلمٍ عند التِّرمذيِّ، وفي رواية زهير بن محمَّد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجه، والطَّريقان يرجعان إلى رواية الأعرجِ، وفيها اختلافٌ (٣) شديدٌ في سردِ الأسماء (٤) والزِّيادة والنَّقص.
ووقع سردُ الأسماء أيضًا في طريقٍ ثالثةٍ عند الحاكم في «مستدركه» وجعفر الفريابيِّ في «الذكر» من طرق عبد العزيز بن الحُصين، عن أيُّوب، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة. واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوعٌ أو مُدرجٌ في الخبر من بعض الرُّواة؟ فذهب إلى الأخير جماعةٌ مستدلِّين بخلوِّ أكثر الرِّوايات عنه مع الاختلاف والاضطراب.
قال البيهقيُّ: ويحتمل أن يكون التَّعيين وقع من بعض الرُّواة في الطَّريقين معًا، ولذا وقع الاختلافُ الشَّديد بينهما، ولذا ترك الشَّيخان تخريج التَّعيين. وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه من طريق الوليد: هذا حديثٌ غريب حدَّثنا به غير واحدٍ عن صفوان ولا نعرفه إلَّا من حديث صفوان وهو ثقةٌ، وقد رُوِيَ من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلمُ في كثيرٍ (٥) من الرِّوايات ذكر الأسماء إلَّا في هذه الطَّريق، وقد روي باسنادٍ آخر عن أبي هريرة فيه ذكرُ الأسماء، وليس له سندٌ (٦) صحيحٌ. وقال الدَّاوديُّ: ولم يثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ عيَّن الأسماء المذكورة، وليس المراد من الحديثِ حصر الأسماء في التِّسعة والتِّسعين، ففي حديث ابن مسعود عند أحمد وصحَّحه ابن حبَّان: «أسألُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ سمَّيتَ بهِ نفسَكَ، أو أنزلتَهُ في كتابِكَ، أو علَّمتَهُ أحدًا من خلقكَ، أو استأثرتَ به في علم الغيبِ عندكَ». قال القُرطبيُّ: ويدلُّ على عدم الحصر
стр. 11227
أنَّ أكثرها صفاتٌ، وصفاتُ الله لا تَتناهى، وهل الاقتصارُ على العدد المذكور معقولٌ، أو تعبُّدٌ لا يُعقل معناهُ، وقيل: إنَّ أسماءه تعالى مئةٌ استأثر تعالى بواحدٍ منها وهو الاسمُ الأعظم، فلم يُطْلِع عليه أحدًا، فكأنَّه قيل: مئةٌ لكنْ واحدٌ منها عندَ الله، وجزم السُّهيليُّ بأنَّها مئةٌ على عددِ درج الجنَّة، والَّذي يُكمِّل المئةَ «الله». واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الاسمَ عينُ (١) المسمَّى (٢) وهي مسألةٌ مشهورةٌ، سبق (٣) القولُ فيها أوَّل هذا المجموع (٤)، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيدٌ لذلك في محلِّه بعون الله.
واختُلف هل الأسماء الحسنى توقيفيَّة؟ بمعنى أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يشتقَّ من الأفعال الثَّابتة لله اسمًا إلَّا إذا ورد نصٌّ به (٥) في الكتاب والسُّنَّة؟ فقال الإمام فخر الدِّين: المشهور عن أصحابنا أنَّها توقيفيَّة. وقال القاضي أبو بكرٍ والغزاليُّ: الأسماء توقيفيَّة دون الصِّفات. قال: وهذا هو المختار، وقال الشَّيخ أبو القاسم القُشيريُّ في «كتاب مفاتيح الحجِّ ومصابيح النَّهج»: أسماءُ الله تعالى تؤخذُ توقيفًا ويراعى فيها الكتاب والسُّنَّة والإجماع، فكلُّ اسمٍ وردَ (٦) في هذه الأصولِ وجبَ إطلاقهُ في وصفهِ تعالى، وما لم يَرِد فيها لا يجوز إطلاقهُ في وصفهِ وإن صحَّ معناه. وقال الزَّجاج: لا ينبغي لأحدٍ أن يدعوهُ بما لم يصف به نفسهُ، فيقول: يا رحيمُ، لا: يا رفيق، ويقول: يا قويُّ، لا: يا جليد (٧)،
стр. 11228
وقال الإمام: قال أصحابنا (١): ليس كلُّ ما صحَّ معناه جازَ إطلاقُه عليه ، فإنَّه الخالق للأشياء كلِّها، ولا يجوز أن يقال (٢): يا خالق الذِّئب والقردة، وورد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] ولا يجوز يا معلِّم، قال: ولا يجوز عندي يا محبُّ، وقد ورد: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فإن قلتَ: ما ورد في «شرح السُّنَّة» عن أبي أُمامة (٣) قال: إنَّه رأى الَّذي بظهر رسول الله ﷺ ، فقال: دعني أعالجهُ فإنِّي طبيبٌ فقال: «أنت رفِيقٌ، والله هُو الطَّبيبُ» هل هو إذنٌ منه ﷺ في تسمية الله تعالى بالطَّبيب؟ فالجواب: لا؛ لوقوعهِ مقابلًا لقوله: «فإنِّي طبيبٌ» مشاكلةً وطباقًا للجواب على السُّؤال كقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وهل يجوزُ تفضيل بعضِ أسماء الله تعالى (٤) على بعضٍ؟ فمنع من ذلك أبو جعفر الطَّبريُّ، وأبو الحسن الأشعريُّ، والقاضي أبو بكر الباقلانيُّ لِمَا يؤدِّي ذلك إلى اعتقادِ نقصانِ المفضول عن الأفضل، وحملوا ما وردَ من ذلك على أنَّ المراد بالأعظم: العظيم، وأنَّ أسماء الله تعالى عظيمةٌ. وقال ابن حبَّان: الأعظميَّة الواردة المراد بها مزيدُ ثواب الدَّاعي بها، وقيل: الأعظمُ كلُّ اسمٍ دعا العبد ربَّه به (٥) مستغرقًا بحيث لا يكون في فكرهِ حالتئذٍ غير الله فإنَّه يُستجاب له، وقيل: الاسمُ الأعظمُ ما استأثر الله به، وأثبته آخرون معيّنًا، واختلفوا فيه فقيل: هو لفظة «هو» نقله الفخر الرَّازيُّ عن بعضِ أهل الكشف، وقيل: الله، وقيل: الله الرَّحمن الرَّحيم، وقيل: الرَّحمن الرَّحيم و (٦) الحيُّ القيُّوم، وقيل: الحيُّ القيُّوم، وقيل: الحنَّان المنَّان بديع السَّموات والأرض ذو الجلال والإكرام (٧). رآه رجلٌ مكتوبًا في الكواكب في السَّماء، وقيل: ذو الجَلال والإكرام، وقيل: الله لا إله إلَّا الله هو الأحد الصَّمد الَّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وقيل: ربٌّ ربٌّ، وقيل: دعوة ذي النُّون ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقيل: هو الله الله الله الَّذي لا إله إلَّا هو ربُّ العرش العظيم. نقله الفخر الرازيُّ عن زين
стр. 11229
العابدين أنَّه سألَ اللهَ أن يُعلِّمه الاسم الأعظم فعلَّمه في النَّوم، وقيل: هو مخفيٌّ في الأسماء الحسنى، وقيل -وهو الرَّابع عشر-: كلمة التَّوحيد، نقله القاضي عياض. انتهى. ملخَّصًا من «الفتح» وبالله التَّوفيق.
(٦٩) (بابُ المَوْعِظَةِ ساعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) خوفَ السَّآمة.
٦٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ، وليس له في «الصَّحيحين» ذكرٌ إلَّا في هذا الموضع (فَقُلْنَا) له: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَجْلِسُ) يا يزيدُ (قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ) منزلَ ابن مسعودٍ (فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ (١) صَاحِبَكُمْ) عبد الله بن مسعودٍ (وَإِلَّا) أي: وإنْ لم أُخرجه (جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ) معكم، وفي مسلمٍ من طريق أبي معاوية عن الأعمشِ عن شقيق: «فقلنا: أعلمْه بمكاننا، فدخلَ عليه» (فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ) بيدِ يزيد (فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ) جوابًا لقولهم: «وددنا أنَّك لو ذكَّرتنا كلَّ يومٍ» كما مرَّ في «العلم» [خ¦٦٨] (أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أَخْبَرُ) بفتح الهمزة والموحدة (بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ) للموعظةِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا) بالخاء المعجمة، يتعهَّدُنا (بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ) يعني: يذكِّرنا أيَّامًا، ويتركنا أيَّامًا (كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أي: أن تقع منا
стр. 11230
السَّآمةُ رفقًا منه ﷺ بنا، وحسنًا في التَّوصل إلى تعليمنا؛ لنأخذ عنه بنشاطٍ، فإنَّ التَّعليم بالتَّدريج أدعى إلى الثَّبات، وضمَّن «السَّآمة» معنى المشقَّة فعدَّاها بـ «على»، والله الموفِّق.
هذا آخرُ «كتاب الدُّعاء» فرغَ منه مؤلِّفه أحمد (١) القسطلانيُّ بعد صلاة العشاء في اللَّيلة المسفر صباحها عن يوم الأربعاء الثَّامن والعشرين (٢) من (٣) جمادى الآخرة سنة أربع عشرة (٤) وتسع مئةٍ، أعانه الله على إتمامهِ، ونفع به، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
стр. 11231
((٨١)) (١) (كِتَابُ الرِّقَاقِ) بكسر الراء وبالقافين بينهما ألف، جمع: رَقيق، وهو الَّذي فيه رقَّة وهي الرَّحمة ضدُّ الغِلْظة. قال في «الكواكب»: أي: كتابُ الكلمات المرقِّقة للقلوب، ويُقال لِلْكثيرِ (٢) الحياء: رقَّ وجهُه، أي: استحيَا. وقال الرَّاغب: متى كانت الرِّقَّة في جسمٍ فضدُّها الصَّفاقة، كثوبٍ صفيقٍ وثوبٍ رقيقٍ، ومتى كانت في نفس فضدُّها القسوة، كرقيق القلب وقاسيه، وعبَّر جماعةٌ منهم النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» بقولهم: كتاب الرَّقائق، وكذا في نسخةٍ معتمدةٍ من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ، والمعنى واحدٌ، وسُمِّيت أحاديثُ الباب بذلك؛ لأنَّ فيها من الوعظِ والتَّنبيه ما يجعلُ القلب رقيقًا ويُحْدِث فيه الرِّقَّة. (الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ، وَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وسقط عندهُ عن الكُشميهنيِّ والمُستملي «الصِّحَّة والفراغ» ولأبي الوقت كما في «الفتح»: «باب لا عيشَ إلَّا عيش الآخرة» ولكريمة عن الكُشميهنيِّ: «ما جاء في الرِّقاق، وأنَّ لا عيش إلَّا عيش الآخرة». وزاد في الفرع كأصله: «باب ما جاءَ في الرِّقاق، وأن لا عيش إلَّا عيشُ الآخرة» وفيهما أيضًا: «باب لا عيش إلَّا عيش الآخرة». (بسم الله الرحمن الرحيم) وفي «الفتح» كـ «اليونينية» تقديمُ البسملةِ على الكتاب (٣).
стр. 11232
٦٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّميميُّ البلخيُّ (٢) كذا للأكثرِ بالألف في أوَّله، وهو اسمٌ بلفظ النَّسب، وهو من الطَّبقة العليا من شيوخ البخاريِّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (هُوَ) أي: سعيدُ (ابْنُ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريُّ مولى سَمُرة بن جندبٍ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن أبي هندٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نِعْمَتَانِ) تثنية: نِعمة، وهي الحالة الحسنةُ. وقال الإمام فخر الدِّين: المنفعةُ المفعولة على جهةِ الإحسان إلى الغير، وزاد الدَّارميُّ: «من نِعَمِ الله» (مَغْبُونٌ فِيهِمَا) أي: في النِّعمتين (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) رفعٌ بالابتداء، وخبره: «مغبونٌ» مقدَّمًا، والجملةُ خبر «نعمتان» وهما (الصِّحَّةُ) في البدنِ (وَالفَرَاغُ) من الشَّواغل بالمعاشِ المانعِ له عن العبادة، والغَبْن: بفتح الغين (٣) المعجمة وسكون الموحدة: النَّقص في البيع، وبتحريكها: في الرَّأي، أي: ضعفُ الرَّأي. قال في «الكواكب»: فكأنَّه قال: هذان الأمران إذا لم يُستعملا فيما ينبغِي فقد غُبِن صاحبهما فيهما، أي: باعهمَا ببخسٍ لا تُحمد عاقبتُه، أو: ليس له رأيٌ في ذلك البتَّة؛ فقد (٤) يكونُ الإنسانُ صحيحًا، ولا يكون متفرِّغًا للعبادةِ لاشتغالهِ بالمعاشِ وبالعكس (٥)، فإذا اجتمع الصِّحَّة والفراغ وقصَّر في نيل الفضائل فذلك الغبنُ كلّ الغبن؛ لأنَّ الدُّنيا سوقُ الأرباح، ومزرعةٌ للآخرة، وفيها التِّجارة الَّتي يظهرُ ربحها في الآخرة، فمن استعملَ فراغه وصحَّته في طاعةِ مولاه فهو المغبوط، ومن استعملَهما في معصيةِ الله فهو المَغبونُ؛ لأنَّ الفراغَ يعقبُه الشُّغل والصِّحَّة يعقبُها السُّقم، ولو (٦) لم يكن إلَّا الهرم لكفى (٧).
والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق»، وابن ماجه في «الرَّقائق».
стр. 11233
(قَالَ عَبَّاسٌ) بالموحدة المشدَّدة آخره مهملة، ابن عبد العظيمِ (العَنْبَرِيُّ) البصريُّ الحافظ أحدُ شيوخ البخاريِّ (حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى) الزُّهريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابنُ أبي هند» (عَنْ أَبِيهِ) سعيد السَّابق، أنَّه (قال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق.
ورواهُ ابن ماجه عن العبَّاس العنبريِّ.
٦٤١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة المفتوحتين، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفرٍ» بدل قولهِ: «غندر» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بن إياسٍ المزنيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ قَالَ) عند حفرِ الخندق متمثِّلًا بقول ابنِ رواحة: (اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ) بكسر الجيم وسكون الهاء، كهاء «الآخره».
٦٤١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ) بكسر الميم وسكون القاف وبعد الدال المهملة ألف فميم، العجليُّ قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة (١) مصغَّرًا (بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّمَيْريُّ بضم النون وفتح الميم بعدها تحتية ساكنة مصغرًا، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بنُ دينارٍ قال: (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) ﵁ (قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالخَنْدَقِ) ولغيرِ أبي الوقتِ: «في الخندق» (وَهْوَ يَحْفِرُ) بكسر الفاء، فيه (وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ) زاد في «مناقب الأنصار» [خ¦٣٧٩٧] «على أكتادنا»
стр. 11234
وفُسِّر ثمَّ بما بين الكاهلِ إلى الظَّهر (وَيَمُرُّ) ﷺ من المرورِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وبصر» (بِنَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ) الرِّواية الأولى: «فأصلح الأنصار» [خ¦٦٤١٣] وهذه: «فاغفرْ»، وفي أُخرى: «فأكرمْ» [خ¦٢٩٦١].
ومطابقتهُ للتَّرجمة ظاهرةٌ، وفيه إشارةٌ إلى تحقيرِ عيش الدُّنيا لما يعرض له من التَّكدير (١) والتَّنغيص وسرعة الزَّوال.
والحديثُ سبق في «مناقبِ الأنصار» [خ¦٣٧٩٧].
(تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ) وهذا ثابتٌ في رواية غير أبي ذرٍّ ساقطٌ منها، ويحتاج -كما قال صاحب «التَّلويح» فيما نقله عنه في «عمدة القاري» - إلى نظرٍ طويلٍ. قال غيره: إنَّه ليس بموجودٍ في نسخ البخاريِّ. قال: فينبغِي إسقاطه. انتهى (٢).
(٢) (باب مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ) الجارُّ والمجرور يتعلَّق بمحذوفٍ، تقديرُه: مثل الدُّنيا بالنِّسبة إلى الآخرة، وكلمة «في» بمعنى «إلى» كقوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] والخبر محذوفٌ تقديره: كمثل لا شيء، وفي حديث المُسْتَورِد المرويِّ (٣) في مسلمٍ مرفوعًا: «ما الدُّنيَا في الآخرةِ إلَّا مثلُ ما يجعل أحدُكُم إِصبعهُ في اليَمِّ فليَنظُر بِمَ يَرجِع». قال الطِّيبيُّ: أي: مَثَل الدُّنيا في جنبِ الآخرة وهو تمثيلٌ على سبيل التَّقريب، وإلَّا فأين المناسبة بين المتناهِي وغير (٤) المتناهِي؟ (وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾) كلعب الصِّبيان (﴿وَلَهْوٌ﴾) كلهوِ القِيَان (﴿وَزِينَةٌ﴾) كزينةِ النِّسوان (﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾) كتفاخُرِ الأقران (﴿وَتَكَاثُرٌ﴾) كتكاثرِ الرُّهبان (٥) (﴿فِي
стр. 11235
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾) أي: مباهاة بهما، والتَّكاثر: ادِّعاء الاستكثارِ (﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾) بعد خضرتهِ (﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾) متفتِّتًا. شبَّه حال الدُّنيا وسرعة تقضيها مع قلَّة جدواهَا بنباتٍ أنبتَهُ الغيثُ فاستوى وقويَ، وأُعْجب به الكفَّار الجاحدونَ لنعمةِ الله فيما رزقَهم من الغيثِ والنَّبات، فبعثَ عليه العاهةَ فهاج واصفرَّ وصار حُطامًا عقوبةً لهم على جحودِهِم كما فعلَ بأصحاب الجنَّة، وصاحب الجنَّتين، وقيل: الكفَّار: الزُّرَّاع. وقال العمادُ بنُ كثير: أي: أعجب الزُّرَّاع نباتُ ذلك الزَّرع الَّذي نبت بالغيثِ، وكما يعجب الزُّرَّاع ذلك كذلك تُعجب الحياة الدُّنيا الكفَّار (١)، فإنَّهم أحرص شيءٍ عليها، وأميل النَّاس إليها، ثمَّ يهيجُ فتراه مصفرًّا، ثمَّ يكون حطامًا، أي: يهيجُ ذلك الزَّرع فتراهُ مصفرًّا بعدمَا كان أخضر نضرًا، ثمَّ يصير يبسًا متحطِّمًا؛ هكذا الحياة الدُّنيا تكون أوَّلًا شابًّة، ثمَّ تكتهلُ، ثمَّ تكون عجوزًا شَوهاء، والإنسانُ كذلك يكون في أوَّل عمرهِ وعنفوانِ شبابهِ غضًّا طريًّا ليِّن الأعطافِ بَهيَّ المنظرِ، ثمَّ إنَّه يشرعُ في الكُهُولة فتتغيَّر طباعُه ويفقدُ بعض قِواه، ثمَّ يكبر فيصيرُ شيخًا كبيرًا ضعيف القوى، قليل الحركةِ، يعجز عن المشي (٢) اليسير، ولمّا كان هذا المثلُ دالًّا على زوال الدُّنيا وانقضائها، والآخرة كائنةٌ لا محالة حذَّر من أمرها ورغَّب فيما فيها من الخيراتِ، فقال: (﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾) للكفَّار (﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ﴾) للمؤمنين (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]) لمن ركنَ إليها واعتمدَ عليها. قال ذو النُّون المصريُّ: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدُّنيا، وإنْ طلبتموها فلا تحبُّوها، فإنَّ الزَّاد منها والمَقيلُ في غيرها، وسقط من قوله «﴿وَزِينَةٌ﴾ … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ، وقال عَقِب قوله ﴿وَلَهْوٌ﴾: «إلى قوله: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾».
٦٤١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السين، ابن سعدٍ السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ) بلام التَّأكيد
стр. 11236
(فِي سَبِيلِ اللهِ) شاملٌ للجهاد وغيره (أَوْ رَوْحَةٌ) للتَّنويع لا للشَّكِّ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).
(٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) سقط لأبي ذرٍّ «أو عابر سبيل».
٦٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية، نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) سقط «سليمان» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) سقط «عبد الله» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي) بكسر الكاف والموحدة وتخفيف التَّحتية، مجمعُ العضد والكتف. قال في «الفتح»: وضُبِطَ في بعض الأصول: «بمنكبَيَّ» بلفظ التَّثنية (فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) قَدِمَ بلدًا لا مسكنَ له فيها يؤويه، ولا سكنَ يسلِّيه، خالٍ عن الأهلِ والعيال والعلائق الَّتي هي سبب الاشتغال عن الخالق، ولمَّا شبَّه النَّاسك السَّالك بالغريب الَّذي ليس له مسكنٌ ترقَّى وأضربَ عنه بقوله: (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) لأنَّ الغريب قد يسكنُ في بلاد الغربةِ ويقيم فيها، بخلاف عابر السَّبيل القاصد للبلد الشَّاسع، وبينه وبينها أوديةٌ مُرْدِيةٌ ومفاوز مهلكةٌ، وهو بمرصدٍ من قطَّاع الطَّريق، فهل له أن يُقيم لحظةً أو يسكن لمحةً، ومن ثمَّ عقَّبه بقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ) أي: سِرْ دائمًا ولا تفتر عن السَّير ساعةً، فإنَّك
стр. 11237
إن قصَّرت في السَّير انقطعتَ عن المقصودِ، وهلكتَ في تلك الأودية هذا معنى المُشبَّه به، وأمَّا المُشبَّه فهو قوله: (وَخُذْ مِنْ) زمن (صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) وفي رواية ليثِ بن أبي سُلَيمٍ عن مجاهدٍ -عند أحمد والتِّرمذيِّ-: «لسَقَمِك» أي: سِر سيرك القصد في حال صحَّتك بل لا تقنعْ به، وزدْ عليه بقدر قوَّتك ما دامتْ فيك قوَّةٌ بحيث يكون ما بك (١) من تلك الزِّيادة قائمًا مقام ما لعلَّه يفوت حالَ المرض والضَّعف، أو اشتغل في الصِّحَّة بالطَّاعة بحيث لو حصلَ تقصيرٌ في المرضِ لانجبر بذلك، وفي قوله: (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) إشارةٌ إلى أخذِ نصيب الموت، وما يحصل فيه من الفتورِ من السَّقم، يعني: لا تقعد في المرض عن السَّير كلَّ القعود بل ما أمكنك منه، فاجتهدْ فيه حتَّى تنتهي إلى لقاءِ الله وما عندَه من الفلاح والنَّجاح، وإلَّا خِبتَ وخسرت، وزاد ليث: «فإنَّك لا تدرِي يا عبد الله ما اسمُك غدًا». أي: هل يُقال لك: شقيٌّ أم سعيدٌ؟ أو هل يُقال لك: حيٌّ أو ميِّتٌ؟ وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الحاكمِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنِم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هرمِكَ، وصحَّتكَ قبلَ سقمِكَ، وغناكَ قبلَ فقركَ، وفراغكَ قبلَ شُغلكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ» فالعاقلُ إذا أمسىَ لا ينتظر الصَّباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظنُّ أنَّ أجلهُ يدركهُ قبل ذلك، فيعملُ ما يَلْقَى نفعَه بعد موته، ويبادرُ أيَّام صحَّته بالعملِ الصَّالح، فإنَّ المرض قد يطرأُ فيمنعُ من العملِ فيخشى على من فرَّط في ذلك أن يصلَ إلى المعاد بغير زادٍ، فمَن لم ينتهزِ الفرصة يندمْ، وما أحسن قول من قال:
إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا … فَإِنِّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ
وَلَا تَغْفُلْ عَنْ الإِحْسَانِ فِيْهَا … فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلَا تُقَصِّر … فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتُهُ يَخُوْنُ (٢)
والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ.
стр. 11238
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي الأَمَلِ وَطُوْلِهِ) بفتح الهمزة والميم، وهو الرَّجاء فيما تحبُّه النَّفس من طول عمرٍ، وزيادة غنًى. يقال: أَمَّلَ خيرَه يأمله أملًا، وكذلك التَّأميل، ومعناه قريبٌ من التَّمنِّي، وقيل: الفرق بينهما: أنَّ الأمل ما تقدَّم سببه والتَّمنِّي بخلافهِ، وقيل: الأملُ إرادةُ الشَّخص تحصيل شيءٍ يمكن (١) حصولهُ، فإذا فاته تمنَّاه، والرَّجاء تعليق القلب بمحبوبٍ؛ ليحصل في المستقبل، والفرقُ بين الرَّجاء والتَّمنِّي؛ أنَّ التَّمنِّي يورثُ صاحبه (٢) الكسلَ، ولا يسلك طريق الجهدِ والجدِّ، وبعكسه صاحب الرَّجاء، فالرَّجاء محمودٌ، والتَّمنِّي معلولٌ كالأمل إلَّا للعالم في العلمِ، فلولا طولُ أملهِ ما صنَّف ولا ألَّف، وفي الأملِ سرٌّ لطيفٌ؛ لأنَّه لولا الأملُ ما تهنَّى أحدٌ بعيشٍ ولا طابتْ نفسُه أن يشرعَ في عملٍ من أعمالِ الدُّنيا، وإنَّما المذمومُ منه الاسترسالُ فيه، وعدمُ الاستعداد لأمرِ الآخرة.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقوله تعالى»: (﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾) بَعُدَ (﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾) ظفرَ بالخيرِ، وقيل: فقد حصلَ له الفوزُ المُطلق، وقيل: الفوزُ نيلُ المحبوب، والبعدُ عن المكروهِ (﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) المتاعُ ما يتمتعُ به وينتفعُ، والغرورُ يجوزُ أن يكون مصدرًا من قولكَ: غررت فلانًا غرورًا، شبَّه الدُّنيا بالمتاعِ الَّذي يُدَلَّسُ به على المستامِ ويُغَرُّ حتَّى يشتريهِ، ثمَّ يتبيَّن له فسادهُ ورداءتهُ، والشَّيطان هو المُدلِّس الغَرور، وقرأ عبدُ الله بفتح الغين، وفسّر بالشَّيطان، ويجوز أن يكون فعولًا بمعنى مفعول، أي: متاعُ المَغْرور، أي: المخدُوع، وأصل الغَرَر (٣): الخَدْع. قال سعيدُ بن جبيرٍ: هذا في حقِّ من آثرَ الدُّنيا على الآخرة، وأمَّا من طلبَ متاع الدُّنيا للآخرة فإنَّها نِعْمَ المتاع. وعن الحسنِ: كخضرةِ النَّبات ولعب البنات لا حاصلَ لها، فينبغي للإنسان أنْ يأخذَ من هذا المتاع بطاعةِ الله تعالى ما استطاع (بِمُزَحْزِحِهِ) أي:
стр. 11239
(بِمُبَاعِدِهِ) بكسر العين، يعني: أنَّ معنى قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ (١) بُوعِدَ، وأصل الزَّحزحة: الإزالة، ومن أزيلَ عن شيءٍ فقد بُوْعِدَ منه، وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾» إلى آخر قوله «﴿الْغُرُورِ﴾».
(وقَوْلِهِ) تعالى: (﴿ذَرْهُمْ﴾) أمرُ إهانةٍ، أي: اقطَعْ طمعَك من ارعوائهم، وَدَعْ عنك (٢) النَّهي عمَّا هم عليه بالتَّذكرة والنَّصيحة وخلِّهم (﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾) بدُنياهم فهي خلاقهم، ولا خَلاق لهم في الآخرة (﴿وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾) يشغلُهم الأملُ عن الأخذِ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]) إذا وردوا القيامةَ وذَاقوا وبالَ صنيعِهم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ إيثار التَّلذُّذ والتَّنعُّم وما يؤدِّي إليه طولُ الأمل ليسَ من أخلاقَ المؤمنين، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ، وقال بعضُ العلماء: ﴿ذَرْهُمْ﴾ تهديدٌ، و ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ آخر، فمتى يهنأ العيشُ بين تهديدين، والآية نسختها آية القتال، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَيَتَمَتَّعُواْ﴾: «الآية».
(وَقَالَ عَلِيٌّ) ﵁ من قوله موقوفًا، ولأبي ذرٍّ: «عليُّ بن أبي طالبٍ»: (ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا) حال كونها (مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ (٣) الآخِرَةُ) حالَ كونها (مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) من الآخرةِ والدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «منها» (بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ) قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: اليوم ليس عملًا بل فيه العملُ، ولا يمكن تقدير «في» وإلَّا وجبَ نصب «عملٍ»؟ وأجاب بأنَّه جعلهُ نفس العمل مبالغةً كقولهم: أبو حنيفة فقهٌ، ونهاره صائمٌ (وَلَا حِسَابَ) فيه (وَغَدًا حِسَابٌ) بالرَّفع (وَلَا عَمَلَ) فيه، أي: فإنَّه على أنَّ اسمَ «إنَّ» ضمير شأن (٤) حذفَ، وهو عندَهم قليلٌ، أو هو على حذفِ مضافٍ إمَّا من
стр. 11240
الأوَّل وإمَّا من الثَّاني، أي: فإنَّ حال اليوم عملٌ ولا حسابٌ، أو (١) فإنَّ اليوم يوم عملٍ ولا حساب (٢). وهذا رواهُ ابن المبارك في «الزُّهد» من طرقٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، وزُبَيد الأياميِّ، عن رجلٍ من بني عامرٍ، وسمِّي في روايةٍ لابن أبي شيبة مهاجرًا العامريَّ، وكذا في «الحلية» لأبي نُعيمٍ من طريق أبي مريم، عن زُبيدٍ، عن مهاجرِ بن عُمَير قال: قال عليٌّ: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم اتِّباعُ الهوى وطولُ الأمل، فأمَّا اتِّباع الهوى فيصدُّ عن الحقِّ، وأمَّا طولُ الأملِ فيُنسي الآخرة، ألا وإنَّ الدُّنيا ارتحلتْ مدبرةً … » الحديث. وقال بعضُ الحكماء -ممَّا أخذهُ من قول عليٍّ ﵁ هذا-: الدُّنيا مدبرةٌ والآخرة مقبلةٌ، فعجب لمن يُقبل على المدبرةِ ويُدبر عن المقبلةِ.
٦٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيْدٍ) القطَّان، وسقط لغير أبي (٣) ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ سُفْيَانَ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) سعيد بن مسروقٍ الثَّوريُّ (عَنْ مُنْذِرٍ) بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة بعدها راء، ابن يَعلى الثَّوريِّ الكوفيِّ (عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ) بضم المعجمة وفتح المثلثة، و «رَبِيعٌ» بفتح الراء وكسر الموحدة، الثَّوريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا) مستوي الزَّوايا (وخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ) أي: من الخطِّ المربَّع (وَخَطَّ خُطُطًا)