٦٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ) في «باب الشروط التي لا تحلّ في النِّكاح» من كتابه: «لا يحلُّ لامرأةٍ تسأل» [خ¦٥١٥٢] (طَلَاقَ أُخْتِهَا) من نسبٍ أو رضاعٍ أو دينٍ أو في البشريَّة فيعمُّ، لكن عند ابن حبَّان عن أبي هُريرة: «لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها، فإنَّ المسلمةَ أختُ المسلمة» (لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا) تجعلُها فارغةً لتفوزَ بحظِّها (وَلْتَنْكِحْ) بإسكان اللام والجزم، أي: ولتنكح هذه المرأةُ من خطبَها. وقال الطِّيبيُّ: «ولتنكحْ» عطفٌ على «لتستفرغَ» وكلاهما علَّةٌ للنَّهي، أي: لا تسأل طلاقَ أختهَا لتستفرغَ صحفتَها وتنكحَ زوجَها، نهى المرأةَ أن تسألَ الرَّجل طلاق زوجتهِ لينكحَها ويصير لها من نفقته ومعاشرتهِ ما كان للمطلَّقة، فعبَّر عن ذلك باستفراغِ الصَّفحة مجازًا، ولْتَنْكحِ الزَّوجَ المذكور من غيرِ أن تشترطَ طلاق الَّتي قبلَها (فَإِنَّ لَهَا) للَّتي تسألُ طلاقَ أختِها (مَا قُدِّرَ لَهَا) أي: لن يعدوَ ذلك ما قُسِمَ لها ولن تستزيدَ به شيئًا. وقال أبو عمر بنُ عبد البرِّ: هذا الحديث من أحسنِ أحاديث القدَر عند أهلِ العلم؛ لما دلَّ عليه من أنَّ الزَّوج لو أجابَها وطلَّق من تظنُّ أنَّها تزاحمُها في رزقِها، فإنَّه لا يحصلُ لها من ذلك إلَّا ما كتب الله لها، سواء أجابهَا أم لم يجبْها.
والحديث سبق في «النِّكاح» [خ¦٥١٥٢].
٦٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ
стр. 11517
(عَنْ أُسَامَةَ) بن زيد بنِ حارثةَ ﵁ (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ) هي زينبُ كما عندَ ابن أبي شيبة، ولم يسمَّ الرَّسول (وَعِنْدَهُ سَعْدٌ) هو ابنُ عبادة (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ) هو ابنُ جبل (أَنَّ ابْنَهَا) عليَّ بن أبي العاص بن الرَّبيع (يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي: في سياقِ الموت.
واستُشكلَ كونه عليَّ بن أبي العاص مع قولهِ في آخر الحديثِ كما في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] «فرُفِعَ إلى رسولِ الله ﷺ الصَّبيُّ» بأنَّ المذكور عاش إلى أنْ ناهزَ الحلمَ فلا يقال فيه: صبيٌّ عرفًا، فيحتملُ أن يكون عبد الله بن عثمان بن عفَّان من رقيَّة بنت النَّبيِّ ﷺ ، فعند البلاذُريِّ في «الأنساب» أنَّه لما توفِّي وضعه النَّبيُّ ﷺ في حجرهِ، وقال: «إنَّما يرحمُ الله مِن عبادِهِ الرُّحماء»، أو هو مُحْسِنٌ كما عند البزَّار من حديث أبي هُريرة «لمَّا ثقُل ابنٌ لفاطمة فبعثتْ إلى النَّبيِّ ﷺ … » فذكر نحو حديث الباب، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤].
(فَبَعَثَ) ﷺ (إِلَيْهَا) يُقرِئها السلام، ويقول: (لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى) أي: الَّذي أراد أن يأخذَه هو الَّذي كان أعطاهُ، فإنْ أَخَذهُ أخذَ ما هو له، و (١) «ما» مصدريَّة، أي: لله الأخذُ والإعطاء (كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) يجوز أن يكون أمرًا للغائبِ المؤنَّث أو الحاضر على قراءةِ من قرأَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] بالمثناة الفوقية على الخطاب، وهي قراءة رويس. قال الزَّمخشريُّ: وهي الأصلُ والقياس. وقال أبو حيان: إنَّها لغة قليلة؛ يعني: أنَّ القياسَ أن يؤمرَ المخاطب بصيغة افعل، وبهذا الأصل قرأ أُبيٌّ: (فافرحوا) موافقة لمصحفه، وهذه قاعدةٌ كلِّيَّةٌ، وهي أنَّ الأمر باللَّام يكثرُ في الغائبِ، والمخاطبِ المبنيِّ للمفعول، مثال الأوَّل: ليقم زيد، وكالآية الكريمة، ومثال الثَّاني: لِتُعْنَ بحاجتي، لا إن (٢) كان مبنيًّا للفاعلِ كقراءة رويس هذهِ، بل الكثير في هذا النَّوعِ الأمرُ بصيغةِ افعل، نحو: قم يا زيد، وقوموا، وكذلك (٣) يضعُفُ الأمر باللَّام للمتكلِّم وحده، أو ومعه (٤) غيره، نحو: لأقُمْ، تأمرُ نفسَك بالقيامِ، ومثال الثَّاني: لنقمْ، أي: نحن، وكذلك النَّهي، والمرادُ بالاحتساب: أنْ تجعلَ الولد في حسابهِ لله، فتقولُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون، وهو معنى قولهِ السَّابق: «للهِ ما أخذَ ولله ما أَعْطى».
стр. 11518
٦٦٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) وفي «اليونينية»: «أخبرنَا» (يُونُسُ) بن يزيدَ الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها راء فتحتية أخرى فزاي (الجُمَحِيُّ) بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة بعدها تحتيَّة مشددة (أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بينا» (هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ رَجُلٌ مِنِ الأَنْصَارِ) هو أبو صِرْمَة بن قَيس، أو هو أبو سعيد كما عند المصنِّف (١) في «المغازي» [خ¦٤١٣٨] أو مجزيُّ (٢) بن عمرو الضَّمريُّ كما عند ابن مندهْ في «المعرفة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نُصِيبُ) في المغازِي (سَبْيًا) أي: جوارِي مسبيَّاتٍ (وَنُحِبُّ المَالَ، كَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ؟) وهو أن يجامعَ فإذا قاربَ الإنزال نزعَ وأنزلَ خارج الفرجِ، وهو مكروهٌ عندنا؛ لأنَّه طريقٌ إلى قطعِ النَّسل، ولذا وردَ: «العزلُ الوأدُ الخفيُّ». نعم قال أصحابُنا: لا يحرمُ في مملوكتهِ ولا زوجتهِ الأمة سواء رضيتْ أم لا؛ لأنَّ عليه ضررًا في مملوكتهِ بأن يصيِّرها أمَّ ولدٍ لا يجوز بيعها، وفي زوجته الرَّقيقة يصيرُ الولد (٣) رقيقًا تبعًا لأمِّه، أمَّا زوجتهُ الحرَّة فإن أذنتْ فيه لم يحرمْ، وإلَّا فوجهان أصحَّهما لا يحرمُ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوَ إِنَّكُمْ) بفتح الواو وكسر الهمزة بعدها (تَفْعَلُونَ) ولأبي ذرٍّ: «لتفعلون» (ذَلِكَ) العزل (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا) ولأبي ذرٍّ: «أن تفعلوا» (٤) أي: لا بأس عليكم أن تفعلوا، و «لا» مزيدةٌ فيجوزُ
стр. 11519
العزل، أو غير زائدة فهو نهيٌ عنه، وقال: «لا» لمَّا سألوه، وقولُهُ: «عليكم أن لا تفعلوا» كلامٌ مستأنفٌ مؤكِّدٌ له (فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ) بفتح النون والمهملة والميم، نفسٌ (كَتَبَ اللهُ) ، أي: قدّر (أَنْ تَخْرُجَ) من العدمِ إلى الوجودِ (إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ).
٦٦٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ) أبو حذيفة النَّهديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بنِ اليمان (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا) في الخطبة (شَيْئًا) هو كائنٌ من الأمور المقدَّرة (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) ولمسلمٍ من رواية جريرٍ عن الأعمش: «حفظَهُ من حفظَهُ ونسيَهُ من نسيَهُ» (إِنْ كُنْتُ) هي المخفَّفة من الثَّقيلة (لأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ) بفتح همزة «لأَرى» وحذف المفعول من «نسيتُ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «نسيتُه ثمَّ أتذكره» (فَأَعْرِفُ) ولأبي ذرٍّ: «فأعرفُه» (مَا) وفي نسخة: «كما» (يَعْرِفُ الرَّجُلُ) أي: الرَّجلَ، فحذف المفعول، وفي روايةٍ بإثباته (إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ) وعند الإسماعيليِّ من رواية محمد بن يوسف، عن سفيان: «كما يعرفُ الرَّجلُ وجهَ الرَّجل غابَ عنه، ثمَّ رآهُ فعرفَه» أي: الَّذي كان غاب عنه فنسِيَ صورتَه، ثمَّ إذا رآهُ عرفَه.
والحديث أخرجه مسلم في «العتق»، وأبو داود (١).
٦٦٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبدِ الله بن عثمانَ بنِ جبلة العتكيُّ المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمد بن ميمون السُّكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ سَعْدِ بْنِ
стр. 11520
عُبَيْدَةَ) بضم العين وسكونها (١) في الأوَّل، السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنْ) ضمرة (٢) (أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بنِ حبيبٍ التَّابعيِّ الكبير (السُّلَمِيِّ) بضم السين وفتح اللَّام (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي «الجنائز» في «موعظة المحدِّث عند القبر» [خ¦١٣٦٢] من طريق منصور، عن سعد بن عبيدة: «كنَّا في جنازةٍ في بقيعِ الغرقدِ، فأتانا رسولُ الله ﷺ فقعدَ وقعدنَا حوله» (وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ) بفتح التحتية وسكون النون وبعد الكاف المضمومة مثناة فوقية، أي: يضربُ به (فِي الأَرْضِ) كما هي عادةُ من يتفكَّر في شيءٍ يُهمه (وَقَالَ) بالواو وسقطَتْ لأبي ذرٍّ، وفي «الجنائز» [خ¦١٣٦٢] «ثمَّ قال»: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) وزاد في رواية منصورٍ: «مَا مِن نفسٍ منفوسَةٍ» (٣) (إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ) موضع قعوده (مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الجَنَّةِ) فـ «أو» للتَّنويع، أو بمعنى الواو، ويؤيِّده رواية منصورٍ: «إلَّا كتبَ مكانُها من الجنَّة والنَّار» [خ¦١٣٦٢] وفي رواية سفيان: «إلَّا وقدْ كتبَ مقعده من الجنَّة، ومقعده من النَّار» [خ¦٤٩٤٥] وفي حديث ابن عمر عند المؤلِّف [خ¦٦٥١٥] الدَّلالةُ على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدَين (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) في مسلم أنَّه سُرَاقة بنُ مالك ابنِ جُعْشم: (أَلَا) بالتَّخفيف (نَتَّكِلُ) أي: نعتمدُ، زاد منصور: «على كتابنَا وندعُ العملَ» (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (لَا) تتركوا العملَ بل (اعْمَلُوا) امتثالًا لأمرِ المولى، وعبوديَّةً له في قولهِ (٤) تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) بفتح السين المشددة، زاد في رواية شعبة، عن الأعمشِ -السَّابقة في «سورة اللَّيل» -: «لِمَا خُلِقَ له» [خ¦٤٩٤٩] (ثُمَّ قَرَأَ) ﷺ : (﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الاية [الليل: ٥]).
قال الخطابيُّ ﵀: إنَّ قولَ الصَّحابيِّ هذا مطالبةٌ بأمرٍ يوجبُ تعطيلَ العبوديَّة، فلم يرخِّص له ﷺ ؛ لأنَّ إخبارَ الرَّسول ﷺ عن سابقِ الكتابِ إخبارٌ عن غيبِ علمِ الله تعالى فيهم، وهو حجَّة عليهم، فرام أن يتَّخذه حجَّة لنفسهِ في تركِ العملِ، فأعلمَه ﷺ أنَّ ههنا أمرين محكمين لا يبطُلُ (٥) أحدُهما بالآخر: باطنٌ وهو الحكمة الموجبةُ في حكمِ الرُّبوبيَّة،
стр. 11521
وظاهرٌ وهو السِّمة اللَّازمة في حقِّ العبوديَّة، وهي أمارَةٌ ومُخَيَّلةٌ غيرُ مفيدةٍ حقيقةَ العلم، ويشبهُ أن يكون -والله أعلم- إنَّما عوملوا بهذه المعاملةِ وتُعبِّدوا بهذا التَّعبُّد؛ ليتعلَّق خوفُهم ورجاؤهُم بالباطنِ، وذلك من صفةِ الإيمان، وبيَّن ﷺ أنَّ كلًّا (١) ميسَّر لِمَا خُلِقَ له، وأنَّ عمله في العاجلِ دليل مصيرهِ في الآجلِ، وهذه الأمورُ في حكمِ الظَّاهر، ومِن وراءِ ذلك حكمُ الله تعالى، وهو الحكيمُ الخبيرُ لا يُسأل عمَّا يفعلُ، واطلبْ نظيرَه من الرِّزق المقسومِ مع الأمر بالكسبِ، ومن الأجلِ المضروبِ مع المعالجةِ بالطِّب المأمورِ بها (٢).
والحديث سبقَ في «باب موعظة المحدِّث عند القبر» من «الجنائز» [خ¦١٣٦٢] ولمَّا كان ظاهر هذا الحديث يقتضِي اعتبار العملِ الظَّاهر أردفَه بما يدلُّ على أنَّ الاعتبار بالخاتمةِ، فقال:
(٥) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (٤) (العَمَلُ بِالخَوَاتِيمِ) جمع خاتمةٍ.
والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٣٠٦٢].
٦٦٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكمِ بن محمدِ بن أبي مريم، أبو محمَّد الجمحيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون، محمَّد بن مطرِّف اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة ابنُ دينار (عَنْ سَهْلٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة «ابن سعد الأنصاريِّ ﵁» (أَنَّ رَجُلًا) اسمه قُزْمان (مِنْ أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءً) بفتح الغين المعجمة والنون والمدِّ، يقال: أغنى عنه، أي: أجزأ وناب (عَنِ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) هي غزوةُ خيبر (فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) إليه (فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى رجل» (مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) الرَّجل، أي: قُزْمان (فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) اسمه: أكثمُ بنُ أبي الجَوْن الخزاعيُّ (وَهْوَ) أي: الرَّجل (عَلَى تِلْكَ الحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى المُشْرِكِينَ) قتالًا (حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ) طرفه (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ) بالتَّثنية (حَتَّى خَرَجَ) السَّيف (مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ) واستُشكل قولهِ هنا: «فجعلَ ذبابة سيفه» مع قولهِ في السَّابق: أنَّه نحرَ نفسَه بالسَّهم [خ¦٦٦٠٦]، فقيل
стр. 11524
بالتَّعدد وأنَّهما قصَّتان (١) مُتَغايرتان في مَوطنين لرَجلين، أو أنَّهما قصَّة واحدةٌ ونحرَ نفسَه بهما معًا (فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ) أكثمُ بن أبي الجَوْن (إِلَى النَّبِيِّ (٢) ﷺ مُسْرِعًا فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ) ﷺ (وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتَ) بفتح التاء (لِفُلَانٍ) أي (٣): عن فلان: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ المُسْلِمِينَ فَعَرَفْتُ أنَّه لَا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ المَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ) أي: اعتبار الأعمال (بِالخَوَاتِيمِ).
والحديث مرَّ في «الجهاد» [خ¦٣٠٦٢].
(٦) (باب إِلْقَاءِ النَّذْرِ العَبْدَ إِلَى القَدَرِ) بنصبِ «العبد» على أنَّه مفعول بالمصدرِ المضافِ إلى الفاعلِ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلقاءِ العبدِ النَّذرُ» بالرَّفع على أنَّه فاعلٌ بالمصدرِ المضافِ إلى المفعولِ.
٦٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) الهَمْدانيِّ الخارفيِّ -بمعجمة وراء مكسورة وفاء- الكوفيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ¬) نهيَ تنزيهٍ لا تحريمٍ (عَنِ النَّذْرِ) أي: عن عقد النَّذر أو التزام النَّذر (قَالَ) ولأبي الوقت: «وقال»: (إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا) أي: من القدرِ،
стр. 11525
ولمسلمٍ: «لا تنذرُوا فإنَّ النَّذر لا يُغني من القدرِ شيئًا» والمعنى: لا تنذروا على أنَّكم تصرفون به ما قُدِّر عليكُم، أو تُدركون به شيئًا لم يقدِّره الله لكم (إِنَّمَا) وللكُشمِيهنيِّ: «وإنَّما» (يُسْتَخْرَجُ بِهِ) بالنَّذر (مِنَ البَخِيلِ) لأنَّه لا يتصدَّق إلَّا بعوضٍ يستوفيهِ أوَّلًا، والنَّذر قد يوافق القدرَ فيخرجُ من البخيلِ ما لولاهُ لم يكن يريدُ أن يخرجَهُ، وفي قولهِ: «يُستَخرج» دَلالة على وجوبِ الوفاءِ به.
واستُشكل كونه نهى عن النَّذر مع وجوبِ الوفاءِ به عندَ الحصولِ؟ وأُجيب بأنَّ المنهيَّ عنه النَّذر الَّذي يعتقدُ أنَّه يُغني عن القدرِ بنفسهِ كما زَعموا، وكمْ من جماعةٍ يعتقدونَ ذلك لما شاهدُوا من غالبِ الأحوالِ حصول المطالبِ بالنَّذر، وأمَّا إذا نذرَ واعتقدَ أنَّ الله تعالى هو الضَّارُّ والنافع (١)، والنَّذر كالوسائلِ والذَّرائع، فالوفاءُ به طاعة وهو غيرُ منهيٍّ عنه.
والحديث أخرجه أيضًا في «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٩٣]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «النَّذور» (٢)، وابن ماجه في «الكفَّارات».
٦٦٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، السَّخْتِيانيُّ، أبو محمد المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحدة المشددة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (٣)) أنَّه (قَالَ: لَا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ (٤) قَدَّرْتُهُ (٥)) صفة لقولهِ: «بشيءٍ»، و «يَأْتِ» بغير تحتيَّةٍ بعد الفوقيَّة في الفرع على الوصل، كقولهِ تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] بغير واو، وفي غيره
стр. 11526
بإثباتها على الأصلِ، وهو مِن (١) «أتى» بمعنى جاءَ يتعدَّى لواحدٍ بخلاف آتي (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (يُلْقِيهِ) من الإلقاء (القَدَرُ) أي: إلى النَّذر.
ولا مطابقةَ بين هذا وبين التَّرجمة كما لا يخفَى، فالظَّاهر -كما قاله في «الكواكب» - أنَّ التَّرجمة مقلوبةٌ؛ إذ القدرُ هو الَّذي يُلقي بالحقيقةِ إلى النَّذر، كما في الحديث، فكان الأولى أن يقول: يُلقيه القدرُ -بالقاف- إلى النَّذر -بالنون- ليُطابق الحديث. وأجاب بأنَّهما صادقان؛ إذ الَّذي يُلقي بالحقيقة هو القدرُ وهو المُوصِل، وبالظَّاهر هو النَّذر. نعم في رواية الكُشمِيهنيِّ في متن الحديث ممَّا ذكره في «الفتح»: «يلقيه النَّذر» بالنون والذال المعجمة، وبها تحصل المطابقةُ، ونسبة الإلقاءِ إلى النَّذر مجازيَّة، وسوَّغ ذلك كونه سببًا إلى الإلقاءِ، فنُسب الإلقاءُ إليه (وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ) بلفظ المتكلِّم من المضارع (بِهِ مِنَ البَخِيلِ) الباء في «بهِ» باء الآلةِ، قاله ابنُ فرحون في «إعراب العمدة». والحديثُ من أفرادهِ.
(٧) (بابُ) بغيرِ تنوينٍ في الفرعِ كأصلهِ، للإضافة إلى قولهِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). وقال في «الفتح»: بالتَّنوين.
٦٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ، نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قالَ: (أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيس الأشعريِّ ﵁، أنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) هي غزوةُ
стр. 11527
خيبر، كما سبق في «المغازي» [خ¦٤٢٠٥] (فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء، موضعًا عاليًا (وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ. قَالَ) أبو موسى: (فَدَنَا) أي: قَرُب (مِنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة، ارفقوا بأنفسِكم واخفضُوا أصواتَكم (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) قال الكِرْمانيُّ -وتبعه العينيُّ-: ورُوِي (١) «أصمًّا»، ولعلَّه باعتبارِ التَّناسب، وأطلق على التَّكبير دعاء؛ لأنَّه بمعنى النِّداء (٢)؛ إذ الذَّاكر يريدُ إسماع من ذكرَه والشَّهادة له (إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا) بالتَّخفيف (أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً) من باب إطلاقِ الكلمة على الكلامِ (هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ) أي: من ذخائرِ الجنَّة، وقال النَّوويُّ: أي: إنَّ قولها (٣) يُحَصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر لصاحبهِ في الجنَّة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي: لا تحوُّل (٤) للعبدِ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّة له على طاعةِ الله إلَّا بتوفيق الله، فهي -كما قال النَّوويُّ (٥) - كلمةُ استسلامٍ وتفويضٍ يشيرُ إلى أنَّ العبدَ لا يملكُ لنفسهِ شيئًا، وأنَّه لا قدرةَ له على دفعِ ضررٍ، ولا قوَّة له على جلبِ خيرٍ إلَّا بقدرةِ (٦) الله تعالى وإرادتهِ.
والحديث أخرجه في آخر «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤].
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه قوله ﷺ : (المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول (عَاصِمٌ) في قولهِ تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٧) [هود: ٤٣] أي: (مَانِعٌ) كذا فسَّره عكرمةُ فيما أخرجهُ الطَّبريُّ من طريقِ الحكم بن أبان، عنه.
стр. 11528
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: ((سَدًا)) بألف بعد الدال المنوَّنة من (١) غيرِ تشديدٍ في الفرعِ كأصلهِ، وقال في «الفتح»: بالتَّشديد والألف، أي: (عَنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي حاتم من طريقِ ورقاء عن ابنِ أبي نَجيحٍ عنه في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، ووصلهُ عبدُ بن حُميد من طريق شبل عن ابنِ (٢) أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولهِ تعالى: ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، وقد يتردَّدون، ورأيتُه في بعض النُّسخ: «سُدى» بتحتيَّةٍ بعد الدَّال مخففًا، وعليها شرح الكِرْمانيُّ. قال في «الفتح»: فزعم الكِرْمانيُّ أنَّه وقع هنا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا مُتردِّدًا في الضَّلالة، ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا اللَّفظ الَّذي أوردتُه، ولم أرَ في شيءٍ من التَّفاسير الَّتي تساق بالأسانيد لمجاهد (٣) في قولهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا، ولم أرَ في قولهِ: «في الضَّلالة» في شيءٍ من المنقولِ بالسَّند عن مجاهدٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا الكلام ينقضُ آخره أوَّله؛ لأنَّه قال أوَّلًا: ورأيته في بعض نسخ البخاريِّ: «سدى» بتخفيف الدَّال، ثمَّ قال: ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا الَّذي أوردتُه. ومع هذا فإنَّه لم يطَّلع على جميع النُّسخ؛ إذ لم يطَّلع (٤) إلَّا على النُّسخ الَّتي في مدينتهِ، وأمَّا النُّسخ الَّتي في كرمان وبلخ وخراسان فلا. وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الَّذي نفى رؤيتَه قولُ الكِرْمانيِّ قولُه (٥): وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا متردِّدًا في الضَّلالة، وأمَّا الَّذي ذكر أنَّه رآه في بعض النُّسخ فهو مجرَّد لفظ ﴿سُدًى﴾ بالتَّخفيف وبالتَّحتية آخره، فأين التَّناقض؟
(﴿دَسَّاهَا﴾) من قولهِ تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهدٌ فيما رواه الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عنه: (أَغْوَاهَا) قال:
وأنْتَ الَّذِي دسَّسْتَ عَمْرًا فأَصْبَحتْ … حَلائلُهُ منْهُ أَرَامِلُ ضُيَّعا
стр. 11529
وأصلها: دسَّسَها من التَّدسيس فكثرتِ الأمثالُ، فأبدل من ثالثها حرف علَّة، والتَّدسية الإخفاءُ، يعني: أخفى نفسه بالفجور (١)، وقال ابن الأعرابيِّ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسَّ نفسه في جملةِ الصَّالحين، وليس منهم.
٦٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ (٢)) بكسر باء «بِطانة» (٣) فيهما، اسمُ جنسٍ يشملُ الواحدَ والجماعة، وبطانة الرَّجل: خاصَّته الَّذين يباطنهم في الأمور، ولا يُظهِر غيرَهم عليها، مشتقَّةٌ من البطنِ، والباطنُ دون الظَّاهر، وهذا كمَا استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك، ويقال: بَطُنَ فلان بفلان بطونًا (٤) وبطانةً، وقال:
أُولَئكَ خُلَصَائي نَعَم وبِطَانَتِي … وَهُم عَيْبَتِي مِن دُون كُلِّ قَرِيبِ
فبِطانةٌ (٥) (تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول، أي: من عصمَه الله بأنْ حماهُ من الوقوعِ في الهلاكِ أو ما يجرُّ إليه.
والحديث أخرجَه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٩٨]، والنَّسائيُّ في «البيعة والسِّير».
стр. 11530
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَحَرَامٌ﴾) ولأبوي الوقت وذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿وَحِرُمٌ﴾» بكسر الحاء وسكون الراء، وهي قراءةُ أبي بكر وحمزة والكسائيِّ، وهما لغتان كالحِلّ والحَلال وزنًا، وضدُّه معنًى، أي: وممتنعٌ (﴿عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) قال في «الكشاف»: استعيرَ الحرام الممتنعُ وجودُه (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: منعهمَا منهم، وأبى أن يكونَا لهم، ومَعنى ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: عزمْنَا على إِهلاكِها أو قدَّرْنا إهلاكَها، ومعنى الرُّجوع: الرُّجوع من الكفرِ إلى الإسلامِ والإنابةُ، ومجازُ الآيةِ أنَّ قومًا عزمَ الله على إِهْلاكهم غير متصوَّر أن يرجعُوا وينيبُوا إلى أنْ تقومَ القيامةُ، فحينئذٍ يرجعون. انتهى.
والظَّاهر كما قال بعضهم: إنَّ المعنى ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ عدمُ رجوعِهم إلينا في القيامةِ، فتكون الآيةُ واردةً في تقريرِ أمرِ البعثِ والتَّفخيمِ لشأنهِ (٢)، وهذا يتعيَّن المصيرُ إليه لأوجه:
أحدها: أنَّه ليس فيه مخالفةٌ للأصولِ بخلاف غيره ممَّا يُدَّعى (٣) فيهِ زيادةُ «لا» وكونه في طائفةٍ مخصوصةٍ، وكون ﴿حَرَامٌ﴾ بمعنى «ممتنع» أو بمعنى «واجب»، كما قيل في قولهِ:
وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا … عَلَى شَجْوِهِ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرٍو
الثَّاني: أنَّ سياقَ الآية قبلَها وبعدها واردٌ في أمر البعثِ، وهو قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ [الأنبياء: ٩٦].
الثَّالث: أنَّ حملَها على الرُّجوع إلى الدُّنيا لا كبير (٤) فائدةٍ، فإنَّه معلومٌ عند المخاطبين من
стр. 11531
الموافقين والمخالفين، وحملُها على الرُّجوع إلى القيامةِ أكثرُ فائدةً، فإنَّ الكفَّار ينكرونه، فأكَّدَ وفخَّم تهديدًا لهم وزجرًا، وقولُه تعالى في سورة هود: (﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]) إقناطٌ من إيمانِهم وأنَّه غيرُ متوقَّع، وقوله تعالى: (﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]) إلَّا مَن إذا بلغَ فجرَ (١) وكفر، وإنَّما قال ذلك لأنَّ الله تعالى أخبرَه بقوله: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ ودخولُ ذلك في «أبوابِ القدرِ» ظاهرٌ؛ فإنَّه يقتضِي سبقَ علمٍ بما يقعُ من العبد.
(وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ) اليَشْكُريُّ -بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الكاف- البصريُّ، وفي حاشية الفرعِ كأصلهِ: صوابه: «منصور بنُ المعتمرِ» قال: وفي حاشية أصل أبي ذرٍّ: صوابه: «منصور بن النُّعمان» وكذا في أصل الأَصيليِّ وابنِ عساكرَ. وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: وقد زعمَ بعضُ المتأخِّرين: أنَّ الصَّواب: منصور بن المعتمرِ، والعلم عند الله (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (﴿وَحِرُمٌ﴾ (٢)) بكسر الحاء وسكون الراء (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: (وَجَبَ) أخرجه عبدُ بنُ حميدٍ من طريق عطاء، عن عكرمةَ، عنه.
٦٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ بالجمعِ (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتية، أبو أحمد (٣) المروزيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (٤) (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ) بفتح اللام والميم الأولى، وأصله ما قلَّ وصغُرَ، ومنه
стр. 11532
اللَّمَم وهو المسُّ من الجنونِ، وألمَّ بالمكان قلَّ لبْثه فيه، وألمَّ بالطَّعام قلَّ أكلُه منه، وقال أبو العبَّاس: أصلُ اللَّمم أن يلمَّ بالشَّيء من غير أن يرتكبَهُ، يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربَهُ ولم يخالطْهُ، وقال جرير:
بِنَفْسِي مَنْ تَجَنُّبُه عَزِيزٌ … عَلَيَّ ومَنْ زِيَارَتُه لِمَامُ
وقالَ آخرُ:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
و «اللَّمم»: صغَارُ الذُّنوب، أي: مَا رأيْتُ شيئًا أشبه بصغائر الذُّنوب (مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قالَ: (إِنَّ اللهَ) (كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) نصيبه (مِنَ الزِّنَا) بالقصرِ، و «مِن» بيانيَّة (أَدْرَكَ) أصاب (ذَلِكَ) المكتوب عليه (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة، لا بدَّ له منه؛ لأنَّ ما كتبَهُ الله لا بدَّ أنَّ يقعَ، و «كتب» يحتملُ أنْ يرادَ به أثبتَ، أي: أثبتَ فيه الشَّهوة والميلَ إلى النِّساء، وخلق فيه العينين والأذن (١) والقلب، وهي الَّتي (٢) تجدُ لذَّة الزِّنا، ويحتملُ أن يرادَ به قَدَّر، أي: قدَّر في الأزلِ أن يجرِي على ابنِ آدم الزِّنا، فإذا (٣) قُدِّر في الأزلِ أدرك ذلك لا محالةَ (فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ) أي: إلى ما لا يحلُّ للنَّاظر (وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ) بميم مفتوحة فنون ساكنة فطاء مهملة مكسورة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «النطق» بلا ميم وضم النون وسكون الطاء. وقال ابنُ مسعودٍ: «العينان تزنيانِ بالنَّظر، والشَّفتان تزنيانِ وزناهُما التَّقبيلُ، واليدانِ تزنيانِ وزناهما اللَّمسُ، والرَّجلان تزنيانِ وزناهما المشيُ» (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) فعل مضارعٌ، أصله: تتمنَّى، حذفتْ منه (٤) إحدى التَّاءين (وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ) النَّظر، والتَّمني بأن يقع في الزِّنا بالوطء (وَيُكَذِّبُهُ) بأن يمتنعَ من ذلك خوفًا من ربِّه تعالى، ولأبي ذرٍّ: «أو يكذِّبه» وسمَّى ما ذكر من نظر العين وغيرِه زنًا؛ لأنَّها مقدِّمات له مُؤذنةٌ بوقوعهِ، ونسبَ التَّصديق أو التَّكذيب (٥) للفرجِ؛ لأنَّه منشؤهُ ومكانهُ.
стр. 11533
وقال في «شرح المشكاة»: شبَّه صورةَ حالةِ الإنسان -من إرسالِ الطَّرف الَّذي هو رائدُ القلب إلى النَّظر إلى المحارمِ وإصغائهِ بالأذنِ إلى السَّماع، ثمَّ انبعاث القلبِ إلى الاشتهاءِ والتَّمنِّي، ثمَّ استدعائه منه، فصارَ ما يشتهي ويتمنَّى باستعمال الرِّجلين في المشي، واليدين في البطشِ، والفرج في تحقيقِ مُشتهاه، فإذا مَضى الإنسانُ على ما استدعاهُ القلبُ حقَّق متمنَّاه، فإذا امتنعَ من ذلك خيَّبه فيه- بحالة (١) رجل يخبرُه صاحبُه بما يزيّنُه له ويغويهِ عليه، فهو إمَّا يصدِّقه ويمضِي على ما أرادَه منه أو يكذِّبه، ثمَّ استعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في جانب المشبَّه به من التَّصديق والتَّكذيب ليكون قرينةً للتَّمثيل، والإسنادُ (٢) في قولهِ: «والفرج يصدِّق ذلك أو (٣) يكذِّبه» مجازيٌّ؛ لأنَّ الحقيقيَّ هو أن يُسنَد للإنسان فأُسندَ إلى الفرج؛ لأنَّه مصدر الفعلِ والسَّبب القويِّ.
(وَقَالَ شَبَابَةُ) بفتح الشين المعجمة والموحدتين بينهما ألف مع التخفيف، ابنُ سَوَّار، بفتح المهملة والواو المشددة (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود، ابن عمر، أبو بشر الحافظ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: كأن طاوسًا سمعَ من ابن عبَّاس عن أبي هُريرة، وكان سمعَ الحديثَ من أبي هُريرة (٤) أو سمعه من أبي هريرة (٥) بعدَ أن سمعَه من ابن عبَّاس. قال: ولم أقفْ على روايةِ شَبَابَة هذه مَوصولةً.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ الزِّنا ودواعيهِ مكتوبٌ مقدَّرٌ على العبدِ غير خارجٍ (٦) عن سابقِ (٧) القدرِ (٨).
стр. 11534
(١٠) (باب) قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾) ليلةَ المعراج (﴿إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]) أي: اختبارًا وامتحانًا، ولذا (١) ارتدَّ من استعظمَ ذلك، وبه تعلَّق من قال: كان الإسراءُ في المنامِ، ومن قال كان في اليقظةِ، فسَّر الرُّؤيا بالرُّؤية، وإنَّما سمَّاها رؤيا على قول المكذِّبين حيث قالوا: لعلَّها رؤيا رأيتَها؛ استبعادًا منهم لها (٢)، ويمكنُ أن يكون ههنا من بابِ المُشاكلة، أو هي أنَّه سيدخل (٣) مكَّة. والفتنة: الصَّدُّ بالحديبية، أو: أَراه مصارعَ القومِ بوقعة بدرٍ في منامه، فكان يقولُ حين ورد ماء بدرٍ: «والله لكأنِّي أنظرُ إلى مصارع القومِ، وهو يُومئ إلى الأرضِ، ويقول: هذا مصرعُ فلان».
٦٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه قال في تفسير قولهِ تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) أي: في طريقه (إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ) هذا من البخاريِّ، كما في «اليونينيَّة» وغيرها (٤) كمَا عندَ سعيدِ بن منصورٍ (قَالَ) ابن عبَّاس: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ).
فإن قلتَ: ليس في القرآنِ ذكرُ لعن شجرةِ الزَّقوم.
стр. 11535
أُجيب بأنَّ المعنى والشَّجرة الملعون آكلوها وهم الكفرةُ؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] فوُصِفتْ بلعن أهلِها على المجازِ، ولأنَّ العربَ تقول لكلِّ طعامٍ مكروهٍ وضارٍّ ملعون، ولأنَّ اللَّعن هو الإبعادُ من الرَّحمة، وهي في أصل الجحيمِ، وفي أبعد مكانٍ من الرَّحمة.
ومطابقة الحديث لِمَا تُرجم له خفيَّة، لكن قال السَّفاقِسيُّ: وجه دخول هذا الحديثِ في «كتاب القدرِ» (١) الإشارة إلى أنَّ الله قدَّر على المشركين التَّكذيب لرؤيا نبيِّه الصَّادق، فكان ذلك زيادةً في طُغيانهم حيث قالوا: كيف يسيرُ إلى بيت المقدسِ في ليلةٍ واحدةٍ، ثمَّ يرجعُ فيها، وكذلك جعلَ الشَّجرة الملعونة زيادةً في طُغيانهم حيث قالوا (٢): كيف يكون في النَّار شجرة والنار تحرق الشَّجر؟ والجواب عن شبهتِهم: أنَّ الله خلقَ الشَّجرة المذكورة من جوهرٍ لا تأكلُه النَّار كخَزَنَتِها وحيَّاتِها وعقارِبها، وأحوالُ الآخرةِ لا تقاسُ بأحوال الدُّنيا.
والحديث مرَّ (٣) في «تفسير سورة الإسراء» [خ¦٤٧١٦]، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (تَحَاجَّ) بفتح الفوقية والمهملة وتشديد الجيم، وأصله: تحاججَ -بجيمين- أُدغمَتْ أولاهمَا في الأخرى (آدَمُ وَمُوسَى) عليهما الصلاة والسلام (عِنْدَ اللهِ) ، والعنديَّة للاختصاص والتَّشريف لا عنديَّة مكانٍ كمَا لا يخفى.
стр. 11536
٦٦١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينار، وعند الحميديِّ في «مسنده» عن سفيان: حَدَّثنا عمرو بن دينار (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان، الإمام أبو عبد الرَّحمن، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) صلَّى الله عليهما وسلَّم، أي: تحاجَّا وتناظرا. وفي رواية همَّام عند مسلمٍ: «تحاجَّ» كما في التَّرجمة وهي أوضحُ (فَقَالَ لَهُ) أي: لآدم (مُوسَى: يَا آدَمُ؛ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا) أي: أوقعتنَا في الخيبةِ، وهي الحرمان (وَأَخْرَجْتَنَا) أي: كنت سببًا لإخراجنَا (١) (مِنَ الجَنَّةِ) دار النَّعيم والخلود إلى دار البؤسِ والفناء، والجملة مبيّنة للسَّابقة ومفسِّرة لِمَا أُجمل (قَالَ لَهُ) لموسى (آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ) أي: جعلَكَ خالصًا (٢) عن شائبةِ ما لا يليقُ بك، وقوله: «بِكَلَامِهِ» فيه تلميحٌ إلى قولهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقولهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآيةَ (وَخَطَّ لَكَ) ألواح التَّوراة (بِيَدِهِ) بقدرته (أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ) بتشديد الياء، وحذف ضمير المفعول، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «قدَّره الله عليَّ» (قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) أي: ما بين قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخِ الرُّوح فيه، أو هي مدَّة لُبثه طينًا إلى أن نفختْ فيه الرُّوح، ففي مسلمٍ: أنَّ بين تصويرهِ طينًا ونفخِ الرُّوح فيه كان أربعين سنةً، أو المراد: إظهارهُ للملائكةِ، وفي رواية أبي صالح السَّمان عند التِّرمذيِّ وابنِ خُزيمة من طريق الأعمش: «فتلومُني على شيءٍ كتبهُ الله عليَّ قبل خلقِي». وفي حديثِ أبي سعيدٍ عند البزَّار: «أتلومني على أمرٍ قدَّره الله تعالى عليَّ قبلَ أن يخلقَ السَّموات والأرضَ»، وجُمعَ بحملِ المقيَّدة (٣) بالأربعين على ما يتعلَّق بالكتابةِ، والأخرى (٤) على ما يتعلَّق بالعلمِ (فَحَجَّ آدَمُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (مُوسَى) في موضع (٥) نصب مفعولًا (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) قالها
стр. 11537
(ثَلَاثًا) والملفوظُ به هنا ثنتان، أي: غلبه بالحجَّة بأن ألزمَه أنَّ ما صدرَ عنه لم يكنْ هو مستقلًّا به متمكِّنًا من تركهِ، بل كان قدرًا من الله تعالى لا بدَّ من إمضائهِ، والجملةُ مقرِّرة لِمَا سبقَ، وتأكيدٌ له وتثبيتٌ للأنفس على توطين هذا الاعتقاد، أي: أنَّ الله أثبتَه في أمِّ الكتاب قبلَ كوني، وحَكَمَ بأنَّه كائنٌ لا محالةَ، فكيف تغفلُ عن العلم السَّابق، وتذكرُ الكسبَ الَّذي هو السَّبب، وتَنسى الأصل الَّذي هو القدر، وأنت من المصطَفينَ الأخيار الَّذين يشاهدون سرَّ الله تعالى من وراءِ الأستارِ، وهذه المحاجَّة لم تكن في عالمِ الأسباب الَّذي لا يجوزُ فيه قطعُ النَّظر عن الوسائطِ والاكتساب، وإنَّما كانت في العالمِ العلويِّ عند مُلتقى الأرواحِ، واللَّوم إنَّما يتوجَّه على المكلَّف ما دامَ في دارِ التَّكليف، أمَّا بعدَها فأمرُه إلى الله تعالى لاسيَّما وقد وقع ذلك بعد أنْ تابَ الله عليه، فلذا عدل إلى (١) الاحتجاجِ بالقدرِ السَّابق، فالتَّائب لا يُلام على ما تيبَ عليه منه، ولاسيَّما إذا انتقلَ عن دار التَّكليف.
واختلفَ في وقت هذه المحاجَّة، فقيل: يحتمل أنَّه في زمان مُوسى فأحيا الله له آدمَ معجزةً له فكلَّمه، أو كشفَ له عن قبرهِ فتحدَّثا (٢)، أو أراهُ الله روحَه كما أُري النَّبيُّ ﷺ ليلةَ المعراج أرواحَ الأنبياء، أو أراهُ الله له في المنامِ ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ، أو كان ذلك بعدَ وفاةِ موسى فالتقيا في البرزخِ أوَّل ما ماتَ موسى فالتقتْ أرواحهمَا في السَّماء، وبذلك جزمَ ابنُ عبد البرِّ والقابسيُّ (٣)، أو أنَّ ذلك لم يقعْ بَعْدُ وإنَّما يقعُ في الآخرة، والتَّعبير عنه في الحديثِ بلفظ الماضي؛ لتحقُّق وقوعهِ.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «القدر» أيضًا، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير»، وابن ماجه في «السُّنَّة» أيضًا.
(قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة، ولأبي الوقت: «وقال سفيان» بواو العطف على قولهِ: «حفظناه من عَمرو» فهو موصولٌ (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق.
стр. 11538
(١٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللهُ).
٦٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وتخفيف النون، العَوَقِيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء، عبدُ الملك بن سليمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) بضم اللام وتخفيف الموحدة، الأسديُّ الكوفيُّ سكنَ دمشق (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشدَّدة (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيان (إِلَى المُغِيرَةِ) بن شُعبة (اكْتُبْ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مَا) ولأبي ذرٍّ: «بما» (سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ) المكتوبة (فَأَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ) بفتح الهمزة واللام بينهما ميم ساكنة، و «عليَّ» بتشديد الياء (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ) المكتوبة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ذِكْرُهُ بعد استفادةِ الحصرِ مِن الَّذي قبلهُ، وهو لا إله إلَّا الله، تأكيدٌ مع ما فيه من تكثير حسناتِ الذَّاكر (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: لِمَا أردتَ إعطاءَه، وإلَّا فبعدَ الإعطاءِ من كلِّ أحدٍ لا مانعَ له؛ إذ الواقعُ لا يرتفعُ (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) «ما» موصولة، وجملة «أعطيتَ» صلتها (٢)، والعائدُ محذوفٌ، أي: لِمَا أعطيتَه. وقال في «العدةِ» (٣): و «لا مانعَ» اسمُ نكرةٍ مبنيٌّ مع «لا»، وخبر «لا» الاستقرارُ المتعلِّق به المجرور،
стр. 11539
أو الخبرُ محذوفٌ وجوبًا على لغةِ بني تميمٍ، ووافقَهم كثيرٌ من الحجازيِّين فيتعلَّق حرف الجرِّ بـ «مانع»، قيل: فيجبُ نصبه وتنوينُه؛ لأنَّه مُطَوّل (١)، والرِّواية على بنائهِ من غير تنوين، فيُتمحَّلُ له بأن يعلَّق بخبر لـ «مانع» (٢) محذوف، أي: لا مانعَ لنا لِمَا أعطيتَ، فيتعلَّق بالكون المقدَّر لا بـ «مانع» (٣) كما قيلَ في قولهِ تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الأنفال: ٤٨] ويحتملُ أن يكون أصله: لا (٤) مانعًا بالتَّنوين، ثمَّ حذف التَّنوين بعد أن أُبدلَ منه ألف، ثمَّ حذفت الألف فصار على صورةِ المبنيِّ، ويجوزُ أن يكون «لما أعطيتَ» في محلِّ صفةٍ لـ «مانع» والخبر محذوفٌ، ويحتملُ أن يقدَّر: لا مانع لِمَا أعطيتَ يمنعُ، فيتعلَّق بـ «يمنع»، ويكون «يمنع» خبر «لا» على إحدى اللُّغتين، واختار الزَّمخشريُّ في قولهِ تعالى: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] أنْ يكون (٥) «اليوم» معمولٌ بـ «تثريبَ»، وردَّ عليه أبو حيان لأجل الفصل بين المصدرِ ومعمولهِ بـ «عليكم» وهو إمَّا خبر أو صفة، وأيًّا ما كان فلا يجوزُ، وكان يلزمُ تنوين تثريب (٦) (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم، فيهما على المشهورِ، و «منك» يتعلَّق بـ «ينفعُ» أي: لا ينفع صاحب الحظِّ من نزول عذابكَ، وإنَّما ينفعُه عمله الصَّالح. وقال في «الكواكب»: و «من» هي البدليَّة، أي: المحظوظُ لا ينفعه بذلك، أي: بدل طاعتك.
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠].
(وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملك بن عبدِ العزيز، فيما وصلَه الإمامُ أحمدُ ومسلم: (أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (عَبْدَةُ) بن أبي لبابة (أَنَّ وَرَّادًا) مولى المغيرة (أَخْبَرَهُ بِهَذَا) الحديثِ. قال عبدةُ: (ثُمَّ وَفَدْتُ) بالفاء من الوفودِ (بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ) لمَّا كان بالشَّام (فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ) وهو: «لا إله إلا الله … » إلى آخره، ومرادُ المؤلِّف من سياقِ هذا التَّعليق التَّصريحُ بأنَّ ورَّادًا أخبر به عبدةَ؛ لأنَّه رواه في الرِّواية السَّابقة بالعنعنةِ.
стр. 11540
(١٣) (باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَقولهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]) أي: الصُّبح، أو الخلْق، أو هو وادٍ في جهنَّم أو جبٌّ فيها (﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]) الشَّيطان خاصَّة؛ لأنَّ الله تعالى لم يخلقْ خلقًا أشرَّ منه، وقيل: جهنَّم وما خلق فيها، وقيل: عامّ، أي: من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ خلقَه الله، و «ما» موصولة والعائد محذوفٌ، أو مصدريَّة ويكون الخلق بمعنى المخلوق، وقرأ بعض المعتزلة الَّذين يرون أنَّ الله لم يخلق الشَّرَّ: (من شرٍّ) بالتَّنوين، (ما خلق) على النَّفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيَّة على مذهبٍ باطلٍ، وهذه السُّورة دالَّةٌ على أنَّ الله تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، ففيها الرَّدُّ على من زعمَ أنَّ العبدَ يخلقُ فعلَ نفسه؛ لأنَّه لو كانَ السُّوء المأمور بالاستعاذةِ منه مخلوقًا لفاعله لَمَا كان للاستعاذةِ بالله منه معنًى؛ لأنَّه لا يصحُّ التَّعوُّذ إلَّا بمن قدرَ على إزالةِ ما استعيذَ به منه.
٦٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ) بفتح الجيم وسكون الهاء، الحالة الَّتي يختار عليها الموت، أو قلَّة المال وكثرة العيال (وَدَرَكِ الشَّقَاءِ) بفتح الدال المهملة والراء، اللَّحاق، و «الشَّقاء» بفتح الشين المعجمة والقاف ممدودًا، الشِّدة والعسر (وَسُوءِ القَضَاءِ) أي: المقضيِّ (وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) وهو فرح العدوِّ ببليَّةٍ تنزلُ بمن يعاديهِ.
والحديث سبق في «باب التَّعوذ من جهد البلاء» من «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٤٧].
стр. 11541
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى: (﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]) قال الواحديُّ حكايةً عن ابن عبَّاس والضَّحَّاك: يحولُ بين المرءِ الكافر وطاعتهِ، ويحولُ بين المطيعِ ومعصيتهِ، فالسَّعيد من أسعدَه الله، والشَّقيُّ من أضلَّه الله، والقلوبُ بيدِ الله يقلِّبُها كيف يشاءُ (١).
وقال السُّديُّ: يحولُ بين الإنسانِ وقلبه، فلا يستطيعُ أن يؤمنَ ولا أن يكفرَ إلَّا بإذنهِ.
٦٦١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ) بن عمر ﵄، أنَّه (قَالَ: كَثِيرًا) نصب صفة لمصدر محذوفٍ، أي: يحلف حلفًا (٢) كثيرًا (مِمَّا (٣) كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ) أي: يريد أن يحلفَ، من ألفاظ الحلف (لَا) أفعلُ أو لا أتركُ (وَ) حقِّ (مُقَلِّبِ القُلُوبِ) وهو الله . قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشار إلى تفسيرِ الحيلولةِ الَّتي في الآية بالتَّقلُّب الَّذي في الحديثِ أشار إلى ذلك الرَّاغب وقال: المراد: أنَّه يُلقي في قلبِ الإنسان ما يَصرفه عن مُراده لحكمةٍ تقتضِي ذلك، وحقيقةُ القلوب لا تنقلبُ، فالمراد: تقلُّب أعراضِها وأحوالهَا من الإرادةِ وغيرها. وقال ابنُ بطَّالٍ: الآيةُ نصٌّ في أنَّ الله تعالى خلقَ الكفْرَ والإيمان، وأنَّه يحولُ بين قلبِ الكافرِ وبين الإيمان الَّذي أَمرهُ به، فلا يكتسبُه (٤) إن لم يُقْدِرْهُ عليه بل أقدَره على ضدِّه وهو الكفر، وكذا في المؤمنِ بعكسهِ، فتضمَّنت الآيةُ أنَّه خالقُ جميع أفعالِ العبد خيرِها وشرِّها، وهو معنى قولهِ: «مقلِّب القلوبِ» لأنَّ معناه: تقليبُ قلب العبدِ عن إيثارِ الإيمان إلى إيثارِ الكفر وعكسه، وكلُّ فعلٍ لله عدلٌ فيمَن أضلَّه وخذلَه؛ لأنَّه لم يمنعْهم حقًّا وجب لهم عليه. انتهى.
стр. 11542
والحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٩١] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٢٨]، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، والنَّسائيُّ (١) وابن ماجه في «الكفَّارات».
٦٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ) المروزيُّ (وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، السَّخْتِيانيُّ المروزيُّ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لاِبْنِ صَيَّادٍ) صاف: (خَبَأْتُ لَكَ خَبِيْئًا) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «خبْأً» بسكون الموحدة من غير تحتية (قَالَ) ابنُ صيَّاد: هو (الدُّخُّ) بضم الدال المهملة والخاء المعجمة المشدَّدة، أراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطع أن يقول ذلك تامًّا على عادة الكُهَّان من اختطافِ بعض الكلماتِ من أوليائهم مِن الجنِّ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ له خطابَ زجرٍ وإهانةٍ: (اخْسَأْ) بالخاء المعجمة والهمزة الساكنة بينهما سين مهملة مفتوحة، أي: اسكتْ صاغرًا مطرودًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) بالعين المهملة (قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطاب ﵁: يا رسولَ الله (ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ) ﷺ : (دَعْهُ) اتركه (إِنْ يَكُنْ هُوَ) الدَّجَّال (فَلَا تُطِيقُهُ) لأنَّه إن كان سبقَ في علمِ الله تعالى أنَّه يخرجُ ويفعلُ ما يفعلُ، فإنَّه تعالى لا يُقْدِرك على قتلِ من سبقَ في علمهِ أنَّه سيحيى إلى أن يفعلَ ما يفعل؛ إذ لو أقدَرك (٢) على ذلك لكان فيه انقلابُ علمه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، قاله ابنُ بطال. وفي «الجنائز»: «فلنْ تُسَلَّطْ عليه» [خ¦١٣٥٤] بالجزمِ على لغةِ من
стр. 11543
يجزمُ بـ «لن» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) و «يكن» هو بضمير الفصلِ (١) في الموضعين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يكنه» بالضَّمير المتَّصل، واختارَ الأوَّل ابنُ مالكٍ في «التَّسهيل»، والثَّاني في «الخلاصة» فعلى الأولى لفظ «هو» تأكيدٌ للضَّمير المستتر و «كان» تامَّة، وقول الزَّركشيِّ في «التنقيح»: إن يكنه، استدلَّ به ابنُ مالك على اتِّصال الضَّمير إذا وقعَ خبرًا لكان، لكن في روايةٍ: «إن يكن هو» فلا دليل فيه؛ تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا من أعجبِ ما يُسمع، كيف تكون الرِّواية الثَّانية مقتضيةً لعدم الدَّليل في الرِّواية الأولى، والفرض أنَّ الضَّمير المنفصل المرفوع في الثَّانية تأكيدٌ للضَّمير المستكنّ في «يكن»، وهو اسم «كانَ» وخبرها محذوفٌ، أي: إن يكن هو الدَّجَّال، والضَّمير المتَّصل في الرِّواية الأخرى خبرُ «كان» فبهذا وقعَ الاستدلالُ في محلِّ النِّزاع، وهل هو (٢) الأولى في خبرِ «كان» إذا وقعَ ضميرًا أن يكون متَّصلًا أو منفصلًا، فهذا الحديثُ شاهدٌ لاختيارِ الاتصالِ، وأمَّا «إن يكن هو» فليستْ من محلِّ النِّزاع في شيءٍ؛ إذ ليس الضَّمير فيها خبر «كان» قطعًا.
والحديث سبق في «باب إذا أسلم الصَّبي فمات هل يصلَّى عليه» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٥٤].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]) أي: (قَضَى) لنا من خيرٍ أو شرٍّ، كما قدَّر في الأزل وكتبَ في اللَّوح المحفوظ، و ﴿لَنَا﴾ مفيدةٌ معنى الاختصاص كأنَّه قيل: لن يُصيبنا إلَّا ما اختصَّنا الله بإثباتهِ وإيجابهِ. وقال الرَّاغب: عبَّر بقولهِ: ﴿لَنَا﴾ ولم يعبِّر بقولهِ: علينَا؛ تنبيهًا على أنَّ الَّذي يُصيبنَا نعدُّه نعمةً لا نقمةً.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) في تفسير قولهِ تعالى: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ (﴿بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]) أي: ما أنتم (بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللهُ) عليه في السَّابقة (أَنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ) أي: يدخلُ النَّار، وهذا وصلَه عبدُ بن حُميد بمعناه.
стр. 11544
وقال مجاهدٌ أيضًا في تفسير قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي﴾ (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقيل: قدَّر أقواتَهم وأرزاقَهم، وهدَاهُم لمعاشِهم إنْ كانُوا أناسًا، ولمراعيهِم إنْ كانوا وحشًا، وعن ابن عبَّاس، والسُّديِّ، ومقاتل، والكلبيِّ (١) في قولهِ: ﴿فَهَدَى﴾ قال: عرَّفَ خلقَه كيف يأتي الذَّكر الأنثى، كما قال في طه: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي: الذَّكر للأنثى.
وقال (٢) عطاء: جعلَ لكلِّ دابَّة ما يصلحُها وهداهَا له. وقيل: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قدَّر لكلِّ حيوان ما يصلحُه فهداهُ إليه، وعرَّفه وجه الانتفاعِ به، يقال: إنَّ الأفعَى إذا أتتْ عليها ألفُ سنة عميتْ، وقد ألهمَها الله تعالى أنَّ مسحَ (٣) العينين بورقِ الرَّازيانج الغضِّ يردُّ إليها بصرَها، فربَّما كانت في برِّيَّة بينها وبين الرِّيف مسيرة أيَّامٍ، فتطوي تلك المسافة على طولها وعمَاها حتَّى تهجُمَ في بعض البساتين على الرَّازيانج لا تُخطئها، فتحكُّ به عينها (٤) فترجعُ باصرةً بإذن الله تعالى، وهداياتُ الإنسانِ إلى مصالحهِ من أغذيتهِ، وأدويتهِ، وأمورِ دُنياه ودِينه، وإلهاماتُ البهائمِ، والطُّيور، وهوامِّ الأرض باب (٥) واسعٌ، فسبحان ربِّي الأعلى وبحمدِهِ.
٦٦١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (الحَنْظَلِيُّ) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة، نسبةً إلى حنظلةَ بن مالك قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُميل -بضم الشين المعجمة-
стр. 11545
قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقيَّة، المروزيُّ، ثمَّ البصريُّ، واسم أبي الفُرات عَمرو (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، الأسلميِّ قاضِي مَرْوَ (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة، قاضِي مَرْوَ (١) أيضًا (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ) وهو بُثر (٢) مؤلمةٌ جدًّا تخرجُ من الآباطِ والمراق غالبًا مع اسودادٍ حواليهِ وخفقانٍ في القلبِ (فَقَالَ) ﷺ : (كَانَ) أي: الطَّاعون (عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ) (عَلَى مَنْ يَشَاءُ) من عبادِه (فَجَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: سبب الرَّحمة لهم لتضمُّنه مثل أجرِ الشُّهداء (مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ) بفتح اللام، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «بلدة» بسكونها وهاء تأنيثٍ آخره (يَكُونُ فِيهِ) في البلدِ أو فيها (وَيَمْكُثُ فِيهِ) أو فيها (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلا» (يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِة) أو البلدِ حال كونهِ (صَابِرًا) على مَا يُصيبه (مُحْتَسِبًا) أجرَه عند (٣) الله (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ) وقدَّره في الأزل (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) وإن لم يصبْه طعْنٌ، وهذا هو المرادُ من الحديثِ هنا.
وقد سبق في «كتاب الطِّب» [خ¦٥٧٣٤].
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]) اللَّام في ﴿لِنَهْتَدِيَ﴾ لتوكيد النَّفي، و ﴿أَنْ﴾ وما في حيِّزها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ، وجواب ﴿لَوْلا﴾ مدلولٌ عليه بقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا﴾ تقديرُه: لولا هدايتُه لنا موجودةٌ لشقينَا، أو ما كنَّا مُهتدين، وقد دلَّت على أنَّ المهتدِي مَنْ هداهُ الله، وأنَّ من لم يهدِه الله لم يهتدِ، ومذهبُ المعتزلةِ أنَّ كلَّ ما فعل الله في حقِّ الأنبياء والأولياءِ من أنواعِ الهدايةِ والإرشاد فقد فعلهُ في حقِّ جميع الكفَّار والفسَّاق، وإنَّما حصلَ الامتيازُ بين المؤمن والكافرِ والمحقِّ
стр. 11546
والمبطلِ بسعي نفسِه واختيارِ نفسه، فكان يجبُ عليه أن يحمدَ نفسه؛ لأنَّه هو الَّذي حصَّلَ لنفسهِ الإيمان، وهو الَّذي أوصلَ نفسه إلى درجاتِ الجنَّة وخلَّصها من دركاتِ النِّيران، فلمَّا لم يحمدْ نفسَه البتَّة إنَّما حمدَ الله تعالى فقط علمنَا أنَّ الهادِي ليس إلَّا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾) أعطانِي الهدايةَ (﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]) من الَّذين يتَّقون الشِّرك.
قال الشَّيخ أبو منصورٍ رحمه الله تعالى: وهذَا الكافرُ أعرفُ بالهدايةِ من المعتزلةِ، وكذَا أولئك الكفرة الَّذين قالوا لأتباعِهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] يقولون: لو وفَّقنا الله للهدايةِ وأعطانا الهدَى لدعونَاكم إليه، ولكن علمَ منَّا اختيارَ الضَّلالة والغوايةِ فخذَلنا ولم يوفِّقنا، والمعتزلةُ يقولون: بل هداهُم وأعطاهُم التَّوفيق لكنَّهم لم يهتدوا. والحاصل: أنَّ عند الله لطفًا من أُعطي ذلك اهتدَى وهو التَّوفيق والعصمة، ومَن لم يعطه ضلَّ وغَوى، وكان استيجابُه العذاب وتضييعُه الحقَّ بعدما تمكَّن من تحصيلهِ لذلك. والحاصلُ من مذهبِ أهل السُّنَّة: أنَّ الله تعالى (١) أقدَرَ العبادَ على اكتسابِ ما أرادَ منهم من إيمانٍ وكفْرٍ، وأنَّ ذلك ليسَ بخلق للعبادِ، كما زعمَتْ القدريَّة.
٦٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم (هُوَ ابْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ
((٨٣)) (كِتَابُ الأَيمَانِ) بفتح الهمزة، جمع: يمين، واليمينُ خلاف اليسارِ، وأطلقتْ على الحَلِف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذَ كلٌّ بيمين صاحبهِ، وقيل: لحفظِها المحلوف عليهِ كحفظِ اليمين، وتسمَّى أَلْيَةً وحَلِفًا، وفي الشَّرع: تحقيقُ الأمر المحتمل أو توكيدُه بذكرِ اسمٍ من أسماءِ الله تعالى، أو صفةٍ من صفاتهِ، هذا إنْ قصدَ اليمين الموجبة للكفَّارة وإلَّا فيُزاد: أو ما (١) أُقيم مَقامه ليدخل نحو الحلف بالطَّلاق أو العتق، وهو ما فيه حثٌّ أو منعٌ أو تصديقٌ، وخرج بالتَّحقيق لغو اليمينِ بأنْ سبقَ لسانه إلى ما لم يقصدْه بها، أو إلى لفظِها كقولهِ في حالِ غضبه أو صلةِ كلام: «لا والله» تارةً، و «بلى والله» أُخرى، وبالمحتمل غيرُه كقولهِ: والله لأموتنَّ (٢) أو لا أصعدُ إلى السَّماء (٣)، فليس بيمين؛ لامتناعِ الحنثِ فيه بذاتهِ، بخلاف: والله لأصعدنَّ السَّماء، فإنَّه يمينٌ تلزمُ به الكفَّارة حالًا.
(و) كتاب (النُّذور) جمع: نذر، وهو مصدرُ نذَر -بفتح الذال المعجمة- ينذُِر -بضمها وكسرها-، والنَّذر في اللُّغة: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ، وشرعًا: التزامُ قُرْبة غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرع، وزادَ بعضُهم: مقصودة. وقيل: إيجابُ ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. ومنهم من قال: أن يلزمَ نفسَه بشيءٍ تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو نحوهما. وأمَّا قوله ﷺ : «مَن نذَرَ أنْ يعصِي الله فَلا يعصِهِ» [خ¦٦٦٩٦] فإنَّما سمَّاه نذرًا باعتبار الصُّورة، كما قال في الخمرِ وبائعهَا معَ بُطلان البيعِ، ولذَا (٤) قال في الحديثِ الآخر: «لا (٥) نذَرَ في معصيةِ».
(١) (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع، وفي نسخة: «باب قول الله تعالى»: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾)
стр. 11549
مصدر لغَا يَلْغو لغوًا، والباء فيه متعلِّقةٌ بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾ ومعناها السَّببيَّة، واللَّغو السَّاقط الَّذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ وغيره، ولغو اليمين السَّاقط الَّذي لا يعتدُّ به (١) في الأيمان. قال إمامُنا الشَّافعيُّ وغيره: هو قول الرَّجل في عُرْض حديثهِ: «لا والله»، و «بلى والله» من غيرِ قصدٍ لها، وقيل: هو أن يحلفَ على شيءٍ يرى أنَّه صادقٌ ثمَّ يظهرُ أنَّه خلافُ ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى: لا يُعاقبُكم بلغو اليمين الَّذي يحلفُهُ أحدُكم (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾) أي: بتعقيدِكم الأيمان وهو توثيقُها، والمعنى: ولكنْ يُؤاخذكم بما عقَّدْتم إذا حنثتُم، فحذفَ وقت المؤاخذَةِ؛ لأنَّه كان معلومًا عندَهم، أو بنكثِ ما عقَّدْتُم، فحذفَ المضاف (﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: فكفَّارة الحنثِ الدَّالِّ عليه سياق الكلام وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، أو فكفَّارة (٢) نكثهِ، فتكون «ما» موصولة اسميَّة، وهو على حذفِ مضافٍ، كما قدَّره الزَّمخشريُّ، والكفَّارة الفعلة الَّتي من شأنها أنْ تسترَ الخطيئة (﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾) ﴿إِطْعَامُ﴾ مصدرٌ مضاف لمفعولهِ، وهو أن يملكَ كلُّ واحدٍ منهم مدًّا من حبٍّ من غالبِ قوتِ بلده (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾) عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ والمراد: ما يسمَّى كسوة ممَّا يعتادُ لبسه كعَرَقِيَّة ومنديلٍ، ولو ملبوسًا لم تذهبْ قوته، ولو لم يصلحْ للمدفوعِ إليه كقميصِ صغيرٍ وعمامته وإزاره وسراويله (٣) لكبيرٍ، وكحريرٍ لرجل، لا نحو خفٍّ ممَّا لا يسمَّى كسوةً كدرعٍ من حديدٍ ونحوه (﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) عطفٌ على ﴿إِطْعَامُ﴾ وهو مصدرٌ مضاف لمفعوله، أي: أو إعتاق رقبةٍ مؤمنةٍ بلا عيبٍ يخِلُّ بالعملِ والكسبِ، و «أو» للتَّخيير (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) إحدى الثَّلاث، أو كان غيرَ رشيدٍ (﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾) ولو مفرَّقة (﴿ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾) وحنثتُم (﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾) فبرُّوا فيها، ولا تحنثُوا إذا لم يكنِ الحنثُ خيرًا، أو فلا تحلفُوا أصلًا (﴿كَذَلِكَ﴾) مثلُ ذلك البيان (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾) أعلام شريعتهِ وأحكامه (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]) نعمتَهُ فيها، يُعلِّمكم ويسهّلُ عليكم المخرجَ منه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله
стр. 11550
«﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ إلى قولهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾».
٦٦٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بكسر الفوقيَّة (أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ المجاورُ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزَّبير ابنِ العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (١) (لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ) أي: لم يكنْ من شأنه أن يحنثَ (فِي يَمِينٍ قَطُّ) سبقَ في «تفسيرِ المائدةِ» [خ¦٤٦١٤] حديث ابن حبَّان: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا حلفَ على يمينٍ لم يحنثْ، فرفعَه إلى النَّبيِّ ﷺ ، وذكره التِّرمذيُّ في «العلل المفرد» وقال: سألتُ محمدًا -يعني: البخاريَّ- عنه فقال: هذا خطأٌ، والصَّحيح: كان أبو بكر، وكذلك رواهُ سفيان ووكيع عن هشامِ بن عروة (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ) في كتابه العزيز (كَفَّارَةَ اليَمِينِ) أي: آيتها، وهي (٢) قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] إلى آخرها (وَقَالَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمينٍ، فسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسةِ بينهما، والمراد: ما شأنُه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجازِ الاستعارة، وفي مسلم: «لا أحلِفُ علَى أمرٍ» (فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) الرُّؤية هنا علميَّة، و «غيرَها» مفعولها الأوَّل، و «خيرًا» الثَّاني، و «منها» متعلِّق بـ «خيرًا» وأعاد الضَّمير مؤنَّثًا مع كون المحلوفِ مذكَّرًا باعتبارِ المذكورِ لفظًا وهو اليمين، والمعنى: لا أحلفُ على أمرٍ فيظهر لي بالعلمِ أو بغلبةِ الظَّنِّ أنَّ غير المحلوفِ عليه (٣) خير منه (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) عن حكمِها وما يترتَّب عليها من الإثمِ. وقيل (٤): هذا قالهُ الصِّدِّيق ﵁ لمَّا حلفَ لا ينفع مِسْطَحَ بن أثاثة بنافعةٍ بعدمَا قالَ في عائشةَ ما قال، و (٥) أنزل اللهُ براءتها، وطابتْ نفوسُ
стр. 11551
المؤمنين، وتاب إلى الله (١) من كان (٢) خاضَ في حديثِ الإفكِ، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآيةَ (٣) أي: لا يحلف أولو الفضلِ منكُم أنْ لا يصلُوا (٤) قراباتهِم المساكين المهاجرين، فرجعَ الصِّدِّيق إلى مسطحٍ ما كان يصلُه به (٥) من النَّفقة.
والحديث من أفرادِهِ.
٦٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) عارم السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) بفتح السين المهملة والراء بينهما ميم مضمومة، ابنُ حبيب، وقيل: كان اسمُه عبد كلال، فغيَّره النَّبيُّ ﷺ . قال البخاريُّ: له صحبةٌ، وكان إسلامُه يوم الفتحِ، وشهدَ غزوة تبوك، وافتتحَ سجستان وغيرها في خلافةِ عثمان، ثمَّ نزلَ البصرةَ، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ) لي (النَّبِيُّ ﷺ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة، مصدر أمرَ، و «لا» ناهيةٌ، و «تسألْ» مجزومٌ بالنَّهي، و «الإمارةَ» مفعول به، والفاعلُ مستترٌ يعودُ على «عبد الرَّحمن» وكسرتِ اللام لالتقاءِ السَّاكنين، أي: لا تسألِ الولايةَ (فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا) الفاء للعطفِ (٦) (عَنْ مَسْأَلَةٍ) وجواب الشَّرط قوله: (وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بضم الواو وكسر
стр. 11552
الكاف وسكون اللام، يقال: وكَله إلى نفسهِ وَكْلًا ووكولًا، وهذا الأمر موكولٌ إليَّ، ومنه قول النَّابغة:
كِلِيْنِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ … وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ
أي: إنَّ الإمارةَ أمرٌ شاقٌّ لا يخرجُ عن (١) عهدتهَا إلَّا أفرادٌ (٢) من الرِّجال، فلا تسألها عن تشوُّفِ نفسٍ، فإنَّك إن سألتَها تُرِكتَ معها فلا يُعينك الله عليها، وحينئذٍ فلا يكون فيهِ كفايةٌ لها، ومن كان هذا شأنُه لا يُولَّى (وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وإنَّك إنْ أُوتيتها عن» (غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) و «عن» يحتملُ أن تكون بمعنى الباء، أي: بمسألة، أي: بسببِ مسألةٍ، قال امرؤُ القيس:
تَصُدُّ وتُبْدِي عَن أَسِيلٍ وتَتَّقِي … بنَاظِرَةٍ مِن وَحْشِ وَجَرْةِ مُطْفِلِ
أي: بأسيل (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ظاهره تقديم التَّكفير على إتيانِ المحلوف عليه، والرِّواية السَّابقة [خ¦٦٦٢٢] تأخيره، ومذهبُ إمامنا الشَّافعيِّ ومالك والجمهور جوازُ التَّقديم على الحنثِ لكن يستحبُّ كونها (٣) بعدَه، واستثنى الشَّافعيُّ التَّكفير بالصَّوم؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّة فلا تقدَّم قبل وقتها كصومِ رمضان، واستثنى بعضُ أصحابه حنثَ المعصيةِ كأن حلفَ لا يَزني، لما في التَّقديم من الإعانةِ على المعصيةِ، والجمهور على الإجزاءِ؛ لأنَّ اليمين لا يحرِّم ولا يحلِّل، ومنعَ أبو حنيفة وأصحابه وأشهبُ من المالكيَّة التَّقديم. لنا قوله: «فكفِّرْ عن يمينِكَ وأتِ الَّذي هو خيرٌ».
فإن قيل: الواو لا تدلُّ على التَّرتيب، أُجيب برواية أبي داود والنَّسائيِّ: «فكفِّر عن يمينِكَ، ثمَّ ائتِ الَّذي هو خيرٌ»، فإن قلتَ: ما مناسبة هذه الجملة للسَّابقة؟ أُجيب بأنَّ الممتنع من الإمارةِ قد يؤدِّي به الحال إلى الحلفِ على عدمِ القبولِ مع كونِ المصلحة في ولايتهِ.
стр. 11553
والحديث أخرجَه البخاريُّ أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٤٦] وفي «الكفَّارات» [خ¦٦٧٢٢]، ومسلم في «الأيمان»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، وأخرج النَّسائيُّ قصَّة الإمارة في «القضاءِ والسِّير»، وقصَّة اليمين في «الأيمان».
٦٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد عارم بنُ الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهم الأزديُّ الأزرق، أحدُ الأعلام (عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، وفتح الجيم من جرير (١)، الأزديِّ البصريِّ من صغارِ التَّابعين (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدةِ، اسمُه الحارث أو عامر (٢) (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريٍّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ) رجالٍ دون العشرةِ (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع: أشعرِيّ، نسبةً إلى الأشعر بن أُدَدَ بن يشجُب، وقيل له: الأشعر لأنَّ أمَّه ولدتْهُ أشعرَ (أَسْتَحْمِلُهُ) أي: أطلبُ منه ما يحملنَا من الإبل، ويحملُ أثقالنَا لأجلِ غزوةِ تبوك (فَقَالَ) ﷺ : (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، قَالَ) أبو موسى: (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة، أي: النَّبيُّ ﷺ (بِثَلَاثِ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، ما بين الثَّلاث إلى العشرة، وقال أبو عُبيد (٣): هي من الإناث، فلذا قال: بثلاثِ ذودٍ، ولم
стр. 11554
يقلْ: بثلاثةِ ذودٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، جمع: أغرّ، وهو الأبيضُ الحسن، و «الذُّرَى» بضم الذال المعجمة وفتح الراء، جمع: ذُِروة -بالكسر والضم- وذروة كلِّ شيءٍ أعلاهُ، والمراد هنا: الأسنمةُ (فَحَمَلَنَا) بفتح الفاء والحاء والميم واللام (عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا-: وَاللهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا) فيها (أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللام (فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ) بضم النون وكسر الكاف مشددة (١)، بيمينهِ (فَأَتَيْنَاهُ) فذكَرنا له (فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللهُ) (حَمَلَكُمْ) أي: إنَّما أعطيتُكم من مالِ الله، أو بأمرِ الله؛ لأنَّه كان يُعطي بالوحي (٢) (وَإِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) منها (٣) (أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) أي: لا أحلفُ على موجبِ يمين (٤)؛ لأنَّ اليمين موجبة (٥)، والموجبُ هو الَّذي انعقدَ عليه الحلف، وخبر «إنَّ» جملة «لا أحلف»، وجواب القسم محذوفٌ سدَّ مسدَّ خبر «إنَّ» ويحتملُ أن يكون «لا أحلفُ» جواب القسمِ، وخبر «إنَّ» القَسَمُ وجوابه، و «إنْ شاء الله» جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها، وقدَّم استثناء المشيئةِ وكان موضعُه عقب جواب القسم (٦)، وذلك أنَّ جوابَ القسم جاء بـ «لا» وعقبه الاستثناء بـ «إلَّا»، فلو تأخَّر استثناءُ (٧) المشيئةِ حتَّى يجيء الكلام: والله لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلَّا أتيتُ الَّذي هو خيرٌ إن شاء الله؛ لاحتملَ أن يرجعَ إلى قولهِ: «أتيتُ» أو إلى قولهِ: «هو خيرٌ» فلمَّا قدَّمه انتفَى هذا التَّخيُّل (٨)، وأيضًا ففِي تقدِيمه اهتمامٌ به؛ لأنَّه استثناءٌ مأمورٌ به شرعًا، وينبغِي أن يُبادر بالمأمورِ به، والتَّعليق بالمشيئةِ هنا الظَّاهر أنَّه للتبرُّك، وإلَّا فحقيقتُه ترفع القسمَ المقصود هنا؛ لتأكيدِ الحكم وتقريرِهِ، وهل يحكم على اليمينِ المقيَّدة بتعليقِ المشيئة إذا قصد بها التَّعليق أنَّها منعقدةٌ أو لم تنعقدْ أصلًا؟ فيه خلافٌ لأصحابنا. وقوله: «أو أتيتُ»
стр. 11555
إمَّا شكٌّ من الرَّاوي في تقدِيم «أتيتُ» على «كفَّرت» والعكس، وإمَّا تنويعٌ من الشَّارع ﷺ إشارةً إلى جوازِ تقديم الكفَّارة على الحنثِ وتأخيرها.
والحديث أخرجَه البخاريُّ أيضًا في «كفَّارات الأيمان» [خ¦٦٧٢١] وسبق مطولًا في «كتاب الخمس» [خ¦٣١٣٣]، وأخرجه مسلم في «الأيمان»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الكفَّارات».
٦٦٢٤ - ٦٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ رَاهُوْيَه، كما جزم أبو نُعيم في «مستخرجه»، أو هو ابنُ نصر قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام بن نافع، أحدُ الأعلام، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الصَّنعانيِّ، أنَّه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «به (١) أبو هريرة» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ) المتأخِّرون وجودًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) الأمم (يَوْمَ القِيَامَةِ) حسابًا ودخولًا للجنَّة.
(فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَاللهِ لأَنْ) بفتح اللام، وهي لتأكيدِ القسم (يَلَجَّ) بفتح التَّحتية واللام والجيم المشددة، من اللَّجاج، وهو الإصرارُ على الشَّيء مطلقًا، أي: لأنَّ يتمادى (أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ) الَّذي حلفه (فِي) أمرٍ بسبب (أَهْلِهِ) وهم يتضرَّرون بعدمِ حنثهِ ولم يكن معصيةً (آثَمُ لَهُ) بفتح الهمزة الممدودة والمثلثة، أشدُّ إثمًا للحالفِ المتمادِي (عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ) يحنثَ و (يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَـ) ها (٢) (اللهُ) (عَلَيْهِ) فينبغِي له أنْ يحنثَ ويفعلَ ذلك ويكفِّر، فإن تورَّع عن ارتكابِ الحنثِ خشيةَ الإثم أخطأَ بإدامة الضَّرر على أهلهِ؛ لأنَّ الإثمَ في اللَّجاج أكثر منه في الحنثِ على زعمهِ أو توهّمهِ.