كنسبةِ ما بقي من الدُّنيا إلى (١) ما مضى، وأنَّ جُملتها سبعة آلاف سنةٍ، كما قال ابن جريرٍ في «مقدمة تاريخه» عن ابن عبَّاسٍ، من طريق يحيى بن يعقوب، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبيرٍ، عنه: «الدُّنيا جُمُعَةٌ من جُمَعِ الآخرة سبعةُ آلاف سنة». بالموحدة بعدها عين مهملة، وقد مضى ستَّة آلاف ومئة سنةٍ، ويحيى هو القاضي الأنصاريُّ، قال البخاريُّ: مُنكر الحديث، وشيخه هو فقيه الكوفة، وفيه مقالٌ. وفي حديثِ أبي داود: «واللهُ لا يُعجِزُ هذهِ الأمَّةَ من نصفِ يومٍ» ورُواته ثقات، لكن رجَّح البخاريُّ وقفَه. وعند أبي داودٍ أيضًا مرفوعًا: «لأرجُو أن لا يعْجِزَ أمَّتي عندَ ربِّها أن يؤخِّرهُم نصفَ يومٍ» وفسَّره بخمس مئة سنةٍ، فيؤخذُ من ذلك أنَّ الَّذي بقي نصف سُبْعٍ، وهو قريب ما بين السَّبَّابة والوسطى في الطُّول، لكنَّ الحديث وإن كان رُواته موثَّقين إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، وقد ظهرَ عدم صحَّة ذلك على ما لا يخفى؛ لوقوع خلافه ومُجاوزة هذا المقدار ولو كان ذلك ثابتًا لم يقعْ خلافه. وقال ابن العربيِّ: قيل: الوسطى تزيد على السَّبَّابة نصف سُبُعِها، وكذلك الباقي من الدُّنيا من البعثة إلى قيام السَّاعة، وهذا بعيدٌ ولا يُعْلَمُ (٢) مقدارُ الدُّنيا، فكيف يتحصَّل لنا نصفُ سُبُعِ أَمَدٍ مجهولٍ؟!
стр. 11377
وفي «الصَّحيحين» من حديثِ ابن عمر مرفوعًا [خ¦٣٤٥٩] «أجَلكُم فِي أجلِ من كانَ قبلكُم من صلَاةِ العصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ» وعند أحمد -بسندٍ حسنٍ- من طريق مجاهدٍ، عن ابن عمر: «كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ والشَّمس على قُعَيْقِعَان مرتفعةٌ بعد العصرِ فقال: ما أعمَاركُم في أعمارِ من مضَى إلَّا كما بقيَ من هذا النَّهارِ فيما مضَى منهُ».
قال في «الفتح»: وحديث ابنِ عمر صحيحٌ متَّفقٌ عليه، فالصَّواب الاعتمادُ عليه وله محملان:
أحدُهما: أنَّ المراد بالتَّشبيه: التَّقريب ولا يُراد حقيقة المقدار فيه.
والثَّاني: أن يُحمَلَ على ظاهرهِ، فيكون فيه دَلالةٌ على أنَّ مدَّة هذه الأمَّة قدر خُمس النَّهار تقريبًا.
وقال صاحب «الكشف»: إنَّ الَّذي دلَّت عليه الآثار أنَّ مدَّة هذه الأمَّة تزيدُ على ألف سنةٍ ولا تبلغ الزِّيادة عليها خمس مئة سنةٍ، وذلك أنَّه وردَ من طرق أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بُعث في آخر الألف السَّادسة، وورد أنَّ الدَّجَّال يخرج على رأس مئةٍ، ويَنْزِلُ عيسى ﵇ فيقتلُه، ثمَّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأنَّ النَّاس يمكثون بعد طلوع الشَّمس من مَغْربها مئةً وعشرين سنة، وأنَّ بين النَّفختين أربعين سنةٍ، فهذه المئتا سنةٍ لابدَّ منها، والباقِي الآن من الألف سنة وسنتان، وإلى الآن لم تطلعِ الشَّمس من مَغْربها، ولا خرج الدَّجَّال الَّذي خُروجه قبل طلوع الشَّمس بعدَّة سنين، ولا ظهر المهديُّ الَّذي ظُهوره قبل الدَّجَّال بسبع سنين، ولا وقعتِ الأشراطُ الَّتي قبل ظهور المهديِّ، ولا بقي ما يمكن خروجُ الدَّجَّال من قرنٍ؛ لأنَّه إنَّما يخرُج عند رأس مئةٍ، وقبله مُقدِّماتٍ تكون في سنين كثيرةٍ، فأقلُّ ما يكون أنَّه يجوزُ خروجه على
стр. 11378
رأسِ الألف إن لم يتأخَّر إلى مئةٍ بعدها، وإن اتَّفق خروجُه على رأسِ الألف مكثتِ الدُّنيا بعده أكثر من نحو مئتي (١) سنةٍ، المئتين المُشار إليهما والباقي ما بين خروج الدَّجَّال وطلوع الشَّمس من مَغْربها، ولا ندرِي كم هو؟ وإن تأخَّر الدَّجَّال عن رأسِ الألف إلى مئةٍ أُخرى كانت المدَّة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدَّة ألفًا وخمس مئةٍ أصلًا، واستدلَّ بأحاديث ضعيفةٍ على عادته، قال: إنَّه اعتمدَ عليها في أنَّ مدَّة الدُّنيا سبعةُ آلاف سنةٍ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بُعث في آخرِ الألف السَّادسة؛ منها: حديث الضَّحَّاك بن زملٍ الجُهنيِّ، قال: «رأيتُ رؤيا فقصصتُها على رسولِ الله ﷺ … وفيه: فإذا أَنا بك يا رسولَ الله على منبرٍ فيه سبعُ درجاتٍ، وأنتَ في أعلاهَا درجة. فقال رسولُ الله ﷺ : أمَّا (٢) المنبرُ الَّذي رأيتَ فيه سبعَ درجاتٍ وأنا في أعلاها درجَة، فالدُّنيا سبعةُ آلافٍ وأنا في آخرهَا ألفًا» رواه البيهقيُّ في «دلائله»، فقولُه (٣): «وأنا في آخرِهَا ألفًا» أي: معظم المدَّة في الألف السَّابعة؛ ليُطابق أنَّ بعثته (٤) ﷺ في أواخر الألف السَّادسة، ولو كان بُعث أوَّل الألف السَّابعة كانت الأشراطُ الكُبرى كالدَّجَّال وُجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنةٍ لتقوم السَّاعة عند تمام الألف، ولم يوجدْ شيءٌ من ذلك، فدلَّ على أنَّ الباقي من الألف السَّابعة أكثر من ثلاث مئة. انتهى.
قلت: قال الحافظُ ابن حَجر: إنَّ سند هذا الحديث ضعيفٌ جدًّا، وأخرجه ابن السَّكن في «الصَّحابة» -وقال: إسنادهُ مجهولٌ، وليس ابن زملٍ بمعروفٍ في الصَّحابة- وابن قتيبة في «غريب الحديث»، وأورده ابن الجوزيِّ في «الموضوعات».
وقال ابنُ الأثير: ألفاظه مصنوعةٌ (٥)، وقد أخبر مَعمر في «الجامع» عن ابن أبي نَجيحٍ،
стр. 11379
عن مجاهدٍ، قال معمرٌ: بلغني عن عكرمةٍ في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال: الدُّنيا من أوَّلها إلى آخرها يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ (١) لا يدري كم مضى ولا كم بقي إلَّا الله تعالى.
تنبيه: وأمَّا ما اشتُهر على الألسنة من أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يمكث في قبره ألف سنةٍ، فباطلٌ لا أصل له، كما صرَّح به الشَّيخ عبد العزيز الدَّيرينيُّ في «الدُّرر الملتقطة في المسائل المختلطة» لكنَّه قال: إنَّه ممَّا نُقل عن علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سَلَام وكعبٍ الأحبار. انتهى.
ولا يصحُّ ذلك بل كلُّ ما ورد فيه تحديدٌ إمَّا أن يكون لا أصل له أو لا يثبتُ.
وقال الحافظُ عماد الدِّين بن كثير في «البداية» بعد أن ذكر حديث: «ألَا إنَّ مثلَ آجالكُم في آجالِ الأُممِ قبلكُم كما بينَ صلاةِ العَصرِ إلى مغربِ الشَّمسِ»: هذا يدلُّ على أنَّ ما بقي بالنِّسبة إلى ما مضى كالشَّيء اليسير، لكن لا يَعلم مقدار ما مَضى إلَّا الله ، ولم يجئْ فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم (٢) حتَّى يُصار إليه ويُعلم نسبة ما بقي بالنِّسبة إليه، ولكنَّه قليلٌ جدًّا بالنِّسبة إلى الماضي، وتعيين وقت السَّاعة لم يأتِ به حديثٌ صحيحٌ، بل الآيات والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ علم ذلك ممَّا استأثرَ الله به دون أحدٍ من خلقهِ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال ﷺ : «ما المسؤولُ بأعلَم من السَّائلِ» فالخوض في ذلك لا يجدي نفعًا، ولا يأتي بطائلٍ، والله الموفِّق.
(٤٠) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٤) ترجمةٍ، فهو كالفصلِ من الباب السَّابق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «باب طلوع الشَّمس من مغربها».
стр. 11380
٦٥٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) قال في «الكواكب»: فإن قلت: أهلُ الهيئة بيَّنوا أنَّ الفلكيَّات بسيطةٌ لا تختلف مقتضياتها ولا يتطرَّق إليها خلاف ما هي عليه.
قلت: قواعدهم منقوضةٌ ومقدِّماتهم ممنوعةٌ، ولئن سَلَّمنا صحَّتها فلا امتناع في انطباق منطقة البروج على معدَّل النَّهار بحيث يصير المشرقُ مغربًا والمغربُ مشرقًا. انتهى.
(فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ) باللام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فذاك» (حِينَ: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾) كالمُحْتَضر إذا صار الأمرُ عيانًا، والإيمانُ برهانًا (﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾) صفة ﴿نَفْسًا﴾ (﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) عطفٌ على ﴿آمَنَتْ﴾، والمعنى: لا ينفعُ الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مُقدِّمةٍ إيمانَها، أو مقدِّمةً إيمانَها غيرَ كاسبةٍ في إيمانها خيرًا، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِيمَانُهَا﴾: «الآية». وفي «صحيح مسلم» من طريق أبي حازمٍ، عن أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاثٌ إذا خرَجن لم ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ من قبلُ: طلوعُ الشَّمسِ من مغربِهَا، والدَّجَّالُ، والدَّابَّةُ».
قال في «الفتح»: والَّذي يترجَّح من مجموع الأخبار أنَّ خروج الدَّجَّال أوَّل الآيات العظام المؤذِنة بتغييرِ الأحوال العامَّة في مُعظم الأرض، وينتهي ذلك بموتِ عيسى ﵇، وأنَّ طلوع الشَّمس من مَغربها هو أوَّل الآيات العظام المؤذِنة بتغيير أحوالِ العَالَمِ العُلويِّ، وينتهي ذلك بقيام السَّاعة.
وفي مسلمٍ من طريق أبي زُرعة عند عبدِ الله بن عَمرو بن العاص رفعه: «أوَّلُ الآياتِ: طلوعُ
стр. 11381
الشَّمسِ من مغربِهَا، وخروجُ الدَّابَّةِ على النَّاسِ ضحى، فأيُّهما (١) خرجتْ قبلَ الأُخرى فالأُخرى منها قريبٌ».
وقال الحاكمُ أبو عبد الله: الَّذي يظهر أنَّ طلوع الشَّمس يسبقُ خروج الدَّابَّة، ثمَّ تخرجُ الدَّابَّة في ذلك اليوم، أو الَّذي يقرب منه.
قال الحافظ ابن حَجر: والحكمة في ذلك أنَّ عند طلوع الشَّمس من مغربها يُغلق باب التَّوبة، فتخرج الدَّابَّة تُميِّز المؤمن من الكافر تكميلًا للمقصود من إغلاقِ باب التَّوبة، وأوَّل الآيات المؤذنة بقيام السَّاعة النَّارُ تحشر النَّاس، كما سبق حديث أنسٍ في «بدء الخَلق» [خ¦٣٣٢٩] في مسائل عبد الله بن سلامٍ، وفي حديث عائشةَ المرويِّ عند عبد بن حُميدٍ، والطَّبرانيِّ بسندٍ صحيحٍ من طريق عامرٍ الشَّعبيِّ عنها: «إذا خرجت أوَّل الآيات طُرحتِ الأقلامُ، وطُويتِ الصُّحفُ، وخلصَتِ الحفظَةُ، وشَهدتِ الأجسامُ على الأعمال». وهذا وإن كان موقوفًا فحُكمه الرَّفع.
(وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَيْهِمَا بَيْنَهُمَا) بياء تحتية بعد الموحدة في الفرعِ، وبإسقاطها في «اليونينيَّة» وهو الظَّاهر، والواو في «وقد» للحال (فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ) بكسر اللام وسكون القاف بعدها حاء مهملة، ذات الدَّرِّ من النُّوق (فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ) بفتح المثناة التحتية في الفرع كأصلهِ مصحَّحًا (٢) عليه، وفي «الفتح» بضمها، يقال: لاطَ حوضَهُ وألاطَهُ (٣)، إذا مدرَه، أي: جمع حجارةً فصيَّرها كالحوض، ثمَّ سدَّ ما بينها من الفرج بالمدرِ ونحوه؛ لينحبسَ الماء (فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقد رفع أحدكم أُكلته» بضم الهمزة، لقمته (إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا) بفتح أوَّله وثالثه، والمراد: أنَّ قيامَ السَّاعة يكون بغتةً.
وهذا الحديثُ مختصرٌ من حديثٍ يأتي إن شاء الله تعالى أواخرَ «كتاب الفتن» [خ¦٧١٢١] بعون الله وقوَّته.
стр. 11382
(٤١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه قوله ﷺ : (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ).
٦٥٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) بفتح الحاء المهملة والجيم المشددة وبعد الألف جيم أخرى، ابن المنهال قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء والميم المشددة، ابن يحيى قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) هو ابنُ مالكٍ الصَّحابيُّ ﵁ (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ) قال الخطابيُّ: محبَّة اللِّقاء إيثار العبدِ الآخرة على الدُّنيا، ولا يحبُّ طول القيام فيها لكن يستعدُّ للارتحالِ عنها، واللِّقاء على وجوهٍ منها: الرُّؤية، ومنها البَعث كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ﴾ [الأنعام: ٣١] أي: بالبَعث، ومنها الموت كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. انتهى.
وقال ابنُ الأثير: المرادُ باللِّقاء: المصير إلى الدَّار الآخرة، وطلب ما عند الله، وليس الغرضُ منه (٢) الموت؛ لأنَّ كلًّا يكرهه، فمَن ترك الدُّنيا وأبغضها أحبَّ لقاءَ الله، ومَن آثرها ورَكن إليها كَره لقاء الله، ومحبَّةُ الله لقاءَ عبدهِ: إرادةُ الخير له وإنعامُه عليه.
وقال في «الكواكب»: فإن قلت: الشَّرط ليس سببًا للجزاء بل الأمر بالعكس، قلت: مِثله يؤوَّل بالإخبار، أي: مَن أحبَّ لقاء الله أخبرَه الله بأنَّ الله أحبَّ لقاءهُ وكذلك الكراهة.
стр. 11383
وقال في «الفتح»: وفي قوله: «أحبَّ اللهُ لقاءهُ» العدولُ عن الضَّمير إلى الظَّاهر تفخيمًا وتعظيمًا ودفعًا لتوهُّم عود الضَّمير على الموصول؛ لئلَّا يتَّحد في الصُّورة المبتدأ والخبر، ففيهِ إصلاحُ اللَّفظ لتصحيحِ المعنى، وأيضًا فعودُ الضَّمير على المُضاف إليه قليلٌ.
وقال ابنُ الصَّائغ في «شرح المشارق»: يُحتمل أن يكون لقاء الله مضافًا للمفعولِ فأقامه مقامَ الفاعل، و «لقاءَه» إمَّا مضافٌ للمفعول والفاعلُ (١) الضَّمير، أو للموصوف؛ لأنَّ الجواب إذا كان شرطًا فالأولى أن يكون فيه ضميرٌ. نعم هو موجودٌ هنا ولكن تقديرًا (٢).
(قَالَتْ عَائِشَةُ -أَوْ: بَعْضُ أَزْوَاجِهِ-) ﷺ ورضي اللهُ عنهنَّ بـ «أو» للشَّكِّ، وجَزم سعد بن هشامٍ في روايتهِ عن عائشة بأنَّها هي الَّتي قالت ذلك ولم يتردَّد (إِنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ) ظاهره أنَّ المراد بلقاءِ الله في الحديث الموت، وليس كذلك؛ لأنَّ لقاءَ الله غيرُ الموت؛ يدلُّ عليه قوله في الرِّواية الأخرى: «والموت دون لقاء الله» لكن لمَّا كان الموت وسيلةً إلى لقاءِ الله عبَّر عنه بلقاءِ الله؛ لأنَّه لا يصلُ إليه إلَّا بالموت.
قال حسَّانُ بن الأسود: الموتُ جسرٌ يوصلُ الحبيبَ إلى حبيبهِ.
(قَالَ) ﵊: (لَيْسَ ذَاكِ) بغير لام مع كسر الكاف، ولأبي ذرٍّ: «ذلك» (وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ) بتشديد نون «لكنَّ» ولأبي ذرٍّ: «ولكنْ المؤمنُ» بالتَّخفيف ورفع «المؤمنُ» (إِذَا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ) (وَكَرَامَتِهِ) بضم الموحدة وكسر الشين المعجمة المشددة (فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ) بفتح الهمزة، أي: ممَّا يستقبلُه بعد الموت (فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ) (وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ).
وفي حديث حميدٍ عن أنسٍ المرويِّ عند أحمدَ والنَّسائيِّ والبزَّار: «ولكنَّ المؤمنَ إذا حضرَ جاءهُ البشيرُ من الله، وليس شيءٌ أحبَّ إليه مِن أن يكون قد لقيَ الله فأحبَّ الله لقاءَهُ».
وفي رواية عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: حدَّثني فلان بن فلانٍ: أنَّه سمعَ رسول الله ﷺ … الحديث. وفيه: «ولكنَّهُ إذا حُضِرَ: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩ - ٩٠] فإذا
стр. 11384
بشِّر بذلكَ أحبَّ لقاءَ اللهِ، واللهُ للقائهِ أحبُّ» رواه أحمدُ بسندٍ قويٍّ، وإبهامُ الصَّحابيِّ لا يضرُّ.
(وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ) بضم أولهما وكسر ثانيهما (بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ) ممَّا يستقبل (كَرِهَ) بكسر الراء، ولأبي ذرٍّ: «فكره» (لِقَاءَ اللهِ) (وَكَرِهَ اللهُ) (لِقَاءَهُ).
وفي حديثِ عائشة عند عبدِ بن حميدٍ مرفوعًا: «إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا قيَّضَ اللهُ له قبلَ موتهِ بعامٍ مَلَكًا يسدِّدُهُ ويوفِّقه حتَّى يقال: ماتَ بخيرِ ما كان، فإذا حُضِرَ ورأى ثوابهُ اشتاقتْ نفسهُ، فذلكَ حينَ أحبَّ لقاءَ اللهِ، وأحبَّ اللهُ لقاءهُ، وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ شرًّا قيَّضَ اللهُ له قبلَ موتهِ بعامٍ شيطانًا فأضلَّهُ وفتنَهُ حتَّى يقال: ماتَ بشرِّ ما كان عليهِ، فإذَا حُضِرَ ورأى ما أعدَّ اللهُ له من العذابِ جزعَت نفسُهُ، فذلكَ حينَ كرهَ لقاءَ اللهِ، وكرهَ اللَّهُ لقاءهُ».
وحديثُ الباب أخرجهُ مسلمٌ في «الدَّعوات»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» و «الجنائز»، والنَّسائيُّ فيها.
(اخْتَصَرَهُ) أي: الحديث (أَبُو دَاوُدَ) سليمان الطَّيالسيُّ، ممَّا أخرجهُ التِّرمذيُّ موصولًا عن محمود بن غيلانٍ عنه (وَعَمْرٌو) بفتح العين، ابن مرزوقٍ، ممَّا أخرجهُ الطَّبرانيُّ في «الكبير» موصولًا، عن أبي مسلمٍ الكَجِّيِّ ويوسف بن يعقوب القاضِي كلاهما عن عَمرٍو (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، حيث اقتصرَ على أصلِ الحديث ولم يقلْ: «فقالتْ عائشة … » إلى آخره.
(وَقَالَ سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عَرُوبة، ممَّا وصله مسلمٌ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ زُرَارَةَ) بضم الزاي وتكرير الراء بينهما ألف آخره هاء تأنيث، ابنِ أبي أوفى العامريِّ (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن هشامٍ الأنصاريِّ ابن عمِّ أنس بن مالكٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٦٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُريب الهَمْدانيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة وفتح الراء، ابن عبد الله بن أبي بُردة (عَنْ)
стр. 11385
جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، الحارث أو عامر (عَنْ) جدِّه (أَبِي مُوسَى) عبد الله ابن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ) (أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ) فيه: أنَّ محبَّة لقاء الله لا تدخلُ في النَّهي عن تمنِّي الموت؛ لأنَّها ممكنةٌ مع عدم تمنِّيه؛ لأنَّ النَّهي محمولٌ على حال (١) الحياة المستمرَّة، أمَّا عندَ الاحتضار والمعاينة فلا تدخلُ تحت النَّهي بل هي مُستحبَّةٌ.
٦٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) الحافظ أبو زكريَّا المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، نَسبه لجدِّه لشُهرته به، واسم أبيه: عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (فِي) جملةِ (رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) أُخَرٍ رَوَوا ذلك: (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂، وسقط قوله «زوج النَّبيِّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَهْوَ صَحِيحٌ- إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول، كـ «يُقبض» أي: يُخيَّر بين الحياة والموت (فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ) الموت (وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي) بكسر الخاء والذال المعجمتين، وجواب «لمَّا» قوله: (غُشِيَ) بضم الغين المعجمة (عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ) بفتح الهمزة والخاء المعجمة، أي: رفع (بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ) أختارُ أو أريدُ (الرَّفِيقَ الأَعْلَى) أي: مرافقةَ الملائكة، أو الأنبياء والصدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين. قالتْ عائشة: (قُلْتُ: إِذًا) أي: حينئذٍ (لَا يَخْتَارَُنَا) بالنَّصب، أي: حين اختارَ مرافقةَ أهل
стр. 11386
السَّماء لا ينبغي أن يختارَ مرافقتنَا من أهلِ الأرض، وبالرَّفع (وَعَرَفْتُ أَنَّهُ) أي: الأمر الَّذي حصلَ له هو: (الحَدِيثُ الَّذِي كَانَ (١) يُحَدِّثُنَا بِهِ) وهو صحيحٌ أنَّه لم يُقبض نبيٌّ قطُّ حتَّى يُخيَّر (قَالَتْ) عائشة: (فَكَانَتْ تِلْكَ) الكلمة، الَّتي هي قوله: «اللَّهمَّ الرَّفيق الأعلى» (آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَُهُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة»، وبالنَّصب في غيرها على الاختصاصِ، أي: أَعني قوله: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى).
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة من جِهة اختيارِ النَّبيِّ ﷺ للقاءِ الله بعد أن خُيِّر بين الموت والحياة فاختارَ الموت، فينبغِي الاستنانُ به في ذلك.
والحديثُ سبق في «الدَّعوات» [خ¦٦٣٤٨].
(٤٢) (بابُ سَكَرَاتِ المَوْتِ) جمع: سكرةٍ، وهي شدَّته الذَّاهبة بالعقل.
٦٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) التَّبَّان المدنيُّ قال: (حَدَّثَني عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق، أحدُ الأعلام (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) بضم العين في الأولى وكسرها في الثَّانية، ابن أبي حسين المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي مُليكة، واسمه زهيرٌ (أَنَّ أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين (ذَكْوَانَ) بفتح الذال المعجمة (مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ) في مرض موتهِ (رَكْوَةٌ) بفتح الراء، إناءٌ صغيرٌ من جلدٍ مُتَّخذٌ
стр. 11387
للشُّرب (أَوْ عُلْبَةٌ) بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة، قَدَحٌ من خشبٍ ضخمٍ يُحلب فيه، قاله ابنُ فارسٍ في «المجمل» (فِيهَا مَاءٌ، يَشُكُّ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ: «شكَّ» بلفظ الماضي (عُمَرُ) بن سعيدٍ المذكور هل قال: رَكوةٌ أو عُلبةٌ (فَجَعَلَ) ﷺ (يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا) بالتَّثنية فيهما (١) وللحَمُّويي والمُستملي: «يده فيمسحُ بها» (وَجْهَهُ وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ) نصب بالكسرة، أي: شدائد، وكان ذلك تكميلًا لفضائلهِ ورفعةٍ لدرجاته (ثُمَّ نَصَبَ) ﵊ (يَدَهُ) بالإفراد (فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ) أي: أدخلني في جملة الرَّفيق (الأَعْلَى) أي: اخترتُ الموت (حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ) وقد وصف الله تعالى شدَّة الموت في أربع آياتٍ: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] و ﴿إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] و ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦].
وفي حديث جابرِ بن عبد الله عند ابنِ أبي شيبةَ في «سننه» مرفوعًا: «إنَّ طائفةً من بني إسرائيلَ أتوا مقبرةً من مقابرِهِم، فقالوا: لو صلَّينَا ركعتينِ وسألنَا اللَّه تَعالى يخرج لنا بعضَ الأمواتِ يخبرنَا عن الموتِ. قال: ففعلُوا، فبينمَا هم كذلك؛ إذ أَطْلَع (٢) لهم رجلٌ رأسَهُ من قبرهِ أسود اللَّونِ خلا شيءٍ بين عينَيهِ من أثرِ السُّجودِ، فقال: يا هؤلاءِ ما أردتُم إليَّ لقد متُّ منذُ مئة سنةٍ، فما سكنت عنِّي مرارَة (٣) الموتِ إلى الآنِ».
وفي «الحلية»: عن مكحول عن واثلةَ مرفوعًا: «والَّذِي نفسِي بيدهِ لَمُعايَنَة مَلَكِ الموتِ أشدُّ من ألفِ ضربةٍ بالسَّيفِ … » الحديث. فالموتُ هو: الخطبُ الأفظعُ، والأمرُ الأشنعُ، والكأسُ الَّتي (٤) طعمُها أكرُه وأبشعُ.
وحديث الباب مختصرٌ من حديث مرَّ في «المغازي» [خ¦٤٤٤٩] وزاد أبو ذرٍّ والوقتِ (٥) عن المُستملي: «قال أبو عبد الله» أي البخاريُّ: «العلبةُ: متَّخذة من الخشب، والرَّكوة: من الأدم». وقال اللُّغويُّ أبو هلالٍ الحسن بنُ عبد الله بنِ سهلٍ في كتابه «التَّلخيص ممَّا وجدته في التَّذكرة»:
стр. 11388
والعُلبةُ: قَدَح الأعرابِ، مثل العُسِّ يُتَّخذ من جَنب جلدِ البعير، والجمع: عِلابٌ، وقيل: أسفله جلدٌ، وأعلاه خشبٌ مدوَّرٌ.
٦٥١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (صَدَقَةُ) بن الفضل المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ) لم أعرفْ أسماءهم (جُفَاةً) بالجيم والنَّصب في «اليونينية» خبر «كان» ولأبي ذرٍّ: «حُفاة» بالحاء المهملة، والرفع لعدمِ اعتنائهِم بالملابسِ. وقال في «الفتح»: بالجيم للأكثر؛ لأنَّ سكَّان البوادِي يغلبُ عليهم خُشونة العيشِ فتجفو أخلاقُهم غالبًا (يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ) تقومُ (فَكَانَ) ﵊ (يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ) أحدثِهم سنًّا كما في مسلمٍ بمعناه، وفي مسلمٍ أيضًا من حديث أنسٍ: «وعنده غلامٌ من الأنصار يقال له: محمَّد». وفي أخرى له: «وعندَه غلامٌ من أزدِ شنوءةَ». وفي أُخرى له: «غلامٌ للمُغيرة بن شعبة، وكان من أقراني».
قال في «الفتح»: ولا تغايرَ في ذلك، وطريقُ الجمع أنَّه كان من أزدِ شنوءةَ وكان حليفًا للأنصارِ وكان يخدمُ المغيرة، وقوله: «وكان من أَقْراني» في رواية له: «مِن أَتْرابي» يريد في السِّنِّ، وكان سنُّ أنسٍ حينئذٍ نحو سبع عشرة سنةٍ (فَيَقُولُ ﵊: إِنْ يَعِشْ هَذَا) الأحدثُ سنًّا (لَا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ) بجزمِ «يدركه» جواب الشَّرط (حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ. قالَ هِشَامٌ) هو ابنُ عروة راوي الحديث، بالسَّند السَّابق إليه: (يَعْنِي) بقوله: ساعتكم (مَوْتَهُمْ) لأنَّ ساعة كلِّ إنسانٍ موته، فهي السَّاعة الصُّغرى لا الكبرى الَّتي هي بعث النَّاس للمحاسبةِ، ولا الوسطى الَّتي هي موتُ أهل القرن الواحد.
وقال الدَّاوديُّ -ممَّا نقله في «الفتح» -: هذا الجوابُ من مَعاريضِ الكلام؛ لأنَّه لو قال لهم: لا أدرِي، ابتداءً مع ما هم فيه من الجفاء وقبل تمكُّن الإيمان في قلوبهم لارتابوا، فعدلَ إلى
стр. 11389
إعلامِهم بالوقتِ الَّذي ينقرضونَ فيه، ولو كان الإيمان تمكَّن في قلوبهِم لأفصحَ لهم بالمرادِ.
وقال في «الكواكب»: هذا الجواب من باب أسلوب الحكيم، أي: دعوا السُّؤال عن وقتِ القيامة الكُبرى فإنَّه لا يعلمُها إلَّا الله، واسألوا عن الوقتِ الَّذي يقعُ فيه انقراض عصركُم فهو أَولى لكم؛ لأنَّ معرفتكُم به تبعثكُم على ملازمةِ العمل الصَّالح قبلَ فوته؛ لأنَّ أحدكُم لا يدرِي مَن الَّذي يَسبق الآخر.
والحديثُ من أفرادهِ، ومطابقتُهُ للتَّرجمة غيرُ ظاهرةٍ. نعم قيل: يُحتمل أن تكون من قولهِ: «موتهم» لأنَّ كلَّ موتٍ فيه سكرةٌ.
٦٥١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) بفتح العين، و «حَلْحَلَة» بحاءين مهملتين مفتوحتين ولامين أولاهما ساكنة (عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) بفتح ميم «معبد» وسكون عينه بعدها موحدة، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث (ابْنِ رِبْعِيٍّ) بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها عين مهملة مكسورة (الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ) بضم ميم «مُرَّ» وتشديد رائها (فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ) قال في «النِّهاية»: يقال (١): أَرَاح الرَّجلُ واستراحَ إذا رجعتْ إليه نفسه بعد الإعياء. انتهى.
والواو في قوله (٢): «ومُستَرَاح» (٣) بمعنى: أو، فهي تنويعيَّة، أي: لا يخلو ابن آدمَ عن هذين المعنيين، فلا يختصُّ بصاحب الجنازة (قالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟) وفي
стр. 11390
رواية الدَّارقطنيِّ إعادة «ما» (قَالَ) ﷺ : (العَبْدُ المُؤْمِنُ) التَّقيُّ خاصَّة، أو كلُّ مؤمنٍ (يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) تعبها ومشقَّتها (وَأَذَاهَا) ذاهبًا (إِلَى رَحْمَةِ اللهِ) . قال مسروقٌ: «ما غبطت شيئًا لشيءٍ كمؤمنٍ في لَحْده أَمِن من عذاب الله، واستراح من الدُّنيا» وعطفُ الأذى من عطفِ العامِّ على الخاصِّ (وَالعَبْدُ الفَاجِرُ) الكافرُ أو العاصي (يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ) لِمَا يأتي به من المُنكر؛ لأنَّهم إن أنكروا عليه آذاهم وإن تركوهُ أثموا، أو لِما يقع لهم من ظُلمه (وَالبِلَادُ) بما يأتي به من المعاصِي، فإنَّه يحصلُ به الجدب، فيقتضِي هلاك الحرث والنَّسل، أو لِما يقعُ له من غصبها ومنعِها من حقِّها (وَالشَّجَرُ) لِقلعه إيَّاها غصبًا، أو غصب ثمرها. وفي «شرح المشكاة»: وأمَّا استراحة البلاد والأشجار، فإنَّ الله تعالى بفقده يُرسل السَّماء عليكم مدرارًا، ويحيي به (١) الأرض والشَّجر والدَّوابَّ بعدما حبسَ بشؤمِ ذنوبه الأمطار، لكنَّ إسناد الرَّاحة إليها مجازٌ؛ إذ الرَّاحة إنَّما هي لِمالكها (وَالدَّوَابُّ) لاستعمالهِ لها فوق طاقتِها وتقصيرهِ في علفها وسَقيها.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ، والنَّسائيُّ في «الجنائز».
٦٥١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ) أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ كَعْبٍ) هو معبدُ بن كعب بنِ مالكٍ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارثِ بن ربعيٍّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) لَمَّا مُرَّ عليه بجنازةٍ: (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ) أي: من نصب الدُّنيا (٢) كما مرَّ [خ¦٦٥١٢] وقد أورده مختصرًا لم يذكرِ السُّؤال والجواب.
فإن قلتَ: ما وجه مناسبة هذا الحديث وسابقه للتَّرجمة؟
أُجيب بأنَّ الميِّت لا يعدو أحدَ القسمين: إمَّا مُستريحٌ أو مُستَراحٌ منه، وكلٌّ منهما يجوزُ أن يشدَّد عليه عند الموت وأن يُخفَّف، والأوَّل هو الَّذي يَحصل له سكراتُ الموت، ولا يتعلَّق ذلك بتقواه ولا فُجوره، بل إن كان متَّقيًا ازدادَ ثوابًا، وإلَّا فيكفَّر عنه بقدرِ ذلك، ثمَّ يستريحُ من
стр. 11391
أذى الدُّنيا الَّذي هو خاتمته.
تنبيهٌ: وقع هنا في رواية أبي ذرٍّ عن شيوخهِ الثَّلاثة الحَمُّويي والمُستملي والكُشميهنيِّ: «يحيى» وهو: ابنُ سعيد، عن عبد ربِّه بن سعيدٍ، وفي مسلم: عن يحيى بنِ عبد الله بنِ سعيد بنِ أبي هندٍ.
قال الغسَّانيُّ: «عبد ربِّه بن سعيدٍ» وهمٌ، والصَّواب المحفوظ: عبدُ الله، وكذا رواه ابنُ السَّكن عن الفَِرَبْريِّ، فقال في روايته: «عبد الله بن سعيدٍ» (١) هو: ابنُ أبي هندٍ، والحديثُ محفوظٌ له لا لعبد ربِّه. قاله في «الفتح» وقال: إنَّ التَّصريح بابن أبي هندٍ لم يقعْ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ، والله الموفِّق.
٦٥١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح عين «عَمرو» وحاء «حَزْم» المهملتين وسكون الزاي، أنَّه (سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : يَتْبَعُ المَيِّتَ) بسكون الفوقية وفتح الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «يتَّبِع» بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، وله عن الكُشميهنيِّ: «المؤمن» وعن المُستملي: «المرء» بدل قوله: «الميِّت» وهذه هي المشهورة (ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ) منها (وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ) حقيقةً (وَمَالُهُ) كرقيقه (وَعَمَلُهُ) غالبًا فَرُبَّ ميِّتٍ لا يتبعه أهلٌ ولا مالٌ (فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ) إذا انقضَى أمر الحزن عليه سواءٌ أقاموا بعد الدَّفن أم لا؟ (وَيَبْقَى عَمَلُهُ) فيدخل معه القبرَ، وفي حديث البراء بنِ عازب -عند أحمد-: «ويأتيهِ رجلٌ حَسن الوجهِ، حَسن الثِّياب، حَسن الرِّيح، فيقول: أَبْشِر بالَّذي يسرُّك. فيقول: مَن أنت؟ فيقول: أنا عملُك الصَّالح، وقال في حقِّ الكافر: ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجه فيقول: أنا عملُك الخبيث … » الحديث.
стр. 11392
قيل: ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «يتبع الميِّت» لأنَّ كلَّ ميِّتٍ يُقاسي سَكرة الموت، كما سبق [خ¦٦٥١٣].
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق» و «الجنائز».
٦٥١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، يقال له: عارمٌ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ) بضم العين وكسر الراء (مَقْعَدُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «على مقعده» من باب القلب نحو عرض النَّاقة على الحوض، والأُولى هي الأصلُ، وهذا العرضُ يقع على الرُّوح حقيقة على ما يتَّصل به من البدن الاتِّصال الَّذي يُمكن به إدراك التَّنعيم أو التَّعذيب (غُدْوَةً) بضم الغين المعجمة، أوَّل النَّهار (وَعَشِيًّا) آخره بالنِّسبة إلى أهل الدُّنيا، ولأبي ذرٍّ: «وعشيَّة» (إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الجَنَّةُ) بكسر الهمزة فيهما (فَيُقَالُ) له: (هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ) زاد الكُشميهنيُّ: «إليه» وحينئذٍ فيزدادُ المؤمن غبطةً وسرورًا، والكافر حسرةً وثُبورًا، أسأل الله العفو والعافية.
والحديثُ من أفراده.
٦٥١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، الجوهريُّ البغداديُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبرٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا) أي: وصلوا (إِلَى) جزاء (مَا قَدَّمُوا) من أعمالهم من الخيرِ والشَّرِّ.
стр. 11393
ومناسبةُ الحديثِ هنا؛ لكونه في أمرِ الأموات الَّذين ذَاقوا سكرات الموت، ومَضى في آخر «الجنائز» في «باب ما ينهى عن (١) سبِّ الأموات» [خ¦١٣٩٣].
(٤٣) (بابُ نَفْخِ الصُّورِ) بضم الصاد المهملة وسكون الواو، وليس هو جمع صورة، كما زعمَ بعضُهم، أي: ينفخُ في الصُّور الموتى، والتَّنزيل يدلُّ عليه؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] ولم يقل: فيها، فعلم أنَّه ليس جمع صورة.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبرٍ المفسِّر، فيما (٢) وصله الفريابيُّ من طريقِ ابن أبي نَجيحٍ، عنه (﴿الصُّورِ﴾) من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر: ٦٨] هو: (كَهَيْئَةِ البُوقِ) الَّذي يزمر به، وقال مجاهدٌ أيضًا: (﴿زَجْرَةٌ﴾) من قوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] أي: (صَيْحَةٌ) وهي عبارةٌ عن نفخ الصُّور النَّفخة الثَّانية، كما عبَّر بها عن النَّفخة الأولى في قوله تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ الاية [يس: ٤٩].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما (٣) وصله الطَّبريُّ (٤) وابنُ أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحةَ: (النَّاقُورُ) من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] هو (الصُّورُ) أي: نُفخ فيه، والنَّاقور فاعول من النَّقر؛ بمعنى: التَّصويت، وأصلُه القرع الَّذي هو سبب الصَّوت.
وقال ابنُ عبَّاسٍ أيضًا -ممَّا وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ والطَّبريُّ (٥) في قوله تعالى في سورة النَّازعات-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ (﴿الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦]) هي (النَّفْخَةُ الأُولَى) لموتِ الخلق
стр. 11394
(و ﴿الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧]) هي: (النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ) للصعقِ والبعثِ.
وقال في «شرح المشكاة»: الرَّاجفة: الواقعة الَّتي ترجف عندها الأرضُ والجبال، وهي النَّفخة الأولى (١) وُصِفت بما يحدث بحدوثها، والرَّادفة: الواقعة الَّتي تَردف الأولى وهي النَّفخة الثَّانية (٢)، واختار ابن العربيِّ أنَّها ثلاثٌ نفخة الفزع؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ الاية [النمل: ٨٧] ونَفخة الصَّعق والبَعث؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] واستُدِلَّ لابن العربيِّ بما في حديث الصُّور الطَّويل من قوله: «ثمَّ يُنفخ (٣) في الصُّور ثلاثُ نفخاتٍ: نفخةُ الفزعِ فيفزعُ أهل السَّماء والأرض بحيث تَذهل كلُّ مرضعةٍ عمَّا أَرضَعت، ثمَّ نَفخة الصَّعق، ثمَّ نَفخة القيام لربِّ العالمين» أخرجهُ الطَّبريُّ لكن سَنده ضعيفٌ ومضطربٌ، وصحَّح القُرطبيُّ أنَّهما نفختان فقط، فالأوليان عائدتان إلى واحدةٍ فزعوا إلى أن صُعقوا، وفي مسلمٍ عن عبد الله بن عَمرو: «ثمَّ يُنفخ في الصُّور فلا يسمعُ أحدٌ إلَّا أصغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، ثمَّ يُرسل الله مطرًا كأنَّه الطَّلُّ فتنبتُ منه أجسادُ النَّاس، ثمَّ يُنفخ فيه أُخرى فإذا هُم قيامٌ ينظرون»، ففيهِ التَّصريح بأنَّهما نفختان فقط.
стр. 11395
٦٥١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأويسيُّ الفقيه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، الزُّهريُّ العوفيُّ أبو إسحاق المدنيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (وَعَبْدِ الرَّحْمنِ) بن هُرمز (الأَعْرَجِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ) الملائكة والإنس والجِنِّ (فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، قَالَ) أبو هريرة: (فَغَضِبَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ) القول المستلزم لتفضيلِ موسى على نبيِّنا صلَّى الله عليهما وسلَّم (فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُخَيِّرُونِي) أي: لا تفضِّلوني (عَلَى مُوسَى) قاله تواضُعًا وإرداعًا (١) لمن يخيِّر بين الأنبياء من قِبَل نفسه، فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى العصبيَّة المفضيةِ إلى الإفراطِ والتَّفريط، فيطرون الفاضل فوق حقِّه، ويبخسون المفضولَ حقَّه، فيقعونَ في مهواة البغي، والمعنى: لا تُخيِّروني بحيث يؤدِّي إلى الخصومةِ، أو لا تفضِّلوني عليه في العمل، فلعلَّه أكثر عملًا منِّي، والثَّواب بفضلِ الله لا بالعملِ (فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ) بفتح العين، يُغشى عليهم (يَوْمَ القِيَامَةِ) من نفخة البَعث (فَأَكُونُ أَوَّلَ) وللكُشميهنيِّ: «في أوَّل» (مَنْ يُفِيقُ) من الصَّعق (فَإِذَا مُوسَى) ﵊ (بَاطِشٌ) بكسر الطاء (بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مُوسَى فِيمَنْ صَعِقَ) بكسر العين (فَأَفَاقَ قَبْلِي) بالتَّحتية بعد اللام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قبل» لعلَّه قال ذلك قبل أن يعلمَ أنَّه أفضل الأنبياء وأنه (٢) أوَّل مَن تنشقُّ عنه
стр. 11396
الأرض (أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ) الأنبياء، أو موسى، أو الشُّهداء، أو الموتى كلّهم؛ لأنَّهم لا إحساس لهم، فلا يُصعقون، أو جبريل وميكائيل وإسرافيل ومَلك الموت، أو الأربعة وحَملة العرش، أو الملائكة كلّهم.
قال ابنُ حزمٍ في «الملل»: لأنَّهم أرواحٌ لا أرواحَ فيها فلا يموتون أصلًا، أو الوِلْدان الَّذين في الجنَّة والحور العين، أو خزَّان الجنَّة والنَّار وما فيها من الحيَّات والعقارب.
وقال البيهقيُّ: استضعف أهل النَّظر أكثر هذه الأقوال؛ لأنَّ الاستثناءَ وقع من سكَّان السَّموات والأرض، وهؤلاء ليسوا من سكَّانهما (١)؛ لأنَّ العرش فوق السَّموات، فحَمَلته ليسوا من سكَّانها، وجبريل وميكائيل من الصَّافِّين حولَ العرش، ولأنَّ الجنَّة فوقَ السَّموات، والجنَّة والنَّار عَالمان بانفرادِهما خُلقتا للبقاء.
والحديثُ سبق في «باب ما يذكر في الإشخاص» [خ¦٢٤١١].
٦٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَصْعَقُ النَّاسُ حِينَ يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ قَامَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ، فَمَا (٢) أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ؟) وتمامه: «أم لا» كما أوردَه الإسماعيليُّ، ولا يَلزم من فضلِ موسى من هذه الجهةِ أفضليَّته مُطلقًا.
(رَوَاهُ) أي: أصلَ الحديث المذكور (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)، كما سبقَ موصولًا في «كتاب الإشخاص» [خ¦٢٤١٢].
стр. 11397
(٤٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَقْبِضُ اللهُ) (الأَرْضَ) زاد أبو ذرٍّ: «يوم القيامة» (رَوَاهُ) أي: قوله: «يَقبض الله الأرض» (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا وصله في «التَّوحيد» [خ¦٧٤١٢] وهو ثابتٌ هنا في رواية المُستملي، كما في الفرعِ كأصله.
وقال في «الفتح»: هذا التَّعليق سَقط هنا (١) في رواية بعضِ شيوخ أبي ذرٍّ.
٦٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) بنِ حزنٍ، الإمام أبو محمَّدٍ المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ) يوم القيامة، أي: يضمُّ بعضها إلى بعضٍ ويبيدها (وَيَطْوِي السَّمَاءَ) أي (٢): يُذهبها ويُفنيها (بِيَمِينِهِ) بقدرته.
قال البيضاويُّ: عبَّر بذلك (٣) عن إفْناءِ الله تعالى هذه المُقِلَّةِ والمُظِلَّةِ، ورفْعِهِمَا من البينِ، وإخْرَاجِهِما من أن يكونا مأوى ومنزلًا لبني آدمَ، بقدرتهِ الباهرة الَّتي تَهون عليها الأفعالُ العِظام الَّتي تتضاءل (٤) دُونها القُوى والقُدَر، وتتحيَّر فيها الأفهامُ والفِكَر، على طريقةِ التَّمثيل والتَّخييل (ثُمَّ يَقُولُ) جلَّ وعَلا: (أَنَا المَلِكُ) بكسر اللام، أي: ذو المُلْكِ على الإطلاقِ (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ) العبد إذا وُصِفَ بالمُلك فوصفُ المُلك في حقِّه مجازٌ، والله تعالى مالِك الملْك، فالملكُ مملوكُ المالِك، فإذًا لا مُلْك ولا مَالك إلَّا هو، وكلُّ مُلْكٍ في الدُّنيا مُلْكه، عاريةٌ منه تعالى مستعارٌ مردودٌ إليه، وإليه الإشارةُ بقولهِ في المحشر: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ
стр. 11398
الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] ومن ثمَّ سمَّى نفسه: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لأنَّ العارية من المُلك، والمُلك عادت (١) ورُدَّت إلى (٢) مَالِكها ومُعيرها (٣)، وقوله تعالى: «أين مُلوك الأرضِ» هو عند انقطاعِ زمن الدُّنيا وبعده يكون البَعث.
والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٨٢]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «البَعث» و «التَّفسير»، وابن ماجه في «السُّنَّة».
٦٥٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكَيرٍ -بضم الموحدة وفتح الكاف- المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (٤) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ أبو الحارث الإمام (٥)، مولى بني فَهْم، وهو من نُظراء مَالكٍ. قال (٦): كان مُغَلُّه في العام ثمانين ألف دينارٍ، فما وجبت عليه زكاة (عَنْ خَالِدٍ) هو ابنُ يزيد -من الزِّيادة- الجُمَحِيُّ بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ مولاهم، أبي العلاء المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العُمريِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ القاصّ (٧) مولى
стр. 11399
ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَكُونُ الأَرْضُ) أي: أرضُ الدُّنيا (يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح الزاي بعدها هاء تأنيث، وهي الطُّلْمَة -بضم الطاء المهملة وسكون اللام- الَّتي توضع في المَلَّة -بفتح الميم واللام المشددة- الحفرة بعد إيقاد النَّار فيها.
قال النَّوويُّ: ومعنى الحديث: أنَّ الله تعالى يجعل الأرض كالطُّلْمَة والرَّغيف العظيم. انتهى.
وحملَه بعضُهم على ضرب المثل، فشبَّهها بذلك في الاستِدارة والبياضِ، والأولى حمله على الحقيقةِ مهما أمكن، وقُدرة الله صالحةٌ لذلك بل اعتقادُ كونه حقيقة أبلغُ، وقد أخرجَ الطَّبريُّ عن سعيد بن جبيرٍ، قال: تكون الأرضُ خبزةً بيضاءَ يأكلُ المؤمن من تحت قدميهِ. ومن طريقِ أبي معشر، عن محمَّد بن كعبٍ، أو محمَّد بن قيس ونحوه للبيهقيِّ بسندٍ ضعيفٍ عن عكرمةَ: تُبدَّل الأرض مِثل الخبزةِ يأكل (١) منها أهلُ الإسلام حتَّى يفرغوا من الحساب. ويستفاد منه أنَّ المؤمنين لا يُعاقبون بالجوعِ في طول زمانِ الموقف، بل يَقلِب الله بقدرتهِ طبعَ الأرض حتَّى يأكلوا منها من تحتِ أقدامِهم ما شاء الله من غيرِ علاجٍ ولا كلفةٍ، وإلى هذا القول ذهبَ ابن بَرَّجانٍ (٢) في «كتاب الإرشاد» له، كما نقلَه عنه القُرطبيُّ في «تذكرته».
(يَتَكَفَّؤُهَا) بفتح التَّحتية ثمَّ الفوقية والكاف والفاء المشددة (٣) بعدها همزة، أي: يقلبُها ويُميلها (الجَبَّارُ) تعالى (بِيَدِهِ) بقدرتهِ من ههنا إلى ههنا (كَمَا يَكْفَأُ) بفتح التحتية وسكون الكاف، يقلب (أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ) من يدٍ إلى يدٍ بعد أن يجعلها في المَلَّة بعد إيقاد النَّار فيها حتَّى تستوي (فِي السَّفَرِ) بفتح المهملة والفاء (نُزُلًا) بضم النون والزاي وإسكانها، مصدرٌ في موضعِ الحال (لأَهْلِ الجَنَّةِ) يأكلونها في الموقف قَبل دخولها، أو بعده (فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ) لم أعرف اسمه، إلى رسول الله ﷺ (٤)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فأتاه رجلٌ من اليهودِ» (فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ
стр. 11400
عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، أَلَا) بالتَّخفيف (أُخْبِرُكَ) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بِنُزُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ) ﷺ : (بَلَى) أَخْبِرني (قَالَ) اليهوديُّ: (تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ) ظَهرت (نَوَاجِذُهُ) إذ أعجبَه إخبار اليهوديِّ عن كتابهم بنظيرِ ما أخبرَ به ﷺ من جهةِ الوحي، وقد كان يعجبُه موافقةُ أهل الكتاب فيما لم ينزلْ عليه، فكيف بموافقتِهم بما أُنزل عليه، و «النَّواجذ» بالنون والجيم والذال المعجمة، جمع: ناجذٍ، وهو آخرُ الأضراس، وقد يُطلق عليها كُلّها وعلى الأنيابِ (ثُمَّ قَالَ) اليهوديُّ، وللكُشميهنيِّ: «فقال»: (أَلَا أُخْبِرُكَ) يا أبا القاسم، ولمسلمٍ: «أخبركُم (١)» (بِإِدَامِهِمْ؟) بكسر الهمزة، الَّذي يأكلون به الخبز (قَالَ: إِدَامُهُمْ بَا) بفتح الموحدة من غير همز (لأَمٌ) بتخفيف الميم والتَّنوين (٢) مرفوعة (وَنُونٌ) بلفظ حرف الهجاء التَّالي للميم (٣) منوَّنةٌ مرفوعةٌ (قَالُوا) أي: الصَّحابة: (وَمَا) تفسير (هَذَا؟ قَالَ) اليهوديُّ: بالامٌ (ثَوْرٌ وَنُونٌ) أي: حوتٌ، كما حكى النوويُّ اتِّفاق العلماء عليه.
قال (٤): وأمَّا «با لام» ففي معناه أقوالٌ، والصَّحيح منها ما اختارهُ المحقِّقون أنَّها لفظةٌ عبرانيَّةٌ، معناها بها (٥): الثَّور، كما فسَّرها اليهوديُّ، ولو كانت عربيَّةً لعرفها الصَّحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها (يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا) القطعة المنفردةُ المتعلِّقة بكبدِهما، وهي أطيبه (سَبْعُونَ أَلْفًا) الَّذي يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ خُصُّوا بأطيبِ النُّزل (٦)، أو لم يردِ الحصر بل أرادَ العددَ الكثير، قاله القاضِي عياض.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة».
стр. 11401
٦٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) الحكم بن محمَّد الحافظ، أبو محمَّدٌ الجُمحيُّ مولاهم، قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي كثيرٍ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما، السَّاعديَّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حالَ كونه (يَقُولُ: يُحْشَرُ النَّاسُ) بضم التَّحتية من «يُحشر» مبنيًّا للمفعولِ، أي: يحشر الله النَّاس (يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ) بفتح العين المهملة وسكون الفاء بعدها راء فهمزة، ليس بياضها بالنَّاصع، أو تضرب إلى الحُمرة قليلًا، أو خالصة البياضِ، أو شديدتُهُ، والأوَّل هو المُعتمد (كَقُرْصَةِ) خُبزٍ (نَقِيٍّ) سالمٍ دَقِيقُه من الغشِّ والنُّخال (قَالَ سَهْلٌ) هو ابنُ سعدٍ المذكور بالسَّند السَّابق (-أَوْ: غَيْرُهُ-) بالشَّكِّ قال في «الفتح»: ولم أقفْ على اسمِ الغير.
(لَيْسَ فِيهَا) أي: في الأرض المذكورة (١) (مَعْلَمٌ) بفتح الميم واللام بينهما عين مهملة ساكنة علامة (لأَحَدٍ) يُستدلُّ بها على الطَّريق.
وقال عياضٌ: ليس فيها علامة سُكنى ولا أثرٌ ولا شيءٌ من العلامات الَّتي يُهتدى بها في الطُّرقات كالجبلِ والصَّخرة البارزةِ، وفيه تعريض بأنَّ أرض الدُّنيا ذهبتْ وانقطعتِ العلاقة منها.
وأخرج عبد الرَّزَّاق وعبدُ بن حُميد والطَّبريُّ في «تفاسيرهم» والبيهقيُّ في «الشُّعب» من طريقِ عَمرو بن ميمون، عن عبدِ الله بن مسعودٍ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ الاية [إبراهيم: ٤٨] قال: «تُبدَّل الأرض أرضًا (٢)، كأنَّها فضَّةٌ لم يُسفك فيها دمٌ حرامٌ، ولم يُعملْ عليها خطيئة». ورجاله رجالُ الصَّحيح وهو موقوفٌ.
نعم أخرجه البيهقيُّ من طريقٍ آخر مرفوعًا لكنَّه قال: الموقوف أصحُّ.
стр. 11402
وعند الطَّبريِّ من طريق سنان بنِ سعدٍ، عن أنسٍ مرفوعًا: «يبدِّلُ اللَّه الأرضَ بأرضٍ من فضَّةٍ لم يُعمَل عليها الخطَايَا» وعن عليٍّ موقوفًا نحوه، ومن طريق ابنِ أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: أرضٌ كأنَّها فضَّةٌ والسَّموات كذلك. وعند عبدِ بن حميدٍ (١) من طريقِ الحكم بن أبانٍ، عن عكرمةَ قال: بَلغنا أنَّ هذه الأرض؛ يعني: أرض الدُّنيا تُطوى وإلى جنبها أخرى يُحشر النَّاس منها إليها. والحكمةُ في ذلك -كما في «بهجة النُّفوس» -: أنَّ ذلك اليوم يوم عدلٍ وظهور حقٍّ، فاقتضتِ الحكمةُ أن يكون المحلُّ الَّذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عملِ المعصيةِ والظُّلم، وليكون تجلِّيه سبحانهُ على عبادهِ المؤمنين على أرضٍ تليقُ بعظمتهِ، ولأنَّ الحكم فيه إنَّما يكون لله وحدَه، فناسبَ أن يكون المحلُّ خالصًا له وحدَهُ. انتهى.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة».
(٤٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكرُ فيه، بيان (كَيْفَ الحَشْرُ) وهو الجمعُ.
٦٥٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة (ابْنُ أَسَدٍ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان اليمانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٢)) أنَّه (قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ) قُبيل السَّاعة إلى الشَّام (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) أي: فِرَقٍ؛ فرقة (رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ) بغير
стр. 11403
واو في الفرع كأصلهِ في «راهبين» وقال في «الفتح»: «وراهبين» بالواو، وفي مسلمٍ بغير واو، وهذه الفرقة هي الَّتي اغتنمتِ الفُرصة وسارت على فُسحةٍ من الظَّهر، ويسرةٍ من الزَّاد راغبةً فيما تستقبلُه راهبةً فيما تستدبره (وَ) الفِرقة الثَّانية تقاعدتْ حتَّى قلَّ الظَّهر وضاق عن أن يسعَهم؛ لركوبهمْ فاشتركوا فركبَ منهم (اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ) يعتقبون (عَلَى بَعِيرٍ) بإثبات الواو في الأربعةِ في فرع «اليونينيَّة» كهي. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: بالواو في الأوَّل فقط، وفي رواية مسلمٍ والإسماعيليِّ بالواو في الجميع، ولم يذكرِ الخمسة والستَّة إلى العشرة اكتفاءً بما ذكر (وَيَحْشُرُ) بالتَّحتية، ولأبي ذرٍّ بالفوقيَّة (بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ) لعجزِهم عن تحصيلِ ما يركبونَهُ وهي الفرقة الثَّالثة، والمراد بالنَّار هنا نار الدُّنيا لا نار الآخرة، وقيل: المراد نارُ الفتنةِ، وليس المرادُ (١) نار الآخرة.
قال الطِّيبيُّ: لقوله: «ويحشرُ بقيَّتهم النَّار» فإنَّ النَّار هي الحاشرةُ، ولو أريد ذلك المعنى لقالَ: إلى النَّار، ولقوله: (تَقِيلُ) من القيلولة، أي: تستريحُ (مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ) من البيتوتةِ (مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا) فإنَّها جملةٌ مستأنفةٌ بيانٌ للكلام السَّابق، فإنَّ الضَّمير في «تقيل» راجعًا إلى النَّار الحاشرة، وهو من الاستعارةِ، فيدلُّ على أنَّها ليست النَّار الحقيقيَّة بل نار الفتنةِ، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ولا يمتنعُ إطلاق النَّار على الحقيقيَّة وهي الَّتي تخرج من عدنٍ، وعلى المجازيَّة وهي الفتنةُ؛ إذ لا تَنافي بينهما.
وفي حديث حُذيفة بن أَسيد -بفتح الهمزة- عند مسلمٍ المذكور فيه الآيات الكائنة قبل يوم السَّاعة كطلوعِ الشَّمس من مغربها، وفيه: «وآخر ذلك نارٌ تخرجُ من قعر عدنٍ تُرحِّل النَّاس»، وفي رواية له: «تطردُ النَّاس إلى حشرِهم»، وفي حديثِ معاويةَ بنِ حَيْدةَ جدِّ بَهْز بن حكيمٍ،
стр. 11404
رفعه: «إنَّكُم محشورُونَ (١) -ونحَا بيدهِ نحو الشَّامِ- رجالًا وركبانًا وتُجَرُّونَ (٢) على وجوهِكُم» رواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ بسندٍ قويٍّ.
وعند أحمد بسندٍ لا بأس به حديثٌ: «ستكون هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، وينحازُ (٣) النَّاس إلى مُهَاجَر إبراهيمَ، ولا يبقى في الأرضِ إلَّا شرارها تلفظُهم أرضوهُم وتحشرُهم النَّار مع القِردة والخنازير، تبيتُ معهم إذا باتُوا وتقيلُ معهم إذا قالوا». وفي حديثِ أبي ذرٍّ عند أحمد والنَّسائيِّ والبيهقيِّ: حدَّثني الصَّادق المصدوق: «إنَّ النَّاسَ يحشرونَ يومَ القيامةِ على ثلاثةِ أفواجٍ: فوجٌ طاعمينَ كاسينَ راكبينَ، وفوجٌ يمشونَ، وفوجٌ تسحبهُمُ الملائكةُ على وجوههم» الحديث. وفيه: أنَّهم سألوا عن السَّبب في مشي المذكورين، فقال: «يُلْقِي الله الآفةَ على الظَّهر حتَّى لا يبقى ذاتُ ظهرٍ، حتَّى إنَّ الرَّجلَ ليُعطى الحديقَةَ المُعْجبةَ بالشَّارف ذات القَتَب» أي: يشتري النَّاقة المسنَّة لأجلِ ركوبها (٤) تحملُه على القَتَب بالبستانِ الكريمِ لهوانِ العقار الَّذي عَزَمَ على الرَّحيل عنه، وعزَّة الظَّهر الَّذي يوصلُه إلى مقصودهِ، وهذا لائقٌ بأحوالِ الدُّنيا.
لكن استُشكل قوله فيه: «يوم القيامة»؟ وأُجيب بأنَّه مؤوَّلٌ على أنَّ المراد بذلك: أنَّ يوم القيامة يعقبُ ذلك، فيكون من مجازِ المجاورة، ويتعيَّن ذلك لِمَا وقع فيه أنَّ الظَّهر يقل لِمَا يُلقى عليه من الآفةِ، وأنَّ الرَّجل يشتري الشَّارف الواحدَ (٥) بالحديقةِ المعجِبة، فإنَّ ذلك ظاهرٌ جدًّا في أنَّه من أحوال الدُّنيا لا بعد البَعث، ومن أين للَّذين يُبعثون بعد الموت حُفاةً عُراةً (٦) حدائق يدفعونها في الشَّوارفِ، ومَالَ الحَليميُّ وغيره إلى أنَّ هذا الحشر يكون عند الخروج من القبورِ، وجزمَ به الغزاليُّ، وذهبَ إليه التُّوربشتيُّ في «شرح المصابيح» له، وأشبعَ الكلام في تقريرهِ بما يطولُ ذكره.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «باب يُحشر النَّاس على طرائق».
стр. 11405
٦٥٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو جعفر الحافظ، الجعفيُّ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ) المؤدِّب الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشين المعجمة والموحدة المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة وبعد الألف نون، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ المؤدِّب التَّميميُّ مولاهم (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظُ ابنُ حَجر: لم أعرفْ اسمه (قَالَ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الكَافِرُ) ماشيًا يوم القيامة (عَلَى وَجْهِهِ؟) وهذا السُّؤال مسبوقٌ بمثل قوله: «يُحشر بعضُ النَّاس يوم القيامة على وجوهِهِم»، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «كيف» فيصير استفهامًا حذف أداتُه، وعند الحاكم من وجهٍ آخر عن أنسٍ (١): «كيف يُحشر أهلُ النَّار على وجوهِهِم؟» وحكمتُه: المعاقبة على عدمِ سجودهِ لله تعالى في الدُّنيا (٢)، فيُسحبُ على وجهِهِ، أو يمشِي عليهِ إظهارًا لهوانهِ في ذلك المحشرِ العظيمِ جزاءً وفاقًا (قَالَ ﷺ : أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنَّ يُمْشِيَهُ) بضم التَّحتية وسكون الميم، حقيقة (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي «مسند أحمد» من حديث أبي هريرة: «أما إنَّهم يتَّقون بوجوهِهِم كلَّ حَدَبٍ وشوكٍ»، وقوله: «قادرًا» نصب في الفرعِ مصحَّحٌ عليه وهو خبرُ «ليس» (٣)، وأعربه الطِّيبيُّ بالرفع خبر «الَّذي» واسم «ليس» ضمير الشَّأن.
(قالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة، بالسَّند السَّابق: (بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا) قادرٌ على ذلك.
والحديثُ سبق في «التَّفسير» [خ¦٤٧٦٠]، وأخرجهُ مسلمٌ في «التَّوبة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
стр. 11406
٦٥٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ دينار: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، يقول: (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄، يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ) في الموقف بعد البَعث، حال كونكُم (حُفَاةً) بضم المهملة وتخفيف الفاء، بلا خُفٍّ ولا نَعلٍ (عُرَاةً) بضم العين المهملة، وهذا ظاهرُه يُعارض حديث أبي سعيدٍ المروي عند أبي داود، وصحَّحه ابن حبَّان أنَّه لمَّا حضره الموت دَعا بثيابٍ جُددٍ فلبسها، وقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ الميِّتَ يُبعثُ في ثيابهِ الَّتي يموتُ فيها» لكنْ جُمِعَ بينها بأنَّهم يخرجون من القبورِ بأثوابهِم الَّتي دُفنوا فيها، ثمَّ تتناثرُ عنهم عند ابتداءِ الحشر فيُحشرون عُراةً، وحملَه بعضُهم على العمل، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ﴾ [الأعراف: ٢٦] (مُشَاةً) بضم الميم بعدها معجمة، غير راكبين (غُرْلًا) بضم المعجمة وسكون الراء، جمع: أَغْرَلَ، وهو الأقلَفُ، والغُرْلة: القُلْفة، وهو ما يُقطعُ من فرجِ (١) الذَّكر.
(قالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة، بالإسناد السَّابق: (هَذَا) الحديث (مِمَّا نَعُدُّ) بنون مفتوحة وضم العين، ولابن عساكرَ: «يُعَدُّ» بتحتية مضمومة وفتح العين (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (سَمِعَهُ مِنَ
стр. 11407
النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد ضبطَه (١) غندرٌ، فقال: إنَّه عشرة أحاديث. وعن أبي داود صاحب «السُّنن» ويحيى بنُ معينٍ ويحيى القطَّان تسعةٌ. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: إنَّها تزيدُ على الأربعين ما بين صحيحٍ وحسنٍ خارجًا عن الضَّعيف، وزائدًا أيضًا على ما هو في حكمِ السَّماع كحكايتهِ حضور شيءٍ فُعل بحضرة النَّبيِّ ﷺ .
٦٥٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ، وسقط «ابن سعيدٍ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) أي: ابن دينار (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) حال كونه (يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ) أصله: مُلاقون، فسقطت النُّون لإضافتهِ للاسم الشَّريف (حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) وسقطت في روايةِ قتيبة هذه «مُشاةً»، وثبتتْ عنه في مسلم لكنَّه لم يقل: «على المنبر».
٦٥٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكرٍ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة المفتوحة بعدها معجمة مشددة، الملقَّب ببُنْدَارٍ (٢) العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة بعدها راء، محمَّدُ بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) النَّخعيِّ، ولابن عساكرَ: «يعني: ابن النُّعمان» (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ) في خطبته: (إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ)
стр. 11408
بميم مفتوحة، اسم مفعولٍ من حشر، ولابن عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تُحشرون» بفوقية مضمومة، مبنيًّا للمفعول من المضارع (حُفَاةً عُرَاةً) زاد أبو ذرٍّ: «غرلًا» ولم يقل هنا أيضًا: «مُشاةً» قال ابن عبد البرِّ: يُحشر الآدميُّ عاريًا، ولكلٍّ من الأعضاء ما كان له يوم وُلِد، فمَن قُطع منه شيءٌ يردُّ إليه حتَّى الأقلف (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٤]) بأن نجمعَ أجزاءه المتبدِّدة (١)، أو نُعيد ما خلقناهُ (٢) مبتدأ إعادةً مثل بدئنا إيَّاه في كونهما إيجادًا عن العدمِ، والمقصودُ بيان صحَّة الإعادةِ بالقياسِ على الابتداء (٣)؛ لشمولِ الإمكان الذَّاتيِّ المصحِّح للمقدوريَّة، وتناول القدرة القديمةِ لهما على السَّواء.
فإن قلتَ: سياق الآية في إثباتِ الحشر والنَّشر؛ لأنَّ المعنى: يوجدكُم من العدم كما مرَّ، فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور؟
أجاب الطِّيبيُّ بأنَّ سياق الآية دلَّ على إثباتِ الحشر، وإشارتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب الإدماج.
(وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) لأنَّه أوَّل من عُرِّي في ذاتِ الله حين أرادوا إِلقاءه في النَّار، وقيل: لأنَّه مَن استنَّ التَّستُّر بالسَّراويل، وقيل: لأنَّه لم يكن في الأرضِ أخوف لله منه، فعُجِّلت له كُسوته أمانًا له ليطمئنَّ قلبه، واختارَ هذا الأخير الحَليميُّ، وقد أخرج ابنُ منده من حديث معاوية بنِ حَيْدةَ رفعه: «أوَّلُ من يكسَى إبراهيم، يقول اللهُ: اكسُوا خليلِي؛ ليعلمَ النَّاسُ فضلهُ عليهمْ» وقول أبي العبَّاس القُرطبيِّ: يجوز أن يرادَ بالخلائقِ ما عدا نبيِّنا ﷺ فلم يدخلْ في عموم خطاب نفسه. تعقَّبه في «التَّذكرة» بحديث عليٍّ عند ابن المبارك في «الزُّهد»: «أوَّل مَن يُكسى يوم القيامة خليلُ الله قُبْطِيَّتين (٤) ثمَّ يُكسى محمَّدٌ ﷺ حُلَّةً حِبَرَةً عن يمين العرشِ». انتهى.
стр. 11409
ولا يلزم من تخصيصِ إبراهيم ﵇ بأنَّه أوَّل مَن يُكسى أن يكون أفضل من نبيِّنا على ما لا يخفى، وكم لنبيِّنا من فضائل مختصَّة به لم يُسبق إليها ولم يُشارك فيها، وإذا بدئ الخليل بالكُسوة وثُنِّي بنبيِّنا ﷺ أُتي نبيُّنا بحلَّةٍ لا يقوم لها البشر؛ ليُجْبَر التَّأخير بنفاسة الكُسوة، فيكون كأنَّه كُسيَ مع الخليل، قاله الحَليميُّ.
(وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي (١): جِهة جهنَّم (٢) (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ) هؤلاء (أُصَيْحَابِي) بضم الهمزة، مصغَّرًا خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هؤلاء كما مرَّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «أصحابي» أي: أُمَّتي أُمَّة الدَّعوة (فَيَقُولُ الله) : (إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى ابن مريم: (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾) رقيبًا (﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾) إلى قوله: (﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] قَالَ: فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ) وللكُشميهنيِّ: «لن» (يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) زاد في ترجمة «مريم» من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٧] «قال الفَِرَبْريِّ: ذكر عن أبي عبد الله البُخاريِّ عن قبيصةَ، قال: هم الَّذين ارتدُّوا على عهد أبي بكرٍ، فقاتلهم أبو بكر» يعني: حتَّى قُتلوا وماتوا على الكفرِ، وقد وصله الإسماعيليُّ، ويُحتمل أن يكونوا منافقين، وقال البيضاويُّ: ليس قوله نصًّا في كونهم ارتدُّوا عن الإسلام بل يُحتمل ذلك، ويُحتمل أن يرَاد أنَّهم عُصاةٌ مرتدُّون عن الاستقامة يُبدّلون الأعمال الصَّالحة بالسَّيِّئة.
٦٥٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) الدَّارميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهُجَيْمِيُّ (٣) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) بفتح الصاد المهملة وكسر الغين
стр. 11410
المعجمة، مسلمٌ القشيريُّ (١)، يُكنى أبا يونسَ (٢) (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بنُ عُبيد الله بن أبي مُلَيكة -بضم الميم وفتح اللام- واسمه: زُهير المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق التَّيميُّ (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) جمع: أَغْرَل، وهو الأقلَفُ وزنًا ومعنًى، وهو مَن بقيتْ غُرْلته، وهي الجلدةُ الَّتي يقطعُها الخاتنُ من الذَّكر، قال أبو هلال العسكريُّ: لا تلتقِي اللام مع الرَّاء في كلمة إلَّا في أربعٍ: أُرلٌ اسمُ جبلٍ، ووَرَلٌ اسمُ حيوانٍ، وحَرَلٌ ضربٌ من الحجارةِ، والغُرْلة. وزاد غيره: هَرَلٌ وَلد الزَّوجة، وبَرَلٌ الدِّيك الَّذي يستدبرُ بعنقهِ.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) مبتدأٌ خبره (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى) سَوأة (بَعْضٍ) وفيه معنى الاستفهام، ولِذا أجابها (فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ) بغير لام وكسر الكاف، وضم تحتية «يُهِمّهم» وكسر الهاء من الرُّباعي، وجوَّز السَّفاقسيُّ الفتح ثمَّ الضم، من همَّه الشَّيء إذا أذاه. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى، وعند التِّرمذيِّ والحاكم من طريق عثمان بن عبد الرَّحمن القُرظيِّ (٣): قرأتْ عائشة ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] فقالتْ: واسَوْأتاه الرِّجال والنِّساء يُحشرون جميعًا ينظرُ بعضُهم إلى سَوأة بعضٍ؟! فقال: «لكلِّ امرئٍ شأنٌ يُغنيه -وزاد-: لا يَنظر الرِّجال إلى النِّساء ولا النِّساء إلى الرِّجال».
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في صفةِ الحَشر، والنَّسائيُّ في «الجنائز» و «التَّفسير»، وابن ماجه في «الزُّهد».
стр. 11411
٦٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد مسلمٌ عن محمَّد بن المثنى: «نحوًا من أربعين رجلًا» (فِي قُبَّةٍ) من أدم، كما عند الإسماعيليِّ وغيره (فَقَالَ ﵊: أَتَرْضَوْنَ) بهمزة الاستفهام (أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: تَرْضَوْنَ) بغير همزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أترضون» (أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ) أي: نصف أهلها (قُلْنَا: نَعَمْ) وسقط قوله «قال: أترضون أن تكونوا شطر … » إلى آخره لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ والأَصيليِّ. قال السَّفاقسيُّ: ذكره بلفظ الاستفهام؛ لإرادة تقرير البشارة بذلك، وذكره بالتَّدريج ليكون أعظم لسرورهِم، وعند أحمد وابن أبي حاتمٍ من حديث أبي هُريرة قال: لمَّا نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] شقَّ ذلك على الصَّحابة فنزلتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنِّي لأرجُو أن تكونُوا ربعَ أهلِ الجنَّةِ بل ثلثَ أهلِ الجنَّةِ بل أنتُم نصفُ أهلِ الجنَّةِ، وتقاسمُونهُم في النِّصفِ الثَّانِي» (قَالَ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ) بالهمز (فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ) و (٢) في رواية أبي أحمد الجرجانيِّ، عن الفَِرَبْريِّ: «الأبيض» بَدل: «الأحمر».
والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «النُّذور» [خ¦٦٦٤٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة الجنَّة»، وابن ماجه في «الزُّهد».
стр. 11412
٦٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد أبو بكرٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ بلال (عَنْ ثَوْرٍ) بالمثلَّثة المفتوحة، ابن زيدٍ الأيليّ (١) (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلَّثة، سالم مولى عبد الله بن مُطيعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن النَّبيِّ (٢)» (¬ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى) بضم أوَّله وفتح ثالثه، أي: يُطلب (يَوْمَ القِيَامَةِ آدَمُ) ﵇ (فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ) كذا في الفرع كأصله (٣) مكتوبةٌ بألفين بعد الرَّاء مصحَّحًا عليه. قال في «الفتح»: وهو بمثنَّاةٍ واحدةٍ ومدَّةٍ ثمَّ همزة مفتوحة مُمالة، وأصله: فتتراءى، فحذفت إحدى التَّاءين، وتراءى الشَّخصان تَقابلا بحيث صار كلٌّ منهما يتمكَّن من رؤية الآخر، وللإسماعيليِّ من طريق الدَّراورديِّ عن ثور: «فتتراءى له ذرِّيَّته» على الأصل (فَيُقَالُ) لهم: (هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ) آدم: (لَبَّيْكَ) ربِّ (وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ) الله تعالى له: (أَخْرِجْ) بفتح الهمزة وكسر الراء، فِعْلُ أمرٍ (بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ) أي: الَّذين (٤) استحقُّوا أن يُبعثوا إليها من جُملة النَّاس وميِّزهم وابعثْهُم إلى النَّار، وخصَّ آدم بذلك؛ لأنَّه وَالد الجميع، ولكونه كان (٥) قد عرف أهل السَّعادة من أهل الشَّقاء، كما في حديث المعراج أنَّه عن يمينهِ أَسْودةٌ وعن شمالهِ أَسْودةٌ … الحديث. وظاهر هذا -كما قال في «الفتح» -: أنَّ خِطاب آدم بذلك أوَّل شيءٍ يَقع يوم القيامة (فَيَقُولُ) آدم: (يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ) بضم الهمزة وكسر الراء، منهم (فَيَقُولُ) الله : (أَخْرِجْ) بفتح الهمزة وكسر الراء (مِنْ كُلِّ مِئَةٍ) من النَّاس (تِسْعَةً وَتِسْعِينَ) نفسًا (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا أُخِذَ مِنَّا) بضم الهمزة وكسر المعجمة (مِنْ كُلِّ مِئَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَمَاذَا (٦) يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ ﷺ : إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ) قال السَّفاقسيُّ: أطلق الشَّعرة
стр. 11413
وليس المراد حقيقةَ الواحد؛ لأنَّه لا يكون ثورٌ ليس في جلدِه غير شعرةٍ واحدةٍ من غيرِ لونه.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة يُحتمل أن تكون من جهة أنَّ الَّذي تضمَّنه إنَّما يكون بعد الحشر يوم القيامة. ورواتُه كلُّهم مدنيُّون وهو من أفرادهِ.
(٤٦) (بابُ قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «إنَّ» (﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾) أي: تحريكها للأشياءِ على الإسنادِ المجازيِّ، أو تحريك الأشياء فيها، فأُضيفت إليها إضافةً معنويَّةً بتقدير «في» أو من إضافةِ المصدرِ إلى الفاعل، والمحذوف المفعول، وهو الأرض يدلُّ عليه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] وقيل: هي زلزلةٌ تكون قُبيل طلوع الشَّمس من مَغْربها، وإضافتها إلى السَّاعة؛ لأنَّها من أشراطها (﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]) هائلٌ، ومفهومه: جواز إطلاق الشَّيء على المعدومِ؛ لأنَّ الزَّلزلة لم تقعْ بعد، ومن منعَ إيقاعه على المعدومِ قال: جعل الزَّلزلة شيئًا؛ لِتَيَقُّن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود (﴿أَزِفَتْ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]) دنت السَّاعة الموصوفة بالدُّنوِّ في نحو قوله: (﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]) قال الزَّجَّاج: يعني: السَّاعة الَّتي تقوم فيها القيامة.
٦٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «حَدَّثنا» (يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ، المتوفى ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد
стр. 11414
بن مالكٍ الخدريِّ ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقُولُ اللهُ) ، وسقط لأبي ذرٍّ «قال: قال رسول الله ﷺ » فيكون الحديثُ غير مرفوعٍ، وبه جزمَ أبو نُعيمٍ في «مُستخرجه». قال في «الفتح»: وفي روايةٍ بإثبات قوله: «قالَ رسولُ الله ﷺ » وكذا في مسلمٍ عن عثمان ابن أبي شيبة، عن جريرٍ بسند البخاريِّ فيه: (يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) في الاقتصار على الخيرِ نوع تعطُّفٍ ورعايةٍ للأدب، وإلَّا فالشَّرُّ أيضًا بتقديرهِ كالخير (قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ) ميِّزهم من النَّاس (قَالَ) آدمُ: سمعتُ يا ربِّ وأطعتُ (وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) فالواو عاطفةٌ على محذوفٍ، أي: وما مقدار مبعوث النَّار؟ (قَالَ) الله تعالى: (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) فالمتأخِّر من الألف واحدٌ (٢)، ولا معارضة بينه وبين الرِّواية الأولى «من كلِّ مئة تسعةً وتسعين» [خ¦٦٥٢٩] لأنَّ مفهومَ العدد لا اعتبارَ له، فالتَّخصيص بعددٍ لا يدلُّ على نفي الزَّائد، أو المقصود (٣) من العددين هو تقليلُ عددِ المؤمنين، وتكثيرُ عدد الكافرين، قاله صاحب «الكواكب». وتعقَّبه صاحب «الفتح» فقال: مقتضَى كلامه الأوَّل تقديم حديث أبي هريرة على حديثِ أبي سعيدٍ، فإنَّه يشتملُ على زيادةٍ، فإنَّ حديث أبي سعيدٍ يدلُّ على أنَّ نصيبَ أهل الجنَّة من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وحديثُ أبي هريرة يدلُّ على أنَّه عشرةٌ، فالحكمُ للزَّائد، ومُقتضى كلامهِ الأخير أنَّ لا يُنظر إلى العددِ أصلًا بل القدر المشترك منهما ما ذكرهُ من تقليلِ العدد، ثمَّ أجاب بحمل حديث أبي سعيدٍ ومَن وافقه على جميع ذرِّيَّة آدم، فيكون من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وحمل حديث أبي هريرة ومَن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كلِّ ألفٍ عشرةٌ، ويقرِّب ذلك أنَّ يأجوجَ ومأجوج ذُكِرُوا في حديثِ أبي سعيدٍ دون حديث أبي هريرة، ويحتملُ أن يكون الأوَّل يتعلَّق بالخلقِ أجمعين، والثَّاني بخصوصِ هذه الأمَّة، ويقرِّبه قوله في حديثِ أبي هريرة: «إذا أخذَ منَّا واحدٌ»، أو يُحتمل أن تقعَ القسمة مرَّتين مرَّةً من جميع الأمَّة ومرةً من هذه الأمَّة فقط، فيكون من كلِّ ألفٍ عشرة (٤)، لكن قيل في حديث ابن عبَّاسٍ: «إنَّما أنتُم جزءٌ من ألف جزءٍ»، يُحتمل أن يكون المراد بـ «بَعث النَّار» الكفَّار ومَن يدخُلها من العُصاة، فيكون من كلِّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعون كافرًا، ومن كلِّ مئةٍ تسعةٌ وتسعون عاصيًا. انتهى.
стр. 11415
(فَذَاكَ) بدون لام (حِينَ) أي: الوقت الَّذي من شدَّة هَوله (يَشِيبُ) فيه (الصَّغِيرُ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾) جنينَها (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾) بفتح السين وسكون الكاف، كأنَّهم سَكرى (﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾) على الحقيقةِ (﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]) ولابن عساكرَ: «سُكَارَى» بضم السين وفتح الكاف فيهما، وبها قرأ غير حمزةَ والكسائيِّ في «الحجِّ» وهذا وقع على سبيلِ الفرض أو التَّمثيل (١)، والتَّقدير أنَّ الحال ينتهي إلى أنَّه لو كانت النِّساء حينئذٍ حوامل لوضعتْ، أو يحملُ على الحقيقة فإنَّ كلَّ أحدٍ يُبعث على ما مات عليه فتُبعث الحاملُ حاملًا والطِّفل طفلًا، فإذا وقعت زلزلة السَّاعة وقيل ذلك لآدم، حلَّ بهم من الوَجلِ ما تسقطُ معه الحاملُ ويشيب له الطِّفل (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) على الصَّحابة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا) ذلك (الرَّجُلُ) الَّذي يبقى من الألف (قَالَ ﷺ : أَبْشِرُوا) قال الطِّيبيُّ: يُحتمل أن يكون الاستفهامُ على حقيقتهِ، فكان حقُّ الجواب أنَّ ذلك الواحد فلانٌ أو مَن يتَّصف بالصِّفة الفُلانيَّة، ويُحتمل أن يكون استعظامًا لذلك الأمرِ واستشعارًا للخوفِ منه، فلذلك وقعَ الجواب بقوله: «أَبشروا» (فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ) بالرَّفع مصحَّحًا (٢) عليه في الفرعِ كأصله بتقدير: فإنَّه، فحذفت (٣) الهاء وهي ضميرُ الشَّأن، والجملة الاسميَّة بعده خبر «إنَّ» ولأبي ذرٍّ: «ألفًا» بالنَّصب اسم «إنَّ» (وَمِنْكُمْ رَجُلٌ). وظاهر قوله: «فإنَّ من يأجوج ومأجوج