← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ) وهو السَّير الَّذي يُدْخَل فيه أصبع (١) الرِّجل، ويُطلق أيضًا على كلِّ سيرٍ وُقِيَ به القدم من الأرض (وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ). ٦٤٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) النَّهديُّ -بفتح النون- أبو حذيفة البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ) إذا أطاع ربَّه (مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ) إذا عصاه (مِثْلُ ذَلِكَ) فلا يزهدنَّ في قليلٍ من الخير، فلعلَّه يكون سببًا لرحمة الله به، ولا في قليلٍ من الشَّرِّ أن يجتنبَه، فربَّما يكون فيه سخط الله تعالى، أسألُ الله تعالى العافية. والحديثُ من أفراده. ٦٤٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عُبيدٍ العنَزيُّ -بفتح النون بعدها زاي- البصريُّ المعروف بالزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ) لبيدُ بن ربيعة العامريُّ، ثمَّ الكلابيُّ، ثمَّ الجعفريُّ، يُكنى أبا عقيلٍ، ذكره البخاريُّ وابن أبي خيثمة وغيرهما في الصَّحابة، سكن الكوفة ومات بها في خلافة عثمان، وعاش مئةً وخمسين سنةً، وقيل: أكثر (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ) أي: ما عداه تعالى وعدا صفاته الذَّاتيَّة والفعليَّة (بَاطِلُ) أي: هالكٌ، وكلُّ شيءٍ سوى الله جائزٌ عليه الفناء، وإن خُلق فيه البقاء بعد ذلك كالجنَّة والنَّار،

стр. 11342

وأَطلقَ البيت وأرادَ به البعض، فإنَّ الَّذي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر، وهو: وكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِلُ وفي رواية شريكٍ -عند مسلمٍ-: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العرب». ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ كلَّ شيءٍ (١) ما خلا الله في الدُّنيا الَّذي لا يؤولُ إلى طاعة الله، ولا يقرب منه، إذا كان باطلًا، يكون الاشتغالُ به مبعدًا من الجنَّة مع كونهَا أقرب إليه من شراك نعلهِ، والاشتغالُ بالأمورِ الَّتي هي داخلةٌ في أمرِ الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شراكِ نعلِه، قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنَّه من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطره. وقال في «فتح الباري»: مناسبةُ الحديث الثَّاني للتَّرجمة خفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنتْ ما في الحديثِ الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قَلَّتْ، والزَّجر عن المعصيةِ ولو قَلَّتْ، تضمَّنت (٢) أنَّ مَن خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ، كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغِي للعاقل أن يؤثرَ الفاني على الباقِي. والحديث سبق في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٤١]. (٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِيَنْظُرْ) أي: الإنسان (إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) من النَّاس في الدُّنيا (وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) فيها؛ ليشكرَ الله على ما أنعمَ به (٣) عليهِ. ٦٤٩٠ - وبه (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ

стр. 11343

أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (فِي المَالِ وَالخَلْقِ) بفتح الخاء المعجمة، أي: الصُّورة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه الأولاد والأتباع وكلُّ ما (١) يتعلَّق بزينةِ الحياة الدُّنيا. قال في «الفتح»: ورأيتُه في نسخةٍ معتمدةٍ من «الغرائب» للدَّارقطنيِّ: «والخُلُق» بضم المعجمة واللام (فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) فيهما، و «أسفل» بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع، ويجوزُ الرفع. وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمةَ الله (٢) عليكم»، وفي حديث عبد (٣) الله ابن الشِّخِّير رفعه: «أقِلُّوا الدُّخولَ على الأغنيَاء، فإنَّهُ أحرَى أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم (٤)» رواه الحاكم، والازدراء: الاحتقارُ والانتقاص، ولا ريب أنَّ الشَّخص إذا نظر إلى مَن هو فوقه لم يأمنْ أن يؤثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن يَنظر إلى مَن هو أسفلَ منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشُّكر. وقال ابن بطَّال: لا يكون أحدٌ على حالةٍ سيِّئةٍ من الدُّنيا إلَّا يجدُ من أهلها مَن (٥) هو أسوأُ حالًا منه، فإذا تأمَّل ذلك علِمَ أنَّ نعمةَ الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضَّل الله عليه بذلك من غير إبرازِ حُبِّه، فيعظم (٦) اغتباطه بذلك. نعم يَنظر إلى مَن هو فوقه في الدِّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، رفعه: «خصلتان من كانتَا فيهِ كتبهُ اللهُ شاكرًا صابرًا: من نظرَ في دنياهُ إلى مَن هو دونهُ فحمدَ اللهَ عَلى ما فضَّلَهُ به عليهِ، ومَن نظرَ في دينِه إلى من هُو فوقَهُ فاقتدَى به». (٣١) (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ).

стр. 11344

٦٤٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله بن عمرِو بن الحجَّاح المِنْقَريُّ -بكسر الميم وفتح القاف بينهما نون ساكنة- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَعْدٌ) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دال مهملتين، ولأبي ذرٍّ: «جعد بن دينارٍ» (أَبُو عُثْمَانَ) الرَّازيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عثمان بن تميمٍ (العُطَارِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ممَّا تلقَّاه بلا واسطةٍ، أو بواسطةِ المَلَك، وهو الرَّاجح، أنَّه (قَالَ: قَالَ: إِنَّ اللهَ) (كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي: قدَّرهما في علمهِ على وَفْق الواقع، أو أمر الحفظةَ أن تكتبَ ذلك (ثُمَّ بَيَّنَ) أي: فصَّل (ذَلِكَ) الَّذي أجمله في قوله: «كتب الحسناتِ والسَّيِّئاتِ» بقوله: (فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) زاد خُريم بنُ فاتك في حديثه المرفوع المرويِّ في «سنن أحمد» (١) وصحَّحه ابن حبَّان: «يعلمُ الله أنَّه قد أشعرَ بها قلبه وحرصَ عليها» (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) بفتح الميم (كَتَبَهَا اللهُ) قدَّرها، أو أمرَ الملائكةَ (٢) الحفظةَ بكتابتها (لَهُ) أي: للَّذي همَّ (عِنْدَهُ) تعالى (حَسَنَةً كَامِلَةً) لا نقصَ فيها، فلا يتوهَّم نقصها لكونها نشأت عن الهمِّ المجرَّد، ولا يقال: إنَّ التَّعبير بـ «كاملة» يدلُّ على أنَّها تضاعف إلى عشرٍ؛ لأنَّ ذلك هو الكمال؛ لأنَّه يلزم منه مساواة من نَوى الخير بمَن فعله، والتَّضعيفُ مختصٌّ بالعامل، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والمجيءُ بها هو العمل بها، والعنديَّة هنا للشرف، ويُحتمل أن يكتبَها تعالى (٣) بمجرَّد الهمِّ وإن لم يعزمْ عليها زيادةً في الفضل، وقيل: إنَّما تُكتب (٤) الحسنة بمجرَّد الإرادة؛ لأنَّ إرادةَ الخير سببٌ إلى العملِ وإرادة الخير خيرٌ؛ لأنَّ إرادةَ

стр. 11345

الخير من عمل القلب، وقوله: «فلم يعملها» ظاهره حصول الحسنة بمجرَّد التَّرك لمانع أو لا، ويتَّجه أن يتفاوتَ عظم الحسنةِ بحسبِ المانع (١)، فإنْ كان خارجيًّا وقَصْدُ الَّذي همَّ مستمرٌّ فهي عظيمة القدر، وإن كان التَّرك من قِبل الَّذي همَّ (٢) فهي دون ذلك، فإن قَصَدَ الإعراضَ عنها جملةً، فالظَّاهر أن لا يُكتبَ له حسنةٌ أصلًا لا سيَّما إن عملَ بخلافها كأن همَّ أن يتصدَّق بدرهمٍ مثلًا فصرفه بعينه في معصيةٍ، فإن قلت: كيف اطَّلع (٣) المَلَك على قلبِ الَّذي يهمُّ به العبد؟ أُجيب بأنَّ الله تعالى يُطلعه على ذلك أو يخلق له علمًا يُدرك به ذلك، ويدلُّ للأوَّل حديث أبي عمران الجونيِّ -عند ابن أبي الدُّنيا- قال: «ينادي المَلَكَ: اكتب لفلانٍ كذا وكذا، فيقول: يا ربِّ إنَّه لم يعملْه، فيقول: إنَّه نواه» وقيل: بل يجدُ الملَكُ للهمِّ بالحسنة رائحة طيِّبةً، والسيِّئة رائحة خبيثةً (فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا) بالحسنة، وسقط لفظ «هو» لأبي ذرٍّ (فَعَمِلَهَا) بكسر الميم، ولأبي ذرٍّ: «وعملها» بالواو بدل الفاء (كَتَبَهَا اللهُ) قدَّرها، أو أمرَ الحفظة بكتابتها (لَهُ) للَّذي عملها (٤) (عِنْدَهُ) تعالى اعتناءً بصاحبها وتشريفًا له (عَشْرَ حَسَنَاتٍ) قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا أقلُّ (٥) ما وعدَ به من الأضعاف (إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ) بكسر الضاد، مِثْلٍ (إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) بحسب الزِّيادةِ في الإخلاصِ وصِدق العزمِ، وحضور القلب، وتعدِّي النَّفع. قال في «الكشَّاف»: ومضاعفةُ الحسناتِ فضلٌ، ومكافأة (٦) السَّيِّئات (٧) عدلٌ، ونقل صاحب «فتوح الغيب» عن الزَّجَّاج أنَّه قال: المعنى غامضٌ؛ لأنَّ المجازاةَ من الله تعالى على الحسنةِ بدخول الجنَّة شيءٌ لا يُبْلَغُ وصفُ مقداره، فإذا قال: عشر أمثالها، أو سبع مئة، أو أضعافًا كثيرةً، فمعناه: أنَّ جزاءَ الله تعالى على التَّضعيف للمِثل الواحد الَّذي هو النِّهاية في التَّقدير وفي

стр. 11346

النُّفوس. قال الطِّيبيُّ: فعلى هذا لا يتصوَّر في الحسنات إلَّا الفضل (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا) بفتح الميم، خوفًا من الله تعالى، كما في حديثِ أبي هريرة من طريق الأعرج الآتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠١] (كَتَبَهَا اللهُ) (١)، قدَّرها، أو أمر الحفظة بكتابتها (لَهُ) للَّذي همَّ بها (عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) غير ناقصةٍ ولا مضاعفةٍ إلى العشر. وحديث ابن عبَّاسٍ هذا مُطلق قُيِّدَ (٢) بحديثِ أبي هُريرة، أو يقال: حسنة مَن ترك بغير استحضار الخوف دون حسنة الآخر، أو يحمل كتابة الحسنة على التَّرك أن يكون التَّارك قد قدِرَ على الفعل ثمَّ تركه؛ لأنَّ الإنسانَ لا يسمَّى تاركًا إلَّا مع القدرة، فإن حالَ بينه وبين حرصهِ على الفعل مانعٌ فلا. وذهبَ القاضي الباقلانيُّ وغيره إلى أنَّ مَن عزمَ على المعصيةِ بقلبه ووطَّن عليها نفسه أنَّه (٣) يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو عمَّن (٤) همَّ بسيِّئةٍ ولم يعملْها على الخاطر الَّذي يمرُّ بالقلب ولا يستقرُّ. قال الماورديُّ (٥): وخالفه كثيرٌ من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، ونقل ذلك عن نصِّ الشَّافعي ويدلُّ له (٦) حديثُ أبي هريرة عند مسلمٍ بلفظ: «فأنا أغفرها له ما لم يعملْها» فإنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالعمل هنا عملُ الجارحةِ (٧) بالمعصية المهموم بها. وتعقَّبه القاضي عيَّاضٌ بأنَّ عامَّة السَّلف على ما قاله ابنُ الباقلانيِّ؛ لاتِّفاقهم على المؤاخذةِ بأعمال القلوبِ، لكنَّهم قالوا: إنَّ العزم على السَّيِّئة يكتب سيِّئةً مجرَّدةً لا السَّيِّئة الَّتي همَّ أن يعملَها كمَن (٨) يأمرُ بتحصيلِ معصيةٍ، ثمَّ لا يفعلها بعد حصولها، فإنَّه يأثمُ بالأمر المذكور لا بالمعصيةِ، وقد تظاهرتْ نصوص الشَّريعة بالمؤاخذةِ على عزمِ القلب المستقرِّ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩].

стр. 11347

والحاصل: أنَّ كثيرًا من العلماء على المؤاخذةِ بالعزم المصمّم، وافترقَ هؤلاء فمنهم مَن قال: يُعاقب عليه في الدُّنيا بنحو الهمِّ والغمِّ، ومنهم مَن قال: يوم القيامة لكن بالعتابِ لا بالعقاب، واستثنى قومٌ ممَّن قال بعدم المؤاخذة (١) على الهمِّ بالمعصيةِ ما وقع بحرمِ مكَّة ولو لم يصمِّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] لأنَّ الحَرَمَ يجبُ اعتقاد تعظيمه، فمَن همَّ بالمعصية فيه فقد (٢) خالفَ الواجب بانتهاك حرمتهِ، وانتهاك حرمة الحرمِ بالمعصية يستلزمُ انتهاكَ حرمة الله على ما لا يخفَى، فصارتِ المعصية في الحرم أشدَّ من المعصيةِ في غيره، ومَن همَّ بالمعصيةِ قاصدًا الاستخفافَ بالحرم عصى، ومَن همَّ بمعصيةِ الله قاصدًا الاستخفافَ بالله تعالى كفرَ، وإنَّما العفو عند الهمِّ بالمعصية مع الذُّهول عن قصدِ الاستخفافِ. انتهى مُلخَّصًا من «الفتح». (فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا) أي: بالسَّيِّئة، وثبت لفظ: «هو» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (فَعَمِلَهَا) بكسر الميم (كَتَبَهَا اللهُ لَهُ) للَّذي عملها (سَيِّئَةً وَاحِدَةً) من غير تضعيفٍ، ولمسلمٍ من حديث أبي ذرٍّ: «فجزاؤه بمثلها أو أغفر (٣) له» وله في آخر حديث ابن عبَّاسٍ: «أو يمحها»، أي: يمحها بالفضل، أو (٤) بالتَّوبة، أو بالاستغفار، أو بعمل الحسنةِ الَّتي تُكفِّر السَّيِّئة، واستثنى بعضُهم وقوعَ المعصيةِ في حرم مكَّة لتعظيمِها، والجمهورُ على التَّعميم في الأزمنةِ والأمكنة لكن قد تتفاوتُ بالعِظَم. وفي الحديث بيان سَعَة فضل الله على هذه الأمَّة؛ إذ لولا ذلك كاد أن لا يدخلَ أحدٌ الجنَّة؛ لأنَّ عمل (٥) العبادِ للسَّيِّئات أكثر من عملِهم (٦) للحسناتِ. والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «القنوت والرِّقاق».

стр. 11348

(٣٢) (بابُ مَا يُتَّقَى) بضم أوله وفتح ثالثه، أي: ما يُجتنَب (مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ) بفتح القاف المشددة، وهي الَّتي يحتقرها فاعلُها. ٦٤٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية مشددة، ابن ميمونٍ الأزديُّ (عَنْ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية بوزن عجلان. قال في «المقدِّمة»: هو ابنُ جريرٍ. وقال في «الفتح»: هو ابن جامعٍ، والسَّند كلُّه بصريُّون. انتهى. وما في «المقدِّمة» هو الصَّواب، فإنَّ ابن جامعٍ وهو المحاربيُّ كوفيٌّ قاضيها، يروي عن قتادةَ وسماك وابن جريرٍ، وهو الأزديُّ المِعْوَليُّ بصريٌّ، يروي (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ) بلام التَّأكيد (أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ) بفتح الهمزة والدال المهملة وتشديد القاف، أفعلُ تفضيل من الدِّقة، بكسر الدال المهملة (١)، أي: أحقرُ وأهونُ (فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ) بفتح المعجمة والمهملة (إِنْ كُنَّا نَعُدُّ) «إن» مخفَّفة من الثَّقيلة، وحذف الضَّمير من «نعدُّ» واللام، وهو رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي. قال ابن مالكٍ (٢): جاز استعمال «إن» المخفَّفة بدون اللَّام الفارقة بينها وبين النَّافية (٣) عند الأمن من الالتباس، وللكُشميهنيِّ: «نعدُّها» أي: الأعمال، ولغيرهِ كما قال في «الفتح»: إنَّه للأكثر: «لنعدُّها» (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) أي: زمنه وأيَّامه، ولأبي ذرٍّ: «على عهدِ رسولِ الله» (¬ ﷺ المُوبِقَاتِ) بموحدةٍ وقاف، وللكُشميهنيِّ: «من الموبقات». (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (يَعْنِي بِذَلِكَ) أي: بالموبقات (المُهْلِكَاتِ) بكسر اللام، وسقط

стр. 11349

لفظ «بذلك» لأبي ذرٍّ. قال الكِرمانيُّ: ومعنى الحديث راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. انتهى. وقد جزعَ بعضُهم عند الموت، فقيل له في ذلك فقال: إنِّي (١) أخافَ ذنبًا لم يكن منِّي على بالٍ وهو عندَ الله عظيمٌ، وعن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ: «إنَّ الرَّجل ليعمل الحسنة فيثقُ (٢) بها، وينسى المحقَّرات، فيلقى الله وقد أحاطتْ به، وإنَّ الرَّجل ليعمل السَّيِّئة فلا يزالُ منها مشفقًا حتَّى يلقى الله آمنًا»، أخرجه أسدُ بن موسى في «الزُّهد». (٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ) جمع: خاتمةٍ، أي: الأعمال الَّتي يُختَمُ بها عمل الإنسان عند موتهِ (٣) (وَمَا يُخَافُ مِنْهَا) بضم التحتية وفتح المعجمةِ. ٦٤٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتَّحتية والمعجمة (الأَلْهَانِيُّ) بفتح الهمزة وسكون اللام وبعد الهاء (٤) ألف فنون (الحِمْصِي) بكسر المهملتين بينهما ميم ساكنة، وسقط قوله «الألهاني» وما بعده لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والمهملة المشددة، محمَّد بن مطرِّفٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ

стр. 11350

سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وهو في غزوة خَيبر (إِلَى رَجُلٍ) اسمه: قُزْمَان -بقاف مضمومة فزاي ساكنة فميم فألف فنون- (يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ) من يهود خيبر (وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ) بفتح الغين المعجمة وبعد النون ألف فهمزة، كفاية، وأغنى فلانٌ عن فلانٍ ناب عنه وجرى مجراهُ (فَقَالَ) ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) الرَّجل (فَتَبِعَهُ رَجُلٌ) اسمه: أكثمُ بن أبي الجُون (فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ) من قتال المشركين (حَتَّى جُرِحَ) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول، جرحًا شديدًا وجد ألمه (فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ. فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ) طرفه (فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ) اتَّكأ (عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ) السَّيف (مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ) فقتلَ نفسه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى) يظنُّ (النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) فيه أنَّ ظاهر الأعمال من السَّيِّئات والحسنات أماراتٌ وليس بموجباتٍ، فإنَّ مصيرَ الأمور في العاقبةِ إلى ما سبق به القضاءُ وجرى به (١) القَدَرُ في البدايةِ (وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا) هو تذييلٌ للكلام السَّابق مشتملٌ على معناه لمزيد التَّقرير، كقولهم: فلانٌ ينطق بالحقِّ والحقُّ أبلج، وفيه أنَّ العملَ السَّابق لا عبرةَ (٢) به، وإنَّما المعتبر العمل (٣) الَّذي خُتم به، وفيه حثٌّ على مواظبةِ الطَّاعات ومراقبة (٤) الأوقات، وعلى حفظِها عن معاصِي الله خوفًا أن يكون ذلك آخر عُمره، وفيه زجرٌ عن العُجْبِ (٥) والفرح بالأعمال، فرُبَّ متَّكلٍ هو مغرورٌ (٦)، فإنَّ العبدَ لا يدري ماذا يصيبه في العاقبةِ. والحديثُ سبق في «الجهاد» في «باب لا يقال: فلانٌ شهيدٌ» [خ¦٢٨٩٨] ويأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب القدر» [خ¦٦٦٠٧] بعون الله وتوفيقه.

стр. 11351

(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (العُزْلَةُ) أي: الانفراد (رَاحَةٌ مِنْ خُلَّاطِ السَّوءِ) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام، جمع: خليطٍ، وهو جمعٌ مُستغرب، و «السَّوء» بفتح السين (١). ٦٤٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا (٢) شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، أنَّه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) اللَّيثيُّ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ (حَدَّثَهُ قَالَ (٣): قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو الحافظ الفقيه الزَّاهد قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه (جَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: جاء» (أَعْرَابِيٌّ) لم أقفْ على اسمه، ولا يقال إنَّه أبو ذرٍّ، إذ لا يحسن أن يقال: إنَّه أعرابيٌّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ) ﷺ خيرهم: (رَجُلٌ جَاهَدَ) في سبيل الله (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) بكسر الشين المعجمة، فيهما طريقٌ في الجبل (يَعْبُدُ رَبَّهُ) فيه (وَيَدَعُ النَّاسَ) يتركهم (مِنْ شَرِّهِ) زاد مسلمٌ من وجهٍ آخر: «ويقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة حتَّى يأتيه اليقين» (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا (الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمَّد بن الوليد الشَّاميُّ، فيما رواه مسلمٌ (وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ)

стр. 11352

العبديُّ، فيما رواه أبو داود (وَالنُّعْمَانُ) بن راشدٍ الجزريُّ، فيما وصلَه أحمد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (وَقَالَ مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ يزيد (أَوْ) عن (عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين مصغَّرًا، ابن عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ، و «أو» للشَّكِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا أخرجهُ أحمدُ عن عبد الرَّزَّاق، وقال: يشكُّ أحمد. وأخرجهُ مسلمٌ عن عبد بن حميدٍ، عن عبد الرزَّاق (١)، عن معمرٍ، عن عطاءٍ بغير شكٍّ. (وَقَالَ يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالد بن مسافرٍ، فيما وصَله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (٢) (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ، فيما وصَله الذُّهليُّ أيضًا (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن يزيد (عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال الكِرْمانيُّ: لعلَّه أبو سعيدٍ الخدريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٦٤٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين قالَ: (حَدَّثَنَا المَاجِشُونُ) بكسر الجيم وضم الشين المعجمة ورفع النون، عبد العزيز بن عبد الله (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) هو عبد الرَّحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن أبي صعصعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) ولأبي الوقت زيادة: «الخدريِّ» (أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ خَيْرُ مَالِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ الغَنَمُ) فيه حذف تقديره: يكون فيه خير … إلى

стр. 11353

آخره، وسقط لفظ «الرَّجل» لأبي ذرٍّ (يَتْبَعُ) بسكون الفوقية (بِهَا) بالغنم (شَعَفَ الجِبَالِ) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء، رؤوس الجبال (وَمَوَاقِعَ القَطْرِ) بطون الأودية؛ إذ هُما أماكن الرَّعي (يَفِرُّ بِدِينِهِ) بسبب دينه (مِنَ الفِتَنِ) وفي قوله: «يأتي على النَّاس زمانٌ … » إلى آخره إشارةٌ إلى أنَّ خيريَّة العزلة تكون (١) في آخر الزَّمان، أمَّا زمنه ﷺ فكان الجهاد فيه مطلوبًا، وأمَّا بعده فيختلفُ (٢) باختلافِ الأحوالِ، كما يأتي ذِكره -إن شاء الله تعالى- بعون الله في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٨٨]، وقد قال أبو القاسم القشيريُّ ﵀: الخَلوة صفة أهل الصَّفوة، والعُزْلة من أماراتِ الوصلة، ولابدَّ للمريدِ -في ابتداءِ حاله من العزلةِ عن أبناءِ جنسهِ، ثمَّ في نهايتهِ- من الخَلوة لتحقُّقه بأُنسه (٣)، ومن حقِّ العبدِ إذا آثر العزلةَ أن يعتقدَ باعتزالهِ عن الخلق سلامة النَّاس من شرِّه. انتهى. وفي العزلةِ فوائد: التَّفرُّغ للعبادة وانقطاع طمع النَّاس عنه وعَتبهم عليه، والخَلاص من مشاهدةِ الثُّقلاء والحَمْقى، ويحصلُ بالمخالطةِ غالبًا الغيبة والرِّياء والمخاصمة وسرقة طبع (٤) الرَّذائلَ. قال الجنيد: مُكابدة العزلةِ أيسرُ من مداراةِ (٥) الخلطة. انتهى. وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ مُكابدة العزلة اشتغالٌ بالنَّفس خاصَّة وردٌّ لها (٦) عمَّا تشتهيهِ، بخلاف مُدَاراة الخلطة (٧) بالنَّاس مع اختلاف أخلاقهِم وشهواتهم وأغراضِهم، وما يبدو منهم من الأذى وما يحتاج إليه من الحلم والصَّفح. نعم قد تجبُ الخلطة لتحصيلِ علمٍ أو عملٍ. (٣٥) (بابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ) من النَّاس حتَّى يكون الأمين كالمعدومِ أو معدومًا.

стр. 11354

٦٤٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين (١) المهملة وتخفيف النون، العوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) العدويُّ مولاهم المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) ويقال له (٢): هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلالٍ، وقد يظنُّ ثلاثة وهو واحدٌ، وهو من صغار التَّابعين (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) مولى ميمونة بنت الحارث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ (٣): قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) بضم الضاد المعجمة وكسر التحتية المشددة، وهو جوابٌ عن سؤال الأعرابيِّ حيث قال: «متى السَّاعة؟» كما في الحديث المذكور في أوَّل «كتاب العلم» [خ¦٥٩] (قَالَ) الأعرابيُّ: (كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﵊: (إِذَا أُسْنِدَ) بضم الهمزة وسكون المهملة وكسر النون، أي: فُوِّض (الأَمْرُ) المتعلِّق بالدِّين كالخلافة والإمارة والقضاء وغيرها (إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ) قال في «الكواكب»: أتى بـ «إلى» بدل اللَّام؛ ليدلَّ على تضمينِ معنى الإسناد، أي: فوَّض المناصب، كما مرَّ (فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ) بالفاء (٤) للتَّفريع، أو جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا كان الأمرُ كذلك فانتظر السَّاعة. والحديثُ سبق في أوَّل «العلم» [خ¦٥٩].

стр. 11355

٦٤٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهرانٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيِّ، هاجر ففاتتْه رؤية النَّبيِّ ﷺ بأيَّامٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بنُ اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر نزولِ الأمانة، وفي ذكرِ رفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: أَنَّ الأَمَانَةَ) الَّتي هي ضدُّ الخيانة أو هي التَّكاليف (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة الأصل (ثُمَّ عَلِمُوا) بفتح العين وكسر اللام المخففة، بعد نزولها في أصل قلوبهم (مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) أي: أنَّ (١) الأمانة لهم بحسب الفِطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، والظَّاهر أنَّ المرادَ من الأمانة: التَّكليف الَّذي كلَّف الله تعالى به عبادهُ والعهد الَّذي أخذه عليهم، وقال صاحب «التَّحرير» (٢): المرادُ بها هنا: الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. قال في «فتوح الغيب»: شبَّه حالة الإنسان وهي ما كلَّفه من الطَّاعة بحالةٍ معروضة (٣) لو عُرضت على السَّموات والأرض والجبال لأبت حَملها وأشفقت منها؛ لعظمها وثِقل محملها (٤)، وحملها الإنسان على ضَعفه ورخاوة قوَّته، إنَّه ظلومٌ على نفسه، جاهلٌ بأحوالها، حيث قبل ما لم تُطق حمله هذه الأجرام العِظام، فقوله: «حملها» على حقيقتهِ، والمراد بالأمانة: التَّكليف.

стр. 11356

وروى محيي السُّنَّة: عَرض اللهُ الأمانةَ على أعيانِ السَّموات والأرض والجبال، فقال لهنَّ: أتحملنَ (١) هذه الأمانة بما فيها. قلنا: ما فيها؟ قال: إن أحسنتُنَّ جوزيتُنَّ، وإن عصيتُنَّ عوقبتُنَّ. قلنا: لا (٢) يا ربّ، لا نريدُ ثوابًا ولا عقابًا خشيةً وتعظيمًا لدين الله، و (٣) كان هذا العرض تخييرًا لا إلزامًا (٤). أو شُبِّهت هذه الأجرام -حال انقيادها وأنَّها لم تمتنعْ عن (٥) مشيئةِ الله وإرادتهِ إيجادًا وتكوينًا وتسويةً بهيئاتٍ مختلفةٍ- بحال مأمورٍ مُطيعٍ لا يتوقَّف عن (٦) الامتثالِ إذا توجَّه إليه أمرُ آمرهِ المُطاع كالأنبياء وأفرادِ المؤمنين، وعلى هذا فمعنى: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أنَّها بعدما انقادتْ وأطاعتْ ثبتتْ عليها، وأدَّت ما التزمتْ من الأمانةِ وخرجت عن عُهدتها سوى الإنسان، فإنَّه ما وَفَّى بذلك وخان (٧)، إنَّه كان ظَلومًا جَهولًا. وقال الزَّجَّاج: أعلمنا (٨) الله تعالى أنَّه ائتمنَ بني آدمَ على ما افترضَه عليهم من طاعتهِ، وائتمن السَّموات والأرض والجبال على طاعتهِ والخضوع له، فأمَّا هذه الأجرام فأطعنَ الله ولم تحملِ (٩) الأمانة، أي: أدَّتها، وكلُّ من خان الأمانةَ فقد احتملها. (وَحَدَّثَنَا) ﷺ (عَنْ رَفْعِهَا) أي: الأمانة (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ) بضم الفوقية وفتح الموحدة (مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالرفع (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو

стр. 11357

وبعد الكاف الساكنة فوقية، النُّقطة في الشَّيء من غيرِ لونه، أو هو السَّواد اليسير، أو اللَّون المُحدث المخالف للون الَّذي كان قبلَه (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) الأمانة (فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام، النُّفَّاخات الَّتي تخرج في الأيدِي عند كثرةِ العمل بنحو الفأس (كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضم الميم وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الموحدة، مفتعلًا، أي: مرتفعًا. وقال أبو عبيد: منتبرًا: منقطعًا (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) والمعنى: أنَّ الأمانةَ تزول عن (١) القلوبِ شيئًا فشيئًا، فإذا زال أوَّل جزءٍ منها زالَ نورها وخلفته ظلمةٌ كالوكتِ، وهو اعتراضُ (٢) لونٍ مخالفٍ (٣) للَّون الَّذي قبلَه، فإذا زال شيءٌ آخر صار كالمَجْل، وهو أثرٌ محكمٌ لا يكاد يزول إلَّا بعد مدَّةٍ، وهذه الظلمةُ فوق الَّتي قبلَها، وشبَّه زوال ذلك النُّور بعد وقوعهِ في القلب وخروجهِ بعد استقرارهِ فيه واعتقابِ الظُّلمة إيَّاه بجمرٍ يُدَحرجه (٤) على رجلهِ حتَّى يُؤثِّر فيها، ثمَّ يزولُ الجمر ويبقى النَّفط (٥)، قاله صاحب «التَّحرير» (٦). وذَكَر النَّفط اعتبارًا بالعضو، و «ثمَّ» في قوله: «ثمَّ ينام النَّومة» للتَّراخي في الرُّتبة وهي نقيضةُ «ثمَّ» في قوله: «ثمَّ عَلِموا من القرآن ما عَلِموا من السُّنَّة» (فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أحدهم» (يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمة الإيمان، وليس المراد هنا أنَّ الأمانة هي الإيمان. قال حذيفة: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا) ولأبي ذرٍّ: «ولا» (أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ) أي: مبايعة البيع والشِّراء (لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عليَّ الإِسْلَامُ) بتشديد ياء «عليَّ» وسقط «عليَّ» لغير أبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بالإسلام» (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) وإليه الَّذي أُقيم عليه بالأمانة، فيُنصفني منه ويستخرج

стр. 11358

حقِّي منه، أو المراد: الَّذي يتولَّى قبض الجزيةَ؛ يعني (١): أنَّه (٢) كان يُعامل مَن شاء غير باحثٍ عن حالهِ وثوقًا بأمانته، فإنَّه إن كان مسلمًا فدينُه يمنعُه من الخيانةِ، ويحملُه على أداءِ الأمانة (فَأَمَّا اليَوْمَ) فذهبتِ الأمانةُ فلست أَثق اليوم بأحدٍ أئتمنه (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل، وذكر (٣) النَّصرانيَّ على سبيل التَّمثيل، وإلَّا فاليهوديُّ أيضًا كذلك، كما صرَّح بهما في مسلمٍ. والحديثُ أخرجهُ بسنده ومَتنه في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٨٦]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان»، وكذا ابن ماجه. (قَالَ الفَِرَبْرِيُّ) محمَّدُ بن يوسف: (قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن حاتمٍ ورَّاق المؤلِّف، أي: الَّذي يكتب له كُتبه: (حَدَّثْتُ (٤) أَبَا عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ، وحذف ما حدَّثه به؛ لعدم احتياجهِ له إذ ذاك (فَقَالَ) البخاريُّ: (سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ) البلخيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ) بضم العين، هو القاسم بن سلَّامٍ (يَقُولُ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ) عبد الملك بن قُرَيْب (وَأَبُو عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العلاء القارئ (وَغَيْرُهُمَا) هو سفيان الثَّوريُّ، كما عند الإسماعيليِّ: (جَذْرُ قُلُوبِ الرِّجَالِ، الجَذْرُ: الأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) كذا فسَّروه لكنَّهم اختلفوا، فعند أبي عَمرٍو بكسر (٥) الجيم، وعند الأصمعيِّ بفتحها (٦) (وَالوَكْتُ: أَثَرُ الشَّيْءِ اليَسِيرُ مِنْهُ، وَالمَجْلُ: أَثَرُ العَمَلِ فِي الكَفِّ إِذَا غَلُظَ) وهذا كلام أبي عبيد أيضًا (٧)، وهذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي وحده.

стр. 11359

٦٤٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا النَّاسُ) في أحكام الدِّين سواءٌ، لا فضل فيها لشريفٍ على مشروفٍ، ولا لرفيعٍ على وضيعٍ (كَالإِبِلِ المِئَةُ) الَّتي (لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً) وهي الَّتي ترحل لتركب، والرَّاحلة: فاعلةٌ بمعنى مفعولة، والهاء فيها للمبالغةِ، أي: كلُّها حَمولة تصلح للحملِ ولا تصلح للرَّحل والرُّكوب عليها، أو (١) المعنى: أنَّ (٢) النَّاس كثيرٌ والمرضيُّ منهم قليلٌ، أو المعنى: أنَّ الزَّاهد في الدُّنيا الكامل فيه الرَّاغب في الآخرة قليل كقلَّة الرَّاحلة في الإبل، والعرب تقول للمئة من الإبل: إبلٌ، فيقولون (٣): لفلانٍ إبل، أي: مئة بعيرٍ، ولفلانٍ إبلان، أي: مئتان، ولمَّا كان لفظ مجرَّد الإبل ليس مشهور الاستعمال في المئة ذكر المئة للتَّوضيح، وقوله: «كالإبلِ المئة» فيه -كما قال ابنُ مالكٍ- النَّعت بالعددِ، وقد حكى سيبويه عن بعض العربِ: أخذوا من بني فلانٍ إبلًا مئة. ومناسبة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ النَّاس كثيرون والمرضيُّ منهم قليلٌ كالرَّاحلة في المئة من الإبل، وغير المرضيِّ هو مَن ضيَّع الفرائض، وقد فسَّر ابن عبَّاسٍ الأمانة بالفرائض. والحديث بهذا السَّند من أفرادهِ، ورواه مسلمٌ من طريق معمر، عن الزُّهريِّ بلفظ: «تجدون النَّاس كإبلٍ مئةٍ، لا يجد الرَّجل (٤) فيها راحلةً (٥)». (٣٦) (بابُ) ذمِّ (الرِّيَاءِ) وهو بكسر الراء وبعد التحتية المخففة ألف فهمزة، إظهار العبوديَّة

стр. 11360

للنَّاس ليحمدوه، والمرائي العابدُ، والمراءى له هو النَّاس، والمراءى به هو الخصال الحميدة، والرِّياء هو قصد إظهار ذلك (وَالسُّمْعَةِ) بضم السين المهملة وسكون الميم، وهو: التَّنويه بالعمل ليسمعه النَّاس، فمتعلَّق الرِّياء البصرُ، والسُّمعة السَّمعُ. ٦٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بضم الكاف وفتح الهاء، ابن يحيى الحضرميُّ من علماء الكوفة. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهيلٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَُبًا) بضم الجيم وسكون النون وضم المهملة وفتحها، ابن عبد الله البجليَّ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) قال سلمة بن كُهيلٍ: (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الصَّحابة (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَهُ) غير جندبٍ، أو مراده -كما قال الكِرمانيُّ-: ولم يبقَ من الصَّحابة حينئذٍ غيره في ذلك المكان، لكن تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه كان بالكوفةِ حينئذٍ أبو جُحيفةَ السَّوائيُّ وعبد الله بن أبي أوفى، وقد (١) روى سلمة عن كلٍّ منهما، فتعيَّن (٢) أن يكون مراده أنَّه لم يسمع منهما، ولا من أحدِهما، ولا من غيرهما ممَّن كان موجودًا من الصَّحابة بغير الكوفة بعد أن سَمِعَ من جندبٍ الحديث المذكور عن النَّبيِّ ﷺ

стр. 11361

شيئًا (فَدَنَوْتُ) قربت (مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ) بفتح المهملة والميم المشددة فيهما. قال الحافظ المنذريُّ، أي: مَن أظهر عمله للنَّاس رياءً أظهرَ الله نيَّته الفاسدة في عملهِ يوم القيامة وفضحَه على رؤوسِ الأشهادِ. وقال في «المصابيح»: هو على (١) المُجازاة من جنسِ العمل، أي: مَن شهَّر عمله سمَّعه الله ثوابه ولم يُعطه إيَّاه، وقيل: مَن أسمع النَّاسَ عملَه سمَّعهم الله إيَّاه، وكان ذلك حظَّه من الثَّواب، وقال غيره: أي: مَن قصد بعملهِ الجاهَ والمنزلةَ عند النَّاس ولم يُرِدْ به وجه الله، فإنَّ الله يجعله حديثًا عند النَّاس الَّذين (٢) أراد نيلَ المنزلة عندهم ولا ثوابَ له في الآخرة (وَ) كذلك (مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ) بضم التَّحتية وكسر الهمزة بعدها تحتية للإشباع فيهما، فلا يظفرُ من ريائه إلَّا بفضيحتهِ وإظهار ما كان يُبطنه (٣) من سوءِ الطَّويَّة، نعوذ بالله (٤) من ذلك، ولابن المبارك في «الزُّهد» من حديثِ ابن مسعودٍ: «مَن سمَّع سمَّع الله به، ومَن رايا رايا الله به، ومَن تطاولَ تعاظمًا (٥) خفضه الله، ومَن تواضعَ تخشُّعًا (٦) رفعه الله»، وفي حديث جابرٍ عند الطَّبرانيِّ من طريق محمَّد بن جُحادة، عن سلمةَ بن كهيلٍ في آخر هذا الحديث: «ومَن كان ذا لِسانين في الدُّنيا جعل الله له لِسانين من نار يوم القيامة». ولْيُعْلَم أنَّ الرِّياء يكون بالبدن كإطراقهِ رأسه ليُرى أنَّه مُتخشِّعٌ، والهيئة كإبقاء أثرِ السُّجود، والثِّياب كلبسه خَشِنَهَا وقصيرهَا (٧) جدًّا، والقول كالوعظِ وحفظِ علوم الجدلِ،

стр. 11362

وتحريك شفتيهِ بحضور النَّاس، وكلُّ واحدٍ منها (١) قد يراءى به باعتبار الدِّين وباعتبار الدُّنيا، وحُكم الرِّياء بغير العبادات حُكم طالب المال والجاه، وحُكم محض الرِّياء بالعبادةِ إبطالها، وإن اجتمعَ قصد الرِّياء وقصد العبادةِ أعطي الحكم للأقوى، فيحتملُ الوجهين (٢) في إسقاطِ الفرض به، والمُصرُّ (٣) على إطلاعِ الغير على عبادتهِ إن كان لغرضٍ دُنيويٍّ كإفضائهِ إلى الاحترامِ، أو شبهه فهو مذمومٌ، وإن كان لغرضٍ أُخروي كالفرحِ بإظهارِ الله جميله وسترِه قبيحه، أو لرجاء الاقتداءِ به فممدوحٌ، وعليه يُحمل ما يحدِّث (٤) به الأكابرُ من الطَّاعات، وليس من الرِّياء سترُ المعصية بل ممدوحٌ، وإن (٥) عَرض له الرِّياء في أثناءِ العبادة، ثمَّ زالَ قبل فراغها لم يَضرّ، ومتى عَلِم من نفسه القوَّة أظهر القُربة، وقد قيل: اعملْ ولو خفت عجبًا مستغفرًا منه. والحديث أخرجهُ مسلمٌ في آخر الكتاب، وابن ماجه في «الزُّهد»، والله الموفِّق. (٣٧) (بابُ) فضل (مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ) . ٦٥٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة، ابن الأسود

стр. 11363

القيسيُّ البصريُّ، ويقال له: هَدَّاب -بفتح أوله وتشديد ثانيه- قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينارٍ العَوْذِيُّ -بفتح العين المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ: «بينا» بإسقاطها (أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) راكبًا خلفه (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ) بمدِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة، و «الرَّحْل» بالحاء المهملة الساكنة، العود الَّذي يَستند إليه الرَّاكب من خلفه، وذكره للمبالغة في شدَّة قُربه ليكون أوقع في نفس سامعه أنَّه ضبطه، وفي رواية عَمرو بن ميمون عن معاذٍ: «كنتُ رِدْف النَّبيِّ ﷺ على حمارٍ يُقال له: عُفير … ». فيحتملُ أن يكون المراد بـ «آخرة الرَّحل»: موضع آخرة الرَّحل، للتَّصريح بأنَّه كان على حمارٍ (فَقَالَ لي: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) «لبَّيك» بالتَّثنية، أي: إجابةً بعد إجابةٍ، وهو نصب على المصدرِ (وَسَعْدَيْكَ) أي: ساعدت طاعتَك مساعدةً بعد مساعدةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ منصوبٌ أيضًا كـ «لبَّيك»، ولأبي ذرٍّ: «رسولَ الله» بحذف أداة النِّداء (ثُمَّ سَارَ) ﵊ (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَُ) بنَ جبلٍ (١) (قُلْتُ (٢): لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء كالثَّالثة (٣) (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً (٤)، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بتكرار ندائه ثلاثًا للتَّأكيد (قَالَ) ﷺ لي (٥): (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ) ، أي: ما يستحقُّه تعالى (عَلَى عِبَادِهِ) ممَّا حتَّمه عليهم؟ (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ) صلواتُ الله عليه وسلامه: (حَقُّ اللهِ) (عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ) بأنْ يُطيعوه ويجتنبُوا معاصيهِ (وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) عطف على السَّابق؛ لأنَّه تمام التَّوحيد، والجملة حاليَّة، أي: يعبدونَه في حالِ عدمِ (٦) الإشراك به (٧) (ثُمَّ سَارَ) ﵊ (سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) بحذف حرف النِّداء أيضًا

стр. 11364

(قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ) تعالى الَّذي وعدَهم به من الثَّواب والجزاء المتحقّق الثَّابت وقوعه؛ إذ (١) لا خُلْفَ لوعدهِ (إِذَا فَعَلُوهُ؟) أي: المذكور من العبادةِ وعدمِ الإشراك (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ) وفي رواية ابن حبانٍ من طريق عَمرو بن ميمون: «أنْ يغفرَ لهم ولا يعذِّبهم»، وفي رواية أبي عثمان: «يدخلَهم الجنَّة» أي: لا يعذِّبهم إذا اجتنبوا الكبائرَ والمناهِي وأتوا بالمأموراتِ. والحديث هنا رواه همَّامٌ عن أنسٍ عن معاذ، فهو من مسند معاذٍ (٢)، وخالفه هشامٌ الدَّستَُوائيُّ عن قتادةَ فقال: عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، فيكون من مسند أنسٍ (٣). قال في «الفتح»: والمعتمد الأوَّل، وهو من الأحاديث الَّتي أخرجها البخاريُّ في ثلاثةِ مواضع عن شيخٍ واحدٍ، بسندٍ واحدٍ، وهي قليلةٌ جدًّا في كتابه، وأضافَ إليه في «الاستئذان» [خ¦٦٢٦٧] موسى بنَ إسماعيل، وقد تتبَّع بعضُهم ما أخرجَهُ في موضعٍ واحدٍ فبلغَ عدَّتها زيادة على العشرين، وفي (٤) بعضها تصرَّف في المتن بالاختصار منه (٥). ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ فيه مجاهدة النَّفس في التَّوحيد، وجهاد المرء نفسه هو الجهادُ الأكبر، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] أي: علم أنَّ له مقامًا يوم القيامة لحساب ربِّه، ونهى النَّفس الأمَّارة بالسُّوء عن الهوى المردي (٦)، أي: زجرها عن اتِّباع الشَّهوات، فالمجاهدة تُزيل الأخلاقَ الذَّميمة، وتحصِّلُ الأخلاقَ الحميدةَ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أي: مناهجنَا الحميدة، وأصلُ المجاهدةِ (٧) ومَلاكها (٨) فطمُ النَّفس عن المألوفاتِ، وحملها على

стр. 11365

خلافِ هواهَا في عُمومِ الأوقات. قال أبو عليٍّ الدَّقَّاق: من زيَّن ظاهره بالمجاهدةِ، حسَّن الله سرائرهُ بالمشاهدةِ. والحديثُ سبق في «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٧] وغيره (١) [خ¦٢٨٥٦] [خ¦٦٢٦٧] [خ¦٦٥٠٠]. (٣٨) (بابُ) فضل (التَّوَاضُعِ) بضم المعجمة، وهو من الضِّعة -بكسر أوَّله- وهي الهوان، والمرادُ به إظهار التَّنزُّل (٢) عن المرتبة لمن يُراد تعظيمه. وقال الجنيدُ: هو خفض الجناح ولين الجانب. وفي حديث أبي سعيدٍ رفعه: «مَن تواضعَ للَّهِ رفعَهُ اللهُ حَتَّى يجعَلهُ في أَعلى علِّيين» أخرجهُ ابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان، وفي حديث أبي هريرة عند مسلمٍ والتِّرمذيِّ مرفوعًا: «وما تواضَعَ أحدٌ للَّهِ إلَّا رفعَهُ»، وفي حديث عياض بن حمار رفعه: «إنَّ اللَّه تعالى أوحَى إليَّ أن تواضعُوا حتَّى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ» أخرجهُ مسلمٌ وأبو داود. ٦٥٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي وفتح الهاء، ابن معاوية قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَاقَةٌ. قَالَ) البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو: ابنُ سَلَامٍ -كما جزم به الكلاباذيُّ- قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزاي المخففة وبعد الألف راء مكسورة، مروان بن معاوية (وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيَّان -بالمهملة والتحتية المشددة- الأزديُّ كلاهما (عَنْ

стр. 11366

حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُسَمَّى العَضْبَاءَ) بفتح المهملة وسكون المعجمة بعدها موحدة ممدودة (١)، وصفٌ للمشقوقة الأُذن لكن (٢) ناقته ﷺ لم تكن مشقوقة الأُذن لكنَّه صار لقبًا لها (وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ) بضم الفوقية وفتح الموحدة (فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ) بفتح القاف، بَكْرٍ له من الإبل أمكن ظهره من الرُّكوب (فَسَبَقَهَا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ) بضم السين، و «العضباءُ» رفع (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ) بتشديد النون (أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا) ولأبي ذرٍّ: «أن لا يُرفع» مبنيًّا للمفعول «شيءٌ» (مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ) وفي بعض طرقِ الحديث (٣) عند النَّسائيِّ: «حقٌّ على الله أن لا يَرفع شيءٌ نفسَه في الدُّنيا إلَّا وضعه»، وبه تحصلُ (٤) المطابقةُ بين الحديثِ والتَّرجمة؛ إذ فيه الحضُّ على التَّواضع وذمِّ التَّرفُّع. وحديثُ الباب سبق في «باب ناقة النَّبيِّ (٥) ﷺ » من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٨٧٢]. ٦٥٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْن كَرَامة) بفتح الكاف وتخفيف الرَّاء، العِجْليُّ -بكسر العين المهملة وسكون الجيم- الكوفيُّ، وثبت: «ابن كرامة» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، القطوانيُّ الكوفيُّ

стр. 11367

قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو أيُّوب التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النون وكسر الميم، القُرشيُّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ يسارٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ) (قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) فعيلًا بمعنى مفعول، وهو مَن يتولَّى الله أمرَه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ولا يَكِلُه إلى نفسه لحظة، بل يتولَّى الحقُّ رعايتَه، أو هو فعيل مُبالغة من الفاعل، وهو الَّذي يتولَّى عبادةَ الله وطاعته (١)، فعباداته تجري على التَّوالي من غير أن يتخلَّلها عصيانٌ، وكِلا الوصفين واجبٌ حتَّى يكون الوليُّ وليًّا بحسب قيامه بحقوقِ الله على الاستقصاءِ والاستبقاء، ودوام حفظ الله إيَّاه في السَّرَّاء والضَّرَّاء، ومن شرط الوليِّ أن يكون محفوظًا كما أنَّ من شرط النَّبيِّ أن يكون معصومًا، فكلُّ مَن كان للشَّرع عليه اعتراضٌ، فهو مغرورٌ مُخادعٌ. قال القُشيريُّ: والمراد بكون الوليِّ محفوظًا أن يحفظَه الله تعالى من تماديهِ في الزَّلل والخطأ إنْ وقع فيهما بأن يُلهمَه التَّوبة فيتوبُ منهما، وإلَّا فهما لا يقدحانِ في ولايتهِ. وقوله: «لي» هو في الأصل صفةٌ لقوله: «وليًّا» لكنَّه لمَّا تقدَّم صار حالًا، وفي رواية أحمد: «مَن آذى لي وليًّا» (فَقَدْ آذَنْتُهُ) بمدِّ الهمزة وفتح المعجمة وسكون النون، أي: أعلمتهُ (بِالحَرْبِ) أي: أعملُ به ما يعمله العدوُّ المحاربُ من الإيذاءِ ونحوه، فالمراد لازمه، وفيه تهديدٌ شديدٌ؛ لأنَّ مَن حاربَه أهلكَه. قال الفَاكهانيُّ: وهو من المجاز البليغ؛ لأنَّ مَن كره مَن (٢) أحبَّ الله خالفَ الله، ومَن خالف الله عَانده، ومَن عانده أهلكَه، وإذا ثبتَ هذا في جانب المُعاداة ثبت ضدُّهُ في جانبِ الموالاةِ، فمَن والى أولياءَ الله أكرمَه الله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بحربٍ» بإسقاط الألف واللام (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «عبد» بحذف التَّحتية (بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ) بفتح «أحبَّ» صفة لقوله: «بشيءٍ» فهو مفتوحٌ في موضع جرٍّ، وبالرَّفع بتقدير: هو أحبُّ إليَّ (مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) سواءٌ كان عينًا أو كفايةً، وظاهر قوله: «افترضتُه» الاختصاص بما ابتدأ الله فرضِيته، وهل يدخل ما أوجبه (٣)

стр. 11368

المُكلَّف على نفسهِ (١) (وَمَا يَزَالُ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما زال» (عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ) مع الفرائض كالصَّلاة والصِّيام (حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ) ولأبي ذرٍّ: «حتَّى أحببته فكنت» (سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا) بضم (٢) الطاء في «اليونينيَّة»، وبكسرها في غيرها (وَرِجْلَهُ الَّتِي (٣) يَمْشِي بِهَا) وزاد عبدُ الواحد بن ميمون عن عروة عن عائشة -عند أحمد والبيهقيِّ في «الزُّهد» -: «وفُؤادَهُ الَّذي يعقلُ به، ولسانَهُ الَّذي يتكلَّمُ به». وفي حديث أنسٍ: «ومَن أحببتُه كنتُ له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيِّدًا»، هو مجازٌ وكنايةٌ عن نصرة العبد وتأييدِه وإعانته حتَّى كأنَّه سبحانه يُنزِّل نفسه من عبده منزلةَ الآلات الَّتي يستعين بها، ولذا (٤) وقع في رواية: «فبي يسمعُ، وبي يبصرُ، وبي يبطشُ، وبي يمشي» قاله الطُّوفيُّ (٥)، أو أنَّ (٦) سمعَه بمعنى مسموعهِ؛ لأنَّ المصدر قد جاء بمعنى المفعول مِثل: فلان أَمَلِي، بمعنى مأمولي، والمعنى: أنَّه لا يسمع إلَّا ذِكري، ولا يلتذُّ إلَّا بتلاوةِ كتابي، ولا يأنسُ إلَّا بمُناجاتي، ولا ينظرُ إلَّا في عجائبِ مَلكوتي، ولا يمدُّ يدَه إلَّا فيما فيهِ رضاي ورِجلُه كذلك، قاله الفاكهانيُّ. وقال الاتِّحاديَّة: إنَّه على حقيقتهِ، وإنَّ الحقَّ عينُ العبد مُحتجِّين بمجيءِ جبريل في صورةِ دِحيةً، وللشيخ قطب الدِّين القسطلانيِّ كتاب بديع في الرَّدِّ على أصحاب هذه

стр. 11369

المقالةِ أثابه الله. وعن أبي عثمان الحيريِّ أحد أئمَّة الصُّوفيَّة ممَّا أسندَه عنه البيهقيُّ في «الزُّهد» قال: معنى الحديث: كنتُ أسرع إلى قضاءِ حوائجهِ من سمعهِ في الاستماع، وعينهِ في النَّظر، ويده في اللَّمس، ورِجله في المشي (وَإِنْ سَأَلَنِي) زاد عبدُ الواحد: «عبدي» (لأُعْطِيَنَّهُ) ما سأل (وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي) بالنون بعد الذَّال المعجمة في الفرع كأصلهِ وبالموحدة في غيرهما (لأُعِيذَنَّهُ) أي: ممَّا يخافُ. وفي حديث أبي أُمامة عند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «الزُّهد»: «وإذا استنصرَني نصرتُه». وفي حديث حُذيفة عند الطَّبرانيِّ: «ويكون من أوليائِي وأصفيائِي، ويكون جاري مع النَّبيين والصِّدِّيقين والشُّهداء في الجنَّة» (وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ) أي: ما رددت رُسلي في شيءٍ أنا فاعلُه كترديدِي إيَّاهم في نفس المؤمن، كما في قصَّة موسى ﵇ وما كان من لَطمه عين ملَكِ الموت وتردُّده إليه مرَّةً بعد أُخرى، وأضافَ تعالى ذلك لنفسه؛ لأنَّ تردُّدَهم عن أمرهِ (يَكْرَهُ المَوْتَ) لِمَا فيه من الألمِ العظيم (وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) بفتح الميم والمهملة بعدها همزة ففوقية (١). وقال الجنيدُ: الكراهة هنا لِمَا يَلقى المؤمنُ من الموت وصعوبتهِ، وليس المعنى أنِّي أكره له الموت؛ لأنَّ الموتَ يُورده إلى رحمة الله تعالى ومغفرتهِ (٢). وقال غيره: لمَّا

стр. 11370

كانت مُفارقة الرُّوح الجسدَ (١) لا تحصلُ له (٢) إلَّا بألمٍ عظيمٍ جدًّا، والله تعالى يكرهُ أذى المؤمن أطلقَ على ذلك الكراهة، ويحتملُ أن تكون المساءةُ بالنِّسبة إلى طولِ الحياة؛ لأنَّها تؤدِّي إلى أرذلِ العمر، وتنكيسِ الخَلْق والرَّدِّ إلى أسفل سافلين، وفي ذلك دَلالةٌ على شرفِ الأولياء ورفعةِ منزلَتهم حتَّى لو تأتَّى أنَّه تعالى (٣) لا يُذيقهم الموت الَّذي حتَّمه على عباده لفَعَلٍ، ولهذا المعنى ورد لفظ التَّردُّد، كما أنَّ العبد إذا كان له أمرٌ لابدَّ له أن يفعلَه بحبيبهِ لكنَّه يؤلمهُ فإن (٤) نظرَ إلى أَلمه انكفَّ عن الفعل، وإن نظرَ إلى أنَّه لا بدَّ له منه لمنفعتهِ (٥) أَقدم عليه، فيُعبّر عن هذه الحالة في قلبه بالتَّردُّد، فخاطب الله الخَلق بذلك على حسبِ ما يعرفون (٦)، ودلَّهم به على شرفِ الوليِّ عندهُ ورفعة درجتهِ. وهذا الحديث في سندهِ خالد بن مخلدٍ القطوانيُّ، قال الذَّهبيُّ في «الميزان»: قال أبو داود: صدوقٌ، وقال أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم: يكتبُ حديثُه ولا يحتجُّ به، وقال ابنُ سعدٍ: منكر الحديثِ مفرطُ التَّشيُّع، وذكره ابن عُدي ثمَّ ساق له عشرة أحاديث استنكرها، وممَّا انفردَ به ما رواه البخاريُّ في «صحيحه» عن ابن (٧) كرامةَ عنه. وذكر حديث الباب: «من عادى لي وليًّا … » إلى آخره، ثمَّ قال: فهذا حديثٌ غريبٌ جدًّا لولا هيبة «الجامع الصَّحيح» لعدُّوه في مُنكرات خالد؛ وذلك لِغرابة لفظه، ولأنَّه ممَّا تفرَّد به شريكٌ وليس بالحافظ، ولم يُروَ هذا المتنُ إلَّا بهذا الإسناد، ولا خرَّجه من عدا البخاريِّ، ولا أظنُّه في «مسند أحمد». انتهى. وتعقَّبه الحافظُ ابن حجرٍ فقال: إنَّه ليس في «مسند أحمد» جزمًا، وإطلاق أنَّه لم يُروَ إلَّا بهذا الإسناد مردودٌ، و (٨) بأنَّ شريكًا شيخَ شيخِ خالد فيه مقال أيضًا، لكن للحديثِ طُرقٌ يدلُّ مجموعها على أنَّ له أصلًا منها عن عائشة أخرجه أحمد في «الزُّهد» وابن أبي الدُّنيا وأبو نُعيم

стр. 11371

في «الحلية» والبيهقيُّ في «الزُّهد» من طريقِ عبد الواحدِ بن ميمون عن عروةَ عنها. وذكر ابنُ حبَّان وابن عديٍّ أنَّه تفرَّد به. وقد قال البخاريُّ: إنَّه مُنكر الحديث. لكن أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق يعقوبَ بن مجاهدٍ، عن عروة، وقال: لم يروه عن عروةَ إلَّا يعقوب وعبد الواحد. ومنها عن أبي أمامة أخرجه الطَّبرانيُّ والبيهقيُّ في «الزُّهد» بسندٍ ضعيفٍ. ومنها عن عليٍّ عند الإسماعيليِّ في مسند عليٍّ. وعن ابن عبَّاسٍ أخرجه الطَّبرانيُّ وسندهُ ضعيفٌ. وعن أنسٍ أخرجه أبو يعلى والبزَّار والطَّبرانيُّ وفي سندهِ ضعف. وعن حذيفة أخرجه الطَّبرانيُّ مختصرًا وسنده حسنٌ غريبٌ. وعن معاذ بن جبلٍ أخرجه ابن ماجه وأبو نُعيم في «الحلية» مختصرًا وسنده ضعيفٌ أيضًا. وعن وهب بن منبِّه مقطوعًا أخرجه أحمد في «الزُّهد» وأبو نُعيم في «الحلية». انتهى. ومناسبةُ الحديث للتَّرجمة تستفادُ من لازم قوله: «من عادى لي وليًّا» لأنَّه يقتضِي الزَّجر عن مُعاداة الأولياء المُستلزم لموالاتهِم، وموالاةُ جميع الأولياء لا تتأتَّى إلَّا بغايةِ التَّواضع؛ إذ منهم الأشعث الأغبر الَّذي لا يُؤبه له، أو أنَّ التَّقرُّب بالنَّوافل لا يكون إلَّا بغاية التَّواضع للهِ والتَّذلُّل له تعالى. (٣٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ) بالنصب (كَهَاتَيْنِ) أي (١): كما بين هاتين الأصبعين السَّبَّابة والوسطَى، وقوله تعالى: (﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾) أي: وما أمرُ قيام السَّاعة في سرعتهِ وسهولتهِ (﴿إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾) إلَّا كرجع الطَّرف من أعلى الحدقةِ إلى أسفلها (﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾) أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآنِ الَّذي يبتدئ فيه، فإنَّه تعالى يُحيي الخلائقَ دفعةً، وما يوجد دفعة كان في آنٍ، و «أو» للتَّخيير (٢) بمعنى «بل»، قاله البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ. وتعقَّبه أبو حيَّان بأنَّ الإضراب على قسمين، وكلاهما لا يصحُّ هنا، أمَّا أحدُهما بأن (٣) يكون إبطالًا

стр. 11372

للإسناد السَّابق، وأنَّه ليس هو المراد، فهذا (١) يستحيلُ هنا لأنَّه يؤول إلى إسنادٍ غير مطابقٍ. والثَّاني: أن يكون انتقالًا من شيءٍ إلى شيءٍ من غير إبطالٍ لذلك (٢) الشَّيء السَّابق، وهذا مستحيلٌ هنا أيضًا؛ للتَّنافي الَّذي بين الإخبار بكونهِ مثل لمحِ البصر في السُّرعة والإخبار بالأقربيَّة، فلا يمكنُ صدقهما معًا. انتهى. وقيل (٣): المعنى: أنَّ قيام السَّاعة وإن تراخَى فهو عند الله كالشَّيء الَّذي يقولون فيه: هو كلمحِ البصر، أو هو أقربُ مبالغةً في استقرابهِ (﴿إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]) وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله «﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ … » إلى آخره. وقال بعد قوله: ﴿إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: «الآية». ٦٥٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن محمَّد بنِ الحكم بنِ أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والمهملة، محمَّد بن مُطرِّفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء والزاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بُعِثْتُ) بضم الموحدة (أَنَا وَالسَّاعَةُ) بالرفع في الفرعِ كأصله. قال القاضِي عياضٌ: عطف على الضَّمير المجهول في «بُعثت». وقال أبو البقاء العكبريُّ في إعرابِ «المسند»: بالنَّصب، والواو بِمَعْنَى «مع». قال: ولو قُرئ بالرَّفع لفسدَ المعنى؛ لأنَّه لا يُقال: بُعِثَتِ السَّاعةُ، ولا هو في موضعِ المرفوع؛ لأنَّها لم توجد بَعْدُ، وأُجيب بأنَّها نُزِّلَتْ منزلة الموجودة مبالغةً في تحقُّق مجيئها، وأجازَ غيره الوجهين، بل جزمَ القاضي عياضٌ بأنَّ الرَّفع أحسن لِمَا مرَّ، والمعنى: بعثتُ ويوم القيامة (هَكَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «كهاتين»

стр. 11373

(وَيُشِيرُ) ﷺ (بِإِصْبَعَيْهِ) السَّبَّابة والوسطى (فَيَمُدُّ بِهِمَا) ليُميِّزهما عن سائرِ الأصابع، ولأبي ذرٍّ: «فيَمُدُّهما» بإسقاط الموحَّدة، وفي رواية سفيان، عن أبي حازمٍ -في «اللِّعان» [خ¦٥٣٠١]-: «وقرنَ (١) بين إصبعيهِ السَّبَّابة والوسطى». وفي روايةِ أبي ضمرةَ، عن أبي حازمٍ -عند ابن جريرٍ-: «وضمَّ بين إصبعيهِ الوسطى والَّتي تلي الإبهام»، وقال: «مَا مثلِي ومثلُ السَّاعةِ إلَّا كفرسَي رهانٍ» وعند أحمد والطَّبرانيِّ بسندٍ حسنٍ في حديث بُريدة: «بعثتُ أنا والسَّاعةُ إنْ كادَت لتسبقَني». ٦٥٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ، وزاد غير أبي ذرٍّ: «هُوَ الجُعْفِيُّ» -بضم الجيم وسكون العين المهملة- قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، ابن حازمٍ الأزديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاجٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (وَأَبِي التَّيَّاحِ) بفتح الفوقية والتحتية المشددتين وبعد الألف حاء مهملة، يزيد (٢) من الزِّيادة، الضَّبُعِيِّ -بالضاد المعجمة المفتوحة وضم الموحدة بعدها مهملة مكسورة- كلاهما (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)

стр. 11374

أنَّه (قَالَ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ) أي: معها، ولأبي ذرٍّ: «أنا والسَّاعة» (كَهَاتَيْنِ) و (١) في مسلمٍ من طريق خالد بن الحارث، عن شُعبة: «هكذا، وقَرَن شُعبة المُسبِّحة والوسطى». ولمسلمٍ أيضًا من طريق غندرٍ عن شُعبة، عن قتادة، قال شُعبة: وسمعت قتادةَ يقول في قَصصهِ: كفضلِ إحداهما على الأخرى، فلا أدري أَذكره عن أنسٍ، أو قاله قتادة، أي: من قِبل نفسه. قال القاضِي البيضاويُّ: معنى الحديث: أنَّ نسبةَ تقدُّم بعثته ﷺ على قيام السَّاعة كنسبةِ فضلِ إحدى الإصبعين على الأُخرى. وقال التُّوربشتيُّ: ويحتمل وجهًا آخر، وهو: أن يكون المراد منه: ارتباط دعوتهِ بالسَّاعة لا تفترق إحداهما عن الأُخرى، كما أنَّ السَّبَّابة لا تفترقُ عن الوسطى، وقال الطِّيبيُّ: قوله: «كفضلِ إحداهما» بدل من قوله: «كهاتين»، وموضِّحٌ له، وهو يؤيِّد الوجه الأوَّل، والرَّفع على العطف، والمعنى: بعثتُ أنا والسَّاعةُ بعثًا مُتفاضِلًا مِثلَ فضلِ إحداهما على الأُخرى، ومعنى النَّصب لا يستقيمُ على هذا (٢). انتهى. وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الفتن». ٦٥٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) أبو زكريَّا الزَّمِّي (٣)

стр. 11375

قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو بَكْرٍ) هو ابنُ عيَّاشٍ، بالتحتية المشددة آخره شين معجمة (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (١) (قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» (كَهَاتَيْنِ. يَعْنِي: إِصْبَعَيْنِ) وعند الطَّبريِّ: عن هنَّاد بن السَّري، عن أبي بكر بن عيَّاشٍ: «وأشار بالسَّبَّابة والوسطى». بدل قوله: «يعني: إصبعين» (تَابَعَهُ) أي: تابع أبا بكرٍ (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) يعني: سندًا ومتنًا، وقد وصلها الإسماعيليُّ. قال الكِرمانيُّ: قيل: هو إشارة إلى قُرب المجاورة، وقيل: إلى تقَارُب ما بينهما طولًا، وفضل الوسطى على السَّبَّابة؛ لأنَّها أطولُ منها بشيءٍ يسيرٍ (٢)، فالوجه الأوَّل بالنَّظر إلى العرض، والثَّاني بالنَّظر إلى الطُّول، وقيل: أي: ليس بينه وبين السَّاعة نبيٌّ غيره مع التَّقريب لحينها. انتهى. والَّذي يتَّجه القول بأنَّه إشارة إلى قُرب ما بينهما، ولو كان المراد قُرب المجاورة لقامتِ السَّاعة؛ لاتِّصال إحدى الإصبعين بالأُخرى. وقال السَّفاقسيُّ: قيل: قوله: «كما بين السَّبَّابة والوسطى» أي: في الطُّول، وقال في «المفهم»: على رواية نصب «والسَّاعةَ» يكون التَّشبيه وقع بالانضمامِ، وعلى الرَّفع بالتَّفاوت. وفي «تذكرة القُرطبي»: المعنى: تقريب أمر السَّاعة. قال: ولا مُنافاةَ بينه وبين قولهِ في الحديثِ الآخر: «ما المسؤولُ عنها بأعلَم من السَّائلِ» فإنَّ المراد بحديثِ الباب أنَّه ليس بينه وبينها نبيٌّ، كما ليسَ بين السَّبَّابة والوسطى (٣) إصبعٌ أُخرى، ولا يَلزم منه علم وقتها بعينه، نعم سياقه يُفيد قُربها وأنَّ (٤) أشراطَها متتابعةٌ. وقال الضَّحَّاك: أوَّل أشراطِها بعثةُ محمَّد ﷺ ، وقد قيل: إنَّ نسبةَ ما بين الإصبعين

стр. 11376

كنسبةِ ما بقي من الدُّنيا إلى (١) ما مضى، وأنَّ جُملتها سبعة آلاف سنةٍ، كما قال ابن جريرٍ في «مقدمة تاريخه» عن ابن عبَّاسٍ، من طريق يحيى بن يعقوب، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبيرٍ، عنه: «الدُّنيا جُمُعَةٌ من جُمَعِ الآخرة سبعةُ آلاف سنة». بالموحدة بعدها عين مهملة، وقد مضى ستَّة آلاف ومئة سنةٍ، ويحيى هو القاضي الأنصاريُّ، قال البخاريُّ: مُنكر الحديث، وشيخه هو فقيه الكوفة، وفيه مقالٌ. وفي حديثِ أبي داود: «واللهُ لا يُعجِزُ هذهِ الأمَّةَ من نصفِ يومٍ» ورُواته ثقات، لكن رجَّح البخاريُّ وقفَه. وعند أبي داودٍ أيضًا مرفوعًا: «لأرجُو أن لا يعْجِزَ أمَّتي عندَ ربِّها أن يؤخِّرهُم نصفَ يومٍ» وفسَّره بخمس مئة سنةٍ، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقي نصف سُبْعٍ، وهو قريب ما بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول، لكنَّ الحديث وإن كان رُواته موثَّقين إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، وقد ظهرَ عدم صحَّة ذلك على ما لا يخفى؛ لوقوع خلافه ومُجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتًا لم يقعْ خلافه. وقال ابن العربيِّ: قيل: الوسطى تزيد على السَّبَّابة نصف سُبُعِها، وكذلك الباقي من الدُّنيا من البعثة إلى قيام السَّاعة، وهذا بعيدٌ ولا يُعْلَمُ (٢) مقدارُ الدُّنيا، فكيف يتحصَّل لنا نصفُ سُبُعِ أَمَدٍ مجهولٍ؟!

стр. 11377

وفي «الصَّحيحين» من حديثِ ابن عمر مرفوعًا [خ¦٣٤٥٩] «أجَلكُم فِي أجلِ من كانَ قبلكُم من صلَاةِ العصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ» وعند أحمد -بسندٍ حسنٍ- من طريق مجاهدٍ، عن ابن عمر: «كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ والشَّمس على قُعَيْقِعَان مرتفعةٌ بعد العصرِ فقال: ما أعمَاركُم في أعمارِ من مضَى إلَّا كما بقيَ من هذا النَّهارِ فيما مضَى منهُ». قال في «الفتح»: وحديث ابنِ عمر صحيحٌ متَّفقٌ عليه، فالصَّواب الاعتمادُ عليه وله محملان: أحدُهما: أنَّ المراد بالتَّشبيه: التَّقريب ولا يُراد حقيقة المقدار فيه. والثَّاني: أن يُحمَلَ على ظاهرهِ، فيكون فيه دَلالةٌ على أنَّ مدَّة هذه الأمَّة قدر خُمس النَّهار تقريبًا. وقال صاحب «الكشف»: إنَّ الَّذي دلَّت عليه الآثار أنَّ مدَّة هذه الأمَّة تزيدُ على ألف سنةٍ ولا تبلغ الزِّيادة عليها خمس مئة سنةٍ، وذلك أنَّه وردَ من طرق أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بُعث في آخر الألف السَّادسة، وورد أنَّ الدَّجَّال يخرج على رأس مئةٍ، ويَنْزِلُ عيسى ﵇ فيقتلُه، ثمَّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأنَّ النَّاس يمكثون بعد طلوع الشَّمس من مَغْربها مئةً وعشرين سنة، وأنَّ بين النَّفختين أربعين سنةٍ، فهذه المئتا سنةٍ لابدَّ منها، والباقِي الآن من الألف سنة وسنتان، وإلى الآن لم تطلعِ الشَّمس من مَغْربها، ولا خرج الدَّجَّال الَّذي خُروجه قبل طلوع الشَّمس بعدَّة سنين، ولا ظهر المهديُّ الَّذي ظُهوره قبل الدَّجَّال بسبع سنين، ولا وقعتِ الأشراطُ الَّتي قبل ظهور المهديِّ، ولا بقي ما يمكن خروجُ الدَّجَّال من قرنٍ؛ لأنَّه إنَّما يخرُج عند رأس مئةٍ، وقبله مُقدِّماتٍ تكون في سنين كثيرةٍ، فأقلُّ ما يكون أنَّه يجوزُ خروجه على

стр. 11378

رأسِ الألف إن لم يتأخَّر إلى مئةٍ بعدها، وإن اتَّفق خروجُه على رأسِ الألف مكثتِ الدُّنيا بعده أكثر من نحو مئتي (١) سنةٍ، المئتين المُشار إليهما والباقي ما بين خروج الدَّجَّال وطلوع الشَّمس من مَغْربها، ولا ندرِي كم هو؟ وإن تأخَّر الدَّجَّال عن رأسِ الألف إلى مئةٍ أُخرى كانت المدَّة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدَّة ألفًا وخمس مئةٍ أصلًا، واستدلَّ بأحاديث ضعيفةٍ على عادته، قال: إنَّه اعتمدَ عليها في أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعةُ آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بُعث في آخرِ الألف السَّادسة؛ منها: حديث الضَّحَّاك بن زملٍ الجُهنيِّ، قال: «رأيتُ رؤيا فقصصتُها على رسولِ الله ﷺ … وفيه: فإذا أَنا بك يا رسولَ الله على منبرٍ فيه سبعُ درجاتٍ، وأنتَ في أعلاهَا درجة. فقال رسولُ الله ﷺ : أمَّا (٢) المنبرُ الَّذي رأيتَ فيه سبعَ درجاتٍ وأنا في أعلاها درجَة، فالدُّنيا سبعةُ آلافٍ وأنا في آخرهَا ألفًا» رواه البيهقيُّ في «دلائله»، فقولُه (٣): «وأنا في آخرِهَا ألفًا» أي: معظم المدَّة في الألف السَّابعة؛ ليُطابق أنَّ بعثته (٤) ﷺ في أواخر الألف السَّادسة، ولو كان بُعث أوَّل الألف السَّابعة كانت الأشراطُ الكُبرى كالدَّجَّال وُجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنةٍ لتقوم السَّاعة عند تمام الألف، ولم يوجدْ شيءٌ من ذلك، فدلَّ على أنَّ الباقي من الألف السَّابعة أكثر من ثلاث مئة. انتهى. قلت: قال الحافظُ ابن حَجر: إنَّ سند هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وأخرجه ابن السَّكن في «الصَّحابة» -وقال: إسنادهُ مجهولٌ، وليس ابن زملٍ بمعروفٍ في الصَّحابة- وابن قتيبة في «غريب الحديث»، وأورده ابن الجوزيِّ في «الموضوعات». وقال ابنُ الأثير: ألفاظه مصنوعةٌ (٥)، وقد أخبر مَعمر في «الجامع» عن ابن أبي نَجيحٍ،

стр. 11379

عن مجاهدٍ، قال معمرٌ: بلغني عن عكرمةٍ في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال: الدُّنيا من أوَّلها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ (١) لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلَّا الله تعالى. تنبيه: وأمَّا ما اشتُهر على الألسنة من أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يمكث في قبره ألف سنةٍ، فباطلٌ لا أصل له، كما صرَّح به الشَّيخ عبد العزيز الدَّيرينيُّ في «الدُّرر الملتقطة في المسائل المختلطة» لكنَّه قال: إنَّه ممَّا نُقل عن علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سَلَام وكعبٍ الأحبار. انتهى. ولا يصحُّ ذلك بل كلُّ ما ورد فيه تحديدٌ إمَّا أن يكون لا أصل له أو لا يثبتُ. وقال الحافظُ عماد الدِّين بن كثير في «البداية» بعد أن ذكر حديث: «ألَا إنَّ مثلَ آجالكُم في آجالِ الأُممِ قبلكُم كما بينَ صلاةِ العَصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ»: هذا يدلُّ على أنَّ ما بقي بالنِّسبة إلى ما مضى كالشَّيء اليسير، لكن لا يَعلم مقدار ما مَضى إلَّا الله ، ولم يجئْ فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم (٢) حتَّى يُصار إليه ويُعلم نسبة ما بقي بالنِّسبة إليه، ولكنَّه قليلٌ جدًّا بالنِّسبة إلى الماضي، وتعيين وقت السَّاعة لم يأتِ به حديثٌ صحيحٌ، بل الآيات والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ علم ذلك ممَّا استأثرَ الله به دون أحدٍ من خلقهِ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال ﷺ : «ما المسؤولُ بأعلَم من السَّائلِ» فالخوض في ذلك لا يجدي نفعًا، ولا يأتي بطائلٍ، والله الموفِّق. (٤٠) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٤) ترجمةٍ، فهو كالفصلِ من الباب السَّابق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «باب طلوع الشَّمس من مغربها».

стр. 11380

٦٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) قال في «الكواكب»: فإن قلت: أهلُ الهيئة بيَّنوا أنَّ الفلكيَّات بسيطةٌ لا تختلف مقتضياتها ولا يتطرَّق إليها خلاف ما هي عليه. قلت: قواعدهم منقوضةٌ ومقدِّماتهم ممنوعةٌ، ولئن سَلَّمنا صحَّتها فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدَّل النَّهار بحيث يصير المشرقُ مغربًا والمغربُ مشرقًا. انتهى. (فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ) باللام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فذاك» (حِينَ: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾) كالمُحْتَضر إذا صار الأمرُ عيانًا، والإيمانُ برهانًا (﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾) صفة ﴿نَفْسًا﴾ (﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) عطفٌ على ﴿آمَنَتْ﴾، والمعنى: لا ينفعُ الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مُقدِّمةٍ إيمانَها، أو مقدِّمةً إيمانَها غيرَ كاسبةٍ في إيمانها خيرًا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِيمَانُهَا﴾: «الآية». وفي «صحيح مسلم» من طريق أبي حازمٍ، عن أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاثٌ إذا خرَجن لم ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ من قبلُ: طلوعُ الشَّمسِ من مغربِهَا، والدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ». قال في «الفتح»: والَّذي يترجَّح من مجموع الأخبار أنَّ خروج الدَّجَّال أوَّل الآيات العظام المؤذِنة بتغييرِ الأحوال العامَّة في مُعظم الأرض، وينتهي ذلك بموتِ عيسى ﵇، وأنَّ طلوع الشَّمس من مَغربها هو أوَّل الآيات العظام المؤذِنة بتغيير أحوالِ العَالَمِ العُلويِّ، وينتهي ذلك بقيام السَّاعة. وفي مسلمٍ من طريق أبي زُرعة عند عبدِ الله بن عَمرو بن العاص رفعه: «أوَّلُ الآياتِ: طلوعُ
следующие страницы →