(فِي سَبِيلِ اللهِ) شاملٌ للجهاد وغيره (أَوْ رَوْحَةٌ) للتَّنويع لا للشَّكِّ (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).
(٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) سقط لأبي ذرٍّ «أو عابر سبيل».
٦٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو المُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية، نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة (عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ) سقط «سليمان» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) سقط «عبد الله» لأبي ذرٍّ، أنَّه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي) بكسر الكاف والموحدة وتخفيف التَّحتية، مجمعُ العضد والكتف. قال في «الفتح»: وضُبِطَ في بعض الأصول: «بمنكبَيَّ» بلفظ التَّثنية (فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ) قَدِمَ بلدًا لا مسكنَ له فيها يؤويه، ولا سكنَ يسلِّيه، خالٍ عن الأهلِ والعيال والعلائق الَّتي هي سبب الاشتغال عن الخالق، ولمَّا شبَّه النَّاسك السَّالك بالغريب الَّذي ليس له مسكنٌ ترقَّى وأضربَ عنه بقوله: (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) لأنَّ الغريب قد يسكنُ في بلاد الغربةِ ويقيم فيها، بخلاف عابر السَّبيل القاصد للبلد الشَّاسع، وبينه وبينها أوديةٌ مُرْدِيةٌ ومفاوز مهلكةٌ، وهو بمرصدٍ من قطَّاع الطَّريق، فهل له أن يُقيم لحظةً أو يسكن لمحةً، ومن ثمَّ عقَّبه بقوله: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ) أي: سِرْ دائمًا ولا تفتر عن السَّير ساعةً، فإنَّك
стр. 11237
إن قصَّرت في السَّير انقطعتَ عن المقصودِ، وهلكتَ في تلك الأودية هذا معنى المُشبَّه به، وأمَّا المُشبَّه فهو قوله: (وَخُذْ مِنْ) زمن (صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) وفي رواية ليثِ بن أبي سُلَيمٍ عن مجاهدٍ -عند أحمد والتِّرمذيِّ-: «لسَقَمِك» أي: سِر سيرك القصد في حال صحَّتك بل لا تقنعْ به، وزدْ عليه بقدر قوَّتك ما دامتْ فيك قوَّةٌ بحيث يكون ما بك (١) من تلك الزِّيادة قائمًا مقام ما لعلَّه يفوت حالَ المرض والضَّعف، أو اشتغل في الصِّحَّة بالطَّاعة بحيث لو حصلَ تقصيرٌ في المرضِ لانجبر بذلك، وفي قوله: (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) إشارةٌ إلى أخذِ نصيب الموت، وما يحصل فيه من الفتورِ من السَّقم، يعني: لا تقعد في المرض عن السَّير كلَّ القعود بل ما أمكنك منه، فاجتهدْ فيه حتَّى تنتهي إلى لقاءِ الله وما عندَه من الفلاح والنَّجاح، وإلَّا خِبتَ وخسرت، وزاد ليث: «فإنَّك لا تدرِي يا عبد الله ما اسمُك غدًا». أي: هل يُقال لك: شقيٌّ أم سعيدٌ؟ أو هل يُقال لك: حيٌّ أو ميِّتٌ؟ وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الحاكمِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنِم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هرمِكَ، وصحَّتكَ قبلَ سقمِكَ، وغناكَ قبلَ فقركَ، وفراغكَ قبلَ شُغلكَ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ» فالعاقلُ إذا أمسىَ لا ينتظر الصَّباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظنُّ أنَّ أجلهُ يدركهُ قبل ذلك، فيعملُ ما يَلْقَى نفعَه بعد موته، ويبادرُ أيَّام صحَّته بالعملِ الصَّالح، فإنَّ المرض قد يطرأُ فيمنعُ من العملِ فيخشى على من فرَّط في ذلك أن يصلَ إلى المعاد بغير زادٍ، فمَن لم ينتهزِ الفرصة يندمْ، وما أحسن قول من قال:
إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا … فَإِنِّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ
وَلَا تَغْفُلْ عَنْ الإِحْسَانِ فِيْهَا … فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
إِذَا ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلَا تُقَصِّر … فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتُهُ يَخُوْنُ (٢)
والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ.
стр. 11238
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (فِي الأَمَلِ وَطُوْلِهِ) بفتح الهمزة والميم، وهو الرَّجاء فيما تحبُّه النَّفس من طول عمرٍ، وزيادة غنًى. يقال: أَمَّلَ خيرَه يأمله أملًا، وكذلك التَّأميل، ومعناه قريبٌ من التَّمنِّي، وقيل: الفرق بينهما: أنَّ الأمل ما تقدَّم سببه والتَّمنِّي بخلافهِ، وقيل: الأملُ إرادةُ الشَّخص تحصيل شيءٍ يمكن (١) حصولهُ، فإذا فاته تمنَّاه، والرَّجاء تعليق القلب بمحبوبٍ؛ ليحصل في المستقبل، والفرقُ بين الرَّجاء والتَّمنِّي؛ أنَّ التَّمنِّي يورثُ صاحبه (٢) الكسلَ، ولا يسلك طريق الجهدِ والجدِّ، وبعكسه صاحب الرَّجاء، فالرَّجاء محمودٌ، والتَّمنِّي معلولٌ كالأمل إلَّا للعالم في العلمِ، فلولا طولُ أملهِ ما صنَّف ولا ألَّف، وفي الأملِ سرٌّ لطيفٌ؛ لأنَّه لولا الأملُ ما تهنَّى أحدٌ بعيشٍ ولا طابتْ نفسُه أن يشرعَ في عملٍ من أعمالِ الدُّنيا، وإنَّما المذمومُ منه الاسترسالُ فيه، وعدمُ الاستعداد لأمرِ الآخرة.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقوله تعالى»: (﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾) بَعُدَ (﴿عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾) ظفرَ بالخيرِ، وقيل: فقد حصلَ له الفوزُ المُطلق، وقيل: الفوزُ نيلُ المحبوب، والبعدُ عن المكروهِ (﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) المتاعُ ما يتمتعُ به وينتفعُ، والغرورُ يجوزُ أن يكون مصدرًا من قولكَ: غررت فلانًا غرورًا، شبَّه الدُّنيا بالمتاعِ الَّذي يُدَلَّسُ به على المستامِ ويُغَرُّ حتَّى يشتريهِ، ثمَّ يتبيَّن له فسادهُ ورداءتهُ، والشَّيطان هو المُدلِّس الغَرور، وقرأ عبدُ الله بفتح الغين، وفسّر بالشَّيطان، ويجوز أن يكون فعولًا بمعنى مفعول، أي: متاعُ المَغْرور، أي: المخدُوع، وأصل الغَرَر (٣): الخَدْع. قال سعيدُ بن جبيرٍ: هذا في حقِّ من آثرَ الدُّنيا على الآخرة، وأمَّا من طلبَ متاع الدُّنيا للآخرة فإنَّها نِعْمَ المتاع. وعن الحسنِ: كخضرةِ النَّبات ولعب البنات لا حاصلَ لها، فينبغي للإنسان أنْ يأخذَ من هذا المتاع بطاعةِ الله تعالى ما استطاع (بِمُزَحْزِحِهِ) أي:
стр. 11239
(بِمُبَاعِدِهِ) بكسر العين، يعني: أنَّ معنى قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ (١) بُوعِدَ، وأصل الزَّحزحة: الإزالة، ومن أزيلَ عن شيءٍ فقد بُوْعِدَ منه، وهذا ثابتٌ هنا لأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾» إلى آخر قوله «﴿الْغُرُورِ﴾».
(وقَوْلِهِ) تعالى: (﴿ذَرْهُمْ﴾) أمرُ إهانةٍ، أي: اقطَعْ طمعَك من ارعوائهم، وَدَعْ عنك (٢) النَّهي عمَّا هم عليه بالتَّذكرة والنَّصيحة وخلِّهم (﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾) بدُنياهم فهي خلاقهم، ولا خَلاق لهم في الآخرة (﴿وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾) يشغلُهم الأملُ عن الأخذِ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]) إذا وردوا القيامةَ وذَاقوا وبالَ صنيعِهم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ إيثار التَّلذُّذ والتَّنعُّم وما يؤدِّي إليه طولُ الأمل ليسَ من أخلاقَ المؤمنين، وهذا تهديدٌ ووعيدٌ، وقال بعضُ العلماء: ﴿ذَرْهُمْ﴾ تهديدٌ، و ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ آخر، فمتى يهنأ العيشُ بين تهديدين، والآية نسختها آية القتال، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَيَتَمَتَّعُواْ﴾: «الآية».
(وَقَالَ عَلِيٌّ) ﵁ من قوله موقوفًا، ولأبي ذرٍّ: «عليُّ بن أبي طالبٍ»: (ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا) حال كونها (مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ (٣) الآخِرَةُ) حالَ كونها (مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) من الآخرةِ والدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «منها» (بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ) قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: اليوم ليس عملًا بل فيه العملُ، ولا يمكن تقدير «في» وإلَّا وجبَ نصب «عملٍ»؟ وأجاب بأنَّه جعلهُ نفس العمل مبالغةً كقولهم: أبو حنيفة فقهٌ، ونهاره صائمٌ (وَلَا حِسَابَ) فيه (وَغَدًا حِسَابٌ) بالرَّفع (وَلَا عَمَلَ) فيه، أي: فإنَّه على أنَّ اسمَ «إنَّ» ضمير شأن (٤) حذفَ، وهو عندَهم قليلٌ، أو هو على حذفِ مضافٍ إمَّا من
стр. 11240
الأوَّل وإمَّا من الثَّاني، أي: فإنَّ حال اليوم عملٌ ولا حسابٌ، أو (١) فإنَّ اليوم يوم عملٍ ولا حساب (٢). وهذا رواهُ ابن المبارك في «الزُّهد» من طرقٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، وزُبَيد الأياميِّ، عن رجلٍ من بني عامرٍ، وسمِّي في روايةٍ لابن أبي شيبة مهاجرًا العامريَّ، وكذا في «الحلية» لأبي نُعيمٍ من طريق أبي مريم، عن زُبيدٍ، عن مهاجرِ بن عُمَير قال: قال عليٌّ: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم اتِّباعُ الهوى وطولُ الأمل، فأمَّا اتِّباع الهوى فيصدُّ عن الحقِّ، وأمَّا طولُ الأملِ فيُنسي الآخرة، ألا وإنَّ الدُّنيا ارتحلتْ مدبرةً … » الحديث. وقال بعضُ الحكماء -ممَّا أخذهُ من قول عليٍّ ﵁ هذا-: الدُّنيا مدبرةٌ والآخرة مقبلةٌ، فعجب لمن يُقبل على المدبرةِ ويُدبر عن المقبلةِ.
٦٤١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيْدٍ) القطَّان، وسقط لغير أبي (٣) ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ سُفْيَانَ) أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) سعيد بن مسروقٍ الثَّوريُّ (عَنْ مُنْذِرٍ) بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة بعدها راء، ابن يَعلى الثَّوريِّ الكوفيِّ (عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ) بضم المعجمة وفتح المثلثة، و «رَبِيعٌ» بفتح الراء وكسر الموحدة، الثَّوريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا) مستوي الزَّوايا (وخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ) أي: من الخطِّ المربَّع (وَخَطَّ خُطُطًا)
стр. 11241
بضم الخاء مُصحَّحًا عليها في الفرع وأصلهِ (١) وتكسر، وبضم الطاء الأولى وتفتح، وهي عن أبي الوقتِ في نسخة، أي: «خِطَطًا» (٢) (صِغَارًا إِلَى) جانبِ (هَذَا) الخطِّ (الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ) وصورته الَّتي يتنزَّل سياق لفظ الحديثِ عليها:
(وَقَالَ) ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «فقال» بالفاء بدل الواو: (هَذَا الإِنْسَانُ) مبتدأ وخبر، أي: هذا الخطُّ هو الإنسانُ على سبيل التَّمثيل (وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ) إشارة إلى المربَّع (أَوْ) قال ﷺ : (قَدْ أَحَاطَ بِهِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَهَذَا) الخطُّ المستطيلُ المنفرد (الَّذِي هُوَ خَارِجٌ) من وسط الخطِّ المربَّع (أَمَلُهُ وَهَذِهِ الخُطُطُ) بضم الخاء والطاء (٤) الأولى، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الخطوط» (الصِّغَارُ) أي: الشَّطبات الَّتي في الخطِّ الخارج من وسط المُربَّع من أسفلهِ أو من أسفلهِ وأعلاه (الأَعْرَاضُ) بالعين المهملة والضاد المعجمة، أي: الآفاتُ العارضة له كمرضٍ أو فَقْدِ مالٍ أو غيرهما، والمُراد بالخطوط المثالُ لا عددٌ مخصوصٌ معيَّنٌ (فَإِنْ أَخْطَأَهُ) أي: فإن تجاوز عنه (هَذَا) العَرض (٥) وسَلِم منه، ولأبي ذرٍّ: «أخطأ» بحذف الضَّمير، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «هذه» بالتَّأنيث (نَهَشَهُ) بالشين المعجمة، أصابهُ وأخذهُ (هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَ هَذَا) العرضُ (نَهَشَهُ) أخذهُ (هَذَا) العرضُ الآخر وهو الموتُ، فمن لم يمت بالسَّبب مات بالأجلِ، والحاصلُ: أنَّ الإنسانَ يتعاطَى الأمل ويختلجهُ الأجلُ دون
стр. 11242
الأمل، وسقطَ لأبي الوقت «الهاء» من «أخطأه» في الموضعين، وعبَّر بالنَّهش وهو لدغُ ذوات السُّمِّ مبالغةً في الاحترازِ (١).
والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق»، وابن ماجه في «الزُّهد».
٦٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) الفَراهيديُّ -بالفاء المفتوحة- ابنُ إبراهيم الحافظ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ قال: (عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: هَذَا الأَمَلُ) الَّذي يُؤمِّله الإنسان (وَهَذَا أَجَلُهُ) والخطُّ الآخر الإنسانُ، والخطوطُ الأُخَرُ الآفاتُ الَّتي تعرضُ له (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ كَذَلِكَ) طالبٌ لأمله البعيد (إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ) الأوسط (الأَقْرَبُ) وهو الأجلُ المحيط به، إذ لا شكَّ أن َّالخطَ المحيط هو أقرب من الخطِّ الخارج عنه (٢)، وعند البيهقيِّ في «الزُّهد» من وجه آخر عن إسحاق: «خطَّ خطوطًا وخطَّ خطًّا ناحيةً، ثمَّ قال: هَل تدرونَ ما هذا؟ هذا مثلُ ابنِ آدمَ ومثلُ التَّمني، وذلكَ الخطُّ الأملُ، بينمَا يُؤمِّل إذ جاءَهُ الموتُ».
وعند التِّرمذيِّ من رواية حمَّاد بن سلمة، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر بنِ أنس، عن أنسٍ بلفظ: «هذا ابنُ آدمَ وهذا أجلُهُ، ووضعَ يدهُ عندَ قفاهُ، ثمَّ بسطَهَا فقالَ: وثمَّ أملُهُ، وثمَّ أجلُهُ» أي: إنَّ أجله أقربُ إليه من أملهِ.
والحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ في «الرِّقاق».
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه (مَنْ بَلَغَ) من العُمر (سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ) (إِلَيْهِ فِي
стр. 11243
العُمُرِ) و «أعْذَر» بالعين المهملة والذال المعجمة، والهمزةُ فيه (١) للإزالةِ، أي: أزالَ الله عُذره، فلم يبقَ له اعتذارٌ كأنْ يقول: لو مُدَّ لي في الأجلِ لفعلتُ ما أُمرت به. يقال: أعذرَ إليه إذا بلَّغَه أقصى الغاية في العذرِ ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عذرٌ في تركِ الطَّاعة مع تمكُّنه منها بالعمر الَّذي حصلَ له، فلا ينبغِي له حينئذٍ إلَّا الاستغفار والطَّاعة والإقبال على الآخرة بالكليَّة، ونسبةُ الاعتذارِ إلى الله مجازيَّةٌ، والمعنى: إنَّ الله تعالى لم يتركْ للعبدِ سببًا في الاعتذارِ يتمسَّك به.
(لِقَوْلِهِ) : (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾) توبيخٌ من الله، أي: فيقولُ الله تعالى لهم ذلك توبيخًا.
قال الزَّجَّاج: أي: أَوَلَم نُعمِّركم العمر الَّذي يتذكَّر فيه من تذكَّر. وقال أبو البركات النَّسفيُّ: يجوزُ أن تكون «ما» نكرةً موصوفةً، أي: تعميرًا يتذكَّر فيه من تذكَّر. وقال ابنُ الحاجب: «ما» لا يستقيم أن تكون نافيةً من حيث اللَّفظ ومن حيث المعنى؛ أمَّا اللَّفظ فلأنَّها (٢) يجبُ قطعُها عن ﴿نُعَمِّرْكُم﴾ لأنَّه لا يجوزُ أن يكون النَّفي من معمولهِ، وأيضًا فإنَّ الضَّمير في ﴿فِيهِ﴾ يرجعُ إلى غير مذكورٍ، وأمَّا المعنى فلأنَّ قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ إنَّما سِيق لإثباتِ التَّعميرِ وتوبيخهم على تركهم (٣) التَّذكير فيه، فإذا جُعل نفيًا كان فيه إخبارٌ عن نفي تذكُّر متذكِّرٍ فيه، فظاهرُه على ذلك نفي التَّعمير؛ لأنَّه إذا كان زمانًا لا يتذكَّر فيه مُتذكِّرٌ لزم أن لا يكون تعميرًا وهو خلاف قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾. انتهى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ متناولٌ لكلِّ عمر تمكَّن فيه (٤) المُكلَّف من إصلاحِ شأنه وإن قصَّر، إلَّا أنَّ التَّوبيخ في المتطاولِ أعظم، واختُلف في مقدار العمر المُراد هنا، فعن عليِّ بن الحسين زين العابدين: سبع عشرة سنة، وعن وهبِ بنِ منبِّه: أربعون سنةً. وقال مسروقٌ: إذا بلغ أحدُكم أربعين (٥) سنة، فليأخذْ حذرَهُ من الله . وعن ابن عبَّاسٍ: ستُّون سنةً، وهو الصَّحيح كما سيأتي في حديث أبي هريرة أول أحاديث هذا الباب [خ¦٦٤١٩]، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواهُ ابنُ
стр. 11244
مَرْدويه: سبعون (١) سنةً، فالإنسانُ لا يزالُ في ازديادٍ إلى كمال السِّتِّين، ثمَّ يشرعُ بعد ذلك في النَّقص والهرمِ.
إِذَا بَلَغَ الفَتَى سِتِّينَ عَامًا … فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ وَالهَنَاءُ
ولمَّا كان هذا هو العمر الَّذي (٢) يُعذِر الله إلى عبادهِ به (٣) ويزيحُ عنه العلل، كان هذا (٤) هو الغالبَ على أعمار هذه الأمَّة، فعند أبي يَعلى من طريق إبراهيم بنِ الفضل، عن سعيد، عن أبي هُريرة: «مُعتركُ المنايا ما بين ستِّين وسبعين» لكنَّ إبراهيم بن الفضل ضعيف، وفي حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: «أعمارُ أمَّتِي ما بينَ السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلُّهُم من يجوزُ ذلكَ» رواه التِّرمذيُّ في «الزُّهد» (﴿وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]) زاد أبو ذرٍّ: «يعني: الشَّيب» وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ وغيره. وقال السُّدي (٥) وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم: المُراد به رسولُ الله ﷺ وهو الصَّحيح عن قتادةَ، فيكون احتجَّ عليهم بالعمر والرُّسل.
٦٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحة، ابن حسام أبو ظَفَر الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم العين وفتح العين، ابن عطاء بن مقدَّم المقدَّميُّ البصريُّ (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة (الغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة، نسبة إلى غفار، وعمرُ بن عليٍّ مدلِّس، وقد رواهُ عن معنٍ بالعنعنةِ، لكن أخرج الحديث أحمد عن (٦) عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن
стр. 11245
رجلٍ من بني غفار، عن سعيد، فصرَّح فيه بالسَّماع (١)، والمُبهم هو معن بن محمَّدٍ الغفاريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) ذكوان (المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، نسبة إلى مقبرةٍ بالمدينة كان يسكن عندها، وسقط «المقبريُّ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) كذا لأبي ذرٍّ ولغيره: «فقال» بفاء قبل القاف: (أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ) أي: أطالَ حياتهُ (حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) أي: لم يُبْقِ فيه موضِعًا للاعتذارِ حيث أمهلهُ إلى طول هذه المدَّة ولم يعتذر. يقال: أعذرَ الرَّجلُ إذا بلغَ أقصى الغاية في العذرِ. وقال التُّوربشتيُّ: ومنه قولهم: أَعذر من أَنذر، أي: أتى بالعذرِ وأظهره، وهو مجازٌ عن القول، فإنَّ العذرَ لا يتوجَّه على الله، وإنَّما يتوجه له على العبيدِ، وحقيقةُ المعنى فيه أنَّ الله لم يتركْ له شيئًا في الاعتذارِ يتمسَّك به، قال ابنُ بطَّال: إنَّما كانت السِّتُّون حدًّا؛ لأنَّها قريبةٌ من مُعترك المنايا، وهي سنُّ الإنابةِ والخشوع وترقُّب المنيَّة، فهذا إعذارٌ بعد إعذارٍ لطفًا من الله تعالى بعباده حتَّى (٢) نقلَهم من حالةِ الجهلِ إلى حالة العلمِ ثمَّ أعذرَ إليهم، فلم يعاقبهُم إلَّا بعد الحججِ الواضحةِ وإن كانوا فُطروا على حبِّ الدُّنيا وطول الأملِ، لكنَّهم أُمروا بمجاهدةِ النَّفس في ذلك؛ ليمتثلوا ما أُمروا به من الطَّاعة، وينزجروا عما نُهوا عنه من المعصية.
وقال بعض الحكماء: الأسنان أربعةٌ: سنُّ الطُّفوليَّة، ثمَّ الشَّباب، ثمَّ الكُهولة، ثمَّ الشَّيخوخة، وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون بين السِّتِّين إلى السَّبعين، فحينئذٍ يظهرُ ضعفُ القوَّة بالنَّقص والانحطاط، فينبغِي له الإقبالُ على الآخرةِ بالكلِّيَّة؛ لاستحالةِ أن يرجعَ إلى الحالةِ الأولى من النَّشاط والقوَّة.
قلتُ: ورأيتُ لأبي الفرج ابن الجوزيِّ الحافظ جزءًا لطيفًا سمَّاه «تنبيه الغَمْر بمواسم العمر» ذكرَ فيه أنَّها خمسةٌ: الأوَّل من وقت الولادةِ إلى زمن البلوغِ، والثَّاني إلى نهاية شبابه خمسٍ وثلاثين، والثَّالث إلى تمام الخمسين وهو الكهولة. قال: وقد يقال له: كهلٌ لِمَا قبل
стр. 11246
ذلك، والرَّابع إلى تمام السَّبعين وذلك زمان الشَّيخوخة، والخامسُ إلى آخر العُمر قال: وقد يتقدَّم ما ذكرنا من السِّنين (١) ويتأخَّر.
(تَابَعَهُ) أي: تابعَ معن بن محمد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار، ممَّا رواه النَّسائيُّ عن يعقوب بن عبد الرَّحمن، عن أبي حازم (وَ) تابع مَعْنًا أيضًا (ابْنُ عَجْلَانَ) محمَّد، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» عن عبد الرَّزَّاق، عن معمرٍ، عن منصور بنِ المُعتمر، عن محمَّد بن عجلان كلاهما (عَنِ المَقْبُرِيِّ) أبي سعيدٍ ذكوان، عن أبي هُريرة بلفظ «مَنْ أتتْ عليهِ (٢) ستُّون سنةً فقد أعذرَ اللهُ إليه في العمرِ».
٦٤٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) الأمويُّ -نزلَ مكَّة- قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (٣): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَزَالُ قَلْبُ) المرءِ (الكَبِيرِ) أي: الشَّيخ (شَابًّا) قويًّا (فِي اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين (فِي حُبِّ الدُّنْيَا) المال (وَ) محبَّة (طُولِ الأَمَلِ) أي: العُمر، كما فُسِّرا (٤) في الحديث السَّابق [خ¦٦٤٢١]، وأشار إلى قوَّة استحكام حبِّه للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة. وقال في «المصابيح»: فيه إيهام الطِّباق بين الكبير والشَّابّ، والاستعارة في شابًّا، والتَّوشيع في قوله: «في اثنتين … » إلى آخره، إذ هو عبارةٌ عن أن يأتيَ في عجُزِ الكلام بمثنَّى مفسَّر بمعطوفٍ ومعطوفٍ عليه كقوله:
стр. 11247
إِذَا أَبَو قَاسِمٍ جَادَتْ لَنَا يَدُهُ … لَمْ يحْمَدِ الأَجْوَدَانِ البَحْرُ وَالمَطَرُ
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق».
(قَالَ (١) اللَّيْثُ) ولأبي ذرٍّ: «قال ليثُ بن سعدٍ الإمام» ممَّا وصله الإسماعيليُّ من طريقِ أبي صالحٍ كاتب اللَّيث عنه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (وَ) قال (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، ممَّا وصلهُ مسلمٌ عن حرملةَ عنه (عَنْ يُونُسَ) أيضًا (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) هو ابنُ المسيَّب (وَأَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف، ولفظ الأوَّل كلفظ حديثِ الباب إلَّا أنَّه قال: «المالُ» بدل: «الدُّنيا» ولفظ الآخر: «قلبُ الشَّيخ شابٌّ على حبِّ اثنتينِ: طولِ الحياة، وحبِّ المال» وأخرجهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخر، عن أبي هُريرة، وزادَ في أوَّله: «إنَّ ابنَ آدمَ يضعفُ جسمُهُ، وينحُلُ لحمُهُ من الكِبَر، وقلبُه شابٌّ». انتهى.
٦٤٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) وسقطَ «ابن مالكٍ» لغير أبي ذرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ) بفتح الموحدة، أي: يطعن في السِّنِّ (وَيَكْبَرُ) بفتح الموحدة أيضًا في الفرعِ فيهما كأصله، وتضمُّ، أي: ويعظُم، فعبَّر عن الكثرةِ وهي كثرةُ عدد السِّنين بالعِظَمِ (مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ) وفي رواية أبي عَوَانة: عن قتادةَ -عند مسلمٍ-: «يهرمُ ابنُ آدمَ، ويشبُّ معه (٢) اثنان: الحرصُ على المالِ، والحرصُ على العُمر»، قال القرطبيُّ: فيه كراهةُ الحرص على طولِ العمرِ وكثرةِ المالِ، وأنَّ ذلك ليس بمحمودٍ. وقال غيرهُ: الحكمةُ في التَّخصيصِ بهذين الأمرين أنَّ أحبَّ الأشياءِ إلى ابنِ آدم نفسه، فهو راغبٌ في بقائهَا، فأحبَّ لذلك طول العمر، وأحبَّ المال؛ لأنَّه أعظم في دوام الصِّحَّة الَّتي ينشأُ عنها غالبًا طول العمر،
стр. 11248
فكلَّما أحسَّ بقربِ نفادِ ذلك اشتدَّ حبُّه له ورغبتُه له في دوامهِ:
والكَرَى عِنْد الصَّبَاحِ يَطِيْبُ
والمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ (١) … لَا يَنْتَهِي العُمْرُ حتَّى يَنْتَهِي الأَثَرُ
(رَوَاهُ) أي: الحديث (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، عن أنسٍ. وصله مسلمٌ من رواية محمَّد بن جعفر، عن شعبة بلفظ: «سمعتُ قتادةَ، عن أنسٍ» بنحوه. وأخرجهُ أحمد، عن محمَّد بن جعفر بلفظ: «يهرمُ ابنُ آدمَ، ويشبُّ (٢) معه اثنتان (٣)»، وأراد المؤلِّف بإيراد هذا التَّعليق دفع توهُّم الانقطاع فيه لكون قتادة مُدلِّسًا وقد عنعنَهُ، لكنَّ شعبة لا يحدِّث عن المدلِّسين إلَّا بما علم أنَّه داخلٌ في سماعهِم، فيستوي في ذلك التَّصريحُ والعنعنةُ بخلاف غيرهِ.
(٦) (بابُ العَمَلِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ) تعالى (٤) بضم التَّحتية وفتح الغين المعجمة، أي: يُطلب به ذاتُ الله لا الرِّياء والسُّمعة (فِيهِ سَعْدٌ) بسكون العين، أي: في الباب حديثُ سعد ابن أبي وقَّاص السَّابق في «الجنائزِ» في «بابِ رثاءِ النَّبيِّ ﷺ سعدَ بن خولة» وفيه: «فقلتُ: يا رسولَ الله، أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: إنَّكَ لن تخلَّفَ فتعمَلَ عملًا تبتغِي به وجهَ اللهِ إلَّا ازددتَ به درجَةً» [خ¦١٢٩٥].
٦٤٢٢ - ٦٤٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم
стр. 11249
بن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) الأنصاريُّ (وَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ) أي: قال محمود: أنَّه (عَقَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بالعين المهملة والقاف المفتوحتين (وَقَالَ: وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا) بفتح الميم والجيم المشددة فيهما (مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ) وسقط لأبي ذرٍّ «وقال» وإنَّما قال: «عقَلَ» لأنَّه كان صغيرًا حين دخلَ دارهُم وشربَ ماءً، ومجَّ من ذلك الماءِ مجَّةً على وجههِ.
(قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ) بكسر عين «عِتبان» وسكون المثناة الفوقية (ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ) بالنَّصب عطفًا على «الأنصاريِّ» (قَالَ: غَدَا) بالغين المعجمة (عَلَيَّ) بتشديد التَّحتية (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) بعد دخولهِ المنزل وصلاتهُ به والسُّؤال أن يتأخَّر حتَّى يطعم وسؤالهُ ﵊ عن مالكِ بن الدُّخْشُن (١)، وكلام من وقع في حقِّه والمراجعة في ذلك (لَنْ يُوَافِي) أي: لن يأتيَ (عَبْدٌ يَوْمَ القيامةِ) حال كونهِ (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِهِ) بالقولِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بها» بكلمة لا إله إلَّا الله (وَجْهَ اللهِ) ، أي: ذاته المُقدَّسة (إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ).
٦٤٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ عَمْرٍو) بن أبي عَمْرو -بفتح العين وسكون الميم فيهما- مولى المطَّلب (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ) أي: ثوابٌ (إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ) أي: روح صفيِّه، وهو بفتح الصاد وكسر الفاء وتشديد التحتية، الحبيب المُصافي (٢) كالولدِ والأخِ وكلِّ من أحبَّه الإنسان (مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ) أي: صبر راجيًا الثَّواب من الله (إِلَّا الجَنَّةُ) متعلِّقٌ بقوله: «ما لعبدِي المؤمن».
والحديثُ من أفرادهِ.
стр. 11250
(٧) (باب مَا يُحْذَرُ) بضم التَّحتيَّة وسكون المهملة، ولأبي ذرٍّ: «يحذَّر» بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) بسكون الهاء وفتحها، بهجتُها ونضارتها وحُسنها (وَ) من (التَّنَافُسِ) أي: الرَّغبة (فِيهَا).
٦٤٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ) عمِّه (مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ) بالفاء (١)، الأنصاريَّ (وَهْوَ حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام (لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَ) عَمرو بن عوف (شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلى البحرين» البلدِ المشهور (يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا) أي: بجزيةِ أهلها (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ) بتشديد الميم (العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ) عبد الله بن مالك بن ربيعةَ، وكان
стр. 11251
من أهل حضرموت، سنة تسعٍ من الهجرةِ (فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح سنة عشرٍ (بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ) وكان مئة ألفٍ وثمانين ألف درهمٍ، وقيل: ثمانين ألفًا (فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ) بفاءين بينهما واو فألف، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «فوافت» بحذف الضَّمير، وهما من المُوافاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فوافقت» بالقاف بين الفاء والفوقيَّة (١) (صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا انْصَرَفَ) ﵊ (تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وثبت: «رسولُ الله ﷺ » لأبي ذرٍّ (حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ) من الدَّراهم؟ (قَالُوا: أَجَلْ) نعم (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (وَأَمِّلُوا) بقطع الهمزة وكسر الميم المشددة (مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) بنصب «الفقرَ» بتقدير: ما أخشى الفقر، وحُذِف لأن «أخشى عليكم» مفسِّر له، ويجوزُ الرَّفع بتقدير: ضمير، أي: ما الفقر أخشاهُ عليكم. قال في «الفتح»: والأوَّل هو الرَّاجح. وقال في «التنقيح»: والرَّفع ضعيفٌ؛ لأنَّه يحتاجُ إلى ضميرٍ يعودُ عليه، وإنَّما يجوزُ ذلك في الشِّعر. انتهى.
وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: ضعفُ ذلك مذهبٌ كوفيٌّ. قال في «التَّسهيل»: ولا يختصُّ بالشِّعر خلافًا للكوفيِّين. وقال في «شرح المشكاة»: فائدةُ تقديم المفعول هنا الاهتمامُ بشأن الفقر؛ لأنَّ الوالد المُشفق إذا حضرهُ الموت كان اهتمامُه بحالِ ولدِه في المال، فأَعْلَم ﷺ أصحابه أنَّه وإن كان لهم في الشَّفقة عليهم كالأب، لكن حاله في أمر المال يخالفُ حال الوالدِ، وأنَّه لا يخشى عليهم الفقرَ كما يخشاهُ الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الَّذي هو مطلوبُ الوالد لولدهِ، كما قال: (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا) بحذف إحدى التَّاءين
стр. 11252
فيهما أي: فتَرغبوا فيها كما رغبوا فيها (وَتُلْهِيَكُمْ) عن الآخرة (كَمَا أَلْهَتْهُمْ) عنها (١). فإن قلت: تقديم المفعول هنا يُؤذن بأنَّ الكلام في المفعول (٢) لا في الفعل كقولك: ما زيدًا ضربت، فلا يصحُّ أن يعقَّبَ المنفي بإثباتِ ضدِّه فتقول: ولكن أكرمتُه؛ لأنَّ المقامَ يأباه إذ الكلام في المفعولِ هل هو زيدٌ أو عَمرو مثلًا لا في الفعلِ هل هو إكرامٌ أو إهانةٌ، والحديثُ قد وقعَ في الاستدراكِ بإثباتِ هذا الفعل المنفيِّ، فقال: «ولكن أخشى عليكم أن تبسطَ عليكم الدُّنيا كما بسطتْ على من كان قبلكم … » إلى آخره، فكيف يتأتَّى هذا؟ فالجواب (٣): أنَّ المنظورَ إليه في الاستدراكِ هو المُنافسةُ في الدُّنيا عند بسطها عليهم، فكأنَّه قال: ما الفقر أخشى عليكم، ولكن المنافسة في الدُّنيا، فلم يقع الاستدراك إلَّا في المفعولِ، كقولك: ما زيدًا ضربت ولكن عَمرًا، ثمَّ الفعل المثبت ثانيًا ليس ضدَّ الفعل المنفيِّ أولًا بحسب الوضع، وإنَّما اختلفا بالمتعلَّق (٤) فذِكْرُه لا يضرُّ (٥)؛ لأنَّه في الحقيقة استدراكٌ بالنِّسبة إلى المفعولِ لا إلى الفعلِ، قاله في «المصابيح».
والحديثُ فيه ثلاثةٌ من التَّابعين على نسقٍ: موسى، وابن شهابٍ، وعروة، وصحابيان: المسورُ وعَمرو، وكلُّهم مدنيُّون.
وسبق في «الجزية والموادعة مع أهل الذِّمَّة» [خ¦٣١٥٨].
стр. 11253
٦٤٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ولأبي ذرٍّ: «ليثُ بن سعدٍ» (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) سويد الأزديِّ، عالم أهل مِصر (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله (عنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ) وقعة (أُحُدٍ) الَّذين استشهدوا بها (صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ) أي: دعا لهم بدعاءِ صلاة الميِّت بعد ثمان سنين (ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ) كالمودِّع للأحياء والأموات (فَقَالَ: إِنِّي فَرَطُكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «فَرَطٌ لكم» بفتح الفاء والراء على الرِّوايتين، سابقكم إلى الحوضِ أهيِّئهُ لكم؛ لأنَّ الفارطَ هو الَّذي يتقدم الوارد ليصلحَ له الحياض والدِّلاء والأرشية، وغيرها من أمورِ الاستقاءِ (وأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ) بأعمالِكُم (وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ) نظرًا حقيقيًّا بطريق الكشفِ (وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ) بالتَّحتية بعد الفوقية، ولأبي ذرٍّ: «مفاتح» (خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ: مَفَاتِيحَ الأَرْضِ-) يريد ما فُتِح على أمَّته من المُلْك والخزائن بعدَهُ، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا) بالله (١) (بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) أي: في الدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ولكن أخافُ» بحذف التَّحتيَّة من «لكنِّي».
والحديثُ سبق في «الجنائز»، في «باب الصَّلاة على الشَّهيد» [خ¦١٣٤٤].
стр. 11254
٦٤٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العمريِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ» ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ) ، بضم الياء، من الإخراجِ (لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ، قِيلَ:) يا رسول الله (وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: زَهْرَةُ الدُّنْيَا) بفتح الزاي وسكون الهاء، وزاد هلال «وزينتها» [خ¦١٤٦٥] وهو عطفٌ تفسيريٌّ، والزَّهرة مأخوذةٌ من زهرةِ الشَّجرة وهو نَورها -بفتح النون-، والمُراد ما فيها من أنواع المتاعِ والعين والنَّبات والزُّروع (١) وغيرها ممَّا يغتر النَّاس بحسنه مع قلَّة بقائه (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:) لم أعرف اسمهُ (هَلْ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) أي: هل تصيرُ النِّعمة عقوبةً؛ لأنَّ زهرة الدُّنيا نعمةٌ من الله، فهل تعود هذه النِّعمة (٢) نقمةً، والاستفهام للإرشاد (فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى ظننتُ» (أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ) الوحي (ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ) العرق من ثِقل الوحي (فَقَالَ) ﵊: (أَيْنَ السَّائِلُ؟ قَالَ: أَنَا) يا رسول الله (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ: (لَقَدْ حَمِدْنَاهُ) أي: حمدنا الرَّجل (حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ) أي: ظهر، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «اطلع لذلك» وفي رواية هلال: «وكأنَّه حمده» [خ¦١٤٦٥] وظاهره: أنَّهم لاموه أوَّلًا حيثُ رأوا سكوت النَّبيِّ ﷺ ، فظنُّوا أنَّه أغضبه، ثمَ حمدوه لمَّا رأوا مسألتَه سببًا لاستفادة ما قاله النَّبيُّ ﷺ (قَالَ) ﷺ : (لَا يَأْتِي الخَيْرُ إِلَّا بِالخَيْرِ) وإنَّما يَعرض له الشَّرُّ بعارض البخلِ به عمَّن يستحقُّه والإسراف في إنفاقهِ فيما لم يُشرّع (إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، أي: الحياة بالمال، أو العيشةُ به خَضِرةٌ في المنظر (٣) (حُلْوَةٌ) في الذَّوق، أو المراد التَّشبيه، أي: المال كالبقلةِ الخضرة الحلوةِ، أو أُنِّثَ باعتبارِ ما يشتملُ عليه المال من زهرة الدُّنيا، أو المُراد
стр. 11255
بالمال هنا الدُّنيا؛ لأنَّه من زينتها، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] (وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ) أي: الجدول، وهو النَّهر الصَّغير، وإسنادُ الإنباتِ إليه مجازٌ؛ إذ المنبتُ حقيقةً هو الله تعالى (يَقْتُلُ حَبَطًا) بفتح الحاء المهملة والموحدة والطاء المهملة المنوَّنة، انتفاخُ بطنٍ من كثرةِ الأكلِ، يقال: حبطت الدَّابة تحبط حَبطًا، إذا أصابتْ مرعًى طيِّبًا، فأمعنتْ في الأكلِ حتَّى تنتفخَ فتموت (أَوْ يُلِمُّ) بضم التَّحتية وكسر اللام وتشديد الميم، يُقَرِّب من الهلاكِ، والمعنى: يقتل (١) أو يُقارب القتل (إِلَّا) بتشديد اللَّام (آكِلَةَ الخَضِرَةِ) من بهيمةِ الأنعامِ، وشبَّه بها؛ لأنَّها الَّتي أَلِفَ المخاطبون أحوالهَا في سَومها ورعيهَا وما يعرض لها من البشمِ وغيره، و «آكلة» بمدِّ الهمزة وكسر الكاف، و «الخَضِرة» بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، ضربٌ من الكلأ تحبُّه الماشية وتستلذُّ منه فتستكثر (٢) منه. قال في «المصابيح»: إنَّ الاستثناء مُنقطعٌ، أي: لكنَّ آكلةَ الخَضِرة لا يقتلها أكلُ الخضِرة ولم يلمَّ بقتلها، وإنَّما قلنا: إنَّه منقطعٌ لفوات شرط الاتِّصال، ضرورةَ كون الأوَّل غير شاملٍ له على تقدير عدم الثّنيا، وذلك لأنَّ «من» فيه تبعيضيَّة، فكأنَّه يقول: إنَّ شيئًا ممَّا ينبتُ يقتلُ حبطًا أو يلمُّ، وهذا لا يشملُ مأكولَ آكلةِ الخضرةِ ظاهرًا؛ لأنَّه نكرةٌ في سياقِ الإثباتِ. نعم في هذا اللَّفظ الثَّابت في الطَّريق المذكورة هنا، وهو قوله: «وإنَّ كلَّ ما أنبت الرَّبيع يقتل حبطًا أو يُلمُّ» يتأتَّى جعلُ الاستثناء متَّصلًا لدخول المُستثنى في عموم المُستثنى منه، وليس المُستثنى في الحقيقةِ هو الآكلة نفسها وإلَّا كان مُنْقطعًا، وإنَّما المُستثنى محذوفٌ تقديره: مأكولُ آكلةِ الخَضِرة، فَحُذِفَ المضاف، وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. انتهى.
ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «الخضر» بغير هاء، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «الخُضْرة» بضم الخاء وسكون الضاد، وفي بعض النُّسخ: «ألا» بتخفيف اللام وفتح الهمزة، على أنَّها استفتاحيَّة، كأنَّه قال: ألا انظروا آكلةَ الخَضِرة، واعتبروا بشأنها (أَكَلَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تأكل» (حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا) بالتَّثنية، أي: جَنباها، أي: امتلأت شبعًا وعَظُم جنباها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «خاصرتهَا» بالإفراد (اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ) فتحمَى،
стр. 11256
فيسهلُ خروجُ ما ثقلَ عليها ممَّا أكلتْه (فَاجْتَرَّتْ) بالجيم الساكنة والتاء الفوقية المفتوحة والراء المشددة، استرجَعَتْ ما أدخلتهُ في كرشِها من العلفِ فمضغتْهُ ثانيًا؛ ليزدادَ نعومةً وسهولةً لإخراجهِ (وَثَلَطَتْ) بالمثلَّثة واللام والطاء المهملة المفتوحات، وضبط السَّفاقسيُّ اللام بالكسر، ألقتْ ما في بطنها من السَّرقين رقيقًا (وَبَالَتْ) فارتاحتْ بما ألقته من السَّرقين والبول، وسلمت من الهلاكِ (ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ) وهذا بخلافِ من (١) لم تتمكَّن من ذلك، فإنَّ الانتفاخَ يقتلها سريعًا (وَإِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه وحرص النُّفوس عليه كالفاكهة خضرة في المنظر (حُلْوَةٌ) في الذَّوق (مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ) بأن أخرجَ منه حقَّه الواجب شرعًا كالزَّكاة (فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ) لصاحبه على اكتساب الثَّواب إن عملَ فيه بالحقِّ (وَمَنْ أَخَذَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «وإن أخذهُ» (بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن جمعَه من الحرامِ أو من غير احتياجٍ إليه (كَانَ كَالَّذِي) والَّذي في «اليونينيَّة» حذف الكاف من قوله: «كالَّذي» (٢) (يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي: كذي الجوعِ الكاذبِ بسبب سُقم الآخذ، ويسمَّى جوعَ الكَلَب كلَّما ازدادَ أكلًا ازدادَ جوعًا، وكان مآلُه إلى الهلاك. قال ابنُ المُنيِّر: في هذا الحديث وجوهٌ من التَّشبيهات بديعةٌ: تشبيه المال ونموُّه بالنَّبات وظهوره، وتشبيه المنهمك في الاكتسابِ والأسبابِ بالبهائم المُنهمكةِ في الأعشابِ، وتشبيه الاستكثارِ منه والادِّخار له بالشَّره في الأكل والامتلاء منه، وتشبيهِ المال مع عظمتهِ في النُّفوس حتَّى أدَّى إلى المبالغةِ في البخلِ به بما تطرحه البهيمةُ من السَّلح، ففيه إشارةٌ بديعةٌ إلى استقذارهِ شرعًا، وتشبيه التقاعد عن جمعهِ وضمِّه بالشَّاة إذا استراحتْ وحطَّت جانبها مستقبلةً الشَّمس فإنِّها من أحسنِ حالاتها سكونًا وسكينةً، وفيه إشارةٌ إلى إدراكها لمصالحهَا، وتشبيه موت الجامع المانع بموتِ البهيمةِ الغافلةِ عن دفعِ ما يضرُّها، وتشبيه المالِ بالصَّاحب الَّذي لا يؤمنُ أن ينقلب عدوًّا، فإنَّ المال من شأنه أن يحرزَ ويشدَّ وثاقه حبًّا له، وذلك يقتضِي منعه من مستحقِّيه (٣)، فيكون سببًا لعقابِ مُقتنيه، وتشبيه آخذه بغير حقٍّ بالَّذي يأكلُ ولا يشبعُ، فهي ثمانية.
والحديثُ سبق في «باب الصَّدقة على اليتامى» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤٦٥].
стр. 11257
٦٤٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة الثقيلة، المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن جعفر» بدل قوله: «غندَر»، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ) بالجيم المفتوحة والميم الساكنة، نصر بن عمران الضُّبعيَّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة فميم، و «مُضرِّب» بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي) المراد الصَّحابة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يقربون منهم وهم التَّابعون، وزاد أبو ذرٍّ: «مرَّتين»، و (١) زاد الكُشميهنيُّ والمُستملي: «ثمَّ الَّذين يلونهم» وهم أتباع التَّابعين وهذه الثَّالثة (٢) ساقطةٌ للحَمُّويي (قَالَ عِمْرَانُ) بن الحصينِ ﵁، بالسَّند المذكور: (فَمَا أَدْرِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قَوْلِهِ): «خيرُكم قرني» (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشَّهادة من غير تحميلٍ أو يؤدُّونها من غير أن يُطلب ذلك منهم (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لخيانتهم الظَّاهرة (وَيَنْذِرُونَ) بفتح أوَّله وضم المعجمة وكسرها (وَلَا يَفُونَ) بنذرِهم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا يُوْفون» بضم التَّحتية وبعدها واو ساكنة (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بسبب توسُّعهم في المآكلِ والمشارب، وعند التِّرمذيِّ من طريقِ هلالِ بنِ يساف، عن عمران ابنِ حُصين: «ثمَّ يجيء قومٌ يتسمَّنون، ويحبُّون السِّمن».
والحديثُ سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥١] و «مناقب الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠].
стр. 11258
٦٤٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة وبعد الميم زاي، محمَّد بن ميمون السُّكريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، ابن قيسٍ السَّلْمانيِّ بفتح السين وسكون اللام (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ) أهل (قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يقربون منهم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) بالنُّون في «الَّذين» ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ الَّذي» بإسقاطها، واتَّفقوا في هذه على إسقاطِ الثَّالثة في (١) الرِّواية السَّابقة للكُشميهنيِّ والمُستملي (ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ (٢) تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ) بالإفراد فيهما، وفتح همزة «أَيمانهم» والمعنى: أنَّ ذلك يقعُ في حالين، فيحلفون تارةً قبل أن يشهدوا، ويشهدون تارةً قبل أن يحلفوا؛ حرصًا على ترويجِ شهادتهم. وقال ابنُ الجوزيِّ: المراد أنَّهم لا يتورَّعون ويستهينون بأمر الشَّهادة واليمين، ولأبي ذرٍّ: «شهاداتهم» بالجمع.
والحديثُ سبق في «الشَّهادات» أيضًا [خ¦٢٦٥٢].
٦٤٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربِّه المعروف بـ: ختٍّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابن الجرَّاح قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ الكوفيُّ الحافظ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابنُ أبي حازمٍ البجليّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا) بالخاء المعجمة المفتوحة والموحدة المشددة، ابن الأرتِّ (وَقَدِ اكْتَوَى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِي بَطْنِهِ) من مرضٍ كان به (وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالمَوْتِ) على نفسِي (إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَضَوْا) أي: ماتُوا (وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ) من
стр. 11259
أجورِهم فلم يستعجلوها (١) فيها بل صارت مدَّخرةً لهم في الآخرة (وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا) نصرفهُ فيه (إِلَّا التُّرَابَ) أي: البُنيان.
٦٤٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمعِ، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو مُوسى العَنَزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازمٍ (قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا) أي: ابنَ الأرتِّ (وَهْوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا) ﵃ (الَّذِينَ مَضَوْا) درجوا بالوفاةِ (لَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا شَيْئًا) قال في «الكواكب»: أي: لم تدخل الدُّنيا فيهم نقصانًا بوجهٍ من الوجوه، أي: لم يشتغلوا بجمعِ المالِ بحيثُ يلزم في كمالهِم نقصان (وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا) نصرفهُ فيه (إِلَّا التُّرَابَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا في التُّراب» أي: البنيان بقرينةِ البناءِ.
٦٤٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ (عَنْ سُفْيَانَ) بن عُيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بنِ سلمة (عَنْ خَبَّابٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «مع النَّبيِّ» (٢) (¬ ﷺ ¬) وزاد (٣) أبو ذرٍّ: «قَصَّه» بفتح القاف والصاد المهملة وبعدها ضمير، أي: قصَّ الرَّاوي الحديثَ المذكورَ بتمامهِ في (٤) أوَّل الهجرةِ إلى المدينة بلفظ: فوقع أجرنا على الله فمنَّا من مضى لم يأخذ من أجرهِ شيئًا منهم مصعبُ بن عمير … الحديثُ، [خ¦٣٨٩٧] ويأتي إن شاءَ الله قريبًا في «باب فضل الفقر» بعون الله تعالى [خ¦٦٤٤٨].
стр. 11260
(٨) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ﴾) بالبعثِ والجزاء (﴿حَقٌّ﴾) كائنٌ (﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾) فلا تخدعنَّكم الدُّنيا ولا يذهلنَّكم التَّمتُّع والتَّلذُّذ بزهرتها ومنافعها عن العملِ للآخرة وطلب ما عند الله (﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ﴾) وهو الشَّيطان؛ لأنَّ ذلك دَيدنه، فإنَّه يمنِّيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إنَّ الله غنيٌّ عن عبادتكَ وعن تعذيبكَ (﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾) ظاهرُ العداوةِ، وفعلَ بأبيكم آدمَ ما فعل، وأنتم تعاملونهُ مُعاملة من لا علمَ له بأحواله (﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾) في عقائدِكُم وأفعالكم، ولا يوجدنَّ منكم إلَّا ما يدلُّ على معاداتهِ ومغاضبتهِ في سرِّكم وجهركُم، فهذا هو العدوُّ المبين، فنسألُ الله القويَّ العزيز أن يجعلنَا أعداء الشَّيطان (١) وأن يرزقنا اتِّباع كتابهِ والاقتفاء برسوله ﷺ ، إنَّه على ما يشاءُ قدير، ثم لخَّص (٢) سرَّ أمرهِ وخطأ من اتَّبعه بأنَّ غرضه الَّذي يؤمُّه في دعوةِ شيعتهِ هو أن يوردَهم موردَ الهلاك بقوله: (﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦]) والسَّعير (جَمْعُهُ: سُعُرٌ) بضمَّتين، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾» إلى آخرِ قوله «﴿السَّعِيرِ﴾» وقال بعد قوله ﴿حَقٌّ﴾: «الآية إلى قوله: ﴿السَّعِيرِ﴾» (قَالَ (٣) مُجَاهِدٌ) ممَّا وصله الفريابيُّ في «تفسيره»: عن ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: (الغَرُورُ) بفتح الغين (الشَّيْطَانُ) قال الرَّاغب: غَرَرْتُ فلانًا أصبْتُ غُرَّتَهُ، ونلْتُ منه ما أُريده (٤)، فالغرَّة (٥) غفلةٌ في يقظةٍ، والغرارُ غفلةٌ مع غفوةٍ، وأصلُ ذلك من الغرِّ، وهو الأثرُ الظَّاهر من الشَّيء، ومنه غرَّة الفرس، وغِرار السَّيف: حدُّه، وغَرُّ الثَّوب: أثرُ كسرهِ، وقيل: اطوه على غَرِّه، وغرَّه كذا غرورًا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]
стр. 11261
فالغرورُ (١) كلُّ ما يغرُّ الإنسان من مالٍ وجاهٍ وشهوةٍ وشيطانٍ، وقد فُسِّر بالشَّيطان إذ هو أخبثُ الغارِّين، وقرئ بضم الغين، وهو مصدر، وعن بعضهم: الغُرور -بالضم-: الأباطيلُ، وثبتَ قوله: «قال مجاهد … » إلى آخره للكُشميهنيِّ، وسقطَ لغيرهِ.
٦٤٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلْحِيُّ مولاهم الكوفيُّ المعروف بالضَّخم قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن أبو معاوية النَّحْويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارثِ (القُرَشِيِّ، قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عثمانَ التَّيميُّ (٢) (أَنَّ ابْنَ أَبَانَ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ حُمْران بن أبان» -بضم الحاء المهملة وسكون الميم- مولى عُثمان بن عفَّان اشتراهُ في زمنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق (أَخْبَرَهُ) أي: أخبر معاذ بن عبد الرَّحمن (قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ) ولأبي ذرٍّ: «(٣) عُثمان بن عفَّان ﵁» (بِطَهُورٍ) بفتح الطاء، بماء يُتطهَّر به (وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى المَقَاعِدِ) موضعٌ بالمدينةِ (فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذرٍّ: «يتوضأ» (وَهْوَ فِي هَذَا المَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (مِثْلَ هَذَا الوُضُوءِ) وسبق في «الطهارة» [خ¦١٥٩] بلفظ: «من توضَّأ نحو وضوئي هذا» و «نحو» إن قُدِّرت بمعنى قريب، فتكون ظرفًا على التَّوسُّع في المكان، أي: قاربَ فعلي فعله، بمعنى: أنَّ من قاربتهُ فقد قاربكَ، وإن قُدِّرت بمعنى «مثل» كان فيه تجوُّز أيضًا؛ لأنَّه لا يقدر أحدٌ على مثلِ وضوء النَّبيِّ ﷺ من كلِّ وجهٍ لا في نيَّته، ولا في إخلاصهِ، ولا في
стр. 11262
علمهِ (١) بكمال طهارتهِ، واستيعاب غسلِ أعضائهِ. والنَّحو: لغة القصدُ والمثل، تقول (٢): هذا نحو زيدٍ، أي: مثل زيدٍ، ومتى قدَّرتها بمعنى «مثل» كان نعتًا لمصدرٍ محذوف، أي: توضَّأ وضوءًا مثل وضوئي، واختارَ سيبويه أن تكون حالًا؛ لأنَّ حذف الموصوفِ دون الصِّفة لا يجوز إلَّا في مواضع معدودة، وتقديرُ الحال هنا من محذوفٍ، أي: توضَّأ الوضوء مثل وضوئي، فإن قُدِّرت «نحو» بمعنى قريبًا كانت ظرفًا ويكون قُرْبًا مجازيًا، وفي ورود الرِّواية هنا بلفظ «مثل» ردٌّ على نافيها (٣) (ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) ولمسلمٍ من طريق نافع بن جبيرٍ، عن حمران: «ثمَّ مشى إلى الصَّلاة المكتوبةِ فصلَّاها مع النَّاس، أو في المسجد» وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيهِ، عن حمران -عندهُ أيضًا-: «فيصلِّي صلاةً» وفي أخرى له عنه: «فيصلِّي الصَّلاة المكتوبة» (ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ولمسلمٍ من رواية هشام: «إلَّا غُفِر له ما بينها وبين الصلاة التي تليها» أي: التي سبقتها، وأصرح منه رواية أبي صخرٍ، عن حمران -عند مسلم أيضًا-: «فيصلِّي هذه الصَّلوات الخمس إلَّا كانت كفَّارةً لما بينهنَّ» (قَالَ) عُثمان: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَغْتَرُّوا) لا تحملوا الغفران على عمومهِ في جميع الذُّنوب، فتسترسلوا في الذُّنوب اتِّكالًا على غُفْرانها بالصَّلاة، فإن الصلاة الَّتي تُكفِّر الذُّنوب هي المقبولة، ولا اطِّلاع لأحدٍ عليه، أو أنَّ المكفَّر بالصَّلاة الصَّغائر، فلا تغترّوا فتعملوا الكبائر بناء على تكفيرِ الذُّنوب بالصَّلاة فإنَّه خاصٌّ بالصَّغائر (٤)، والمطابقة في قوله: «لا تغترّوا».
وأخرج الحديثَ مسلمٌ في «الطَّهارة» والنَّسائيُّ في «الصَّلاةِ».
(٩) (باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) بالموتِ (وَيُقَالُ: الذِّهَابُ) بكسر المعجمة (المَطَرُ) قال في «المحكم»: والذِّهْبَة: المطرة الضَّعيفة، وقيل: الجودُ، والجمع ذِهابٌ -بالكسر-. قال ذو الرُّمَّة يصف روضة:
стр. 11263
قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ (١) … فِيهَا الذِّهَابُ وَحَفَّتْهَا البَرَاعِيمُ
والبراعيم (٢): رمالٌ فيها داراتٌ (٣) تُنْبت البقل، وقوله: «وَيُقَالُ: الذِّهَابُ المَطَرُ» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي فقط.
٦٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والتَّحتية المخففة، ابن بِشْر -بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة- الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة وبعد الألف زاي (عَنْ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة، ابن مالكٍ (الأَسْلَمِيِّ) ممَّن بايع تحت الشَّجرة، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ) عند الإسماعيليِّ: «يقبض الصَّالحون» أي: تُقبض أرواحهم (الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) الرَّديءِ من كلٍّ، أو ما يتساقطُ من قُشُورهما (٤)، أو ما يسقطُ من الشَّعير عند الغربلةِ، ويبقى من التَّمر بعد الأكلِ، و «أو» للشَّكِّ أو للتَّنويع (لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ) بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (بَالَةً) بتخفيف اللَّام، أي: لا يرفعُ الله لهم قدرًا ولا يقيمُ لهم وزنًا، وبالةٌ
стр. 11264
مصدرُ بَاليتُ، وأصلُه باليةٌ فحذفتْ لامه. قيل: لكراهية ياءٍ قبلها كسرة (١) فيما كثُر استعمالُه، وذلك لكثرةِ استعمال هذه اللَّفظة في كلِّ ما لا يحتفلُ به، ولكن قال في «المصابيح»: لا يحسنُ التَّعليل بمجرَّد هذا، ولو أُضيف إليه ما قاله بعض المتأخِّرين من أنَّ المعنى على حذفِ لام الكلمةِ فيه: لشذوذ (٢) فاعلِهِ في المصادر، فحوَّلوه بالحذف المذكور عن بنيةِ الشُّذوذ، لكان حسنًا.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يُقَالُ: حُفَالَةٌ) بالفاء (وَحُثَالَةٌ) بالمثلَّثة بدلها؛ يعني: بمعنًى واحدٍ، وهذا ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ، واستنبط من الحديث: جواز خلوِّ الأرض من عالمٍ حتَّى لا يبقى إلَّا أهل الجهل صرفًا.
وسبق الحديثُ في «المغازي» [خ¦٤١٥٦].
(١٠) (بابُ مَا يُتَّقَى) بضم التَّحتية وفتح الفوقية المشدَّدة والقاف (مِنْ فِتْنَةِ المَالِ. وَقَوْلِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ (٣)» (تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]) بلاءٌ ومحنةٌ يوقعون في الإثمِ والعقوبةِ، ولا بلاء أعظم منهما.
٦٤٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) الزِّمِّيُّ -بكسر الزاي والميم المشددة- الخراسانيُّ نزيلُ بغداد، ويقال له: ابنُ أبي كريمة، فقيل: هي كنية أبيهِ، وقيل: هو جدُّه واسمه كنيتُه (٤)، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاش بالشين المعجمة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء
стр. 11265
وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : تَعَِسَ) بفتح الفوقية وكسر العين المهملة وبعدها سين مهملة أيضًا وتفتح العين، هلكَ (عَبْدُ الدِّينَارِ) وهو طالبهُ وخادمهُ والحريصُ على جمعهِ. وقال في «شرح المشكاة»: قيل: خصَّ العبد بالذِّكر ليُؤذِنَ بانغماسهِ في محبَّة الدُّنيا وشهواتِها كالأسيرِ الَّذي لا يجد خلاصًا (وَ) تَعِس عبد (الدِّرْهَمِ وَ) عبد (القَطِيفَةِ) الدِّثار الَّذي له خمل (وَ) عبد (الخَمِيصَةِ) بالخاء المعجمة والصاد المهملة المفتوحتين، الكساءُ الأسود المربَّع (إِنْ أُعْطِيَ) بضم الهمزة وكسر الطاء (رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] وفيه: إيذانٌ بشدَّة الحرصِ على ذلك وجعله عبدًا لها (١) لشغفهِ وحرصهِ، فمن كان عبدًا لهواه لم يصدق في حقِّه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولا يكون من اتَّصف بذلك صِدِّيقًا، والظَّاهر أنَّ الجملة تفسيرٌ لمعنى عبوديَّته للدِّينار والدِّرهم، فلا محلَّ لها من الإعراب.
والحديث سبقَ في «الجهاد» في «باب الحراسة في الغزو» [خ¦٢٨٨٦] وأخرجه ابنُ ماجه.
٦٤٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل البصريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ) تثنية وادٍ (٢) وهو معروفٌ، وربَّما اكتفوا بالكسرةِ عن الياء، كما قال:
............................ … قَرْقَرَ قُمْرُ الوَادِ بِالشَّاهِقِ
стр. 11266
والجمع: الأودية، على غير قياسٍ كأنَّه جمع وَدِيٍّ، مثل: سَرِيٍّ وأَسْرِيَةٍ للنَّهرِ. وفي حديث ابن الزُّبير المذكور هنا [خ¦٦٤٣٨]: «لو أنَّ ابن آدم أُعطي واديًا من ذهبٍ» (لَابْتَغَى) بالغين المعجمة، لطَلَب (ثَالِثًا) وفي حديثِ ابن الزُّبير [خ¦٦٤٣٨]: «أحبَّ إليه ثالثًا (١)» (وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ) كنايةٌ عن الموتِ لاستلزامهِ الامتلاء، كأنَّه قال: لا يشبعُ من الدُّنيا حتَّى يموت (وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) من المعصيةِ ورجعَ عنها، أي: يوفِّقُه للتَّوبة، أو يرجعُ عليه (٢) بقبوله، والمُراد من الحديث: ذمُّ الحرص على الدُّنيا والشَّره على الازديادِ.
وأخرجهُ مسلمٌ في «الزَّكاة».
٦٤٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام، و (٣) في «اليونينيَّة»: «محمَّد بن المثنى» ألحق «ابن المثنى» بين «محمد» وبين قوله: «أخبرنا»، بكتابةٍ رفيعةٍ (٤) (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام، ابن يزيد -من الزِّيادة- الحرَّانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابنُ أبي رباح (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «نبيَّ الله (٥)» (¬ ﷺ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ) بكسر الميم وسكون المثلَّثة بعدها لام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ملء» بحذف المثلَّثة وزيادة همزة بعد اللام السَّاكنة. قال في «الصحاح»: هو اسمُ ما يأخذهُ الإناءُ إذا امتلأ (مَالًا) وفي حديث زيد بن أرقم -عند أحمد-: «من ذهبٍ وفضَّةٍ» (لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ) قال الطِّيبيُّ:
стр. 11267
وقع قوله: «ولا يملأ … » إلى آخره موقع التَّذييل والتَّقرير للكلامِ السَّابق، كأنَّه قيل: ولا يُشبِعُ من خُلِقَ من تُرابٍ إلَّا التُّرابُ (وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) أي: يقبلُ توبةَ الحريصِ كما يقبلُها من غيرهِ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (فَلَا (١) أَدْرِي مِنَ القُرْآنِ) المنسوخِ تلاوته (هُوَ) أي: الحديثُ المذكور (أَمْ لَا) ومبحثُ ذلك يأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى [خ¦٦٤٤٠].
(قَالَ) عطاءٌ -بالسَّند السَّابق-: (وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ) عبد الله (يَقُولُ: ذَلِكَ) الحديث باللَّفظ المذكورِ بغير زيادة ابن عبَّاس: «فلا أدري من القرآن هو أم لا؟» وقال في «الكواكب»: ويُحتمل أن يراد به قول: «لا أدري» أيضًا (عَلَى المِنْبَرِ) بمكَّة المشرَّفة.
٦٤٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الغَسِيلِ) بفتح المعجمة وكسر المهملة، أي: مغسولُ الملائكة حين استشهدَ وهو جُنب، وهو حنظلةُ بن أبي عامرٍ الأوسيُّ، وهو جدُّ سُليمان المذكور؛ لأنَّه ابن عبد الله بن حنظلة، ولعبدِ الله صحبةٌ، وعبد الرَّحمن من صغار التَّابعين (عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين والهاء، و «عبَّاس» بالموحدة المشددة آخره مهملة، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ) عبد الله (عَلَى المِنْبَرِ بِمَكَّةَ) ولأبي ذرٍّ: «على (٢) منبر مكَّة» (فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (وَادِيًا مَلْأً) بفتح الميم وسكون اللَّام بعدها همزة منوَّنًا، ولأبي ذرٍّ: «ملآن» (مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ (٣) ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ) وفي رواية أبي عاصم، عن ابن جريجٍ -السَّابقة في هذا الباب [خ¦٦٤٣٦]-: «ولا يملأُ جوف» (ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ) قال النَّوويُّ: معناه: أنَّه لا يزال حريصًا على الدُّنيا حتَّى يموتَ ويمتلئَ جوفُه من ترابِ قبرهِ.
стр. 11268
وهذا الحديثُ خرجَ على حكمِ غالب بني آدمَ في الحرصِ على الدُّنيا، ويؤيِّده قوله: (وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) وهو متعلِّقٌ بما قبلَه، ومعناه: إنَّ الله يقبلُ التَّوبة من الحرصِ المذمومِ وغيره (١) من المذمُومات.
٦٤٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين المهملة، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (٢) (¬ ﷺ قَالَ: لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لأحبَّ» (أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ) أي: من ذهبٍ (وَلَنْ يَمْلأَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ولا يملأ» (٣) (فَاهُ) أي: فمهُ (إِلَّا التُّرَابُ) عبَّر في الأولى والثَّالثة بالجوف، وفي الثَّانية بالعين، وفي الأخيرةِ بـ «فاهُ» (٤)، وعند الإسماعيليِّ من رواية حجَّاج بن محمَّد، عن ابن جريجٍ بالنَّفس، وعند أحمدَ من حديثِ أبي واقد بالبطن. قال في «الكواكب»: ليس المُراد الحقيقة في عضوٍ بعينهِ بقرينة عدم الانحصار في التُّراب إذ غيرهُ يملؤه أيضًا، بل هو كنايةٌ عن الموتِ؛ لأنَّه مستلزمٌ للامتلاء (٥)، فكأنَّه (٦) قال: لا يشبعُ من الدُّنيا حتَّى يموت، فالغرضُ من العبارات كلِّها واحدٌ وليس فيها إلَّا التَّفنُّن في الكلام. انتهى.
قال في «الفتح»: وهذا يحسنُ فيما إذا اختلفت مخارجُ الحديث، وأمَّا إذا اتَّحدت فهو من
стр. 11269
تصرُّف الرُّواة، ثمَّ نسبةُ الامتلاءِ للجوفِ واضحةٌ، والبطنُ بمعناه، وأمَّا النَّفس فعبَّر بها عن الذَّات وأطلق الذات (١)، وأرادَ البطن من بابِ إطلاقِ الكلِّ وإرادةِ البعض، ويُحتمل أن يكون المراد بالنَّفس العين (٢)، وأمَّا النِّسبة إلى الفمِ فلكونه طريق الوصولِ إلى الجوف، وأمَّا العين فلأنَّها الأصلُ في الطَّلب؛ لأنَّه يرى ما يعجبُه فيطلبه ليحوزهُ إليه (٣)، وخصَّ البطن في أكثر الرِّوايات؛ لأنَّ أكثرَ ما يطلب المال لتحصيلِ المستلذَّات، وأكثرها تكرار الأكل والشُّرب.
(وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ) قال في «شرح المشكاة»: يمكن أن يُقال: معناه: إنَّ بني آدم مجبولون على حبِّ المال والسَّعي في طلبهِ، وأن لا يشبع منه إلَّا من عصمَه الله تعالى ووفَّقه لإزالةِ هذه الجِبلَّة عن (٤) نفسهِ، وقليلٌ ما هم، فوضعَ «ويتوبُ الله على من تابَ» موضعه إشعارًا بأنَّ هذه الجِبلَّة المذكورة فيه مذمومةٌ جاريةٌ مجرى الذَّنْب، وأنَّ (٥) إزالتها ممكنةٌ، ولكن بتوفيق من الله تعالى وتسديدهِ، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أضاف الشُّحَّ إلى النَّفس دَلالة على أنَّه (٦) غريزةٌ فيها، وبَيَّن إزالتَهُ بقوله: ﴿يُوقَ﴾ (٧)، ورتَّب عليه قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
وههنا نكتةٌ دقيقةٌ (٨)، فإنَّ في ذكر بني آدم تلويحًا إلى أنَّه مخلوقٌ من التُّراب، ومن طبعهِ القبض واليبس، فيُمكن إزالته بأن يمطرَ الله عليه السَّحاب من غمائمِ توفيقهِ، فيثمرُ حينئذٍ الخلال الزَّكيَّة والخصال المرضيَّة، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾ فمن لا يتداركه التَّوفيقُ وتركَه وحرصَه لم يزددْ إلَّا حرصًا وتهالكًا على جمع
стр. 11270
المالِ. قال: وموقع قوله: «ويتوبُ الله على من تابَ» موقع الرُّجوع، يعني: إنَّ ذلك لعسير صعب، ولكن يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، فحقيقٌ أن لا يكون هذا من كلامِ البشرِ بل هو من كلامِ خالقِ القوى والقدر. انتهى.
وفي الحديث ذمُّ الحرصِ والشَّره، ولذا آثرَ أكثر السَّلف التَّقلُّل (١) من الدُّنيا والقناعة والرِّضا باليسيرِ.
قال البخاريُّ بالسَّند السَّابق إليه:
٦٤٤٠ - (وَقَالَ لَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، وهذا ظاهره الوصلُ وليس للتَّعليق، وإن قيل: إنَّه للإجازةِ، أو للمُناولةِ (٢) أو للمذاكرة؛ لأنَّ في ذلك حُكم الموصول. نعم، الَّذي يظهرُ بالاستقراء من صنيع المؤلِّف أنَّه لا يأتي بهذه الصِّيغة إلَّا إذا كان المتن ليس على شرطهِ في أصلِ موضوعِ كتابه، كأنْ يكون ظاهره الوقف، أو في السَّند من ليس على شرطهِ في الاحتجاج، قاله في «الفتح».
(حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتحتين (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية، ابن كعبٍ الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَرَى) بفتح النون، أي: نعتقدُ، ولأبي ذرٍّ: «نُرى» بضمِّها، أي: نظنُّ (هَذَا) الحديث: «لو كانَ لابنِ آدمَ واديان من مالٍ لتمنَّى واديًا ثالثًا» كما عند الإسماعيليِّ (مِنَ القُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) السُّورة الَّتي هي بمعنى الحديثِ فيما تضمَّنه من ذمِّ الحرصِ على الاستكثارِ من جمعِ المال، والتَّقريع بالموت الَّذي يقطع ذلك، ولا بدَّ لكلِّ أحدٍ منه، فلمَّا نزلت هذه السُّورة وتضمَّنت معنى ذلك مع الزِّيادة عليه علموا أنَّ الحديثَ من كلامه ﷺ وأنَّه ليس قرآنًا، وقيل: إنَّه كان قرآنًا، فلمَّا نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ نُسخت تلاوتهُ دون حكمه ومعناه.
стр. 11271
(١١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَذَا المَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التَّاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صفة لمحذوفٍ كالبقلةِ.
(وَقَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقوله» (تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾) المُزيِّن هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) [الكهف: ٧] وعن الحسن: الشَّيطان، وقد يجمعُ بين القولين بأنَّ نسبة ذلك إلى الله تعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقةً فهو الَّذي أوجد الدُّنيا وما فيها، وجعل القلوب مائلةً إليها، وإلى ذلك أشار بالتَّزيين؛ ليَدْخُلَ فيه حديثُ النَّفس ووسوسةُ الشَّيطان، فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلقِ والتَّقدير (٢)، وإلى الشَّيطان باعتبار ما أقدرهُ الله تعالى عليه من التَّسلُّط على الآدميِّ (٣) بالوسوسةِ النَّاشئ عنها حديث النَّفس، وقرأ مجاهدٌ: (زيَّنَ للنَّاس) مبنيًّا للفاعل (حبَّ) مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدُّم (٤) ذكره الشَّريف في قوله: ﴿وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٣] أو ضمير الشَّيطان أُضْمر وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه أصلُ ذلك، فذِكْرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ (٥) بذِكْرِه، وأضاف المصدرَ لمفعولهِ في ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ وهي جمع: شهْوة -بسكون العين-، فحرِّكت في الجمعِ، ولا يجوزُ التَّسكين إلَّا في ضرورةٍ، كقوله:
стр. 11272
وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا … وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ
بتسكين الفاء، والشَّهوة مصدرٌ يراد به اسم المفعول، أي: المُشتهيات، فهو من باب رجلٌ عدْلٌ، حيث جُعِلَتْ نفسَ المصدر مبالغةً، والشَّهوة ميلُ النَّفس إلى الشَّيء، فجعل الأعيان الَّتي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مُشْتهاةً، وكأنَّه أرادَ تخسيسها (١) بتسميتهَا شهوات؛ إذ الشَّهوة مُسْترذلة عند الحكماءِ مذمومٌ من اتَّبعها شاهدٌ على نفسهِ بالبهيميَّة، فكأنَّ المقصود من ذكرِ هذا اللَّفظ التَّنفير عنها، ولفظ «النَّاس» عامٌّ دخله حرف التَّعريف فيفيدُ (٢) الاستغراق، فظاهرُ اللَّفظ يقتضي أنَّ هذا المعنى حاصلٌ لجميع النَّاس، والعقل أيضًا يدلُّ عليه؛ لأنَّ كلَّ ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوبٌ ومطلوبٌ لذاتهِ، والمنافعُ قسمان: جسمانيٌّ وروحانيٌّ، فالجسمانيُّ حاصلٌ لكلِّ أحدٍ في أوَّل الأمر، فلا جرمَ كان الغالب على الخلقِ هو الميل الشَّديد إلى اللَّذات الجسمانيَّة (﴿مِنَ النِّسَاء﴾) والإماءُ داخلةٌ فيها (﴿وَالْبَنِينَ﴾) جمع ابن، وقد يقعُ في غير هذا الموضع على الذُّكور والإناث، وهنا أُريد الذُّكور؛ لأنَّهم المشتهون في الطِّباع والمُعَدُّون في الدِّفاع، وقدَّم النِّساء لأنَّ الالتذاذ بهنَّ أكثرُ، والاستئناس بهنَّ أتمُّ، والفتنة بهنَّ أشدُّ، ولله تعالى في إيجاد حبِّ الزَّوجة والولد في قلب الإنسان حكمةٌ بالغةٌ لولا هذا الحبُّ لَمَا حصل التَّوالد والتَّناسل (﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾) جمع: قِنطار، وهو المالُ الكثيرُ، أو سبعون ألف دينارٍ، أو سبعة آلاف دينارٍ، أو مئة وعشرون رطلًا، أو مئة رطلٍ، أو ألفٌ ومئتا أوقية (﴿الْمُقَنطَرَةِ﴾) مفعللة من القنطارِ، وهو للتَّأكيد كقولهم: ألوفٌ مؤلَّفة، ودراهم مدرهمةٌ. وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعضٍ. وقال: وقيل: المدفونة (﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾) وإنَّما كانا محبوبين لأنَّهما ثمنُ الأشياء فمالكهما كالمالكِ لجميعِ الأشياء (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾) المعلمة أو (٣) المرعيَّة من أَسَامَ الدَّابَّةَ وسوَّمها (﴿وَالأَنْعَامِ﴾) جمع: نَعَم، وهي الإبلُ والبقر والغنم (﴿وَالْحَرْثِ﴾) مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به، فلذلك وُحِّد (٤) ولم يُجمع كما جُمعت أخواته (﴿ذَلِكَ﴾) المذكورُ (﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]) يتمتَّع به في الدُّنيا، وقد تضمَّنت هذه الآيةُ الكريمةُ أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها: الإتيانُ بها مجملةً،
стр. 11273
ومنها: جعله لها نفس الشَّهوات مبالغة في التَّنفير عنها كما مرَّ، ومنها: البداءةُ بالأهمِّ؛ فذكر أوَّلًا النِّساء؛ لأنهنَّ أكثر امتزاجًا ومخالطةً بالإنسان، وهُنَّ حبائل الشَّيطان، وقيل: فيهنَّ فتنتان، وفي البنين فتنةٌ واحدةٌ؛ لأنهُنَّ يقطعنَ الأرحام والصِّلات بين الأهل غالبًا، وهُنَّ السَّبب في جمع المال من حرامٍ وحلالٍ غالبًا (١)، والأولاد (٢) يُجمع لأجلهم المال فلذلك ثنَّى بهم، ولأنَّهم فروع منهُنَّ، وثمراتٌ نشأت عنهنَّ، وفي كلامِهم: المرء مفتونٌ بولده، وقُدِّمت على الأموال؛ لأنَّها أحبُّ إلى المرءِ (٣) من ماله، وأمَّا تقديمُ المال على الولدِ في بعضِ المواضع فإنَّما ذلك في سياق امتنانٍ وإنعامٍ أو نصرةٍ ومعاونةٍ؛ لأنَّ الرِّجال تستمال بالأموالِ، ثمَّ ذكر تمام اللَّذَّة وهو المركوب البهيُّ من بين سائر الحيواناتِ، ثمَّ أتى بما يحصل به ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] كما تشهدُ به الآية الأُخرى، ثمَّ ذكر ما به قوامهم وحياة بُنْيَتهم وهو الزَّرع والثِّمار، ومنها الإتيان بلفظٍ يُشعر بشدَّة حبِّ هذه الأشياء بقوله: ﴿زُيِّنَ﴾ والزِّينة محبوبةٌ في الطِّباع، ومنها التَّجنيس في ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقةَ في قوله: ﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ لأنَّهما صارا متقابلين في غالبِ العُرف، وغير ذلك، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ … » إلى آخره.
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقَالَ» (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ في الآية المذكورة: (اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ) بإثبات الضَّمير، ولأبي ذرٍّ: «بما زيَّنتَ» (لَنَا) في آية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثمَّ لمّا رأى أنَّ فتنةَ المال مُسلَّطةٌ على من فتحَه الله عليه لتزيينِ الله تعالى له، دَعا الله تعالى بقولهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) لأنَّ من أخذَ المال من حقِّه ووضعه في حقِّه فقد سَلِم من فتنتهِ.
وهذا الأثر وصله الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أُويس، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ هو الأنصاريُّ: «أنَّ عمر بن الخطَّاب أُتي بمالٍ من الشَّرق يقال له: نفل كسرى، فأُمِر به فصُبَّ وغُطِّيَ، ثمَّ دعا النَّاس فاجتمعوا، ثمَّ أمر به فكُشف عنه، فإذا حليٌّ كثيرٌ وجوهرٌ ومتاعٌ، فبكى عمر ﵁ وحمد الله فقالوا له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنين هذه غنائمُ غَنِمَها الله لنا، ونزعَها من أهلها؟ فقال: ما فتحَ اللهُ من هذا على قومٍ إلَّا سفكوا دِماءهم
стр. 11274
واستحلُّوا حُرمتهم. قال: فحدَّثني زيدُ بن أسلم أنَّه بقيَ من ذلك المال مناطقُ وخواتمُ فرُفِعَ، فقال له عبدُ الله بن أرقم: حتَّى متى تحبسُه لا تقسِّمُه؟ قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذنِّي به، فلمَّا رآه فارغًا بَسَطَ شيئًا في حشِّ نخلةٍ، ثم جاءه به في مكتلٍ فصبَّه فكأنَّه استكثرهُ، ثم قال: اللَّهم أنت قلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] فتلا الآية حتَّى فرغ منها، ثمَّ قال: لا نستطيعُ إلَّا أن نُحبَّ ما زيَّنت لنا فقنِي شرَّه، وارزُقني أن أنفقَه في حقِّه، فما قام حتَّى ما بقي منه شيءٌ».
٦٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) كلاهما (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي، الأسديِّ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير لفظ الإعطاءِ ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (هَذَا المَالُ) قال: ابنُ المدينيِّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ) حكيمٌ: قال (لِي) رسول الله ﷺ : (يَا حَكِيمُ) بالرَّفع من غيرِ تنوينٍ منادى مفرد. قال (٢) في «الفتح»: وظاهر السِّياق أنَّ حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك؛ لأنَّه لم يدركه، فإنَّ بين وفاة حكيمٍ ومولد سفيان نحو الخمسين سنة، وإنَّما المُراد: أنَّ سفيان رواه مرَّةً بلفظٍ، «ثمَّ قال» -أي: النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ هذا المال» ومرَّة بلفظ: «ثمَّ (٣) قال
стр. 11275
لي (١): يا حكيمُ» (إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه كالفاكهة (خَضِرَةٌ) في المنظرِ (حُلْوَةٌ) في الذَّوق (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوةِ نفسِ المُعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) بالشين المعجمة، بأن تعرَّض له بنحو بسطِ اليدِ (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي) به الجوعُ الكاذب (يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) كلَّما ازدادَ أكلًا ازدادَ جوعًا (وَاليَدُ العُلْيَا) بضم العين مقصورًا، المُنفقة أو المتعفِّفة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) الآخذة.
والحديثُ سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] و «الخمس» [خ¦٣١٤٣].
(١٢) (بابُ مَا قَدَّمَ) الإنسانُ المكلَّف في حال صحَّته وحرصه (مِنْ مَالِهِ) في وجوهِ الخيرات وأنواع القُربات (فَهْوَ) خيرٌ (لَهُ) عندَ الله من تركهِ بعد موته.
٦٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبِي) حفص بن غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بنِ شريك (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب، يُكنَّى أبا أسماء (٣) الكوفيُّ، العابد الثِّقة إلَّا أنَّه يرسلُ ويدلِّس (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ الكوفيِّ، أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ). قال في «الفتح»: يعني: أنَّ (٤) الَّذي يخلفهُ الإنسانُ من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنَّه