(٥٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الحَوْضِ) الَّذي لنبيِّنا ﷺ في الآخرة. قال في «الصِّحاح»: الحوض: واحد الأحواضِ والحياض، وحضتُ أحوضُ (١) اتَّخذتُ حوضًا، واستحوضَ الماء اجتمعَ، والمحوَّض -بالتَّشديد-: شيءٌ كالحوضِ يجعل للنَّخلة تشربُ منه. وقال ابنُ قُرْقُول: والحوض حيث تستقرُّ (٢) المياه، أي: تجتمعُ لتشرب منها الإبل.
واختُلف في حوضهِ ﷺ هل هو قبل الصِّراط أو بعدَه. قال أبو الحسن القابسيُّ: الصَّحيح أنَّ الحوض قَبْلُ. قال القرطبيُّ في «تذكرته»: والمعنى يقتضيهِ، فإنَّ النَّاس يخرجون عطاشًا من قبورهم، واستدلَّ بما في البخاريِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بينَا أنا قائِمٌ على الحوضِ إذا زمرة حتَّى إذا عرفتُهُم خرجَ رجلٌ من بينِي وبينهم فقالَ: هلمَّ. فقلتُ: أينَ؟ قالَ: إلى النَّارِ … » الحديث. ويأتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب [خ¦٦٥٨٧] قال القرطبيُّ: فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الحوض يكون في الموقف قبل الصِّراط؛ لأنَّ الصِّراط إنَّما هو جسرٌ على جهنَّم ممدودٌ يُجاز عليه، فمن جازه سَلِم من النَّار. انتهى.
وقال آخرون: إنَّه بعد الصِّراط، وصنيع البخاريِّ في إيرادهِ لأحاديث الحوض بعدَ أحاديث الشَّفاعة بعد نصب الصِّراط مُشعِرٌ بذلك، وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ ما يدلُّ له، ولفظه: سألت رسول الله ﷺ أن يشفعَ لي فقال: «أنا فاعلٌ» فقلت: أين أطلبُك؟ قال: «اطلُبْنِي أوَّلَ ما تطلبنِي على الصِّراطِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال: «أنَا عندَ الميزَانِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال «أنا عندَ الحوضِ» ويؤيِّدُه ظاهر قوله ﷺ في حديثِ الحوض: «من شربَ منهُ لم يظمأْ أبدًا» لأنَّه يدلُّ على أنَّ الشُّرب منه يكون بعد الحساب والنَّجاة من النَّار؛ لأنَّ ظاهر حالِ من لا (٣) يظمأُ أن لا يُعذَّب بالنَّار.
وأما حديثُ أبي هريرة السَّابق [خ¦٦٥٧٣] المستدَلُّ به على القَبْليَّة، فأُجيب عنه باحتمال
стр. 11482
أنَّهم يقربون من الحوضِ بحيث يرونَهُ ويرومونه (١)، فيُدفعون في النَّار قبل أن يخلصُوا من بقيَّة الصِّراط، فليتأمَّل.
وأما قول (٢) صاحب «التَّذكرة»: والصَّحيح أنَّ له ﷺ حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصِّراط، والآخر داخل الجنَّة، وكلاهما (٣) يسمَّى كوثرًا، متعقَّبٌ (٤) بأنَّ الكوثر نهرٌ داخل الجنَّة وماؤه يصبُّ (٥) في الحوضِ، ويُطلق على الحوض كوثرٌ لكونه يُمَدُّ منه، وفي حديث أبي ذرٍّ -عند مسلمٍ-: «أنَّ الحوضَ يشخبُ فيه ميزابان من الجنَّة»، وقد سبق أنَّ الصِّراط جسر جهنَّم وأنَّه بين الجنَّة والموقف، فلو كان الحوض دونهُ لحالت النَّار بينه وبين الماء الَّذي يصبُّ من الكوثرِ في الحوض، والله أعلم.
وفي التِّرمذيِّ عن سَمُرة رفعه: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا» وأشار إلى أنَّه اختلف في وصله وإرساله، وأنَّ المرسل أصحُّ، والمرسل أخرجه ابن أبي الدُّنيا بسندٍ صحيحٍ عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «وإنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وهو قائِمٌ على حوضهِ بيدهِ عصا يدعُو من عرفَ من أمَّتهِ إلَّا أنَّهم يتباهونَ أيُّهم أكثر تبعًا، وإنِّي لأرجُو أن أكونَ أكثرهُم تبعًا» وأخرجهُ الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر عن سَمُرةَ موصولًا مرفوعًا مثله وفي سنده لينٌ، وعند ابنِ أبي الدُّنيا عن أبي سعيدٍ رفعه: «وكلُّ نبيٍّ يدعُو أمَّتهُ، ولكلِّ نبيٍّ حوض … » الحديث. وفي إسناده لينٌ، فالمختصُّ به نبيُّنا محمَّد ﷺ الكوثر الَّذي يصبُّ من مائه في حوضهِ، ولم ينقلْ نظيره لغيرهِ، ولذا امتنَّ الله تعالى عليه به في التَّنزيل.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) وهو فَوْعل، من الكثرة، وهو المفرطُ الكثرة، واختُلف في تفسيرهِ فقيل: نهرٌ في الجنَّة، وهو المشهورُ المستفيضُ عند السَّلف والخَلَف، وقيل: أولاده؛ لأنَّ السُّورة (٦) نزلتْ ردًّا على من عابهُ بعدمِ الأولاد، وقيل: الخيرُ
стр. 11483
الكثيرُ، وقيل غير ذلك ممَّا ذَكرتُه في كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة». وقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ بلفظ الماضِي، ولم يقل: سنعطيَك؛ ليدلَّ على أنَّ هذا الإعطاء حصلَ في الزَّمن الماضي، ولم يقل: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ مكتفيًا بنون العظمة بل قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ ليشعر بتوليتهِ تعالى الإعطاءَ على وجهِ الاختصاص بهِ دونَ غيره، وفي ذلكَ من الفخامةِ المبهجةِ ما فيها (١)، وقد تواتر حديثُ الكوثرِ من طرق تُفيد القطعَ عند كثيرٍ من أئمَّة الحديث، وكذلك أحاديثُ الحوض.
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) المازنيُّ، ممَّا وصلَهُ البخاريُّ في حديثٍ طويلٍ بغزوةِ حُنين [خ¦٤٣٣٠] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اصْبِرُوا) أي: على مَا ترونَ بعدِي من الأثرَةِ (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ).
٦٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ مهران الأعمش (عَنْ شَقِيقٍ) بالشين المعجمة المفتوحة والقافين بينهما تحتية ساكنة، أبي (٢) وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: أَنَا فَرَطُكُمْ) بفتح الفاء والراء بعدها طاء مهملة (عَلَى الحَوْضِ) سابقكم إليه لأصلحَهُ وأُهيِّئه لكم، فهنيئًا لوارديهِ، جعلنا الله منهم بوجههِ الكريمِ من غير عذابٍ، إنَّه كريمٌ وهَّابٌ.
٦٥٧٦ - وبه قال: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بإسقاط الواو (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أبو حفصٍ الباهليُّ،
стр. 11484
الصَّيرفيُّ الفلَّاس البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر الهُذَليُّ مولاهم البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ المُغِيرَةِ) بن مِقْسمٍ الضَّبيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ) فيه بشارةٌ عظيمةٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة زادها الله شرفًا (وَلَيُرْفَعَنَّ) بفتح اللام وضم التحتية وسكون الراء وفتح الفاء المهملة وتشديد النون، ليظهرنَّ لي (رِجَالٌ مِنْكُمْ) حتَّى أراهم، ولأبي ذرٍّ: «ولَيُرفَعنَّ معي رجالٌ منكم» (ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي) بفتح اللام وضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام وضم الجيم، مبنيًّا للمفعول مسندًا إلى ضمير الجماعة، مؤكَّدًا بالنُّون الثَّقيلة، أي: يُجتذبون ويُقتطعون عنِّي (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي) أي: من أمَّتي (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) أي: من الردَّة عن الإسلامِ، أو المعاصي (تَابَعَهُ) أي: الأعمش (عَاصِمٌ) هو ابنُ أبي النَّجود الكوفيُّ، أحدُ القُرَّاء السَّبعة (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ (١)، عن عبد الله بن مسعودٍ. وهذا وصلَه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» من طريق سفيان الثَّوريِّ، عن عاصمٍ (وَقَالَ حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق (عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فخالف حُصينٌ الأعمش وعاصمًا، وهذا وصلهُ مسلمٌ من طريق حُصين.
٦٥٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضم الميم (٢) والمهملات ثانيها مشدَّد، ابنُ مُسَرْهد بن مسربلٍ البصريُّ الحافظ، أبو الحسن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عُمر العمريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (٣) (قَالَ: أَمَامَكُمْ) بفتح الهمزة، قدَّامكم (حَوْضٌ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشميهنيِّ: «حوضِي» بزيادة ياء الإضافة (كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ) بفتح الجيم والموحدة بينهما راء
стр. 11485
ساكنة آخره همزة، ممدودٌ في الفرعِ، وقال أبو عبيدٍ البكريُّ وعياض بالقصر. قال اليونينيُّ (١): وكذا رأيتُه في أصلٍ صحيحٍ مقروءٍ من روايةِ الحافظ أبي ذرٍّ، ومن رواية الأَصيليِّ. انتهى.
وصوَّبه النَّوويُّ في «شرح مسلم» وقال: إنَّ المدَّ خطأٌ وهو في البخاريِّ بالمدِّ، وقال الرَّشاطيُّ (٢): الجرباءُ، على لفظ تأنيث الأجربِ قريةٌ بالشَّام (وَأَذْرُحَ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء بعدها حاء مهملة. قال ابنُ الأثير في «نهايته»: هما -يعني: جرباءَ وأذرحَ- قريتان بالشَّام بينهما مسيرةُ ثلاث ليالٍ، وهذا الَّذي قال ابنُ الأثير تعقَّبه الصَّلاح العلائيُّ، فقال: هذا غلطٌ بل بينهما غلوةُ سهمٍ وهما معروفتان بين القدسِ والكَرْك، ولا يصحُّ التَّقدير بالثَّلاث لمخالفتِها (٣) الرِّوايات الآتية، لاسيَّما وقد قال الحافظُ الضِّياء المقدسيُّ في «جزئه في الحوض»: إنَّ في سياق لفظِهَا غلطًا؛ لاختصارٍ وقع في سياق الحديثِ من بعض الرُّواة، ثمَّ ساقه من حديثِ أبي هُريرة، وأخرجَه من «فوائد عبد الكريم الدَّيرعاقُولي» بسندٍ حسنٍ إلى أبي هُريرة مرفوعًا في ذكر الحوضِ فقال فيه: «عرضهُ مثل ما بينكُم وبينَ جرباءَ وأذرُحَ». قال الضِّياء: فظهرَ بهذا أنَّه وقعَ في حديثِ ابن عمر حذف تقديرُه: كما بين مَقامي وبين جرباءَ وأذرح، فسقط: «مقامِي وبين». وقال العلائيُّ: ثبتَ المقدَّر (٤) المحذوفُ عند الدَّارقطنيِّ وغيره بلفظِ: «ما بينَ المدينةِ وجرباءَ وأذرح». انتهى.
وقد اختلفتِ الرِّوايات في ذلك ففي حديثِ ابن عَمرو -بفتح العين-: «حوضِي مسيرةُ شهرٍ» في هذا الباب، وحديثُ أنسٍ فيه: «كما بين أيلَةَ وصنعاءَ من اليمن» [خ¦٦٥٨٠] وحديث حارثةَ بن وهبٍ فيه أيضًا: «كما بين المدينة وصنعاءَ» [خ¦٦٥٩١] وفي حديث أبي هريرة: «أبعدُ من أيلةَ إلى عدنٍ» وهي تُسَامت صنعاء، وكلُّها متقاربةٌ؛ لأنَّها كلَّها نحو شهرٍ أو تزيد أو تنقص، وفي حديث عقبةَ بن عامر عند أحمد: «كما بين أيلة إلى الجحفة»، وفي حديث جابر: «كما بينَ صنعاءَ إلى المدينة»، وكلُّها مُتَقاربة (٥) ترجع إلى نحو نصف شهرٍ، أو تزيدُ على ذلك
стр. 11486
قليلًا أو تنقص، وأقلُّ ما ورد في ذلك -عند مسلمٍ-: قريتان بالشَّام بينهما مسيرة ثلاثة أيَّامٍ. فقيل في الجمع: إنَّ هذه الأقوال صارتْ على وجهٍ بأنَّه ﷺ خاطب أهل كلِّ جهةٍ بما يَعرفون من المواضعِ، وهو تمثيلٌ وتقريبٌ لكلِّ أحدٍ ممَّن خاطبَه بما يَعرفه من تلك الجهات، وبأنَّه ليس في ذكر المسافةِ القليلةِ (١) ما يدفعُ الكثيرة، فالأكثرُ ثابتٌ بالحديثِ الصَّحيح فلا معارضةَ، فأخبر أوَّلًا بالمسافةِ اليسيرةِ، ثمَّ أعلمَه الله بالطَّويلة فأَخبر بما تفضَّل الله به عليه باتِّساعه شيئًا فشيئًا، فالاعتمادُ على أطولها. وأمَّا قول بعضِهم: الاختلاف إنَّما هو بالنَّظر إلى الطُّول والعرضِ، فمردودٌ بحديثِ ابنِ عَمرو: «وزواياهُ سواءٌ»، وحديث النَّوَّاس وغيره: «طوله وعرضه سواءٌ»، ومنهم مَن حمله على السَّير المسرع والبطيء، ولكن في حملهِ على أقلِّها وهو الثَّلاث نظرٌ؛ إذ هو عسرٌ جدًّا لاسيَّما مع ما سبقَ، والله الموفِّق.
وهذا الحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الفضائل».
٦٥٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح العين، النَّاقد بالنون والقاف، وهو شيخ مسلم بن الحجَّاج قال: (أخبرَنَا) وفي «اليونينية»: «حَدَّثنا» (هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح المعجمة (ابن بَشِير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينارٍ السُّلميُّ، أبو معاوية بن خازمٍ -بالمعجمتين- الواسطيُّ، حافظ بغدادٍ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة، واسمه إياسٌ (وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ) الكوفيُّ، من صغار التَّابعين صدوقٌ لكنَّه اختلط آخر عُمره، وهُشيمٌ سَمع منه بعدَ اختلاطه ولذا أخرج له المؤلِّف هُنا مقرونًا بأبي بشرٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (٢) (قَالَ:
стр. 11487
الكَوْثَرُ: الخَيْرُ الكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ) من النُّبوَّة والقرآن والخلق الحسنِ العظيم، وكثرة الأَتْبَاعِ والعِلم والشَّفاعة والمقام المحمود وغيرها ممَّا أنعم الله تعالى به عليه (قَالَ أَبُو بِشْرٍ) جعفرُ بن أبي وحشيَّة: (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ» (١) (لِسَعِيدٍ) هو ابنُ جبيرٍ: (إِنَّ أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، ولأبي ذرٍّ: «ناسًا» بحذفها، وسبق في «التَّفسير» من ذكر النَّاس: أبو إسحاق وقتادة [خ¦٤٩٦٦] (يَزْعُمُونَ أَنَّهُ) أي: الكوثر (نَهَرٌ فِي الجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الَّذِي فِي الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ) وهذا كما سبقَ تأويلٌ من (٢) سعيدٍ جمع فيه بين حديثَي عائشة وابن عبَّاس، فلا تنافي بينهما؛ لأنَّ النَّهر فردٌ من أفرادِ الخير الكثير.
والحديثُ مرَّ في «تفسيرِ سورة الكوثر» [خ¦٤٩٦٦].
٦٥٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن محمَّد بن الحكم بن أبي مريم الجُمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله الجُمحيُّ المكيُّ الحافظ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بنُ عبيد الله بنِ أبي مُليكة -بالتَّصغير- ابن عبدِ الله بنِ جُدْعان (٣)، ويقال: اسم أبي مُلَيكة: زهيرٌ التَّيميُّ المدنيُّ أدركَ ثلاثين من الصَّحابة، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاصي ﵄ (٤): (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ) زاد مسلمٌ من هذا الوجه: «زواياه سواءٌ» أي: لا يزيد طوله على عرضهِ، وفيه ردٌّ على مَن جمع بين اختلاف الأحاديث في تقدير مسافة الحوضِ باختلاف العرض والطُّول كما سبق قريبًا [خ¦٦٥٧٧] (مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ) فيه حُجَّةٌ للكوفيِّين على إجازةِ أفعل التَّفضيل من اللَّون. وقال البصريُّون: لا يُصاغ منه ولا من غير الثُّلاثيِّ، فقيل: لأنَّ اللَّون الأصلُ في أفعاله الزِّيادة (٥) على ثلاثةٍ، وقيل:
стр. 11488
لأنَّه خُلِقَ ثابتًا في العادة، وإنَّما يتعجَّب (١) ممَّا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، فجرتْ ذلك مجرى الأجسام الثَّابتة على حالٍ واحدٍ، قالوا: وإنَّما يتوصَّل إلى التَّفضيل فيه وفيما زاد على الثُّلاثي بـ «أفعلَ» مصوغًا من فعلٍ دالٍّ على مطلق الرَّجحان، والزِّيادة نحو أكبر وأزيدُ وأرجح وأشدُّ. قال الجوهريُّ: تقول: هذا أشدُّ بياضًا من كذا، ولا تقلْ: أبيضُ منه، وأهلُ الكوفة يقولونهُ ويحتجُّون بقول الرَّاجز:
جَارِيَةٌ فِي دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ … أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي إِبَاضِ
قال المبرِّد: ليس البيت الشَّاذُّ بحُجَّةٍ على الأصلِ المجمع عليه، وأمَّا قولُ الرَّاجز (٢) طَرَفة:
إِذَا الرِّجَالُ شَتَوْا (٣) وَاشْتَدَّ أَكْلُهُمُ … فَأَنْتَ أَبْيَضُهُم سِرْبَالَ طَبَّاخِ
فيُحتمل أن لا يكون بمعنى أفعل الَّذي تصحبُه «من» للمفاضلة (٤)، وإنَّما هو بمنزلةِ قولك: هو أحسنُهم وجهًا وأكرمهم أبًا، تريد: حَسَنُهم وجهًا وكَريْمُهم أبًا، فكأنَّه قال: فأنت مُبْيَضُّهم سربالًا، فلمَّا أضافَه انتصبَ ما بعدَه على التَّمييز، وجعلَ ابن مالكٍ قوله: «أبيض» من المحكوم بشذوذهِ. وقال النَّوويُّ: هي لغةٌ وإن كانت قليلةَ الاستعمالِ والحديث (٥) يدلُّ على صحَّتها، وفي مسلم من رواية أبي ذرٍّ وابن مسعودٍ -عند أحمد- بلفظ: «أشدُّ بياضًا من اللَّبن» (وَرِيحُهُ أَطْيَبُ) ريحًا (مِنَ المِسْكِ) وزاد مسلمٌ من حديث أبي ذرٍّ وثوبان: «وأحلى من العسلِ»، وزاد أحمدُ من حديثِ ابن مسعودٍ: «وأبردُ من الثَّلج» (وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ) أي: في الإشراقِ والكثرةِ، ولأحمدَ من رواية الحسن عن أنسٍ: «أكثر من عدد نجوم السَّماء» (مَنْ شَرِبَ) بفتح الشين وكسر الراء (مِنْهَا) من الكيزان، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من يشرب» بلفظ المضارع والجزم، على أنَّ «مَن» شرطيَّة، ويجوزُ الرَّفع على أنَّها موصولةٌ، ولأبي ذرٍّ: «منه» أي: من الحوض (فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا) وعند ابنِ أبي الدُّنيا عن النَّوَّاس بن سمعان: «أوَّل مَن يَرِدُ عليه مَن يسقي كلَّ عطشانٍ».
стр. 11489
وحديثُ الباب أخرجهُ مسلمٌ في «الحوض» أيضًا.
٦٥٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيدُ بن كثير بن عُفَيْرٍ -بضم العين المهملة وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فراء- المصريُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ، أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ) بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فلام مفتوحة بعدها هاء تأنيث، مدينةٌ كانت عامرةً بطرف بحر القُلْزم من طرف الشَّام، وهي الآن خرابٌ يمرُّ بها الحاجُّ من مِصر، فتكون عن (٢) شمالهم، ويمرُّ بها الحاجُّ من غزَّة وغيرها فتكون أمامهم، وإليها تُنسب العقبةُ المشهورة عند أهل مِصر (وَصَنْعَاءَ مِنَ اليَمَنِ) بفتح الصاد والعين المهملتين بينهما نون ساكنة ممدود، والتَّقييد بـ «اليمن» يُخْرِج صنعاء الشَّام (وَإِنَّ فِيهِ) أي: الحوض (مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ).
فيه: أنَّ الزُّهريَّ سَمع أنسًا، وهو يردُّ على مَن أعلَّ الحديث بأنَّه لم يسمع منه، وقد ذَكر ابن أبي عاصمٍ أسماء مَن رواه عن ابنِ شهابٍ عن أنسٍ بلا واسطةٍ، فزادوا على عشرةٍ، قاله في «الفتح».
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ ».
стр. 11490
٦٥٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى الأزديُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بإسقاط الواو (هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (١) وفتح الموحدة، القيسيُّ البصريُّ الحافظُ المسندُ هَدَّاب قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ) ليلة الإسراء، كما في «سورة الكوثر» [خ¦٤٩٦٤] (٢) بلفظ: «عن أنسٍ قال: لمَّا عُرج بالنَّبيِّ ﷺ إلى السَّماء» (إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ) بالحاء المهملة وتخفيف الفاء، جانباهُ (قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ) بكسر القاف وتخفيف الموحدة، جمع: قُبَّة (قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ) بالنون بعد التَّحتية (أَوْ: طِيبُهُ) بالموحدة (مِسْكٌ أَذْفَرُ) بالمعجمة الساكنة (شَكَّ هُدْبَةُ) شيخ البخاريِّ هل هو بالنون أو الموحدة، ولم يشكَّ أبو الوليد أنَّه بالنُّون وهو المعتمدُ، وفي «البعث» (٣) للبيهقيِّ من طريقِ عبد الله بنِ مسلمٍ عن أنسٍ بلفظ: «تُرابه مسكٌ».
٦٥٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ الأزديُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابنُ خالد بنِ عجلان، أبو بكرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) ابن صهيبٍ البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَيَرِدَنَّ) باللام المفتوحة للتَّأكيد وتثقيل النون (عَلَيَّ) بتشديد الياء (نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي) من أمَّتي (الحَوْضَ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا) بسكون الخاء المعجمة وضم الفوقية وكسر اللام وضمِّ الجيم، جُذِبوا (دُونِي) بالقُرب منِّي (فَأَقُولُ: أَصْحَابِي) بالتَّكبير، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أصيحابي» بالتَّصغير
стр. 11491
(فَيَقُولُ) وله عن الكُشميهنيِّ: «أَصحابي -بالتَّكبير- فيقال»: (لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) من المعاصي الَّتي هي سبب الحرمان من الشُّرب من الحوض.
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «المناقب».
٦٥٨٣ - ٦٥٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجُمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة بعدها فاء، أبو غسَّانٍ اللَّيثيُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنا» (فَرَطُكُمْ) بفتحتين (عَلَى الحَوْضِ) الفَرَطُ الَّذي يتقدَّم الواردين ليصلحَ لهُم الحياض (مَنْ مَرَّ عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: مَن مرَّ به فمُكِّن من شربه فشرب، أو مَن مُكِّن من المرورِ به (شَرِبَ) منه، ولأبي ذرٍّ: «يشربُ» بلفظ المضارع (١)، وزاد ابنُ أبي عاصمٍ: «ومَن صُرف عنه لم يَُروَ (٢) أبدًا» (وَمَنْ شَرِبَ) بكسر الراء، منه (لَمْ يَظْمَأْ) لم يعطشْ (أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي) ولأبي ذرٍّ: «ويعرفونَنِي» بنونين (ثُمَّ يُحَالُ) بضم التَّحتية بعدها حاء مهملة مبنيًّا للمجهولِ (بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ).
стр. 11492
(قَالَ أَبُو حَازِمٍ) سلمةُ -بالسَّند السَّابق-: (فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) بالتَّحتية والمعجمة آخره، الزُّرقيُّ، وأنا أُحدِّث بهذا الحديث (فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟) استفهامٌ حذفتْ منه الأداةُ. قال أبو حازمٍ: (فَقُلْتُ) له: (نَعَمْ. فَقَالَ) النُّعمان: (أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁، وسقط لأبي ذرٍّ «الخدريِّ» (لَسَمِعْتُهُ) بفتح اللام للتَّأكيد (وَهْوَ يَزِيدُ فِيهَا) في هذه المقالة قوله: (فَأَقُولُ إِنَّهُمْ) أي: الَّذين يُحال بيني وبينهم (مِنِّي) من أمَّتي (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) من المعصية الموجبةِ لبُعدهم عنك (فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا) بضم السين وسكون الحاء المهملتين وبالقاف والنصب فيهما على المصدر، أي: بُعْدًا بُعْدًا، وكرَّرها ثنتين تأكيدًا (لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي) أي: دينه؛ لأنَّه لا يقول في العُصاة بغيرِ الكُفر: سحقًا سحقًا، بل يشفع لهُم ويهتمُّ بأمرهم، كما لا يخفى.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ عنه من رواية عليِّ بنِ أبي طلحة عنه: (سُحْقًا) أي: (بُعْدًا، يُقَالُ: سَحِيقٌ) أي: (بَعِيدٌ) هو كلامُ أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] (سَحَقَهُ وَأَسْحَقَهُ: أَبْعَدَهُ) وهذا ثابتٌ في رواية الكُشميهنيِّ، وهو من كلام أبي عبيدة أيضًا. قال المؤلِّف:
٦٥٨٥ - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها موحدة ثانية (الحَبَطِيُّ) بفتح الحاء المهملة والموحدة وكسر الطاء المهملة، نسبةً إلى الحبطات من تميمٍ، ممَّا وصله أبو عَوانة، عن أبي زرعةَ الرَّازيِّ وأبي الحسن الميمونيِّ، قالا: حدَّثنا أحمد بن شبيبٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيب (عَنْ يُونُسَ) بن يزيدَ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) سيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: يَرِدُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ) من الرِّجال
стр. 11493
ما دون العشرة أو إلى الأربعين (مِنْ أَصْحَابِي فَيُجْلَوْنَ) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح اللام وسكون الواو، أي: يُصرفون كذا لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وفي رواية الكُشميهنيِّ: «فيُحَلَّؤُون» بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام بعدها همزة مضمومة فواو، أي: يُطردون (عَنِ الحَوْضِ) وحكى السَّفاقسيُّ عن بعضهم ضبطه بغير همزٍ، قال: وهو في الأصل مهموزٌ فكأنَّه سهَّلَه (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي) بالتَّكبير (فَيَقُولُ) الله تعالى، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فيقال»: (إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى) بفتح القافين بينهما هاء ساكنة والراء مفتوحة، مصدرٌ في موضع نصبٍ على المصدريَّة من غير لفظهِ، كقوله (١): قعدتُ جلوسًا، ورجعت القَهقَرى (٢)، وهو: الرُّجوع إلى خلف، فكأنَّك رجعت الرُّجوع الَّذي يُعرف بهذا الاسم.
٦٥٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ المصريُّ، المعروف بابن الطَّبريِّ، كان أبوه من أهل طبرستان، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيدٍ (أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يقلْ «عن أبي هريرة» كما في الطَّريق الأولى [خ¦٦٥٨٥] وحاصلُه: أنَّ ابن وهبٍ وشبيب بن سعيدٍ اتَّفقا في روايتهما عن يونس، عن ابنِ شهابٍ، عن ابن المسيَّب، ثمَّ اختلفا؛
стр. 11494
فقال شبيبٌ: عن أبي هريرة. وقال ابن وهبٍ: عن أصحاب النَّبيِّ ﷺ . وهذا لا يضرُّ؛ لأنَّ أبا هريرة منهم (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَرِدُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (الحَوْضَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّؤونَ) بالحاء المهملة واللام المشددة والهمزة المضمومة بعدها واو، يُطردون، ولأبي ذرٍّ: «فيُجْلَوْن» بالجيم والواو الساكنتين بينهما لام مفتوحة، يُصرفون (عَنْهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي. فَيَقُولُ) الله تعالى: (إِنَّكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «إنَّه» (لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى) قال ابنُ الأثير في «نهايته»: القَهقرى: المشي إلى خلفٍ من غير أن يُعيد وجهه إلى جهةِ مَشيه. قيل: إنَّه من باب القهر، وقوله (١): إنَّهم كانوا (٢) يمشون بعدك القَهقرى (٣)، قال الأزهريُّ: معناه: الارتداد عمَّا كانوا عليه، وقد قَهقَر وتَقَهقَر (٤)، والقَهقَرى مصدرٌ.
(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصيُّ، ممَّا وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بسنده: (كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (فَيُجْلَوْنَ) بسكون الجيم وفتح اللام وسكون الواو، من جلاء الوطنِ. وقال في «الفتح»: وقيل: بالخاء المعجمة المفتوحة بعدها لام ثقيلة وواو ساكنة. قال: وهو تصحيفٌ، والزُّهريُّ لم يَسمع من أبي هريرة بل كان ابن ستٍّ أو سبعٍ عند وفاةِ أبي هريرة. وقال الذَّهبيُّ: كان الزُّهريُّ يَروي عن أبي هريرة مرسلًا، وقال الحافظ ابن حجرٍ: قوله: «وقال شعيبٌ عن الزُّهريِّ» يعني: بسنده.
(وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالدٍ الأيليُّ؛ يعني: عن الزُّهريِّ بسنده: (فَيُحَلَّؤونَ) بفتح الحاء المهملة واللام المشددة والهمز (٥).
(وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة وكسر الدال المهملة (٦)، محمَّد بن الوليد بن
стр. 11495
عامرٍ، أبو الهذيل الشَّاميُّ الحُمصيُّ، فيما وصله الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من رواية عبدِ الله بن سالمٍ عنه (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليِّ بنِ أبي طالبٍ القُرشيِّ الهاشميِّ المدنيِّ، أبي جعفر الباقر (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (١) (ابْنِ أَبِي رَافِعٍ) مولى النَّبيِّ ﷺ ، وكان كاتب عليِّ بن أبي طالبٍ، واسم أبيه: أسلم، وفي الفرع كأصله مُضبَّب على «أبي» من قوله: «أبي رافعٍ» وهي ثابتةٌ في غيره من الأصولِ الَّتي وقفتُ عليها وكتب الرِّجال، وذَكر الجيانيُّ أنَّ في رواية القابسيِّ والأَصيليِّ عن المروزيِّ (٢): «عَبْد الله» بفتح العين وسكون الموحدة، وهو خطأ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
قال في «الكواكب»: الزُّهريُّ روى في هذا الحديث عن أبي هريرة بواسطتين، وفي السَّابق بلا واسطةٍ، فالظَّاهر أنَّ روايته عنه في السَّابق على سبيل التَّعليق. انتهى. وقد مرَّ ما فيه، والحاصلُ من رواية عُقيلٍ وشعيبٍ: المخالفة (٣) في بعضِ الألفاظ، وخالفَ الجميعَ الزُّبيديُّ في السَّند. قال في «الفتح»: فيُحمل على أنَّه كان عند الزُّهريِّ بسندين (٤)، فإنَّه حافظٌ وصاحبُ حديثٍ، ودلَّت رواية الزُّبيديِّ على أنَّ شبيبَ بن سعيدٍ حَفظ فيه أبا هريرة.
٦٥٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ الحِزَامِيُّ) بالحاء (٥) المهملة والزاي، الأسديُّ أحدُ الأعلام، وثبت لأبي ذرٍّ: «الحزامي» قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 11496
فُلَيْحٍ) بضم الفاء آخره حاء مهملة، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) فُليح بن سليمان العدويُّ مولاهم المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (هِلَالٌ) ولأبي ذرٍّ: «هلال بن عليٍّ» وهو هلالُ بن أبي ميمونة، وهو هلالُ ابن أسامة نسبةً لجدِّه (١) (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتية والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ، أبي محمَّدٍ المدنيِّ، مولى ميمونة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا قَائِمٌ) بالقاف، أي: على الحوضِ (فإِذَا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نائمٌ» بالنون «إذا» بإسقاط الفاء، ورواية الكُشميهنيِّ بالقاف في «قائم» أَوْجَهُ، ويُحتمل أنَّ توجَّه رواية النُّون أنَّه رأى في المنامِ ما سيقعُ في الآخرة، أي: بينا أنا نائمٌ إذا (زُمْرَةٌ) بضم الزاي وسكون الميم؛ أي (٢): جماعة (حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ) أي: ملكٌ موكَّلٌ بذلك، لم يسمَّ (مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ) لهُم: (هَلُمَّ) أي: تعالَوا. قال النَّبيُّ: (فَقُلْتُ: أَيْنَ) تذهبُ بهم؟ (قَالَ) المَلَك: أذهبُ بهم (إِلَى النَّارِ (٣) وَاللهِ) بالخفض بواو القَسَم. قال النَّبيُّ ﷺ (٤): (قُلْتُ) له: (وَمَا شَأْنُهُمْ) حتَّى تذهبَ بهم إلى النَّار؟ (قَالَ) الملَك: (إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى) مقصورٌ، هو الرُّجوع إلى خلف، وفي العينيِّ: الرُّجوع على الدُّبر. وحكى أبو عُبيد: عن أبي عَمرو بن العلاء: القَهقَرى الإحضار (٥)، كذا رواه ابن دريدٍ في «المصنَّف»، وفي رواية غير ابنِ دريد: القَهقَرى (٦) قال أبو عليٍّ: وهو الصَّواب، وقيل: إنَّه من باب القهر (ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ) جماعة (حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ) لَهُم: (هَلُمَّ) تعالَوا (قُلْتُ) له: (أَيْنَ) تذهب بهم؟ (قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللهِ. قُلْتُ) له: (مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ القَهْقَرَى) هو رجوعٌ مخصوصٌ كما مرَّ، وقيل: هو العَدْوُ الشَّديدُ (فَلَا أُرَاهُ) بضم الهمزة، فلا أظنُّ أنَّه (يَخْلُصُ) بالخاء المعجمة وضمِّ
стр. 11497
اللام (مِنْهُمْ) بالميم والنون، من هؤلاء الَّذين دَنوا من الحوض وكادوا يَرِدونه فصُدُّوا عنه من النَّار، ولأبي ذرٍّ: «فيهم» بالفاء والتَّحتية (إِلَّا مِثْلُ) بضم اللام (هَمَلِ النَّعَمِ) بفتح الهاء والميم، ضوال الإبل، واحدها: هاملٌ، أو الإبل بلا راعٍ، ولا يقال ذلك في الغنمِ؛ يعني: أنَّ النَّاجي منهم قليلٌ في قلَّة النَّعم الضَّالَّة، وهذا يشعرُ بأنَّهم صنفان كفَّارٌ وعصاةٌ.
٦٥٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) اللَّيثيُّ، أبو ضمرة المدنيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين المهملة، ابن عُمر العمريِّ (عَنْ خُبَيْبٍ) بضمِّ الخاء (١) المعجمة وفتح الموحدة، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عبد الرَّحمن» (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عُمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) أي: تُقتطع (٢) منها أو تُنقل إليها، فتكون من رياضها (وَمِنْبَرِي) الَّذي في الدُّنيا يُوضع بعينه يوم القيامة (عَلَى حَوْضِي) أو أنَّ (٣) المراد أنَّ له ﵊ في القيامة منبرًا على حوضه يَدعو النَّاس عليه إلى الحوض.
والحديثُ سبق في آخر «التهجُّد» [خ¦١١٩٦] وآخر «الحجِّ» [خ¦١٨٨٨]، وأخرجه مسلمٌ (٤) في «الحجِّ».
٦٥٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبدِ الله بن عثمانٍ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بنُ جَبَلة بن أبي روَّاد (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكَ) بن عُمير الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ:
стр. 11498
سَمِعْتُ جُنْدُبًا) بضم الجيم والدال، ابنَ عبد الله البجليَّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ) قال في «المطالع»: الفَرَطُ الَّذي يتقدَّم الواردين، فيُهيِّئ لهُم ما يحتاجون إليه، وهو في هذه الأحاديث الثَّواب والشَّفاعة، والنَّبيُّ يتقدَّم أمَّته ليشفع لهُم.
والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦٥٨٣]، وأخرجهُ مسلمٌ في «فضائل النَّبيِّ ﷺ ».
٦٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، الجزريُّ -بالجيم والزاي والراء- الحرَّانيُّ، سكن مصر قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ) بن أبي حبيبٍ، أبي (١) رجاء المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَدِ، بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة (عَنْ عُقْبَةَ) بن عامر بن عبسٍ (٢)، أبي الأسود الجهنيِّ (¬﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا) إلى البَقيع (فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ) الَّذين استشهدوا في وقعتهِ (صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ) أي: دَعا لهُم بدعاء صلاة الميِّت لا الصَّلاة على الميِّت المعهودة (ثُمَّ انْصَرَفَ) فصعدَ (عَلَى المِنْبَرِ) كالمودِّع للأحياءِ والأموات (فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٣): «فرطكم (٤) سابقكم» وفيه إشارةٌ إلى قُرب وفاته وتقدَّمه على أصحابه (وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ) أشهدُ عليكم بأعمالهِم، تُعرض عليَّ أعمالكم (وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ) نظرًا حقيقيًا كُشف لي عنه. وقال السَّفاقسيُّ: النُّكتة في ذِكره (٥) عقب التَّحذير، أي: في قوله: «وأنا شهيدٌ عليكم» الإشارة إلى تحذيرهِم من فعلِ ما يقتضِي إبعادهم عن الحوضِ (وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ
стр. 11499
الأَرْضِ -أَوْ: مَفَاتِيحَ الأَرْضِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، والمراد: ما يُفتح على أمَّته من الملك والكنوز من بعدِهِ (وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي) أي: ما أخافُ على جميعكُم الإشراك بل على مجموعكُم؛ لأنَّ ذلك قد وقعَ من بعضٍ (وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا) في الخزائنِ المذكورة أو في الدُّنيا، كما في مسلمٍ، والتَّنافس: الرَّغبة في الشَّيء، وأصله: تتنافسُوا، فسقطتْ إحدى التَّاءين.
والحديثُ سبق في «الجنائز» [خ¦١٣٤٤].
٦٥٩١ - ٦٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بفتح المهملة والراء وكسر الميم، و «عُمَارة» بضم العين المهملة وتخفيف الميم وبعد الألف راء، أبو روحٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة، الجَدَليِّ -بفتح الجيم والدال المهملة- الكوفيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) بالحاء المهملة والمثلَّثة، الخزاعيَّ الصَّحابيَّ نزيل مكَّة وهو أخو عُبيد الله -بضم العين- ابن عُمر بن الخطَّاب لأمِّه ﵃ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ الحَوْضَ فَقَالَ): قَدْرُه (كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ) طيبة (وَصَنْعَاءَ) سبق تقييدُه بـ «صنعاء اليمن» فيحمل هذا المطلقُ على المقيَّد.
(وَزَادَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد بن إبراهيم بنِ أبي عَديٍّ البصريُّ، ممَّا وصله مسلمٌ والإسماعيليُّ من طريقه (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ) بن وهبٍ ﵁، أنَّه (سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْلَهُ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ
стр. 11500
المُسْتَوْرِدُ) بوزن المُسْتَفْعِل بكسر الراء، ابن شدَّاد بن عَمرو القرشيُّ الفهريُّ، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ ﵄: (أَلَمْ تَسْمَعْهُ) ﷺ (قَالَ: الأَوَانِي؟) قال الكِرمانيُّ: فيه تكون كذا وكذا (قَالَ) حارثةٌ: (لَا. قَالَ المُسْتَوْرِدُ: تُرَى) بضم الفوقية وفتح الراء (فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الكَوَاكِبِ) كثرةً وضياءً؛ يعني: أنا سمعتُه قال ذلك، وهذا مرفوعٌ وإن لم يُصرِّح به؛ إذ سياقه يدلُّ على رفعهِ، وفي حديث أحمدَ من رواية الحسن عن أنسٍ: «أكثرُ من عددِ نجوم السَّماء»، ولمسلمٍ عن ابن عُمر: «فيه أباريق كنجومِ السَّماء».
٦٥٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ (١) بن الحكم بن محمَّد بنِ سالم بنِ أبي مريم الجمحيُّ بالولاء، أبو محمَّد المصريُّ (عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ) بن عبد الله الجمحيِّ المكِّيِّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي عَلَى الحَوْضِ) يوم القيامة (حَتَّى أَنْظُرُ) بالرفع، ولأبي ذرٍّ: بالنَّصب، أي: حتَّى أن أنظر (مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ مِنْ (٢) دُونِي) بالقُرب منِّي (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي. فَيُقَالُ) له (٣): (هَلْ شَعَرْتَ) هل عَلِمت (مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللهِ مَا بَرِحُوا) ما زالوا (يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) مرتدِّين (فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا، أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا) وقوله: «فكان ابن أبي مُلَيكة … » إلى آخره موصولٌ بالسَّند، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الرُّجوعَ على العقبِ كنايةٌ عن مخالفةِ الأمر الَّذي تكون الفتنة بسببهِ، فاستعاذَ منهما جميعًا، وقال أبو عُبيدة مفسِّرًا لقوله تعالى:
стр. 11501
(﴿أَعْقَابِكُمْ﴾) ولغير أبي (١) ذرٍّ: «أعقابهم» بالهاء (﴿تَنكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦]) أي: (تَرْجِعُونَ عَلَى العَقِبِ) بكسر القاف. قال في «التَّذكرة»: قال عُلماؤنا: كلُّ مَن ارتدَّ عن دينٍ أو أحدثَ فيه ما لا يرضاهُ الله ورسوله ولم يَأذن فيه، فهو من المطرودينَ عن الحوضِ المبعدين عنه، وأشدُّهم طردًا من خالفَ جماعة المسلمين، كالخوارجِ على اختلافِ فِرَقها، والرَّوافض على تباينِ ضلالها، والمعتزلةِ على أصنافِ أهوائها، فهؤلاء كلُّهم مُبدِّلون، وكذلك الظَّلمة المسرفون في الجَورِ والظُّلم وطمس الحقِّ وقتل أهله وإذْلالهم، والمعلِنون الكبائر المستخفُّون بالمعاصي، وفي حديثِ كعب بن عُجْرة -عند التِّرمذيِّ-: قال لي رسول الله ﷺ : «أعيذُكَ باللهِ يا كعب ابن عُجْرة من أمراءَ يكونونَ من بعدِي، فمن غشيهُم في أبوابهِم فصدَّقهُم في كذبِهِم وأعانَهُم على ظلمِهِم، فليس منِّي ولستُ منهُ، ولا يردَ عليَّ الحوضَ، ومن غشيَ أبوابَهُم ولم يصدِّقهُم على كذبِهِم، ولم يُعنهم على ظلمِهِم، فهو منِّي وأنَا منه، وسيرِدُ عليَّ الحوضَ» الحديث (٢).
اللَّهمَّ لا تمكر بنا عند الخاتمة يا كريم، واجعلنَا من الفائزين الَّذين لا خوفٌ عليهم، ولا هُم يحزنون، واسقنَا من حوض نبيِّنا محمَّد ﷺ برحمتِكَ يا أرحم الرَّاحمين يا ربَّ العالمين. آمين.
стр. 11502
((٨٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ القَدَرِ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي فقال: «بابٌ» بالتَّنوين «في القَدَر» وهو بفتح القاف والدال المهملة وقد تسكَّن. قال الرَّاغب فيما رأيته في «فتوح الغيب»: القدرُ هو التَّقدير، والقضاء هو التَّفصيلُ والقطع، فالقضاءُ أخصُّ من القدر؛ لأنَّه الفصل بين التَّقدير، فالقدرُ كالأساس، والقضاءُ هو التَّفصيل والقطعُ. وذكر بعضُهم: أنَّ القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيلِ، والقضاء بمنزلة الكيلِ، ولهذا لمَّا قال أبو عُبيدة لعمر ﵄ -لمَّا أراد الفرارَ من الطَّاعون بالشَّام-: «أتفرُّ من القضاء؟ قال: أفرُّ من قضاءِ الله إلى قدرِ الله» تنبيهًا على أنَّ القدرَ ما لم يكن قضاءً فمرجُوٌّ أن يدفعَه الله، فإذا قضى فلا مدفع له، ويشهدُ لذلك (١) قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] و ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] تنبيهًا على أنَّه صار بحيث لا يمكنُ تلافيهِ، ويذكرُ أنَّ عبد الله بن طاهرٍ دعا الحسين بن الفضل فقال: أشكلَ عليَّ قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقال النَّبيُّ ﷺ : «جفَّ القلمُ بما أنتَ لاقيْهِ» (٢). وقال أهل السُّنَّة: إنَّ الله تعالى قدَّر الأشياء، أي: علمَ مقاديرهَا وأحوالها وأزمانها قبلَ إيجادِها، ثمَّ أوجدَ منها ما سبقَ في علمهِ، فلا محدَث (٣) في العالمِ العلويِّ والسُّفلي إلَّا وهو صادرٌ عن علمهِ تعالى وقدرتهِ وإرادتهِ دون خلقهِ، وإنَّ الخَلْق ليس لهم فيها إلَّا نوع اكتسابٍ ومحاولةٍ ونسبةٍ وإضافةٍ، وإنَّ ذلك كلَّه إنَّما حصل لهم بتيسيرِ الله وبقدرةِ الله وإلهامهِ، لا إله إلَّا هو ولا خالق غيره كما نصَّ عليه القرآن والسُّنَّة. وقال ابن السّمعانيِّ: سبيل معرفةِ هذا الباب التَّوقيف (٤) من الكتاب والسُّنَّة دون محض القياس والعقل، فمَن عدلَ
стр. 11503
عن التَّوقيف فيه ضلَّ وتاهَ في بحارِ الحيرةِ، ولم يبلغْ شفاء ولا ما يطمئنُّ به القلب؛ لأنَّ القدرَ سرٌّ من أسرارِ الله تعالى اختصَّ العليم الخبيرُ به، وضرب دونه الأستار، وحجبهُ عن عقولِ الخلق ومعارفِهم لِمَا علمه من الحكمةِ، فلم يَعْلَمْه نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّب. وقيل (١): إنَّ القدرَ ينكشفُ لهم إذا دخلوا الجنَّة، ولا ينكشفُ قبل دخولها.
٦٥٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ) الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَنْبَأَنِي) بالإفراد، من الإنباء (سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ) الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجُهنيَّ أبا (٢) سليمان الكوفيَّ، مخضرمٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ (٣) الصَّادِقُ) المخبر بالقول الحقِّ (المَصْدُوقُ) الَّذي صدَقه الله وعدَه، والجملة -كما قال في «شرح المشكاة» - الأولى أن تكون اعتراضيَّة لا حاليَّة ليعُمَّ الأحوال كلَّها، وأن يكون من عادتهِ ودأبهِ ذلك، فما أحسنَ موقعَه هنا (قَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ) في «اليونينية» مضبوطة «أَن» بفتح الهمزة وقبلها «قال» مخرجة مصحَّحٌ عليها، فالله أعلم هل الضَّبط قبل تخريجِ «قال» أم بعدَه؟ كذا رأيتُه في الفرع كأصلهِ.
وقال أبو البقاء: لا يجوز إلَّا الفتح؛ لأنَّه مفعول «حدَّثنا» فلو كُسِر لكان منقطعًا عن قولهِ: «حَدَّثنا» وجزم النَّوويُّ في «شرح مسلم» بأنَّه (٤) بالكسرِ على الحكايةِ، وحجَّة أبي البقاء أنَّ
стр. 11504
الكسر على خلاف الظَّاهر، ولا يجوزُ العدول عنه إلَّا لمانعٍ، ولو جازَ من غير أن يثبتَ به النَّقل لجازَ في مثل قولهِ تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] وقد اتَّفق القرَّاء على أنَّها بالفتحِ، لكن تعقَّبه الخُوَيِّي (١) بأنَّ الرِّواية جاءت بالفتح والكسر فلا معنى للردِّ. قال: ولو لم تجئْ به الرِّواية لَمَا امتنعَ جوازًا على طريق الرِّواية بالمعنى. وأجاب عن الآيةِ بأنَّ الوعد مضمونُ الجملةِ وليس بخصوصِ لفظها، فلذلك اتَّفقوا على الفتحِ، وأمَّا هنا فالتَّحديث يجوز أن يكون بلفظه وبمعناه. انتهى. من «فتح الباري». وهذا مبنيٌّ على حذف «قال» وعلى تقدير حذفها في الرِّواية فهي مقدَّرة؛ إذ لا يتمُّ المعنى بدونها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إنَّ خَلْق أحدِكُم» أي: ما يخلق منه أحدكم (يُجْمَعُ) بضم أوَّله وسكون الجيم وفتح الميم، أي: يحرز (فِي بَطْنِ أُمِّهِ). قال في «النهاية»: ويجوزُ أن يريدَ بالجمعِ مُكْث النُّطفة في الرَّحم، أي: تمكثُ النُّطفة في الرَّحم (أَرْبَعِينَ يَوْمًا) تتخمَّر فيها حتَّى تتهيَّأ للخلق.
وقال القرطبيُّ أبو العباس في «المُفهم» (٢): المراد: أنَّ المنيَّ يقعُ في الرَّحم حين انزعاجهِ بالقوَّة الشَّهوانيَّة الدَّافعة مبثوثًا متفرِّقًا فيجمعه في محلِّ الولادةِ من الرَّحم. وفي رواية آدم في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٤] «إنَّ خَلْق أحدِكُم يجمعُ في بطنِ أمِّه أربعين يومًا -أو: أربعين ليلة-» بالشَّكِّ، وزاد أبو عَوَانة من رواية وهب بن جريرٍ عن شعبة: «نطفة» بين قولهِ: «أحدكم» وبين قولهِ: «أربعين» فبيَّن أنَّ الَّذي يجمعُ هو النُّطفةُ والنُّطفة المنيُّ، فإذا لاقى منيُّ الرَّجل منيَّ المرأة بالجماعِ وأرادَ الله تعالى أن يخلق من ذلك جنينًا هيَّأ أسباب ذلك؛ لأنَّ في رحم المرأةِ قوَّة انبساط عند منيِّ الرَّجل حتى ينتشرَ في جسدها، وقوَّة انقباضٍ بحيث لا يسيلُ من فرجها مع كونهِ منكوسًا ومع كون المنيِّ ثقيلًا بطبعهِ، وفي منيِّ الرَّجل قوَّة الفعل، وفي منيِّ المرأة قوَّة الانفعالِ، فعند الامتزاجِ يصير منيُّ الرَّجل كالأَنْفَحة للَّبنِ. وأخرج ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» من رواية الأعمشِ، عن خيثمةَ بن عبد الرَّحمن، عن ابنِ مسعود: أنَّ النُّطفة إذا وقعتْ في الرَّحم فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارتْ في جسد المرأةِ تحت كلِّ ظُفْر وشعرٍ، ثمَّ تمكثُ أربعين يومًا، ثمَّ تنزل دمًا في الرَّحم. قال في «شرح المشكاة»: والصَّحابة أعلمُ النَّاس بتفسيرِ
стр. 11505
ما سمعُوه وأحقُّهم بتأويلهِ بالصِّدق وأكثرهم احتياطًا، فليس لمن بعدَهم أن يردَّ عليهم. انتهى.
وفيه أنَّ ابتداءَ جمعهِ من ابتداءِ الأربعين، وعند أبي عَوَانة: اثنتان وأربعون، وعند الفِرْيابيِّ من طريقِ محمَّد بن مسلمٍ الطائفيِّ، عن عَمرو بن الحارث: خمسة وأربعين ليلة (ثُمَّ) يكون (عَلَقَةً) دمًا غليظًا جامدًا تحوَّل من النُّطفة البيضاء إلى العلقةِ الحمراء، وسمِّي بذلك للرُّطوبة الَّتي فيه وتعلُّقه بما (١) مرَّ به (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان وهو الأربعون (ثُمَّ يَكُونُ) يصيرُ (مُضْغَةً) بضم الميم وسكون المعجمة، قطعة لحم قدرَ ما يمضغُ (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان وهو أربعون (ثُمَّ) في الطَّور الرَّابع حين يتكاملُ بنيانهُ وتتشكَّلُ (٢) أعضاؤه (يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا) موكَّلًا بالرَّحم، وعند الفِريابيِّ من رواية أبي الزُّبير: «أتى مَلَكُ الأرحامِ» ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يُبعث» بضم أوَّله مبنيًّا للمفعول «إليه ملك» لتصويرهِ وتخليقه وكتابة ما يتعلَّق به فينفخ فيه الرُّوح إثر ذلك (٣)، وفي حديث عليٍّ عند ابن أبي حاتم: «إذا تمَّت النُّطفة أربعة أشهرٍ بعث الله إليها ملكًا فينفخُ فيها الرُّوح». وإسناد النَّفخ إلى المَلَك مجازٌ عقليٌّ؛ لأنَّ ذلك من أفعالِ الله كالخلقِ (فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ) بالتَّذكير، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بأربعة» والمعدود إذا أُبهمَ جاز تذكيرُهُ وتأنيثُهُ، أي: يؤمر بكتابة أربعة أشياء من أحوالِ الجنين (بِرِزْقِهِ) أي: غذائه حلالًا أو حرامًا، قليلًا أو كثيرًا، وكلُّ ما ساقَه الله تعالى إليه فيتناولُ العلمَ ونحوه (وَأَجَلِهِ) طويل أو قصير (وَشَقِيٌّ) باعتبار ما يختم له (أَوْ سَعِيدٌ (٤)) كذلك، وكلٌّ من اللَّفظين مرفوعٌ مصحَّحٌ عليه بالفرع كأصله، خبر مبتدأ محذوفٍ ويجوزُ الجرُّ، وتعقَّب العينيُّ الرَّفع فقال: ليس كذلك؛ لأنَّه معطوف على المجرورِ السَّابق. وقال في «شرح المشكاة»: كان حقُّ الظَّاهر أن يقول: تكتب سعادته وشقاوته، فعدلَ عن ذلك؛ لأنَّ الكلام مسوقٌ (٥) إليهما والتَّفصيل واردٌ عليهما.
(فَوَاللهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ -أَوِ: الرَّجُلَ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) من المعاصي، والباء في «بعمل» زائدةٌ للتَّأكيد، أي: يعملِ عمل أهلِ النَّار، أو ضمَّن مَعنى «يعمل» معنى
стр. 11506
يتلبَّس، أي: يتلبَّس بعملِ (١) أهل النَّار (حَتَّى مَا يَكُونَُ) نصب بـ «حتَّى» و «ما» نافية غير مانعة لها من العملِ، وجوَّز بعضُهم كون «حتَّى» ابتدائية فيكون رفعٌ وهو الَّذي في «اليونينيَّة» (بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ -أَوْ: ذِرَاعٍ (٢) -) برفع «غير» (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ) ما تضمَّنه (الكِتَابُ) بفاء التَّعقيب المقتضيةِ لعدمِ المهلةِ، وضمَّن «يسبقُ» معنى يغلبُ، و «عليه» في موضعِ نصبٍ على الحالِ، أي: يسبق المكتوب واقعًا عليه (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا) والمعنى: أنَّه يتعارض عمله في اقتضاء الشَّقاوة والمكتوب في اقتضاء السَّعادة، فيتحقَّق مُقتضى المكتوب فعبَّر عن ذلك بالسَّبق؛ لأنَّ السَّابق يحصلُ مُراده دون المسبوق (٣) (وَإِنَّ الرَّجُلَ) ولم يقل: «إن (٤) أحدكم أو الرَّجل» على الشَّكِّ كما سبق (لَيَعْمَلُ) بلام التَّأكيد (بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ) من الطَّاعات (حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) وبين (٥) الجَنة (غَيْرُ ذِرَاعٍ) برفع «غيرُ» (أَوْ ذِرَاعَيْنِ) ولأبي ذرٍّ: «أو باع» بدل: «ذراعين» والباع قدر مَدِّ اليدين (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ) أي: مكتوب الله، وهو القضاءُ الأزليُّ (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، قَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «وقال» (آدَمُ) بن أبي إياسٍ، ممَّا وصله في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٤] (إِلَّا ذِرَاعٌ) فلم يشكَّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «إلَّا باع» بدل: «ذراع»، والتَّعبير بالذِّراع تمثيلٌ بقرب حاله من الموتِ، فيُحال بينه وبين المقصودِ بمقدار ذراعٍ أو باعٍ من المسافةِ، وضابطُ ذلك الحسِّيِّ الغَرْغَرةُ الَّتي جعلتْ علامةً لعدمِ قبول التَّوبة، وقد ذكر في هذا الحديث أهل الخير صرفًا إلى الموت (٦) لا الذين خلَّطوا وماتوا على الإسلام، فلم يقصدْ تعميم أحوال المكلَّفين بل أوردَه لبيان أنَّ الاعتبارَ بالخاتمةِ، ختمَ الله أعمالَنا بالصَّالحات بمنِّه وكرمهِ.
стр. 11507
وفي مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «وإنَّ الرَّجل ليعمل الزَّمان الطَّويل بعمل أهل النَّار، ثمَّ يختم له بعملِ أهل الجنَّة». وعند أحمد من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: «سبعين سنة»، وعنده أيضًا عن عائشة مرفوعًا: «إنَّ الرَّجُلَ ليَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجنَّةِ وَهو مَكتُوبٌ في الكِتَابِ الأوَّلِ من أهلِ النَّارِ، فإذا كَانَ قَبل مَوتِه تَحوَّل فَعَمِل بعملِ أهل (١) النَّار، فمات فدخلَها» الحديثَ، وفيه: أنَّ في تقدير الأعمال ما هو سابقٌ ولاحقٌ، فالسَّابق ما في علمِ الله تعالى، واللَّاحق ما يقدَّرُ على الجنينِ في بطن أمِّهِ كما في هذا الحديث، وهذا هو الَّذي يقبل النَّسخ.
٦٥٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الإمام أبو أيوب الواشحيُّ البصريُّ، قاضي مكة قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ ﵁¬) سقط لأبي ذرٍّ «ابن أنس» و «ابن مالك» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَ اللهُ) (٢) بتشديد الكاف (بِالرَّحِمِ مَلَكًا) وفي الحديث السَّابق: «ثمَّ يبعث الله ملكًا» [خ¦٦٥٩٤] (فَيَقُولُ) عند نزولِ النُّطفة في الرَّحم التماسًا لإتمام الخلقة: (أَيْ) بسكون الياء، أي: يا (رَبِّ) هذه (نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ) هذه (عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ) هذه (مُضْغَةٌ) ويجوز النَّصب فيها على إضمار فِعْلٍ، أي: خلقتَ، أو صارَ، والمراد: أنَّه يقول كلَّ كلمةٍ من ذلك الوقت الَّذي يصير فيه كذلك، فبين قولهِ: «أي رب نطفةٌ» وقولهِ: «علقةٌ» أربعون يومًا، كقولهِ: «يا ربِّ مضغة» لا في وقتٍ واحدٍ؛ إذ لا (٣) تكون النُّطفة علقةً مضغةً في ساعةٍ واحدةٍ.
وحديث ابن مسعود السَّابق [خ¦٦٥٩٤] يدلُّ على أنَّ الجنين يتقلَّب في مئة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كلُّ طورٍ منها في أربعين، ثمَّ بعد تكملتها ينفخ فيه الرُّوح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثَّلاثة من غير تقييدٍ بمدَّة في سورة الحج، وزاد في سورة المؤمنين بعد المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا
стр. 11508
الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] الآيةَ، ويؤخذ منها ومن حديث الباب أن تصير المضغةُ عظامًا بعد نفخ الرُّوح.
(فَإِذَا أَرَادَ اللهُ) (أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا) أي: يأذن فيها أو يُتمَّها (قَالَ: أَيْ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «يا» (رَبِّ ذَكَرٌ) ولأبي ذرٍّ: «أذكر» (أَمْ أُنْثَى) وفي حديث حذيفة بن أَسِيْد عند مسلم: «إذا مرَّ بالنُّطفة ثلاث وأربعون -وفي نسخة: ثنتان وأربعون ليلة- بعثَ الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلقَ سمعَها وبصرَها وجلدَها ولحمَها وعظمَها، ثمَّ قال: أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضِي ربُّك ما يشاء ويكتبُ المَلَك». وعند الفِريابيِّ عن حذيفة بن أَسيد: «إذا وقعت النُّطفة في الرَّحم، ثمَّ استقرَّت أربعين ليلة، قال (١): فيجيء ملك الرَّحم فيدخل، فيصوِّرُ له عظمَه ولحمَه وشعرَه وبشره وسمعه وبصره، ثمَّ يقول: أي ربِّ ذكرٌ أو أنثى؟ … » الحديثَ. وهذا -كما قال عياض- ليس على ظاهره؛ لأنَّ التَّصوير إنَّما يقع في آخر الأربعين الثالثة، فالمعنى في قولهِ: «فصوَّرها» كتب الله ذلك، ثمَّ يفعله بعدُ بدليل قولهِ بعد ذلك: «أذكر أم أنثى» (أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ، فَمَا الأَجَلُ، فَيُكْتَبُ) بصيغة المبنيِّ للمفعول، أي: فيكتب الملكُ (كَذَلِكَ) المذكور من الشَّقاء والسَّعادة والرِّزق والأجل على جبهتهِ أو رأسهِ مثلًا، وهو (فِي بَطْنِ أُمِّهِ).
وفي الحديث: إن خلق السَّمع والبصر يقعُ والجنين في بطنِ أمِّه، وهو محمولٌ جزمًا على الأعضاءِ، ثمَّ على القوَّة الباصرة والسَّامعة؛ لأنَّها مُودعة فيهما، وأمَّا الإدراك فالَّذي يترجَّح أنَّه يتوقَّف على زوال الحجابِ المانع. وقال المظهريُّ: إنَّ الله تعالى يحوِّل الإنسان في بطن أمِّه حالة بعد حالة مع أنَّه تعالى قادرٌ على أن يخلقه في لمحةٍ، وذلك أنَّ في التَّحويل فوائد وعبرًا؛ منها أنَّه لو خلقه دفعةً لشقَّ على الأمِّ؛ لأنَّها لم تكن معتادة (٢) لذلك، فجعل أولًا نطفة لتعتاد بها مدَّة، ثمَّ علقة مدَّة، وهلمَّ جرًّا إلى الولادةِ. ومنها إظهار قدرةِ الله تعالى ونعمتهِ ليعبدوه ويشكروا له حيث قلبهم من تلك الأطوارِ إلى كونهم (٣) إنسانًا حسن الصُّورة متحلِّيًا بالعقلِ والشَّهامة متزيِّنًا بالفهمِ والفطانةِ. ومنها إرشاد النَّاس وتنبيههم على كمالِ قدرتهِ على الحشرِ والنَّشر؛ لأنَّ من قدر على
стр. 11509
خلقِ الإنسان من ماءٍ مَهين، ثمَّ من علقةٍ ومضغةٍ مهيَّأة لنفخ الرُّوح فيه، يقدرُ على صيرورتهِ ترابًا ونَفْخِ الرُّوح فيه، وحشرِه في المحشر للحسابِ والجزاءِ.
(٢) (بابٌ) (١) بالتَّنوين في فرعِ «اليونينيَّة» كهي. قال الحافظُ ابن حجرٍ: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا باب، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا قولُ من لم يمسَّ شيئًا من الإعراب، والتَّنوين يكون في المعرَبِ، ولفظ «باب» هنا مفرد فكيف ينوَّن، والتَّقدير: هذا باب يذكر فيه (جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ) (٢)، وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الكِرْمانيَّ قد جوَّز (٣) في كلِّ ما لم يكن مضافًا التَّنوين والجزم على قصد السُّكون؛ لأنَّه للتَّعداد، وقد أكثر المصنِّفون من الفقهاءِ والعلماءِ حتَّى النُّحاة وغيرهم في تصانيفهم ذكر «باب» بغير إضافةٍ، وكذا ذكرُ «فصل» و «فرع»، و «تنبيه»، ونحو ذلك، وكلُّه يحتاج إلى تقديرٍ، وقول الشَّارح: «باب» هو بالتَّنوين لا يستلزم نفي التَّقدير، وقد سلَّم العينيُّ هذا المقدَّر فقال في «باب المحاربين» في (٤) قوله «بابٌ» بالتَّنوين لا يكون إلَّا بالتَّقدير؛ لأنَّ المعرَب هو جزءُ المركَّب، والمفردُ وحده لا ينوَّن. انتهى.
وجفافُ القلمِ كنايةٌ عن الفراغِ من الكتابةِ، فهو -كما قال الطِّيبيُّ- من إطلاقِ اللَّازم على الملزومِ؛ لأنَّ الفراغَ من الكتابةِ يستلزمُ جفافَ القلمِ عن مدادهِ مخاطبةً لنا بما نعهدُ، وقوله: على علمه أي: حكمهِ؛ لأنَّ معلومَهُ لا بدَّ أن يقعَ، فعلمُه بمعلومٍ (٥) يستلزمُ الحكم بوقوعهِ.
وفي حديث عبدِ الله بن عمر عند أحمد، وصحَّحه ابن حِبَّان من طريق عبدِ الله بن الدَّيلميِّ،
стр. 11510
عنه، مرفوعًا: «إنَّ الله خلقَ خلقهُ في ظلمةٍ، ثمَّ أَلقى عليهِم من نورِهِ، فمَن أصابَهُ مِن نورِهِ يومئذٍ اهتدَى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ» فلذلكَ (١) أقولُ: جفَّ القلمُ على علمِ الله، والقائلُ: «أقول» هو عبدُ الله بن عمر، كما عند أحمدَ وابنِ حبَّان من طريقٍ أُخرى عن ابنِ الدَّيلميِّ (٢).
ويذكر أنَّ عبدَ الله بنَ طاهر أمير خُراسان للمأمونِ سألَ الحسين بنَ الفضلِ عن قولهِ تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وقولهِ ﷺ : «جفَّ القلمُ» فقال: هي شُؤون يبدِيها لا شُؤون يبتدِيها، فقامَ إليه وقبَّل رأسه.
(وقولهِ) تعالى: (﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]) حالٌ من الجلالة، أي: كائنًا على علمٍ منه، أو حالٌ من المفعول، أي: أضلَّه وهو عالمٌ، وهذا أشنع له، فعلى الأوَّل المعنى: أضله الله تعالى على علمهِ في الأزلِ وهو حكمُه عند ظهورهِ، وعلى الثَّاني: أضلَّه بعد أن أعلمَه وبيَّن له فلم يقبلْ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ممَّا وصله المؤلِّف في أوائل «النِّكاح» [خ¦٥٠٧٦] (قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) وعند الطَّبرانيِّ من حديثِ ابن عبَّاس: «واعلمْ أنَّ القلمَ قدْ جفَّ بما هوَ كائنٌ»، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند الفِريابيِّ: «رُفِع الكتابُ وجفَّ القلمُ».
(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ في تفسير قولهِ تعالى: (﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾) من قولهِ تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ممَّا وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه، أي: (سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) أي: يرغبون في الطَّاعات، فيبادرُونها بما سبقَ لهم من السَّعادة بتقديرِ الله، وقال (٣) الكِرْمانيُّ: فإن قلت: تفسير ابن عبَّاس يدلُّ على أنَّ السَّعادة (٤) سابقة، والآية على أنَّ السَّعادة مسبوقةٌ؟ وأجابَ بأنَّ معنى الآية: أنَّهم سبقوا لأجلِ السَّعادة لا أنَّهم سَبقوا السَّعادة.
стр. 11511
٦٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (الرِّشْكُ) بكسر الراء وسكون المعجمة والكاف، رُفِع صفة لـ «يزيدَ» لُقِّب به، قيل: لكِبَر لحيتهِ وهو بالفارسيَّة، ويقال: إنَّه بلغ من طولِ لحيتهِ إلى أن دخلتْ فيها عقربٌ، ومكثت ثلاثة أيامٍ لا يدري بها. ورجَّح في الفتح قول أبي حاتم الرَّازيِّ أنَّه كان غيورًا، فقيل له: ارشك بالفارسيَّة فمضى عليه الرِّشك. وقال الكِرْمانيُّ: هو بالفارسيَّة القَمْل الصَّغير الملتصق بأصولِ شعرِ اللِّحية (قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بكسر الراء المشدَّدة (ابْنِ الشِّخِّيرِ) بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين (يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو عمران بنُ حُصين، كما بيَّنه مسدَّد في «مسنده» (يَا رَسُولَ اللهِ (١) أَيُعْرَفُ) بفتح الهمزة وضم التحتية وفتح الراء (أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟) أي: أيميَّز ويفرَّقُ بينهما بحسب قضاءِ الله وقدرهِ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ. قَالَ) عمران: يا رسول الله (فَلِمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ)؟ أي: إذا سبق القلمُ بذلك، فلا يحتاجُ العامل إلى العملِ؛ لأنَّه سيصيرُ إلى ما قدِّر له (قَالَ) ﷺ : (كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا) للَّذي (خُلِقَ لَهُ) بضم الخاء وكسر اللام (ولِمَا) بالواو المفتوحة، وفي «الفتح»: «أو لِمَا» (يُسِّرَ لَهُ) بضم أوله وكسر السِّين المهملة المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ييسَّرُ له» بتحتيَّتين وفتح السِّين، فعلى المكلَّف أنْ يدأبَ في الأعمالِ الصَّالحة، فإنَّ عملَه أمارة إلى ما يؤولُ إليهِ أمره غالبًا، وربُّك يفعلُ ما يشاءُ، فالعبدُ مِلْكه يتصرَّف فيه بما شاءَ، لا يسألُ عمَّا يفعل لا إله إلَّا هو عليه توكَّلت وبوجههِ الكريم أستجيرُ من عذابهِ الأليم، وأسألهُ جنَّات النَّعيم إنَّه الجوادُ الرَّحيم، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى (٢) آله وصحبه وسلِّم أفضل الصَّلاة وأتمَّ (٣) التَّسليم.
وهذا الحديث أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥١]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
стр. 11512
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا) أي: أولاد المشركين (عَامِلِينَ).
٦٥٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدَار العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الباء (١) الموحدة وسكون المعجمة، جعفرِ بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريِّ الواسطيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم السِّين وكسر الهمزة (عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ) أي: أيدخلون الجنَّة؟ (فَقَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) فيه إشعارٌ بالتَّوقُّف، أي: إنَّه علم أنَّهم لا يعملون ما يقتضِي تعذيبَهم ضرورةَ أنَّهم غيرُ مكلَّفين، وقيل: قال ذلك قبل أن يعلمَ أنَّهم من أهلِ الجنَّة، وفي حديث عائشة عندَ أبي داود وأحمدَ أنَّها قالت: قلتُ: «يا رسولَ الله ذرارِي المسلمين … » الحديثَ. وعند عبدِ الرَّزَّاق بسندٍ فيه ضعيفٌ (٢) عن عائشةَ أيضًا: «سألتْ خديجةُ النَّبيَّ ﷺ عن أولادِ المشركين» ففيه التَّصريح بالسَّائل.
والحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٣٨٣].
٦٥٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبهُ لجدِّه، واسمُ أبيه عبدُ الله المخزوميُّ مولاهُم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد والعطفِ على محذوفٍ كأنَّه حدَّثَ قبل ذلك بشيءٍ، ثمَّ قال: «وأخبرني» (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) اللَّيثيُّ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ:
стр. 11513
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّْ المُشْرِكِينَ) بفتح الذال المعجمة والراء وبعد الألف راء أخرى مكسورة وتشديد التحتية وتخفَّف، أي: أولادهم الَّذين لم يبلغُوا الحلم (فَقَالَ) ﷺ : (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أي: إنَّ الله يعلمُ ما لا يكون أنْ لو كان كيفَ يكون، فأحرَى أن يعلمَ ما يكون وما قدَّره وقضاهُ في كونهِ، وهذَا يقوِّي مذهبَ أهل السُّنَّة أنَّ القَدَر هو علمُ الله وغيبه الَّذي استأثر، فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقهِ.
٦٥٩٩ - ٦٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ: «إسحاق بن إبراهيم». قال في «فتح الباري»: هو ابنُ رَاهُوْيَه. واعترضَه العينيُّ فقال: جوَّز الكلاباذيُّ أن يكون ابنَ إبراهيمَ بنِ نصر السَّعديَّ، وإسحاقَ بنِ إبراهيم الحنظليَّ، وإسحاقَ بنِ إبراهيم الكوسجَ، فالجزمُ بأنَّه ابن رَاهُوْيَه مِن أين؟ وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه من القرينةِ الظَّاهرة في قولهِ: «أخبرنا» فإنَّه لا يقول «حَدَّثنا» كما أنَّ إسحاق بن منصور الكوسج يقول: «حدَّثنا» ولا يقول: «أخبرنَا» وهذا يعرف بالاستقراءِ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الميم المشددة، ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، ففيه القابليَّة للدِّين الحقِّ، فلو تُركَ وطبعَه لَمَا اختارَ دينًا غيره، و «ما مِن مولودٍ» مبتدأٌ، و «يولد» خبرُه؛ لأنَّ «مِن» الاستغراقيَّة في سياق النَّفي تفيدُ العموم كقولك (٢): ما أحدٌ خيرٌ منك، والتَّقدير هنا: ما مِن مولودٍ يُولد (٣) على أمرٍ من الأمورِ إلَّا على الفطرةِ (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ) يجعلانه يهوديًّا إذا كانا من اليهودِ (وَيُنَصِّرَانِهِ) يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا من النَّصارى، والفاء في «فأبواه» للتَّعقيب أو للتَّسبُّب (٤) أي: إذا تقرَّر ذلك فمَن تغيَّر كان
стр. 11514
بسببِ أبيه (كَمَا) حالٌ من الضَّمير المنصوب في «يهودانهِ» مثلًا، أي: يهودان المولودَ بعد أن خُلِق على الفطرةِ، كما (تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ) سليمةً، بضم الفوقية الأولى وكسر الثانية بينهما نون ساكنة وضم الجيم، من الإنتاج، يقال: أنتجتِ النَّاقة، إذا أعنتَها على النِّتاج، وقال في «المغرب»: نتَجَ النَّاقة يُنْتِجها نتجًا، إذا وليَ نِتَاجها حتَّى وضعَتْ فهو ناتِجٌ، وهو للبهائمِ كالقابلةِ للنِّساء، أو «كما» صفةُ مصدر (١) محذوف، أي: يغيِّرانه تغييرًا مثل تغييرِهم البهيمةَ السَّليمة، فـ «يُهوِّدانه» و «ينصِّرانه» تنازعًا في «كما» على التَّقديرين (هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا) في البهيمةِ (مِنْ جَدْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والمدِّ، مقطوعةَ الأطرافِ أو أَحَدِها (٢) في موضعِ الحال على التَّقديرين، أي: بهيمة سليمةً مقولًا في حقِّها هذا القول، وفيه نوع من التَّأكيد؛ يعني: أنَّ كلَّ من نظرَ إليها قال هذا القولَ لسلامتِها (حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا) بفتح الفوقيَّة والدال المهملة بينهما جيم ساكنة، أي: تقطعونَ أطرافَها أو شيئًا منها، وشبَّه بالمحسوسِ المشاهدِ؛ ليفيدَ أنَّ ظهوره بلغَ في الكشفِ والبيان مبلغَ هذا المحسوسِ المشاهدِ، ومحصّله: أنَّ العالَم إمَّا عالَمُ الغيب أو عالَم الشَّهادة، فإذا نُزِّلَ الحديثُ على عالَمِ الغيب أشكل معناهُ، وإذا صُرف إلى عالَم الشَّهادة سهل تَعاطيه، فإذا نظرَ النَّاظر إلى المولودِ نفسه من غير اعتبار عالم الغيب، وأنَّه ولدَ على الفطرةِ من الاستعدادِ للمعرفةِ وقبول الحقِّ والتَّأبِّي عن الباطلِ، والتَّمييز بين الخطأِ والصَّواب حَكَمَ بأنَّه لو تركَ علَى ما هو عليهِ ولم يعتورْه من الخارجِ ما يصدُّه، استمرَّ على ما هو عليهِ من الفطرةِ السَّليمةِ، وانظرْ قتلَ الخضرِ الغلامَ؛ إذ كان باعتبارِ النَّظر إلى عالَم الغيبِ، وإنكار موسى عليه (٣) كان باعتبارِ عالَم الشَّهادة وظاهرِ الشَّرع، فلمَّا اعتذرَ الخضرُ بالعلمِ الخفيِّ الغائبِ أمسك موسى ﵇ عن الإنكارِ، فلا عبرةَ بالإيمان الفطريِّ في أحكامِ الدُّنيا، وإنَّما يعتبرُ الإيمان الشَّرعيُّ المكتسب بالإرادةِ والفعلِ. انتهى. ملخّصًا من «شرح المشكاة».
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَرَأَيْتَ) أي: أخبرنا، من إطلاق السَّبب على المسبَّب؛ لأنَّ مشاهدةَ الأشياءِ طريقٌ إلى الإخبارِ عنها، والهمزة فيه مقرِّرة، أي: قد رأيت ذلك فأخبرنَا (مَنْ يَمُوتُ
стр. 11515
وَهْوَ صَغِيرٌ) لم يبلغِ الحلم أيدخل الجنة؟ (قَالَ) ﷺ : (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ). قال البيضاويُّ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ الثَّواب والعقاب لا لأجلِ الأعمالِ، وإلَّا لزم أن (١) يكون ذرارِي المسلمين والكافرين لا من أهلِ الجنَّة ولا من أهلِ النَّار، بل الموجبُ لهما اللُّطف الرَّبانيُّ، والخذلان الإلهيُّ المقدَّر لهما في الأزلِ، فالأَولى فيهما التَّوقف وعدم الجزمِ بشيءٍ، فإنَّ أعمالَهم موكولةٌ إلى علمِ الله فيما يعودُ إلى أمرِ الآخرةِ من الثَّواب والعقابِ. وقال النَّوويُّ: أجمعَ من يعتبرُ (٢) به من علماءِ المسلمين أنَّ من مات من أطفالِ المسلمين فهو من أهلِ الجنَّة؛ لأنَّه ليس مكلَّفًا، وتوقَّفَ فيهم بعضُ من لا يُعتدُّ به لحديث (٣) عائشةَ في مسلم أنَّه ﷺ دُعي لجنازةِ صبيٍّ من الأنصار فقلتُ: طُوبى لهذا، عصفورٌ من عصافيرِ الجنَّة لم يعملِ السُّوء ولم يدركْه، فقال: «أو غيرَ ذلكَ يا عائشة، إنَّ الله خلقَ للجنَّة أهلًا خلقَهُم لها وهُم فِي أصلابِ آبائهِم، وخلقَ للنَّار أهلًا خلقَهُم لهَا وهُم فِي أصلابِ آبائهِم».
وأجابوا عن هذا بأنَّه لعلَّه ﷺ نهاها عن المسارعةِ إلى القطعِ من غير أن يكونَ عندها دليلٌ قاطعٌ، أو أنَّه ﷺ قال هذا قبلَ أن يعلمَ أنَّ أطفالَ المسلمين (٤) في الجنَّة، وأمَّا أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مَذاهب: فالأكثرونَ على أنَّهم في النَّار، وتوقَّفت طائفةٌ، والثَّالث وهو الصَّحيح أنَّهم من أهل الجنَّة.
والحديث سبق في «الجنائز»، وفيه: «أو يمجِّسانه» [خ¦١٣٨٥]، وأخرجه مسلم (٥) في «القدرِ»، والله الموفِّق.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في «اليونينيَّة» أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ﴾) الَّذي يريد أن يكونَه (﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]) قضاءً مقضيًّا، وحُكْمًا مبتوتًا لا محيدَ عنه، فما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكنْ.
стр. 11516
٦٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ) في «باب الشروط التي لا تحلّ في النِّكاح» من كتابه: «لا يحلُّ لامرأةٍ تسأل» [خ¦٥١٥٢] (طَلَاقَ أُخْتِهَا) من نسبٍ أو رضاعٍ أو دينٍ أو في البشريَّة فيعمُّ، لكن عند ابن حبَّان عن أبي هُريرة: «لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها، فإنَّ المسلمةَ أختُ المسلمة» (لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا) تجعلُها فارغةً لتفوزَ بحظِّها (وَلْتَنْكِحْ) بإسكان اللام والجزم، أي: ولتنكح هذه المرأةُ من خطبَها. وقال الطِّيبيُّ: «ولتنكحْ» عطفٌ على «لتستفرغَ» وكلاهما علَّةٌ للنَّهي، أي: لا تسأل طلاقَ أختهَا لتستفرغَ صحفتَها وتنكحَ زوجَها، نهى المرأةَ أن تسألَ الرَّجل طلاق زوجتهِ لينكحَها ويصير لها من نفقته ومعاشرتهِ ما كان للمطلَّقة، فعبَّر عن ذلك باستفراغِ الصَّفحة مجازًا، ولْتَنْكحِ الزَّوجَ المذكور من غيرِ أن تشترطَ طلاق الَّتي قبلَها (فَإِنَّ لَهَا) للَّتي تسألُ طلاقَ أختِها (مَا قُدِّرَ لَهَا) أي: لن يعدوَ ذلك ما قُسِمَ لها ولن تستزيدَ به شيئًا. وقال أبو عمر بنُ عبد البرِّ: هذا الحديث من أحسنِ أحاديث القدَر عند أهلِ العلم؛ لما دلَّ عليه من أنَّ الزَّوج لو أجابَها وطلَّق من تظنُّ أنَّها تزاحمُها في رزقِها، فإنَّه لا يحصلُ لها من ذلك إلَّا ما كتب الله لها، سواء أجابهَا أم لم يجبْها.
والحديث سبق في «النِّكاح» [خ¦٥١٥٢].
٦٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ
стр. 11517
(عَنْ أُسَامَةَ) بن زيد بنِ حارثةَ ﵁ (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ) هي زينبُ كما عندَ ابن أبي شيبة، ولم يسمَّ الرَّسول (وَعِنْدَهُ سَعْدٌ) هو ابنُ عبادة (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ) هو ابنُ جبل (أَنَّ ابْنَهَا) عليَّ بن أبي العاص بن الرَّبيع (يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي: في سياقِ الموت.
واستُشكلَ كونه عليَّ بن أبي العاص مع قولهِ في آخر الحديثِ كما في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] «فرُفِعَ إلى رسولِ الله ﷺ الصَّبيُّ» بأنَّ المذكور عاش إلى أنْ ناهزَ الحلمَ فلا يقال فيه: صبيٌّ عرفًا، فيحتملُ أن يكون عبد الله بن عثمان بن عفَّان من رقيَّة بنت النَّبيِّ ﷺ ، فعند البلاذُريِّ في «الأنساب» أنَّه لما توفِّي وضعه النَّبيُّ ﷺ في حجرهِ، وقال: «إنَّما يرحمُ الله مِن عبادِهِ الرُّحماء»، أو هو مُحْسِنٌ كما عند البزَّار من حديث أبي هُريرة «لمَّا ثقُل ابنٌ لفاطمة فبعثتْ إلى النَّبيِّ ﷺ … » فذكر نحو حديث الباب، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤].
(فَبَعَثَ) ﷺ (إِلَيْهَا) يُقرِئها السلام، ويقول: (لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى) أي: الَّذي أراد أن يأخذَه هو الَّذي كان أعطاهُ، فإنْ أَخَذهُ أخذَ ما هو له، و (١) «ما» مصدريَّة، أي: لله الأخذُ والإعطاء (كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) يجوز أن يكون أمرًا للغائبِ المؤنَّث أو الحاضر على قراءةِ من قرأَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] بالمثناة الفوقية على الخطاب، وهي قراءة رويس. قال الزَّمخشريُّ: وهي الأصلُ والقياس. وقال أبو حيان: إنَّها لغة قليلة؛ يعني: أنَّ القياسَ أن يؤمرَ المخاطب بصيغة افعل، وبهذا الأصل قرأ أُبيٌّ: (فافرحوا) موافقة لمصحفه، وهذه قاعدةٌ كلِّيَّةٌ، وهي أنَّ الأمر باللَّام يكثرُ في الغائبِ، والمخاطبِ المبنيِّ للمفعول، مثال الأوَّل: ليقم زيد، وكالآية الكريمة، ومثال الثَّاني: لِتُعْنَ بحاجتي، لا إن (٢) كان مبنيًّا للفاعلِ كقراءة رويس هذهِ، بل الكثير في هذا النَّوعِ الأمرُ بصيغةِ افعل، نحو: قم يا زيد، وقوموا، وكذلك (٣) يضعُفُ الأمر باللَّام للمتكلِّم وحده، أو ومعه (٤) غيره، نحو: لأقُمْ، تأمرُ نفسَك بالقيامِ، ومثال الثَّاني: لنقمْ، أي: نحن، وكذلك النَّهي، والمرادُ بالاحتساب: أنْ تجعلَ الولد في حسابهِ لله، فتقولُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون، وهو معنى قولهِ السَّابق: «للهِ ما أخذَ ولله ما أَعْطى».
стр. 11518
٦٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) وفي «اليونينية»: «أخبرنَا» (يُونُسُ) بن يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها راء فتحتية أخرى فزاي (الجُمَحِيُّ) بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة بعدها تحتيَّة مشددة (أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بينا» (هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ رَجُلٌ مِنِ الأَنْصَارِ) هو أبو صِرْمَة بن قَيس، أو هو أبو سعيد كما عند المصنِّف (١) في «المغازي» [خ¦٤١٣٨] أو مجزيُّ (٢) بن عمرو الضَّمريُّ كما عند ابن مندهْ في «المعرفة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نُصِيبُ) في المغازِي (سَبْيًا) أي: جوارِي مسبيَّاتٍ (وَنُحِبُّ المَالَ، كَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ؟) وهو أن يجامعَ فإذا قاربَ الإنزال نزعَ وأنزلَ خارج الفرجِ، وهو مكروهٌ عندنا؛ لأنَّه طريقٌ إلى قطعِ النَّسل، ولذا وردَ: «العزلُ الوأدُ الخفيُّ». نعم قال أصحابُنا: لا يحرمُ في مملوكتهِ ولا زوجتهِ الأمة سواء رضيتْ أم لا؛ لأنَّ عليه ضررًا في مملوكتهِ بأن يصيِّرها أمَّ ولدٍ لا يجوز بيعها، وفي زوجته الرَّقيقة يصيرُ الولد (٣) رقيقًا تبعًا لأمِّه، أمَّا زوجتهُ الحرَّة فإن أذنتْ فيه لم يحرمْ، وإلَّا فوجهان أصحَّهما لا يحرمُ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ إِنَّكُمْ) بفتح الواو وكسر الهمزة بعدها (تَفْعَلُونَ) ولأبي ذرٍّ: «لتفعلون» (ذَلِكَ) العزل (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا) ولأبي ذرٍّ: «أن تفعلوا» (٤) أي: لا بأس عليكم أن تفعلوا، و «لا» مزيدةٌ فيجوزُ
стр. 11519
العزل، أو غير زائدة فهو نهيٌ عنه، وقال: «لا» لمَّا سألوه، وقولُهُ: «عليكم أن لا تفعلوا» كلامٌ مستأنفٌ مؤكِّدٌ له (فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ) بفتح النون والمهملة والميم، نفسٌ (كَتَبَ اللهُ) ، أي: قدّر (أَنْ تَخْرُجَ) من العدمِ إلى الوجودِ (إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ).
٦٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) أبو حذيفة النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بنِ اليمان (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا) في الخطبة (شَيْئًا) هو كائنٌ من الأمور المقدَّرة (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) ولمسلمٍ من رواية جريرٍ عن الأعمش: «حفظَهُ من حفظَهُ ونسيَهُ من نسيَهُ» (إِنْ كُنْتُ) هي المخفَّفة من الثَّقيلة (لأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ) بفتح همزة «لأَرى» وحذف المفعول من «نسيتُ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «نسيتُه ثمَّ أتذكره» (فَأَعْرِفُ) ولأبي ذرٍّ: «فأعرفُه» (مَا) وفي نسخة: «كما» (يَعْرِفُ الرَّجُلُ) أي: الرَّجلَ، فحذف المفعول، وفي روايةٍ بإثباته (إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ) وعند الإسماعيليِّ من رواية محمد بن يوسف، عن سفيان: «كما يعرفُ الرَّجلُ وجهَ الرَّجل غابَ عنه، ثمَّ رآهُ فعرفَه» أي: الَّذي كان غاب عنه فنسِيَ صورتَه، ثمَّ إذا رآهُ عرفَه.
والحديث أخرجه مسلم في «العتق»، وأبو داود (١).
٦٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبدِ الله بن عثمانَ بنِ جبلة العتكيُّ المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمد بن ميمون السُّكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ سَعْدِ بْنِ
стр. 11520
عُبَيْدَةَ) بضم العين وسكونها (١) في الأوَّل، السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنْ) ضمرة (٢) (أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بنِ حبيبٍ التَّابعيِّ الكبير (السُّلَمِيِّ) بضم السين وفتح اللَّام (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي «الجنائز» في «موعظة المحدِّث عند القبر» [خ¦١٣٦٢] من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة: «كنَّا في جنازةٍ في بقيعِ الغرقدِ، فأتانا رسولُ الله ﷺ فقعدَ وقعدنَا حوله» (وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ) بفتح التحتية وسكون النون وبعد الكاف المضمومة مثناة فوقية، أي: يضربُ به (فِي الأَرْضِ) كما هي عادةُ من يتفكَّر في شيءٍ يُهمه (وَقَالَ) بالواو وسقطَتْ لأبي ذرٍّ، وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦٢] «ثمَّ قال»: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) وزاد في رواية منصورٍ: «مَا مِن نفسٍ منفوسَةٍ» (٣) (إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ) موضع قعوده (مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ) فـ «أو» للتَّنويع، أو بمعنى الواو، ويؤيِّده رواية منصورٍ: «إلَّا كتبَ مكانُها من الجنَّة والنَّار» [خ¦١٣٦٢] وفي رواية سفيان: «إلَّا وقدْ كتبَ مقعده من الجنَّة، ومقعده من النَّار» [خ¦٤٩٤٥] وفي حديث ابن عمر عند المؤلِّف [خ¦٦٥١٥] الدَّلالةُ على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدَين (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) في مسلم أنَّه سُرَاقة بنُ مالك ابنِ جُعْشم: (أَلَا) بالتَّخفيف (نَتَّكِلُ) أي: نعتمدُ، زاد منصور: «على كتابنَا وندعُ العملَ» (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (لَا) تتركوا العملَ بل (اعْمَلُوا) امتثالًا لأمرِ المولى، وعبوديَّةً له في قولهِ (٤) تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) بفتح السين المشددة، زاد في رواية شعبة، عن الأعمشِ -السَّابقة في «سورة اللَّيل» -: «لِمَا خُلِقَ له» [خ¦٤٩٤٩] (ثُمَّ قَرَأَ) ﷺ : (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الاية [الليل: ٥]).
قال الخطابيُّ ﵀: إنَّ قولَ الصَّحابيِّ هذا مطالبةٌ بأمرٍ يوجبُ تعطيلَ العبوديَّة، فلم يرخِّص له ﷺ ؛ لأنَّ إخبارَ الرَّسول ﷺ عن سابقِ الكتابِ إخبارٌ عن غيبِ علمِ الله تعالى فيهم، وهو حجَّة عليهم، فرام أن يتَّخذه حجَّة لنفسهِ في تركِ العملِ، فأعلمَه ﷺ أنَّ ههنا أمرين محكمين لا يبطُلُ (٥) أحدُهما بالآخر: باطنٌ وهو الحكمة الموجبةُ في حكمِ الرُّبوبيَّة،