← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.

стр. 11411

٦٥٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديِّ (١) (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) زاد مسلمٌ عن محمَّد بن المثنى: «نحوًا من أربعين رجلًا» (فِي قُبَّةٍ) من أدم، كما عند الإسماعيليِّ وغيره (فَقَالَ ﵊: أَتَرْضَوْنَ) بهمزة الاستفهام (أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: تَرْضَوْنَ) بغير همزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أترضون» (أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ) أي: نصف أهلها (قُلْنَا: نَعَمْ) وسقط قوله «قال: أترضون أن تكونوا شطر … » إلى آخره لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ والأَصيليِّ. قال السَّفاقسيُّ: ذكره بلفظ الاستفهام؛ لإرادة تقرير البشارة بذلك، وذكره بالتَّدريج ليكون أعظم لسرورهِم، وعند أحمد وابن أبي حاتمٍ من حديث أبي هُريرة قال: لمَّا نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] شقَّ ذلك على الصَّحابة فنزلتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ. وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنِّي لأرجُو أن تكونُوا ربعَ أهلِ الجنَّةِ بل ثلثَ أهلِ الجنَّةِ بل أنتُم نصفُ أهلِ الجنَّةِ، وتقاسمُونهُم في النِّصفِ الثَّانِي» (قَالَ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ) بالهمز (فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ) و (٢) في رواية أبي أحمد الجرجانيِّ، عن الفَِرَبْريِّ: «الأبيض» بَدل: «الأحمر». والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «النُّذور» [خ¦٦٦٤٢]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة الجنَّة»، وابن ماجه في «الزُّهد».

стр. 11412

٦٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد أبو بكرٍ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ بلال (عَنْ ثَوْرٍ) بالمثلَّثة المفتوحة، ابن زيدٍ الأيليّ (١) (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلَّثة، سالم مولى عبد الله بن مُطيعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «عن النَّبيِّ (٢)» (¬ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى) بضم أوَّله وفتح ثالثه، أي: يُطلب (يَوْمَ القِيَامَةِ آدَمُ) ﵇ (فَتَرَاءَى ذُرِّيَّتُهُ) كذا في الفرع كأصله (٣) مكتوبةٌ بألفين بعد الرَّاء مصحَّحًا عليه. قال في «الفتح»: وهو بمثنَّاةٍ واحدةٍ ومدَّةٍ ثمَّ همزة مفتوحة مُمالة، وأصله: فتتراءى، فحذفت إحدى التَّاءين، وتراءى الشَّخصان تَقابلا بحيث صار كلٌّ منهما يتمكَّن من رؤية الآخر، وللإسماعيليِّ من طريق الدَّراورديِّ عن ثور: «فتتراءى له ذرِّيَّته» على الأصل (فَيُقَالُ) لهم: (هَذَا أَبُوكُمْ آدَمُ. فَيَقُولُ) آدم: (لَبَّيْكَ) ربِّ (وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ) الله تعالى له: (أَخْرِجْ) بفتح الهمزة وكسر الراء، فِعْلُ أمرٍ (بَعْثَ جَهَنَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ) أي: الَّذين (٤) استحقُّوا أن يُبعثوا إليها من جُملة النَّاس وميِّزهم وابعثْهُم إلى النَّار، وخصَّ آدم بذلك؛ لأنَّه وَالد الجميع، ولكونه كان (٥) قد عرف أهل السَّعادة من أهل الشَّقاء، كما في حديث المعراج أنَّه عن يمينهِ أَسْودةٌ وعن شمالهِ أَسْودةٌ … الحديث. وظاهر هذا -كما قال في «الفتح» -: أنَّ خِطاب آدم بذلك أوَّل شيءٍ يَقع يوم القيامة (فَيَقُولُ) آدم: (يَا رَبِّ كَمْ أُخْرِجُ) بضم الهمزة وكسر الراء، منهم (فَيَقُولُ) الله : (أَخْرِجْ) بفتح الهمزة وكسر الراء (مِنْ كُلِّ مِئَةٍ) من النَّاس (تِسْعَةً وَتِسْعِينَ) نفسًا (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا أُخِذَ مِنَّا) بضم الهمزة وكسر المعجمة (مِنْ كُلِّ مِئَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، فَمَاذَا (٦) يَبْقَى مِنَّا؟ قَالَ ﷺ : إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ) قال السَّفاقسيُّ: أطلق الشَّعرة

стр. 11413

وليس المراد حقيقةَ الواحد؛ لأنَّه لا يكون ثورٌ ليس في جلدِه غير شعرةٍ واحدةٍ من غيرِ لونه. ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة يُحتمل أن تكون من جهة أنَّ الَّذي تضمَّنه إنَّما يكون بعد الحشر يوم القيامة. ورواتُه كلُّهم مدنيُّون وهو من أفرادهِ. (٤٦) (بابُ قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ﴾) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين «إنَّ» (﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾) أي: تحريكها للأشياءِ على الإسنادِ المجازيِّ، أو تحريك الأشياء فيها، فأُضيفت إليها إضافةً معنويَّةً بتقدير «في» أو من إضافةِ المصدرِ إلى الفاعل، والمحذوف المفعول، وهو الأرض يدلُّ عليه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] وقيل: هي زلزلةٌ تكون قُبيل طلوع الشَّمس من مَغْربها، وإضافتها إلى السَّاعة؛ لأنَّها من أشراطها (﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]) هائلٌ، ومفهومه: جواز إطلاق الشَّيء على المعدومِ؛ لأنَّ الزَّلزلة لم تقعْ بعد، ومن منعَ إيقاعه على المعدومِ قال: جعل الزَّلزلة شيئًا؛ لِتَيَقُّن وقوعها وصيرورتها إلى الوجود (﴿أَزِفَتْ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]) دنت السَّاعة الموصوفة بالدُّنوِّ في نحو قوله: (﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]) قال الزَّجَّاج: يعني: السَّاعة الَّتي تقوم فيها القيامة. ٦٥٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «حَدَّثنا» (يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ، المتوفى ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد

стр. 11414

بن مالكٍ الخدريِّ ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقُولُ اللهُ) ، وسقط لأبي ذرٍّ «قال: قال رسول الله ﷺ » فيكون الحديثُ غير مرفوعٍ، وبه جزمَ أبو نُعيمٍ في «مُستخرجه». قال في «الفتح»: وفي روايةٍ بإثبات قوله: «قالَ رسولُ الله ﷺ » وكذا في مسلمٍ عن عثمان ابن أبي شيبة، عن جريرٍ بسند البخاريِّ فيه: (يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) في الاقتصار على الخيرِ نوع تعطُّفٍ ورعايةٍ للأدب، وإلَّا فالشَّرُّ أيضًا بتقديرهِ كالخير (قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ) ميِّزهم من النَّاس (قَالَ) آدمُ: سمعتُ يا ربِّ وأطعتُ (وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) فالواو عاطفةٌ على محذوفٍ، أي: وما مقدار مبعوث النَّار؟ (قَالَ) الله تعالى: (مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) فالمتأخِّر من الألف واحدٌ (٢)، ولا معارضة بينه وبين الرِّواية الأولى «من كلِّ مئة تسعةً وتسعين» [خ¦٦٥٢٩] لأنَّ مفهومَ العدد لا اعتبارَ له، فالتَّخصيص بعددٍ لا يدلُّ على نفي الزَّائد، أو المقصود (٣) من العددين هو تقليلُ عددِ المؤمنين، وتكثيرُ عدد الكافرين، قاله صاحب «الكواكب». وتعقَّبه صاحب «الفتح» فقال: مقتضَى كلامه الأوَّل تقديم حديث أبي هريرة على حديثِ أبي سعيدٍ، فإنَّه يشتملُ على زيادةٍ، فإنَّ حديث أبي سعيدٍ يدلُّ على أنَّ نصيبَ أهل الجنَّة من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وحديثُ أبي هريرة يدلُّ على أنَّه عشرةٌ، فالحكمُ للزَّائد، ومُقتضى كلامهِ الأخير أنَّ لا يُنظر إلى العددِ أصلًا بل القدر المشترك منهما ما ذكرهُ من تقليلِ العدد، ثمَّ أجاب بحمل حديث أبي سعيدٍ ومَن وافقه على جميع ذرِّيَّة آدم، فيكون من كلِّ ألفٍ واحدٌ، وحمل حديث أبي هريرة ومَن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كلِّ ألفٍ عشرةٌ، ويقرِّب ذلك أنَّ يأجوجَ ومأجوج ذُكِرُوا في حديثِ أبي سعيدٍ دون حديث أبي هريرة، ويحتملُ أن يكون الأوَّل يتعلَّق بالخلقِ أجمعين، والثَّاني بخصوصِ هذه الأمَّة، ويقرِّبه قوله في حديثِ أبي هريرة: «إذا أخذَ منَّا واحدٌ»، أو يُحتمل أن تقعَ القسمة مرَّتين مرَّةً من جميع الأمَّة ومرةً من هذه الأمَّة فقط، فيكون من كلِّ ألفٍ عشرة (٤)، لكن قيل في حديث ابن عبَّاسٍ: «إنَّما أنتُم جزءٌ من ألف جزءٍ»، يُحتمل أن يكون المراد بـ «بَعث النَّار» الكفَّار ومَن يدخُلها من العُصاة، فيكون من كلِّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعون كافرًا، ومن كلِّ مئةٍ تسعةٌ وتسعون عاصيًا. انتهى.

стр. 11415

(فَذَاكَ) بدون لام (حِينَ) أي: الوقت الَّذي من شدَّة هَوله (يَشِيبُ) فيه (الصَّغِيرُ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾) جنينَها (﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾) بفتح السين وسكون الكاف، كأنَّهم سَكرى (﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾) على الحقيقةِ (﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]) ولابن عساكرَ: «سُكَارَى» بضم السين وفتح الكاف فيهما، وبها قرأ غير حمزةَ والكسائيِّ في «الحجِّ» وهذا وقع على سبيلِ الفرض أو التَّمثيل (١)، والتَّقدير أنَّ الحال ينتهي إلى أنَّه لو كانت النِّساء حينئذٍ حوامل لوضعتْ، أو يحملُ على الحقيقة فإنَّ كلَّ أحدٍ يُبعث على ما مات عليه فتُبعث الحاملُ حاملًا والطِّفل طفلًا، فإذا وقعت زلزلة السَّاعة وقيل ذلك لآدم، حلَّ بهم من الوَجلِ ما تسقطُ معه الحاملُ ويشيب له الطِّفل (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) على الصَّحابة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّنَا) ذلك (الرَّجُلُ) الَّذي يبقى من الألف (قَالَ ﷺ : أَبْشِرُوا) قال الطِّيبيُّ: يُحتمل أن يكون الاستفهامُ على حقيقتهِ، فكان حقُّ الجواب أنَّ ذلك الواحد فلانٌ أو مَن يتَّصف بالصِّفة الفُلانيَّة، ويُحتمل أن يكون استعظامًا لذلك الأمرِ واستشعارًا للخوفِ منه، فلذلك وقعَ الجواب بقوله: «أَبشروا» (فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ) بالرَّفع مصحَّحًا (٢) عليه في الفرعِ كأصله بتقدير: فإنَّه، فحذفت (٣) الهاء وهي ضميرُ الشَّأن، والجملة الاسميَّة بعده خبر «إنَّ» ولأبي ذرٍّ: «ألفًا» بالنَّصب اسم «إنَّ» (وَمِنْكُمْ رَجُلٌ). وظاهر قوله: «فإنَّ من يأجوج ومأجوج

стр. 11416

ألفٌ» بزيادة (١) واحدٍ عمَّا ذُكر من تفصيل الألف فيُحتمل -كما في «الفتح» - أن يكون من جبر الكسر، والمراد: أنَّ من يأجوج ومأجوج تسع مئةٍ وتسعة وتسعون أو ألفًا إلَّا واحدًا، وأمَّا قوله: «ومِنكم رجلٌ» فتقديره: والمُخرَج منكم رجلٌ، أو منكم رجلٌ مُخرجٍ. وقال القُرطبيُّ: قوله: «من يأجوج ومأجوج ألفٌ» أي: منهم وممَّن كان على الشِّرك مِثلهم، وقوله: «ومنكم رجلٌ»؛ يعني: من أصحابه ومَن كان مؤمنًا مِثلهم. وحاصله -كما في «الفتح» -: أنَّ الإشارة بقوله: منكم، إلى المسلمين من جميع الأُمم، وقد أشار إلى ذلك في حديثِ ابن مسعودٍ بقوله: إنَّ الجنَّة لا يدخُلها إلَّا نفسٌ مسلمةٌ. قال في «الفتح»: ووقع في بعض الشُّروح أنَّ لبعض الرُّواة: «فإنَّ منكم رجلًا ومن يأجوجَ ومأجوج ألفًا» بالنَّصب فيهما. قلتُ: وكذا هو في «المصابيح» كـ «التَّنقيح» وقال الزَّركشيُّ: إنَّه مفعولٌ بـ «أَخْرج» المذكور في أوَّل الحديث، أي: فإنَّه يخرجُ (٢) منكم كذا، قال البدر الدَّمامينيُّ: ومراده: أنَّه مفعولٌ بفعلٍ يدلُّ عليه «أَخرج» المذكور أوَّلًا؛ إذ لا يتصوَّر أن يكون مفعولًا بنفس ذلك الفعل، ففي عبارته تساهلٌ ظاهرٌ، ثمَّ إعرابه على هذا الوجه يقتضِي حذف الضَّمير المنصوب بـ «أنَّ» وهو عندهم قليلٌ، وابن الحاجب صرَّح بضَعفه مع أنَّه لا داعي إلى ارتكابهِ، وإنَّما الإعرابُ الظَّاهر فيه أن يكون «رجلًا» اسم «إنَّ»، و «منكم» خبرها مُتعلِّقٌ بـ «يَخرج» أي: فإنَّ رجلًا يخرج منكم، و «من يأجوج ومأجوج» معطوفٌ على «منكم»، و «ألفًا» معطوفٌ على «رجلًا». ثمَّ قال: فإنَّ قلت: إنَّما يقدَّر مُتعلَّق الظَّرف والجارّ والمجرور المخبر بهما مثلًا كونًا مطلقًا كالحصولِ والوجود كما قدَّره النُّحاة، فكيف قدرته كونًا خاصًّا، وهل هذا إلَّا عدولٌ عن طريقتهم فما السَّبب فيه؟ وأَجاب (٣) بأنَّ تمثيلَ النُّحاة بالكون والحصولِ إنَّما كان لأنَّ غرضَهم لم يتعلَّق بعاملٍ بعينهِ، وإنَّما تعلَّق بالعاملِ من حيث هو عاملٌ، وإلَّا فلو كان المقام يقتضِي تقديرًا خاصًّا لقدَّرناه. ألا ترى أنَّه لو قيل: زيد على الفرسِ، لقدَّرت: راكب، وهو أحسن (٤) من تقدير: حاصلٍ،

стр. 11417

لا يتردَّد في جواز مثله مَن له ممارسةٌ بفنِّ العربيَّة. قال: ويروى «أَلْفٌ» بالرَّفع، و «منكم رجلًا» بالنَّصب، وهي رواية الأَصيليِّ، ووجهها أن يكون «ألفٌ» رفعًا على اسمِ «إنَّ» باعتبارِ المحلِّ، وهو هُنا جائزٌ بالإجماعِ؛ لأنَّه بعد مُضيِّ الخبر، ويُحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره الجارّ والمجرور المتقدِّم عليه، والجملة معطوفةٌ على الجملةِ المتقدِّمة المصدَّرة بـ «إن». انتهى. (ثُمَّ (١) قَالَ) ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ) ولأبي ذرٍّ: «بيدِه» (إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ) وسبق في حديثِ ابن مسعودٍ: «أَترضون أن تكونوا رُبع أهل الجنَّة» [خ¦٦٥٢٨] وحَملوه على تعدُّد القصَّة (قَالَ) أبو سعيدٍ: (فَحَمِدْنَا اللهَ) تعالى على ذلك (وَكَبَّرْنَا) وفيه دَلالة على أنَّهم استبشروا بما بشَّرهم به، فحمدوا الله على نعمتهِ العُظمى وكبَّروه استعظامًا لِنعمته بعد استعظامِهم لنقمتهِ (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) ولغير أبي ذرٍّ: «في يده» (إِنِّي لأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ) نِصف أهلها (إِنَّ مَثَلَكُمْ) بفتح الميم والمثلثة (فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوِ الرَّقْمَةِ) بفتح الراء وسكون القاف، ولأبي ذرٍّ: «أو (٢) كالرَّقمة» وهي قطعةٌ بيضاءُ أو شيءٌ مستديرٌ لا شَعر فيه يكون (فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ). والحديثُ سبق في «باب قصَّة يأجوج ومأجوج» [خ¦٣٣٤٨]. (٤٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾) فيُسألون عمَّا فعلوا في الدُّنيا، فإنَّ مَن ظنَّ ذلك لم يتجاسرْ على قبائح الأفعال (﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾) يوم القيامة وعظَّمه لِعظم ما يكون فيه (﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦]) لفصل القضاء بين يدي ربِّهم ويتجلَّى بجلاله وهيبتهِ، وتظهرُ سطوات قهرهِ على الجبَّارين، رُوي أنَّ ابن عمر قرأ سُورة التَّطفيف حتَّى بلغ هذه الآية بكى (٣) بكاءً شديدًا ولم يقرأْ ما بعدَها، و ﴿يَوْمَ﴾ نُصِبَ بـ ﴿مَّبْعُوثُونَ﴾.

стр. 11418

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: وسقطتِ الواو لأبي ذرٍّ في تفسير قوله تعالى: (﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قَالَ): أي: (الوُصَُْلَاتُ) بضم الواو والصاد المهملة وفتحها وسكونها، الَّتي كانت بينهم من الاتِّباع (فِي الدُّنْيَا) أخرجه موصولًا عبد بن حُميد، وابن أبي حاتمٍ بسندٍ ضعيف عنه بلفظ «المودَّة» نعم أخرجهُ بلفظ التَّواصل والمواصلة عبد بن حميدٍ (١) وابن أبي حاتم أيضًا لكن من طريق عبيد المُكْتِب، عن مجاهدٍ، قال: تواصلهم في الدُّنيا، ولعبدٍ من طريق شيبان (٢) عن قتادة قال: الأسبابُ المواصَلَةُ الَّتي كانت بينهم في الدُّنيا يتواصَلُون بها ويتحابُّون فصارتْ عداوةً يوم القيامة. وأصل السَّبب الحَبلُ؛ لأنَّ كلَّ ما (٣) يُتوَصَّلُ به إلى شيءٍ يُسمَّى (٤) سببًا. ٦٥٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، الورَّاق قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن إسحاق بنِ أبي إسحاق السَّبيعيُّ الكوفيُّ، أحدُ الأعلام في الحفظِ والعبادةِ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبدُ الله بن عون بنِ أَرْطَبان البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ) بفتح الراء وسكون الشين المعجمة بعدها حاء مهملة، في عَرَق نفسهِ من شدَّة الخوف (إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ) قال في «الكواكب»: هو كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ويمكن الفرق بأنَّه لمَّا كان لكلِّ شخصٍ أُذُنان فهو من باب إضافةِ الجمع إلى مثله بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان. انتهى. وشُبِّه برشح الإناءِ لكونه يَخرج من البدن شيئًا فشيئًا. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «صِفة النَّار»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ

стр. 11419

في … (١)، وابن ماجه في «الزُّهد». ٦٥٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلَّثة، الدِّيليِّ (٢) (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) سالمٍ، مولى عبيدِ الله بن مطيعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَعْرَقُ النَّاسُ) بفتح الراء (يَوْمَ القِيَامَةِ) بسبب تراكم الأهوال ودُنوِّ الشَّمس من رُؤوسهم والازدحام (حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ) يجري سائِحًا (فِي) وجه (الأَرْضِ) ثمَّ يغوص فيها (سَبْعِينَ ذِرَاعًا) أي: بالذِّراع المُتعارف، أو الذِّراع الملكيِّ (٣)، وللإسماعيليِّ من طريق ابن وهبٍ، عن سليمان بنِ بلالٍ: «سبعين بَاعًا (٤)» (وَيُلْجِمُهُمْ) بضم التَّحتية وسكون اللام وكسر الجيم، من أَلجمه الماءُ إذا بلغ فَاه (٥) (حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ) وظاهره: استواءُ النَّاس في وصولِ العرقِ إلى الآذان، وهو مُشكلٌ بالنَّظر إلى العادة فإنَّه قد علم أنَّ الجماعة إذا وقفوا في ماءٍ على أرضٍ مُستويةٍ تفاوتُوا في ذلك بالنَّظر إلى طولِ بعضِهم وقصرِ بعضِهم. وأُجيب بأنَّ الإشارةَ لمن (٦) يصلُ إلى أُذنيه إلى غايةِ ما يَصل الماء، ولا ينفِي أن يصلَ إلى دونِ ذلك. ففي حديث عُقبة بن عامرٍ مرفوعًا: «فمنهُم من يبلغُ عرقُهُ (٧) عقبَه، ومنهُم من يبلغُ نصفَ ساقهِ، ومنهم من يبلغُ ركبتيهِ، ومنهم من يبلغُ فخذيهِ، ومنهم من يبلغُ خاصرتَهُ، ومنهم من يبلغُ فاهُ، ومنهم من يغطِّيهِ عرقه، وضربَ (٨) بيدهِ فوقَ رأسهِ» رواه الحاكمُ، وظاهر قوله: «النَّاس» التَّعميم، لكن في حديث عبدِ الله بنِ عَمرو بن

стр. 11420

العاص، أنَّه قال: «يشتدُّ كَرب النَّاس ذلك اليوم حتَّى يُلْجِم الكافرَ العرقُ، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على كراسيٍّ من ذهبٍ ويُظلَّلُ عليهم الغمامُ». وقال الشَّيخ عبد الله بن أبي جمرة: هو مخصوصٌ بالبعض (١) وإن كان ظاهره التَّعميم بالبعض وهُم الأكثر (٢). ويُستثنى الأنبياء والشُّهداء ومَن شاء الله، فأشدُّهم في العرقِ الكفَّار، ثمَّ أصحاب الكبائر، ثمَّ من بعدهم والمسلمون منهم قليلٌ بالنِّسبة إلى الكفَّار. وعن سلمان -ممَّا أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» واللَّفظ له بسندٍ جيِّدٍ، وابن المبارك في «الزُّهد» - قال: «تعطي الشَّمسُ يوم القيامة حرَّ عشر سنين، ثمَّ تدنو من جَماجم النَّاس حتَّى تكونَ قاب قوسٍ، فيعرقونَ حتَّى يرشحَ العرقُ في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع حتَّى يُغرغر الرَّجل». زاد ابنُ المبارك في روايته: «ولا يضرُّ حرُّها يومئذٍ مؤمنًا ولا مؤمنةً». والمراد -كما قال القرطبيُّ-: من يكون كاملَ الإيمان لِمَا ورد أنَّهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم. وفي روايةٍ صحَّحها ابن حبَّانٍ: «إنَّ الرَّجل ليُلجمه العرقُ يوم القيامة حتَّى يقولَ: يا ربِّ أرحنِي ولو إلى النَّار». وحديثُ الباب أخرجهُ مسلمٌ في «صفة النَّار»، أعاذنَا الله منها، ومن كلِّ مكروهٍ بمنِّه وكرمهِ. (٤٨) (بابُ) كيفيَّة (القِصَاصِ) بكسر القاف (يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهْيَ) أي: يوم القيامة (الحَاقَّةُ؛ لأَنَّ فِيهَا الثَّوَابَ وَحَوَاقَّ الأُمُورِ. الحَقَّةُ وَالحَاقَّةُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد القاف في الكلِّ (وَاحِدٌ) في المعنى، قاله الفرَّاء في «معاني القرآن». وقال غيره: الحاقَّة الَّتي يحقُّ وقوعها، أو الَّتي تحقُّ فيها الأمور، أي: تُعْرَفُ حقيقتها، أو تقع حواقُّ الأمورِ من الحساب والجزاءِ على الإسنادِ المجازي (وَالقَارِعَةُ) من أسماء يوم القيامة أيضًا؛ لأنَّها تَقرع القلوب بأهوالها (وَ) كذا من أسمائها (الغَاشِيَةُ) لأنَّها تَغشى النَّاس بشدائدها (وَالصَّاخَّةُ) مأخوذةٌ من قوله: صخَّ فلانٌ فلانًا إذا أصمَّه، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ صيحةَ القيامة مُسمعةٌ لأمورِ الآخرة، ومُصِمَّةٌ عن أمورِ

стр. 11421

الدُّنيا (وَالتغابن: غَبْنُ) بسكون الموحدة (أَهْلِ الجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ) لنزول السُّعداء منازلَ الأشقياء لو كانوا سعداء، وبالعكس مستعارٌ من تغابن التُّجَّار، ومن أسمائهَا أيضًا يوم الحسرةِ ويوم التَّلاق إلى غيرِ ذلك ممَّا جَمعه الغزاليُّ والقرطبيُّ، فبلغ نحو الثَّمانين اسمًا (١). ٦٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضم العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو ابنُ سلمة (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) ابن مسعودٍ (¬﵁¬) يقول: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ) بضم التَّحتية، يوم القيامة (بِالدِّمَاءِ) الَّتي جرت (٢) بينهم في الدُّنيا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ وابن عساكرَ في نسخة: «في الدِّماء» بلفظ «في» بدل الموحدة، وفيه تعظيم أمرِ الدِّماء فإنَّ البداءةَ تكون بالأهَمّ فالأهمّ وهي حقيقةٌ بذلك، فإنَّ الذُّنوب تَعظُم بحسب عِظم المفسدةِ الواقعة بها، أو بحسب فواتِ المعصيةِ المتعلِّقة بعدمِها، وهدم البُنيةِ الإنسانيَّة من أعظمِ المفاسد. قال بعضُ المحقِّقين: ولا ينبغِي أن يكون بعدَ الكفرِ بالله تعالى أَعظم منه، ثمَّ يُحتمل من حيث اللَّفظ أن تكون الأوَّليَّة مخصوصةً بما يَقع فيه (٣) الحكم بين النَّاس، وأن تكون عامَّةً في أوَّليَّة ما يُقضى فيه مطلقًا، وممَّا يُقوِّي الأوَّل حديث أبي هريرة المرويُّ في «السُّنن الأربعة» مرفوعًا: «إنَّ أوَّلَ ما يحاسَبُ به (٤) العبدُ (٥) يومَ القيامَةِ صلاتهُ» الحديث، وقد جمع النَّسائيُّ في روايته في حديثِ ابن مسعودٍ بين الخبرين ولفظه: «أوَّلُ ما يحاسبُ العبدُ عليهِ صلاتهُ، وأوَّلُ ما يقضَى بينَ النَّاسَ في الدِّماء». ورِجالُ حديث الباب كلُّهم كُوفيُّون، وأخرجهُ المؤلِّف أيضًا (٦) في «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٤]، ومسلمٌ في «الحدود»، والتِّرمذيُّ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «المحاربةِ»، وابن ماجه في «الدِّيات».

стр. 11422

٦٥٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَِمَةٌ) بفتح اللام وكسرها، والكسرُ هو الَّذي في «اليونينيَّة»، وهو الأشهرُ، وهو اسمٌ لِمَا أخذهُ المرء بغير حقٍّ (لأَخِيهِ) المسلم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من أخيه» (فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا) أي: ليسأله أن يجعله في حلٍّ ولْيطلبْ منه براءةَ ذِمَّته قبل يوم القيامة (فَإِنَّهُ) أي (١): الشَّأن (لَيْسَ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: ليس هناك؛ يعني: يوم القيامة (دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ) أصل ثواب (حَسَنَاتِهِ) ما يوازِي العقوبة عن السَّيِّئة، فيزادُ على ثوابِ (٢) المظلوم، وما زاد ممَّا تفضَّل الله به من مضاعفةِ الحسنةِ إلى عشرة إلى ما شاء الله، فإنَّه يبقى لصاحبه (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) للظَّالم (حَسَنَاتٌ أُخِذَ) بضم الهمزة وكسر المعجمة (مِنْ) عقوبة (سَيِّئَاتِ أَخِيهِ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ) وفي حديثِ ابن مسعودٍ عند أبي نُعيمٍ: «يُؤخذ بيدِ العبد فيُنصبُ على رُؤوس النَّاس ويُنادى عليه: هذا فلانٌ ابن فلان، فمن كان له حقٌّ فليأتِ، فيأتون فيقول الرَّبُّ: آتِ هؤلاء حُقوقهم، فيقول: يا ربِّ فَنِيَتِ الدُّنيا فمن أين أُوتيهم؟ فيقولُ للملائكة: خذوا من أعمالهِ الصَّالحة، وأعطوا كلَّ إنسانٍ بقدر طلبتهِ، فإن كانَ ناجيًا وفَضلت (٣) من حسناتهِ مثقال حبَّةٍ من خردلٍ، ضاعفَها الله تعالى حتَّى يُدخله بها الجنَّة». وحديثُ الباب أخرجهُ التِّرمذيُّ.

стр. 11423

٦٥٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «حَدَّثنا» (الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها فوقية، ابن محمَّد بن عبد الرَّحمن الخارَكيُّ -بالخاء المعجمة والراء والكاف- قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء مصغَّرًا، أبو معاوية البصريُّ، وقرأ يزيدُ هذه الآية: (﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧]) من حقدٍ كان (١) في القلبِ، أي: إن كان لأحدهم في الدُّنيا غلٌّ على آخر نزعَ الله ذلك من قلوبهم وطيَّب نُفوسهم، أي: طهَّر قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدَّرجات في الجنَّة، ونزع منها كلَّ غلٍّ، وألقى فيها التَّوادَّ والتَّحابب، وذكر هذه الآية بين رِجال الإسناد؛ ليبيِّن أنَّ مَتن الحديث كالتَّفسير لها (قَالَ) يزيد بن زُريع: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عَروبةَ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داود (النَّاجِيِّ) بالنون وبعد الألف جيم مكسورة، نسبةً إلى بني ناجية بن سامة (٢) بن لؤيٍّ، قبيلة (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وعند الإسماعيليِّ من طريق محمَّد بن المنهال، عن يزيدَ بن زُريعٍ، بهذا السَّند إلى أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النَّبيِّ ﷺ في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] قال: (يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ) بفتح التَّحتية وضم اللام مِن «يَخْلُص» أي: ينجون من السُّقوط فيها بعدما يجوزون الصِّراط (فَيُحْبَسُونَ (٣) عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) قيل: إنَّها صراطٌ آخر، وقيل: إنَّها من تتمَّة الصِّراط وإنَّها طَرفه الَّذي

стр. 11424

يلي الجنَّة. قال القرطبيُّ: وهؤلاء المؤمنون هُم الَّذين عَلم الله أنَّ القصاصَ لا يَستَنفد حسناتهم. وقال في «الفتح»: ولعلَّ أصحابَ الأعرافِ منهم على القولِ الرَّاجح، قال: وخرج من هذا صِنفان: مَن دخلَ الجنَّة بغير حسابٍ، ومَن أَوبقه عملُه من الموحِّدين، وأمَّا النَّاجون فقد يكون عليهم تبعات فيخلُصون ولهم حسناتٌ توازيها (١) أو تزيدُ عليها (فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا) بضم التَّحتية وفتح القاف مِن «يُقَصُّ» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فيُقْتَصُّ» بضم التحتية وسكون القاف (٢) وزيادة فوقية مفتوحة بعدها، كذا في الفرع بضم التَّحتية. وقال الحافظُ ابن حجر وتَبعه العينيُّ: بفتحها، فتكون اللَّام على هذه الرِّواية زائدةً، أو الفاعلُ محذوفٌ، وهو الله تعالى، أو مَن أقامه في ذلك، وفي رواية (٣) شيبان عن قتادة السَّابقة في «المظالم» [خ¦٢٤٤٠] «فيقتصُّ بعضُهم من بعضٍ» (٤) (حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا) بضم الهاء وكسر الذال المعجمة المشددة بعدها موحدة، من التَّهذيب (وَنُقُّوا) بضم النون والقاف المشددة، من التَّنقية، وأصله: نُقِّيوا، استثقلت الضمة على الياء فنُقلت إلى سابقتها بعد حذف حركتها. وقال الجوهريُّ: التَّهذيب كالتَّنقية، ورجلٌ مهذَّبٌ، أي: مُطهَّر الأخلاق، فعلى هذا قوله: «ونقُّوا» تفسير لقوله: «هُذِّبوا» وأَدْخَلَ واو العطف بين المفسِّر والمفسَّر، والمراد: التَّخليص من التَّبعات فإذا خلصوا منها (أُذِنَ لَهُمْ) بضم الهمزة وكسر المعجمة (فِي دُخُولِ الجَنَّةِ) وليس في قلوبِ بعضِهم على بعضٍ غلٌّ، أي: حقدٌ كامنٌ (٥) في قلوبهم بل ألقَى الله فيها التَّوادَّ والتَّحابَّ (فَوَ) الله (الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ) بفتح اللام للتَّأكيد، و «أحدٌ» مبتدأٌ خبره قوله: (أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ) الَّذي (كَانَ فِي الدُّنْيَا). قال في «شرح المشكاة» -فيما قرأته فيه-: «هدى» لا يتعدَّى بالباء بل باللَّام وإلى. فالوجه أن يضمَّن معنى اللُّصوق، أي: ألصق بمنزله هاديًا إليه. قال: وفي معناه قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩] أي: يهديهم في الآخرة بنورِ إيمانهم إلى طريق

стр. 11425

الجنَّة، فجعل ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ بيانًا له وتفسيرًا؛ لأنَّ التَّمسُّك بسبب السَّعادة كالوصولِ إليها، وأمَّا ما أخرجه عبدُ الله بن المبارك في «الزُّهد» وصحَّحه الحاكم عن عبدِ الله بن سلام: أنَّ الملائكة تدلُّهم على طريق الجنَّة يمينًا وشمالًا. فهو محمولٌ على مَن لم يُحبس بالقنطرةِ، أو على الجميع، والمراد: إنَّ الملائكةَ تقول لهم ذلك قبلَ دخول الجنَّة، فمَن دخل كانت مَعرفته بمنزله فيها كمعرفتهِ بمنزله في الدُّنيا؛ لأنَّ منازلهم تُعرض عليهم غدوًّا وعشيًّا. وحديثُ الباب مرَّ في «المظالم» [خ¦٢٤٤٠]. (٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ). ٦٥٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذام الكوفيُّ (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) ابن موسى المكِّيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ) مبتدأ (نُوقِشَ) بضم أوله وكسر القاف، صِلته (الحِسَابَ) نصب بنزعِ الخافض (عُذِّبَ) بضم أوله وكسر المعجمة، خبر المبتدأ، أي: مَن استُقْصِيَ في محاسبتهِ وحُوْقِقَ، عُذِّب في النَّار جزاءً على سيِّئاته، وأَصل المناقشةِ من نَقَشَ الشَّوكة إذا استخرجَهَا من جسمهِ، وقد نقشَها وانتقشَهَا (قَالَتْ) عائشةٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]) أي: سهلًا هيِّنًا بأن يُجازي على الحسنات ويَتَجاوز عن السَّيِّئات (قَالَ ﷺ : ذَلِكِ) بكسر الكاف وتفتح، أي: الحسابُ المذكور في الآية (العَرْضُ) أي: عَرض أعمالِ المؤمن عليه حتَّى يَعرف منَّة الله عليه في سَترها عليه في الدُّنيا وفي عفوهِ عنها في الآخرة.

стр. 11426

والحديثُ مرَّ في «العلم» في «باب من سمع شيئًا فراجعه» [خ¦١٠٣]. وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحرٍ أبو حفصٍ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ) المكِّيِّ مولى بني جُمَح، وهو السَّابق قريبًا، أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ) وقد تقدَّم في «تفسيرِ سورة الانشقاق» [خ¦٤٩٣٩] بهذا السَّند، ولم يذكر مَتنه. نعم ذَكَره الإسماعيليُّ من رواية أبي بكر بن خلَّاد، عن يحيى بن سعيدٍ، فقال: «مِثلَ حديث عُبيد الله بن موسى سواءٌ» (وَتَابَعَهُ) سقطت الواو لأبي ذرٍّ، أي: تابع عثمانَ بنَ الأسود (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنُ عبد العزيز (وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام، أبو عثمان المكِّيُّ، فيما (١) وصلَه عنهما أبو عَوَانة في «صحيحه» (وَ) تَابَعه أيضًا (أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٩٣٩] لكنَّه (٢) لم يَذكر لفظه. نعم أخرجها أبو عَوَانة في «صحيحه» عن إسماعيلَ القاضِي، عن سليمان شيخ البخاريِّ فيه بلفظ: «مَن حوسبَ عذِّب، قالتْ عائشة: فقلتُ: يا رسولَ الله، فأينَ قول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] قال: ذلك العَرْضُ، ولكنَّهُ من نوقشَ الحسَابَ عذِّب» (وَ) تَابعه أيضًا (صَالِحُ بْنُ رُسْتُمٍ) بضم الراء والفوقية بينهما سين مهملة ساكنة آخره ميم، أبو عامرٍ الخزَّاز -بمعجمات- فيما وصلَه إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» عن النَّضر بن شُميل عند الأربعة (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).

стр. 11427

٦٥٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسَّانٍ القيسيُّ، أبو محمَّدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) بالحاء المهملة بعدها ألف ففوقية، و «صَغِيْرة» بفتح الصاد المهملة وكسر الغين المعجمة وبعد التَّحتية الساكنة راء فهاء تأنيث، أبو يونسٍ البصريُّ، واسم أبي صَغيرة: مسلمٌ، وهو جدُّه لأمِّه، وقيل: زوج أُمِّه، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن أبي مُلَيكة بن عبد الله بن جدعان، يقال: اسم أبي مُلَيكة: زهير التَّيميُّ المدنيُّ، أدرك ثلاثين من الصَّحابة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، قال (١): (حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) ﵂ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ) قالت عائشةُ: (فَقُلْتُ (٢): يَا رَسُولَ اللهِ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى) في كتابه العزيز: (﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾) أي: كتابَ عمله (﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]) أي: سهلًا من غير تعسيرٍ، أي: لا يحقَّقُ عليه جميعُ دقائِقِ أعمالهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : إِنَّمَا ذَلِكِ) ولأبي ذرٍّ: «ذاكِ» بإسقاط اللام وكسر الكاف فيهما، المذكور في الآية (العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الحِسَابَ) أي: في الحسابِ (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ). قال القاضِي عياض: «عُذِّب» له معنيان: أحدهما: أنَّ نفسَ مناقشة الحساب وعَرض الذُّنوب والتَّوقيف على قبيح ما سلفَ والتَّوبيخ تعذيبٌ، والثَّاني: أنَّه يفضِي إلى استحقاقِ العذاب؛ إذ لا حسنةَ للعبد إلَّا من عند الله لإقداره عليها وتفضُّله عليه بها وهدايته لها. انتهى. وتُعقِّب الأوَّل بأنَّ قوله: «مَن نُوقش الحساب عُذِّب» لا يدلُّ على أنَّ المناقشةَ والحساب نفسهما عذابٌ بل المعهود خلافه، فإنَّ الجَّزاء لا بُدَّ وأن يكون مسبَّبًا عن الشَّرط. وأُجيب بأنَّ التَّألُّمَ الحاصل للنَّفس بمطالبةِ الحسابِ غيرُ الحساب ومسبَّبٌ عنه، فجازَ أن يكون بذلك الاعتبار جزاء. وقال بعضُهم: لفظ الحديث عامٌّ في تعذيب كلِّ مَن حُوسب، ولفظ الآية دالٌّ على أنَّ بعضَهم لا يُعذَّب. وأُجيب أنَّ المرادَ بالحساب في الآية العرضُ، وهو إبرازُ (٣) الأعمالِ

стр. 11428

وإظهارُها (١) فيعرَّف صاحبها بذنوبهِ، ثمَّ يُتَجاوز عنه. ٦٥٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشام الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا أنس بن مالكٍ أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ: «كان يقول» ولفظ رواية هشام هذه أخرجها مسلمٌ والإسماعيليُّ من طرق: «يقال للكافر» والباقي مثل الآتية. قال البخاريُّ (٢): (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء (٣)، القيسيُّ البصريُّ البحرانيُّ -بالموحدة والحاء المهملة- قال: (حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بضم العين وتخفيف الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عَرُوبة، واللَّفظ لسعيدٍ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ (٤) ﷺ كَانَ يَقُولُ: يُجَاءُ) بضم التَّحتية (بِالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ) أي: فيقول الله له: (أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا أَكُنْتَ) بهمزة الاستفهام (تَفْتَدِي بِهِ؟) بالفاء من النَّار (فَيَقُولُ: نَعَمْ) يا ربِّ (فَيُقَالُ لَهُ): زاد مسلمٌ: «كذبت» (قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ) بضم السين المهملة (مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ) وهو التَّوحيد، كما سيأتي بعد بابٍ إن شاء الله تعالى [خ¦٦٥٥٧]. والحديثُ سبق في: «باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾» [البقرة: ٣٠] من «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٣٣٤].

стр. 11429

٦٥٣٩ - ٦٥٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (خَيْثَمَةُ) بالخاء المعجمة والمثلَّثة المفتوحتين بينهما ياء تحتية ساكنة، ابن عبد الرَّحمن الجعفيُّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بالحاء المهملة، الطَّائيِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللهُ) ، والواو عطف على محذوفٍ تقديره: إلَّا سيخاطبُه وسيكلِّمه، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا سيكلِّمه الله» (يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَهُ) ولأبي ذرٍّ: «ليس بينه وبينه» (تَُرْجُمَانٌ) بضم الفوقيَّة (١) وفتحها وضم الجيم، يُفسِّر الكلام بآخر، وسبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤١٣] «ثمَّ لَيقفنَّ أحدُكم بين يديِّ الله ليس بينَه وبينه حِجابٌ ولا تُرجمانٌ يترجم له، ثمَّ ليقولنَّ له: ألم أُوتك مالًا؟ فلَيقولنَّ (٢): بلى» (ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شَيْئًا قُدَّامَهُ) بضم القاف وتشديد الدال، أي: أمامه (ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ) ولمسلمٍ: «فيَنظر أَيمن منه فلا يَرى إلَّا ما قدَّم، ويَنظر أشأمَ منه فلا يَرى إلَّا ما قدَّم». قال ابنُ هُبَيرة: نظر اليمين والشِّمال هُنا كالمَثَل؛ لأنَّ الإنسان من شأنه إذا دهمَهُ (٣) أمرٌ أن يلتفت يمينًا وشمالًا يَطلب الغوث. وقال صاحب «الفتح»: أو يكون سبب الالتفات أنَّه يترجى أن يجدَ طريقًا يذهبُ فيها للنَّجاة من النَّار (فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ) لأنَّها تكون في ممرِّه فلا يمكنه أن يحيدَ عنها؛ إذ لابدَّ له من المرورِ على الصِّراط (٤) (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) أي: فليفعل. قال المظهريُّ: يعني: إذا عرفتُم ذلك، فاحذروا من النَّار فلا تظلموا أحدًا ولو بمقدار شقِّ تمرةٍ. وقال الطِّيبيُّ: ويُحتمل أن يرادَ إذا عرفتُم أنَّه لا ينفعُكم في ذلك اليوم شيءٌ من الأعمالِ

стр. 11430

غير (١) الصَّالحة، وأنَّ أمامكم النَّار، فاجعلوا الصَّدقة جُنَّةً بينكم وبينها ولو بشقِّ تمرةٍ. والحديثُ مرَّ في «الزَّكاة» [خ¦١٤١٣]. (قَالَ الأَعْمَشُ) سليمان، بالسَّند السَّابق إليه: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن مُرَّة (عَنْ خَيْثَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) ﵁، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن حاتمٍ» أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أَعْرَضَ) عن النَّار لمَّا ذكرها كأنَّه يَنظر إليها (وَأَشَاحَ) بهمزة مفتوحة فشين معجمة وبعد الألف حاء مهملة. قال الخليل: أَشاح بوجهه عن الشَّيء نحَّاه عنه، وقال الفرَّاء: المُشيحُ: الحَذِرُ والجَادُّ في الأمرِ والمُقبِل في خِطابه. قال الحافظُ ابن حَجر: فيصحُّ أحدُ هذه المعاني أو كلُّها، أي: حَذِرَ النَّارَ كأنَّه ينظرُ إليها، أو جدَّ على الوصيَّة باتِّقائها، أو أقبلَ على أصحابهِ في خِطابه بعد أن أعرضَ عن النَّار (ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ) قال ﷺ ذلك وفَعَله (ثَلَاثًا) ووقع هُنا تكرير ثمَّ ثلاثًا (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ) ﵊ (يَنْظُرُ إِلَيْهَا) أي: إلى النَّار (ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) مَن كسب طيِّبٍ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) ما يتصدَّق به (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) كالدَّلالة على هدى، والصُّلحِ بين اثنين، وفصلٍ بين متنازعين، وحلِّ مشكلٍ، وكشفِ غامضٍ، وتسكينِ غضبٍ، قاله ابن هُبَيرَة، فيما نقله في «الفتح». وفي الحديث فوائدُ لا تَخفى، والله الموفِّق. (٥٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَدْخُلُ الجَنَّةَ) من هذه الأمَّة المحمَّديَّة (سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ).

стр. 11431

٦٥٤١ - وبه قال (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدّ الميمنة، المِنْقَرِيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، محمَّدٌ، واسم جدِّه: غزوان الضَّبيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ السُّلميُّ الكوفيُّ، أبو الهذيل (وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ (١): «وحدَّثني» (أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، أبو محمَّد الجمَّال -بالجيم- مولى عليِّ بن صالحٍ القرشيُّ الكوفيُّ، وهو من أفراد البخاريِّ، ضعيفٌ وليس له في البخاريِّ (٢) إلَّا هذا الموضع، ولقد قرنَه بعمران بن ميسَرةَ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بشيرٍ الواسطيُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء، هو (٣) ابنُ عبد الرَّحمن، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر) الوالبيِّ (فَقَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عُرِضَتْ) بضم العين مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ) بالرَّفع وتشديد ياء «عليَّ» أي: ليلة الإسراء، كما عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من رواية عَبْثَر (٤) بن القاسم -بموحدة فمثلثة بوزن جعفر- في روايتهِ عن حُصين بن عبد الرَّحمن، وهو يدلُّ على تعدادِ (٥) الإسراء، وأنَّه وقع بالمدينةِ غير الَّذي وقع بمكَّة (فَأَخَذَ النَّبِيُّ) بخاء وذال معجمتين مفتوحتين بلفظ الفعل الماضي، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأجِدُ» بجيم مكسورة فدال مهملة بلفظ المضارع «النَّبيَّ» نصب مفعول (يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ) أي: العددُ الكثير (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ) اسم جمعٍ يقعُ على جماعة الرِّجال خاصَّةً ما بين الثَّلاثة إلى العشرةِ، ولغير الكُشميهنيِّ: «والنَّبيُّ

стр. 11432

معه النَّفر» (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ) بفتح الشين، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «العشِيْرة» بكسر الشين وزيادة تحتية ساكنة، القبيلة (وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «يمرُّ» (فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ) شخصٌ يُرى من بعيدٍ، ووصفَه بالكثرة إشارةً إلى أنَّ المراد الجنسُ لا الواحد، وزاد في رواية حُصين بن نُميرٍ السَّابقة في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٥٢] «سدّ الأُفُق» وهو ناحية السَّماء (قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا) في رواية حُصين بن نُميرٍ: «فرجوتُ أن تكون أمَّتي فقال: هذا موسى في قومهِ» (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا (١) سَوَادٌ كَثِيرٌ) زاد في روايةِ سعيد بنِ منصورٍ: «فقيل لي: انظرْ إلى الأُفُق الآخر، فنَظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظرْ إلى الأُفُق الآخر مثله» وفي رواية أحمد (٢): «فرأيتُ أمَّتي قد مَلؤوا السَّهل والجبل فأعجبنِي كثرتهم» (قَالَ) جبريل: (هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ) زاد في رواية أحمدٍ: «فقيل: أرضيتَ يا محمَّد؟ قلت: نعم يا ربِّ» (وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ) ولسعيدِ بن منصورٍ: «معهم» بدل: «قُدَّامهم» (لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ) والمراد بالمعيَّة المعيَّة المعنويَّة فإنَّ السَّبعين ألفًا المذكورين من جملةِ أمَّته لم يكونوا في الَّذين عُرضوا إذ ذاك، فأُريد الزِّيادة في تكثيرِ أمَّته بإضافة السَّبعين ألفًا إليهم (قُلْتُ: وَلِمَ؟) بكسر اللام وفتح الميم وتسكَّن، يُستفهم بها عن السَّبب (قَالَ) جبريلُ: (كَانُوا لَا يَكْتَوُون وَلَا يَسْتَرْقُونَ) بغير القرآن، كعزائمِ أهل الجاهليَّة (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) ولا يتشاءمون بالطُّيور (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وقيل: إنَّ استعمال الرُّقى والكيِّ قادحٌ في التَّوكُّل؛ إذ البُرْءُ فيهما مُتوهَّمٌ بخلافِ غيرهما من أنواعِ الطِّبِّ، فإنَّه محقَّقٌ كالأكلِ والشُّرب فلا يقدحُ؟ وأُجيب بأنَّ أكثر أنواع الطِّبِّ موهومٌ، والرُّقى بأسماء الله مُقتَضٍ للتَّوكُّل عليه والالتجاءِ إليه والرَّغبة فيما لديهِ، ولو قَدح هذا في التَّوكُّل قَدح فيه الدُّعاء إذ لا فرقَ، وفي حديثِ أحمد وصحَّحه ابنا خُزيمة وحبَّان عن رفاعة الجهنيِّ مرفوعًا: «وعدنِي ربِّي أن يدخُلَ من أمَّتي الجنَّةَ سبعِين ألفًا بغيرِ حسابٍ، وإنِّي لأرجُو أن لَا يدخلُوهَا حتَّى تبوَّؤُوا أنتُم ومن صلحَ من أزواجكُم وذرِّياتِكُم

стр. 11433

مساكنَ في الجنَّةِ» إذ (١) مزيَّة السَّبعين بالدُّخول بغيرِ حسابٍ لا يستلزمُ أنَّهم أفضلُ من غيرهم بل فيمَن يُحاسب في الجملة مَن يكون أفضل منهم، وهل المرادُ بالعددِ المذكور التَّكثير أو حقيقتُه؟ وفي حديثِ أبي هريرة عند أحمدَ والبيهقيِّ في «البعث» قال: «سألتُ ربِّي فوعدنِي أن يدخلَ الجنَّةَ من أمَّتِي زمرةً هم سبعُونَ ألفًا» وزاد: «فاستزدْتُ ربِّي فزادنِي مع كلِّ ألفٍ ألفًا» وسنده جيِّدٌ، وفي التِّرمذيِّ وحسَّنه عن أبي أُمامة رفعه: «وعدَنِي ربِّي أن يدخلَ الجنَّةَ من أمَّتِي (٢) سبعِينَ ألفًا مَع كلِّ ألفٍ سبعينَ (٣) ألفًا لا حسابَ عليهِم، ولا عذابَ، وثلاثُ حَثَياتٍ من حَثَياتِ رَبِّي». وفي حديثِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق عند أحمدَ وأبي يَعلى: «أعطَاني مع كلِّ واحدٍ مَن السَّبعين ألفًا سبعين ألفًا»، لكن في سنده راوٍ ضعيف الحفظ، وآخر لم يسمَّ. وعند الكلاباذيِّ في «معاني الأخبار» بسندٍ واهٍ (٤) عن عائشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ آتيًا أتانِي من ربِّي، فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتِي سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتانِي فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتي (٥) مكانَ كلِّ واحدٍ من السَّبعين ألفًا سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتانِي فبشَّرنِي أنَّ اللَّه يدخلُ من أمَّتي مكانَ كلِّ واحدٍ من السَّبعينَ (٦) المضاعفَةِ سبعينَ ألفًا بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ، فقلتُ: يا ربِّ لا تبلغُ هذا أمَّتِي. قال: أكملهُم لك منَ الأعرابِ ممَّن لا يصومُ ولا يصلِّي».

стр. 11434

قال الكلاباذيُّ: المراد بـ «الأمَّة» أوَّلًا: أمَّة الإجابة، وبقوله آخرًا: «أمَّتي» أمَّة الاتِّباع، فإنَّ أمَّته ﷺ على ثلاثةِ أقسامٍ أحدُها أخصُّ من الآخر: أمَّة الاتِّباع، ثمَّ أمَّة الإجابة، ثمَّ أمَّة الدَّعوة، فالأُولى أهل العمل الصَّالح، والثَّانية مُطلق المسلمين، والثَّالثة من عَداهم ممَّن بُعِث إليهم. (فَقَامَ إِلَيْهِ) ﷺ (عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وفتح الكاف مشددة وتخفَّف، و «مِحْصَن» بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، ابن حُرْثان -بضم الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة- من بني أسد بن خُزيمة، وكان عُكَّاشة من السَّابقين (فَقَالَ): يا رسول الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ ﷺ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ) هو سعدُ بن عبادة، كما عند الخطيب في «المُبهمات» واستُبعد هذا من جهة جلالة سعدِ بن عبادة (قَالَ): يا رسول الله (ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ ﷺ : سَبَقَكَ بِهَا) بالصِّفات الَّتي هي التَّوكُّل وسابقه (عُكَّاشَةُ) أو أراد بذلك حسم المادَّة؛ إذ لو أجابَ الثَّاني لقام ثالثٌ ورابعٌ وهلُمَّ جرًّا، وليس كلُّ أحدٍ يصلحُ لذلك، أو أنَّه أجاب عُكاشة بوحي ولم يوحَ إليه في غيرهِ، أو أنَّ السَّاعة الَّتي سَأل فيها عُكَّاشة ساعة إجابةٍ، ثمَّ انقضت، وهذا أولى من قول (١) إنَّه كان مُنافقًا؛ لأنَّ الأصلَ في الصَّحابة عدم النِّفاق، وأيضًا فإنَّ مثل هذا السُّؤال قلَّ أن يَصدر إلَّا عن قصدٍ صحيحٍ، وفي حديث جابرٍ عند الحاكم والبيهقيِّ في «الشعب» (٢) رفعه: «من زادَتْ حسناتهُ على سيِّئاتهِ فذلكَ الَّذي يدخلُ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ، ومن استوَت حسناتُهُ وسيِّئاتُهُ، فذاكَ (٣) الَّذِي يحاسبُ حسابًا يسيرًا، ومَن أَوْبَقَ نفسهُ فهو الَّذي يُشْفَعُ فيهِ بعدَ أن يعذَّب».

стр. 11435

٦٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أنَّه (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) أبو محمَّد المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّدُ التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ مِنْ) ولأبي ذرٍّ: «يدخل الجنَّة من» (أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) ليلةَ أربعة عشر (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ بالسَّند المذكور: (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ) كِساءً فيه خطوطٌ بيضٌ وسودٌ كأنَّها أُخذت من جلدِ النَّمر (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (٢) (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ : سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ) أي: بها، وفي التَّقييد بقوله: «من أُمَّتي» إخراجُ غير هذه الأمَّة المحمَّديَّة من العددِ المذكور، وليس فيه نفيُ دخول أحدٍ من غير هذه الأمَّة على الصِّفة المذكورةِ من التَّشبيه بالقمرِ ومن الأوَّليَّة وغير ذلك كالأنبياء والشُّهداء والصِّدِّيقين والصَّالحين. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان». ٦٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم بنِ محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ (٣) الجُمحيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون، محمَّد بنُ مطرِّفٍ اللَّيثيُّ المدنيُّ، إمامٌ سكن عسقلان، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ) قال: (سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ. شَكَّ) أبو حازم (فِي أَحَدِهِمَا) قال:

стр. 11436

حال كونهم (مُتَمَاسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ) على هيئةِ الوقارِ فلا يُسابق بعضُهم بعضًا، أو مُعترضين صفًّا واحدًا بعضهم بجنبِ بعضٍ (حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمُ الجَنَّةَ) غايةً للتَّماسك والأخذ بالأيدِي (وَوُجُوهُهُمْ) بواو الحال مصحَّحًا عليها بالفرعِ (١) كأصله (عَلَى ضَوْءِ القَمَرِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على صورةِ القمر» (لَيْلَةَ البَدْرِ) عند تمامهِ. والحديثُ مرَّ في «ذكر الجنَّة» من «بدء الخَلق» [خ¦٣٢٤٧]. ٦٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بن سعد بنِ إبراهيم بنِ عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسانَ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا دَخَلَ) ولأبي ذرٍّ: «قال: يدخلُ» (أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) لم أقفْ على اسمه، يقول: (يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ الجَنَّةِ لَا مَوْتَ (٢)) بالبناء على الفتحِ فيهما (خُلُودٌ) بالرَّفع والتَّنوين مصدرٌ، أو جمع خالد، أي: الشَّأن، أو هذا الحال خلودٌ، أي: مستمرٌّ، أو أنتم (٣) خالدون في الجنَّة. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «صفة النَّار». ٦٥٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يُقَالُ لأَهْلِ الجَنَّةِ: خُلُودٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يا أهل

стр. 11437

الجنَّة خلودٌ» (لَا مَوْتَ، وَلأَهْلِ النَّارِ: يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ) زاد الإسماعيليُّ: «فيه». (٥١) (بابُ صِفَةِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) الجنَّة: هي دار النَّعيم في الدَّار الآخرة، والجنَّة البُستان، والعرب تُسمِّي النَّخيل جنَّةً، قال زهيرٌ: كَأَنَّ عَيْنَيَّ فِي غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ … مِنَ النَّوَاضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا فهي من الاجتنان، وهو السَّتر؛ لتكاثفِ أشجارِها وتظليلِها بالتفافِ أغصانها، وسمِّيتْ بالجنَّة وهي المرَّة الواحدة من مصدر جنَّه جنًّا إذا سترهُ فكأنَّها سُترةٌ واحدةٌ؛ لشدَّة التفافِها وإظلالها. (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) سعدُ بن مالكٍ الخدريُّ ﵁، ممَّا سبق موصولًا في «بابِ يقبضُ الله الأرضَ يوم القيامة» [خ¦٦٥٢٠] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حوتٍ) ولأبي ذرٍّ: «كبد الحوت» وزيادة الكبدِ هي قطعةٌ من اللَّحم متعلِّقةٌ بالكبدِ، وهي ألذُّ الأطعمةِ وأهنؤها. (عَدْنٌ) في قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] أي: (خُلْدٌ) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، وهو دوامُ البقاء، يقال: (عَدَنْتُ بِأَرْضٍ) أي: (أَقَمْتُ) بها (وَمِنْهُ المَعْدِنُ) الَّذي يُستخرج منه الجواهر كالذَّهب والفضَّة والنُّحاس والحديدِ (فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ) بكسر دال «معدن» أي: (فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ) بكسر الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «في مقعد» بالقاف والعين بدل «معدن» والصَّواب الأوَّل. قال في «الفتح»: وكان سبب الوَهم: أنَّه لمَّا رأى أنَّ الكلام في صفة الجنَّة، وأنَّ من أوصافها ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] كما في آخر سورةِ القمر ظنَّه هنا كذلك، وقد ذكرهُ أبو عبيدةَ (١) بلفظ: «معدنِ صدقٍ». نعم قوله: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ معناه: مكان القعودِ وهو يَرجعُ إلى معنى المعدنِ.

стр. 11438

٦٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء والمثلثة بينهما تحتيَّة ساكنة، ابن الجهمِ أبو عمرٍو العبديُّ البصريُّ، المؤذِّنُ بجامعها قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء وفتح العين المهملة، ابنُ أبي جميلة الأعرابيُّ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم، عمران العطارديِّ (عَنْ عِمْرَانَ) بن الحصين ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اطَّلَعْتُ) بتشديد الطاء (فِي الجَنَّةِ) ليلة الإسراء، أو في المنام (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ) قال الطِّيبيُّ: ضمَّن «اطَّلعتُ» معنى تأمَّلتُ، و «رأيتُ» بمعنى عَلِمت، ولذا عدَّاه إلى مفعولين، ولو كان الاطِّلاع بمعناهُ الحقيقيّ لكفاهُ مفعولٌ واحدٌ (١) (وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ) في صلاةِ الكسوفِ فهو غير وقت رؤية الجنَّة. قال في «الفتح»: وَوَهِمَ من وحَّدهما. قال: وقال الدَّاوديُّ: إنَّ ذلك ليلة الإسراء وحين خُسفت الشَّمس، كذا قال: (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ) لِمَا يَغلِب عليهنَّ من الهوى والميل إلى عاجلِ زينة الدُّنيا، والإعراضِ عن الآخرة؛ لنقصِ عقلهنَّ وسرعةِ انخداعهنَّ. والحديثُ رُواته كلُّهم بصريُّون، وسبق في «صفة الجنَّة» من «بدء الخَلق» [خ¦٣٢٤١] وفي «النِّكاح» [خ¦٥١٩٨]. ٦٥٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ابن عُلَيَّة الإمام قال: (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ طَرْخان، أبو المعتمر (التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيدِ بنِ حارثةَ ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ) وفي الحديث السَّابق: «الفقراء» [خ¦٦٥٤٦] وكلٌّ منهما يُطلق على الآخر، وضبط في «اليونينيَّة»: «المساكينَ» بفتح النون، وهو سهوٌ على ما لا يخفى (٢) (وَأَصْحَابُ الجَدِّ) بفتح الجيم وتشديد الدال، الغِنى (مَحْبُوسُونَ) ممنوعون من دُخول الجنَّة

стр. 11439

مع الفقراء لأجلِ الحساب، وكأنَّ ذلك عند القنطرة الَّتي يتعاقبون فيها بعد الجواز على الصِّراط (غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ) و «غير» بمعنى «لكن» والمراد: الكفَّار، أي: يُساق الكفَّار إلى النَّار، ويقفُ المؤمنون في العَرَصات للحساب، والفقراء هُم السَّابقون إلى الجنَّة؛ لِفقرهم (وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ). وهذا الحديثُ والَّذي قبله مسطوران (١) بهامشِ الفرعِ لا رقم عليهما. وقال في «الفتح»: إنَّهما سقطَا من كثيرٍ من النُّسخ، ومن مستخرجَي الإسماعيليِّ وأبي نُعيمٍ، ولا ذكرَ المزيُّ في «الأطراف» (٢) طريقَ عثمان ولا طريق مسدَّد في «كتاب الرِّقاق» وهما ثابتان في رواية أبي ذرٍّ عن شيوخه الثَّلاثة. ٦٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ كاتب ابنِ المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) بضم العين (عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بنِ عبد الله ابنِ عمر بنِ الخطَّاب (أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا صَارَ أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالمَوْتِ) الَّذي هو عَرَضٌ من الأعراض مجسَّمًا كما في «تفسير سورة مريم» [خ¦٤٧٣٠] في «هيئة كبشٍ أَملح». قال التُّوربشتيُّ: ليشاهدوه بأعينهم فضلًا عن أن يُدركوه ببصائرهم، والمعاني إذا ارتفعتْ عن مداركِ الأفهام، واستعلت عن معارج (٣) النُّفوس لِكبر شأنها، صيغت لها قوالب من عالم الحسِّ حتَّى تتصوَّر في القلوبِ، وتستقرَّ في النُّفوس، ثمَّ إنَّ المعاني في الدَّار الآخرة تنكشف للنَّاظرين انكشاف الصُّور في هذه

стр. 11440

الدَّار الفانية، فلهذا جِيء بالموت في هيئة كبشٍ (حَتَّى (١) يُجْعَلَ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ) وفي التِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة: «فيوقف على السُّور الَّذي بين الجنَّة والنَّار» (ثُمَّ يُذْبَحُ) لم يُذْكرِ الذَّابح، فقيل فيما (٢) نقله القرطبيُّ عن بعض الصُّوفيَّة: إنَّه يحيى بن زكريَّا بحضرةِ النَّبيِّ ﷺ إشارةً إلى دوامِ الحياة. وعن بعضِ التَّصانيف قال في «الفتح»: وهو في «تفسير إسماعيل بنِ أبي زياد الشَّاميِّ» أحد الضُّعفاء في آخر حديث الصُّور الطَّويل أنَّه جبريل ﵇. قال في «المصابيح»: على تقدير كونه يحيى ففي اختصاصهِ من بين الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام بذلك لطيفةٌ، وهي مناسبةُ اسمه لإعدامِ الموت، وليس فيهم من اسمه يحيى غيره، فالمناسبةُ فيه ظاهرةٌ (٣)، وعلى تقدير كونه جبريل فالمناسبةُ لاختصاصهِ بذلك لائحةٌ أيضًا من حيث هو معروفٌ بالرُّوح الأمين، وليس في الملائكة مَن يُطلق عليه ذلك غيره، فجُعل أمينًا على هذه القضيَّة المهمَّة وتولَّى الذَّبح، فكان في ذبحِ الرُّوح للموتِ المضادِّ لها مناسبة حسنة يمكنُ رعايتها، والإشارةُ بها إلى بقاءِ كلِّ روحٍ من غيرِ طروِّ الموت عليها (٤) بشارةٌ للمؤمنين، وحسرةٌ على الكافرين (ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ) لم أعرف اسمهُ: (يَا أَهْلَ الجَنَّةِ لَا مَوْتَ، يَا (٥)) وللكُشميهنيِّ: «ويا» (أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ) بالبناء على الفتح فيهما (فَيَزْدَادُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ) بضم الحاء المهملة وسكون الزاي فيهما، ولأبي ذرٍّ: «حَزَنًا إلى حَزَنهم» بفتح الحاء والزاي فيهما. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «صفة أهل الجنَّة والنَّار».

стр. 11441

٦٥٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الأصبحيُّ إمام دار الهجرة، وسقط «ابن أنسٍ» لأبي ذرٍّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العَدويِّ مولى عمر، أبي عبد الله وأبي أسامة المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليِّ مولى ميمونة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّ الله ﵎ يقول» (لأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. يَقُولُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فيقولون» (لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ) جلَّ وعلا: (هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ) : (أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ) ﷻ : (أُحِلُّ) ضم الهمزة وكسر المهملة وتشديد اللام، أي: أُنزل (عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) وفي حديث جابرٍ عند البزَّار: «قال: رضواني أكبر». قال في «الفتح»: وفيه تلميحٌ بقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] لأنَّ رضاه سببُ كلِّ فوزٍ وسعادة، وكلُّ مَن عَلم أنَّ سيِّده راضٍ عنه كان أقرَّ لعينهِ وأطيبَ لقلبه من كلِّ نعيمٍ لِمَا في ذلك من التَّعظيم والتَّكريم. انتهى. وهذا معنى ما قاله في «الكشَّاف». وقال الطِّيبيُّ: أكبرُ أصناف الكرامةِ رؤيةُ الله تعالى، ونُكِّر ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ في التَّنزيل إرادة التَّقليل؛ ليدلَّ على أنَّ شيئًا يسيرًا من الرِّضوان خيرٌ من الجنَّات وما فيها. قال صاحب «المفتاح»: والأنسبُ أن يُحمل على التَّعظيم، و «أكبرُ» على مجرَّد الزِّيادة مبالغةً لوصفه بقوله (١): «من الله» أي: ورضوانٌ عظيمٌ يليق أن يُنسب إلى من اسمه الله مُعطي الجزيل، ومن عطاياه الرُّؤية وهي أكبر أصناف الكرامةِ، فحينئذٍ يُناسب معنى الحديث الآية حيث أضافه إلى

стр. 11442

نفسهِ وأبرزهُ في صورةِ الاستعارِةِ، وجعل الرِّضوان كالجائزةِ (١) للوفودِ النَّازلين (٢) على الملكِ الأعظم. والحديثُ أخرجهُ البخاريُّ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٨]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «صفة الجنَّة» والنَّسائيُّ في «النُّعوت». ٦٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ البخاريُّ، يقال: إنَّه مولى المؤلِّف ويُعرف بالمسنَديِّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن المُهلَّب الأزديُّ، يُعرف بابن الكِرمانيِّ المَعْنِيُّ -بفتح الميم وسكون العين المهملة- البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيمُ بن محمَّدٍ الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة (٣)، ابنُ أبي حميدٍ الطَّويل البصريُّ، اختُلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوالٍ، ثقةٌ مدلِّسٌ، توفِّي وهو قائمٌ يُصلِّي، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) ﵁ (يَقُولُ: أُصِيبَ) بضم الهمزة (حَارِثَةُ) بحاء مهملة ومثلَّثة، ابن سراقةَ بنِ الحارث الأنصاريُّ (يَوْمَ) وقعة (بَدْرٍ وَهْوَ غُلَامٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ) الرُّبيِّع -بالتَّشديد- بنت النَّضر عمَّة أنسٍ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ) بالجزم فيهما (وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى) بالفوقية وثبوت النون، أي: وإن لم يكن في الجنَّة (تَرَى مَا أَصْنَعُ) من الحزن الشَّديد، و «ترى» بإشباع الراء وبعدها تحتية في الكتابة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تَرَ» بغير تحتيَّة مع القصر مجزومٌ (فَقَالَ ﷺ لَهَا: وَيْحَكِ) بفتح الواو وسكون التَّحتية بعدها حاء مهملة، كلمةُ تَرحُّمٍ وإشفاقٍ (أَوَهَبِلْتِ) بهمزة الاستفهام وواو العطفِ على مقدَّر وفتح الهاء وكسر الموحدة وسكون اللام، أي: أفقدت عقلك ممَّا أصابَكِ من الثَّكل بابنكِ

стр. 11443

حتَّى جَهلت الجنَّة (أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟) بهمزة وواو العطف على مقدَّر أيضًا، إنَّها (جِنَانٌ كَثِيرَةٌ) في الجنَّة (وَإِنَّهُ) أي: حارثة (لَفِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «في» (جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ) وهي أعلاها درجةً، و «الفردوس» البستان الَّذي فيه الكُروم والأشجارُ، والجمع: فراديس. والحديثُ سبقَ بسندِهِ ومتنهِ في «باب فضل من شهد بدرًا» من «المغازي» [خ¦٣٩٨٢]. ٦٥٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّيْنَانيُّ -بكسر المهملة وسكون التحتية وبنونين بينهما ألف- أبو عبد الله المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفُضَيْلُ) بضم الفاء وفتح المعجمة، هو ابنُ غزوان، كما نسبه ابنُ السَّكن في روايتهِ، وليس هو الفضيل (١) بن عياض، وإن وقع في رواية أبي الحسن القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ؛ لأنَّ ابن عياضٍ لا رواية له عن أبي حازمٍ راوي هذا الحديث ولا أدركه، كما قاله أبو عليٍّ الجيانيُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيِّ مولى عزَّة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٢) (قَالَ: مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الكَافِرِ) بفتح الميم وسكون النون وكسر الكاف وفتح الموحدة، تثنية مَنكِب، مجتمعُ العضد والكتف (مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ المُسْرِعِ) ليعظمَ عذابُه ويُضاعف ألمُه، وفي «مسند الحسن بن سفيان» من طريق يوسف بن عيسى عن الفضلِ بن موسى بسنده المذكور هنا: «خمسة أيامٍ». وعند أحمدَ من حديث ابنِ عمر مرفوعًا: «يعظمُ أهلُ النَّارِ في النَّارِ حتَّى إنَّ بيَّن شحمةِ أذنِ أحدهِم إلى عاتقهِ مسيرةَ سبع مئةِ عامٍ (٣)» وفي «الزُّهد» لابن المبارك

стр. 11444

بسندٍ صحيحٍ عن أبي هريرة: «ضرسُ الكافِرِ يومَ القيامَةِ أعظمُ من أُحدٍ، يعظمُون لِتَمتَلئ منهُم وليذُوقُوا العذَابَ» وحكمه الرَّفع؛ لأنَّه لا مجال للرَّأي فيه، والأخبارُ في ذلك كثيرةٌ لا نُطيل بسردها. وحديثُ الباب أخرجهُ مسلمٌ في «صفة النَّار» أعاذنا الله منها بوجهه الكريم، ومطابقته لما ترجم به (١) البخاريُّ هُنا للجزء الثَّاني من كون مَنكِبي الكافر هذا المقدار في النَّار؛ إذ هو نوع وصفٍ من أوصافهَا باعتبار ذِكر المحلِّ وإرادةِ الحالِّ. ٦٥٥٢ - ٦٥٥٣ - (قَالَ) المؤلِّف بالسَّند السَّابق إليه: (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ) المخزوميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالد ابن عجلان الباهليُّ مولاهم، أبو بكر البصريُّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هو سلمةُ بن دينار الأعرج، المدنيِّ القاصّ (٢) مولى الأسود بن سفيان، وأمَّا أبو حازمٍ في الحديث السَّابق [خ¦٦٥٥١] فهو سلمان الأشجعيُّ، وهما مدنيَّان تابعيَّان ثقتان، لكن سلمة أصغر من سلمان (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً) بلام التَّأكيد، وفي التِّرمذيِّ من حديثِ أسماء بنتِ يزيد أنَّها سِدرةُ المنتهى (يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا) في ذراها وناحيتها (مِئَةَ عَامٍ، لَا يَقْطَعُهَا) أي: لا ينتهي إلى آخر ما يميلُ من أغصانها. (قَالَ (٣) أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار، بالسَّند المذكور: (فَحَدَّثْتُ بِهِ) بالحديث المذكور (النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) بالتَّحتية والمعجمة، الزُّرقيَّ التَّابعيَّ المدنيَّ (فَقَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالخاء المعجمة وبالإفراد فيهما (أبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ) الفرس (الجَوَادَ) بفتح الجيم والواو المخففة؛ لأنَّه يجودُ بالرَّكض يقال: جاد الفرسُ إذا صارَ فائقًا، والجمع: جيادٌ وأجوادٌ، وقيل: الجيادُ الطَّويلة الأعناقِ، من الجِيْدِ، ولأبي ذرٍّ: «الجوادُ» بالرَّفع صفة لـ «راكب» (المُضَمَّرَ) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة والميم المشددة، الَّذي يُعلف (٤) حتَّى يسمنَ ثمَّ يُردُّ إلى القوتِ، وذلك

стр. 11445

في أربعين ليلة، ولأبي ذرٍّ: «أو المُضمَّر» بزيادة «أو» (السَّرِيعَ) في جريهِ (مِئَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا) والجوادُ وما بعدَه نصبَ في الفرعِ كأصله، فالأوَّل منصوبٌ باسم الفاعل، و «المضمَّر» اسمُ مفعول منصوبٌ صفةٌ لـ «لجوادِ» وكذا «السَّريع». وقال في «الفتح»: و «الجواد» وما بعده في روايتنا بالرَّفع صفةٌ لـ «لرَّاكب» وضُبط في «صحيح مسلم» بنصب الثَّلاثة على المفعوليَّة، وقال في «المصابيح»: وعند الأَصيليِّ (١) برفعها. ٦٥٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ) أبيه (أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ) زاد أبو ذرٍّ: «ألفًا» (أَوْ) قال: (سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ. لَا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينارٍ (أَيُّهُمَا) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ بالنَّصب، أي: سبعون ألفًا أو سبع مئة ألفٍ (قَالَ) سهل بن سعدٍ (٢) (مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) معترضين صفًّا واحدًا (لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ) وتقديرُ: «معترضين صفًّا واحدًا» مُزيلٌ لِما استُشكل من قوله: «لا يدخل أوَّلُهم حتَّى يدخلَ آخرهم» لاستلزامه الدَّور؛ لأنَّ دخول الأوَّل موقوفٌ على دخولِ الآخر وبالعكس. نعم هو على تقدير: معترضين … إلى آخره، دور معيَّة لكنَّه لا محذورَ فيه، كما قاله في «الكواكب»، وفيه إشارةٌ إلى سعة الباب الَّذي يدخلون منه (وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ) المراد بالصُّورة: الصِّفة، أي: إنَّهم في إشراقِ وجوههم على صفةِ القمر (لَيْلَةَ البَدْرِ) عند تمامهِ، وهي ليلة أربعة عشر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على ضوءِ القمر». والحديثُ سبق في الباب السَّابق قبل هذا.

стр. 11446

٦٥٥٥ - ٦٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ السَّاعديُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ) بفتح اللام والتحتية والفوقية والهمزة، لينظرون (الغُرَفَ فِي الجَنَّةِ) بضم الغين المعجمة وفتح الراء، جمع: غُرْفة -بضم ثمَّ سكون- (كَمَا تَتَرَاءَوْنَ) أنتم في الدُّنيا (الكَوْكَبَ) زاد الإسماعيليُّ: «الدُّرِّيَّ (١)» (فِي السَّمَاءِ). (قَالَ) عبد العزيز: قال (أَبِي) أبو حازمٍ (فَحَدَّثْتُ النُّعْمَانَ) ولأبي ذرٍّ: «فحدَّثت به النُّعمان» (ابْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) بالتَّحتية والمعجمة، الزُّرقيَّ (فَقَالَ: أَشْهَدُ) والله (٢) (لَسَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (يُحَدِّثُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يحدِّثه» أي: الحديث المذكور (وَيَزِيدُ فِيهِ: كَمَا تَرَاءَوْنَ) بفوقية واحدة مفتوحة والهمزة (الكَوْكَبَ الغَارِبَ) بتقديم الرَّاء على الموحدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الغابر» بتأخير الرَّاء، من الغبور، يقال: غَبَرَ الشَّيء غُبُورًا؛ بقي. قال الأزهريُّ: الغابرُ من الأضداد، يُطلق على الماضي والباقي، والمعروفُ الكثيرُ أنَّه بمعنى الباقي، ومن معنى الباقي قوله في الحديث: «إنَّه اعتكفَ العشر الغوابرَ من رمضان» أي: البواقي، وقال في «المطالع»: الغابرُ: البعيدُ، أو الذَّاهب الماضي، كما في الرِّواية الأخرى: «الغارب» والمعنى هُنا: كما تراءون الكوكب الباقي (فِي الأُفُقِ) وهو طرف السَّماء (الشَّرْقِيِّ وَالغَرْبِيِّ) بعد انتشارِ ضوء الفجرِ، فإنَّما ينتشرُ في ذلك الوقت الكوكب المضيءُ، وضَبط (٣) بعضُهم: «الغائِر» بتحتية مهموزة بين الألف والراء، من الغور، يريد انحطاطه في الجانب الغربيِّ، ورُوي: «العازب»

стр. 11447

بالعين المهملة والزاي، ومعناه: البعيد في الأُفُق، وكلُّها راجعةٌ إلى معنًى واحدٍ، وفائدةُ تقييدِ الكوكب بالدُّرِّيِّ ثمَّ بالغابرِ في الأُفُق -كما قال في «شرح المشكاة» -: الإيذان بأنَّه من باب التَّمثيل منتزعٌ من عدَّة أمورٍ متوهَّمة في المشبَّه، شبَّه رُؤية الرَّائي في الجنَّة صاحب الغُرفة برؤية الرَّائي الكوكبَ المستضيء الباقي في جانبِ الغرب والشَّرق في الاستضاءةِ مع البعد والرِّفعة، فلو قال: الغائِر -بالهمز (١) - لم يصحَّ؛ لأنَّ الإشراق يفوتُ عند الغور (٢)، اللَّهمَّ إلَّا أن يؤوَّل بالمستشرفِ على الغور (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: شارفنَ بلوغ الأجلِ، لكن لا يصحُّ هذا المعنى في الجانب الشَّرقيِّ. نعم يصحُّ إذا اعتبرتهُ على طريقة «علفتُها تبنًا وماءً باردًا» أي: طالعًا في الأُفُق من المشرق، وغائرًا في المغرب، قال: وذَكَرَ الشَّرق والغرب، ولم يقل: في السَّماء، أي: في كبدِها (٤)؛ لبيان الرِّفعة وشدَّة البُعد. ٦٥٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالشين المعجمة المشددة، المعروف ببُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيبٍ الجَونيِّ -بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون مكسورة- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) سقط لأبي ذرٍّ «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ) بكسر لام «لِأهون» وقيل: إنَّ أهون أهل النَّار هذا هو أبو طالبٍ (لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ وفتح التاء، ولأبي ذرٍّ بضمها (تَفْتَدِي بِهِ؟) بالفاء، من العذابِ (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ) الله تعالى: (أَرَدْتُ

стр. 11448

مِنْكَ أَهْوَنَ) أي: أسهلَ (مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) حين أخذتُ الميثاق (أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ) فامتنعتَ حين أبرزتُك إلى الدُّنيا (إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي) الاستثناءُ مفرغ، وإنَّما حُذف المستثنى منه مع أنَّه كلامٌ موجبٌ؛ لأنَّ في الإباء مَعنى الامتناع فيكون نفيًا معنًى (١) أي: ما اخترت إلَّا الشِّرك، وظاهر قوله: «أردتُ منك» يوافقُ مذهب المعتزلة؛ لأنَّ المعنى: أردت منك التَّوحيد فخالفتَ مُرَادي وأتيتَ بالشِّرك. وأُجيب بأنَّ الإرادة هُنا بمعنى الأمر، أي: أمرتُك فلم تفعل؛ لأنَّه لم يكنْ في مُلكه إلَّا ما يريد، وقال الطِّيبيُّ: والأظهرُ أن تحملَ الإرادة هُنا على أخذِ الميثاق في آية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لقرينة و «أنت في صُلب آدمَ» ويُحمَل الإباءُ على نقضِ العهد. والحديثُ سبقَ في «باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]» من «خَلق آدم» [خ¦٣٣٣٤] وفي: «باب من نوقش الحساب عذِّب» (٢) [خ¦٦٥٣٨]. ٦٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بن الفضل السَّدوسيُّ الحافظ، عَارم قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد بنِ درهم الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريُّ (¬﵁¬) وعن أبيهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ) بحذف الفاعل. قال في «الفتح»: وثبتَ في رواية أبي ذرٍّ عن السَّرخسيِّ: «يخرج قومٌ» ولمسلمٍ عن أبي الرَّبيع الزَّهراني، عن حمَّاد بن زيدٍ: «يُخْرِجُ الله قومًا من النَّار بالشَّفاعة» (كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ) بمثلثة مفتوحة فعين مهملة وبعد الألف راءان بينهما تحتية ساكنة، جمع ثُعرور -بضم أوَّله- كعصفور، صغار القثَّاء، شُبِّهوا بها؛ لأنَّ القثَّاء ينمو (٣) سريعًا، وقيل: هو

стр. 11449

رؤوس الطَّراثيث تكون بيضاء شُبِّهوا ببياضها، واحدها: طُرْثوث، وهو نبتٌ يُؤكل. قال حمَّادٌ: (قُلْتُ) لعمرٍو: (مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وما» (الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ) عمرٌو: (الضَّغَابِيسُ) بالضاد والغين المعجمتين المفتوحتين وبعد الألف موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة، وهي صِغار القثَّاء، واحدتها: ضُغْبُوس، وقيل (١): هي (٢) نبتٌ ينبتُ في أُصول الثُّمام يُشبه الهليون يُسْلق بالخلِّ والزَّيت ويُؤكل، وقال أبو عبيدٍ: ويقال: الشَّعارير بالشين المعجمة بدل المثلَّثة. قال في «الفتح»: وكأنَّ هذا هو السَّبب في قول الرَّاوي (وَكَانَ) عمرو (٣) (قَدْ سَقَطَ فَمُهُ) أي: سقطتْ أسنانه فنطقَ بها مثلثة، وهي شين معجمة. قال الكِرمانيُّ: ولذا لُقِّب بالأثرَم -بالمثلَّثة وفتح الراء- إذ الثَّرَم انكسارُ الأسنان. انتهى (٤). وهذا التَّشبيه لصفتهم بعد أن ينبتوا، وأمَّا في أوَّل خروجِهم من النَّار فإنَّهم يكونون كالفحمِ، كما يأتي إن شاء الله تعالى بَعْدُ [خ¦٦٥٦٠]. وقال حمَّادٌ أيضًا: (فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَبَا مُحَمَّدٍ) بحذف أداة النِّداء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يا أبا محمَّدٍ» (سَمِعْتَ) بهمزة الاستفهام المقدَّرة، أي: أسمعت (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ) قومٌ؟ (قَالَ: نَعَمْ) سمعتُه يقول ذلك، وفيه إبطالُ مذهبِ المعتزلة القائلين بنفِي الشَّفاعة للعُصاة مُتمسِّكين بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وأُجيب بأنَّها في الكفَّار، وقد تواترتِ (٥) الأحاديث في إثباتها. والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان».

стр. 11450

٦٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها موحدة مفتوحة فهاء تأنيث، القيسيُّ (١) البصريُّ الحافظُ هَدَّابٌ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم بعدها ألف فميم، ابن يحيى العوذيُّ الحافظ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «عن أنسٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ) بفتح السين المهملة وسكون الفاء بعدها عين مهملة، سوادٌ فيه أو صفرةٌ. يقال: سفعته النَّار إذا لفحتْه فغيَّرت لون بشرتهِ، والسَّوافع: لوافح (٢) السَّموم (فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ) بالتَّحتيتين (٣) بعد الميم، ولأبي ذرٍّ بتحتيَّةٍ واحدةٍ، وفي حديث جابر عند ابن حبَّان والبيهقيِّ: «فكُتب في رقابهم: عُتقاء الله من النَّار، فيُسمَّون فيها: الجهنَّميِّين (٤)» وقول بعض الشُّرَّاح: إنَّ هذه التَّسمية ليستْ تنقيصًا لهم بل للاستذكارِ لنعمة الله؛ ليزدادوا بذلك شكرًا، يُعارضه ما في مسلمٍ من حديثِ أبي سعيدٍ: «فيدعون الله فيُذهب عنهم هذا الاسم». وحديثُ الباب أخرجهُ أيضًا المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٠]. ٦٥٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل، أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالدٍ الباهليُّ مولاهم، الكرابيسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين المهملة (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمَارة -بضم العين المهملة وتخفيف الميم- المازنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: إِذَا
следующие страницы →