(١١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَذَا المَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التَّاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صفة لمحذوفٍ كالبقلةِ.
(وَقَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقوله» (تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾) المُزيِّن هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) [الكهف: ٧] وعن الحسن: الشَّيطان، وقد يجمعُ بين القولين بأنَّ نسبة ذلك إلى الله تعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقةً فهو الَّذي أوجد الدُّنيا وما فيها، وجعل القلوب مائلةً إليها، وإلى ذلك أشار بالتَّزيين؛ ليَدْخُلَ فيه حديثُ النَّفس ووسوسةُ الشَّيطان، فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلقِ والتَّقدير (٢)، وإلى الشَّيطان باعتبار ما أقدرهُ الله تعالى عليه من التَّسلُّط على الآدميِّ (٣) بالوسوسةِ النَّاشئ عنها حديث النَّفس، وقرأ مجاهدٌ: (زيَّنَ للنَّاس) مبنيًّا للفاعل (حبَّ) مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدُّم (٤) ذكره الشَّريف في قوله: ﴿وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٣] أو ضمير الشَّيطان أُضْمر وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه أصلُ ذلك، فذِكْرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ (٥) بذِكْرِه، وأضاف المصدرَ لمفعولهِ في ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ وهي جمع: شهْوة -بسكون العين-، فحرِّكت في الجمعِ، ولا يجوزُ التَّسكين إلَّا في ضرورةٍ، كقوله:
стр. 11272
وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا … وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ
بتسكين الفاء، والشَّهوة مصدرٌ يراد به اسم المفعول، أي: المُشتهيات، فهو من باب رجلٌ عدْلٌ، حيث جُعِلَتْ نفسَ المصدر مبالغةً، والشَّهوة ميلُ النَّفس إلى الشَّيء، فجعل الأعيان الَّتي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مُشْتهاةً، وكأنَّه أرادَ تخسيسها (١) بتسميتهَا شهوات؛ إذ الشَّهوة مُسْترذلة عند الحكماءِ مذمومٌ من اتَّبعها شاهدٌ على نفسهِ بالبهيميَّة، فكأنَّ المقصود من ذكرِ هذا اللَّفظ التَّنفير عنها، ولفظ «النَّاس» عامٌّ دخله حرف التَّعريف فيفيدُ (٢) الاستغراق، فظاهرُ اللَّفظ يقتضي أنَّ هذا المعنى حاصلٌ لجميع النَّاس، والعقل أيضًا يدلُّ عليه؛ لأنَّ كلَّ ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوبٌ ومطلوبٌ لذاتهِ، والمنافعُ قسمان: جسمانيٌّ وروحانيٌّ، فالجسمانيُّ حاصلٌ لكلِّ أحدٍ في أوَّل الأمر، فلا جرمَ كان الغالب على الخلقِ هو الميل الشَّديد إلى اللَّذات الجسمانيَّة (﴿مِنَ النِّسَاء﴾) والإماءُ داخلةٌ فيها (﴿وَالْبَنِينَ﴾) جمع ابن، وقد يقعُ في غير هذا الموضع على الذُّكور والإناث، وهنا أُريد الذُّكور؛ لأنَّهم المشتهون في الطِّباع والمُعَدُّون في الدِّفاع، وقدَّم النِّساء لأنَّ الالتذاذ بهنَّ أكثرُ، والاستئناس بهنَّ أتمُّ، والفتنة بهنَّ أشدُّ، ولله تعالى في إيجاد حبِّ الزَّوجة والولد في قلب الإنسان حكمةٌ بالغةٌ لولا هذا الحبُّ لَمَا حصل التَّوالد والتَّناسل (﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾) جمع: قِنطار، وهو المالُ الكثيرُ، أو سبعون ألف دينارٍ، أو سبعة آلاف دينارٍ، أو مئة وعشرون رطلًا، أو مئة رطلٍ، أو ألفٌ ومئتا أوقية (﴿الْمُقَنطَرَةِ﴾) مفعللة من القنطارِ، وهو للتَّأكيد كقولهم: ألوفٌ مؤلَّفة، ودراهم مدرهمةٌ. وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعضٍ. وقال: وقيل: المدفونة (﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾) وإنَّما كانا محبوبين لأنَّهما ثمنُ الأشياء فمالكهما كالمالكِ لجميعِ الأشياء (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾) المعلمة أو (٣) المرعيَّة من أَسَامَ الدَّابَّةَ وسوَّمها (﴿وَالأَنْعَامِ﴾) جمع: نَعَم، وهي الإبلُ والبقر والغنم (﴿وَالْحَرْثِ﴾) مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به، فلذلك وُحِّد (٤) ولم يُجمع كما جُمعت أخواته (﴿ذَلِكَ﴾) المذكورُ (﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]) يتمتَّع به في الدُّنيا، وقد تضمَّنت هذه الآيةُ الكريمةُ أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها: الإتيانُ بها مجملةً،
стр. 11273
ومنها: جعله لها نفس الشَّهوات مبالغة في التَّنفير عنها كما مرَّ، ومنها: البداءةُ بالأهمِّ؛ فذكر أوَّلًا النِّساء؛ لأنهنَّ أكثر امتزاجًا ومخالطةً بالإنسان، وهُنَّ حبائل الشَّيطان، وقيل: فيهنَّ فتنتان، وفي البنين فتنةٌ واحدةٌ؛ لأنهُنَّ يقطعنَ الأرحام والصِّلات بين الأهل غالبًا، وهُنَّ السَّبب في جمع المال من حرامٍ وحلالٍ غالبًا (١)، والأولاد (٢) يُجمع لأجلهم المال فلذلك ثنَّى بهم، ولأنَّهم فروع منهُنَّ، وثمراتٌ نشأت عنهنَّ، وفي كلامِهم: المرء مفتونٌ بولده، وقُدِّمت على الأموال؛ لأنَّها أحبُّ إلى المرءِ (٣) من ماله، وأمَّا تقديمُ المال على الولدِ في بعضِ المواضع فإنَّما ذلك في سياق امتنانٍ وإنعامٍ أو نصرةٍ ومعاونةٍ؛ لأنَّ الرِّجال تستمال بالأموالِ، ثمَّ ذكر تمام اللَّذَّة وهو المركوب البهيُّ من بين سائر الحيواناتِ، ثمَّ أتى بما يحصل به ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] كما تشهدُ به الآية الأُخرى، ثمَّ ذكر ما به قوامهم وحياة بُنْيَتهم وهو الزَّرع والثِّمار، ومنها الإتيان بلفظٍ يُشعر بشدَّة حبِّ هذه الأشياء بقوله: ﴿زُيِّنَ﴾ والزِّينة محبوبةٌ في الطِّباع، ومنها التَّجنيس في ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقةَ في قوله: ﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ لأنَّهما صارا متقابلين في غالبِ العُرف، وغير ذلك، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ … » إلى آخره.
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقَالَ» (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ في الآية المذكورة: (اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ) بإثبات الضَّمير، ولأبي ذرٍّ: «بما زيَّنتَ» (لَنَا) في آية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثمَّ لمّا رأى أنَّ فتنةَ المال مُسلَّطةٌ على من فتحَه الله عليه لتزيينِ الله تعالى له، دَعا الله تعالى بقولهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) لأنَّ من أخذَ المال من حقِّه ووضعه في حقِّه فقد سَلِم من فتنتهِ.
وهذا الأثر وصله الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أُويس، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ هو الأنصاريُّ: «أنَّ عمر بن الخطَّاب أُتي بمالٍ من الشَّرق يقال له: نفل كسرى، فأُمِر به فصُبَّ وغُطِّيَ، ثمَّ دعا النَّاس فاجتمعوا، ثمَّ أمر به فكُشف عنه، فإذا حليٌّ كثيرٌ وجوهرٌ ومتاعٌ، فبكى عمر ﵁ وحمد الله فقالوا له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنين هذه غنائمُ غَنِمَها الله لنا، ونزعَها من أهلها؟ فقال: ما فتحَ اللهُ من هذا على قومٍ إلَّا سفكوا دِماءهم
стр. 11274
واستحلُّوا حُرمتهم. قال: فحدَّثني زيدُ بن أسلم أنَّه بقيَ من ذلك المال مناطقُ وخواتمُ فرُفِعَ، فقال له عبدُ الله بن أرقم: حتَّى متى تحبسُه لا تقسِّمُه؟ قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذنِّي به، فلمَّا رآه فارغًا بَسَطَ شيئًا في حشِّ نخلةٍ، ثم جاءه به في مكتلٍ فصبَّه فكأنَّه استكثرهُ، ثم قال: اللَّهم أنت قلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] فتلا الآية حتَّى فرغ منها، ثمَّ قال: لا نستطيعُ إلَّا أن نُحبَّ ما زيَّنت لنا فقنِي شرَّه، وارزُقني أن أنفقَه في حقِّه، فما قام حتَّى ما بقي منه شيءٌ».
٦٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) كلاهما (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي، الأسديِّ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير لفظ الإعطاءِ ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (هَذَا المَالُ) قال: ابنُ المدينيِّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ) حكيمٌ: قال (لِي) رسول الله ﷺ : (يَا حَكِيمُ) بالرَّفع من غيرِ تنوينٍ منادى مفرد. قال (٢) في «الفتح»: وظاهر السِّياق أنَّ حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك؛ لأنَّه لم يدركه، فإنَّ بين وفاة حكيمٍ ومولد سفيان نحو الخمسين سنة، وإنَّما المُراد: أنَّ سفيان رواه مرَّةً بلفظٍ، «ثمَّ قال» -أي: النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ هذا المال» ومرَّة بلفظ: «ثمَّ (٣) قال
стр. 11275
لي (١): يا حكيمُ» (إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه كالفاكهة (خَضِرَةٌ) في المنظرِ (حُلْوَةٌ) في الذَّوق (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوةِ نفسِ المُعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) بالشين المعجمة، بأن تعرَّض له بنحو بسطِ اليدِ (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي) به الجوعُ الكاذب (يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) كلَّما ازدادَ أكلًا ازدادَ جوعًا (وَاليَدُ العُلْيَا) بضم العين مقصورًا، المُنفقة أو المتعفِّفة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) الآخذة.
والحديثُ سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] و «الخمس» [خ¦٣١٤٣].
(١٢) (بابُ مَا قَدَّمَ) الإنسانُ المكلَّف في حال صحَّته وحرصه (مِنْ مَالِهِ) في وجوهِ الخيرات وأنواع القُربات (فَهْوَ) خيرٌ (لَهُ) عندَ الله من تركهِ بعد موته.
٦٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبِي) حفص بن غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بنِ شريك (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب، يُكنَّى أبا أسماء (٣) الكوفيُّ، العابد الثِّقة إلَّا أنَّه يرسلُ ويدلِّس (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ الكوفيِّ، أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ). قال في «الفتح»: يعني: أنَّ (٤) الَّذي يخلفهُ الإنسانُ من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنَّه
стр. 11276
باعتبارِ انتقالهِ إلى وارثه يكونُ منسوبًا للوارثِ، فنسبتهُ للمالك في حياتهِ حقيقة، ونسبته للوارث في حياة المورِّثِ مجازيةٌ، ومن بعد موته حقيقة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ) من مالِ وارثه (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ مَالَهُ) الَّذي يضافُ إليه في الحياة (مَا قَدَّمَ) بأن أنفقَه في وجوهِ الخيرات (وَمَالُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» وغيرها (١) (وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ) بعد موتهِ ولم ينفقْه في وجوههِ، وفيه الحثُّ على تقديم ما يمكنُ تقديمهُ من المال في وجوهِ المبرَّات (٢) وأنواع القُربات؛ لينتفعَ به في الآخرة.
(١٣) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (المُكْثِرُونَ) من المالِ (هُمُ المُقِلُّونَ) في الثَّواب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «هم الأقلُّون» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾) نوصلُ إليهم أجورَ أعمالهم وافيةً كاملةً من غير بَخسٍ في الدُّنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصِّحَّة والرِّزق، وهم الكفَّار أو المنافقون (٤) (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾) وحبطَ في الآخرةِ ما صنعوا (٥) أو صنيعهم، أي: لم يكن لهم ثوابٌ؛ لأنَّهم لم يريدوا به الآخرة وإنَّما أرادوا به الدُّنيا، وقد وفَّى لهم ما أرادوا (﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]) أي: كان عملهم في نفسه باطلًا؛ لأنَّه لم يُعْمَلْ لغرضٍ صحيحٍ، والعملُ الباطلُ لا ثواب له، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال قبلها: «الآيتين».
стр. 11277
٦٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ، وسقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة، الأسديِّ المكيِّ ثمَّ الكوفيِّ، من صغار التَّابعين (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) أبي سليمان الهَمْدانيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ) سقط لأبي ذرٍّ «الواو» من «وليس» (مَعَهُ إِنْسَانٌ) هو تأكيدٌ لقوله: «وحده» (قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ) أي: في المكان الَّذي ليس للقمر فيه ضوءٌ ليختفيَ شخصُهُ، وإنَّما مشى خلفَه؛ لاحتمال أن يطرأَ له ﷺ حاجةٌ فيكون قريبًا منه (فَالتَفَتَ) ﷺ (فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) كأنَّه رأى شخصه ولم يتميَّز له (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «أنا» (أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بكسر الفاء ممدودًا (قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ) بهاء السكت، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تعال» بإسقاطها (قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ) ﷺ (سَاعَةً فَقَالَ: إِنَّ المُكْثِرِينَ) من
стр. 11278
المالِ (هُمُ المُقِلُّونَ) من الأجرِ (يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا) مالًا (فَنَفَحَ) بالفاء المخففة بعدها حاء مهملة (فِيهِ) أي: أعطَى (يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ) في المال (١) (خَيْرًا. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَمَشَيْتُ مَعَهُ) ﷺ (سَاعَةً فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَهُنَا، قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَأَجْلَسَنِي) ﷺ (فِي قَاعٍ) أرضٍ سهلةٍ مطمئنَّةٍ انفرجت عنها الجبال (حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَانْطَلَقَ) ﵊ (فِي الحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة، أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ (حَتَّى لَا أَرَاهُ) بفتح الهمزة (فَلَبِثَ) بكسر الموحدة (عَنِّي فَأَطَالَ اللَُّبْثَ) بفتح اللام وضمها (ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ) ﵊ (وَهْوَ مُقْبِلٌ) بكسر الموحدة والواو للحال كهي في قوله (٢): (وَهْوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَلَمَّا جَاءَ) ﷺ (لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بالهمز (مَنْ تُكَلِّمُ) بضم الفوقية وكسر اللام: أنت، أو بفتحهما (٣) وكذا الميم، أي: من تَكَلَّم معك (فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يردُّ» (إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ) ﷺ : (ذَلِكَ) باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بإسقاطها، أي: الَّذي سمعته (جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ) أي: ظهرَ (لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، قَالَ) لي: (بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ) منهم (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ) (شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) جواب الشَّرط (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟) دخل الجنَّة (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أي: كان مصيره إلى الجنَّة، وإن ناله عقوبة (قَالَ) ﵊: (قُلْتُ): يا جبريل، وسقط لأبي ذرٍّ «قال: قلت» (وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. قُلتُ): يا جبريل (وَإِنْ سَرَقَ وإن زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ) كذا لأبي ذرٍّ (٤) بتكرير: «وإنْ سرقَ وإنْ زَنى» مرَّتين، وللمُستملي ثلاثًا، وزاد بعد الثَّالثة (٥): «وإن شربَ الخمر».
والحديثُ سبق بزيادةٍ ونقصانٍ في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٨٨] و «الاستئذانِ» [خ¦٦٢٦٨]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
стр. 11279
(قَالَ النَّضْرُ) بنُ شُمَيل: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (وَحَدَّثَنَا) وسقط الواو لأبي ذرٍّ (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ) سليمان (وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) قالوا: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا) الحديث، فصرَّح الثَّلاثة بالتَّحديث عن زيدِ بنِ وهب، فأُمِنَ تدليسُ الأوَّلين على أنَّه لو رُوي من رواية شعبة بغيرِ تصريحٍ لأُمِنَ فيه من التَّدليس؛ لأنَّه كان لا يُحدِّث عن شيوخهِ إلَّا بما لا تدليسَ فيه، ولأبي ذرٍّ: «عن زيد بنِ وهب» وقوله: «بهذا» أي: الحديث المذكور، واعترضهُ الإسماعيليُّ بأنَّه ليس في حديث شعبة قصَّة المكثرين والمقلِّين، وإنَّما فيه قصَّةُ من مات لا يشركُ بالله شيئًا.
وأُجيب بأنَّه واضحٌ على طريقةِ (١) أهل الحديث؛ لأنَّ مُراده أصل الحديث، فإنَّ الحديث المذكور في الأصلِ مشتملٌ (٢) على ثلاثة أشياء: «ما يسرُّني أنَّ لي أُحدًا ذهبًا»، وحديث المكثرين والمقلِّين، «ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة» فيجوز إطلاقُ الحديث على كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة إذا أُفرد، فقول البخاريِّ: «بهذا» أي: بأصلِ الحديث لا خصوص اللَّفظ المسوق (٣). وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الإطلاق في موضع التَّقييد غير جائزٍ، وقوله: «بهذا» أي: بأصل الحديث، غيرُ سديدٍ؛ لأنَّ الإشارةَ بلفظ: «هذا» تكون للحاضرِ، والحاضرُ هو اللَّفظ المسوق.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر بن مالك (مُرْسَلٌ، لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا) ذكرهُ (لِلْمَعْرِفَةِ) بحاله (وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ) قال صاحب «التَّلويح»: فيه نظرٌ؛ فإنَّ النَّسائيَّ أخرجه بسندٍ صحيحٍ على شرط مسلمٍ (قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ) البخاريِّ: (حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) أي: المرويُّ عند النَّسائيِّ من رواية محمَّد بن أبي حرملةَ، عن عطاء بنِ يسار (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) بلفظ: «أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ وهو يقصُّ على المنبر يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فقلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرق
стр. 11280
يا رسول الله؟ فقال: وَإنْ زنَى وإِنْ سَرَقَ، فأعدتُ فأعاد، فقال في الثَّالثة: قال: نعم، وإن رغمَ أنفُ أبي الدَّرداء».
(قَالَ) أبو عبد الله البخاريُّ: هو (مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ) لأنَّه من المسانيد (وَقَالَ) أي: البخاريُّ: (اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ) لأنَّه من المراسيل. قال الحافظ ابن حجرٍ: قد وقع التَّصريح بسماعِ عطاء بن يسار له من أبي الدَّرداء في روايةِ ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»، والطَّبرانيِّ في «معجمه»، والبيهقيِّ في «شُعَبه»، قال البيهقيُّ: حديثُ أبي الدَّرداء هذا غيرُ حديث أبي ذرٍّ، وإن كان فيه بعض معناه (هَذَا) الحديث المرويُّ عن أبي الدَّرداء (إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عِنْدَ المَوْتِ) مات الميِّت من باب المجاز باعتبار ما يؤول، فإنَّ الميِّت لا يموت بل الحيُّ هو الَّذي يموت، وقد سقطَ قوله «قال (١) أبو عبد الله: حديث أبي صالح» إلى آخر قوله: «إذا مات قال: لا إله إلا الله، عند الموت» لأبي ذرٍّ كأكثرِ الأصولِ، وذكره الحافظ ابن حجرٍ عقبَ الحديث الأوَّل من الباب اللَّاحق. قال: وثبتَ ذلك في نسخة الصَّغانيِّ.
(١٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ لي أُحدًا» (ذَهَبًا) وفي «فتح الباري»: «باب قول النَّبيِّ ﷺ : ما يسرُّني أنَّ عندي مثل أُحدٍ هذا ذهبًا» وقال: لم أرَ لفظ هذا في رواية الأكثر، لكنَّه ثابتٌ في لفظ الخبر الأوَّل.
стр. 11281
٦٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البُوْرَانيُّ -بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء بعد الألف نون- البجليُّ، أبو علي الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابن سُلَيم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندبُ ابن جنادة الغفاريُّ ﵁: (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا) بفتح اللام (أُحُدٌ) الجبلُ المعروف (فَقَالَ) ﷺ : (يَا أَبَا ذَرٍّ. قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ) بالتَّشديد، ليلةٌ (ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ) الواو للحال (إِلَّا شَيْئًا) استثناء من دينار، ولأبي ذرٍّ: «شيءٌ» بالرفع (أَُرْصُِدُهُ) بفتح الهمزة وضم الصاد، أو بضم الهمزة وكسر الصاد، أعدّهُ أو أحفظهُ (لِدَيْنٍ) بفتح الدال المهملة، صاحبه غير حاضرٍ فيأخذه إذا حضرَ، أو لوفاء دينٍ مُؤجَّلٍ إذا حلَّ وفيته، وللحَمُّويي والمُستملي: «لدَيني» (إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ) استثناءٌ بعد استثناء، فيفيدُ الإثبات فيؤخذُ منه أنَّ نفي محبَّة المال مقيَّدةٌ (١) بعدم الإنفاق، فيلزم محبَّة وجودهِ مع الإنفاق، فما دامَ الإنفاقُ مستمرًّا لا يكره وجودُ المال، وإذا انتفَى الإنفاقُ ثبتتْ كراهيةُ وجود المال، ولا يلزمُ كراهية حصول شيءٍ آخر، ولو كان قَدْر أُحدٍ أو (٢) أكثر مع استمرار الإنفاق. قاله في «الفتح». وقوله: «أقول به» أي: أصرفه وأُنفقه (فِي عِبَادِ اللهِ) (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) بالتَّكرار ثلاثًا
стр. 11282
صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: أشارَ إشارةً مثل هذه الإشارة (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) اقتصرَ على هذه الثَّلاثة، وحُمل على المبالغة؛ لأنَّ العطيَّة لمن بين يديهِ هي (١) الأصل، وفي الجزء الثَّالث من «البشرانيات» من رواية أحمد بنِ ملاعب، عن عمر بنِ حفص بنِ غياث، عن أبيه: «إلَّا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا (٢)» وأرانا (٣) بيده، فكرَّر لفظ «هكذا» أربعًا، فعمَّ الجهات الأربع (ثُمَّ مَشَى فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ قال» (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ) صرف المال في مصرفهِ (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ) وقيل: المرادُ بالأخير: الوصيَّة (٤)، وقيل: ليس قيدًا فيه، بل قد يقصدُ الصَّحيحُ الإخفاءَ، فيدفع لمن وراءهُ مالًا يعطي به من هو أمامَه (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) «ما» زائدةٌ مؤكِّدة للقلَّة، أو موصوفةٌ، ولفظ: «قليلٌ» هو الخبر، و «هم» مبتدأ، أو (٥) قُدّم الخبر للمبالغةِ في الاختصاصِ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (لِي) الزم (مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ) تأكيدٌ (حَتَّى آتِيَكَ) غايةٌ للزوم المكانِ المذكور (ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى) غابَ شخصهُ الشَّريف عنِّي (فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ) ولأبي ذرٍّ: «أن يكون أحدٌ عرض» (لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) بسوءٍ (فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي (٦): لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ. فَلَمْ أَبْرَحْ) من مكانِي (حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ) عليك (فَذَكَرْتُ لَهُ) ذلك (فَقَالَ) ﷺ (وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ: ذَاكَ) الَّذي سمعتَهُ يخاطبني هو
стр. 11283
(جِبْرِيلُ، أَتَانِي فَقَالَ) لي: (مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ) (شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) هو جواب الشَّرط (قُلْتُ): يا جبريل (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) يدخل الجنَّة؟ (قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) يدخلها، أي: إذا تابَ عند الموتِ، كما حمله المؤلِّف فيما مضى في «اللِّباس» [خ¦٥٨٢٧] وحمله غيره على أنَّ المُراد بدخول الجنَّة أعمُّ من أن يكون ابتداءً، أو بعد المجازاةِ على المعصية للجمع بين الأدلَّة، وفيه ردٌّ على من زعمَ من الخوارج والمُعتزلة أنَّ صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبةٍ يخلَّد في النَّار، ولم يتكرَّر هنا قوله: «وإن زنى وإن سرق» كما تكرَّر في الرِّواية السَّابقة في الباب قبل هذا [خ¦٦٤٤٣] واقتصر على هاتين الكبيرتين؛ لأنَّهما كالمثالين فيما يتعلَّق بحقِّ الله وحقِّ العباد، وأشار في الرِّواية السَّابقة في الباب الَّذي قبل هذا بقوله: «وإن شربَ الخمرَ» إلى فُحشه؛ لأنَّه يؤدي إلى خللٍ في العقلِ الَّذي شُرِّف به الإنسانُ على البهائمِ.
٦٤٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة فموحدة ثانية، الحَبَطِيُّ -بفتح الحاء المهملة والموحدة وكسر الطاء المهملة- نسبة إلى الحَبَطاتِ من (١) تميمٍ، البصريُّ الثِّقةُ الصَّدوقُ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيب بن سعيدٍ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (٢)، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) المذكور، ومراد المؤلِّف بسياق هذا التَّعليق أن يقوِّي (٣) روايةَ أحمد بن شبيب، فقد ضعَّفه ابن عبد البرِّ تبعًا لأبي الفتح الأزديِّ، لكنَّ الأزديَّ غير مرضيٍّ، فلا يتَّبع في ذلك، وشبيب وثَّقه ابن المدينيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ، أنَّه قال: (قَالَ أَبُو
стр. 11284
هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ) الجبل (ذَهَبًا) وجواب «لو» قوله: (لَسَرَّنِي) باللام قبل السين (أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أن لا تمرَّ بي» (ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْئًا) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا شيءٌ» بالرفع، فالنَّصب لأنَّ المستثنى منه مطلقٌ عامٌّ والمستثنى مقيَّدٌ خاصٌّ، والرَّفع لأنَّ المستثنى منه في سياق النَّفي، ووقع تفسير الشَّيء في رواية (١) بالدِّينار (أَُرْصُِدُهُ) بفتح الهمزة وضم الصاد المهملة، أو بضم ثمَّ كسر، أي: أعدُّه (لِدَيْنٍ) بفتح الدال، وفيه الحثُّ على الإنفاق في وجوهِ الخيرات، وأنَّه ﷺ كان في أعلى درجات الزُّهد في الدُّنيا بحيث إنَّه لا يُحِبُّ أن يبقى في يدِه شيءٌ من الدُّنيا إلَّا لإنفاقهِ فيمن يستحقُّه، وإمَّا لإرصاده لمن له حقٌّ، وإما لتعذُّر من يقبل ذلك منه؛ لتقييدهِ في رواية همَّام عن أبي هُريرة الآتية إن شاء الله تعالى في «كتاب التَّمنِّي» بقوله: «أجد من يقبله» (٢) [خ¦٧٢٢٨].
والحديثُ مضى في «الاستقراض» [خ¦٢٣٨٩].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) بكسر الغين المعجمة مقصورًا (٣)، سواء كان
стр. 11285
المتَّصف به قليلَ المال أو كثيره (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى» (١): (﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥]) «ما» بمعنى «الَّذي»، وخبر ﴿أَنَّ﴾: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٦] والعائد من خبر «أنَّ» إلى اسمها محذوفٌ تقديره: نسارعُ لهم به، والمعنى: أنَّ هذا الإمداد (٢) ليس إلَّا استدراجًا لهم في المعاصِي، وهم يحسبونهُ مسارعةً لهم في الخيراتِ معاجلةً بالثَّواب جزاءً على حسنِ صنيعهم، وهذه الآية حجَّة على المعتزلةِ في مسألة الأصلح؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ الله تعالى لا يفعلُ بأحدٍ من الخلق إلَّا ما هو أصلح لهُ في الدِّين، وقد أخبر أنَّ ذلك ليس بخيرٍ لهم في الدِّين ولا أصلح، وقوله: ﴿بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ استدراكٌ لقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ﴾، أي: بل هم أشباهُ البهائمِ لا شعور لهم حتَّى يتأمَّلوا في ذلك أنَّه استدراج (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]) وهذا (٣) رأس الآية التَّاسعة من ابتداء الآية المبتدأ بها هنا، والآيات الَّتي بين الأولى والثَّانية وبين الأخيرة والَّتي قبلها معترضة في وصفِ المؤمنين، وقوله: ﴿مُّشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] أي: خَائفون، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٨] أي: بكتبه كلِّها يؤمنون (٤) ولا يفرِّقون، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: يعطون ما أعطوا من الزَّكاة والصَّدقات، وقلوبهم وجلةٌ خائفةٌ أن لا يُقبل منهم لتقصيرهِم، وخبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] أي: يرغبون في الطَّاعات فيبادرونها، والكتاب: اللَّوح المحفوظ، أو صحيفة الأعمال، وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] أي: ما يستقبلونَ من الأعمالِ كما (٥) (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان في «تفسيره»: (لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا) قبل موتهِم لا محالة لتحقَّ عليهم كلمة العذابِ، وفي حديث ابن مسعودٍ: «فوالَّذي لا إله غيره إنَّ الرَّجل ليعملُ بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون بينَه وبينها إلَّا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب فيعملُ بعملِ أهل النَّار فيدخلها» [خ¦٦٥٩٤].
стр. 11286
٦٤٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاش -بالتَّحتية المشدَّدة آخره شين معجمة- راوي قراءة عاصم، أحدُ القرَّاء السَّبعة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانُ بن عاصم الأسديُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيْسَ الغِنَى عَنْ) سببِ (كَثْرَةِ العَرَضِ) بفتح العين المهملة (١) والراء وبالضاد المعجمة، ما يُنتفع به من متاع الدُّنيا سوى النَّقدين. وقال أبو عُبيد: الأمتعةُ وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخلهُ كيلٌ ولا وزنٌ. وقال في «المشارق» -ممَّا نقله عنه في «التنقيح» -: قال ابن فارس في «المقاييس» -وذكر هذا الحديث- إنَّما سمعناه (٢) بسكون الراء، وهو كلُّ ما كان من المال غير نقدٍ، وجمعه: عروض، وأمَّا العرَض -بفتح الراء- فما يصيبه الإنسان من حظِّه في الدُّنيا. قال الله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. انتهى. أي: ليس الغنى الحقيقيُّ المعتبر كثرةَ المال؛ لأنَّ كثيرًا ممَّن وسَّع الله (٣) عليه في المال لا يقنع (٤) بما أُوتي، فهو يجتهدُ في الازدياد ولا يُبالي من أين يأتيه، فكأنَّه فقيرٌ من شدَّة (٥) حرصهِ (وَلَكِنَّ) بتشديد النون، ولأبي ذرٍّ بتخفيفها (الغِنَى) الحقيقيّ المعتبر الممدوح (غِنَى النَّفْسِ) بما أُوتيت وقنعها به ورضاها وعدمِ حرصها على الازديادِ والإلحاح في الطَّلب؛ لأنَّها إذا استغنت كفَّت عن المطامع، فعزَّت وعظمتْ وحصل لها من الحُظوة والنَّزاهة والشَّرف والمدح أكثر من الغنى الَّذي ينالهُ من يكون فقير النَّفس بحرصهِ، فإنَّه يورِّطه في رذائلِ الأمور وخسائسِ الأفعال؛ لدناءة
стр. 11287
همَّته وبخله، ويكثر ذامُّه من النَّاس ويصغرُ قدره عندهم، فيكون أحقرَ من كلِّ حقيرٍ، وأذلَّ من كلِّ ذليلٍ (١)، وهو مع ذلك كأنَّه فقيرٌ من المال لكونهِ لم يستغنِ بما أُعطِي فكأنَّه ليس بغنيٍّ، ولو لم يكن في ذلك إلَّا عدم رضاهُ بما قضاه الله لكفاهُ (٢).
فإن قلتَ: ما وجهُ مناسبة الآيات للحديث؟ قال في «الفتح»: لأنَّ خيريَّة المال ليست بذاتهِ بل بحسب ما يتعلَّق به، وإن كان يسمَّى خيرًا في الجملةِ، وكذلك صاحب المالِ الكثير ليس غنيًّا لذاتهِ بل بحسب تصرُّفه فيه، فإن كان في نفسه غنيًّا لم يتوقَّف في صرفه في الواجبات والمستحبَّات من وجوهِ البرِّ والقُربات، وإن كان في نفسهِ فقيرًا أمسكهُ، وامتنعَ من بذلهِ فيما أمرَ به خشيةً من نفادهِ فهو في الحقيقةِ فقيرٌ صورةً ومعنًى وإنْ كان المالُ تحت يدهِ لكونهِ لا ينتفعُ به لا في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، بل ربَّما كان وبالًا عليه.
والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الزُّهد».
(١٦) (بابُ فَضْلِ الفَقْرِ) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «فضل» مرفوعٌ على (٣) ما لا يخفَى.
٦٤٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (السَّاعِدِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ) لم يسمَّ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) ﵊ (لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ) هو أبو ذرٍّ
стр. 11288
الغِفاريُّ كما رواه ابنُ حبَّان في «صحيحه» من طريقهِ، وفي «باب الأكْفَاءِ في الدِّين» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٠٩١] «ما تقولون في هذا؟» وهو خطابٌ لجماعة، فيجمعُ بأنَّ الخطابَ وقع لجماعةٍ منهم أبو ذرٍّ ووجَّه إليه الخطاب (١): (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا) الرَّجل المارِّ؟ (فَقَالَ) المسؤولُ: هذا (رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد التَّحتية، جديرٌ أو حقيقٌ (٢) وزنًا ومعنًى (إِنْ خَطَبَ) امرأةً (أَنْ يُنْكَحَ) بضم أوله وفتح الكاف، أي: تجاب خطبته (وَإِنْ شَفَعَ) في أحدٍ (أَنْ يُشَفَّعَ) بضم أوَّله وتشديد الفاء المفتوحة، تقبلُ شفاعته (قَالَ) سهلٌ: (فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) وزادَ إبراهيمُ بن حمزة في روايتهِ في «النِّكاح» [خ¦٥٠٩١]: «وإنْ قالَ أن يُسْمع» (ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ) قيل: هو جُعَيلُ بنُ سراقة كما في «مسند الفريابي»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «رجل (٣) آخر» (فَقَالَ لَهُ) أي: للرَّجل المسؤول أوَّلًا (رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا) الرَّجل المارِّ؟ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ) جديرٌ (إِنْ خَطَبَ) امرأةً (أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ) في أحدٍ (أَنْ لَا يُشَفَّعَ) فيه (وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ) لفقرهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذَا) الرَّجل الفقير (خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا) الرَّجل الغنيِّ. زاد أحمدُ وابنُ حبَّان: «عندَ الله يوم القيامة»، وقوله: «مِلْء» بكسر الميم وسكون اللَّام بعدها همزة، ومِثْل: بكسر ثمَّ سكون، وثبتَ: «من» في قوله: «من مثل هذا» في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ.
والحديثُ سبقَ في «النِّكاح» [خ¦٥٠٩١].
стр. 11289
٦٤٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير، ونُسب إلى أحدِ أجداده حُميد قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيقَ بنَ سلمة (قَالَ: عُدْنَا خَبَّابًا) بفتح المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة أخرى، ابن الأرتِّ، من مرضٍ (فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) إلى المدينةِ بأمرهِ أو بإذنه، والمراد بالمعيَّة: الاشتراك في حكم الهجرةِ؛ إذ لم يكن معه ﷺ إلَّا أبو بكرٍ وعامرُ بن فُهَيرَة (نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ) أي: ما عندَه تعالى من الثَّواب لا الدُّنيا (فَوَقَعَ أَجْرُنَا) أي: إثابتُنَا وجزاؤنَا (عَلَى اللهِ تَعَالَى) فضلًا منه سبحانهُ (فَمِنَّا) من الَّذين هاجروا (مَنْ مَضَى) ماتَ (لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ) من الغنائمِ؛ لكونهِ ماتَ قبل الفتوح (شَيْئًا مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) شهيدًا، قتلَه عبدُ الله بن قَمِيْئَة (وَتَرَكَ نَمِرَةً) فلم نجدْ ما نكفِّنُه به سواها (فَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رَأْسَهُ بَدَتْ) ظهرتْ (رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَهُ) بالإفراد، والَّذي في «اليونينيَّة»: «رجليه» بالتَّثنية (بَدَا رَأْسُهُ) لقِصَرها (فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ) بطرفها (وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية، وزاد أبو ذرٍّ: «شيئًا» (مِنَ الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين، النَّبتُ الحجازيُّ المعروف، ومن أهل الهجرةِ من عاشَ إلى أن فُتِحَ عليهم الفتوحُ وهم أقسامٌ: منهم (١): من أعرضَ عنه وواسى به المحاويج أوَّلًا فأوَّلًا وهم قليلٌ ومنهم أبو ذرٍّ. ومنهم: من تبسَّط في بعضِ المباح فيما يتعلَّق بكثرةِ النِّساء والسَّراري والخدمِ والملابس ونحو ذلك، ولم يستكثرْ وهم كثيرٌ، ومنهم ابن عمر. ومنهم من زادَ فاستكثرَ بالتِّجارة وغيرها مع القيام بالحقوقِ الواجبةِ والمندوبةِ، وهم كثيرٌ أيضًا ومنهم عبد الرَّحمن بن عوف. وإلى هذين القسمين الأخيرين أشار خبَّاب بقوله: (وَمِنَّا) أي: من المهاجرين (مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح النون والعين المهملة، انتهَتْ وأدركتْ (لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُِبُهَا) بفتح التَّحتية وسكون الهاء وكسر الدال المهملة وتضمُّ وبالموحدة (٢)، يقطفُها.
стр. 11290
وفي الحديثِ فضيلة مصعبِ بن عُمير وأنَّه لم ينقصْ له من ثوابهِ في الآخرةِ شيءٌ، وقد كان مصعب بمكَّة في ثروةٍ ونعمةٍ فلَّما هاجر صار في قلَّةٍ.
وهذا الحديثُ سبقَ في «الجنائز» [خ¦١٢٧٦].
٦٤٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ) بفتح السين وسكون اللام، و «زَرِير» بفتح الزاي وكسر الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة فراء ثانية، بوزن عظيم، العطارديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الراء والجيم المخففة وبالهمزة، عمران بن تميمٍ العطارديُّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ) بتشديد الطاء، أي: أشرفت ليلة الإسراء (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ) أشرفتُ عليها (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) لِمَا يغلبُ عليهنَّ من الهوى، والميل إلى عاجلِ زينة الدُّنيا، والإعراض عن الآخرةِ لنقص عقلهنَّ، والحديث فيه التَّحريض على تركِ التَّوسع من الدُّنيا، كما أنَّ فيه تحريضَ النِّساء على المحافظةِ على أمر الدِّين؛ لئلا يدخلنَ النَّار.
والحديثُ قد سبقَ في «باب (١) كفران العشير» في أوَّل الكتاب [خ¦٢٩] وفي «بدء الخلقِ» [خ¦٣٢٤١] ويأتي إن شاء الله تعالى في «باب صفة الجنَّة والنَّار»، من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٤٦] بعون الله وتوفيقهِ.
(تَابَعَهُ) أي: تابعَ أبا رجاء (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ فيما وصله النَّسائيُّ (وَعَوْفٌ) بالفاء، الأعرابيُّ، فيما (٢) وصله البخاريُّ في «النِّكاح» [خ¦٥١٩٨] (وَقَالَ صَخْرٌ) هو ابنُ جويرية، فيما وصله النَّسائيُّ أيضًا (٣) (وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء
стр. 11291
مهملة، الإسكاف (١) البصريُّ، فيما وصله النَّسائيُّ أيضًا: (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) عمران بن تميم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄.
٦٤٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء، هو: عبدُ الله بن محمَّد بن عَمرو بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) بفتح العين المهملة (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ) بكسر الخاء المعجمة، هو ما يُؤكل عليه الطَّعام، وهو من دأب المُترفين وصنيع الجبابرةِ المنعَّمين؛ لئلَّا يَفْتَقِرُوا إلى التَّطأطؤ عندَ الأكل (وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا) ملينًا محسَّنًا كخبزِ الحُوَّارى (حَتَّى مَاتَ) زهدًا في الدُّنيا، وتركًا للتَّنعيم.
والحديثُ أخرجَه التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «الأطعمةِ».
٦٤٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو ابنُ (٢) محمَّد بن أبي شيبةَ، واسمه: إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي) بفتح الراء وتشديد الفاء مكسورة،
стр. 11292
خشب يُرفع عن الأرض في البيت يُوضع فيه ما يرادُ حفظه، قاله عياضٌ، وقال في «الصحاح»: شِبْهُ الطَّاقِ في الحائطِ (مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ) شاملٌ لكلِّ حيوانٍ (إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ) بعض شعيرٍ، أو نصف وسقٍ منه (فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ) بتشديد التَّحتية (فَكِلْتُهُ) بكسر الكاف (فَفَنِيَ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: سبقَ في «البيعِ» [خ¦٢١٢٨] «كيلوا طعامَكُم يُبارك لكم فيه» وتَعْقِيب لفظ «فنيَ» بعدَ «كِلْتُه» هنا مشعرٌ بأنَّ الكيلَ سببُ عدم البركةِ؟ وأجابَ بأنَّ البركةَ عند البيعِ، وعدمَها عند النَّفقة، أو المراد أنْ يكيلَه بشرطِ أن يبقي الباقي مجهولًا، وقال غيرُه: لأنَّ الكيلَ عند المبايعة مطلوبٌ من أجل تعلُّق حقِّ المتبايعين، فلهذا القصد يُندب، وأمَّا الكيلُ عند الإنفاقِ فقد يبعث عليه الشُّحُّ فلذلك كُره، وقال القرطبيُّ: سببُ رفع النَّماء -والله أعلم- الالتفاتُ بعينِ الحرصِ مع مُعاينة إدرار نِعَمِ الله، ومواهبِ كراماتهِ، وكثرةِ بركاتهِ، والغفلة عن الشُّكر عليها، والثِّقة بالَّذي وهبَها والميلِ إلى الأسبابِ المعتادةِ عند مشاهدةِ خرق العادةِ.
وفي الحديث فضل الفقر (١) من المال، واختلفَ في التَّفضيل بين الغنيِّ والفقير، وكثُر النِّزاع في ذلك. وقال الدَّاوديُّ: السُّؤال أيُّهما أفضلُ لا يستقيمُ؛ لاحتمال أن يكون لأحدِهما من العملِ الصَّالح ما ليسَ للآخر فيكون أفضل، وإنَّما يقعُ السُّؤال عنهما إذا استويَا بحيث يكون لكلٍّ منهما من العملِ ما يقاومُ به عملَ الآخر. قال: فعلم أيُّهما أفضلُ عند الله، وكذا قال ابن تيميَّة (٢) لكن قال: إذا استويا في التَّقوى (٣) فهما في الفضلِ سواءٌ. وقال ابنُ دقيق العيد: إنَّ حديثَ أهل الدُّثور [خ¦٨٤٣] يدلُّ على تفضيلِ الغنيِّ على الفقيرِ؛ لِمَا تضمَّنه من زيادةِ الثَّواب بالقُرَبِ الماليَّة إلَّا إن فسّر الأفضل بمعنى الأشرف بالنِّسبة إلى صفات النَّفس، فالَّذي يحصل للنَّفس من التَّطهير للأخلاق والرِّياضة لسوء الطِّباع بسبب الفقر أشرفُ، فيترجَّح الفقر (٤)، ولهذا المعنى ذهب
стр. 11293
جمهور الصُّوفيَّة إلى ترجيح الفقير الصَّابر؛ لأنَّ مدارَ الطَّريق على تهذيبِ النَّفس ورياضتِها وذلك مع الفقرِ أكثر منه في الغِنى. وقال بعضُهم: اختلفَ هل التَّقلُّل من المالِ أفضل؟ ليتفرَّغَ قلبه من الشَّواغلِ وينالَ لذَّة المناجاةِ ولا ينهمِك في الاكتسابِ؛ ليستريحَ من طولِ الحساب، أو التَّشاغلُ باكتسابِ المال أفضل؛ ليستكثرَ به من التَّقرُّب (١) بالبرِّ والصِّلة والصَّدقة لِمَا في ذلك من النَّفع المتعدِّي؟ قال: وإذا كان الأمرُ كذلك فالأفضلُ ما اختارَه النَّبيُّ ﷺ وجمهورُ أصحابه من التَّقلُّل في الدُّنيا والبعد عن زهرتهَا. وقال أحمدُ بن نصر الدَّاوديُّ: الفقرُ والغنى محنتانِ من اللهِ يختبرُ بهما عبادهُ في الشُّكر والصَّبر، كما قالَ الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
(١٧) (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ) في حياتهِ (وَتَخَلِّيهِمْ مِنَ) التَّبسُّط في (الدُّنْيَا) وشهواتها وملاذِّها.
стр. 11294
٦٤٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (بِنَحْوٍ) بالتَّنوين (مِنْ نِصْفِ هَذَا الحَدِيثِ) قال في «التنقيح»: هذا الموضع من عُقَدِ الكتاب؛ فإنَّه لم يذكر من حدَّثه بالنِّصف الآخر (١)، ويمكن أن يقال: اعتمدَ على السَّند الآخر الَّذي تقدَّم له في «كتاب الاستئذان» [خ¦٦٢٤٦]. انتهى. ويأتي ما في ذلك آخر الكلام على الحديث، قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ابن زرارة الهَمْدانيُّ -بسكون الميم- المُرْهِبيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جَبْر -بفتح الجيم وسكون الموحدة- أبو الحجَّاج المخزوميُّ مولاهم المكيُّ، الإمام في التَّفسير والعلم (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (كَانَ يَقُولُ: آللهِ) بحذف حرف الجرِّ ومدِّ الهمزة وجرِّ الهاء في الفرعِ كأصله مصحَّحًا عليها. قال في «الفتح»: كذا للأكثر بالحذف، وفي روايتنا بالخفضِ، وعن أبي ذرٍّ ممَّا رأيتُه بهامش الفرع كأصلهِ الهمزةُ بمنزلةِ وَاوِ القَسَم. انتهى.
وجوَّز بعضهم النَّصب بل قال السَّفاقسيُّ: إنَّه رواه به، وقال ابنُ جنِّي: إذا حُذف حرف القَسَم نُصِب الاسم بعده بتقديرِ الفعل، ومن العربِ من يجرُّ اسمَ الله وحده (٢) مع حذفِ حرف الجرِّ، فيقول: اللهِ لأقومنَّ، وذلك لكثرةِ ما يستعملونَهُ، وفي بعضِ الأصول: «اللهُ» بإسقاطِ الأداة والرَّفع، وفي روايةِ روح بن عبَّاد عن عمرَ بن ذرٍّ -عند أحمد-: «واللهِ» (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ) أي: لألصقُ بطني بالأرض (مِنَ الجُوعِ) أو هو (٣) كنايةٌ عن
стр. 11295
سقوطهِ على الأرض مغشيًّا كما صَرَّحَ به في «الأطعمةِ» [خ¦٥٣٧٥]: «فلقيتُ عمر فاستقرأتُه آيةً، فمشيتُ غير بعيدٍ فخررتُ على وجهي من الجهدِ والجوع» (وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الجُوعِ) لتقليلِ حرارةِ الجوع ببردِ الحجر أو المساعدة على الاعتدالِ والانتصاب؛ لأنَّ البطن إذا خوى لم يمكن معه الانتصاب، فكان أهلُ الحجاز يأخذون صفائحَ رقاقًا (١) في طول الكفِّ، أو أكبرَ من الحجارةِ (٢)، فيربطها الواحد على بطنهِ وتشدُّ بعصابةٍ، فتعدِّلَ القامة (٣) بعضَ الاعتدال (وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِم) أي: النَّبيِّ ﷺ وبعضِ أصحابه (الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ) من منازلهم إلى المسجد (فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ) (مَا سَأَلْتُهُ) عنها (إِلَّا لِيُشْبِعَنِي) بالشين المعجمة والموحدة، من الإشباع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إلَّا ليسْتَتْبِعَنِي» بسين مهملة ساكنة ففوقية مفتوحة فأُخرى ساكنة فموحدة مكسورة فعين مهملة مفتوحة فنون مكسورة، أي: يطلبَ منِّي أن أتبعَه ليُطعمني (فَمَرَّ) بي (وَلَمْ يَفْعَلْ) أي: الإشباعَ أو الاستتباعَ (ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ) ﵁ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ) (مَا سَأَلْتُهُ) عنها (إِلَّا لِيُشْبِعَنِي) من الإشباعِ أو ليستتبعنِي من الاستتباعِ، كما مرَّ عن الكُشميهنيِّ (فَمَرَّ فَلَمْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «ولم» (يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو القَاسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي) من الجوعِ والاحتياج إلى ما يسدُّ الرَّمق (وَمَا فِي وَجْهِي) من التَّغيُّر وكأنَّه عرف من تغيُّر وجههِ ما في نفسهِ، واستدلَّ أبو هريرة بتبسُّمه ﷺ على أنَّه عرف ما به؛ لأنَّ التَّبسُّم يكون للتَّعجُّب ولإيناسِ من يتبسَّم إليه، وحالُ أبي هريرة لم تكنْ معجبةً فترجَّحَ الحمل على الإيناسِ، قاله في «الفتح» (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (أَبَا هِرٍّ) بإسقاط أداة النِّداء، وكسر الهاء وتشديد الراء، ردّ المؤنَّث على المذكَّر، والمصغَّر إلى المكبَّر، ولأبي ذرٍّ: «يا أبا هِر» (٤) (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الحَقْ) بفتح الحاء، أي: اتبع (وَمَضَى ﵊ فَتَبِعْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «فاتَّبعته» (فَدَخَلَ) زاد عليُّ بن مُسْهرٍ عند
стр. 11296
الإسماعيليِّ وابنِ حبَّان في «صحيحه»: «إلى أهلهِ» (فَاسْتَأْذَنَ) بهمزة وصل وفتح النون، بلفظ الماضِي في الفرع وغيره. وقال في «الفتح»: «فأَسْتأذنُ» بهمزة بعد الفاء والنون مضمومة، فِعْلُ المتكلِّم، وعبَّر عنه بذلك مبالغةً في التَّحقُّق. وقال العينيُّ: على صيغة المتكلِّم من المضارع. ولابن مُسْهِرٍ: «فاستأذنْتُ (١)» (فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ) كذا الرِّواية بتكرار «دخلَ» قال في «الكواكب»: الثَّاني تكرارٌ للأوَّل، أو: «دخل» الأوَّل بمعنى أرادَ الدُّخول، فالاستئذانُ يكون لنفسهِ ﷺ . وقال في «الفتح»: إمَّا تكرارٌ لوجود الفصلِ أو التفاتٌ، ووقع في رواية (٢) عليِّ بن مُسهر: «فدخلتُ» (٣). وهي واضحةٌ.
(فَوَجَدَ) ﷺ في منزله (لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ -أَوْ: فُلَانَةُ-) بالشَّكِّ، ولم يقفْ ابنُ حجر على اسم من أهداهُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أهدته» بالتَّأنيث، ثمَّ (قَالَ) ﵊: (أَبَا هِرٍّ) بإسقاط أداة النِّداء (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» بإسقاط «يا» (قَالَ: الحَقْ) أي: انطلق (إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْعُهُمْ لِي. قَالَ) أي: أبو هريرة: (وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على» (أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ) تعميمٌ بعد تخصيصٍ شاملٌ للأقارب وغيرهم، وعند ابنِ سعد من مرسل يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطٍ: «كان أهل الصُّفَّة ناسًا فقراء لا منازلَ لهم فكانوا ينامونَ في المسجد لا مأوى لهم غيرهُ» (إِذَا أَتَتْهُ) ﷺ (صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ) يخصُّهم بها (وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ) ليحضروا عندَه (وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا) لأنَّه ﷺ كان يقبلُ الهدية ولا يقبلُ الصَّدقة. قال أبو هُريرة: (فَسَاءَنِي ذَلِكَ) أي: قوله: «ادعُهم لي» (فَقُلْتُ) في نفسي: هذا قليلٌ (وَمَا هَذَا اللَّبَنُ) أي: وما قدر هذا اللَّبن (فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟!) والواو عاطفة على محذوفٍ، تقديره: هذا قليلٌ أو نحوه،
стр. 11297
ولعليِّ بن مُسْهِر (١): «وأين يقع هذا اللَّبن من أهل الصُّفَّة، وأنا ورسولُ الله؟» (كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا) زاد روح: «يومِي وليلتي» وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «أنا» (فَإِذَا جَاءَ) من أمرني بطلبهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «جاؤوا» (أَمَرَنِي) ﵊ (فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ) «فكنتُ» عطف على جزاء «فإذا جاؤوا» فهو بمعنى الاستقبال داخلٌ تحتَ القول، والتَّقدير: عندَ نفسه، قاله في «الكواكب»، وإنَّما كان أبو هُريرة يفعلُ ذلك؛ لأنَّه كان يخدمُ النَّبيَّ ﷺ (٢) (وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ) أي: يصل إليَّ بعد أن يكتفوا منه. وقال في «الكواكب»: و «ما عسى» أي: قائلًا في نفسي: وما عسى، والظَّاهر أنَّ كلمة «عسى» مُقحمة (وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا) في الدُّخول (فَأَذِنَ لَهُمْ) ﷺ (وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْتِ) أي: وجلس كلُّ واحدٍ منهم في المجلس الَّذي يليقُ به. قال في «الفتح»: ولم أقفْ على عددهِم إذ ذاك (قَالَ) ﵊: (يَا أَبَا هِرٍّ) بكسر الهاء وتشديد الراء (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: خُذْ) أي: هذا القدح (فَأَعْطِهِمْ) بهمزة قطع، القدح الَّذي فيه اللَّبن (فَأَخَذْتُ القَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ) بضم همزة «أُعطيهِ» (فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى) بفتح الواو (ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ) الَّذي يليهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ثمَّ أعطيهِ الرَّجل» (فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَحَ) بتكرار «فيشربُ» (٣) ثلاثًا، وسقط قوله «حتَّى يروى ثمَّ يردُّ عليَّ القدحَ» هذه في رواية أبي ذرٍّ. وقال في «الكواكب»: فإن قلتَ: الرَّجل الثَّاني معرفةٌ مُعادةٌ فتكون هي الأوَّلَ بعينهِ على القاعدةِ النَّحويَّة لكنَّ المرادَ غيرُه؟ وأَجاب: أنَّ ذلك حيثُ لا قرينةَ ولفظَ (٤) (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ) قرينة المغايرة؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّه أعطاهم واحدًا بعد واحدٍ
стр. 11298
إلى أن كان آخرَهُم النَّبيُّ ﷺ (فَأَخَذَ القَدَحَ) وقد بقيت فيه فضلةٌ (فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ) الكريمةِ (فَنَظَرَ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتية (فَتَبَسَّمَ) إشارة إلى أنَّه لم يفتْه شيءٌ ممَّا كان يظنُّ فواته من اللَّبن (فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ) بحذف أداة النِّداء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «يا أبا هِر» (قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ. قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ. فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ. فَقَالَ: اشْرَبْ. فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: اشْرَبْ. حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ: فَأَرِنِي. فَأَعْطَيْتُهُ القَدَحَ، فَحَمِدَ اللهَ) على البركةِ، وظهور المعجزة في اللَّبن المذكور حيث رَوِيَ القوم كلُّهم وأفضلوا (وَسَمَّى) اللهَ (وَشَرِبَ الفَضْلَةَ) وفي رواية روح: «فشربَ من الفضلةِ». وفيها -كما قال في «الفتح» - إشعارٌ بأنَّه بقيَ بعد شربه شيءٌ، فإن كانتْ محفوظةً فلعلَّه أعدَّها لمن بقيَ بالبيتِ من أهلهِ ﷺ .
وفي الحديث فوائدُ كثيرةٌ لا تخفَى على المتأمِّل، والله الموفِّق.
تنبيه: قوله في السَّند: «حدَّثنا أبو نعيمٍ بنحوٍ من نصف هذا الحديث». استُشكل من حيث إنَّه يستلزم أن يكون النِّصف بلا إسنادٍ وغيرَ موصولٍ؛ إذ النِّصف المذكور مبهمٌ لا يدرى أهو الأوَّل أو الثَّاني، واحتمال كون القدر المسموع له منه هو المذكور في «كتاب الاستئذان»، في «باب إذا دعي الرَّجل فجاء هل يستأذن» [خ¦٦٢٤٦] بلفظ: «حدَّثنا أبو نُعيم: حدَّثنا عمر بن ذرٍّ، وحدَّثنا محمَّد بن مقاتل: أخبرنا عبد الله: أخبرنا عمر بن ذرٍّ: أخبرنا مجاهدٌ، عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قدحٍ، فقال: أبَا هريرَةَ الحَقْ أهلَ الصُّفَّةِ فادعُهُم إليَّ، قال: فأتيتُهم فدعوتُهم، فأقبلُوا (١) فاستأذنُوا، فأذنَ لهم، فدخلوا». عورض بأنَّه ليس ثلث الحديث ولا ربعه فضلًا عن نصفهِ. وقول الحافظ زين الدِّين العراقيِّ في «نكته على ابن الصَّلاح»: إنَّ القدر المذكور في «الاستئذان» بعض الحديث المذكور في «الرِّقاق» (٢) هو القول المُعتبر المُحرَّر. قال: ويكون البخاريُّ حدَّث به عن أبي نُعيمٍ بطريق الوجادةِ، أو الإجازة، أو حملهُ عن شيخٍ آخر غير أبي نُعيم. انتهى.
وقال الحافظُ ابن حجرٍ: أو سمع بقيَّة الحديثِ من شيخٍ سمعَه من أبي نُعيم. انتهى (٣).
стр. 11299
٦٤٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسٌ) هو ابنُ أبي حازمٍ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ ﵁ (يَقُولُ: إِنِّي لأَوَّلُ العَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، واللَّام في الأول للتَّأكيد (وَرَأَيْتُنَا) بضم التاء الفوقية، أي: ورأيتُ أنفسنا (نَغْزُو) في سبيلِ الله (وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الحُبْلَةِ) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة مصحَّحًا عليها في الفرعِ وتضم أيضًا، ثمر السَّلَم، أو ثمرٌ عامُّهُ العِضَاه -وهو بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة آخره هاء- شجر الشَّوك كالطَّلح والعوسج (وَهَذَا السَّمُرُ) بفتح السين المهملة وضم الميم شجره، وفي مسلم من حديث عتبةَ بنِ غزوان: «لقد رأيتُنِي سابعُ سبعةٍ مع رسول الله ﷺ ما لنا طعامٌ إلَّا ورقُ الشَّجر حتَّى قرحَت أشداقُنا» (وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ) الَّذي يخرجُ منه عند التَّغوُّط مثل البعر (كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ) زاد التِّرمذيُّ من طريقِ بيان، عن قيس: «والبعير» (مَا لَهُ خِلْطٌ) بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها طاء مهملة، لا يختلطُ بعضهُ ببعضٍ لجفافهِ ويُبْسه بسببِ قشفِ العيش (ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وكسر الزاي المشددة بعدها راء فنون فتحتية، تقوِّمُني بالتَّعليم (عَلَى) أحكامِ (الإِسْلَامِ، خِبْتُ) من الخيبةِ، وهي الخسران (إِذًا) بالتَّنوين (وَضَلَّ) أي: ضاعَ (سَعْيِي) فيما مَضى حيث تُعَلِّمني بنو أسدٍ أحكام الدِّين مع سابقتي في الإسلامِ وقدمِ صُحبتي، وبنو أسدٍ، أي: ابنُ خزيمة بنِ مدركة بنِ إلياس بنِ مضر، وكان بنو أسدٍ ممَّن ارتدَّ بعد النَّبيِّ ﷺ وتبعوا طُلَيحةَ بن خويلدٍ الأسديَّ لمَّا ادَّعى النُّبوَّة، ثمَّ قاتلَهم خالدُ بن الوليد في عهدِ أبي بكرٍ وكَسَرَهم، ورجعَ بقيَّتُهم إلى الإسلامِ وتاب طُلَيحة (١) وحَسُن إسلامهُ، وسكن معظمُهم
стр. 11300
الكوفة، ثمَّ كانوا ممَّن شكا سعدَ بن أبي وقاص وهو أميرُ الكوفة إلى عمرَ حتَّى عزله.
والحديثُ سبق في «فضلِ سعد» [خ¦٣٧٢٨] وفي «الأطعمة» [خ¦٥٤١٢]، وأخرجهُ مسلمٌ في آخرِ الكتاب.
٦٤٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرِّ بالجمع (١) (عُثْمَانُ) بنُ أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المُعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵁، أنَّها (قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) وفي رواية الأعمش، عن منصور: «ما شبعَ رسولُ الله» (¬ ﷺ ¬) بكسر الموحدة من «شبِعَ» (مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ) من الإضافة البيانيَّة (ثَلَاثَ لَيَالٍ) بأيامهنَّ (تِبَاعًا) بكسر الفوقية بعدها موحدة، مُتَتابعة مُتَوالية (حَتَّى قُبِضَ) بضم القاف، أي: تُوفِّي ﷺ ، ولمسلم من رواية عبد الرَّحمن بنِ عابس، عن أبيهِ، عن عائشة: «ما شبع آل محمَّد ﷺ من خبز بُرٍّ مأدومٍ». وله من رواية عبد الرَّحمن بن يزيد، عن الأسود عنها: «ما شبعَ آل محمَّدٍ ﷺ من خبزِ الشَّعير يومين مُتَتابعين حتَّى قُبض»، وإنَّما كان يفعلُ ذلك ﷺ للإيثار، أو: لكراهةِ الشِّبع، وكان يفعلُ ذلك مع إمكان حصول التَّوسُّع له فقد عرضَ عليه ربُّه أن يجعلَ له بطحاء مكَّة ذهبًا، فاختارَ الجوع يومًا والشِّبع يومًا للتضرُّع والشُّكر.
والحديثُ سبقَ له في «الأطعمةِ» [خ¦٥٤١٦].
٦٤٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) البغويُّ، يقال له:
стр. 11301
لؤلؤ، قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن يوسف بن يعقوب (هُوَ الأَزْرَقُ) بتقديم الزاي على الراء (عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين بعدها راء، و «كِدَام» بكسر الكاف بعدها دال مهملة مخففة، العامريِّ (عَنْ هِلَالٍ) هو ابنُ حميدٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الوزَّان الكوفيِّ» (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ) وعند أحمد بن منيعٍ، عن إسحاق الأزرق، بالسَّند المذكور «ما شبعَ محمَّدٌ» (¬ ﷺ أَكْلَتَيْنِ) بفتح الهمزة (فِي يَوْمٍ، إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ) ولأبي ذرٍّ: «تمرًا» بالنَّصب. قال في «المصابيح»: إمَّا على تقدير: إلَّا كانت إحدَاهما تمرًا، أو: إلَّا جعلَ إحداهما تمرًا.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ.
٦٤٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ رَجَاءٍ) بفتح الراء والجيم والمدّ، هو أحمدُ بن عبد الله بن أيُّوب بن رجاءٍ الهرويُّ، ولأبي ذرٍّ: «أحمد بن أبي رجاء» قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) هو ابنُ شُميل -بالشين المعجمة المضمومة- مصغَّرًا (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَدَمٍ) بفتح الهمزة والدال المهملة، جِلدٌ مدبوغٌ (وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ) بالواو، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «من» فالتَّالي رفع.
٦٤٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها موحدة، القيسيُّ البصريُّ، الحافظ المسنِد قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) العَوْذِيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (وَخَبَّازُهُ) لم يعرفْ اسمهُ (قَائِمٌ) عندهُ (وَقَالَ) أنسٌ: (كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا) قال في «النِّهاية»: مرقَّقًا هو الأرغفةُ
стр. 11302
الواسعة الرَّقيقة (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) (وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ) بإفراد بعينه، و «السَّميط» ما نُزِعَ صوفُه، ثمَّ شُوي (١)؛ لأنَّه من مآكلِ المترفين.
والحديثُ سبقَ في «الأطعمةِ» [خ¦٥٤٢١].
٦٤٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيدٍ أبو موسى العَنَزيُّ الزَّمِن البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ: «وإنَّما» (هُوَ) أي: طَعامنا (التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْتَى) بضم نون الجماعة، مبنيًّا للمفعول (بِاللُّحَيْمِ) بضم اللام، مصغَّرًا إشارة إلى قِلَّته، وللكُشميهنيِّ: «باللَّحم» مكبَّرًا.
والحديثُ من أفرادِهِ.
٦٤٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازم سلمة بنِ دينارٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ) بضم الراء، الأسديِّ مولى آل الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير، وأمُّه أسماءُ بنت أبي بكرٍ أختُ عائشة: (٢) (ابْنَ أُخْتِي) بحذف أداة النِّداء، أي: يا ابنَ أختي، كما سبق (إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ) والمُراد بالهلال الثَّالث: هلال
стр. 11303
الشَّهر الثَّالث، وهو يُرى عند انقضاء الشَّهرين، وبرؤيته يدخل أوَّل الشَّهر الثَّالث، وعند ابن سعدٍ، في رواية سعيدٍ، عن أبي هريرة: «كان يمرُّ برسول الله ﷺ هلالٌ، ثمَّ هلالٌ، ثم هلالٌ» (وَمَا أُوقِدَتْ) بضم الهمزة وكسر القاف (فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ) قال ابنُ الزُّبير: (فَقُلْتُ) لعائشةَ: (مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ) بضم التَّحتيَّة وكسر العين المهملة، مضارعُ أعاشه كذا إذا أقام عيشه. قال ابنُ أبي داود -وسأله (١) أبوه-: ما الَّذي أعاشَكَ؟ فأجابَه:
أَعَاشَنِي بَعْدَك وَادٍ مُبْقِلُ … آكُلُ مِنْ حَوْذَانِهِ وأَنْسِلُ
أي: ما كان طعامُكم؟ (قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ) نعتتهما نعتًا واحدًا تغليبًا، وإذا اقترنَ الشَّيئان سمِّيا باسم أشهرهما (إِلَّا أَنَّهُ) الضَّمير للشَّأن (قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم أعرف أسماءهم (كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ) جمعُ: منيحةٍ، بنون وحاء مهملة، وهي النَّاقة (وَكَانُوا يَمْنَحُونَ (٢)) يعطونَ (رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ) أي: اللَّبن الَّذي يعطونَه.
والحديثُ سبقَ في «الهبةِ» [خ¦٢٥٦٧] وهو ساقطٌ هنا من روايةِ أبي ذرٍّ.
٦٤٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (٣) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح المعجمة، مصغَّرًا (عَنْ أَبِيهِ) فضيلِ بن غزوان الضَّبيِّ الكوفيِّ (عَنْ عُمَارَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم وبعد الألف راء، ابن القعقاع (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ -بفتح الهاء- ابن عَمرو بن جرير (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ : اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا) ولمسلم والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ: «اللَّهمَّ
стр. 11304
اجعلْ رزقَ آل محمَّدٍ قوتًا». قال في «الفتح»: وهو المعتمدُ، فإنَّ اللَّفظ الأوَّل صالحٌ لأن يكون دعاءً بطلبِ القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلبَ لهم القوت دائمًا، بخلافِ اللَّفظ الثَّاني، فإنَّه يعيِّن الاحتمالَ الثَّاني وهو الدَّالُّ على الكفافِ، وفيه -كما قال في «الكواكب» - فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدُّنيا، والزُّهد فيما فوق ذلك رغبةً في توقيرِ نِعَم الآخرةِ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق».
(١٨) (بابُ) استحبابِ (القَصْدِ) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة، وهو سلوكُ الطَّريق المعتدلةِ (وَالمُدَاوَمَةِ عَلَى العَمَلِ) الصَّالح وإن قلَّ.
٦٤٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بنِ عثمان بنِ جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (أَبِي) عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَشْعَثَ) بالمعجمة والمثلثة بينهما مهملة مفتوحة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أبا الشَّعثاء سليم بنَ الأسود المحاربيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا) هو ابنُ الأجدعِ (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ) الَّذي يستمرُّ عليه عامله (قَالَ) مسروقٌ: (قُلْتُ) لها: (فَأَيَّ حِينٍ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في أيِّ حينٍ» (كَانَ يَقُومُ) ﷺ يصلِّي من اللَّيل؟ (قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ) من النَّوم (١) (إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ) وهو الدِّيك، وهو يصرخُ نصف اللَّيل غالبًا. وقال ابنُ بطَّال: عند ثلث اللَّيل.
وسبق الحديثُ في «باب من نام عند السَّحر» من «كتاب التَّهجُّد» [خ¦١١٣٢].
стр. 11305
٦٤٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) هو تفسيرٌ للحديث (١) الَّذي سبق [خ¦٦٤٦١].
٦٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ، واسمه: عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَنْ يُنَجِّيَ) بفتح النون وكسر الجيم المشددة، لن يخلصَ (أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ) فاعل (قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ) بالغين المعجمة وبعد الميم دال مهملة، أي: أن (٢) يسترنِي الله (بِرَحْمَةٍ) منه، والاستثناء منقطعٌ، ويحتملُ أن يكون متَّصلًا من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وقال الرَّافعيُّ في «أماليه»: كما كان أجرُ النَّبيِّ ﷺ في الطَّاعة أعظمَ وعملُه في العبادةِ أقومَ، قيل له: ولا أنتَ؟! أي: لا يُنجيك عملكُ مع عِظم قدركَ؟! فقال: «لَا إلَّا برحمةِ الله» (سَدِّدُوا) بالسين المهملة المفتوحة وكسر الدال المهملة الأولى، اقصدوا السَّداد، أي: الصَّواب، ولمسلمٍ من روايةِ بسر (٣) بن سعيدٍ، عن أبي هُريرة: «ولكن سدِّدوا» ومعنى الاستدراك أنَّه قد يفهمُ من النَّفي المذكور نفي فائدةِ العملِ، فكأنَّه قيل: بل له فائدةٌ، وهو أنَّ العمل علامةٌ على وجود الرَّحمة الَّتي تُدخِل الجنَّة، فاعملوا واقصدوا بعملكُم الصَّواب وهو اتِّباع السُّنَّة من الإخلاص
стр. 11306
وغيره؛ ليقبلَ عملُكم فتنزلَ عليكم الرَّحمة (وَقَارِبُوا) لا تفرِّطوا فتجهدُوا أنفسكُم في العبادةِ؛ لئلا يفضِي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العملَ (وَاغْدُوا) بالغين المعجمة الساكنة والدال المهملة، سيروا من (١) أوَّل النَّهار (وَرُوحُوا) سيروا من أوَّل النِّصف الثَّاني من النَّهار (وَشَيْءٌ) بالرَّفع في الفرعِ كأصله مصحَّحًا عليه، وقال في «الفتح»: «وشيئًا» بالنَّصب بفعلٍ محذوفٍ، أي: افعلوا شيئًا (مِنَ الدُّلَْجَةِ) بضم الدال المهملة وسكون اللام وتفتح بعدها جيم، سير اللَّيل، يقال: سار دلجةً من اللَّيل، أي: ساعةً (وَالقَصْدَ القَصْدَ) بالنَّصب على الإغراءِ، أي: الزموا الطَّريق الوسط المعتدل (تَبْلُغُوا) المنزل الَّذي هو مقصدُكم، والقصد الثَّاني تأكيد، وقد شبَّه المتعبِّدين بالمسافرين؛ لأنَّ العابدَ كالمسافر إلى محلِّ إقامتهِ وهو الجنَّة، وكأنَّه قال: لا تستوعبُوا الأوقات كلّها بالسَّير بل اغتنمُوا أوقاتَ نشاطكُم وهو أوَّل النَّهار وآخره وبعض اللَّيل، وارحمُوا أنفسكُم فيما بينهما؛ لئلَّا ينقطعَ بكم. والحديثُ من أفراده.
٦٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلال (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: سَدِّدُوا) بمهملات (وَقَارِبُوا) لا تبلغوا النِّهاية بل تقرّبوا منها (وَاعْلَمُوا أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّه» (لَنْ يُدْخِلَ) بضم أوَّله من الإِدخال (أَحَدَكُمْ) بالنَّصب مفعول قوله: (عَمَلُهُ الجَنَّةَ) نصب على الظَّرفيَّة (وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ (٢)) (وَإِنْ قَلَّ) أي: إن كثُر وإن قلَّ، والمراد بالدَّوام: المواظبة العرفيَّة، وهي الإتيانُ بذلك في كلِّ شهرٍ، أو كلِّ يومٍ بقدرِ ما يطلقُ عليه اسمُ المداومةِ عرفًا لا شمول الأزمنةِ؛ إذ هو غيرُ مقدورٍ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق».
стр. 11307
٦٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ، قاضِي المدينة (عَنْ) عمِّه (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم السين مبنيًّا للمفعول، ولم أعرف اسم السَّائل (أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) فإن قلتَ: المسؤولُ عنه أحبُّ الأعمال، وظاهرُه: السُّؤال عن ذاتِ العملِ، والجوابُ وَرَدَ بأدوم، وهو صفةُ العمل فلم يتطابقَا؟ أُجيب باحتمالِ أن يكون هذا السُّؤال وقعَ بعد قولهِ في الحديثِ السَّابق في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧] و «الحجِّ» [خ¦١٥١٩] وفي «برِّ الوالدين» [خ¦٥٩٧٠] حيثُ أجاب بالصَّلاة ثمَّ بالبرِّ (٢) … إلى آخره، ثمَّ ختمَ ذلك بأنَّ المداومةَ على عملٍ من أعمالِ البرِّ -ولو كان مفضولًا- أحبُّ إلى اللهِ من عملٍ يكون أعظم أجرًا، لكن ليس فيه مداومةٌ، قاله في «الفتح».
(وَقَالَ) ﵊ -بالسَّند السَّابق-: (اكْلَُفُوا) بهمزة وصل وفتح اللام في الفرعِ، وتُضم (مِنَ الأَعْمَالِ) كالصَّلاة والصِّيام وغيرهما من العبادات، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٣): «من العمل» (مَا تُطِيقُونَ) «ما» مصدريَّة، أي: قدر طاقتكُم، أو موصولة، أي: الَّذي تطيقونه، أي: ابلغوا بالعملِ غايته الَّتي تطيقونهَا مع الدَّوام من غير عجزٍ في المستقبلِ، ولا ريبَ أنَّ المُديم للعملِ ملازمٌ للخدمةِ، فيكثرُ تردادُه إلى باب الطَّاعة في كلِّ وقتٍ، فيجازى بالبرِّ لكثرة تردُّده، فليس هو كمَن لازمَ الخدمةَ مثلًا ثمَّ انقطعَ، وأيضًا فإنَّ العاملَ إذا تركَ العمل صار كالمُعْرِض فيتعرَّض للذمِّ والجفاءِ.
стр. 11308
٦٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ) خالهِ (عَلْقَمَةَ) بن قيس، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) ﵂ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟) بعبادةٍ مخصوصةٍ لا يفعل مثلها في غيرهِ (قَالَتْ: لَا) وهذا لا يعارضهُ قولها: إنَّ أكثر صيامه كان في شعبان؛ لأنَّه كان يُوعك كثيرًا، ويكثرُ السَّفر، فيُفطر بعضَ الأيَّام الَّتي كان يَصومها ولا يتمكَّن من قضاءِ ذلك إلَّا في شعبان، فصيامُه فيه بحسب الصُّورة أكثر من صيامهِ في غيرهِ (كَانَ عَمَلُهُ) ﵊ (دِيمَةً) بكسر الدال المهملة وسكون التَّحتية، أي: دائمًا، والدِّيمة في الأصلِ: المطر المستمرُّ مع سكونٍ بلا رعدٍ ولا برقٍ، ثمَّ استُعمل في غيرهِ، وأصلها الواو لأنَّها من الدَّوام فانقلبتْ لسكونها وانكسارِ ما قبلها ياء. وقال في «المصابيح»: كان عملهُ دِيمةً فلا جرمَ أنَّ سحائبَ نفعهِ على الخلقِ مستمرَّةٌ بالانصباب بالرَّحمة عليهم، مخصبةٌ لأرض قلوبهم بربيعِ محبَّته، جزاهُ الله أحسنَ ما جزى نبيًّا عن أمَّته، وقد شبَّهتْ عملَه في دوامهِ مع الاقتصاد بديمةِ المطر (وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ) في العبادةِ (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ) من الهيئةِ أو الكيفيَّة (١) من الخشوعِ والخضوعِ والإخباتِ والإخلاصِ.
والحديثُ سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٨٧].
٦٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ) بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبعد القاف ألف فنون، الأهوازيُّ أبو همَّام، وثَّقه الدَّارقطنيُّ وابن
стр. 11309
المدينيِّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث الواحد وقد توبع فيه، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: سَدِّدُوا) أي: اقصدوا السَّداد وهو الصَّواب (وَقَارِبُوا) أي (١): اقصدوا الأمور الَّتي لا غُلُوَّ فيها ولا تقصير (وَأَبْشِرُوا) بالثَّوابِ على العملِ وإن قلَّ، وهمزة «أبشروا» قطع (فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ) بضم التَّحتية وكسر المعجمة (أَحَدًا الجَنَّةَ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ) منه (وَرَحْمَةٍ) قال الرَّافعيُّ: فيه أنَّ العاملَ لا ينبغي أن يتَّكل على عملهِ في طلب النَّجاةِ، ونيل الدَّرجات؛ لأنَّه إنَّما عملَ بتوفيقِ الله، وإنَّما تركَ المعصيةَ بعصمةِ الله، فكلُّ ذلك بفضلهِ ورحمتهِ.
واستُشكلَ قوله: «لن يُدخِلَ أحدًا الجنَّة عملُه» مع قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وأُجيب بأنَّ أصل الدُّخول إنَّما هو برحمةِ الله، واقتسامُ المنازل فيها بالأعمال، فإنَّ درجاتِ الجنَّة متفاوتةٌ بحسب تفاوتِ الأعمال، فإن قلتَ: قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] مصرِّحٌ بأنَّ دخولَ الجنَّة أيضًا بالأعمال؟ أُجيب بأنَّه لفظٌ مجملٌ بيَّنه الحديث، والتَّقدير: ادخلُوا منازلَ الجنَّة وقصورَها بما كنتُم تعملون، فليس المراد بذلك أصل الدُّخول، وفي «كتاب المواهب اللَّدنيَّة بالمنحِ المحمَّدية» مزيدٌ لذلك، والله الموفِّق والمعين.
(قَالَ) عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، سالمُ بن أبي أميَّة المدنيُّ التَّيميُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، وكأنَّ ابنَ المدينيِّ جوَّز أن يكون موسى بن عقبةَ لم يسمعْ هذا الحديث من أبي سلمةَ، وأنَّ بينهمَا فيه واسطة، وهو أبو النَّضر، بخلافِ الطَّريق الأولى فإنَّها بلا واسطةٍ، لكن ظهرَ من وجهٍ آخر أن لا واسطةَ، ويدلُّ له قوله:
(وَقَالَ عَفَّانُ) بن مسلمٍ الصَّفَّار، أي: فيما رواهُ عنه المؤلِّف مذاكرةً (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالد (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن، فصرَّح وهيب عن موسى بالسَّماع بقوله: «سمعت أبا سلمة» وهذا هو النُّكتة في إيرادِ هذه الرِّواية
стр. 11310
المعلَّقة، وهي موصولةٌ عند أحمد في «مسنده» قال: حدَّثنا عفان بسنده (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا) بالجنَّة. قال ابن حزمٍ: معنى الأمر بالسَّداد أنَّه ﵊ أشارَ بذلك إلى أنَّه بُعث ميسِّرًا (١) مسهِّلًا، فأمر أمَّته بأن يقتصدوا في الأمورِ؛ لأنَّ ذلك يقتضِي الاستدامةَ عادةً، وفي حديثِ أبي هريرة ﵁ عند (٢) ابن حبَّان أنَّه ﷺ مرَّ على رهطٍ من أصحابه وهم يضحكونَ فقال: «لَو تعلمُونَ ما أعلمُ لضحِكتُم قليلًا ولبكيتُمْ كثيرًا» فأتاهُ جبريلُ: فقال: إنَّ ربَّك يقول لك: لا تُقَنِّط عبادِي، فرجعَ إليهم فقال: «سدِّدُوا وقَارِبُوا» فهذا يحتملُ أن يكون سببًا لقوله: «سدِّدوا … » إلى آخره.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: (سَدَادًا) بفتح السين المهملة، القولُ المعتدلُ (٣) الكافي، كذا عند الفريابيِّ (٤) والطَّبريِّ (٥) من طريقِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]) وعند الطَّبريِّ عن قتادة: ﴿سَدِيدًا﴾ عدلًا؛ يعني: في منطقه، وفي عملهِ. وعند ابنِ أبي حاتم، عن الحسن في قوله (٦): (سَدِيدًا) قال: (صِدْقًا) وهذا ساقطٌ هنا لأبي ذرٍّ. نعم ثبتَ في روايةِ الحَمُّويي والكُشميهنيِّ عقبَ قوله: «قال: أظنُّه عن (٧) أبي النَّضر، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ»: بلفظ «وقال مجاهدٌ: ﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ وسَدَادًا: صِدْقًا».