وغيره؛ ليقبلَ عملُكم فتنزلَ عليكم الرَّحمة (وَقَارِبُوا) لا تفرِّطوا فتجهدُوا أنفسكُم في العبادةِ؛ لئلا يفضِي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العملَ (وَاغْدُوا) بالغين المعجمة الساكنة والدال المهملة، سيروا من (١) أوَّل النَّهار (وَرُوحُوا) سيروا من أوَّل النِّصف الثَّاني من النَّهار (وَشَيْءٌ) بالرَّفع في الفرعِ كأصله مصحَّحًا عليه، وقال في «الفتح»: «وشيئًا» بالنَّصب بفعلٍ محذوفٍ، أي: افعلوا شيئًا (مِنَ الدُّلَْجَةِ) بضم الدال المهملة وسكون اللام وتفتح بعدها جيم، سير اللَّيل، يقال: سار دلجةً من اللَّيل، أي: ساعةً (وَالقَصْدَ القَصْدَ) بالنَّصب على الإغراءِ، أي: الزموا الطَّريق الوسط المعتدل (تَبْلُغُوا) المنزل الَّذي هو مقصدُكم، والقصد الثَّاني تأكيد، وقد شبَّه المتعبِّدين بالمسافرين؛ لأنَّ العابدَ كالمسافر إلى محلِّ إقامتهِ وهو الجنَّة، وكأنَّه قال: لا تستوعبُوا الأوقات كلّها بالسَّير بل اغتنمُوا أوقاتَ نشاطكُم وهو أوَّل النَّهار وآخره وبعض اللَّيل، وارحمُوا أنفسكُم فيما بينهما؛ لئلَّا ينقطعَ بكم. والحديثُ من أفراده.
٦٤٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلال (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بسكون القاف، الأسديِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: سَدِّدُوا) بمهملات (وَقَارِبُوا) لا تبلغوا النِّهاية بل تقرّبوا منها (وَاعْلَمُوا أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّه» (لَنْ يُدْخِلَ) بضم أوَّله من الإِدخال (أَحَدَكُمْ) بالنَّصب مفعول قوله: (عَمَلُهُ الجَنَّةَ) نصب على الظَّرفيَّة (وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ (٢)) (وَإِنْ قَلَّ) أي: إن كثُر وإن قلَّ، والمراد بالدَّوام: المواظبة العرفيَّة، وهي الإتيانُ بذلك في كلِّ شهرٍ، أو كلِّ يومٍ بقدرِ ما يطلقُ عليه اسمُ المداومةِ عرفًا لا شمول الأزمنةِ؛ إذ هو غيرُ مقدورٍ.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق».
стр. 11307
٦٤٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بن البِرِنْد (١) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ، قاضِي المدينة (عَنْ) عمِّه (أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم السين مبنيًّا للمفعول، ولم أعرف اسم السَّائل (أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) فإن قلتَ: المسؤولُ عنه أحبُّ الأعمال، وظاهرُه: السُّؤال عن ذاتِ العملِ، والجوابُ وَرَدَ بأدوم، وهو صفةُ العمل فلم يتطابقَا؟ أُجيب باحتمالِ أن يكون هذا السُّؤال وقعَ بعد قولهِ في الحديثِ السَّابق في «الصَّلاة» [خ¦٥٢٧] و «الحجِّ» [خ¦١٥١٩] وفي «برِّ الوالدين» [خ¦٥٩٧٠] حيثُ أجاب بالصَّلاة ثمَّ بالبرِّ (٢) … إلى آخره، ثمَّ ختمَ ذلك بأنَّ المداومةَ على عملٍ من أعمالِ البرِّ -ولو كان مفضولًا- أحبُّ إلى اللهِ من عملٍ يكون أعظم أجرًا، لكن ليس فيه مداومةٌ، قاله في «الفتح».
(وَقَالَ) ﵊ -بالسَّند السَّابق-: (اكْلَُفُوا) بهمزة وصل وفتح اللام في الفرعِ، وتُضم (مِنَ الأَعْمَالِ) كالصَّلاة والصِّيام وغيرهما من العبادات، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٣): «من العمل» (مَا تُطِيقُونَ) «ما» مصدريَّة، أي: قدر طاقتكُم، أو موصولة، أي: الَّذي تطيقونه، أي: ابلغوا بالعملِ غايته الَّتي تطيقونهَا مع الدَّوام من غير عجزٍ في المستقبلِ، ولا ريبَ أنَّ المُديم للعملِ ملازمٌ للخدمةِ، فيكثرُ تردادُه إلى باب الطَّاعة في كلِّ وقتٍ، فيجازى بالبرِّ لكثرة تردُّده، فليس هو كمَن لازمَ الخدمةَ مثلًا ثمَّ انقطعَ، وأيضًا فإنَّ العاملَ إذا تركَ العمل صار كالمُعْرِض فيتعرَّض للذمِّ والجفاءِ.
стр. 11308
٦٤٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ) خالهِ (عَلْقَمَةَ) بن قيس، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) ﵂ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟) بعبادةٍ مخصوصةٍ لا يفعل مثلها في غيرهِ (قَالَتْ: لَا) وهذا لا يعارضهُ قولها: إنَّ أكثر صيامه كان في شعبان؛ لأنَّه كان يُوعك كثيرًا، ويكثرُ السَّفر، فيُفطر بعضَ الأيَّام الَّتي كان يَصومها ولا يتمكَّن من قضاءِ ذلك إلَّا في شعبان، فصيامُه فيه بحسب الصُّورة أكثر من صيامهِ في غيرهِ (كَانَ عَمَلُهُ) ﵊ (دِيمَةً) بكسر الدال المهملة وسكون التَّحتية، أي: دائمًا، والدِّيمة في الأصلِ: المطر المستمرُّ مع سكونٍ بلا رعدٍ ولا برقٍ، ثمَّ استُعمل في غيرهِ، وأصلها الواو لأنَّها من الدَّوام فانقلبتْ لسكونها وانكسارِ ما قبلها ياء. وقال في «المصابيح»: كان عملهُ دِيمةً فلا جرمَ أنَّ سحائبَ نفعهِ على الخلقِ مستمرَّةٌ بالانصباب بالرَّحمة عليهم، مخصبةٌ لأرض قلوبهم بربيعِ محبَّته، جزاهُ الله أحسنَ ما جزى نبيًّا عن أمَّته، وقد شبَّهتْ عملَه في دوامهِ مع الاقتصاد بديمةِ المطر (وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ) في العبادةِ (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ) من الهيئةِ أو الكيفيَّة (١) من الخشوعِ والخضوعِ والإخباتِ والإخلاصِ.
والحديثُ سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٨٧].
٦٤٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ) بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبعد القاف ألف فنون، الأهوازيُّ أبو همَّام، وثَّقه الدَّارقطنيُّ وابن
стр. 11309
المدينيِّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث الواحد وقد توبع فيه، قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) المدنيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: سَدِّدُوا) أي: اقصدوا السَّداد وهو الصَّواب (وَقَارِبُوا) أي (١): اقصدوا الأمور الَّتي لا غُلُوَّ فيها ولا تقصير (وَأَبْشِرُوا) بالثَّوابِ على العملِ وإن قلَّ، وهمزة «أبشروا» قطع (فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ) بضم التَّحتية وكسر المعجمة (أَحَدًا الجَنَّةَ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ) منه (وَرَحْمَةٍ) قال الرَّافعيُّ: فيه أنَّ العاملَ لا ينبغي أن يتَّكل على عملهِ في طلب النَّجاةِ، ونيل الدَّرجات؛ لأنَّه إنَّما عملَ بتوفيقِ الله، وإنَّما تركَ المعصيةَ بعصمةِ الله، فكلُّ ذلك بفضلهِ ورحمتهِ.
واستُشكلَ قوله: «لن يُدخِلَ أحدًا الجنَّة عملُه» مع قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وأُجيب بأنَّ أصل الدُّخول إنَّما هو برحمةِ الله، واقتسامُ المنازل فيها بالأعمال، فإنَّ درجاتِ الجنَّة متفاوتةٌ بحسب تفاوتِ الأعمال، فإن قلتَ: قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] مصرِّحٌ بأنَّ دخولَ الجنَّة أيضًا بالأعمال؟ أُجيب بأنَّه لفظٌ مجملٌ بيَّنه الحديث، والتَّقدير: ادخلُوا منازلَ الجنَّة وقصورَها بما كنتُم تعملون، فليس المراد بذلك أصل الدُّخول، وفي «كتاب المواهب اللَّدنيَّة بالمنحِ المحمَّدية» مزيدٌ لذلك، والله الموفِّق والمعين.
(قَالَ) عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، سالمُ بن أبي أميَّة المدنيُّ التَّيميُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، وكأنَّ ابنَ المدينيِّ جوَّز أن يكون موسى بن عقبةَ لم يسمعْ هذا الحديث من أبي سلمةَ، وأنَّ بينهمَا فيه واسطة، وهو أبو النَّضر، بخلافِ الطَّريق الأولى فإنَّها بلا واسطةٍ، لكن ظهرَ من وجهٍ آخر أن لا واسطةَ، ويدلُّ له قوله:
(وَقَالَ عَفَّانُ) بن مسلمٍ الصَّفَّار، أي: فيما رواهُ عنه المؤلِّف مذاكرةً (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالد (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن، فصرَّح وهيب عن موسى بالسَّماع بقوله: «سمعت أبا سلمة» وهذا هو النُّكتة في إيرادِ هذه الرِّواية
стр. 11310
المعلَّقة، وهي موصولةٌ عند أحمد في «مسنده» قال: حدَّثنا عفان بسنده (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا) بالجنَّة. قال ابن حزمٍ: معنى الأمر بالسَّداد أنَّه ﵊ أشارَ بذلك إلى أنَّه بُعث ميسِّرًا (١) مسهِّلًا، فأمر أمَّته بأن يقتصدوا في الأمورِ؛ لأنَّ ذلك يقتضِي الاستدامةَ عادةً، وفي حديثِ أبي هريرة ﵁ عند (٢) ابن حبَّان أنَّه ﷺ مرَّ على رهطٍ من أصحابه وهم يضحكونَ فقال: «لَو تعلمُونَ ما أعلمُ لضحِكتُم قليلًا ولبكيتُمْ كثيرًا» فأتاهُ جبريلُ: فقال: إنَّ ربَّك يقول لك: لا تُقَنِّط عبادِي، فرجعَ إليهم فقال: «سدِّدُوا وقَارِبُوا» فهذا يحتملُ أن يكون سببًا لقوله: «سدِّدوا … » إلى آخره.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: (سَدَادًا) بفتح السين المهملة، القولُ المعتدلُ (٣) الكافي، كذا عند الفريابيِّ (٤) والطَّبريِّ (٥) من طريقِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]) وعند الطَّبريِّ عن قتادة: ﴿سَدِيدًا﴾ عدلًا؛ يعني: في منطقه، وفي عملهِ. وعند ابنِ أبي حاتم، عن الحسن في قوله (٦): (سَدِيدًا) قال: (صِدْقًا) وهذا ساقطٌ هنا لأبي ذرٍّ. نعم ثبتَ في روايةِ الحَمُّويي والكُشميهنيِّ عقبَ قوله: «قال: أظنُّه عن (٧) أبي النَّضر، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ»: بلفظ «وقال مجاهدٌ: ﴿قَوْلاً سَدِيدًا﴾ وسَدَادًا: صِدْقًا».
стр. 11311
٦٤٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (١) (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزَامِيُّ المدنيُّ أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) بضم الفاء آخره مهملة مصغَّرًا، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) فُلَيح بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) وهو هلالُ بنُ أبي ميمونة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (٢) ﵁ قَالَ) أي: هلال (سَمِعْتُهُ) (٣) أي: أنسًا (يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى لَنَا) إمامًا (يَوْمًا الصَّلَاةَ) أي: صلاة الظُّهر (ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ) بفتح الراء وكسر القاف، أي: صَعِدَ وزنًا ومَعنًى (فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهتها (فَقَالَ: قَدْ أُرِيتُ) بضم الهمزة (الآنَ -مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ- الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ) أي: مصوَّرتين (فِي قُبُلِ هَذَا الجِدَارِ) بضم القاف والموحدة، أي: قدَّامه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «هذا الحائطِ» أي: جدارِ المسجدِ، أو حائِطِه (فَلَمْ أَرَ) يومًا (كَاليَوْمِ) أي: كهذا اليوم (فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ) يومًا (كَاليَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ) وكرَّر «فلم أرَ كاليومِ» مرَّتين للتَّأكيد.
وفي هذا الحديثِ (٤) تنبيهُ المصلِّي على أن يمثِّل الجنَّة والنَّار بين عينيهِ ليكونا شاغلين له عن الأفكارِ الحادثةِ عن تذكُّر الشَّيطان، ومَنْ مَثَّلَهُما بين يديهِ بعثهُ ذلك على المواظبةِ على الطَّاعة والكفِّ عن المعصيةِ، وبهذا تحصلُ المطابقةُ بين الحديثِ والتَّرجمة.
والحديثُ سبق في «باب رفع البصر إلى الإمام»، «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٤٩] وأحاديث هذا الباب أكثرُها مكرَّر، وفي بعضها زيادةٌ على بعضٍ، والله الموفِّق.
(١٩) (باب) استح باب (الرَّجَاءِ مَعَ الخَوْفِ) فلا يقتصرُ على أحدِهما دونَ الآخر، فربَّما يفضِي
стр. 11312
الرَّجاء إلى المكر، والخوفُ إلى القنوطِ، وكلٌّ منهما مذمومٌ، وقد روِّينا عن أبي عليٍّ الرُّوْذبارِي، أنَّه قال: الخوف والرَّجاء كجناحي الطَّائر إذا استويا استوى الطَّير وتمَّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النَّقص، وإذا ذهبا صارَ الطَّائر في حدِّ الموت. انتهى. فمتى استقام العبدُ في أحوالهِ استقامَ في سلوكهِ في طاعاتِهِ (١) باعتدالِ رجائهِ وخوفهِ، ومتى قصَّر في طاعاتهِ ضَعُف رجاؤه ودنا منه الاختلال، ومتى قلَّ خوفُه وحذرُه من مفسداتِ الأعمال تعرَّض للهلاكِ، ومتى عُدِم الرَّجاء والخوفُ تمكَّن منه عدوُّه وهواهُ وبَعُد عن حزبِ مَنْ حفظَهُ ربُّه وتولَّاه (٢)، وبذلك عُلم وجه الشَّبه (٣) بينهما وبين جناحَي الطَّائر.
وقال بعضُهم: المؤمنُ يتردَّد بين الخوف والرَّجاء لخفاء السَّابقة، وذلك لأنَّه تارةً ينظر إلى عيوبِ نفسه فيخاف، وتارةً ينظرُ إلى كرم الله فيرجو (٤)، وقيل: يجبُ أن يزيدَ خوف العالم على رجائهِ؛ لأنَّ خوفَه يزجرهُ عن المناهِي ويحملُه على الأوامرِ، ويجبُ أن يعتدلَ خوف العارفِ ورجاؤه؛ لأنَّ عينَه ممتدَّةٌ إلى السَّابقة، ورجاء المحبِّ يجبُ أن يزيدَ على خوفهِ؛ لأنَّه على بساطِ الجمال والرَّجاء بالمدِّ، وهو تعليقُ القلبِ بمحبوبٍ من جلبِ نفعٍ أو دفع ضررٍ (٥) سيحصلُ في المستقبل، وذلك بأن يغلب على القلب الظَّنُّ بحصولهِ في المستقبل (٦)، والفرقُ بينه وبين التَّمني
стр. 11313
-وهو طلبُ ما لا مَطمع في وقوعهِ، كـ: لَيْتَ الشَّبابَ يعودُ- أنَّ التَّمنِّي يُصاحبه الكسل، ولا يسلكُ صاحبه طريقَ الجهد والجدِّ في الطَّاعات، وبِعَكْسِهِ صاحب الرَّجاء فإنَّه يسلُك طريقَ ذلك، فالتَّمنِّي معلولٌ والرَّجاء محمودٌ، ومن علامتِهِ حسنُ الطَّاعة. قال حجَّة الإسلامِ: الرَّاجِي من بثَّ بذرَ الإيمان، وسقاهُ بماءِ الطَّاعات ونقَّى القلبَ من (١) شوكِ المهلكاتِ، وانتظرَ من فضلِ الله أنْ ينجيهُ من الآفاتِ، فأمَّا المنهمكُ في الشَّهوات منتظرًا للمغفرةِ فاسم المغرورِ (٢) به أليقُ وعليه أصدقُ، وأمَّا الخوفُ فهو فزعُ القلب من مكروهٍ يناله، أو محبوبٍ يفوته، وسببه تفكُّر العبدِ في المخلوقاتِ كتفكُّره في تقصيرهِ وإهماله وقلَّة مراقبتهِ لِمَا يَرِدُ عليه، وكتفكُّره فيما ذكرهُ الله في كتابهِ من إهلاكِ من خالفَه، وما أعدَّه له في الآخرة.
وقال القشيريُّ: الخوفُ معنًى متعلَّقُه في المستقبلِ؛ لأنَّ العبدَ إنَّما يخافُ أن يحلَّ به مكروهٌ، أو يفوتَه محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا لشيءٍ يحصلُ (٣) في المستقبلِ.
(وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ) قوله تعالى: (﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]) يعني: القرآن، وذلك لما فيها من التَّكليفِ من العملِ بأحكامها.
ووجه المناسبة للتَّرجمة أنَّ الآيةَ تدلُّ على أنَّ من لم يعملْ بما تضمَّنه الكتابُ الَّذي أُنزل عليه لم تحصلْ له النَّجاة، ولا ينفعُهُ رجاؤه من غيرِ عمل ما أُمر به.
стр. 11314
٦٤٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) بفتح العين فيهما، مولى المطَّلب التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ) (خَلَقَ الرَّحْمَةَ) الَّتي يرحمُ بها عباده (يَوْمَ خَلَقَهَا مِئَةَ رَحْمَةٍ) أي: مئةَ نوعٍ، أو مئة جزءٍ (فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ) تعالى منها (تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً) والرَّحمة في الأصل بمعنى: الرِّقَّةِ الطَّبيعيَّةِ والميلِ الجِبلِّيِّ، وهذا من صفاتِ الآدميين، فهو من الباري تعالى مؤوَّلٌ، وللمتكلِّمينَ في تأويلِ ما لا تسوغُ نسبته إلى الله تعالى على حقيقتهِ اللُّغوية وجهان: الحملُ على الإرادةِ فيكون من صفات الذَّات، والآخرُ الحمل على فعلِ الإكرام، فيكون من صفاتِ الأفعال كالرَّحمة، فمنهم من يحملها على إرادةِ الخير، ومنهم من يحملها على فعلِ الخير، ثمَّ بعد ذلك يتعيَّن أحد التَّأويلين في بعضِ السِّياقات لمانعٍ يمنع من الآخر، فههنا يتعيَّن تأويل الرَّحمة بفعل الخير؛ لتكون صفةَ فِعْلٍ فتكون حادثةً عند الأشعريِّ فيتسلَّط الخلق عليها، ولا يصحُّ هنا تأويلُها بالإرادة؛ لأنَّها إذ ذاك من صفاتِ الذَّات، فتكون قديمةً فيمتنعُ تعلُّق الخلق بها، ويتعيَّن تأويلها بالإرادةِ في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] لأنَّك لو حملتَها على الفعلِ لكانت العصمة بعينها، فيكون استثناء الشَّيء من نفسه (١)، وكأنَّك (٢) قلت: لا عاصم إلَّا العاصم، فتكون الرَّحمة الإرادة والعصمة على بابها
стр. 11315
بمعنى (١) المنع من المكروهات، كأنَّه قال: لا يمنعُ من المحذور إلَّا من أراد السَّلامة.
(فَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ) الواسعةِ (لَمْ يَيْأَسْ) لم يقنطْ (مِنَ الجَنَّةِ) بل يحصلْ له الرَّجاء فيها؛ لأنَّه يغطي عليه ما يعلَمُه (٢) من العذابِ العظيم، وعبَّر بالمضارع في قوله: «يعلم» دون الماضي إشارةً إلى أنَّه لم يقعْ له علم ذلك ولا يقع لأنَّه إذا امتنع في المستقبلِ كان ممتنعًا فيما مضى. وقال الكِرمانيُّ: «لو» هنا (٣) لانتفاءِ الثَّاني، وقال (٤): «فلو» بالفاء إشارة إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها. واستُشكلَ التَّركيب في قوله: «بكلِّ الَّذي» لأنَّ «كُلّ» إذا أضيفتْ إلى الموصولِ كانت إذ ذاك لعمومِ الأجزاءِ لا لعمومِ الأفراد، والمرادُ من سياق الحديث تعميم الأفراد؟ وأُجيب بأنَّه وقعَ في بعض طرقهِ أنَّ الرَّحمة قُسمت مئة جزء، فالتَّعميم حينئذٍ لعمومِ الأجزاءِ في الأصلِ، أو نُزِّلتِ الأجزاءُ منزلةَ الأفراد مبالغةً (وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ) (مِنَ العَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّه اشتملَ على الوعدِ والوعيدِ المقتضيين للرَّجاء والخوفِ.
(٢٠) (باب الصَّبْرِ عَنْ (٥) مَحَارِمِ اللهِ) ، والصَّبر على المواظبةِ على فعل الواجباتِ، والصَّبرُ:
стр. 11316
حبس النَّفْس على المكروه، وعقد اللِّسان عن الشَّكوى، والمكابدة في تحمُّله، وانتظار الفرج. وقال ذو النُّون: الصَّبر التَّباعدُ عن المخالفاتِ، والسُّكون عند تجرُّع غُصص البليَّة، وإظهار الغِنى مع (١) حُلول الفقرِ بساحاتِ المعيشة، وقال ابنُ عطاءِ الله: الصَّبر الوقوفُ مع البلاءِ بحسنِ الأدب (﴿إِنَّمَا﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقول اللهَ : إنَّما» (﴿يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾) على تجرُّع الغُصص واحتمالِ البلايا في طاعةِ الله، وازديادِ الخير (﴿أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]) قال ابنُ عبَّاس ﵄: «لا يهتدِي إليه حساب الحُسَّاب ولا يُعرف». وهو حالٌ من الأجر، أي: موفَّرًا، وذكر في القرآنِ في خمسة (٢) وتسعين موضعًا (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب: (وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الصَّبر» بإسقاطِ الخافضِ والنَّصب.
وهذا وصلهُ أحمدُ في «كتاب الزُّهد» بسندٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ، عن عمر (٣).
٦٤٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) سقط «اللَّيثي» لغير أبي ذرٍّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، زاد أبو ذرٍّ: «الخدريَّ» (أَخْبَرَهُ (٤): أَنَّ أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومة، ولأبي ذرٍّ: «ناسًا» بإسقاطها (مِنَ الأَنْصَارِ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على أسمائهم، وقد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٩] من طريق مالك، عن ابن شهابٍ الإشارة إلى أنَّ منهم أبا سعيد (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَسْأَلْهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فلم يسأل» (أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا
стр. 11317
أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ) بفتح النون وكسر الفاء بعدها دال مهملة، فَرِغَ (فَقَالَ) ﷺ : (لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ) بفتحات (بِيَدَيْهِ) بالتَّثنيةِ، ولأبي ذرٍّ (١): «بيده» بالإفراد.
(مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أي: مالٍ (لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ) بتشديد الدال على الإدغامِ، أي: أجعله ذخيرةً لغيركُم مُعرضًا عنكم، ولأبي ذرٍّ: «ما (٢) يكون» بالواو فـ «ما» موصولة، وعلى الأولى شرطيَّة (وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ) بتشديد الفاء، يكفُّ (٣) عن الحرام والسُّؤال (يُعِفُّهُ اللهُ) بتشديد الفاء، يرزقه الله العفَّة بأن يعطيَه ما يستغني به عن السُّؤال، ويخلق في قلبه الغِنى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (٤) ممَّا في الفرع: «يستَعْف» بسكون العين بعدها فاء خفيفة، من الاستعفاء، وفي «الفتح» -وتبعه العينيُّ-: عن الكُشميهنيِّ: «يستعفف» بزيادة فاءٍ أخرى وكذا هو في «اليونينيَّة» (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) يتكلَّف الصَّبر (يُصَبِّرْهُ اللهُ) بالجزمِ فيهما، يرزقهُ الله الصَّبر (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: يُظهر الغِنى، أو يستغن بالله عمَّن سواه (يُغْنِهِ اللهُ) أي: يرزقهُ الغِنى عن النَّاس (وَلَنْ تُعْطَوْا) بضم الفوقية وسكون العين وفتح الطاء المهملتين (عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) لأنَّه جامعٌ لمكارمِ الأخلاق على ما لا يخفى.
والحديثُ سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٩]، وأخرجهُ مسلمٌ والنَّسائيُّ.
стр. 11318
٦٤٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان السُّلميُّ الكوفيُّ، سكن مكَّة (١) قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون المهملة، ابن كدامٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ) بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالقاف (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) ﵁ (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ) بكسر الراء وتخفيف الميم، من ورمَ يرم، مثل: ورِث يرثْ، وهو على خلاف القياسِ، وقياسهُ تورَم -بفتح الراء وإثبات الواو- مثل: وجل يوجلُ (أَوْ تَنْتَفِخَ (٢) قَدَمَاهُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وهما بمعنًى (فَيُقَالُ لَهُ): قد غفرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبكَ وما تأخَّر، وفي حديث عائشة أنَّها قالتْ: «لِمَ تصنعُ هذا، وقد غفرَ اللهُ لك؟» فظهرَ أنَّ القائلَ عائشة (فَيَقُولُ: أَفَلَا) أي: أأتركُ قيامِي وتهجُّدي لِمَا غُفر لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) من أبنيةِ المبالغة.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه ﷺ صبرَ على الطَّاعة حتَّى تورَّمتْ قدماه، والصَّبر يكون على ثلاثةِ أقسام: صبرٌ عن المعصيةِ فلا يرتكبها، وصبرٌ على الطَّاعة حتَّى يؤدِّيها، وصبرٌ على البليَّة فلا يشكو ربَّه فيها. وعن عليٍّ ﵁: «من إجلالِ الله ومعرفةِ حقِّه أن لا تشكُو وجعَك، ولا تذكرَ مصيبتَكَ لغيرهِ»، وقيل: ذهبتْ عين الأحنفِ منذ أربعين سنةً ما ذكرها. وقال شقيقٌ البلخيُّ: مَن شَكا ما نزلَ به لغيرِ الله لم يجدْ لطاعةِ الله في قلبهِ حلاوةً أبدًا، وما أحسن قول ابن عطاء:
سَأَصْبِرُ كَيْ تَرْضَى وَأَتْلَفُ حَسْرَةً … وَحَسْبِيَ أَنْ تَرْضَى وَيُتلِفُنِي صَبْرِي
والحديثُ سبق في «كتاب التَّهجُّد» [خ¦١١٣٠].
стр. 11319
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، في قوله تعالى: (﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾) يَكِلُ أمرهِ إليه عن طمعِ غيره وتدبيرِ نفسهِ (﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]) كافيه في الدَّارين جميعَ ما أهمَّه (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة وسكون التَّحتية، التَّابعيُّ الكبير، فيما وصله الطَّبرانيُّ وابنُ أبي حاتمٍ في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ الآية [الطلاق: ٢]. قال: (مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ) وقال (١) العينيُّ: أرادَ من يتوكَّل على اللهِ فهو حسْبُه من كلِّ ما ضاقَ على النَّاس.
٦٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو كما قال الحافظُ ابن حجرٍ: ابن منصور. قال: وغلطَ من قال: إنَّه ابنُ إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الراء في الأوَّل، وضم العين وتخفيف الموحدة في الثَّاني، القيسيُّ الحافظُ البصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، السُّلميَّ الكوفيَّ (قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ) زاد في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٠٥] «ثمَّ دخل ولم يبيِّن لهم، فأفاض القوم وقالوا: نحن الَّذين آمنَّا بالله واتَّبعنا رسوله، فنحن هم وأولادنا (٣) الَّذين ولدوا في الإسلامِ، فإنَّا وُلدنا في الجاهليَّة، فبلغ النَّبيُّ ﷺ فخرج» فقال: (هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ) بسكون الراء، أي: لا يسترقونَ مُطلقًا، أو لا يسترقون برُقى الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمونَ بالطُّيور ونحوها كعادتهم قبلَ الإسلام (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) يفوِّضونَ إليه، والتَّوكُّل هو الاعتمادُ على الله تعالى وقطع النَّظر عن الأسبابِ مع تهيئتها، ولهذا قال ﷺ : «اعقِلْ وتوكَّلْ» ويقال (٤): هو كِلَة الأمر كلِّه إلى مالكهِ، والتَّعويل على وكالتهِ؛ يعني: عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]
стр. 11320
وهو فرضٌ على المكلَّف، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] وقضيَّة هذا أنَّ التَّوكُّل من لوازمِ الإيمان، فينتفِي بانتفائه؛ إذ الإيمانُ هو التَّوحيد، ومن اعتمدَ على غيرِ الله لم يوحِّده بالحقيقةِ وإن وحَّده باللِّسان، وليس المراد من التَّوكل ترك التَّسبُّب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجرُّ إلى ضدِّ ما يُراد من التَّوكُّل، وقد كان الصَّحابة يتَّجرون ويعملونَ في نخيلِهم وهم القُدوة وبهم الأسوةُ.
والحديثُ سبق في «الطِّبِّ» مطوَّلًا (١) [خ¦٥٧٠٥] وفي «أحاديث الأنبياء» مختصرًا [خ¦٣٤١٠].
(٢٢) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ) بفتحهما (٢) في الفرعِ كأصله.
٦٤٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وللكُشميهنيِّ: «وقال» (عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) الطُّوسيُّ ثمَّ البغداديُّ قال (٣):
стр. 11321
(حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة، ابن بشيرٍ (١) الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ) ابن مِقْسَم -بكسر الميم وسكون القاف وفتح المهملة- الضَّبيُّ (وَفُلَانٌ) هو مجالدُ بن سعيدٍ، كما في «صحيح ابن خزيمة» (وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا) داود بن أبي هند، كما في «صحيح ابن حبان»، أو زكريا بن أبي زائدة، أو إسماعيل بن أبي خالد، كما في الطَّبرانيِّ من طريقِ الحسن ابن علي بنِ راشدٍ الواسطيِّ، عن هُشيم، عن مُغيرة، و (٢) زكريا بن أبي زائدة ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلُّهم (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَراحيل (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال (٣) مهملةٌ (كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ومولاه: (أَنَّ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيانٍ ﵄ (كَتَبَ إِلَى المُغِيرَةِ) بن شعبةَ ﵁ (أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ المُغِيرَةُ) أي: أمر المغيرة ورَّادًا، فقال له: اكتب، كما عند ابن حبَّان (إِنِّي) بكسر الهمزة، كما في «اليونينية» (٤) (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ) المكتوبة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) سقط «ثلاث مرَّات» لأبي ذرٍّ (قَالَ: وَكَانَ) ﷺ (يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ) بفتحهما (٥)، فعلان ماضيان الأوَّلٌ مجهولٌ، وأصل «قال» قَوَلَ -بفتحتين- تحرَّكت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، وأصل «قيل» قُوِل بضم القاف وكسر الواو (٦) نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ثمَّ قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلَها، وهو حكايةُ أقاويل النَّاس، قال فلانٌ كذا وفلانٌ كذا، وقيل: كذا وكذا، ولأبي ذرٍّ: «قيلٍ وقالٍ» بالتَّنوين فيهما اسمان يقال: قال قولًا وقيلًا وقالًا، أي: نهى عن الإكثار ممَّا لا فائدةَ فيه من الكلام. وقال ابنُ دقيق العيد: الأشهرُ فيه فتح اللَّام فيهما على سبيلِ الحكاية، وهو الَّذي يقتضيه المعنى؛ لأنَّ القيل والقال إذا كانا اسمين كانا بمعنًى واحدٍ كالقول، فلا يكون في عطفِ أحدهما على الآخر كبير فائدةٍ بخلاف ما إذا كانا فعلين. وقال في
стр. 11322
«المصابيح»: وعلى أنَّهما اسمان فالفتحُ للحكاية بل ولا يسوَّغ ادِّعاء فعليتهما في هذا التَّركيب البتَّة عند المحقِّقين، وكيف وحرف الجرِّ الَّذي هو من خصائصِ الأسماء قد دخل عليهما، وإنَّما يجوِّز (١) فعليَّتهما في مثلِ هذا ابنُ مالكٍ ولم يتابعْه عليه أحدٌ من الحذَّاق (وَ) نهى عن (كَثْرَةِ السُّؤَالِ) عن المسائل الَّتي لا حاجة إليها (وَإِضَاعَةِ المَالِ) في غير محلِّه وحقِّه (وَمَنْعٍ) أي: منْعِ ما شُرِعَ إعطاؤهُ (وَهَاتِ) أي: طلبِ ما مُنِعَ أخذهُ شرعًا (وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدِ البَنَاتِ) بالهمزة السَّاكنة، دفنهُنَّ بالحياةِ.
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] و «الاعتصام» [خ¦٧٢٩٢] و «القدر» (٢) [خ¦٦٦١٥] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠].
(وَعَنْ هُشَيْمٍ) الواسطيِّ، المذكور بالسَّند السَّابق، أنَّه قال (٣): (أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين، الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا) كاتب المغيرة (يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثَ) السَّابق (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وظاهره أنَّه كلفظ الحديثِ السَّابق، وكذا هو عندَ الإسماعيليِّ.
(٢٣) (باب) مشروعيَّة (حِفْظِ اللِّسَانِ) عن النُّطق بما لا يسوغ شرعًا. قال ابنُ مسعودٍ ﵁: «ما شيءٌ أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من اللِّسان». وقال بعضُهم: اللِّسان حيَّة مسكنها الفمُ (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ كَانَ) وسقط لغير أبي ذرٍّ «وقول النَّبيِّ … » إلى آخره (٤)، وقال: «من كان» (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُِتْ) بكسر الميم في «اليونينية» وتضم، أي: ليسكُت.
стр. 11323
وهذا قد وصلهُ في هذا الباب [خ¦٦٤٧٥].
(وَقَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقول الله» (تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ﴾) ابنُ آدم (﴿مِن قَوْلٍ﴾) (١) ما يتكلَّم به وما يرمِي به من فِيْهِ (﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾) حافظٌ (﴿عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]) حاضرٌ يكتبه لا يتركُ كلمةً ولا حركةً، وهل يكتب كلَّ شيءٍ؟ ظاهر الآية العموم، وقال به الحسن وقتادة، أو إنَّما يكتب ما (٢) فيه ثوابٌ أو عقابٌ، وبه قال ابن عبَّاسٍ. نعم روى عليُّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس في الآية قال: «يَكْتُبُ كلَّ ما يُتَكَلَّمُ (٣) به من خيرٍ أو شرٍّ حتَّى إنَّه ليَكتُبُ قوله (٤): أكلتُ شربتُ ذهبتُ جئتُ رأيتُ، حتَّى إذا كان يوم الخميس عُرض (٥) قولُه وعملُه، فأُقِرَّ منه ما كانَ من خيرٍ أو شرٍّ وأُلقِي سائرُهُ، وذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]» وقال الحسنُ البصريُّ -وتلا هذه الآية ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]- يا ابن آدم بُسِطَتْ لك صحيفةٌ ووُكِّل بك ملكان كريمان أحدُهما عن يمينكَ والآخرُ عن شمالك، فأمَّا الَّذي عن يمينكَ فيحفظُ حسناتكَ، وأمَّا الَّذي عن يساركَ فيحفظُ سيئاتكَ، فاعملْ ما شئتَ أَقِلَّ أو أَكْثِرَ حتَّى إذا متَّ طُويتْ صحيفتُك وجُعلتْ في عنقكَ معك في قبركَ حتَّى تخرجَ يوم القيامةِ، فعندَ ذلك يقول: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا. اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤] ثمَّ يقول: عَدَلَ والله من جعلكَ حسيبَ نفسِك.
٦٤٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدال
стр. 11324
المهملة المشددة، نسبة إلى أحدِ أجدادهِ، قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم العين وفتح الميم، وهو عمُّ محمَّد الرَّاوي عنه، وعمر مدلِّسٌ لكنَّه صرَّح بالسَّماع، حيث قال: إنَّه (سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما، السَّاعديِّ ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ يَضْمَنْ لِي) بجزم «يضمَنْ» (مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة والتَّثنية، العظمان في جانبي (١) الفم النَّابت عليهما الأسنان علوًا وسفلًا، والمراد اللِّسانُ وما ينطقُ به (وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) وهو الفرجُ (أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ) بالجزمِ على جواب الشَّرط، والمراد بالضَّمان لازمُه وهو أداء الحقِّ، أي: من أدَّى الحقَّ الَّذي على لسانهِ من النُّطق بما يجبُ عليه أو الصَّمت عمَّا لا يعنيهِ، وأدَّى الحقَّ الَّذي على فرجهِ من وضعهِ في الحلال، وكفِّه عن الحرامِ، جازيته بالجنَّة.
وقال الطِّيبيُّ: أصلُ الكلام من يحفظ ما بين لحييهِ من اللِّسان والفم ممَّا لا يعنيهِ من الكلام والطَّعام يدخل الجنَّة، وأراد أن يؤكِّد الوعيد تأكيدًا بليغًا، فأبرزهُ في صورةِ التَّمثيل ليشيرَ بأنَّه واجب الأداء، فشبَّه صورةَ حفظ المؤمن نفسَه ممَّا (٢) وجبَ عليه من أمرِ النَّبيِّ ﷺ ونهيه، وشبَّه ما يترتَّب عليه من الفوزِ بالجنَّة، وأنَّه واجبٌ على الله تعالى بحسبِ الوعد أداؤه، وأنَّ رسول الله ﷺ هو الواسطةُ والشَّفيع بينه وبين الله تعالى بصورةِ شخصٍ له حقٌّ واجبُ الأداء على آخرِ، فيقوم به ضامنٌ يتكفَّل له بأداء حقِّه، وأدخلَ المشبَّه في جنسِ صورة المشبَّه به، وجعله فردًا من أفرادهِ، ثمَّ ترك المشبَّه به، وجعلَ القرينة الدَّالَّة عليه ما يستعملُ فيه من الضَّمان، ونحوه في التَّمثيل: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. انتهى.
وخصَّ اللِّسان والفرجَ لأنَّهما أعظم البلاءِ على الإنسان في الدُّنيا، فمَن وقي شرَّهما وقيَ أعظم الشَّرِّ.
والحديثُ أخرجهُ أيضًا في «الحدود» [خ¦٦٨٠٧]، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
< ToR
стр. 11325
em> حديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا </ ToRem>
٦٤٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأويسيُّ الفقيه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريُّ العوفيُّ أبو إسحاق المدنيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بضم الميم، ليسكت عن الشَّرِّ (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ) وفي مسلم: «فليُحسن إلى جاره» (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه) أي: يَزِد (١) في إكرامهِ على ما كان يفعلُ في عياله.
٦٤٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبعد التَّحتية السَّاكنة حاء مهملة، خُويلد (الخُزَاعِيِّ) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة مكسورة، العدويِّ ﵁ (قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ) بالرَّفع في الفرع كأصله. قال في «المصابيح»: على أنَّه مبتدأ حُذف خبرُه، أي: منها جائزته، ويكونُ هذا على رأي من يرى أنَّ الجائزة داخلةٌ في الضِّيافة لا خارجة عنها. وقال الحافظُ ابن حجرٍ ﵀، والإمام العينيُّ -كالكِرمانيِّ-: المعنى: أعطوا جائزته، فإنَّ
стр. 11326
الرِّواية بالنَّصب، وإن جاءت بالرَّفع فالمعنى متوجِّهٌ (١): عليكم جائزته (قِيلَ): يا رسول الله (مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ) ﷺ : (يَوْمٌ) أي: زمان جائزته يومٌ (وَلَيْلَةٌ) ولابدَّ من تقدير هذا المضاف؛ إذ لا يجوزُ أن يكون الزَّمان خبرًا عن الجثَّة، وهذا يدلُّ على أنَّ الجائزةَ بعد الضِّيافة وهو أن يُقرَى ثلاثة أيامٍ، ثمَّ يُعطَى ما يجوزُ به مسافة ثلاثة أيَّامٍ، أو قوله: «جائزته … » إلى آخره، جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ للأولى، أي: برُّه وإلطافه يومٌ وليلةٌ، وفي اليومين الأخيرين يكون كالقوم يُقدَّم له ما حضرَ، وسبق ما في ذلك (قَالَ) ﷺ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ) عن الشَّرِّ، وما يجرُّ إليه.
والحديثُ سبق في «الأدب» [خ¦٦٠١٩].
٦٤٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، الأسديُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع أيضًا (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) عبد العزيز بن سلمة بنِ دينار. قال الحافظُ: وقع عند أبي نُعيم في «المستخرج» من طريقِ إسماعيل القاضي، عن إبراهيم بنِ حمزة شيخ البخاريِّ فيه: أنَّ عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز بن محمَّد الدَّراورديُّ حدَّثاه عن يزيد، فيحتملُ أن يكون إبراهيم لمَّا حدَّث به البُخاري ذكر عبد العزيز الدَّراوردِي، وعلى الأوَّل لا إشكال، وعلى الثَّاني يتوقَّف الجواز على أنَّ اللَّفظ للاثنين سواء، أو أنَّ المذكور ليس هو لفظ المحذوف، وأنَّ المعنى عليهما متَّحد تفريعًا على جوازِ الرِّواية بالمعنى، ويؤيِّد الأوَّل أنَّ البخاري أخرجَ بهذا الإسناد بعينهِ إلى محمَّد بن إبراهيم حديثًا جمعَ فيه بين ابنِ أبي حازم والدَّراورديِّ، وهو في «باب فضل الصَّلاة» [خ¦٥٢٨]. انتهى من «الفتح». (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ابن عبد الله، المعروف بابنِ الهاد (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ (٢) اللَّه التَّيْمِيِّ) وثبت: «ابن عبيد الله» في رواية أبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي
стр. 11327
هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ) ولأبي ذرٍّ: «يتكلَّم» بإسقاط اللام (بِالكَلِمَةِ) أي: بالكلام، فهو من إطلاقِ الكلمةِ على الكلام (١) (مَا يَتَبَيَّنُ) لا يتدبَّر ما (فِيهَا) ولا يتفكَّر في قُبحها وما يترتَّب عليها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ما يتَّقي» بدل: «ما يتبيَّن»، ولفظ «فيها» ثابتٌ للحَمُّويي والكُشميهنيِّ (يَزِلُّ) بفتح التحتية وكسر الزاي بعدها لام مشدَّدة (بِهَا) بتلك الكلمة (فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ) قال في «الكواكب»: لفظُ «بين» يقتضِي دخولهُ على المتعدِّد، و «المشرق» متعدِّدٌ؛ لأنَّ مشرق الصَّيف غير مشرق الشِّتاء وبينهما بعدٌ كثيرٍ، أو اكتفَى بأحد المتقابلينَ على الآخرِ مثل: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وزاد مسلمٌ والإسماعيليُّ من رواية بكر بنِ نصر، عن يزيد بنِ الهاد (٢): «والمغرب».
ورجالُ الإسناد مدنيُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ، وأخرجه مسلمٌ في آخر الكتاب عن قتيبة وغيره (٣)، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» وقال: حسنٌ غريبٌ، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق» وفي رواية أبي ذرٍّ تأخير هذا الحديث عن لاحقهِ، وسقط الأوَّل -وهو حديثُ عيسى بن طلحة- من رواية النَّسفيِّ، والله الموفِّق.
٦٤٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم الميم وكسر النون وبعد التَّحتية السَّاكنة راء، المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بالضاد المعجمة، هاشم بن أبي القاسم التَّميميَّ الخراسانيَّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ -يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ-) سقط لأبي ذرٍّ «يعني: ابن دينار» (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ:
стр. 11328
إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ) بالكلام المفهم (١) المفيد (مِنْ رِضْوَانِ اللهِ) ما (٢) يُرضِي الله (لَا يُلْقِي) بضم التحتية وكسر القاف (لَهَا) للكلمة (بَالًا) أي: قلبًا (يَرْفَعُ اللهُ) له (بِهَا دَرَجَاتٍ) كأن يحصلَ بها دفعُ (٣) مظلمةٍ عن مسلمٍ، أو تفريجُ كرْبةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يرفعُه الله بها درجاتٍ» (وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ) عندَ ذِي سلطانٍ جائرٍ يريدُ بها هلاكَ مسلمٍ، أو المراد: إنَّه يتكلَّم بكلمةِ خنَا، أو يعرِّض بمسلم بكبيرةٍ، أو بمُجُونٍ، أو استخفافٍ بشريعةٍ وإن كان غيرَ مُعْتقد، أو غير ذلك (مِنْ سَخَطِ اللهِ) أي: ما لا يرضى الله تعالى به (٤)، و «من سخطِ الله» حالٌ من الكلمةِ أو صفةٌ؛ لأنَّ اللام جنسيَّة، فلك اعتبارُ المعنى واعتبار اللَّفظ، والجملةُ الفعليَّة إمَّا حالٌ من ضميرِ العبدِ المستكنّ في «ليتكلَّم» أو صفةٌ لها بالاعتبارينِ المذكورين، قاله في «المصابيح» (٥) (لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا) أي: يتكلَّم بها على غفلةٍ من غير تثبُّتٍ ولا تأمُّلٍ (يَهْوِي) بفتح التَّحتية وسكون الهاء وكسر الواو (بِهَا فِي جَهَنَّمَ) قال ابنُ عبد البرِّ: هي كلمةُ السُّوء عند السُّلطان الجائر. وقال ابنُ عبد السَّلام: هي الكلمة الَّتي لا يُعرف حُسنها من قبحها، فيَحرُمُ على الإنسانِ أن يتكلَّم بما لا يعرفُ حُسنَه من قبحهِ.
(٢٤) (بابُ) فضلِ (البُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) .
٦٤٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والشين المعجمة المشدَّدة، بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عمر
стр. 11329
العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى، الخزرجيُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ) ، أي: في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، والمراد: ظلُّ العرش، كما في حديث سلمان عند (١) سعيد بنِ منصور، منهم (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ) زاد في «الزَّكاة»: «خاليًا» [خ¦١٤٢٣] وهو يحتملُ أن يكون المعنى: خاليًا من (٢) النَّاس أو من الالتفاتِ إلى غيرِ الله تعالى وإن كان في ملأ (فَفَاضَتْ) أي: سالتْ (عَيْنَاهُ) زاد الجَوْزَقِيُّ: «من خشيةِ الله»، وأسندَ الفيض إلى العين مع أنَّ الفائضَ هو الدَّمع لا العين مبالغة؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ العينَ صارت دمعًا فيَّاضًا، واقتصرَ من الحديث ههنا على موضعِ الحاجةِ منه، وقد سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] وغيرها تامًّا [خ¦٦٦٠] وقد وردَ في البكاءِ أحاديث منها حديثُ أبي رَيحانة مرفوعًا: «حُرِّمت النَّارُ على عينٍ بكَت مِن خشيَةِ الله» رواه أحمدُ وصحَّحه الحاكمُ ورواه النَّسائيُّ أيضًا (٣).
(٢٥) (بابُ) فضل (الخَوْفِ مِنَ اللهِ) ، وسبق تعريفه قريبًا.
٦٤٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بنُ محمَّد بن أبي شيبة (٤) إبراهيمَ العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ رِبْعِيٍّ) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد التحتية، ابن حِرَاش بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمانِ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من بني إسرائيلَ (يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ) في «صحيح
стр. 11330
ابن حبان» من طريق ربعيِّ بن (١) حِرَاش: «أنَّه كان نبَّاشًا للقبورِ يسرقُ أكفانَ الموتى». وعند أبي عَوَانة من حديثِ حذيفة (٢)، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق: «أنَّه آخر أهل الجنَّة دخولًا فيكون آخر من يخرجُ من النَّار» وفي «المصابيح»: أنَّه كان يقول: أجرني من النَّار، مقتصرًا على ذلك (فَقَالَ لأَهْلِهِ) وفي الآتية: «بَنِيْه» [خ¦٦٤٨١] (إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي (٣) فَذَرُّونِي) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ثلاثيٌّ مضاعف، من التَّذرية، ولأبي ذرٍّ (٤) بضمِّها من الذَّرِّ (٥) وهو التَّفريق (فِي البَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ) حارٍّ، بحاء مهملة فألف فراء مشددة (فَفَعَلُوا بِهِ) ذلك (فَجَمَعَهُ اللهُ) (ثُمَّ قَالَ) تعالى له (٦): (مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِي) عليهِ (إِلَّا مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ).
والحديثُ سبق في ذكر «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٢].
٦٤٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية مفتوحة فميم مكسورة فراء، قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمانَ التَّيميَّ
стр. 11331
يقول: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الغَافِرِ) الأزديِّ العَوْذِيِّ، أبي نهارٍ (١) البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ، ولأبي ذرٍّ زيادة: «الخدريِّ» (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (ذَكَرَ رَجُلًا) فلم يُسمَّ (فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ) أي: من بني إسرائيل (أَوْ) قال: فيمن (٢) كان (قَبْلَكُمْ) بالشَّكِّ من الرَّاوي عن قتادة (آتَاهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا) بمدِّ آتاه (يَعْنِي: أَعْطَاهُ) الله، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «مالًا». قال في «الفتح»: ولا معنى لإعادةِ «مالًا» بمفردها (قَالَ: فَلَمَّا حُضِرَ) بضم الحاء المهملة، أي: حضرهُ أوان الموت (قَالَ لِبَنِيهِ (٣): أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟) بنصب «أيَّ» خبر كان تقدَّم وجوبًا للاستفهام، وسقط لفظ «لكم» لغير أبي ذرٍّ (قَالُوا): كنت (خَيْرَ أَبٍ) ويجوز الرفعُ، أي: أنت خيرُ أبٍ (قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ) بفتح التحتية وسكون الموحدة بعدها فوقية مفتوحة فهمزة مكسورة فراء (عِنْدَ اللهِ خَيْرًا (٤). فَسَّرَهَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، أي: (لَمْ يَدَّخِرْ) عند الله خيرًا (وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللهِ) بفتح التَّحتية وسكون القاف وفتح المهملة مجزومٌ على الشَّرطيَّة (يُعَذِّبْهُ) بالجزم أيضًا، جزاءَهُ (فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي) بهمزة قطع (حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا، فَاسْحَقُونِي) بالحاء المهملة والقاف (-أَوْ قَالَ: فَاسْهَكُونِي-) بالهاء والكاف بدلهما بالشَّكِّ من الرَّاوي، قيل: والسَّحق: الدَّقُّ ناعمًا، والسَّهك دونه (ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «حتَّى» (إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي) بقطع الهمزة المفتوحة في الفرعِ كأصله من الثُّلاثي المزيد، أي: طيِّروني (فِيهَا، فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ) عهودَهم (عَلَى) أن يفعلوا به (ذَلِكَ) أي: الَّذي قال لهم (وَرَبِّي) أي: قال لمن أوصاهُ: قل ورَبِّي لأفْعَلَنَّ (٥) ذلك، أو هو قَسَمٌ من المُخبر بذلك عنهم ليصحَّ خبره، وفي مسلم: «ففعلوا به ذلك ورَبِّي» فتعيَّن أنَّه قَسَمٌ من المخبر (فَفَعَلُوا) به ما قال لهم (فَقَالَ اللهُ) تعالى له: (كُنْ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ) مبتدأٌ وخبرٌ، وجاز وقوع المبتدأ نكرةً
стр. 11332
محضةً بعد «إذا» المفاجأة؛ لأنَّها من القرائنِ الَّتي تتحصَّل بها الفائدةُ، كقولك: انطلقتُ فإذا سَبُعٌ في الطَّريق، قاله ابن مالك (ثُمَّ قَالَ) الله تعالى له: (أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ) من أمركَ بَنِيْكَ بإحراقكَ (١) وتذريتك (قَالَ): حملَني عليه (مَخَافَتُكَ -أَوْ: فَرَقٌ) بفتح الراء، خوفٌ (مِنْكَ-) شكَّ الرَّاوي (٢) أيَّ اللَّفظين قال (فَمَا تَلَافَاهُ) بالفاء، أي: تداركه (أَنْ ﵀ سقطتِ الجلالة لأبي ذرٍّ.
واستُشْكل إعرابُه (٣)؛ إذ مفهومُه عكس المقصود. وأُجيب بأنَّ «ما» موصولةٌ، أي: الذي تلافاهُ هو الرَّحمة، أو نافية، وأداة الاستثناء محذوفةٌ لقيام القرينة، كما هو رأيُ السُّهيليِّ، أي: فما تداركه إلَّا بأنْ رحمه.
قال سليمان التَّيميُّ أو قتادة: (فَحَدَّثْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديَّ (فَقَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَانَ) الفارسيَّ، أي: يُحدِّث عن النَّبيِّ ﷺ بمثل هذا الحديث (غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: فَأَذْرُونِي فِي البَحْرِ) بهمزة قطع مفتوحة، ولأبي ذرٍّ: «فاذروني» بهمزة وصل. يقال: ذرتِ الرِّيحُ التُّرابَ وغيرَه ذَرْوًا وأَذْرَتْهُ (٤) وذَرَّتْهُ (٥) أطارتْه وأذهبتْهُ. وقال في «المشارق»: يقال: ذريْتَ الشَّيء وذروتهُ ذريًا وذروًا، وأذريْتُ أيضًا رباعيٌّ، وذرَّيت -بالتَّشديد- إذا بدَّدته وفرَّقته، وقيل: إذا طرحتَه مقابل الرِّيح كذلك (أَوْ كَمَا حَدَّثَ) شكَّ الرَّاوي، يريد أنَّه بمعنى حديثِ أبي سعيدٍ لا بلفظه كلِّه.
стр. 11333
(وَقَالَ مُعَاذٌ) هو: ابنُ معاذٍ التَّميميُّ (١) -فيما وصلهُ مسلم- قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (سَمِعْتُ عُقْبَةَ) بن عبد الغافرِ قال: (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «الخدريَّ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
والحديثُ سبق في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٨] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التوحيد» [خ¦٧٥٠٨]، وأخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة».
(٢٦) (بابُ) وجوب (الاِنْتِهَاءِ عَنِ المَعَاصِي).
٦٤٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين ممدودًا، ابن كُريبٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أُسامة (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) اسمه: عامرٌ أو الحارث (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلِي) بفتح الميم والمثلَّثة، والمَثَلُ الصِّفة العجيبةُ الشَّأن يوردُها البليغُ على سبيل التَّشبيه لإرادة التَّقريب (وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ) ، أي: به إليكم (٢)، فالعائدُ محذوفٌ (كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا) بالتَّنكير للشُّيوع (فَقَالَ) لهم: إنِّي (رَأَيْتُ الجَيْشَ) المعهود (بِعَيْنَيَّ) بتشديد التحتية بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بعينِي (٣)» بالإفراد كذا في الفرعِ وأصله (٤). وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ والعينيُّ (٥): بالتَّثنية للكُشميهنيِّ (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ
стр. 11334
العُرْيَانُ) بضم العين المهملة وسكون الراء بعدها تحتية، من التَّعرِّي. قيل: الأصل فيه أنَّ رجلًا لقِي جيشًا فسلبوهُ وأسروهُ، فانفلت (١) إلى قومهِ فقال: إنِّي رأيتُ الجيشَ وسلبوني، فرأوه عريانًا فتحقَّقوا صدقَه؛ لأنَّهم كانوا يعرفونَه ولا يتَّهمونَه في النَّصيحةِ ولا جرت عادتُه بالتَّعرِّي، فقطعوا بصدقهِ لهذهِ القرائن، فضربَ النَّبيُّ ﷺ لنفسه ولِمَا جاءَ به مثلًا بذلك؛ لِمَا أبداهُ من الخوارقِ والمعجزات الدَّالَّة على القطعِ بصدقهِ تقريبًا؛ لإفهام المخاطبين بما يألفونَهُ ويعرفونَهُ، وقيل: المراد: المنذر (٢) الَّذي تجرَّدَ عن ثوبهِ وأخذَ يرفعهُ ويديرهُ حولَ رأسهِ إعلامًا لقومهِ بالغارةِ، وكان من عادتهم أنَّ الرَّجل إذا رأى الغارةَ فجأتهم وأراد إنذار قومه يتعرَّى من ثيابهِ ويشير بها؛ ليعلم أنَّه قد فَجَأَهُم أمرٌ مهمٌّ، ثمَّ صار مَثَلًا لكلِّ ما يخاف مُفَاجأته (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) بالمدِّ والهمز فيهما في «الفرعِ» وبالقصر فيهما، وبمدِّ الأولى وقصر الثَّانية تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «فالنَّجاةَ» بهاء التَّأنيث بعد الألف، وبالنَّصب (٣) في الكلِّ على الإغراءِ، أي: اطلبوا النَّجاء أو النَّجاة بأن تُسرعوا الهربَ، فإنَّكم لا تطيقونَ مقاومة ذلك الجيش (فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ) ولأبي ذرٍّ: «فأطاعه» بالتَّذكير؛ لأنَّ المراد بعض القوم (فَأَدْلَجُوا) بهمزة قطع وسكون الدال المهملة وبعد اللام المفتوحة جيم مضمومة، ساروا أوَّل اللَّيل أو كلَّه (عَلَى مَهْلِهِمْ) بفتحتين بالسَّكينة والتَّأنِّي، وفي الفرع كأصلهِ بسكون الهاء، وهو الإمهالُ، لكن قال في «الفتح»: إنَّه ليس مرادًا هنا (فَنَجَوْا) من العدوِّ، ولأبي ذرٍّ: «فادَّلجوا» بالوصلِ وتشديد الدال (٤) المهملة، ساروا آخر اللَّيل، لكن قال في «الفتح»: إنَّه لا يناسب هذا المقام (وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ) أي: أتاهم صباحًا (فَاجْتَاحَهُمْ) بجيم ساكنة بعدها فوقية فألف فحاء مهملة، استأصلهم، أي: أهلكهُم.
وهذا الحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الاعتصام» [خ¦٧٢٨٣]، ومسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ ».
стр. 11335
٦٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز الأعرج (أَنَّهُ حَدَّثَهُ) حدَّث أبا الزِّناد (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا مَثَلِي، وَمَثَلُ النَّاسِ) المرادُ بضربِ المثل زيادةُ الكشفِ والتَّبيين، ولضَرْبِ الأمثال في إبراز خفيَّات المعاني ورفعِ الأستار عن الحقائقِ تأثيرٌ ظاهرٌ، واستُعير المَثَلُ للحال، أو الصِّفة، أو القصَّة إذا كان لها شأنٌ، وفيها غرابةٌ كأنَّه قيل: حال النَّاس العجيبة الشَّأن في دعائي إيَّاهم إلى الإسلام المُنقذ لهم من النَّار، ومثل ما زَيَّنتْ لهم أنفسهم من التَّمادي على الباطلِ (كَمَثَلِ رَجُلٍ) كحالِ رجلٍ (اسْتَوْقَدَ) أوقدَ (نَارًا) المَثَلُ في الثَّلاث بفتح الميم والمثلَّثة، ووقودُ النَّار سطوعُها وهو جوهرٌ لطيفٌ مضيءٌ حارٌّ محرقٌ، واشتقاقها من نارَ ينور إذا نفر؛ لأنَّ فيها حركةً واضطرابًا (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) الإضاءةُ فرطُ الإنارةِ، ومصداقُه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] و «أضاءت» متعدِّية فـ «ما» موصولة مفعولٌ به، أي: أضاءت النَّار ما حولَ المستوقد، ويجوزُ أن تكون غير متعدِّيةٍ، فيُسند الفعل إلى «ما» على تأويل أضاءتِ الأماكن الَّتي حولَ المستوقد، أو يُسْنَدُ إلى ضمير النَّار، فعلى هذا ينتصبُ ما حوله على الظَّرفيَّة، أي: أضاءت النَّار في الأمكنةِ الَّتي حولَ المستوقد (١)، وإنَّما أضاء إشراق
стр. 11336
النَّار فيما حولها (١) لا هي نفسها، لكن يجعل إشراق ضوء النَّار بمنزلةِ إشراق النَّار في نفسِها؛ لأنَّ ضوء النَّار لمَّا كان محيطًا بالمستوقد مشرقًا (٢) فيما حوله غاية الإشراق، أسند الفعل إلى النَّار نفسها إسنادًا للفعلِ إلى الأصلِ، كقولهم: بنى الأميرُ المدينة، قاله في «فتوح الغيب»، وجوابُ «فلمَّا» قوله: (جَعَلَ الفَرَاشُ) بفتح الفاء والراء المخففة وبعد الألف معجمة، دوابّ مثل البعوضِ في الأصل (٣)، واحدتها: فراشةٌ، وهي الَّتي تطيرُ وتتهافتُ في السِّراج بسبب ضعفِ أبصارها، فهي بسببِ ذلك تطلبُ ضوء النَّهار، فإذا رأت السِّراج باللَّيل ظنَّتْ أنَّها في بيتٍ مظلمٍ وأنَّ السِّراج كوَّةٌ في البيتِ المظلم إلى الموضعِ المضيء، ولا تزالُ تطلبُ الضَّوء وترمِي بنفسِها إلى الكوَّة، فإذا جاوزتها ورأتِ الظَّلام ظنَّت أنَّها لم تصبِ الكوَّة ولم تقصدها على السَّداد، فتعودُ إليها (٤) حتَّى تحترق (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ) جمع دابَّة (الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ) كالبرغشِ والبعوضِ والجندب ونحوها (يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وجعل» «بالواو» بدل: «الفاء» (٥)، (يَنْزِعُهُنَّ) بنون قبل الزاي، وفي رواية: «يزعهنَّ» بإسقاط النون، من وَزَعه يزعَه وزْعًا فهو وازعٌ إذا كفَّه ومنعَه (وَيَغْلِبْنَهُ) بسكون الغين المعجمة والموحدة (فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا) يدخلن (٦) في النَّار (فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ) بضم الخاء المعجمة، و «بحُجَزِكم» بضم الحاء المهملة وفتح الجيم بعدها زاي، جمع: حجزة، وهي معقدُ الإزار. قيل: صوابهُ: بحجزهم -بالهاء المهملة-؛ لأنَّ السَّابق: «إنَّما مثلِي ومثل النَّاس»؟ وأُجيب بأنَّه التفاتٌ من الغيبةِ إلى الخطابِ؛ اعتناءً بشأن الحاضرين في وقوعِ الموعظةِ من قلوبهِم أتمَّ موقع، ومثل ذلك من محاسنِ الكلام، فكيف يدَّعى أنَّ الصَّواب خلافه (٧)، وفيه التفاتٌ من الغيبة في قوله: «ومثل النَّاس» إلى الخطاب في قوله: «وأنا آخذٌ بحجزكم» (عَنِ) المعاصي الَّتي هي سببٌ للولوج (٨) في (النَّارِ) فهو من وضع المُسبَّب موضع
стр. 11337
السَّبب (وَهُمْ) التفاتٌ من الخطابِ في قوله: «بحجزكم» إلى الغيبة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وأنتُمْ» (يَقْتَحِمُونَ) يدخلون (١) (فِيهَا).
قال في «شرح المشكاة»: تحقيقُ التَّشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقَّف على معرفة معنى قوله: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك أنَّ حدودَ الله هي محارمهُ ونواهيهِ، كما في «الصَّحيح» [خ¦٥٢] «ألا إنَّ حمى الله محارمهُ» ورأسُ المحارم حبُّ الدُّنيا وزينتها، واستيفاء لذَّتها (٢) وشهواتها، فشبَّه ﷺ إظهار تلك الحدود من الكتاب والسُّنَّة باستنقاذ الرِّجال من النَّار، وشبَّه فشوَّ ذلك في مشارقِ الأرضِ ومغاربها بإضاءةِ تلك النَّار ما حول المستوقد، وشبَّه النَّاس وعدمَ مبالاتهم بذلك البيان وتعدِّيهم حدودَ الله وحرصَهم على استيفاءِ تلك اللَّذات والشَّهوات، ومنعَه إيَّاهم عن ذلك بأخذِ حجزهِم بالفراشِ الَّتي يقتحمْنَ في النَّار ويغلبنَ المُستوقدَ على دفعهنَّ عن الاقتحامِ، كما أنَّ المستوقد كان غرضهُ من فعلهِ (٣) انتفاعَ الخلقِ به من الاستضاءةِ والاستدفاءِ وغير ذلك، والفَرَاش لجهلهَا جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك كان القصدُ بتلك البيانات اهتداءَ الأمَّة واجتنابَها ما هو سببُ هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلِهم جعلوها مقتضيةً لتردِّيهم، وفي قوله: «آخذٌ بحجزكم» (٤) استعارة مثل حالة منعهِ الأمَّة عن الهلاكِ بحالة رجلٍ أخذَ بِحُجْزَةِ صاحبهِ الَّذي كاد أن يَهوي في مهواة مهلكةٍ. انتهى.
وهذا الحديثُ سبق في «باب قول (٥) الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٠]» مختصرًا [خ¦٣٤٢٦].
٦٤٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ)
стр. 11338
الشَّعبيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص ﵁ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : المُسْلِمُ) الكاملُ (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ) والمسلمات (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) إلَّا في حدٍّ، أو تعزيرٍ، أو تأديبٍ مع انضمام باقي الصِّفات الَّتي هي أركانُ الإسلام، وعبَّر باللِّسان دون القول؛ ليدخلَ فيه من أخرج لسانه استهزاءً بصاحبهِ، وخصَّ اليد لأنَّ سلطنةَ الأفعال إنَّما تظهرُ بها (وَالمُهَاجِرُ) أي: المهاجر حقيقةً (مَنْ هَجَرَ) تركَ (مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ) على لسانِ رسوله (١) ﷺ .
وهذا من جوامعِ كَلِمهِ ﵊، وفيه تطييبُ قلب (٢) من لم يهاجرْ إلى المدينةِ لفواتِ ذلك بفتح مكَّة، أو قاله تنبيهًا للمهاجرِ أن لا يتَّكل على مجرَّد الهجرةِ، ويُقصِّر في العمل.
والحديثُ سبق في «الإيمان» [خ¦١٠].
(٢٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا).
٦٤٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بنِ بكيرٍ المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين المهملة وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء التَّحتية المشددة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من عقابِ الله للعصاة، وشدَّة مناقشته للعباد، وكشف السَّرائر، وجواب «لو» قوله: (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) فكلُّ (٣) من كان بربِّه أعرف كان من ربِّه أخوف، ومن علامةِ شدَّة الخوف دوامُ انزعاجِ القلب؛ لتوقُّع ما يستوجبُه من العقوبةِ لِمَا يأتيهِ من الحزن، ونحولِ البدن والخشيةِ والبكاءِ.
стр. 11339
٦٤٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ، قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) الأنصاريِّ، قاضي البصرة (عَنْ) أبيه (أَنَسٍ) أي: ابن مالك (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) قال الشَّيخ أبو حامد: هذا الحديث من الأسرار الَّتي أودعَها الله قلبَ الأمين الصَّادق محمَّد ﷺ ، و (١) لا يجوزُ إفشاءُ سرِّها، فإنَّ صدورَ الأحرارِ قبورُ الأسرار، بل كان يذكرُ لهم ذلك حتَّى يبكوا ولا يضحكوا، فإنَّ البُكاء ثمرةُ شجرةِ حياة القلب الحيِّ بذكرِ الله، واستشعارُ عظمتهِ وهيبتهِ وجلالهِ، والضَّحك نتيجة القلبِ الغافلِ عن ذلك. انتهى.
وفي الحديثِ -كما قال في «الكواكب» -: من البديعِ مقابلةُ الضَّحك بالبكاءِ، والقلَّة بالكثرةِ، ومطابقة كلٍّ منهما بالآخرِ.
(٢٨) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) فمن هتَكَ الحجابَ بارتكابِ الشَّهوات المحرَّمة كالزِّنا وغيره ممَّا منع الشَّرع منه كان ذلك سببًا لوقوعهِ في النَّار أعاذنا اللهُ من ذلك، ومن سائرِ المهالك بمنِّه وكرمهِ.
٦٤٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) -الإمامُ- ابنُ أنسِ بن مالكٍ الأصبحيُّ، أبو عبد الله المدنيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) المستلذَّة ممَّا منع الشَّارع (٣) من تعاطيهِ بالأصالةِ كالخمر والزِّنا والملاهي، وإمَّا
стр. 11340
لكون فعله يستلزمُ ترك شيءٍ من الواجبات، ويلتحقُ بذلك الشُّبهات والإكثارُ ممَّا أُبيحَ خشيةَ أن يوقع في المحرَّم، والمعنى: لا تَوصُّل إلى النَّار إلَّا بتعاطِي الشَّهوات؛ إذ هي محجوبةٌ بها، فمَن هتَكَ الحجابَ وصل إلى المحجوبِ، ومثَّل ذلك ابن العربيِّ (١) هذا (٢) المتعاطي للشَّهوات -الأعمى عن التَّقوى، الَّذي (٣) قد أخذت الشَّهوات بسمعهِ وبصره، فهو يراها ولا يرى النَّار الَّتي فيها؛ لاستيلاء الجهالةِ والغفلةِ على (٤) قلبهِ- بالطَّائر الَّذي يرى الحبَّة في داخلِ الفخِّ وهي محجوبةٌ به، ولا يرى الفخَّ لغلبة شهوة الحبَّة على قلبه وتعلُّقِ بالِهِ بها (وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ) ممَّا أُمر المكلَّف به كمجاهدةِ نفسه في العباداتِ والصَّبر على مشاقِّها والمحافظة عليها، وكظمِ الغيظِ، والعفو والإحسانِ إلى المسيء، والصَّبر على المصيبةِ، والتَّسليم لأمرِ الله فيها، واجتنابِ المنهيَّات، وأُطلق عليها «مَكاره» لمشقَّتها على العاملِ وصُعوبتها عليه. ولمسلمٍ: «حُفَّت» بالحاء المهملة المضمومة والفاء المفتوحة المشددة في الموضعين، من الحفاف، وهو ما يحيطُ بالشَّيءِ حتَّى لا يُتوصَّل إليه (٥) إلَّا بتخطِّيه، فالجنَّة لا يتوصَّل إليها (٦) إلَّا بقطع مَفاوز المكاره، والنَّار لا يُنْجَى منها إلَّا بتركِ الشَّهوات (٧).
وهذا الحديثُ من جوامعِ كَلِمه ﷺ وبديعِ بلاغتهِ في ذمِّ الشَّهوات، وإنْ مالت إليها النُّفوس، والحضِّ على الطَّاعات، وإنْ كرهتها النُّفوس وشقَّتْ (٨) عليها.
والحديثُ من أفراده، وليس هو في «الموطأ».
стр. 11341
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) وهو السَّير الَّذي يُدْخَل فيه أصبع (١) الرِّجل، ويُطلق أيضًا على كلِّ سيرٍ وُقِيَ به القدم من الأرض (وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ).
٦٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) النَّهديُّ -بفتح النون- أبو حذيفة البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ) إذا أطاع ربَّه (مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ) إذا عصاه (مِثْلُ ذَلِكَ) فلا يزهدنَّ في قليلٍ من الخير، فلعلَّه يكون سببًا لرحمة الله به، ولا في قليلٍ من الشَّرِّ أن يجتنبَه، فربَّما يكون فيه سخط الله تعالى، أسألُ الله تعالى العافية.
والحديثُ من أفراده.
٦٤٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عُبيدٍ العنَزيُّ -بفتح النون بعدها زاي- البصريُّ المعروف بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ) لبيدُ بن ربيعة العامريُّ، ثمَّ الكلابيُّ، ثمَّ الجعفريُّ، يُكنى أبا عقيلٍ، ذكره البخاريُّ وابن أبي خيثمة وغيرهما في الصَّحابة، سكن الكوفة ومات بها في خلافة عثمان، وعاش مئةً وخمسين سنةً، وقيل: أكثر (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ) أي: ما عداه تعالى وعدا صفاته الذَّاتيَّة والفعليَّة (بَاطِلُ) أي: هالكٌ، وكلُّ شيءٍ سوى الله جائزٌ عليه الفناء، وإن خُلق فيه البقاء بعد ذلك كالجنَّة والنَّار،
стр. 11342
وأَطلقَ البيت وأرادَ به البعض، فإنَّ الَّذي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر، وهو:
وكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِلُ
وفي رواية شريكٍ -عند مسلمٍ-: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العرب».
ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ كلَّ شيءٍ (١) ما خلا الله في الدُّنيا الَّذي لا يؤولُ إلى طاعة الله، ولا يقرب منه، إذا كان باطلًا، يكون الاشتغالُ به مبعدًا من الجنَّة مع كونهَا أقرب إليه من شراك نعلهِ، والاشتغالُ بالأمورِ الَّتي هي داخلةٌ في أمرِ الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شراكِ نعلِه، قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنَّه من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطره.
وقال في «فتح الباري»: مناسبةُ الحديث الثَّاني للتَّرجمة خفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنتْ ما في الحديثِ الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قَلَّتْ، والزَّجر عن المعصيةِ ولو قَلَّتْ، تضمَّنت (٢) أنَّ مَن خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ، كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغِي للعاقل أن يؤثرَ الفاني على الباقِي.
والحديث سبق في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٤١].
(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِيَنْظُرْ) أي: الإنسان (إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) من النَّاس في الدُّنيا (وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) فيها؛ ليشكرَ الله على ما أنعمَ به (٣) عليهِ.
٦٤٩٠ - وبه (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ
стр. 11343
أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (فِي المَالِ وَالخَلْقِ) بفتح الخاء المعجمة، أي: الصُّورة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه الأولاد والأتباع وكلُّ ما (١) يتعلَّق بزينةِ الحياة الدُّنيا. قال في «الفتح»: ورأيتُه في نسخةٍ معتمدةٍ من «الغرائب» للدَّارقطنيِّ: «والخُلُق» بضم المعجمة واللام (فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) فيهما، و «أسفل» بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع، ويجوزُ الرفع. وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمةَ الله (٢) عليكم»، وفي حديث عبد (٣) الله ابن الشِّخِّير رفعه: «أقِلُّوا الدُّخولَ على الأغنيَاء، فإنَّهُ أحرَى أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم (٤)» رواه الحاكم، والازدراء: الاحتقارُ والانتقاص، ولا ريب أنَّ الشَّخص إذا نظر إلى مَن هو فوقه لم يأمنْ أن يؤثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن يَنظر إلى مَن هو أسفلَ منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشُّكر.
وقال ابن بطَّال: لا يكون أحدٌ على حالةٍ سيِّئةٍ من الدُّنيا إلَّا يجدُ من أهلها مَن (٥) هو أسوأُ حالًا منه، فإذا تأمَّل ذلك علِمَ أنَّ نعمةَ الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضَّل الله عليه بذلك من غير إبرازِ حُبِّه، فيعظم (٦) اغتباطه بذلك. نعم يَنظر إلى مَن هو فوقه في الدِّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، رفعه: «خصلتان من كانتَا فيهِ كتبهُ اللهُ شاكرًا صابرًا: من نظرَ في دنياهُ إلى مَن هو دونهُ فحمدَ اللهَ عَلى ما فضَّلَهُ به عليهِ، ومَن نظرَ في دينِه إلى من هُو فوقَهُ فاقتدَى به».
(٣١) (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ).
стр. 11344
٦٤٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله بن عمرِو بن الحجَّاح المِنْقَريُّ -بكسر الميم وفتح القاف بينهما نون ساكنة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَعْدٌ) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين، ولأبي ذرٍّ: «جعد بن دينارٍ» (أَبُو عُثْمَانَ) الرَّازيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عثمان بن تميمٍ (العُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ممَّا تلقَّاه بلا واسطةٍ، أو بواسطةِ المَلَك، وهو الرَّاجح، أنَّه (قَالَ: قَالَ: إِنَّ اللهَ) (كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي: قدَّرهما في علمهِ على وَفْق الواقع، أو أمر الحفظةَ أن تكتبَ ذلك (ثُمَّ بَيَّنَ) أي: فصَّل (ذَلِكَ) الَّذي أجمله في قوله: «كتب الحسناتِ والسَّيِّئاتِ» بقوله: (فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) زاد خُريم بنُ فاتك في حديثه المرفوع المرويِّ في «سنن أحمد» (١) وصحَّحه ابن حبَّان: «يعلمُ الله أنَّه قد أشعرَ بها قلبه وحرصَ عليها» (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) بفتح الميم (كَتَبَهَا اللهُ) قدَّرها، أو أمرَ الملائكةَ (٢) الحفظةَ بكتابتها (لَهُ) أي: للَّذي همَّ (عِنْدَهُ) تعالى (حَسَنَةً كَامِلَةً) لا نقصَ فيها، فلا يتوهَّم نقصها لكونها نشأت عن الهمِّ المجرَّد، ولا يقال: إنَّ التَّعبير بـ «كاملة» يدلُّ على أنَّها تضاعف إلى عشرٍ؛ لأنَّ ذلك هو الكمال؛ لأنَّه يلزم منه مساواة من نَوى الخير بمَن فعله، والتَّضعيفُ مختصٌّ بالعامل، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والمجيءُ بها هو العمل بها، والعنديَّة هنا للشرف، ويُحتمل أن يكتبَها تعالى (٣) بمجرَّد الهمِّ وإن لم يعزمْ عليها زيادةً في الفضل، وقيل: إنَّما تُكتب (٤) الحسنة بمجرَّد الإرادة؛ لأنَّ إرادةَ الخير سببٌ إلى العملِ وإرادة الخير خيرٌ؛ لأنَّ إرادةَ
стр. 11345
الخير من عمل القلب، وقوله: «فلم يعملها» ظاهره حصول الحسنة بمجرَّد التَّرك لمانع أو لا، ويتَّجه أن يتفاوتَ عظم الحسنةِ بحسبِ المانع (١)، فإنْ كان خارجيًّا وقَصْدُ الَّذي همَّ مستمرٌّ فهي عظيمة القدر، وإن كان التَّرك من قِبل الَّذي همَّ (٢) فهي دون ذلك، فإن قَصَدَ الإعراضَ عنها جملةً، فالظَّاهر أن لا يُكتبَ له حسنةٌ أصلًا لا سيَّما إن عملَ بخلافها كأن همَّ أن يتصدَّق بدرهمٍ مثلًا فصرفه بعينه في معصيةٍ، فإن قلت: كيف اطَّلع (٣) المَلَك على قلبِ الَّذي يهمُّ به العبد؟ أُجيب بأنَّ الله تعالى يُطلعه على ذلك أو يخلق له علمًا يُدرك به ذلك، ويدلُّ للأوَّل حديث أبي عمران الجونيِّ -عند ابن أبي الدُّنيا- قال: «ينادي المَلَكَ: اكتب لفلانٍ كذا وكذا، فيقول: يا ربِّ إنَّه لم يعملْه، فيقول: إنَّه نواه» وقيل: بل يجدُ الملَكُ للهمِّ بالحسنة رائحة طيِّبةً، والسيِّئة رائحة خبيثةً (فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا) بالحسنة، وسقط لفظ «هو» لأبي ذرٍّ (فَعَمِلَهَا) بكسر الميم، ولأبي ذرٍّ: «وعملها» بالواو بدل الفاء (كَتَبَهَا اللهُ) قدَّرها، أو أمرَ الحفظة بكتابتها (لَهُ) للَّذي عملها (٤) (عِنْدَهُ) تعالى اعتناءً بصاحبها وتشريفًا له (عَشْرَ حَسَنَاتٍ) قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا أقلُّ (٥) ما وعدَ به من الأضعاف (إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ) بكسر الضاد، مِثْلٍ (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) بحسب الزِّيادةِ في الإخلاصِ وصِدق العزمِ، وحضور القلب، وتعدِّي النَّفع. قال في «الكشَّاف»: ومضاعفةُ الحسناتِ فضلٌ، ومكافأة (٦) السَّيِّئات (٧) عدلٌ، ونقل صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّجَّاج أنَّه قال: المعنى غامضٌ؛ لأنَّ المجازاةَ من الله تعالى على الحسنةِ بدخول الجنَّة شيءٌ لا يُبْلَغُ وصفُ مقداره، فإذا قال: عشر أمثالها، أو سبع مئة، أو أضعافًا كثيرةً، فمعناه: أنَّ جزاءَ الله تعالى على التَّضعيف للمِثل الواحد الَّذي هو النِّهاية في التَّقدير وفي