٦٥٥٥ - ٦٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ السَّاعديُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ) بفتح اللام والتحتية والفوقية والهمزة، لينظرون (الغُرَفَ فِي الجَنَّةِ) بضم الغين المعجمة وفتح الراء، جمع: غُرْفة -بضم ثمَّ سكون- (كَمَا تَتَرَاءَوْنَ) أنتم في الدُّنيا (الكَوْكَبَ) زاد الإسماعيليُّ: «الدُّرِّيَّ (١)» (فِي السَّمَاءِ).
(قَالَ) عبد العزيز: قال (أَبِي) أبو حازمٍ (فَحَدَّثْتُ النُّعْمَانَ) ولأبي ذرٍّ: «فحدَّثت به النُّعمان» (ابْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) بالتَّحتية والمعجمة، الزُّرقيَّ (فَقَالَ: أَشْهَدُ) والله (٢) (لَسَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ ﵁ (يُحَدِّثُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يحدِّثه» أي: الحديث المذكور (وَيَزِيدُ فِيهِ: كَمَا تَرَاءَوْنَ) بفوقية واحدة مفتوحة والهمزة (الكَوْكَبَ الغَارِبَ) بتقديم الرَّاء على الموحدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الغابر» بتأخير الرَّاء، من الغبور، يقال: غَبَرَ الشَّيء غُبُورًا؛ بقي. قال الأزهريُّ: الغابرُ من الأضداد، يُطلق على الماضي والباقي، والمعروفُ الكثيرُ أنَّه بمعنى الباقي، ومن معنى الباقي قوله في الحديث: «إنَّه اعتكفَ العشر الغوابرَ من رمضان» أي: البواقي، وقال في «المطالع»: الغابرُ: البعيدُ، أو الذَّاهب الماضي، كما في الرِّواية الأخرى: «الغارب» والمعنى هُنا: كما تراءون الكوكب الباقي (فِي الأُفُقِ) وهو طرف السَّماء (الشَّرْقِيِّ وَالغَرْبِيِّ) بعد انتشارِ ضوء الفجرِ، فإنَّما ينتشرُ في ذلك الوقت الكوكب المضيءُ، وضَبط (٣) بعضُهم: «الغائِر» بتحتية مهموزة بين الألف والراء، من الغور، يريد انحطاطه في الجانب الغربيِّ، ورُوي: «العازب»
стр. 11447
بالعين المهملة والزاي، ومعناه: البعيد في الأُفُق، وكلُّها راجعةٌ إلى معنًى واحدٍ، وفائدةُ تقييدِ الكوكب بالدُّرِّيِّ ثمَّ بالغابرِ في الأُفُق -كما قال في «شرح المشكاة» -: الإيذان بأنَّه من باب التَّمثيل منتزعٌ من عدَّة أمورٍ متوهَّمة في المشبَّه، شبَّه رُؤية الرَّائي في الجنَّة صاحب الغُرفة برؤية الرَّائي الكوكبَ المستضيء الباقي في جانبِ الغرب والشَّرق في الاستضاءةِ مع البعد والرِّفعة، فلو قال: الغائِر -بالهمز (١) - لم يصحَّ؛ لأنَّ الإشراق يفوتُ عند الغور (٢)، اللَّهمَّ إلَّا أن يؤوَّل بالمستشرفِ على الغور (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: شارفنَ بلوغ الأجلِ، لكن لا يصحُّ هذا المعنى في الجانب الشَّرقيِّ. نعم يصحُّ إذا اعتبرتهُ على طريقة «علفتُها تبنًا وماءً باردًا» أي: طالعًا في الأُفُق من المشرق، وغائرًا في المغرب، قال: وذَكَرَ الشَّرق والغرب، ولم يقل: في السَّماء، أي: في كبدِها (٤)؛ لبيان الرِّفعة وشدَّة البُعد.
٦٥٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالشين المعجمة المشددة، المعروف ببُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيبٍ الجَونيِّ -بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون مكسورة- أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁¬) سقط لأبي ذرٍّ «ابن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ) بكسر لام «لِأهون» وقيل: إنَّ أهون أهل النَّار هذا هو أبو طالبٍ (لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ) بهمزة الاستفهام الاستخباريِّ وفتح التاء، ولأبي ذرٍّ بضمها (تَفْتَدِي بِهِ؟) بالفاء، من العذابِ (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ) الله تعالى: (أَرَدْتُ
стр. 11448
مِنْكَ أَهْوَنَ) أي: أسهلَ (مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) حين أخذتُ الميثاق (أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ) فامتنعتَ حين أبرزتُك إلى الدُّنيا (إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي) الاستثناءُ مفرغ، وإنَّما حُذف المستثنى منه مع أنَّه كلامٌ موجبٌ؛ لأنَّ في الإباء مَعنى الامتناع فيكون نفيًا معنًى (١) أي: ما اخترت إلَّا الشِّرك، وظاهر قوله: «أردتُ منك» يوافقُ مذهب المعتزلة؛ لأنَّ المعنى: أردت منك التَّوحيد فخالفتَ مُرَادي وأتيتَ بالشِّرك. وأُجيب بأنَّ الإرادة هُنا بمعنى الأمر، أي: أمرتُك فلم تفعل؛ لأنَّه لم يكنْ في مُلكه إلَّا ما يريد، وقال الطِّيبيُّ: والأظهرُ أن تحملَ الإرادة هُنا على أخذِ الميثاق في آية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لقرينة و «أنت في صُلب آدمَ» ويُحمَل الإباءُ على نقضِ العهد.
والحديثُ سبقَ في «باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]» من «خَلق آدم» [خ¦٣٣٣٤] وفي: «باب من نوقش الحساب عذِّب» (٢) [خ¦٦٥٣٨].
٦٥٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بن الفضل السَّدوسيُّ الحافظ، عَارم قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد بنِ درهم الإمام، أبو إسماعيل الأزديُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابنُ عبد الله الأنصاريُّ (¬﵁¬) وعن أبيهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ) بحذف الفاعل. قال في «الفتح»: وثبتَ في رواية أبي ذرٍّ عن السَّرخسيِّ: «يخرج قومٌ» ولمسلمٍ عن أبي الرَّبيع الزَّهراني، عن حمَّاد بن زيدٍ: «يُخْرِجُ الله قومًا من النَّار بالشَّفاعة» (كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ) بمثلثة مفتوحة فعين مهملة وبعد الألف راءان بينهما تحتية ساكنة، جمع ثُعرور -بضم أوَّله- كعصفور، صغار القثَّاء، شُبِّهوا بها؛ لأنَّ القثَّاء ينمو (٣) سريعًا، وقيل: هو
стр. 11449
رؤوس الطَّراثيث تكون بيضاء شُبِّهوا ببياضها، واحدها: طُرْثوث، وهو نبتٌ يُؤكل. قال حمَّادٌ: (قُلْتُ) لعمرٍو: (مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «وما» (الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ) عمرٌو: (الضَّغَابِيسُ) بالضاد والغين المعجمتين المفتوحتين وبعد الألف موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة، وهي صِغار القثَّاء، واحدتها: ضُغْبُوس، وقيل (١): هي (٢) نبتٌ ينبتُ في أُصول الثُّمام يُشبه الهليون يُسْلق بالخلِّ والزَّيت ويُؤكل، وقال أبو عبيدٍ: ويقال: الشَّعارير بالشين المعجمة بدل المثلَّثة. قال في «الفتح»: وكأنَّ هذا هو السَّبب في قول الرَّاوي (وَكَانَ) عمرو (٣) (قَدْ سَقَطَ فَمُهُ) أي: سقطتْ أسنانه فنطقَ بها مثلثة، وهي شين معجمة. قال الكِرمانيُّ: ولذا لُقِّب بالأثرَم -بالمثلَّثة وفتح الراء- إذ الثَّرَم انكسارُ الأسنان. انتهى (٤). وهذا التَّشبيه لصفتهم بعد أن ينبتوا، وأمَّا في أوَّل خروجِهم من النَّار فإنَّهم يكونون كالفحمِ، كما يأتي إن شاء الله تعالى بَعْدُ [خ¦٦٥٦٠].
وقال حمَّادٌ أيضًا: (فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَبَا مُحَمَّدٍ) بحذف أداة النِّداء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يا أبا محمَّدٍ» (سَمِعْتَ) بهمزة الاستفهام المقدَّرة، أي: أسمعت (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ) قومٌ؟ (قَالَ: نَعَمْ) سمعتُه يقول ذلك، وفيه إبطالُ مذهبِ المعتزلة القائلين بنفِي الشَّفاعة للعُصاة مُتمسِّكين بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وأُجيب بأنَّها في الكفَّار، وقد تواترتِ (٥) الأحاديث في إثباتها.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان».
стр. 11450
٦٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها موحدة مفتوحة فهاء تأنيث، القيسيُّ (١) البصريُّ الحافظُ هَدَّابٌ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم بعدها ألف فميم، ابن يحيى العوذيُّ الحافظ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «عن أنسٍ» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ) بفتح السين المهملة وسكون الفاء بعدها عين مهملة، سوادٌ فيه أو صفرةٌ. يقال: سفعته النَّار إذا لفحتْه فغيَّرت لون بشرتهِ، والسَّوافع: لوافح (٢) السَّموم (فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ: الجَهَنَّمِيِّينَ) بالتَّحتيتين (٣) بعد الميم، ولأبي ذرٍّ بتحتيَّةٍ واحدةٍ، وفي حديث جابر عند ابن حبَّان والبيهقيِّ: «فكُتب في رقابهم: عُتقاء الله من النَّار، فيُسمَّون فيها: الجهنَّميِّين (٤)» وقول بعض الشُّرَّاح: إنَّ هذه التَّسمية ليستْ تنقيصًا لهم بل للاستذكارِ لنعمة الله؛ ليزدادوا بذلك شكرًا، يُعارضه ما في مسلمٍ من حديثِ أبي سعيدٍ: «فيدعون الله فيُذهب عنهم هذا الاسم».
وحديثُ الباب أخرجهُ أيضًا المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٠].
٦٥٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل، أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالدٍ الباهليُّ مولاهم، الكرابيسيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين المهملة (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمَارة -بضم العين المهملة وتخفيف الميم- المازنيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: إِذَا
стр. 11451
دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ) أي: فيهما، وعبَّر بالمضارعِ العاري عن سين الاستقبال المتمحِّض للحالِ لتحقُّق وقوعُ الإدخال (وَ) يدخل (أَهْلُ النَّارِ النَّارَ) ثمَّ بعد دخولهم فيها (يَقُولُ اللهُ) ﵎ لملائكتهِ: (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ) زيادة على أصل التَّوحيد (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أي: مقدار حبَّةٍ حاصلةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) حاصل (مِنْ إِيمَانٍ) بالتَّنكير؛ ليفيد التَّقليل (١)، والقلَّة هُنا باعتبار انتفاء الزِّيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يجب الإيمانُ به كافٍ؛ لأنَّه عُلِم من عرف الشَّرع أنَّ المرادَ الحقيقة المعهودة، والإيمان ليس بجسمٍ فيحصرُه الوزن، والمراد أنَّه يجعل عمل العبد -وهو عَرَضٌ- في جسمٍ على مقدارِ العمل عندَه تعالى ثمَّ يُوزن، أو تمثَّل الأعمال جواهر (فَأَخْرِجُوهُ) من النَّار (فَيُخْرَجُونَ) منها، حال كونهم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضم الفوقية وكسر المهملة وضم المعجمة، احترقوا (وَعَادُوا حُمَمًا) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، فَحْمًا (فَيُلْقَوْنَ) بضم التحتية وسكون اللام وفتح القاف (فِي نَهَرِ الحَيَاةِ) بالفوقيَّة بعد الألف، ونهرُ الحياة هو الَّذي مَن غُمس فيه حَيي (فَيَنْبُتُونَ) بضم الموحدة، ثانيًا (كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، بزر العشبِ، أو البقلةُ الحمقاء؛ لأنَّها تنبت سريعًا (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وسكون التَّحتية آخره لام، فعيلٌ بمعنى مفعول، وهو ما جاء به من طينٍ، أو غثاءٍ و (٢) غيره، فإذا كانت فيه حبَّةٌ واستقرَّت على شطِّ مجرى (٣) السَّيل، فإنَّها تنبتُ في يومٍ وليلةٍ، فشبَّه بها سرعة عَود أبدانهم وأجسامِهم إليهم بعد إحراق النَّار لها (أَوْ قَالَ: حَمِيَّةِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد التَّحتية، كذا في «الفرع»، أي: معظم جَرْيِ (السَّيْلِ) واشتدادِهِ، وقال الكِرمانيُّ: الحَمِْأة -بالفتح وسكون الميم وبكسرها وبالهمزة-: الطِّين الأسودُ المنتن، والشَّكُّ من الرَّاوي.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَمْ تَرَوْا) خطابٌ لكلِّ مَن يتأتَّى منه الرُّؤية (أَنَّهَا تَنْبُتُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تخرج» حالَ كونها (صَفْرَاءَ) تسرُّ النَّاظرين، وحالَ كونها (مُلْتَوِيَةً) أي: منعطفةً، وهذا ممَّا يزيد الرَّياحين حُسنًا باهتزازهِ وتميُّله، والمعنى: فمَن كان في قلبهِ
стр. 11452
مثقالُ حبَّةٍ من إيمانٍ يخرجُ من ذلك الماء نضرًا متبخترًا كخروج هذه من جانبِ السَّيل صفراء متميِّلةً. وقال النَّوويُّ: لسرعةِ نباتهِ يكون ضعيفًا، ولضعفهِ يكون أصفرَ ملتويًا، ثمَّ بعد ذلك تشتدُّ قوَّته.
والحديثُ مضى في «باب تفاضل أهلِ الإيمان» من «كتاب الإيمان» (١) [خ¦٢٢].
٦٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، ابن عثمان العبديُّ مولاهم الحافظُ بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر الهذليُّ مولاهم البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الحافظ، أبو بسطامٍ العتكيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ) بن بشيرٍ الأنصاريَّ ﵁ يقول: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ) في مسلمٍ: إنَّه أبو طالب، واللام بالفتح (٢) للتَّأكيد (تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ) بضم الفوقية من «تُوضع» وفتح الهمزة والميم والصاد مهملة من «أَخمَص»، و «قدميه» بالتَّثنية: باطنُ قدميهِ الَّذي لا يصلُ إلى الأرض عند المشي (جَمْرَةٌ) في كلِّ قدمٍ (يَغْلِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون المعجمة وكسر اللام (مِنْهَا) من الجمرةِ (دِمَاغُهُ) وفي مسلمٍ من رواية الأعمشِ عن أبي إسحاق: «مَن له نَعْلان وشِرَاكان من نارٍ يَغلي منهما دماغه» بالتَّثنية.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم».
стр. 11453
٦٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) الغُدَانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ) هو أبو طالبٍ كما في مسلمٍ وسبق [خ¦٦٥٦١] (عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ) بالتَّثنية (جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ) من حرارتهما (كَمَا يَغْلِي المِرْجَلُ) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم بعدها لام، القِدْر من النُّحاس، أو من أيِّ صنفٍ كان (وَالقُمْقُمُ) بقافين مضمومتين وميمين، من آنية العطَّار، أو إناءٌ ضيِّقُ الرَّأس يُسخَّن فيه الماء من نحاسٍ وغيره، فارسيٌّ معرَّب، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بالقُمقُم» بالموحدة بدل واو العطف، وصوَّب القاضي عياض كونهُ بالواو لا بالموحدةِ. وقال غيرهُ: يُحتمل أن تكون الباء بمعنى «مع» وعند الإسماعيليِّ: «كما يغلي المِرجلُ أو القُمقُمُ» بالشَّكِّ، وقال السُّهيليُّ: من باب النَّظر في حكمة الله تعالى ومُشاكلة الجزاء للعمل أنَّ أبا طالبٍ كان مع رسولِ الله ﷺ بجملتهِ متحزِّبًا له إلَّا أنَّه كان متثبِّتًا بقدمه على ملَّة عبد المطَّلب حتَّى قال عند الموت: إنَّه على مِلَّة عبد المطَّلب، فسلَّط الله تعالى العذابَ على قدميه خاصَّةً لتثبيته إيَّاهما على مِلَّة آبائه، وسندُ هذا المتن أعلى من سندِ السَّابق، لكن في العالي عنعنة أبي إسحاق السَّبيعيِّ، وفي النَّازل تصريحه بالسَّماع، فانجبرَ ما فاته من العلوِّ الحسيِّ بالعلوِّ المعنويِّ.
٦٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) أبو أيُّوبَ الوَاشِحِيُّ البصريُّ، قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن مُرَّة -بضم الميم وتشديد الراء- ابن عبد الله بن طارقٍ الجَمَلي -بفتح الجيم والميم- الكوفيِّ الأعمى (عَنْ خَيْثَمَةَ) بخاء معجمة مفتوحة فتحتيَّة ساكنة فمثلثة مفتوحة فتاء تأنيث، ابن عبد الرَّحمن الجعفيِّ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ)
стр. 11454
الطَّائيِّ، الجواد ابن الجواد، الصَّحابيِّ الشَّهير ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ (١) النَّارَ فَأَشَاحَ) بالفاء والهمزة والشين المعجمة بعدها ألف فحاء مهملة (بِوَجْهِهِ) صَرَفه، أو حذَّر منها كأنَّه ينظرُ إليها (فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ (٢) فَتَعَوَّذَ مِنْهَا (٣)، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ) بالتَّصدُّق (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بكسر الشين المعجمة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) صدقةً (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ).
وسبق الحديثُ في «باب من نوقش الحساب عذِّب» [خ¦٦٥٤٠].
٦٥٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، أبو إسحاق الزُّبيريُّ (٤) المدنيُّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبدُ العزيز بنُ أبي حازم سلمة بنُ دينارٍ (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدال والراء بعد الألف واو مفتوحة فراء ساكنة فدال مهملة مكسورة فتحتية مشددة، عبدُ العزيز بن محمَّدٍ، ودراورد قريةٌ من قرى خُراسان (عَنْ يَزِيدَ) بن عبدِ الله ابنِ الهادي (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى بعدها ألف، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَذُكِرَ) ولأبي ذرٍّ: «يقول: وذكر» (عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ) عبد منافٍ شقيقِ عبدِ الله أبي النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ ﷺ : لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلَُ) بالرَّفع والنَّصب (فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ) بالتَّثنية، و «الضَّحْضَاح» بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة، ما رقَّ من الماء على وجهِ الأرضِ إلى نحو الكعبينِ فاستُعير للنَّار (يَغْلِي مِنْهُ) من الضَّحضَاح، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «منها» أي (٥): من النَّار (أُمُّ دِمَاغِهِ) أصلُه وما به قِوَامه، أو جلدةٌ رقيقةٌ تحيطُ بالدِّماغ.
стр. 11455
واستُشكلَ قوله ﵊: «تنفعُهُ شفاعتِي» مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أُجيب بأنَّ منفعةَ الآية بالإخراج من النَّار وفي الحديث بالتَّخفيف، أو يُخصُّ عموم الآية بالحديثِ، أو أنَّ أبا طالبٍ لمَّا بالغ في إكرامِ النَّبيِّ ﷺ والذَّبِّ عنه جوزِي بالتَّخفيف، وأُطْلِقَ على ذلك شفاعةٌ، أو أنَّ جزاءَ الكافر من العذابِ يقعُ على كُفره وعلى معاصيهِ، فيجوزُ أن يضعَ الله عن بعضِ الكفَّار بعض جزاءِ معاصيه تطييبًا لقلب الشَّافع لا ثوابًا للكافرِ؛ لأنَّ حسناته صارتْ بموته على الكفرِ هباءً منثورًا لكنَّهم قد يتفاوتون فمَن كانت له حسناتٌ من عتقٍ أو مواساةِ مسلمٍ ليس كمَن ليس له ذلك، فيُحتمل أن يُجازى بالتَّخفيف بمقدارِ ما عملَ لكنَّه معارضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦].
والحديثُ سبق في «باب قصَّة أبي طالبٍ» [خ¦٣٨٨٥].
стр. 11456
٦٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «جمع الله» بلفظ الماضي، والأوَّل هو المعتمدُ، وفي حديثِ أبي هريرة: «يجمعُ اللهُ النَّاس الأوَّلين والآخرينِ في صعيدٍ واحدٍ يُسْمِعُهم الدَّاعي، ويَنْفذُهُم البصرُ، وتدنُو الشَّمس من رؤوسهِم فيشتدُّ عليهم حرُّها» [خ¦٣٣٤٠] (فَيَقُولُونَ) من الضَّجرِ والجزعِ ممَّا هم فيه: (لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى) بالعين، ضمَّن «استشفعَ» معنى الاستعانة؛ يعني (١): لو استعنَّا على (رَبِّنَا) لأنَّ الاستشفاع طلب الشَّفاعة وهي انضمامُ الأدنى إلى الأعلى ليستعينَ به، على ما يرويهِ في رواية هشامٍ الدَّستَُوائيِّ السَّابقة في «سورة البقرة» [خ¦٤٤٧٦] «إلى ربِّنا» (حَتَّى يُرِيحَنَا) بالحاء المهملة، من الإراحةِ، أي: يُخلِّصنا (مِنْ مَكَانِنَا) وما فيه من الأهوالِ، و «لو» هي المتضمِّنة للتَّمني والطَّلب فلا تحتاجُ إلى جوابٍ أو جوابها محذوفٌ (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇، وقدَّموه لأنَّه الأوَّل (فَيَقُولُونَ) له، بعثًا له على أن يشفع لهم: (أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) زاد همَّامٌ في روايته الآتية -إن شاء الله تعالى- في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٤٤٠] «وأسكنكَ جنَّته وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ» ووضْع «شيء» موضع أشياء، أي: المسمَّيات كقوله (٢) تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أي: أسماء المسمَّيات (وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأمر ملائكته» (فَسَجَدُوا لَكَ) سجود خضوعٍ لا سجودَ عبادةٍ (فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا) حتَّى يُريحنا من مكاننَا هذا (فَيَقُولُ) آدم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) بضم الهاء وتخفيف النون، أي: لست في المكان والمنزل الَّذي تحسبوننِي، يريد به مقام الشَّفاعة (وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) الَّتي أصابها وهي أكلُه من الشَّجرة الَّتي
стр. 11457
نُهي عنها، قاله تواضعًا واعتذارًا عن التَّقاعد عن الإجابةِ وإعلامًا بأنَّها لم تكن له (وَيَقُولُ) لهم: (ائْتُوا نُوحًا) ﵇، وسقط «ويقول» لأبي ذرٍّ (أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ) أي: بعد آدم وشيث وإدريس، أو الثَّلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رُسلًا. نعم كان آدم مُرسلًا، وأُنزل على شيث الصُّحف وهو من علامات (١) الإرسال، أو رسالة آدم لبَنِيْه وهُم موحِّدون ليعلِّمهم شريعته، ورسالةُ نوح للكفَّار ليدعوهم إلى التَّوحيد (فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) وهي سؤاله ربِّه ما ليس له به علمٌ وهو قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] (ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) زاد مسلمٌ: «الَّتي أصابَ فيستحيي من (٢) ربِّه»، وفي رواية همَّامٍ (٣): «إنِّي كذَبت ثلاث كذباتٍ» [خ¦٧٤٤٠]، وزاد شيبان (٤) «قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]» وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لامرأته: أخبريه أنِّي أخوك. وهذه الثَّلاثة من المعاريض إلَّا أنَّها لمَّا كانت صورتها صورة الكذبِ أشفق منها (ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كلَّم الله» (فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) وسقط لأبي ذرٍّ قوله «فيقول: لستُ هنَاكم» (فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) وهي أنَّه قتل نفسًا لم يُؤمر بقتلها (ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ) لهم: (لَسْتُ هُنَاكُمْ) ولم يذكر ذنبًا، لكن وقع في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيدٍ: «إنِّي عُبِدتُ من دونِ الله» رواه مسلمٌ (ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ¬) وفي «كشف علوم الآخرة» للغزاليِّ: إنَّ بين إتيان أهل الموقف آدمَ وإتيانهم نوحًا ألف سنةٍ، وكذا بين كلِّ نبيٍّ ونبيٍّ. قال في «الفتح»: ولم أقفْ لذلك على أصلٍ، ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيرادِ أحاديث لا أصلَ لها، فلا يُغترَّ بشيءٍ منها. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ جلالة قدر الغزاليِّ تنافي ما ذكره، وعدمُ وقوفه على أصلٍ لذلك لا يستلزمُ نفيَ وقوف غيره لذلك على أصلٍ، فإنَّه لم يُحِطْ علمًا بكلِّ ما وردَ حتَّى يدَّعي هذه الدَّعوى. انتهى.
стр. 11458
وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ جلالة الغزاليِّ لا تُنافي أنَّه يحسن الظَّنّ ببعضِ الكتب فينقل منها، ويكون ذلك المنقول غير ثابتٍ كما وقعَ له ذلك (١) في «الإحياء» في نقله من «قوت القلوب» كما نبَّه على ذلك غير واحدٍ من الحفَّاظ، وقد اعترفَ هو بأنَّ بضاعتَه في الحديث مُزْجاة. قال ابن حَجر (٢): ولم أدَّعِ أنِّي أحطتُ علمًا، وإنَّما نفيتُ اطِّلاعي، وإطلاقه (٣) في الثَّاني محمولٌ على تقييدِي في الأوَّل، والحكمُ لا يثبتُ بالاحتمال، فلو كان هذا المعترضُ -يعني: العينيَّ- اطَّلع على شيءٍ من ذلك يخالفُ قولي لأبرزَه وتبجَّح به. انتهى.
وقد ألهمَ الله تعالى النَّاس سؤال آدم ومَن بعدَه في الابتداء، ولم يُلهموا سؤالَ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ مع أنَّ فيهم مَن سمع هذا الحديث منه ﷺ ، وتحقَّقَ اختصاصَه بذلك إظهارًا لفضيلةِ نبيِّنا ﷺ ورفعة منزلَته وكمالِ قُربه وتفضيلهِ على جميع المخلوقين.
(فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) ما وقع عن سهوٍ وتأويلٍ، أو ما كان الأولى تركه، أو أنَّه مغفورٌ له غير مُؤاخذٍ لو وقع منه. قال رسولُ الله ﷺ : (فَيَأْتُونِي) زاد في رواية معبدِ بن (٤) هلالٍ المذكورة في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٠] «فأقولُ: أنا لها أنا لها» (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) زاد همَّامٌ: «في دارهِ فيؤذن لي» [خ¦٧٤٤٠] أي (٥): في دخول الدَّار وهي الجنَّة، وأضيفتْ إليه تعالى إضافة تشريفٍ (فَإِذَا رَأَيْتُهُ) تعالى (وَقَعْتُ) له، حال كونِي (سَاجِدًا) وفي رواية أبي بكرٍ عند أبي عَوَانة: «فآتي تحتَ العرش فأقعُ ساجدًا لربِّي» (فَيَدَعُنِي) في السُّجود (مَا شَاءَ اللهُ) زاد مسلمٌ: «أنْ يدعني»، وسقطتِ الجلالة الشَّريفة لأبي ذرٍّ، وفي حديثِ عبادةَ بن الصَّامت عند الطَّبرانيِّ: «فإذا رأيتهُ خررتُ له ساجدًا شكرًا له».
стр. 11459
(ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ يقال لي: ارفعْ» (رَأْسَكَ) وفي رواية النَّضر بن أنسٍ عند أحمد: «أوحَى الله إلى جبريل أن اذهبْ إلى محمَّدٍ فقلْ له: ارفَعْ رأسَكَ» (سَلْ تُعْطَهْ) بغير واو ولا همز (١) (قُلْ يُسْمَعْ) بغير واو أيضًا. نعم الَّذي في «اليونينيَّة»: «وقل» بإثباتها (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) أي: تُقبل شفاعتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي) وفي رواية ثابت عند أحمد: «بمحامدَ لم يحمدْه بها أحدٌ قبلِي، ولا يحمدُهُ أحدٌ بعدِي» (ثُمَّ أَشْفَعُ) في الإراحةِ من كرب الموقفِ، ثمَّ في الإخراج من النَّار بعد التَّحوُّل من الموقف (٢) والمرورِ على الصِّراط وسقوطِ مَن يسقطُ (٣) حينئذٍ في النَّار (فَيَحُدُّ لِي) بفتح التَّحتية وضم الحاء المهملة، أي: يبيِّن لي كلَّ طورٍ من أطوار الشَّفاعة (حَدًّا) أقفُ عنده، فلا أتعدَّاه مثل أن يقول: شفَّعتك فيمَن أخلَّ بالجماعة، ثمَّ فيمَن أخلَّ بالصَّلاة، ثمَّ فيمَن شرب الخمر، ثمَّ فيمَن زنى، وعلى هذا الأسلوب قاله في «شرح المشكاة» عن التُّوربشتيِّ. قال في «الفتح»: والَّذي يدلُّ عليه سياق الأخبار أنَّ المراد به: تفصيلُ مراتبِ المخرجين في الأعمالِ الصَّالحة كما وقعَ عند أحمدَ عن يحيى القطَّان، عن سعيد بنِ أبي عَرُوبة، عن قتادة في هذا الحديثِ بعينه (ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ) حال كوني (سَاجِدًا مِثْلَهُ) أي: مثل الأوَّل (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (حَتَّى) أقول: يا ربِّ (مَا بَقِيَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما يبقى» (فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ) فيها (القُرْآنُ، وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكان» (قَتَادَةُ) بن دِعامة (يَقُولُ عِنْدَ هَذَا) القول وهو مَن حبسَهُ القرآن: (أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ) بنحو قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
والحديثُ سبق في أوَّل «سورة البقرة» [خ¦٤٤٧٦].
стр. 11460
٦٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنِ الحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ) أبي سلمة البصريِّ، صدوقٌ يخطئُ ورميَ بالقدرِ، لكنَّه ليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث من روايةِ يحيى القطَّان عنه مع تعنُّته في الرِّجال، ومع ذلك (١) فهو متابعة، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العُطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ) بفتح الميم المشددة (الجَهَنَّمِيِّينَ) في حديث أبي سعيدٍ [خ¦٧٤٣٩] «فيخرجون كاللُّؤلؤ، وفِي رقابِهم الخَوَاتِمُ، فيقولُ أهلُ الجنَّة: هؤلاء عُتقاء الرَّحمن، أَدْخلَهم الجنَّة بغيرِ عملٍ» (٢).
وحديثُ الباب أخرجهُ التِّرمذيُّ في «صفة النَّار»، وأبو داود في «السُّنَّة»، وابن ماجه في «الزُّهد».
٦٥٦٧ - ٦٥٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) أي: ابنُ أبي (٣) كثيرٍ الأنصاريُّ الزُّرقيُّ، أبو إسحاق القاري (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل البصريِّ، مولى طلحة الطَّلحات (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ) الرُّبيِّع -بالتَّصغير- بنت النَّضر، عمَّة أنس بن مالكٍ، و «حارثة» هو ابن سراقة بنِ الحارث بنِ عديٍّ الأنصاريِّ (أَتَتْ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ) وقال ابنُ مَنْدَه: يوم أحُدٍ، والأوَّل هو المشهور المعتمد (أَصَابَهُ غَرْبُ
стр. 11461
سَهْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء مضافًا لسهمٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «سَهْم غَرْب» بتقديم «سهمٍ» مع التَّنوين على الصِّفة، أي: لا يُدْرَى من رَماه (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «موضِعَ حارثة» (مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كَانَ فِي الجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ) ﷺ (لَهَا: هَُِبِلْتِ؟) في «اليونينيَّة» بكسر الهاء، ولأبي ذرٍّ بضمها وفتحها وكسر الموحدة وسكون اللام، فقدتِ عقلكِ، استفهامٌ حُذفت منه الأداة (أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ، إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لفي» (الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى).
(وَقَالَ) ﷺ : (غَدْوَةٌ) بفتح الغين (فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ) بفتح الراء (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ) بلام مفتوحة للتَّأكيد والقاف بعدها ألف فموحدة، أي: قدر قوسِ أحدِكم (أَوْ مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الجَنَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قدمه» بالإضافة، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «قَِدِّه» بكسر القاف وفتحها وتشديد الدال المهملة، أي: مقدارُ سوطه؛ لأنَّه يُقَدُّ، أي: يقطع طولًا (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) من متاعِهِا (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ) بهمزة الوصل وتشديد الطاء المهملة (إِلَى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) بين السَّماء والأرض (وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا) طيِّبةً (وَلَنَصِيفُهَا) بفتح اللام للتَّأكيد والنون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة ثمَّ فاء. قال قتيبة راويه (١): (يَعْنِي: الخِمَارَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم، ما تغطِّي به رأسها (٢) (خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) من متاعهَا، وقيل: النَّصيف المِعْجَر، وهو بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الجيم، وهو ما تلويهِ المرأةُ على رأسهَا، وقال الأزهريُّ: هو كالعصابَة تلفُّه على استدارةِ رأسها. وعند ابنِ أبي الدُّنيا من حديث ابن عبَّاسٍ: «ولو أخرجَتْ نصيفَهَا لكانت الشَّمس عند حُسنها مثلَ الفتيلةِ من الشَّمس لا ضوءَ لها، ولو أطلعتْ وجهها لأضاءَ حُسنها ما (٣) بين السَّماء والأرض، ولو أخرجتْ كفَّها لافتتنَ الخلائقُ بحُسنها».
стр. 11462
فإن قلت: ما وجه الرَّبط بين قوله: «غدوةٌ في سبيلِ الله أو روحةٌ» وبين قوله: «ولقابُ قوس أحدكم؟ … » إلى آخره، أُجيب بأنَّ المراد: أنَّ ثواب غدوةٍ (١) في سبيلِ الله خيرٌ من الدُّنيا وما فيها؛ لأنَّ ثوابها جنَّةٌ نصيفُ امرأةٍ منها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها.
٦٥٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٢) ﷺ : لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ) بضم الهمزة وكسر الراء (مَقْعَدَهُ) بالنَّصب مفعول «أُرِي» (مِنَ النَّارِ، لَوْ أَسَاءَ) أي: لو عمل في الدُّنيا عملًا سيِّئًا بأن كفر (لِيَزْدَادَ شُكْرًا). واستُشكلَ بأنَّ الجنَّة ليست دار شكرٍ بل دار جزاءٍ. وأُجيب بأنَّ الشُّكر ليس على سبيلِ التَّكليف بل على سبيلِ التَّلذُّذ، أو (٣) المراد: ليزدادَ فرحًا ورضًا، فعبَّر عنه بلازمهِ؛ لأنَّ الرَّاضي بالشَّيء يشكرُ من فعل له ذلك.
(وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أحد النَّار» (إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، لَوْ أَحْسَنَ) لو عمل عملًا حسنًا، وهو الإسلام (لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً) زيادة على تعذيبهِ. قال في «الفتح»: وقع عند ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ من طريقٍ أُخرى، عن أبي هريرة أنَّ ذلك يقع عند المسألةِ (٤) في القبر، وفيه: «فيفرجُ له فرجةً قِبَلَ النَّار فينظر إليها، فيُقال له: انظرْ إلى ما وقاكَ اللهُ». وفي حديث أبي سعيدٍ عند الإمام أحمدَ: «يُفتح له بابٌ إلى النَّار، فيقول: هذا منزلُكَ لو كفرتَ بربِّك، فأمَّا إذا آمنْتَ فهذا منزلُكَ، فيفتحُ له بابٌ إلى الجنَّة، فيريد أن ينهضَ إليه فيقول له: اسكنْ ويفسحَ له في قبرهِ».
стр. 11463
ومطابقة حديث الباب (١) لما ترجمَ له من حيث كون المقعَدَين فيهما نوع صفةٍ لهما.
٦٥٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الزُّرقيُّ الأنصاريُّ، أبو إسحاق القاريُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين المهملة (٢)، ابن أبي عَمرٍو بفتح العين أيضًا، مولى المطَّلب بنِ عبد الله بنِ حنطبٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما، واسم أبي سعيدٍ: كَيسان (المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟) قال في «فتح الباري»: لعلَّ أبا هريرة سأل عن ذلك عندَ قوله ﷺ : «وأريدُ أن أختبِئَ دَعْوتِي شفاعةً لأمَّتِي في الآخرَةِ» (فَقَالَ ﷺ : والله لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي) «أن» هي المخفَّفة من الثَّقيلة (عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفةٌ «لأحدٍ» أو هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أوَّلُ، وبفتحها لأبي ذرٍّ على الظَّرفيَّة. وقال العينيُّ: على الحال (لِمَا رَأَيْتُ) للَّذي رأيتُه (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ) «من» بيانيَّة، أو لرؤيتِي بعض حرصِكَ فـ «مِن» تبعيضيَّة (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا) من الشِّرك (مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهةِ نفسه مُختارًا طائعًا، و «أسعدُ» هنا هل هي على بابها من التَّفضيل، أو هي بمعنى فعيلٍ؛ يعني سعيد النَّاس، وعلى الأوَّل فالمعنى: أسعدُ ممَّن لم يكن في هذه المرتبةِ من الإخلاص المؤكَّد البالغ غايته لقوله: من قِبَله؛ إذ الإخلاصُ معدنُه القلب، ففائدتُه التَّأكيد؛ لأنَّ إسنادَ الفعل إلى الجارحةِ أبلغُ في التَّأكيد تقول -إذا أردت التَّأكيد-: أَبصرتْهُ عينِي وسَمِعته أُذني، والمراد بالشَّفاعة هنا بعض أنواعها وهي الَّتي يقول فيها ﷺ : «أمَّتِي أمَّتِي» [خ¦٧٥١٠] فيقال (٣) له: أَخْرِج مَن في قلبه وزن كذا من
стр. 11464
إيمانٍ، فأَسعد النَّاس بهذه الشَّفاعة مَن يكون إيمانه أكمل ممَّن دونه، وأمَّا الشَّفاعة العُظمى في الإراحة من كرب الموقف، فأَسعد النَّاس بها مَن سَبق إلى الجنَّة وهم الَّذين يدخلونها بغير حسابٍ، ثمَّ الَّذين يدخلونها (١) بغير عذابٍ بعد الحساب واستحقاقِ العذاب، ثمَّ مَن يُصيبهم لفحٌ (٢) من النَّار ولا يَسقطون فيها.
والشَّفاعات -كما قال عياضٌ- خمسٌ:
الأولى: العُظمى وهي لإراحة النَّاس من هول الموقف، وهي مختصَّةٌ بنبيِّنا ﷺ . قال النَّوويُّ: قيل: وهي المقامُ المحمود، وقال الطَّبريُّ (٣): قال أكثرُ أهل التَّأويل: المقام المحمود هو الَّذي يقومه ﷺ ليُريحهم من كربِ الموقفِ؛ لحديثِ ابن عبَّاسٍ: «المقام المحمود الشَّفاعة»، وحديثُ أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: سُئل عنه (٤) النَّبيُّ ﷺ فقال: «هي الشَّفاعة».
والثَّانية (٥): في إدخال قومٍ الجنَّة بغير حسابٍ، وهذه وردت أيضًا في نبيِّنا ﷺ ، واستدلَّ لها بقوله تعالى في جواب قوله ﷺ : «أمَّتِي أمَّتِي»: «أدخل الجنَّةَ من أمَّتِكَ من لا حسابَ عليهِ» [خ¦٤٧١٢] أو الدَّليل عليها سؤاله ﷺ الزِّيادة على السَّبعين ألفًا الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ، فأُجيب.
الثَّالثة: في إدخال قومٍ حُوسِبوا فاستحقُّوا العذاب أن لا يعذَّبوا.
الرَّابعة: فيمَن دخل النَّار من المذنبين، فقد جاءتِ الأحاديث بإخراجِهم من النَّار بشفاعته ﷺ وغيره (٦).
стр. 11465
الخامسة: في زيادة الدَّرجات في الجنَّة لأهلها، وأشار النَّوويُّ في «روضته» إلى أنَّ هذه من خصائصهِ. وزاد عياضٌ سادسةً وهي: التَّخفيف عن أبي طالبٍ كما سبق [خ¦٦٥٦١]، وزاد غيره سابعةً وهي الشَّفاعة لأهل المدينة؛ لحديث التِّرمذيِّ عن أبي هريرة رفعه: «من استطاعَ أن يموتَ بالمدينَةِ فليفعَلْ، فإنِّي أشفعُ لمن ماتَ بها».
قال في «الفتح»: وهذه غير واردةٍ؛ لأنَّ مُتعلَّقها لا يخرج عن واحدةٍ من الخمس الأُوَل (١)، وفي «العروة الوثقى» للقزوينيِّ شفاعتُه لجماعةٍ من الصُّلحاء في التَّجاوز عن تقصيرهِم ولعلَّها تندرجُ في الخامسة، وزاد القرطبيُّ: إنَّه أوَّل شافعٍ في دخول أُمَّته الجنَّة قبل النَّاس، وزاد صاحب «الفتح»: الشَّفاعة فيمَن استوت حسناته وسيِّئاته أن يَدخل الجنَّة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ عند الطَّبرانيِّ قال: «السَّابق يَدخل الجنَّة بغيرِ حسابٍ، والمقتصِدُ برحمةِ الله، والظَّالم لنفسهِ وأصحابُ الأعراف يدخلونَهَا بشفاعةِ النَّبيِّ ﷺ ». وأصحابُ الأعراف قومٌ استوت حسناتهم وسيِّئاتهم على الأرجحِ، وشفاعته (٢) فيمَن قال: لا إله إلَّا الله، ولم يعمل خيرًا قطُّ. قال: فالواردُ على الخمسة أربعة وما عِداها لا يرد كما لا ترد الشَّفاعة في التَّخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك؛ لكونهِ من جملة أحوالِ الدُّنيا. انتهى ملخَّصًا.
وحديثُ الباب سبق في «باب الحرص على الحديث» في «كتاب العلم» [خ¦٩٩].
стр. 11466
٦٥٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة: إبراهيم بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكرٍ والقاسم قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، ابن عمرو السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه قال (١): (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لأَعْلَمُ) بلام التَّأكيد (آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا) من النَّار نفسها، أو من مرورهِ على الصِّراط المنصوب عليها (وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا) بفتح الكاف وسكون الموحدة، لكنَّه مُضبَّبٌ عليها في الفرع (٢)، وفي الهامش: «حَبوًا» بالحاء المهملة، وعليها علامةُ أبي ذرٍّ، أي: زحفًا وزنًا ومعنًى (٣)، وفي رواية أنسٍ عن ابن مسعودٍ -عند مسلمٍ-: «آخرُ من يدخلِ الجنَّةَ رجلٌ فهو يمشِي مرَّةً ويكبُو مرَّةً وتسفعهُ النَّارُ مرَّةً، فإذا جاوزَهَا التفت إليهَا فقال: تباركَ الَّذي نجَّانِي منكِ» (فَيَقُولُ اللهُ) له: (اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ. فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى) بفتح الميم والهمزة بينهما لام ساكنة (فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى فَيَقُولُ) الله تعالى له: (اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ. فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى فَيَأْتِيهَا فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا. فَيَقُولُ) الرَّجل: (تَسْخَرُ مِنِّي) بفتح الفوقية والمعجمة استفهام محذوفُ الأداة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «بي» الموحدة والتَّحتية بدل «مني» (أَوْ) قال: (تَضْحَكُ مِنِّي) بالشَّكِّ (وَأَنْتَ المَلِكُ) بكسر اللام، ولمسلمٍ من رواية أنس عن ابن مسعودٍ: «أتستهزئُ عليَّ وأنت ربُّ العالمين» وهذا واردٌ (٤) منه على سبيلِ الفرحِ، غيرُ ضابطٍ لِما نالَه من السُّرور ببلوغِ ما لم يخطرْ بباله، فلم يضبطْه لسانُه دهشةً وفرحًا، وجرَى على عادتهِ في الدُّنيا من مخاطبةِ المخلُوق، ونحوه في حديثِ التَّوبة قول الرَّجل عند وجدانِ زادهِ مع راحلتهِ من شدَّة الفرحِ: «أنت عبدِي وأنا ربُّك». قال عبدُ الله بن مسعودٍ: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ) أي: تعجُّبًا وسرورًا ممَّا رأى من كمالِ رحمة الله ولُطفه بعبدِهِ المذنبِ وكمالِ رضاه عنه (حَتَّى بَدَتْ) ظهرتْ
стр. 11467
(نَوَاجِذُهُ) بنون فواو مفتوحتين وبعد الألف جيم مكسورة فذال معجمة فهاء، جمع: ناجذةٍ. قال ابنُ الأثير: النَّواجذُ من الأسنان: الضَّواحكُ وهي الَّتي تبدُو عند الضَّحك. قال الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة، أو عن غيرهم: (وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «وكان يقول ذاك» بغير لامٍ (أَدْنَى) أقلّ (أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً) ذَكَر الكِرمانيُّ أنَّ هذه المقالة ليست من تتمَّة كلامهِ ﷺ بل من كلام الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة أو غيرهم. وقال في «الفتح»: قائلُ «وكان يُقال» الرَّاوي كما قال الكِرمانيُّ، وأمَّا المقالةُ فهي من قولهِ ﷺ كما في أوَّل حديثِ أبي سعيدٍ -عند مسلمٍ- بلفظ: «أدنى أهل الجنَّة منزلةً رجلٌ صرفَ الله وجهَهُ عن النَّار … » وساق الحديث إلى آخرهِ (١)، واعترضه العينيُّ بأنَّه لا يلزم من كونها في آخر حديث ابن مسعودٍ أن تكون من كلامهِ ﷺ . وأجاب في «الانتقاض» فقال: إن أرادَ الاستلزام العقليَّ فليس مرادًا هنا بل يكفي الظَّنُّ القويُّ النَّاشئ عن الاستدلال؛ لأنَّ الأمر ليس مرجعه العقل، والصَّحابي إذا لم يكن ينظرُ في كتب أهلِ الكتاب، ولا ينقلُ عنهم كابن مسعودٍ انحصرَ أنَّه نقل عن النَّبيِّ ﷺ ، سواءٌ كان ذلك بواسطةٍ أم لا، فبَطل الاعتراضُ. انتهى. ورُواتُه كلُّهم كوفيُّون.
والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١١]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «صفة جهنَّم»، وابن ماجه في «الزُّهد».
٦٥٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُمَير -بضم العين وفتح الميم- الكوفيِّ اللَّخميِّ، حليف بني عديٍّ، ويقال له: الفَرَسِيُّ -بفتح الفاء والراء ثمَّ سين مهملة- نسبةً إلى فرسٍ له سابق (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بفتح النون وسكون الواو بعدها فاء فلام (٢)، ابن الحارث بنِ عبد المطَّلب الهاشميِّ، أبي محمَّدٍ المدنيِّ، أمير البصرة، يلقَّب بَبَّة -بتشديد الموحدة الثانية- له رؤيةٌ، ولأبيه ولجدِّه صحبة (عَنِ العَبَّاسِ) بن عبد المطَّلب (¬﵁: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : هَلْ
стр. 11468
نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟) لم يُذكر الجَّواب اختصارًا، وساقه في «كتاب الأدب» [خ¦٦٢٠٨] عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عَوانة بهذا السَّند بلفظ: «فإنَّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟ قال: نعم هوَ في ضحضاحٍ من النَّارِ، ولولا أنا لكانَ في الدَّركِ الأسفَلِ من النَّارِ».
وسبق مبحثه، والله الموفِّق، وبه المستعان.
(٥٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (الصِّرَاطُ جِسْرُ جَهَنَّمَ) بضم الجيم وتكسر، أي: منصوبٌ عليها؛ لعبور المسلمين عليه إلى الجنَّة.
قال أبو سعيدٍ -فيما رواه مسلمٌ-: بلغني أنَّ الصِّراط أحدُّ من السَّيف، وأدقُّ من الشَّعرة. وقال سعيدُ بن أبي (٢) هلالٍ -عند ابن منده-: بَلغني … ، فذَكره. ووصلَه البيهقيُّ عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ مجزومًا به لكن في سندهِ لينٌ. وفي مرسلِ عبيد بن عُمير -عند ابن المبارك-: إنَّ الصِّراط مثل السَّيف وبجنبتيهِ كلاليبُ، إنَّه ليؤخذُ بالكُلُّوب الواحد أكثر من ربيعةَ ومُضر. وعند ابنِ عساكرَ عن الفضيل بن عياضٍ قال: بلغنا: أنَّ الصِّراط مسيرةُ خمسةَ عشر (٣) ألفَ سنةٍ: خمسةُ آلافٍ صعودٌ، وخمسةُ آلافٍ هبوطٌ، وخمسةُ آلافٍ مستوى، أَدقُّ من الشَّعرة وأحدُّ من السَّيف، على متن جهنَّم،
стр. 11469
لا يجوزُ عليه إلَّا ضامرٌ مهزولٌ من خشيةِ الله. وهذا معضلٌ لا يثبت. وعند ابن المبارك وابنِ أبي الدُّنيا عن سعيد بن أبي هلالٍ: بَلغنا: أنَّ الصِّراط أدقُّ من الشَّعرة على بعض النَّاس، ولبعض النَّاس مثل الوادي الواسع. وهو مرسلٌ أو معضلٌ، فتأمَّل نفسكَ إذا صرتَ على الصِّراط ووقعَ بَصرك على جهنَّم من تحته، ثمَّ قرع سَمعك شهيقُ النَّار وزفيرها وسوادها وسعيرها، وكيف بك إذا وَضعتَ إحدى رجليك عليه فأحسستَ بحدِّه واضطررتَ إلى أن ترفعَ القدم الثَّاني، والخلائقُ بين يديك يزلُّون ويعثرون، والزَّبانية تلتقطُهم بالخطاطيفِ والكلاليبِ، وأنت تنظرُ إلى ذلك، فيا له من مَنظرٍ ما أفظعَه، ومُرتقى ما أصعبَه، ومجازٌ ما أضيقه. نسأل الله السَّلامة والإعانة والعافية.
رأى يحيى بن اليمان رجلًا نائمًا وهو: أسود الرَّأس واللِّحية شَابَ، فاستيقظَ وهو أبيضُ شعر الرَّأس واللِّحية، فأخبرهُ أنَّه رأى في منامه كأنَّ النَّاس قد حُشروا، وإذا بنهرٍ من نار (١)، وجسرٍ يمرُّ عليه النَّاس فدُعي فدخل الجسرَ، فإذا هو كحدِّ السَّيف يمرُّ به يمينًا وشمالًا، فشابَ من ذلك.
стр. 11470
٦٥٧٣ - ٦٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن المسيَّب (وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) اللَّيثيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان المروزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ، واللَّفظ لروايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ) وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] «قلنا» (يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ ﷺ : هَلْ تُضَارُّونَ) بضم الفوقية وفتح الضاد (١) المعجمة وبعد الألف راء مشددة بصيغة المفاعلة، من الضُّرِّ (٢)، وأصله: تُضاررُون، فأسكنتِ الراء الأولى، وأدغمت في
стр. 11471
الثانية، أي: هل تضُرُّون أحدًا أو يضُرُّكم بمنازعةٍ أو مجادلةٍ أو مضايقةٍ (فِي) رؤية (الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ) يحجبُها (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ) بالراء المشددة أيضًا (فِي) رؤية (القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) عند تمام نورهِ (لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ) يحجبُهُ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) إذا تجلَّى لكم (يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ) بحيث لا يَحجب بعضُكم بعضًا ولا يضرُّه، ولا يجادلُه، ولا يُزاحمه، كما يفعلُ عند رؤية الأهلَّة، بل كالحال عند رؤية الشَّمس والقمر ليلة البدر، وقد رُوي: «ولا تُضامُّون» بالضاد المعجمة وتشديد الميم، من الضَّمِّ، وهو الازدحامُ أيضًا، أي: لا تزدحمون عند رؤيتهِ تعالى، كما تزدحمونَ عند رؤيةِ الأهلَّة، ورُوي بتخفيف الميم، من الضَّيم الَّذي هو الذُّلُّ، أي: لا يذلُّ بعضُكم بعضًا بالمزاحمةِ والمنافسة والمنازعةِ، وفي البخاريِّ: «لا تُضامُّون أو تُضاهون» بالهاء على الشَّكِّ، كما في «فضلِ صلاة الفجر» [خ¦٥٧٣] ومعنى الَّذي بالهاء: لا يشتبه عليكم ولا ترتابون فيه، فيعارضُ بعضكم بعضًا، وفي «باب فضل السُّجود» -من البخاريِّ-: «هل تُمارون» [خ¦٨٠٦] بضم الفوقية وتخفيف الراء، أي: تجادلون في ذلك أو يدخلكم فيه شكٌّ من المرية وهي الشَّكُّ، ورُوي بفتح أوَّله والراء على حذفِ إحدى التَّاءين، وفي رواية البيهقيِّ: «تتمارون» بإثباتهما، والكاف في قوله: «كذلك» ليستْ لتشبيه المرئيّ، وإنَّما هي لتشبيهِ الرُّؤية بالرُّؤية في الوضوح، وهي فعلُ الرَّائي ومعناه: أنَّها رؤيةٌ يُزاح عنها الشَّكُّ. وقال الصُّعلوكيُّ فيما سَمِعه منه البيهقيُّ في «تُضامُّون» -المضموم الأول المشدد الميم- يريد: لا تجتمعونَ لرؤيتهِ في جهةٍ ولا يضمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، فإنَّه تعالى لا يُرى في جهةٍ، ومعناه على فتح أوَّله: لا تتضامُّون في رؤيته بالاجتماع في جهةٍ (١)، وهو بغير تشديدٍ من الضَّيم معناه: لا تُظلمون فيه برؤية بعضِكم دون بعضٍ، وأنَّكم تَرَونه في جهاتكُم كلِّها وهو متعالٍ عن الجهة، فالتَّشبيه برُؤية القمر ليقين الرُّؤية دون تشبيهِ المرئيِّ (٢)، وخصَّ الشَّمس والقمر بالذِّكر مع أنَّ رؤيةَ السَّماء بغير سحابٍ أكبر آيةٍ وأعظمُ خلقًا من مجرَّد الشَّمس والقمر؛ لما خُصَّا به من عظيمِ النُّور والضِّياء بحيث صارَ التَّشبيه بهما فيمَن يوصفُ بالجمالِ والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمالِ (يَجْمَعُ اللهُ) (النَّاسَ) الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ بحيث لا يَخفى منهم أحدٌ حتَّى لو دَعاهم داعٍ لسمعوه، ولو نظر إليهم ناظرٌ
стр. 11472
لأدركَهم، وزاد في رواية العلاءِ بن عبد الرَّحمن -عند التِّرمذيِّ-: «فَيَطَّلع عليهم ربُّ العالمين» أي: يُعلمهم باطِّلاعه عليهم (١) حينئذٍ (فَيَقُولُ) جلَّ وعلا: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ) بسكون اللام وتشديد الفوقية وكسر الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «فليتْبَعه» بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فَيَتْبَعُ) بسكون الفوقية وفتح الموحدة أيضًا (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ) الشَّمسَ (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ) القمرَ (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ) الطَّواغيتَ، جمع طاغوتٍ، بالمثناة الفوقيَّة، وهو الشَّيطان والصَّنم، وصوَّب الطَّبريُّ أنَّه كلُّ طاغٍ طغَى على الله فعُبد من دونه، ومفعولُ «يتَّبع» محذوفٌ في الثَّلاثة، واتِّباعهم لمن يعبدونه حينئذٍ باستمرارِهم على الاعتقادِ فيهم، أو بأن يُساقوا إلى النَّار قهرًا (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّديَّة أو أعمُّ (فِيهَا) بغير واو (مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) إتيانًا لا بكيفيَّة (٢)، عارٍ عن (٣) الحركةِ والانتقال؛ إذ ذلك (٤) من نعوتِ الحدث (٥)، المتعالي عنه ربُّنا علوًّا كبيرًا، وطريقة السَّلف المشهورة (٦) في هذا ونحوه أسلمُ، والله تعالى بحقيقةِ المراد بذلك أعلمُ، وقيل: معناه هنا: أنَّه يُشهدهم رؤيته؛ إذ العادة أنَّ كلَّ مَن غابَ عن غيرهِ لا يمكنه رؤيته إلَّا بالمجيء إليه، فعبَّر (٧) عن الرُّؤية بالإتيان مجازًا، أي: يتجلَّى لهم تعالى حتَّى يروه (فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) لأجل مَن معهم من
стр. 11473
المنافقين الَّذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهُم عن ربِّهم محجوبون، أو أنَّ ذلك ابتلاءٌ، والدُّنيا وإن كانت دار ابتلاءٍ فقد يتحقَّق فيها الجزاء في بعض الأحوال، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فكذا الآخرة، وإن كانت دار جزاءٍ فقد يقعُ فيها الابتلاءُ بدليل أنَّ القبر وهو أوَّل منازل الآخرة يجري فيه الابتلاءُ بالسُّؤال وغيره، وآثار التَّكاليف لا تنقطعُ إلَّا بعد الاستقرار في الجنَّة أو النَّار، والتَّحقيق أنَّ التَّكليف خاصٌّ بالدُّنيا، وما يقعُ في القبر والموقفِ آثار ذلك (فَيَقُولُ) الله لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) لأنَّه أتاهم بصورةِ الأمر باتِّباع الباطل، فلذا يقولون: (هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) بما سبق لنا من معرفتهِ أنَّه (١) لا يأمرنا بباطلٍ، وأنَّه منزَّه عن صفاتِ هذه الصُّورة؛ إذ سماتُها سمات المحدثات، ورجَّح القاضي عياضٌ أنَّ في قوله: «فيأتيهم الله» محذوفًا (٢) تقديره: فيأتيهم (٣) بعضُ ملائكة الله. قال: ولعلَّ هذا الملَك جاءهم في صورةٍ أنكروها لِمَا فيها من سمةِ الحدث (٤) الظَّاهرة؛ لأنَّه مخلوقٌ.
وقال القرطبيُّ: هذا مقام الامتحان يَمتحن الله به عبادهُ؛ ليميز المحقَّ من المبطلِ، وذلك أنَّه لمَّا بقي المنافقون والمراؤون مختلطينَ بالمؤمنين والمخلصين زَاعمين أنَّهم منهم، وأنَّهم عملوا مِثل عملِهم وعرفوا الله مِثل مَعْرفتهم ظانِّين أنَّ ذلك يجوزُ في ذلك الوقت، كما جاز في الدُّنيا، امتحنهم الله بأن أتاهُم بصورةٍ هائلةٍ قال للجميع: أنا ربُّكم، فأجابَهُ المؤمنون بإنكار ذلك حتَّى إنَّ بعضهم ليكاد أن يتقلَّب؛ أي (٥): يزلَّ فيوافقَ المنافقين، وقال في «المُفْهِم»: وهذا لمن لا يكون له رسوخُ العلماء، ولعلَّهم (٦) الَّذين اعتقدوا الحقَّ وحوَّموا عليه من غير بصيرةٍ، ولذا كان اعتقادُهم قابلًا للانقلاب.
стр. 11474
وأمَّا قولهم: «نعوذُ بالله منك» فقال الخطَّابيُّ: يُحتمل أن يكون صدر من المنافقين. وتعقِّب بأنَّه لا يصحُّ ولا يستقيم.
(فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) فيتجلَّى للمسلمين بعد تمييزِ المنافقين (فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) أي: في صفته الَّتي هو عليها من الجلالِ والكمال والتَّعالي عن صفاتِ الحدث (١) بعد أن عرَّفهم بنفسه الشَّريفة، ورفع الموانع عن أبصارهم (فَيَقُولُ) لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبَعُونَهُ) بتشديد الفوقية، ولم يضبط الفوقية في «اليونينية» بتشديدٍ ولا غيره، أي: أَمْرَ الله أو ملائكته الَّذين وكِّلوا بذلك (وَيُضْرَبُ) بضم أوله وفتح ثالثه (جَِسْرُ جَهَنَّمَ) بفتح الجيم وكسرها، وهو الصِّراط (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ) زاد شعيبٌ في روايته الماضية في «فضل السُّجود» [خ¦٨٠٦]: «يجوزُ بأُمَّته»، وقال النَّوويُّ: أكونُ أنا وأمَّتِي أوَّلُ من يجوزُ على الصِّراط ويقطعهُ، وإذا كان ﷺ هو وأُمَّته أوَّل مَن يجوزُ على الصِّراط لزم تأخيرُ غيرهم عنهم حتَّى يجوزوا (وَدُعَاءُ الرُّسُلِ) ﵈ (يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) بتكرير «سلِّم» مرَّتين (وَبِهِ) بالصِّراط (كَلَالِيبُ) معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذ من أُمرت به.
قال ابن العربيِّ: وهذه الكلاليبُ هي الشَّهوات المشار إليها في حديث: «حفَّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ» فالشَّهوات (٢) موضوعةٌ على جوانبها فمَن اقتحم الشَّهوة سقط في النَّار؛ لأنَّها خطاطيفُها. انتهى. والكلاليبُ المذكورة (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين وسكون العين وفتح الدال المهملات وبعد الألف نون، جمع: سعدانة، نباتٌ ذو شوكٍ (أَمَا) بالتَّخفيف (رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: بَلَى) رأيناها، ولأبي ذرٍّ: «قالوا: نعم» (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا) أي: الشَّوكة (لَا يَعْلَمُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّه» بضمير الشَّأن لا يَعرف (قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ) بكسر العين وفتح المعجمة. وقال السَّفاقسيُّ: ضبطناه بضم العين (٣) وسكون الظاء، والأوَّل أشبه لأنَّه مصدرٌ، لا يعلمُ قدر كبرها إلَّا الله (فَتَخْطَِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) بسبب أعمالهم القبيحة، و «تخطَِف» بفتح الطاء وكسرها.
стр. 11475
وتشبيه الكلاليبِ بشوك السَّعدان خاصٌّ بسرعة (١) اختطافها، وكثرة الانتشابِ فيها مع التَّحرُّز والتَّصوُّن تمثيلًا لهم بما عرفوهُ في الدُّنيا وألقوه بالمباشرةِ، ثمَّ استثنى إشارةً إلى أنَّ التَّشبيه لم يقعْ في مقدارهمَا، قاله الزَّين ابن المُنيِّر (مِنْهُمُ المُوبَقُ) بضم الميم وسكون الواو وفتح الموحدة بعدها قاف، الهالكُ (بِعَمَلِهِ) وهو الكافرُ (وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة بينهما راء ساكنة، وهو المؤمنُ العاصي.
قال في «الفتح»: ووقع في رواية الأَصيليِّ هنا: «المجردل» بالجيم، والجردلةُ: الإشرافُ على السُّقوط، ووهَّاها (٢) القاضي عياض، ورجَّح ابنُ قُرْقُول روايةَ الخاء المعجمة. قال الهرويُّ: المعنى: أنَّ كلاليب النَّار تقطعه فيهوي في النَّار، أو من الخردلِ، أي: تجعل أعضاءَه كالخردلِ، أو المخردل: المصروع، ورجَّحه السَّفاقسيُّ، وقال (٣): هو أنسبُ لسياق (٤) الخبر.
(ثُمَّ يَنْجُو) من ذلك. وعن (٥) أبي سعيدٍ ممَّا رواه ابن ماجه مرفوعًا: «يوضعُ الصِّراط بينَ ظهراني جهنَّمَ على حسكٍ كحسَكِ السَّعدانِ، ثمَّ يستجيزُ النَّاسُ فناجٍ مسلَّمٌ ومخدُوشٌ بهِ، ثمَّ ناجٍ ومحتبَسٌ بهِ ومنكُوسٌ فيها» وفي حديث أبي سعيدٍ: «فناجٍ مسلَّمٌ، ومخدوشٌ مكدوسٌ في جهنَّم حتَّى يمرَّ آخرُهم فيُسحبُ سحبًا»، و «المكدُوسُ» -بالمهملة- في مسلمٍ، وروي بالمعجمة، ومعناه (٦): السَّوق الشَّديد، ويؤخذ منه كما في «بهجة النُّفوس»: أنَّ المارِّين على الصِّراط ثلاثة أصنافٍ: ناجٍ بلا خدْشٍ، وهالكٌ من أوَّل وَهلةٍ، ومتوسِّطٌ بينهما يُصاب ثمَّ ينجو، وكلُّ قسمٍ منها ينقسم أقسامًا كما يُعرف من قوله: «بقدرِ أعمالهم» وفيه -ممَّا ذَكره في «بهجة النُّفوس» -: أنَّ الصِّراط مع دقَّته وحدَّته يسع جميع المخلوقين منذُ آدم إلى قيام السَّاعة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ) (مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ) أي: حلَّ قضاؤه بهم (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) بضم أوَّله وكسر ثانيه (مِنَ النَّارِ (٧) مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يخرجَه» (مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ
стр. 11476
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويُدخله الجنَّة بشفاعة نبيِّنا ﷺ كما في حديث عمران بن الحصين السَّابق [خ¦٦٥٦٦] أو إبراهيم كما في حديث حذيفة عند البيهقيِّ وأبي عَوَانة وابن حبَّان، أو آدم كما في حديث عبد الله بن سلامٍ عند الحاكم، أو المؤمنين كما في حديث أبي سعيدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] ويجمع بأنَّهم كلّهم شَفِعُوا.
وفي حديث أبي بكرةَ عند ابنِ أبي عاصمٍ والبيهقيِّ مرفوعًا: «يحملُ النَّاسُ على الصِّراطِ، ثمَّ ينجِي اللهُ من يشاءُ برحمتهِ، ثمَّ يُؤذَنُ في الشَّفاعةِ للملائكةِ والنَّبيِّينَ والشُّهداءِ والصَّالحينَ فيشفعُونَ ويُخْرِجُونَ» (أَمَرَ) الله تعالى (المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ) من النَّار (فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ) بجمعِ «آثار» (وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ) بتوحيدِ «أثرٍ» وهذا جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ كأنَّه قيل: كيف تَعرف الملائكة أثر السُّجود مع قول أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: «فأماتهُم الله حتَّى إذا كانوا فحمًا أذنَ بالشَّفاعة، فإذا صاروا فحمًا كيف (١) يتميَّز محلُّ السُّجود من غيره حتَّى يُعرف أثره»، وحاصل الجواب: تخصيصُ أعضاء السُّجود من عموم الأعضاء الَّتي دلَّ عليها خبر أبي سعيدٍ، وأنَّ الله مَنع النَّار أن تحرقَ أثر السُّجود، وهل المراد أعضاء السُّجود السَّبعة الجبهة واليدان والرُّكبتان والقَدمان، أو الجبهة خاصة؟ قال النَّوويُّ: المختار الأوَّل، واستنبط صاحب «بهجة النُّفوس» منه أنَّ كلَّ (٢) مَن كان مسلمًا، ولكنَّه لا يصلِّي أنَّه (٣) لا يُخْرَج؛ إذ لا علامةَ له، ولكنَّه يحتمل أن يخرجَ في القبضة لعموم قوله: «لم يعملْ خيرًا قطُّ» كما في حديثِ أبي سعيدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] وفي حديث معبد عن الحسنِ البصريِّ، عن أنسٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٠] «فأقول: يا ربِّ ائذن لي فيمَن قال: لا إله إلَّا الله. قال: ليس ذلك لكَ، ولكن وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتِي وجبروتِي لأُخرجنَّ من قال: لا إله إلَّا الله» قال البيضاويُّ: أي: أنا أفعلُ ذلك تعظيمًا لاسمِي وإجلالًا لتوحيدِي، وهو مخصِّصٌ لعمومِ حديث: «أسعدُ النَّاسِ بشفاعَتِي من قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهَ» [خ¦٩٩] وحمله في «الفتح» على أنَّ المرادَ ليس لك مباشرةُ الإخراج (٤) لا أصل
стр. 11477
الشَّفاعة، وتكون هذه الشَّفاعة الأخيرة وقعتْ في إخراج المذكورين، فأُجيب إلى أصل الإخراج ومُنِعَ من مباشرتهِ، فنُسِبت إلى شفاعتهِ (فَيُخْرِجُونَهُمْ) من النَّار، حال كونهم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضم الفوقية وكسر المهملة وضم المعجمة في الفرع. قال في «المطالع»: وهي لأكثرهِم، وعند أبي ذرٍّ (١) والأَصيليِّ: «امتَحَشوا» بفتحهما يقال: مَحَشته النَّار، وامتَحَش هو. قال يعقوبُ بن السِّكِّيت: لا يقال: مَحَشته، إنَّما هو أَمحَشته، والصَّحيح أنَّهما لغتان، والرُّباعيُّ أكثر، وامتَحَش غضبًا، أي: احترق. قال (٢) الدَّاوديُّ: معناه: انقبضُوا (٣) واسودُّوا. انتهى. وقال في «النِّهاية»: والمَحش: احتراقُ الجلد، وظُهور العظم (فَيُصَبُّ) بضم التحتية وفتح الصاد المهملة (عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ) بتاء التأنيث في آخره، ضدُّ الموت (فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، من بزورِ (٤) الصَّحراء (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، أي: ما يحملُه، وذلك أنَّ الغُثاء الَّذي يجيءُ به السَّيل تكون فيه الحبَّة، فتقع في جانبِ الوادي، فتصبح من يومها نابتةً. شُبِّه بها لأنَّها أسرعُ في النَّبات من غيرها، وفي السَّيل أسرعُ لِمَا يجتمعُ فيه من الطِّين الرَّخو الحادث مع الماء (وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويبقى رجلٌ منهم مُقبلٌ» (بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ) وهو آخر أهل النَّار دخولًا الجنَّة، وفي حديث حذيفة في «أخبار بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٢] «إنَّه كان نبَّاشًا (٥) وأنَّه قال لأهله: أَحرقوني» وفي «غرائب مالك» للدَّارقطنيِّ من طريق عبدِ الملك بن الحكم -وهو واهٍ- عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر مرفوعًا: «إنَّ آخرَ من يدخلِ الجنَّةَ رجلٌ من جهينَةَ يقالُ لهُ: جهينة، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: عندَ جهينةَ الخبرُ اليقِينُ» وحكى السُّهيليُّ أنَّه جاء أنَّ اسمَه هناد، وجوَّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحدِ المذكورين والآخرُ للآخر. وفي «نوادر الأصول» للتِّرمذيِّ الحكيم من حديثِ أبي هريرة بسندٍ واهٍ: «أنَّ أطول أهل النَّار فيها مكثًا مَن يَمكث سبعة آلاف سنةٍ» (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي) بفتح القاف والمعجمة والموحدة وكسر النون مخففًا،
стр. 11478
أي: آذانِي وأهلكنِي (رِيحُهَا) أي: النَّار (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الذال المعجمة (١) وبالهمزِ والمدِّ (٢). قال في «الفتح»: كذا للأَصيليِّ وكريمة، ولأبي ذرٍّ: «ذكاهَا» بالقصر، وهو الأشهرُ في اللُّغة، أي: لَهبها واشتعالها وشدَّةُ وهجِهَا (فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) واستُشكل بأنَّه ممَّن يمرُّ على الصِّراط طالبًا الجنَّة فوجهه إلى الجنَّة. وأُجيب بأنَّه سأل أن يُديم عليه صَرف وجههِ عنها (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ) تعالى أن يصرفَ وجهه عن النَّار (فَيَقُولُ) تعالى له: (لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ) ذلك (أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ) استفهامُ تقرير؛ لأنَّ ذلك من عادةِ بني آدم، والتَّرجِّي (٣) راجعٌ إلى المخاطبِ لا إلى الرَّبِّ تعالى (فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَيَصْرِفُ) الله
стр. 11479
تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) قال في «الفتح»: فـ «يُصرف» بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية شعيبٍ: «فيَصْرفُ الله وجهَهُ عن النَّار (١)» [خ¦٨٠٦] قلتُ: والأوَّل هو الَّذي في الفرع (ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ) الله تعالى: (أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ) وفي رواية شعيبٍ السَّابقة في «فضل السُّجود» [خ¦٨٠٦] «أليسَ قد أَعْطَيتَ العهدَ والميثاقَ» (أَنْ لَا تَسْأَلْنِي غَيْرَهُ) أي: غيرَ صَرف وجهكَ عن النَّار (وَيْلَكَ ابْنَ (٢) آدَمَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا ابن آدم» (مَا أَغْدَرَكَ) بالغين المعجمة والدال المهملة، فعل تعجُّب من الغدرِ ونقضِ العهد وتركِ الوفاء (فَلَا يَزَالُ (٣) يَدْعُو) الله تعالى (فَيَقُولُ) تعالى له: (لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ) بتحتية (٤) ثمَّ فوقية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن أُعطيكَ (٥)» بضم الهمزة (ذَلِكَ) الَّذي طلبته (تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ. فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَيُعْطِي اللهَ) (مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكشميهنيِّ: «وميثاق» بالإفراد (أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا) في رواية شعيبٍ: «فإذا بَلغ بابها ورأى زَهْرتها و (٦) ما فيها من النُّضرة» [خ¦٨٠٦] ورؤيته لها يحتملُ أن تكون بمعنى: العِلم بسطوعِ (٧) ريحها الطَّيِّب وأنوارها المضيئةِ، كما كان يحصلُ له أذى لفح النَّار وهو من خارجِها، أو لأنَّ جدارها شفَّافٌ فيُرَى ظاهِرُهَا من باطِنِها، كما رُوي في غُرفها (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ) (أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ (٨) قال»: (رَبِّ (٩) أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. ثُمَّ يَقُولُ) الله تعالى له: (أَوَلَيْسَ) بواو بعد الهمزة، ولأبي ذرٍّ:
стр. 11480
«أولست» بالمثنَّاة الفوقية بعد السين (قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ) ممَّن دخل الجنَّة، فهو لفظٌ عامٌّ أُريد به الخاصُّ، ومرادُه: أنَّه يصيرُ إذا استمرَّ خارجًا عن (١) الجنَّة أشقاهم، وكونه أشقاهُم ظاهرٌ لو استمرَّ خارج الجنَّة وهُم من داخلها (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ) الله منه، وهو مجازٌ عن لازمه، وهو الرِّضا (فَإِذَا ضَحِكَ) رضي (مِنْهُ أَذِنَ) بفتح الهمزة (لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ) ولأبي ذرٍّ: «قيل له: تمنَّ» (مِنْ كَذَا) أي: من الجنس الفلانيِّ. وقال المظهريُّ: «مِن» فيه للبيان؛ يعني: تمنَّ من كلِّ جنسٍ ما تشتهِي منه. قال الطِّيبيُّ: ونحوه ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] ويُحتمل أن تكون «من» زائدة في الإثبات على مذهبِ الأخفش (فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا. فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأَمَانِيُّ) وفي رواية أبي سعيدٍ عند أحمد: «فيسأل ويتمنَّى مقدارَ ثلاثة أيَّامٍ من أيَّام (٢) الدُّنيا» وفي رواية «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٧] «حتَّى إنَّ الله ليذكره كذا (٣) من كذا» (فَيَقُولُ) أي: الله: (هَذَا) وللكُشميهنيِّ: «فيقول له هذا» (لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالسَّند السَّابق: (وَذَلِكَ الرَّجُلُ) المذكور (آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا) الجنَّة.
(قَالَ عَطَاءٌ) بن يزيد الرَّاوي: (وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) سقط لأبي ذرٍّ «الخدريُّ» (جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهو يُحدِّث بهذا الحديث (لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ) ولا يردُّه عليه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ: مِثْلُهُ مَعَهُ) أي: هذا لك ومثلُه معه، وجمع القاضِي عياض بينهمَا باحتمالِ أن يكون أبو هريرةَ سمع أوَّلًا قوله: «ومثله معَه» فحدَّث به، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ﷺ حدَّث بالزِّيادة فسمعَه أبو سعيدٍ، والله أعلم.
والحديثُ أخرجهُ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٨]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة والتَّفسير».
стр. 11481
(٥٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الحَوْضِ) الَّذي لنبيِّنا ﷺ في الآخرة. قال في «الصِّحاح»: الحوض: واحد الأحواضِ والحياض، وحضتُ أحوضُ (١) اتَّخذتُ حوضًا، واستحوضَ الماء اجتمعَ، والمحوَّض -بالتَّشديد-: شيءٌ كالحوضِ يجعل للنَّخلة تشربُ منه. وقال ابنُ قُرْقُول: والحوض حيث تستقرُّ (٢) المياه، أي: تجتمعُ لتشرب منها الإبل.
واختُلف في حوضهِ ﷺ هل هو قبل الصِّراط أو بعدَه. قال أبو الحسن القابسيُّ: الصَّحيح أنَّ الحوض قَبْلُ. قال القرطبيُّ في «تذكرته»: والمعنى يقتضيهِ، فإنَّ النَّاس يخرجون عطاشًا من قبورهم، واستدلَّ بما في البخاريِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بينَا أنا قائِمٌ على الحوضِ إذا زمرة حتَّى إذا عرفتُهُم خرجَ رجلٌ من بينِي وبينهم فقالَ: هلمَّ. فقلتُ: أينَ؟ قالَ: إلى النَّارِ … » الحديث. ويأتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب [خ¦٦٥٨٧] قال القرطبيُّ: فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الحوض يكون في الموقف قبل الصِّراط؛ لأنَّ الصِّراط إنَّما هو جسرٌ على جهنَّم ممدودٌ يُجاز عليه، فمن جازه سَلِم من النَّار. انتهى.
وقال آخرون: إنَّه بعد الصِّراط، وصنيع البخاريِّ في إيرادهِ لأحاديث الحوض بعدَ أحاديث الشَّفاعة بعد نصب الصِّراط مُشعِرٌ بذلك، وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ ما يدلُّ له، ولفظه: سألت رسول الله ﷺ أن يشفعَ لي فقال: «أنا فاعلٌ» فقلت: أين أطلبُك؟ قال: «اطلُبْنِي أوَّلَ ما تطلبنِي على الصِّراطِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال: «أنَا عندَ الميزَانِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال «أنا عندَ الحوضِ» ويؤيِّدُه ظاهر قوله ﷺ في حديثِ الحوض: «من شربَ منهُ لم يظمأْ أبدًا» لأنَّه يدلُّ على أنَّ الشُّرب منه يكون بعد الحساب والنَّجاة من النَّار؛ لأنَّ ظاهر حالِ من لا (٣) يظمأُ أن لا يُعذَّب بالنَّار.
وأما حديثُ أبي هريرة السَّابق [خ¦٦٥٧٣] المستدَلُّ به على القَبْليَّة، فأُجيب عنه باحتمال
стр. 11482
أنَّهم يقربون من الحوضِ بحيث يرونَهُ ويرومونه (١)، فيُدفعون في النَّار قبل أن يخلصُوا من بقيَّة الصِّراط، فليتأمَّل.
وأما قول (٢) صاحب «التَّذكرة»: والصَّحيح أنَّ له ﷺ حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصِّراط، والآخر داخل الجنَّة، وكلاهما (٣) يسمَّى كوثرًا، متعقَّبٌ (٤) بأنَّ الكوثر نهرٌ داخل الجنَّة وماؤه يصبُّ (٥) في الحوضِ، ويُطلق على الحوض كوثرٌ لكونه يُمَدُّ منه، وفي حديث أبي ذرٍّ -عند مسلمٍ-: «أنَّ الحوضَ يشخبُ فيه ميزابان من الجنَّة»، وقد سبق أنَّ الصِّراط جسر جهنَّم وأنَّه بين الجنَّة والموقف، فلو كان الحوض دونهُ لحالت النَّار بينه وبين الماء الَّذي يصبُّ من الكوثرِ في الحوض، والله أعلم.
وفي التِّرمذيِّ عن سَمُرة رفعه: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا» وأشار إلى أنَّه اختلف في وصله وإرساله، وأنَّ المرسل أصحُّ، والمرسل أخرجه ابن أبي الدُّنيا بسندٍ صحيحٍ عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «وإنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وهو قائِمٌ على حوضهِ بيدهِ عصا يدعُو من عرفَ من أمَّتهِ إلَّا أنَّهم يتباهونَ أيُّهم أكثر تبعًا، وإنِّي لأرجُو أن أكونَ أكثرهُم تبعًا» وأخرجهُ الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر عن سَمُرةَ موصولًا مرفوعًا مثله وفي سنده لينٌ، وعند ابنِ أبي الدُّنيا عن أبي سعيدٍ رفعه: «وكلُّ نبيٍّ يدعُو أمَّتهُ، ولكلِّ نبيٍّ حوض … » الحديث. وفي إسناده لينٌ، فالمختصُّ به نبيُّنا محمَّد ﷺ الكوثر الَّذي يصبُّ من مائه في حوضهِ، ولم ينقلْ نظيره لغيرهِ، ولذا امتنَّ الله تعالى عليه به في التَّنزيل.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) وهو فَوْعل، من الكثرة، وهو المفرطُ الكثرة، واختُلف في تفسيرهِ فقيل: نهرٌ في الجنَّة، وهو المشهورُ المستفيضُ عند السَّلف والخَلَف، وقيل: أولاده؛ لأنَّ السُّورة (٦) نزلتْ ردًّا على من عابهُ بعدمِ الأولاد، وقيل: الخيرُ
стр. 11483
الكثيرُ، وقيل غير ذلك ممَّا ذَكرتُه في كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة». وقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ بلفظ الماضِي، ولم يقل: سنعطيَك؛ ليدلَّ على أنَّ هذا الإعطاء حصلَ في الزَّمن الماضي، ولم يقل: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ مكتفيًا بنون العظمة بل قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ ليشعر بتوليتهِ تعالى الإعطاءَ على وجهِ الاختصاص بهِ دونَ غيره، وفي ذلكَ من الفخامةِ المبهجةِ ما فيها (١)، وقد تواتر حديثُ الكوثرِ من طرق تُفيد القطعَ عند كثيرٍ من أئمَّة الحديث، وكذلك أحاديثُ الحوض.
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) المازنيُّ، ممَّا وصلَهُ البخاريُّ في حديثٍ طويلٍ بغزوةِ حُنين [خ¦٤٣٣٠] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اصْبِرُوا) أي: على مَا ترونَ بعدِي من الأثرَةِ (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ).
٦٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ مهران الأعمش (عَنْ شَقِيقٍ) بالشين المعجمة المفتوحة والقافين بينهما تحتية ساكنة، أبي (٢) وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: أَنَا فَرَطُكُمْ) بفتح الفاء والراء بعدها طاء مهملة (عَلَى الحَوْضِ) سابقكم إليه لأصلحَهُ وأُهيِّئه لكم، فهنيئًا لوارديهِ، جعلنا الله منهم بوجههِ الكريمِ من غير عذابٍ، إنَّه كريمٌ وهَّابٌ.
٦٥٧٦ - وبه قال: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بإسقاط الواو (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أبو حفصٍ الباهليُّ،
стр. 11484
الصَّيرفيُّ الفلَّاس البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر الهُذَليُّ مولاهم البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ المُغِيرَةِ) بن مِقْسمٍ الضَّبيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ) فيه بشارةٌ عظيمةٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة زادها الله شرفًا (وَلَيُرْفَعَنَّ) بفتح اللام وضم التحتية وسكون الراء وفتح الفاء المهملة وتشديد النون، ليظهرنَّ لي (رِجَالٌ مِنْكُمْ) حتَّى أراهم، ولأبي ذرٍّ: «ولَيُرفَعنَّ معي رجالٌ منكم» (ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي) بفتح اللام وضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام وضم الجيم، مبنيًّا للمفعول مسندًا إلى ضمير الجماعة، مؤكَّدًا بالنُّون الثَّقيلة، أي: يُجتذبون ويُقتطعون عنِّي (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي) أي: من أمَّتي (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) أي: من الردَّة عن الإسلامِ، أو المعاصي (تَابَعَهُ) أي: الأعمش (عَاصِمٌ) هو ابنُ أبي النَّجود الكوفيُّ، أحدُ القُرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ (١)، عن عبد الله بن مسعودٍ. وهذا وصلَه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» من طريق سفيان الثَّوريِّ، عن عاصمٍ (وَقَالَ حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق (عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فخالف حُصينٌ الأعمش وعاصمًا، وهذا وصلهُ مسلمٌ من طريق حُصين.
٦٥٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضم الميم (٢) والمهملات ثانيها مشدَّد، ابنُ مُسَرْهد بن مسربلٍ البصريُّ الحافظ، أبو الحسن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عُمر العمريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٣) (قَالَ: أَمَامَكُمْ) بفتح الهمزة، قدَّامكم (حَوْضٌ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «حوضِي» بزيادة ياء الإضافة (كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ) بفتح الجيم والموحدة بينهما راء
стр. 11485
ساكنة آخره همزة، ممدودٌ في الفرعِ، وقال أبو عبيدٍ البكريُّ وعياض بالقصر. قال اليونينيُّ (١): وكذا رأيتُه في أصلٍ صحيحٍ مقروءٍ من روايةِ الحافظ أبي ذرٍّ، ومن رواية الأَصيليِّ. انتهى.
وصوَّبه النَّوويُّ في «شرح مسلم» وقال: إنَّ المدَّ خطأٌ وهو في البخاريِّ بالمدِّ، وقال الرَّشاطيُّ (٢): الجرباءُ، على لفظ تأنيث الأجربِ قريةٌ بالشَّام (وَأَذْرُحَ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء بعدها حاء مهملة. قال ابنُ الأثير في «نهايته»: هما -يعني: جرباءَ وأذرحَ- قريتان بالشَّام بينهما مسيرةُ ثلاث ليالٍ، وهذا الَّذي قال ابنُ الأثير تعقَّبه الصَّلاح العلائيُّ، فقال: هذا غلطٌ بل بينهما غلوةُ سهمٍ وهما معروفتان بين القدسِ والكَرْك، ولا يصحُّ التَّقدير بالثَّلاث لمخالفتِها (٣) الرِّوايات الآتية، لاسيَّما وقد قال الحافظُ الضِّياء المقدسيُّ في «جزئه في الحوض»: إنَّ في سياق لفظِهَا غلطًا؛ لاختصارٍ وقع في سياق الحديثِ من بعض الرُّواة، ثمَّ ساقه من حديثِ أبي هُريرة، وأخرجَه من «فوائد عبد الكريم الدَّيرعاقُولي» بسندٍ حسنٍ إلى أبي هُريرة مرفوعًا في ذكر الحوضِ فقال فيه: «عرضهُ مثل ما بينكُم وبينَ جرباءَ وأذرُحَ». قال الضِّياء: فظهرَ بهذا أنَّه وقعَ في حديثِ ابن عمر حذف تقديرُه: كما بين مَقامي وبين جرباءَ وأذرح، فسقط: «مقامِي وبين». وقال العلائيُّ: ثبتَ المقدَّر (٤) المحذوفُ عند الدَّارقطنيِّ وغيره بلفظِ: «ما بينَ المدينةِ وجرباءَ وأذرح». انتهى.
وقد اختلفتِ الرِّوايات في ذلك ففي حديثِ ابن عَمرو -بفتح العين-: «حوضِي مسيرةُ شهرٍ» في هذا الباب، وحديثُ أنسٍ فيه: «كما بين أيلَةَ وصنعاءَ من اليمن» [خ¦٦٥٨٠] وحديث حارثةَ بن وهبٍ فيه أيضًا: «كما بين المدينة وصنعاءَ» [خ¦٦٥٩١] وفي حديث أبي هريرة: «أبعدُ من أيلةَ إلى عدنٍ» وهي تُسَامت صنعاء، وكلُّها متقاربةٌ؛ لأنَّها كلَّها نحو شهرٍ أو تزيد أو تنقص، وفي حديث عقبةَ بن عامر عند أحمد: «كما بين أيلة إلى الجحفة»، وفي حديث جابر: «كما بينَ صنعاءَ إلى المدينة»، وكلُّها مُتَقاربة (٥) ترجع إلى نحو نصف شهرٍ، أو تزيدُ على ذلك