المؤمنين، وتاب إلى الله (١) من كان (٢) خاضَ في حديثِ الإفكِ، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآيةَ (٣) أي: لا يحلف أولو الفضلِ منكُم أنْ لا يصلُوا (٤) قراباتهِم المساكين المهاجرين، فرجعَ الصِّدِّيق إلى مسطحٍ ما كان يصلُه به (٥) من النَّفقة.
والحديث من أفرادِهِ.
٦٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) عارم السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) بفتح السين المهملة والراء بينهما ميم مضمومة، ابنُ حبيب، وقيل: كان اسمُه عبد كلال، فغيَّره النَّبيُّ ﷺ . قال البخاريُّ: له صحبةٌ، وكان إسلامُه يوم الفتحِ، وشهدَ غزوة تبوك، وافتتحَ سجستان وغيرها في خلافةِ عثمان، ثمَّ نزلَ البصرةَ، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ) لي (النَّبِيُّ ﷺ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة، مصدر أمرَ، و «لا» ناهيةٌ، و «تسألْ» مجزومٌ بالنَّهي، و «الإمارةَ» مفعول به، والفاعلُ مستترٌ يعودُ على «عبد الرَّحمن» وكسرتِ اللام لالتقاءِ السَّاكنين، أي: لا تسألِ الولايةَ (فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا) الفاء للعطفِ (٦) (عَنْ مَسْأَلَةٍ) وجواب الشَّرط قوله: (وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بضم الواو وكسر
стр. 11552
الكاف وسكون اللام، يقال: وكَله إلى نفسهِ وَكْلًا ووكولًا، وهذا الأمر موكولٌ إليَّ، ومنه قول النَّابغة:
كِلِيْنِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ … وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ
أي: إنَّ الإمارةَ أمرٌ شاقٌّ لا يخرجُ عن (١) عهدتهَا إلَّا أفرادٌ (٢) من الرِّجال، فلا تسألها عن تشوُّفِ نفسٍ، فإنَّك إن سألتَها تُرِكتَ معها فلا يُعينك الله عليها، وحينئذٍ فلا يكون فيهِ كفايةٌ لها، ومن كان هذا شأنُه لا يُولَّى (وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وإنَّك إنْ أُوتيتها عن» (غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) و «عن» يحتملُ أن تكون بمعنى الباء، أي: بمسألة، أي: بسببِ مسألةٍ، قال امرؤُ القيس:
تَصُدُّ وتُبْدِي عَن أَسِيلٍ وتَتَّقِي … بنَاظِرَةٍ مِن وَحْشِ وَجَرْةِ مُطْفِلِ
أي: بأسيل (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ظاهره تقديم التَّكفير على إتيانِ المحلوف عليه، والرِّواية السَّابقة [خ¦٦٦٢٢] تأخيره، ومذهبُ إمامنا الشَّافعيِّ ومالك والجمهور جوازُ التَّقديم على الحنثِ لكن يستحبُّ كونها (٣) بعدَه، واستثنى الشَّافعيُّ التَّكفير بالصَّوم؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّة فلا تقدَّم قبل وقتها كصومِ رمضان، واستثنى بعضُ أصحابه حنثَ المعصيةِ كأن حلفَ لا يَزني، لما في التَّقديم من الإعانةِ على المعصيةِ، والجمهور على الإجزاءِ؛ لأنَّ اليمين لا يحرِّم ولا يحلِّل، ومنعَ أبو حنيفة وأصحابه وأشهبُ من المالكيَّة التَّقديم. لنا قوله: «فكفِّرْ عن يمينِكَ وأتِ الَّذي هو خيرٌ».
فإن قيل: الواو لا تدلُّ على التَّرتيب، أُجيب برواية أبي داود والنَّسائيِّ: «فكفِّر عن يمينِكَ، ثمَّ ائتِ الَّذي هو خيرٌ»، فإن قلتَ: ما مناسبة هذه الجملة للسَّابقة؟ أُجيب بأنَّ الممتنع من الإمارةِ قد يؤدِّي به الحال إلى الحلفِ على عدمِ القبولِ مع كونِ المصلحة في ولايتهِ.
стр. 11553
والحديث أخرجَه البخاريُّ أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٤٦] وفي «الكفَّارات» [خ¦٦٧٢٢]، ومسلم في «الأيمان»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، وأخرج النَّسائيُّ قصَّة الإمارة في «القضاءِ والسِّير»، وقصَّة اليمين في «الأيمان».
٦٦٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد عارم بنُ الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهم الأزديُّ الأزرق، أحدُ الأعلام (عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، وفتح الجيم من جرير (١)، الأزديِّ البصريِّ من صغارِ التَّابعين (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدةِ، اسمُه الحارث أو عامر (٢) (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريٍّ، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ) رجالٍ دون العشرةِ (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع: أشعرِيّ، نسبةً إلى الأشعر بن أُدَدَ بن يشجُب، وقيل له: الأشعر لأنَّ أمَّه ولدتْهُ أشعرَ (أَسْتَحْمِلُهُ) أي: أطلبُ منه ما يحملنَا من الإبل، ويحملُ أثقالنَا لأجلِ غزوةِ تبوك (فَقَالَ) ﷺ : (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، قَالَ) أبو موسى: (ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة، أي: النَّبيُّ ﷺ (بِثَلَاثِ ذَوْدٍ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، ما بين الثَّلاث إلى العشرة، وقال أبو عُبيد (٣): هي من الإناث، فلذا قال: بثلاثِ ذودٍ، ولم
стр. 11554
يقلْ: بثلاثةِ ذودٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، جمع: أغرّ، وهو الأبيضُ الحسن، و «الذُّرَى» بضم الذال المعجمة وفتح الراء، جمع: ذُِروة -بالكسر والضم- وذروة كلِّ شيءٍ أعلاهُ، والمراد هنا: الأسنمةُ (فَحَمَلَنَا) بفتح الفاء والحاء والميم واللام (عَلَيْهَا فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا -أَوْ قَالَ بَعْضُنَا-: وَاللهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا) فيها (أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللام (فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ) بضم النون وكسر الكاف مشددة (١)، بيمينهِ (فَأَتَيْنَاهُ) فذكَرنا له (فَقَالَ: مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللهُ) (حَمَلَكُمْ) أي: إنَّما أعطيتُكم من مالِ الله، أو بأمرِ الله؛ لأنَّه كان يُعطي بالوحي (٢) (وَإِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) منها (٣) (أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي) أي: لا أحلفُ على موجبِ يمين (٤)؛ لأنَّ اليمين موجبة (٥)، والموجبُ هو الَّذي انعقدَ عليه الحلف، وخبر «إنَّ» جملة «لا أحلف»، وجواب القسم محذوفٌ سدَّ مسدَّ خبر «إنَّ» ويحتملُ أن يكون «لا أحلفُ» جواب القسمِ، وخبر «إنَّ» القَسَمُ وجوابه، و «إنْ شاء الله» جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها، وقدَّم استثناء المشيئةِ وكان موضعُه عقب جواب القسم (٦)، وذلك أنَّ جوابَ القسم جاء بـ «لا» وعقبه الاستثناء بـ «إلَّا»، فلو تأخَّر استثناءُ (٧) المشيئةِ حتَّى يجيء الكلام: والله لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلَّا أتيتُ الَّذي هو خيرٌ إن شاء الله؛ لاحتملَ أن يرجعَ إلى قولهِ: «أتيتُ» أو إلى قولهِ: «هو خيرٌ» فلمَّا قدَّمه انتفَى هذا التَّخيُّل (٨)، وأيضًا ففِي تقدِيمه اهتمامٌ به؛ لأنَّه استثناءٌ مأمورٌ به شرعًا، وينبغِي أن يُبادر بالمأمورِ به، والتَّعليق بالمشيئةِ هنا الظَّاهر أنَّه للتبرُّك، وإلَّا فحقيقتُه ترفع القسمَ المقصود هنا؛ لتأكيدِ الحكم وتقريرِهِ، وهل يحكم على اليمينِ المقيَّدة بتعليقِ المشيئة إذا قصد بها التَّعليق أنَّها منعقدةٌ أو لم تنعقدْ أصلًا؟ فيه خلافٌ لأصحابنا. وقوله: «أو أتيتُ»
стр. 11555
إمَّا شكٌّ من الرَّاوي في تقدِيم «أتيتُ» على «كفَّرت» والعكس، وإمَّا تنويعٌ من الشَّارع ﷺ إشارةً إلى جوازِ تقديم الكفَّارة على الحنثِ وتأخيرها.
والحديث أخرجَه البخاريُّ أيضًا في «كفَّارات الأيمان» [خ¦٦٧٢١] وسبق مطولًا في «كتاب الخمس» [خ¦٣١٣٣]، وأخرجه مسلم في «الأيمان»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الكفَّارات».
٦٦٢٤ - ٦٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابنُ رَاهُوْيَه، كما جزم أبو نُعيم في «مستخرجه»، أو هو ابنُ نصر قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام بن نافع، أحدُ الأعلام، قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الصَّنعانيِّ، أنَّه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «به (١) أبو هريرة» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ) المتأخِّرون وجودًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) الأمم (يَوْمَ القِيَامَةِ) حسابًا ودخولًا للجنَّة.
(فَقَالَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وقال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَاللهِ لأَنْ) بفتح اللام، وهي لتأكيدِ القسم (يَلَجَّ) بفتح التَّحتية واللام والجيم المشددة، من اللَّجاج، وهو الإصرارُ على الشَّيء مطلقًا، أي: لأنَّ يتمادى (أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ) الَّذي حلفه (فِي) أمرٍ بسبب (أَهْلِهِ) وهم يتضرَّرون بعدمِ حنثهِ ولم يكن معصيةً (آثَمُ لَهُ) بفتح الهمزة الممدودة والمثلثة، أشدُّ إثمًا للحالفِ المتمادِي (عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ) يحنثَ و (يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَـ) ها (٢) (اللهُ) (عَلَيْهِ) فينبغِي له أنْ يحنثَ ويفعلَ ذلك ويكفِّر، فإن تورَّع عن ارتكابِ الحنثِ خشيةَ الإثم أخطأَ بإدامة الضَّرر على أهلهِ؛ لأنَّ الإثمَ في اللَّجاج أكثر منه في الحنثِ على زعمهِ أو توهّمهِ.
стр. 11556
وقال ابنُ المُنَيِّر: وهذا من جوامعِ الكلمِ وبدائعهِ، ووجهه: أنَّه إنَّما تحرَّجوا من الحنثِ والحلف بعدَ الوعد المؤكَّد باليمين، وكان القياسُ يقتضِي أن يقالَ: لجاجُ أحدِكُم (١) آثمُ له من الحنثِ، ولكن النَّبيَّ ﷺ عدلَ عن ذلكِ إلى ما هو لازم الحنثِ وهو الكفَّارة؛ لأنَّ المقابلة بينها وبين اللَّجاج أفحمُ للخصمِ وأدلُّ على (٢) سوء نظرِ المتنطِّع الَّذي اعتقد أنَّه تحرَّج من الإثمِ، وإنَّما تحرَّج من الطَّاعة والصَّدقة والإحسان، وكلّها تجتمعُ في الكفَّارة، ولهذا عظَّم شأنها بقولهِ: «الَّتي افترضَ اللهُ عليه»، وإذا صحَّ أنَّ الكفَّارة خيرٌ له ومِن لوازمِها الحنث صحَّ أنَّ الحنث خيرٌ له (٣)، و «لأنْ يلجَّ أحدُكم بيمينِهِ في أهلِهِ» أي: لأن يصمِّم (٤) أحدكم في قطيعةِ أهله ورحمهِ بسبب يمينهِ الَّتي حلفَها على تركِ برِّهم آثمُ عند الله مِن كذا. انتهى.
وفي هذا الحديث (٥): أنَّ الحنْثَ في اليمينِ أفضلُ من التَّمادي إذا كانَ في الحنثِ مصلحة، ويختلفُ باختلافِ حُكم المحلوفِ عليه، فإن حلفَ على ارتكابِ معصيةٍ كترك واجبٍ عينيٍّ، وفعلِ حرامٍ، عصى بحلفهِ ولزمه حنثٌ وكفَّارة إذا لم يكن له طريقٌ سواه، وإلَّا فلا، كما لو حلفَ لا ينفق على زوجتهِ، فإنَّ (٦) له طريقًا بأنْ يُعطيها من صداقها أو يُقرضها ثمَّ يبرئها؛ لأنَّ الغرض حاصلٌ مع بقاءِ التَّعظيم، وإن (٧) حلفَ على تركِ مباحٍ أو فعلهِ كدخولِ دارٍ وأكلِ طعامٍ (٨) ولبس ثوبٍ، سُنَّ تركُ حنثهِ لِمَا فيه من تعظيمِ اسم الله. نعم إنْ تعلَّق بتركه أو فعلهِ غرض دينيّ كأن حلفَ أن لا يمسَّ (٩) طِيْبًا، ولا يلبس ناعمًا، فقيل: يمين مكروهةٌ (١٠)، وقيل:
стр. 11557
يمين طاعة اتِّباعًا للسلف في خشونةِ العيش، وقيل: يختلفُ باختلافِ أحوال النَّاس وقصودِهم وفراغِهم (١). قال الرَّافعيُّ والنَّوويُّ: وهو الأصوبُ، وإن (٢) حلف على تركِ مندوبٍ كسنَّة ظهرٍ، أو فعل مكروهٍ كالالتفاتِ في الصَّلاة، سُنَّ حنثه، وعليه الكفَّارة، أو على فعلِ مندوبٍ، أو تركِ مكروهٍ، كُره حنثهُ، وعليه بالحنثِ كفَّارة.
ومناسبة الحديث لِمَا ترجم له في (٣) قولهِ: «لأنَّ يلجَّ … » إلى آخره، وقولهِ: «نحن الآخرون السَّابقون يوم القيامة» طرفٌ من حديثٍ سبق من غيرِ هذا الوجه عن أبي هُريرة في أوَّل «كتاب الجمعة» [خ¦٨٧٦] وقد كرَّر البخاريُّ هذا القدر في بعضِ الأحاديث الَّتي أخرجها من صحيفةِ همَّام من رواية مَعمر عنه، وهو أوَّل حديث في النُّسخة، وكان همَّام يعطفُ عليه بقيَّة الأحاديث بقولهِ: «وقال رسولُ الله ﷺ ».
٦٦٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٤)، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ -يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ-) وسقط لأبي ذرٍّ «يعني: ابن إبراهيم». وقال في «الفتح»: جزمَ أبو علي الغسَّانيُّ بأنَّه ابن منصور، وصنيعُ أبي نُعيم في «مستخرجه» يقتضي أنَّه إسحاق بن إبراهيم المذكور قبله. وقال العينيُّ: وأمَّا النُّسخة الَّتي فيها: «يعني: ابن إبراهيم» فما أزالت الإبهام؛ لأنَّ في مشايخ البخاريِّ: إسحاق بن إبراهيم بن نصر، وإسحاق بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن، وإسحاق بن إبراهيم الصَّوَّاف، وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن رَاهُوْيَه، فالصَّواب أنَّه ابن منصور، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوحاظيُّ؛ بتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف ظاء مشالة معجمة، وقد حدَّث عنه البخاريُّ بلا واسطةٍ في «كتاب الصلاة» [خ¦٣٦١] [خ¦٤١٩] [خ¦٨٢٥] وبواسطة في «كتاب الحج» [خ¦١٨٠٩] وغيره، قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ) بن سلَّام -بتشديد اللام- الحبشيُّ الأسود (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، بالمثلَّثة
стр. 11558
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنِ اسْتَلَجَّ) بسين مهملة ساكنة ففوقيَّة ثمَّ لام مفتوحتين ثمَّ جيم مشدَّدة، استفعل من اللَّجاج، أي: من استدام (فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ) حَلَفهُ في أمرٍ يتعلَّق بهم يضرُّهم به (فَهْوَ) أي: استدامتُه على اليمينِ مع تضرُّر أهله (أَعْظَمُ إِثْمًا) من حنثهِ (لِيَبَرَّ) بكسر اللام وفتح التحتية بعدها موحدة فراء مشدَّدة، واللَّام للأمر، بلفظ أمر الغائبِ، من البرِّ، أي: ليترك اللَّجاج، ويفعل المحلوفَ عليه ويبرَّ (يَعْنِي) بالبرِّ: (الكَفَّارَةَ) عن اليمين الَّذي حلفه، ويفعلُ المحلوفَ عليه؛ إذ الإضرارُ بالأهلِ أعظمُ إثمًا من حنثِ اليمين، وذِكْرُ الأهل في الحديثين خرجَ مخرج الغالبِ، وإلَّا فالحكمُ يتناولُ غير الأهل إذا وجدتِ العلَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لَيْسَ» بفتح اللام وسكون التَّحتية بعدها سين مهملة «تُغْنِي الكفَّارةُ» بضمِّ الفوقيَّة وسكون الغين المعجمة بعدها نون مكسورةٌ، و «الكفَّارةُ» رفعٌ، أي: إنَّ الكفَّارة لا تُغني عن ذلك، وهو خلافُ المراد، فالأولى أوضح، وقيل في توجيهِ هذه الأخيرة: إنَّ المفضَّل عليه محذوفٌ، والمعنى: أنَّ الاستلجاجَ أعظمُ إثمًا من الحنثِ، والجملة استئنافيَّة، المراد: أنَّ ذلك الإثم لا تغني عنه كفَّارة، وقال ابنُ حزمٍ: لا جائزَ أن يُحملَ على اليمين الغموسِ؛ لأنَّ الحالفَ بها لا يُسمَّى مستلجًّا في أهلهِ، بل صورته (١) أنْ يحلف أن يُحسن إلى أهلهِ ولا يضرَّهم، ثمَّ يريد أن يحنثَ ويلجَّ في ذلك فيضرّهم ولا يحسنُ إليهم ويكفِّر عن يمينهِ، فهذا مستلجٌّ بيمينه في أهله آثمٌ، ومعنى قولهِ: «لا تُغْني الكفَّارة»: أنَّ الكفَّارة لا تحبطُ عنه إثمَ إساءته إلى أهلهِ، ولو كانت واجبةً عليه، وإنَّما هي متعلِّقة باليمين الَّتي حلفها، قال ابنُ الجوزيِّ: قوله: «ليس تُغْني الكفَّارة» كأنَّه أشار به (٢) إلى أنَّ إثمه في قصدهِ أنْ لا يبرَّ ولا يفعلَ (٣) الخير، فلو كفَّر لم ترفعِ الكفَّارة سَبْق ذلك القصْدِ.
(٢) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في يمينه: (وَايْمُ اللهِ) من ألفاظ القَسَمِ، كقولك (٤): لعمرُ الله
стр. 11559
وعهدُ الله، وهو مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ، أي: قسمِي، أو يمينِي، أو لازمٌ لي، وفيها لغاتٌ كثيرةٌ وتفتحُ همزتها وتكسر، وهمزتُها همزة وصلٍ وقد تُقطع، ونحاةُ الكوفةِ يقولون: إنَّها جمع يمين، وغيرهم يقولون: هي اسمٌ موضوعٌ للقسمِ. وقال المالكيَّة والحنفيَّةُ: إنَّها يمينٌ. وقال الشَّافعيَّة: إن نَوى اليمين انعقدَ، وإنْ نوى غير اليمين لم ينعقدْ يمينًا، وإن أطلق فوجهان: أصحُّهما لا ينعقدُ، وعن أحمدَ روايتان أصحُّهما الانعقادُ، وحكى الغزاليُّ في معناهَا وجهين: أحدهما: أنَّه كقولهِ: بالله، والثَّاني وهو الرَّاجح: أنَّه كقولهِ: أحلفُ بالله.
٦٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة»: «حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفر» المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا) وهو البعثُ الَّذي أمرَ بتجهيزهِ عند موتهِ ﷺ وأنفذَهُ أبو بكر ﵁ بعدَه (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ) بتشديد الميم، جعلَ عليهم أميرًا (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ) بكسر الهمزة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في إمارتِهِ» وكان أشدَّهم في ذلك كلامًا عيَّاشُ بنُ أبي ربيعةَ المخزوميُّ، فقال: يستعملُ هذا الغلام على المهاجرين وكان فيهم أبو بكر وعمر، فسمع عُمر ذلك (١) فأخبرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمْرَتِهِ) بضم العين وفتحها في الفرعِ كأصلهِ، قيل: وهما لغتان (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ) زيد بن حارثة (مِنْ قَبْلُ) في غزوة مُؤتة (وَايْمُ اللهِ) أي: أَحلفُ بالله (إِنْ كَانَ) زيد (لَخَلِيقًا) بفتح اللام والخاء المعجمة وبالقاف، لجديرًا (لِلإِمَارَةِ) بكسر الهمزة (وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ) بتشديد الياء (وَإِنَّ هَذَا) أسامة ابنه (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ).
стр. 11560
والحديث سبقَ في «مناقبِ زيدٍ ﵁» [خ¦٣٧٣٠].
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الَّتي كان يواظبُ على القسمِ بها أو يكثرُ؟ (وَقَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابنُ أبي وقَّاص، ممَّا وصله المؤلِّف في «مناقبِ عمر ﵁» [خ¦٣٤٨٣] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬): «إيهًا يا ابنَ الخطَّاب» (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بيد (١) قدرتهِ وتصريفِهِ (٢) «ما لقيكَ الشَّيطان سالكًا فجًّا قطُّ إلَّا سلكَ فجًّا غير فجِّك».
(وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارثُ بن ربعيٍّ الأنصاريُّ، ممَّا (٣) سبق موصولًا في «باب من لم يخمِّس الأسلابَ» من «كتاب الخمس» [خ¦٣١٤٢] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) عام حنين: (لَاهَا اللهِ) بالوصل، أي: لا واللهِ (إِذًا) بالتَّنوين جواب وجزاء، أي: لا والله إذا صدقَ لا يكون كذَا، وتمامُه: «لا يعْمِدُ» -يعني: النَّبيَّ ﷺ «إلى أسدٍ من أُسْد الله يقاتلُ عن اللهِ ورسولهِ ﷺ فيُعْطيكَ سَلَبَه» فقال النَّبيُّ ﷺ : «صدق (٤) فأعطِهِ» الحديثَ، وسبقَ في البابِ المذكورِ. قال البخاريُّ: (يُقَالُ: وَاللهِ) بالواو (وَبِاللهِ) بالموحدةِ (وَتَاللهِ) بالفوقيَّة، يريدُ أنَّها حروف قَسَمٍ، فالأوَّلان يدخلانِ على كلِّ ما يُقسم به، والثَّالث لا يدخل إلَّا على الجلالة الشَّريفة، نعم سُمعَ شاذًّا: ترب الكعبةِ وتالرَّحمن، ونقل الماورديُّ: أنَّ أصل حروفِ القسمِ الواو ثم الموحدةِ (٥) ثمَّ المثنَّاة، ونقل ابنُ الصبَّاغ عن أهلِ اللُّغة: أنَّ الموحدة هي الأصل، وأنَّ الواو بدل منها، وأنَّ المثنَّاة بدلٌ من الواو، وقوَّاه ابنُ الرِّفعة بأنَّ الباء تعملُ في الضَّمير بخلافِ الواو، ولو قالَ: اللهَِْ ُ مثلًا -بتثليث آخرهِ أو تسكينهِ (٦) - لأفعلنَّ كذا، فكنايةٌ إنْ نوى بها اليمين فيمينٌ، وإلَّا فلا، واللَّحنُ لا يمنعُ الانعقادَ، ولو قال: أقسمتُ، أو أقسمُ، أو حلفتُ، أو أحلفُ بالله
стр. 11561
لأفعلنَّ كذا، فيمينٌ؛ لأنَّه عُرْف الشَّرع. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلَّا إنْ نَوى خبرًا ماضيًا في صيغةِ الماضِي أو مستقبلًا في المضارعِ فلا يكون يمينًا؛ لاحتمالِ ما نواهُ.
٦٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد الفِريابيُّ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنَّه (١) (قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) الَّتي يحلفُ بها (لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ) بالأعراض والأحوال، قال الرَّاغبُ: تقليبُ الله القلوبَ والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي، والتَّقليب التَّصرُّف (٢)، وسمِّي قلب الإنسان لكثرة تقلُّبه، ويعبَّرُ بالقلبِ عن المعاني الَّتي تختصُّ به من الرُّوح والعلم والشَّجاعة. وقال القاضِي أبو بكر بنُ العربي: القلبُ جزءٌ من البدن خلقهُ الله وجعلَه للإنسانِ محلَّ العلم والكلام وغير ذلك من الصِّفات الباطنةِ، وجعل ظاهر البدن محلَّ التَّصرفات الفعليَّة والقوليَّة، ووكَّل به مَلَكًا يأمرُه بالخيرِ وشيطانًا يأمرُه بالشَّرِّ، فالعقلُ بنورهِ يهديهِ، والهوى بظلمتهِ يُغويه، والقضاء والقدر مُسيطرٌ على الكلِّ، والقلبُ يتقلَّب بين الخواطرِ الحسنة والسَّيئة، والمحفوظُ مَن حفظهُ الله تعالى، وقد تمسَّك بهذا الحديثِ مَن أوجب الكفَّارة على من حلفَ بصفةٍ من صفاتِ الله تعالى فحنثَ، ولا نزاعَ في أصلِ ذلك، وإنَّما اختلفَ في أيِّ صفةٍ تنعقدُ بها اليمين، والتَّحقيق أنَّها مختصَّةٌ بالصِّفة الَّتي لا يُشاركه فيها غيره كمقلِّب القلوب.
والحديث سبق في «باب يحول بين المرء وقلبه» [خ¦٦٦١٧].
стр. 11562
٦٦٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيلَ أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عمير الكوفيِّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) بفتح المهملة وضم الميم، ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا هَلَكَ) أي: مات (قَيْصَرُ) وهو هرقلَ ملك الرُّوم (فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) يملكُ مثلَ ما ملك (وَإِذَا هَلَكَ) أي: مات (كِسْرَى) أنوشروان بن هُرْمز، ملك الفرس (فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: بقدرتهِ يصرفُها كيف يشاء، والَّذي أعبدُه (١)، وهذا موضعُ التَّرجمة (لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وفيه عَلَمٌ من أعلام النُّبوَّة؛ إذ وقعَ، كما أخبرَ ﷺ .
والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٣١٢١].
٦٦٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ) في العراق (وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) في الشَّام، وهذا قالهُ ﷺ تطييبًا لقلوبِ أصحابهِ من قريشٍ، وتبشيرًا لهم بأنَّ ملكَهما سيزولُ عن الإقليمين المذكُورين؛ لأنَّهم كانوا يأتونهما للتِّجارة، فلمَّا أسلموا خافوا انقطاعَ سفرهِم إليهما، فأمَّا كسْرى فقد مزَّق الله مُلكه بدعائهِ ﷺ لمَّا مزَّق كتابه، ولم يبقَ له بقيَّة، وزال ملكُه من جميعِ الأرض، وأمَّا قيصرُ فإنَّه لمَّا ورد عليه كتابُ النَّبيِّ ﷺ أكرمَه (٢) ووضعَه في المِسْكِ فدعا له ﷺ أن يثبِّت الله ملكَه (٣) فثبت ملكه في الروم (٤) وانقطع عن الشَّام (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ) ، بفتح قاف «تنفقَنَّ» أي: مالهما المدفون، أو الَّذي جُمِع وادُّخِرَ، وقد وقعَ ذلك كما أخبرَ الصَّادق ﷺ .
стр. 11563
وقال (١) أهل التَّاريخ: كان في القصرِ الأبيض لكسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف -ثلاث مرَّات- غير أنَّ رُستم لمَّا مرَّ منهزمًا حمل معه نصفَ ما كان في بيوتِ الأموالِ وترك النِّصفَ، فنقله المسلمون فأصابَ الفارسُ اثني عشر ألفًا.
والحديث سبق في «علاماتِ النُّبوة» [خ¦٣٦١٨].
٦٦٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلَّام قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة وبعد المهملة هاء تأنيث، ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من أمورِ الآخرةِ، وشدَّة أهوالهَا، وما أُعدَّ في النَّار لمن دَخلها، وما في الجنَّة من الثَّواب (لَبَكَيْتُمْ) لذلك (٢) بكاء (كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ) ضحكًا (قَلِيلًا) جواب القسم السَّادّ مسدَّ جواب «لو» «لبَكَيتم (٣) … » إلى آخره، وفيه -كما في «الفتح» - دَلالة على اختصاصهِ ﷺ بمعارف بصريَّة وقلبيَّة قد يُطلع الله تعالى غيره عليها من المخلصين من أمَّته لكن بطريقِ الإجمال، وأمَّا تفاصيلُها فما اختُصَّ به (٤) ﷺ ، فجمعَ الله له بين علمِ اليقينِ وعينِ اليقين مع الخشيةِ القلبيَّة، واستحضار العظمةِ الإلهيَّة على وجهٍ لم يكن لغيرِه (٥)، زاده الله تعالى شرفًا. فإن قلت: الخطاب إمَّا أن يكون للمؤمنين خاصَّةً أو عامًّا، فإن كان الأوَّل فليس ثمَّة ما يُوجب تقليل الضَّحك وتكثير البكاء؛ لأنَّ المؤمن وإنْ دخل النَّار فعاقبتُه الجنَّة لا محالةَ مخلَّدًا فيها، فمدَّة ما يوجبُ البُكاء بالنِّسبة إلى ما يُوجب الضَّحك والسُّرور نسبة شيءٍ يسيرٍ إلى شيءٍ لا يتناهى، وذلك يُوجب العكسَ، وإن كان الثَّاني فليسَ للكافرِ ما يوجبُ الضَّحك أصلًا؟ أُجيب بأنَّ الخطابَ للمؤمنين، وخرج في مقامِ ترجيحِ الخوفِ على الرَّجاء إخافة على الخاتمةِ.
стр. 11564
والحديث سبق في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨٥].
٦٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قال: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو (١) بينهما تحتية ساكنة آخره هاء تأنيث، ابنُ شريح (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين وكسر القاف (زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ) بضم الزاي وسكون الهاء بعدها راء مفتوحة، و «مَعْبَد» بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة (أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ هِشَامٍ) ﵁ القرشيَّ التَّيميَّ له ولأبيهِ صُحبة. قال البغويُّ: سكن المدينة (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (فَقَالَ لَهُ (٢) عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ) والله (لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ) بتشديد الياء واللَّام لتأكيد القسم المقدَّر (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي) ذكر حبَّه لنفسه بحسب الطَّبع (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ له: لَا) يكملُ إيمانك (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ) ﷺ (عُمَرُ) ﵁ لمَّا علم أنَّ النَّبيَّ ﷺ هو السَّبب في نجاةِ نفسهِ من الهلكاتِ: (فَإِنَّهُ الآنَ وَاللهِ) يا رسولَ الله (لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي) فأخبر بما اقتضاهُ الاختيار بسببِ توسّط الأسباب (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (الآنَ) عرفتَ، فنطقتَ بما يجبُ عليك (يَا عُمَرُ).
وهذا الحديث ذكره في «مناقبِ عمر» [خ¦٣٦٩٤] بعين (٣) هذا السَّند، لكنَّه اقتصرَ منه على (٤) قولهِ «وهو آخذٌ بيدِ عمر بن الخطَّاب» فقط، وهو ممَّا انفردَ البخاريُّ بإخراجهِ.
стр. 11565
٦٦٣٣ - ٦٦٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو الإمام الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية وفتح الموحدة (ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ المدنيِّ، من مشاهيرِ الصَّحابة ﵁ (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ) لم يسمَّيا (اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) تعالى (وَقَالَ الآخَرُ -وَهْوَ أَفْقَهُهُمَا-) جملة معترضةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، وإنَّما كان أفقَه لحسن أدبهِ باستئذانهِ أولًا، أو (١) أفقه في هذه القصَّة لوصفها على وجهها، أو كان أكثر فقهًا في ذاته: (أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام مخفّفة، أي: نعم (يَا رَسُولَ اللهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) (وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ) له ﷺ : (تَكَلَّمْ) بما في نفسك (قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيْفًا) بالعين المفتوحة والسين المكسورة المهملتين وبعد التحتية الساكنة فاء، فعيل بمعنى مفعول (عَلَى هَذَا) و «على» بمعنى اللَّام، أي: أجيرًا لهذا، أو بمعنى عند، أي: أجيرًا عند هذا، أو أجيرًا على خدمةِ هذا، فحذفَ المضاف (-قَالَ مَالِكٌ) الإمام ﵀: (وَالعَسِيفُ الأَجِيرُ- زَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي) أي: العلماء (أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ) فـ «مِن» للبدَليَّة، زادَ أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لي» (ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ) كان يُفتي في الزَّمن النَّبويِّ الخلفاء الأربعة، وأُبيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت الأنصاريُّون، فيما ذكره العذريُّ (٢) بلاغًا
стр. 11566
(فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي) «ما» موصول بمعنى الَّذي والصِّلة «على ابني» أي: الَّذي استقرَّ على ابني (١) (جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) أي: ولاء لمسافة القصر؛ لأنَّ المقصود إيحاشه بالبعدِ عن الأهل والوطن (وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا) بتخفيف الميم، وهي ساقطةٌ للكُشمِيهنيِّ (وَالَّذِي) أي: وحقُّ الَّذي (نَفْسِي بِيَدِهِ) فـ «الَّذي» مع صلتهِ وعائدهِ مُقْسَم به، وجوابُ القسمِ (٢): (لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بما تضمَّنه كتاب الله، أو بحكم (٣) الله، وهو أولى؛ لأنَّ الحكم فيه التَّغريبُ، والتَّغريب ليس مذكورًا في القرآن (أَمَّا (٤) غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ) أي: فمردودةٌ، فأطلق المصدر على المفعول، نحو: ثوب نسج اليمين (٥)، أي: منسوجُ اليمين (وَجَلَدَ ابْنَهُ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وفي نسخة: «وجُلد» بضم الجيم مبنيًّا للمفعول «ابنُه» رفع نائب عن الفاعلِ (مِئَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأُمِرَ) بضم الهمزة (أُنَيْسٌ) بضم الهمزة وفتح النون والرفع نائب عن الفاعل، ابن الضَّحَّاك (الأَسْلَمِيُّ) صفةٌ، ولأبي ذرٍّ: «أَمر» بفتح الهمزة «أنيسًا» نصب على المفعوليَّة «الأسلميَّ» (أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ) فيعلمها بأنَّ هذا الرَّجل قذفَها بابنهِ فلها عليه حدَّ القذفِ فتطالبه به أو تعفو (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (رَجَمَهَا) لأنَّها محصنةٌ، وللكُشمِيهنيِّ (٦): «فارجمها» فذهبَ إليها أُنيسٌ فسألها (فَاعْتَرَفَتْ) به (٧) فأخبر النَّبيَّ ﷺ بذلك (فَرَجَمَهَا) أي: فأمرَ برجمها، فرُجمتْ.
وفيه أنَّ مطلقَ الاعتراف يوجبُ الحدَّ، وهو مذهب مالك والشَّافعي لقولهِ ﷺ لأُنَيس: «فإن اعترفتْ فارجمها» فعلَّق الرَّجم على مجرَّد الاعتراف، وإنَّما كرَّره على ماعز، كما في حديثه؛ لأنَّه شكَّ في عقلهِ، ولهذا قال له: «أبكَ جنون؟» [خ¦٦٨١٥] وقال الحنفيَّة: لا يجب إلَّا بالاعترافِ في أربعةِ مجالس، وقال أحمدُ: أربعٌ في مجلس أو مجالس.
стр. 11567
والغرضُ من حديث الباب قولُه ﷺ : «أما والَّذي نفسِي بيدِهِ لأقضينَّ» ويأتي إن شاء الله تعالى في «الحدودِ» [خ¦٦٨٢٧] وقد ذكره المؤلِّف في مواضع كثيرة مختصرًا في «الصلح» [خ¦٢٦٩٥] و «الأحكام» [خ¦٧١٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٤] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٤٩] وغيرها.
٦٦٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبٌ) بفتح الواو وسكون الهاء، ابنُ جرير بن حازم الأزديُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج الحافظ، أبو بسطام العتكيُّ أميرُ المؤمنين في الحديثِ (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) هو محمدُ بن عبدِ الله بنِ أبي يعقوب الضَّبيُّ، ونسبه لجدِّه (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بفتح الموحدة وسكون الكاف وبعد الراء تاء تأنيث، الثَّقفيُّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة، نُفَيْع بن الحارث -بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها عين مهملة- ابن كَلَدة -بفتحتين- أسلم بالطَّائف، ثمَّ نزل البصرةَ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبرونِي (إِنْ كَانَ أَسْلَمُ) بن أَفْصى (١) (وَغِفَارُ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء (وَمُزَيْنَةُ) بضم الميم وفتح الزاي (وَجُهَيْنَةُ) بضم الجيم وفتح الهاء وبعد التحتية السَّاكنة نون، الأربعة قبائل مشهورة (خَيْرًا مِنْ تَمِيمٍ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ) وفي «أوائل المبعث» [خ¦٣٥١٦] «من بني تميمٍ وبني عامرٍ» (وَغَطَفَانَ) بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء (وَأَسَدٍ) وخبر «إن» قوله: (خَابُوا) بالخاء المعجمة والموحدة، من الخيبةِ (وَخَسِرُوا) والضَّمير -كما قال في «الكواكب» - راجعٌ إلى الأربعةِ الأقرب وهم «تميم … » إلى آخره، (قَالُوا: نَعَمْ) خابوا وخسرُوا، وفي «أوائل المبعث» [خ¦٣٥١٦] أنَّ القائل هو الأقرعُ بن حَابس (فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُمْ) أي: أسلم وغفار ومزينة وجهينة (خَيْرٌ مِنْهُمْ) أي: من تميمٍ ومن بعدَهم، والمراد:
стр. 11568
خيريَّة المجموع على المجموعِ (١)، وإن جازَ أن يكون في المفضولين فردٌ أفضلُ من فردِ الأفضلين.
والحديث سبق في «المبعث» [خ¦٣٥١٦].
٦٦٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بنُ الزُّبير (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة، قيل: اسمه عبد الرَّحمن، وقيل: المنذر (السَّاعِدِيِّ) ﵁ (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا) هو عبدُ الله بن اللُّتْبِيَّة -بضم اللام وسكون الفوقية وكسر الموحدة وتشديد التحتية- على الصَّدقة (فَجَاءَهُ) ﷺ (العَامِلُ) ابن اللُّتْبيَّة (حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ) فحاسبَه ﷺ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ) ﷺ (لَهُ: أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى) بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الدال المهملة (لَكَ أَمْ لَا؟!، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ العَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. أَفَلَا قَعَدَ (٢) فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) وهذا
стр. 11569
موضعُ التَّرجمة (لَا يَغُلُّ) بضم الغين المعجمة وتشديد اللام، لا يخون (أَحَدُكُمْ مِنْهَا) من الصَّدقة (شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ إِنْ كَانَ) الَّذي غلَّه (بَعِيرًا جَاءَ بِهِ) حال كونه (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء وفتح الغين المعجمة ممدودًا، صفة لبعيرٍ، أي: صوت (وَإِنْ كَانَتْ) المغلولة (بَقَرَةً جَاءَ بِهَا) يوم القيامةِ يحملُها على عنقهِ (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو، صوتٌ (وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا) يوم القيامة يحملُها على عنقهِ (تَيْعَرُ) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء، تصوِّت (فَقَدْ بَلَّغْتُ) ما أمرتُ به (فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) السَّاعديُّ ﵁: (ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ) بالإفراد (حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ) بضم العين المهملة وسكون الفاء وبالراء، بياضهما المشوب بالسُّمرة.
(قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ) السَّاعديُّ ﵁ -بالسَّند المذكور-: (وَقَدْ سَمِعَ ذَلِكَ) الحديث (مَعِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) أبو سعيد الأنصاريُّ كاتبُ الوحي (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلُوهُ) بفتح السين من غير همز.
والحديث سبق في «باب من لم يقبل الهدية لعلةٍ» من «كتاب الهبة» [خ¦٢٥٩٧].
٦٦٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء أبو إسحاق الرَّازيُّ المعروفُ بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من أهوالِ يوم القيامة (لَبَكَيْتُمْ) بفتح الكاف (كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) وكلُّ مَن كانَ باللهِ (١) أعرف كان أخوف.
وسبق متن الحديث عن عائشةَ ﵂ في هذا الباب [خ¦٦٦٣١].
стр. 11570
٦٦٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكوفيُّ (عَنِ المَعْرُورِ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وراءين مهملتين بينهما واو ساكنة، ابن سويد الأسديِّ (عَنْ أبي ذرٍّ) جندب بنِ جنادة الأنصاريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ) ﷺ (وَهُوَ يَقُولُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ) كذا في «اليونينية»، وفي نسخة: «وهو في ظلِّ الكعبة يقول» (هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ) مرَّتين، وهذا موضع التَّرجمة. قال أبو ذرٍّ: (قُلْتُ: مَا شَأْنِي) ما حالي؟ (أَيُرَى) بضم التحتية (فِيَّ) بتشديد الياء (شَيْءٌ) أيظنُّ في نفسِي شيءٌ يوجب الأخسريَّة، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أَيَرى» بالتحتية المفتوحة، يعني: النَّبيَّ ﷺ «فيَّ» -بتشديد الياء- «شيئًا» (مَا شَأْنِي) ما حالي؟ (فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ) ﷺ (وَهْوَ يَقُولُ: فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَسْكُتَ، وَتَغَشَّانِي) بفتح الغين والشين المشددة المعجمتين (مَا شَاءَ اللهُ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) مفدَّي (١) (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) ثلاث مرَّات، أي: إلَّا من أنفقَ ماله أمامًا ويمينًا وشمالًا على المستحقِّين، فعبَّر عن الفعل بالقولِ.
والحديث أخرجه البخاريُّ مقطَّعًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٠] بلفظ: «انتهيتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: والَّذي نفسِي بيدِه -أو: والَّذي لا إله غيره، أو كما حلفَ-، ما من رجلٍ يكون له إبلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا يؤدِّي حقَّها إلَّا أَتى بهَا يوم القيامةِ … » الحديثَ.
وأخرجه مسلم في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ.
стр. 11571
٦٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذَكوان (عَنْ الأَعْرَجِ) عبدُ الرَّحمن بن هُرْمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَالَ سُلَيْمَانُ) بن داود ﵉: (لأَطُوفَنَّ) والله لأطوفنَّ (اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً) أي: لأجامعهنَّ، و «تسعين» (١) بفوقية قبل السين، وفي رواية في «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٤٢٤] «سبعين» بموحدة بعد السين، وفي مسلم: «ستون» ويروى: «مئة» ولا منافاة؛ لأنَّه مفهوم عدد (كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، وفي رواية أخرى: «فتَحْمل كلُّ واحدةٍ، وتلدُ غلامًا فارسًا يقاتلُ في سبيلِ الله» وحينئذٍ فيكون في هذهِ الرِّواية حذف، أو لا حذفَ فيها ويكون قوله: «فتأتي» مسبّبًا عن الطَّوَفان؛ لأنَّه مسبَّب عن الحملِ، والحملُ عن الوطءِ، وسببُ السَّبب سببٌ وإن كان بواسطةٍ. وجزمَ بذلك لغلبةِ رجائه؛ لقصد الأجرِ (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ) قرينُه (٢)، أو المَلَك: (إِنْ شَاءَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «قل: إن شاء الله» (فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ) نسيانًا (فَطَافَ عَلَيْهِنَّ) جامعهنَّ (جَمِيْعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) بكسر الشين، بنصفِ ولد، وعبَّر بالرَّجل بالنَّظر إلى ما يَؤول إليه. قيل: إنَّه الجسدُ الَّذي ذكره الله أنَّه أُلقي على كرسيِّه (وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) فيه جواز إضافة «ايم» إلى غير لفظ الجلالةِ، ولكنَّه نادرٌ (لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) حالَ كونهم (فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) تأكيدٌ لضميرِ الجمعِ في قولهِ: «لجاهدُوا» وقد أَنسى الله تعالى سُليمان ﵇ الاستثناءَ لِيُمضِي قدرَه السَّابق.
والحديث سبق في «الجهاد» في «باب من طلب الولد للجهاد» [خ¦٢٨١٩] و «باب قول الله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾» في «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٤٢٤].
стр. 11572
٦٦٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قال الغسَّانيُّ: هو ابنُ سلام (١) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بالحاء الساكنة والصاد المهملتين بينهما واو مفتوحة، سلَّام -بالتشديد- ابن سُليم (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: أُهْدِيَ) بضم الهمزة (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَرَقَةٌ) بفتح السين المهملة والراء والقاف، وبالرفع، مفعول ناب عن فاعله، قطعةٌ (مِنْ حَرِيرٍ) أبيض جيِّد، وفي «المناقب» من طريق شعبة، عن أبي إسحاق [خ¦٣٨٠٢] «أُهديتْ للنَّبيِّ ﷺ حلَّة حَريرٍ» وفي حديث أنس في «الهبة» [خ¦٢٦١٦] «أهداهَا له أُكَيدر (٢) دُوْمة» (فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ، وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا وَلِينِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لهم: (أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا؟ قالوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن معاذ بن النُّعمان الأشهليِّ، سيِّدِ الأوس ﵁ (فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا) من سَرَقَة الحريرِ، وللكُشمِيهنيِّ (٣): «من هذا» ولعلَّه ﷺ قال ذلكَ استمالةً لقلبِ سعدٍ، أو أنَّ المتعجِّبين (٤) من الأنصارِ، فقال لهم: منديلُ سيِّدكم خيرٌ منه، وفيه منقبةٌ له لا تَخفى، وقد سبق الحديث في «الهبة» [خ¦٢٦١٥] و «المناقب» [خ¦٣٨٠٢] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٣٦].
(لَمْ يَقُلْ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما رواه في «المناقب» [خ¦٣٨٠٢] (وَ) كذا (إِسْرَائِيلُ) فيما رواه في اللِّباس [خ¦٥٨٣٦] كلاهما (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فانفردَ أبو الأحوص في روايتهِ عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ بها.
стр. 11573
٦٦٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، اسم جدِّه، واسمُ أبيه عبد الله المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ محمد بنِ مسلم، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بضم عين «عُتبة» وسكون الفوقية القرشيَّة، أمُّ معاويةَ بن أبي سفيان، أسلمتْ يوم الفتحِ ﵂ (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ أَخْبَاءٍ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وتخفيف الموحدة ممدودًا (أَوْ: خِبَاءٍ) بكسر الخاء، بالشَّكِّ هل هو بصيغةِ الجمع أو الإفراد، والخِباء: أحدُ بيوتِ العربِ من وبَرٍ أو صوفٍ، لا من شعرٍ، ويكون على عَمودين أو ثلاثة (أَحَبَّ) نصب خبر «كان» (إِلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ أَنْ يَذِلُّوا) بفتح التحتية وكسر الذال المعجمة، وسقط لفظ «مِن» في نسخة، وعليها ضربَ في «اليونينيَّة» (مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ) بفتح الهمزة (أَوْ: خِبَائِكَ) بإسقاطِها (شَكَّ يَحْيَى) بنُ بكير، شيخُ البخاريِّ (ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ أَهْلُ أَخْبَاءٍ، أَوْ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مِن أنْ» (يَعِزُّوا) بفتح التحتية وكسر العين (مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ) بالخاء المعجمة والموحدة، كالسَّابق، وفي «اليونينيَّة»: «هذهِ أحيائك (٢)» بالمهملة والتحتية (أَوْ خِبَائِكَ) بالشَّكِّ كذلك، و «أن» في الموضعين مصدريَّة، أي: من ذلِّهم ومن عزِّهم (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَأَيْضًا) ستزيدين من ذلك (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) لأنَّ الإيمان إذا تمكَّن في القلب زاد الحبُّ لرسولِ الله ﷺ وأصحابه، أو وأنا أيضًا بالنِّسبة إليكِ مثل ذلك، والأوَّل أوجه (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) بن حربٍ، تعني: زوجها (رَجُلٌ مَِسِّْيكٌ) بكسر الميم والسين المهملة المشددة، وبفتح الميم وتخفيف السين، وهو أصحُّ عند أهلِ العربية، والأوِّل أشهر عند المحدِّثين، أي: بخيل يمسكُ ما في يدِه لا يخرجُه لأحدٍ، قال القرطبيُّ: وبخلُه إنَّما هو بالنِّسبة إلى امرأتهِ وولدِهِ لا مطلقًا؛ لأنَّ الإنسان قد يفعلُ هذا مع أهلِ بيتهِ؛ لأنَّه يَرى غيرَهم أحوج وأولى، وإلَّا فأبو سفيان لم يكنْ مَعروفًا
стр. 11574
بالبخلِ فلا دَلالة في هذا الحديث على بخلهِ مطلقًا (فَهَلْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (حَرَجٌ) إثمٌ (أَنْ أُطْعِمَ) بضم الهمزة وكسر العين (مِنَ الَّذِي لَهُ؟ قَالَ) ﷺ : (لَا) حرجَ عليك (إِلَّا) بالتَّشديد، أنْ تُطعمي من ماله (بِالمَعْرُوفِ) أي: القدر الَّذي عُرِف بالعادةِ أنَّه كفاية، ويفسر (١) المعروف في كلِّ موضعٍ بحسبهِ، ولأبي ذرٍّ: «لا بالمعروفِ» فتكون الباء متعلِّقة بالإنفاق لا بالنَّفي.
والحديث مرَّ في «باب نفقةِ المرأة إذا غاب عنها زوجها» من «كتاب النَّفقات» [خ¦٥٣٥٩].
٦٦٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ بالجمعِ (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ) الأوديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة، و «مَسلمَة» بفتح الميمين، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ) يوسفَ بنِ إسحاق (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ، أنَّه (قال: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ) بفتح العين، الأوديَّ المخضرمَ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَسُولُ اللهِ ﷺ مُضِيفٌ) بضم الميم وكسر الضاد المعجمة بعدها تحتية ساكنة ففاء، أي: مُسْندٌ (ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ) جلد (يَمَانٍ) أصله: يمنِيٍّ، فقدَّم إحدى الياءين على النون وقلب ألفًا فصارَ مثل قاض، ولأبي ذرٍّ: «يمانيٍّ» على الأصلِ (إِذْ قَالَ لأَصْحَابِهِ: أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى) فيه أن «بلى» يجابُ بها في الاستفهامِ، كما في مسلم: «أنت الَّذي لقيتَنِي بمكَّة»؟ فقال له المجيبُ: بلى، ولكن هذا عندَهم قليل فلا يقاسُ عليه (قَالَ: أَفَلَمْ تَرْضَوْا) ولأبي ذرٍّ: «أفلا ترضون» (أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ) ﵊: (فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في يده» في تصريفه (إِنِّي لأَرْجُو أَنْ
стр. 11575
تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ) ذكر ذلك بالتَّدريج ليكون أعظمَ لسرورِهم.
والحديث سبق في «باب كيف الحشر» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٨].
٦٦٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بنِ أبي صَعْصعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو سعيدٍ نفسُه (سَمِعَ رَجُلًا) هو قتادة بنُ النُّعمان (يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) أبو سعيد (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الَّذي سمعَه من قتادة (لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ) بالهمز وتشديد النون (يَتَقَالُّهَا) بتشديد اللَّام يعتقدُ أنَّها قليلة في العمل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ) لأنَّه قَصصٌ وأخبارٌ وصفاتٌ لله تعالى، وسورة الإخلاص متمحِّضة لله تعالى وصفاتهِ فهي ثلثه، فقارئها له ثوابُ قراءة ثلث القرآن، وقراءةُ الثُّلث لها عشرة أمثالها، والثَّواب بقدر النَّصَب والفضل لله، وظاهرُ الأحاديث أنَّ من قرأها حصلَ له ثواب مثل من قرأَ ثلث القرآنِ، وفي «باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾» [خ¦٥٠١٥] بعد التَّفسير الإشارة لذلك.
٦٦٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) هو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح الحاء المهملة والموحدة المشدَّدة، ابنُ هلال الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى العوذيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعامةَ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁، أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَ) الله (١) (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ) بفتح الهمزة
стр. 11576
(مِنْ بَعْدِ) أي: من وراء (ظَهْرِي إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ) أي: إذا ركعتُم وإذا سجدتُم، فـ «ما» (١) زائدةٌ فيهما، والرُّؤية هنا رؤية إدراكٍ، وهي لا تتوقَّف على وجودِ آلتها الَّتي هي العين ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنِّسبة إلى القديمِ العالي، أمَّا المخلوقُ فتتوقَّف صفة الرُّؤية في حقِّه على الحاسَّةِ والمقابلةِ والشُّعاع، ومن ثمَّ كان خَرْقَ عادةٍ في حقِّه ﷺ ، وخالق البصر في العين قادرٌ على خلقهِ في غيرها. وفي «المواهب اللدنية» ممَّا جمعتُه ما يكفِي ويشفي.
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٧٤٢].
٦٦٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بنُ (٢) رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) الأزديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمها (أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) حال كونها (مَعَهَا أَوْلَادٌ لَهَا) لم يعرف ابن حجرٍ أسماءهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أولادها» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) بتشديد الياء (قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ) قال في «الكواكب»: الخطاب في قولهِ: «إنَّكم» لِجِنْسِ المرأة وأولادها -يعني الأنصار- وهو عامٌّ مخصَّصٌ بدَلائل أُخر، فلا يلزمُ منه أن يكون الأنصار أفضل من المهاجرين عمومًا، ومن العُمَرَين خصوصًا.
والحديث سبق في «فضلِ الأنصار» [خ¦٣٧٨٦].
(٤) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين، قوله ﷺ (٤): (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ).
стр. 11577
٦٦٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام ابن أنس الأصبحيِّ (عَنْ نَافِعٍ) أبي عبد الله الفقيه (عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (وَهْوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ) راكبي الإبل عشرة فصاعدًا، حال كونه (يَحْلِفُ بِأَبِيهِ) الخطَّاب (فَقَالَ) ﷺ : (أَلَا) بالتَّخفيف (إِنَّ اللهَ) (يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من طريق عكرمةَ قال: قال عُمر ﵁: «حدَّثتُ قومًا حديثًا، فقلتُ: لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفِي: لا تحلِفُوا بآبائكُم، فالتفتُّ فإذا رسولُ الله ﷺ يقول: لو أنَّ أحدكم حلفَ بالمسيحِ هلكَ والمسيحُ خيرٌ من آبائكُم» قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهذا مرسلٌ يتقوَّى بشواهد (١)، وأما قوله ﷺ : «أفلحَ وأبيهِ إنْ صَدَق» فقال ابنُ عبدِ البرِّ: إنَّ هذه اللَّفظة منكرةٌ غير محفوظةٍ تردُّها الآثار (٢) الصِّحَاح، وقيل: إنَّها مصحَّفة من قولهِ: «والله» وهو محتملٌ، ولكن مثل هذا لا يثبتُ بالاحتمال لاسيَّما وقد ثبتَ مثلُ ذلك من لفظِ أبي بكر الصِّدِّيق في قصَّة السَّارق الَّذي سرقَ حليَّ ابنتهِ، فقال: «وَأَبِيكَ مَا لَيْلُك بِلَيْلِ سَارِقٍ» أخرجه في «الموطأ» وغيره، وفي مسلم مرفوعًا: أنَّ رجلًا سأله: أيُّ الصَّدقة أفضل؟ فقال: «وأَبِيكَ لأُنَبِّئنَّكَ أو لَأُحدِّثَنَّك» وأحسنُ الأجوبةِ ما (٣) قاله البيهقيُّ -وارتضاهُ النَّوويُّ وغيره- أنَّ هذا اللَّفظ كان يجرِي على ألسنتِهِم من غيرِ أن يقصدُوا به القسَم، والنَّهيُ إنَّما وردَ في حقِّ من قصدَ حقيقةَ الحلف، أو أنَّ في الكلامِ حذفًا، أي: أفلحَ وربِّ أبيهِ، قاله البيهقيُّ أيضًا (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) بضم الميم، و «مَن» شرطيَّة في موضعِ رفع بالابتداءِ، و «كان» واسمُها وخبرها في محلِّ الخبر، والمعنى: مَن كان مريدًا (٤) للحلفِ فلْيَحلف بالله لا بغيرِه من الآباءِ وغيرِهم، وحكمَتُه (٥): أنَّ الحلفَ بالشَّيءِ يقتضِي تعظيمَه، والعظمةُ في
стр. 11578
الحقيقةِ إنَّما هي لله تعالى وحدَه، وظاهرُه تخصيصُ الحلفِ باللهِ خاصَّة، لكن اتَّفقوا على أنَّه ينعقدُ بما اختصَّ الله تعالى به ولو مشتقًّا ولو من غيرِ أسمائهِ الحُسنى كـ: واللهِ وربِّ العالمين والحيِّ الَّذي لا يموتُ، ومن نفسي بيدِه، إلَّا أن يريدَ به غير اليمين، فيقبلُ منه كما في «الروضة» كأصلها، أو بما هوَ فيه تعالى عند الإطلاقِ أغلب كالرَّحيم والخالقِ والرَّازق والرَّبّ ما لم يَرِدْ بها غيره تعالى؛ لأنَّها تستعملُ في غيرِه مقيَّدة كرحيمِ القلبِ، وخالقِ الإفكِ، ورازقِ الجيش، وربِّ الإبل، أو بما هو فيه تعالى وفي غيرِه سواء كالموجودِ، والعالم، والحيِّ إن أراده تعالى بها، بخلافِ ما إذا أرادَ بها غيره أو أطلقَ؛ لأنَّها لمَّا أُطلقتْ عليهما سواء أشبهت الكنايات، وبصفتهِ الذَّاتيَّة كعظمتهِ وعزَّته وكبريائهِ وكلامهِ ومشيئتهِ وعلمهِ وقدرتهِ وحقِّه، إلَّا أن يريدَ بالحقِّ العبادات، أو بعلمهِ وقدرتهِ المعلوم والمقدُور، وظاهر قوله: «فليحلفْ بالله» الإذنُ في الحلف، ولكن قال الشَّافعيَّة: يُكره لقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] إلَّا في طاعةٍ مِن فعْلِ (١) واجبٍ أو مندوبٍ، وتركِ حرامٍ أو مَكروهٍ فطاعة، وفي دَعوى عندَ حاكمٍ، وفي حاجةٍ كتوكيدِ كلامٍ، كقولهِ ﷺ : «فوَاللهِ لَا يمَلُّ اللهُ حتَّى تمَلُّوا» [خ¦٤٣] أو تعظيمِ أمرٍ كقولهِ: «واللهِ لَو تعلمُونَ مَا أَعْلَم لضَحِكْتُم قَليلًا ولَبَكَيْتم كثيرًا» [خ¦١٠٤٤] فلا يُكره فيهما.
٦٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) (٢)، بضم العين المهملة وفتح الفاء، مولى الأنصار المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيدَ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ سَالِمٌ) هو ابنُ عبد الله بنِ عمر: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) جملة «يَنْهاكم» في محلِّ
стр. 11579
رفع خبرِ (١) «إنَّ»، و «أنْ» مصدريَّة في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ بتقدير حرفِ الجرِّ، أي: يَنْهاكم عن أنْ تحلفُوا، الأوَّل للخليل والكسائيِّ، والثَّاني لسيبوَيه، وحكمُ غير الآباءِ من سائرِ الخلقِ كحكم الآباء (٢) في النَّهي، وفي حديثِ ابن عمرَ عند التِّرمذيِّ -وقال: حسنٌ- وصحَّحه الحاكمُ أنَّه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة (٣). فقالَ: لا تحلِفْ بغيرِ اللهِ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن حلَفَ بغيرِ اللهِ فقَدْ كفَرَ أو أشرَكَ» والتَّعبير بذلك للمُبَالغةِ في الزَّجر والتَّغليظ، وهل النَّهيُ للتَّحريمِ أو التَّنزيه؟ (٤) المشهورُ عند المالكيَّة الكراهة، وعندَ الحنابلةِ التَّحريم وجمهورُ الشَّافعيَّة أنَّه للتَّنزيهِ، وقال إمامُ الحرمين: المذهَبُ القطْعُ بالكراهةِ، وقال غيرُه بالتَّفصيل؛ فإن اعتقدَ فيه من التَّعظيمِ (٥) ما يعتقدُه في الله حرُمَ الحلف به، وكفرَ بذلك الاعتقاد، أمَّا (٦) إذا حلفَ بغيرِ الله لاعتقادِهِ تعظيمَ المحلوفِ به على ما يليقُ به (٧) مِن التَّعظيم، فلا يكفرُ بذلك ولا تنعقدُ يمينه.
(قَالَ عُمَرُ) ﵁: (فَوَاللهِ (٨) مَا حَلَفْتُ بِهَا) أي: بأبي (مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) و «منذ» ظرفٌ مضافٌ إلى الجملةِ بتقدير: زمان، أي: ما حلفتُ بها منذُ زمن سَمَاعي يَنْهى (٩) عنها حالَ كَوْني (١٠) (ذَاكِرًا) أي: عامدًا (وَلَا آثِرًا) بهمزةٍ ممدودةٍ فمثلَّثة مكسورةٍ، أي: حاكيًا عن غيرِي، أي: ما حلفتُ بها ولا حكيتُ ذلك عن غيرِي، واستُشكل هذا التَّفسير لتصديرِ الكلام بـ «حلفْتُ» والحاكِي عن غيرِه لا يسمَّى حالفًا؟ وأُجيب باحتمالِ أن يكون العامل فيه محذوفًا، أي: ولا ذكرتُها آثرًا عن غيرِي، أو يكون ضمَّنَ «حلفْتُ» مَعنى تكلَّمْت، أو معناهُ يرجعُ إلى مَعنى
стр. 11580
التَّفاخر بالآباءِ والإكرام لهم، فكأنَّه قال: ما حلفْتُ بآبائِي ذاكرًا لمآثرِهم.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفِريابيُّ في «تفسيره» عن ورقاء، عن ابنِ أبي نجيحٍ في تفسير قولهِ تعالى: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]) وفي نسخةٍ: «أو أثرةٍ» بإسقاطِ الألف بعد المثلَّثَة، وفي هامشِ الفرعِ كأصلهِ قُرئ بضم الهمزة وسكون المثلثة، وبفتحهما، أي: (يَأْثُرُ عِلْمًا) بضم المثلّثة، واختُلف في مَعنى هذه اللَّفظة، ومحصّل ما ذكرَ في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها البقيَّة، والأصل: أَثَرْتُ الشَّيءَ آثُرُه أَثَارَة كأنَّها بقيَّةٌ تُسْتخرج فتُثَار، الثَّاني من الأَثَر، وهو الرِّواية، والثَّالث من الأَثَر، وهو (١) العلامةُ (تَابَعَهُ) أي: تابع يونس (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد، ممَّا رواه أبو نُعيم في «مستخرجه» على مسلمٍ (وَالزُّبَيْدِيُّ) محمد بنُ الوليد، ممَّا وصلهُ النَّسائيُّ (وَإِسْحَاقُ) بن يحيى (الكَلْبِيُّ) الحمصيُّ، ممَّا هو في «مشيختهِ» (٢) المرويَّة من طريق أبي بكر أحمدَ بنِ إبراهيمَ بن شاذان، الثَّلاثة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم بنِ شهابٍ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصلهُ الحميديُّ في «مسنده» (وَمَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ، ممَّا وصله أبو داود كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه (سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ).
وفي هذا الحديث الزَّجرُ عن الحلفِ بغيرِ الله، وإنَّما خصَّ في حديثِ ابنِ عمر بالآباءِ لورودِهِ (٣) على سببهِ المذكور، أو خصَّ لكونهِ كان غالبًا عليهم لقولهِ في الرِّواية الأُخرى [خ¦٣٨٣٦] «وكانتْ قريشٌ تحلفُ بآبائها» ويدلُّ على التَّعميم قوله: «مَن كان حالفًا فلا يحلِفْ إلَّا باللهِ» فلو حلفَ بغيرهِ تعالى؛ سواء كان المحلوفُ به يستحقُّ التَّعظيم كالأنبياءِ والملائكةِ والعلماءِ والصُّلحاء والملوكِ والآباء والكعبة، أو كان لا يستحقُّ التَّعظيم كالآحاد، أو يستحقُّ التَّحقير والإذلال كالشَّياطين والأصنام لم تنعقدْ يمينه. قال الطَّبريُّ: من حلفَ بالكعبةِ أو آدم أو جبريل ونحو ذلك، لم تنعقدْ يمينُه، ولزمَهُ الاستغفارُ لإقدامهِ على ما نهيَ عنه، ولا كفَّارة في ذلك، نعم استثنَى بعضُ الحنابلةِ من ذلك الحلف بنبيِّنا محمَّد ﷺ فقال: تنعقدُ به اليمين، وتجبُ الكفَّارة بالحنثِ به لأنَّه ﷺ أحدُ ركني الشَّهادة الَّذي لا تتمُّ إلَّا به، ولله تعالى أن يُقْسم بما شاءَ من خلقهِ كاللَّيل والنَّهار؛ ليُعْجِب بها المخلوقين، ويُعرِّفهم قدرَتَه؛ لعِظَمِ
стр. 11581
شَأنها عندَهم ولدَلالتها على خالقِها، وأمَّا المخلوق فلا يُقْسم إلَّا بالخالقِ، قال:
ويَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الشَّيءُ عِنْدِي … وَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا (١)
٦٦٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَلِيُّ (٢) قال: (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) قال المهلَّب: كانت العربُ في الجاهليَّة تحلفُ بآبائهم وآلهتِهم، فأرادَ الله تعالى أن ينسخَ من قلوبهم وألسنتِهم ذِكر كلِّ شيءٍ سواه، ويبقي ذكره تعالى لأنَّه الحقُّ المعبودُ.
٦٦٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وفتح الموحدة، عبد الله بن زيد الجرميِّ
стр. 11582
(وَالقَاسِمِ) بن عاصم (التَّمِيمِيِّ) البصريِّ، كلاهما (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثمَّ ميم، بوزن جَعْفَر، ابن مُضَرِّب الجَرْميِّ -بفتح الجيم وسكون الراء- أبي مسلم البصريِّ، أنَّه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الراء، قبيلةٌ من قُضاعة (وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ) بضم الواو وتشديد المهملة، محبَّة (وَإِخَاءٌ) بكسر الهمزة وتخفيف المعجمة والمدِّ (فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ) ليأكل منه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ أَحْمَرُ) اللَّون (كَأَنَّهُ مِنَ المَوَالِي) و «تَيْم» -بفتح الفوقية وسكون التحتية- حيٌّ من بني بكر، وثبت لفظ: «بني» لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (فَدَعَاهُ) أبو موسى (إِلَى الطَّعَامِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ) يعني: جنس الدَّجاج (يَأْكُلُ شَيْئًا) قذرًا (فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة، أي: كرهتُ أكله (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ) وفي التِّرمذيِّ عن قتادة عن زَهْدم قال: دخلتُ على أبي موسى وهو يأكلُ دَجاجًا، فقال: «ادْن فكُلْ فإنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يأكلُهُ» ففيه: أنَّ الرَّجلَ المبهم هو (١) زَهْدمٌ نفسه (فَقَالَ) له أبو موسى: (قُمْ فَلأُحَدِّثَنَّكَ) بنون التَّوكيد، أي: فوالله لأحدِّثنَّك (عَنْ ذَاكَ) ولأبي ذرٍّ: «عن ذلك» باللَّام (إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ فِي نَفَرٍ) جماعةٍ من الرِّجال، ما بين الثَّلاثة إلى العشرةِ (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ) نطلبُ منه إبلًا تحملُنا وأثقالَنا (فَقَالَ) ﷺ : (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) زاد أبو ذرٍّ: «عليه» (فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضم همزة «فأُتي» (بِنَهْبِ إِبِلٍ) إضافة «نهبٍ» لتاليهِ، أي: من غنيمةٍ (فَسَأَلَ) ﷺ (عَنَّا، فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ) فحضرنَا (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة، مجرورٌ بالإضافةِ من الإبلِ ما بين الثَّلاث إلى العشر (٢) (غُرِّ الذُّرَى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء، و «الغُرِّ» بالغين المعجمة المضمومة وتشديد الراء، بيضُ الأسنمةِ (فَلَمَّا انْطَلَقْنَا) من عندِه بهَا (قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟! حَلَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا) وللكُشمِيهنيِّ: «أن لا يحملنا» (وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتحاتٍ (تَغَفَّلْنَا) بسكون اللَّام (رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ)
стр. 11583
أي: طلبنَا غفلتَهُ في يمينهِ الَّذي حلَفَ لا يحملنَا (وَاللهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) ﷺ (فَقُلْنَا لَهُ): يا رسولَ الله، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ (١) «له» (إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) على محلوفِ يمينٍ (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الَّذي حلفتُ عليه (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة.
قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّه ﷺ لم (٢) يحلفْ على عدمِ حملانهم مطلقًا؛ لأنَّ مكارمَ أخلاقهِ ورأفتهِ ورحمتهِ بالمؤمنين تأبى ذلك، والَّذي يظهرُ لي أنَّ قوله: «وما عندِي ما أحملُكم» جملةٌ حاليَّةٌ من فاعلِ الفعل المنفيِّ بـ «لا» أو مفعوله، أي: لا أحملُكم في حالةِ عدمِ وجدَاني لشيءٍ أحملُكم عليه، أي: أنَّه لا يتكلَّف حملَهم بقرضٍ أو غيره لِمَا رآهُ من المصلحةِ المقتضيةِ لذلك، فحملُه لهم على ما جاءهُ من مالِ الله لا يكون مقتضيًا لحنثهِ، فيكون قوله: «إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها … » إلى آخره تأسيسَ قاعدةٍ في الأيمان، لا أنَّه ذكر ذلك لبيان أنَّه حنثَ في يمينهِ وأنَّه يكفِّرها. انتهى. وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى في «باب اليمين فيما لا يملكُ» [خ¦٦٦٧٨].
ومطابقةُ الحديثِ للترجمةِ: قال الكِرْمانيُّ: من حيث إنَّه ﷺ حلفَ في هذه القصَّة مرَّتين أولًا عند الغضبِ، ومرَّةً عند الرِّضا، ولم يحلفْ إلَّا بالله، فدلَّ على أنَّ الحلف إنَّما هو باللهِ على الحالتين، وستكون لنَا عودةٌ إن شاء الله تعالى (٣) بعون الله إلى بقيَّة مباحث هذا الحديثِ في «كفَّارات (٤) الأيمان» [خ¦٦٧١٨] وغيرِها.
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يُحْلَفُ) بضم أوله وفتح ثالثه (بِاللَّاتِ) بتشديد اللَّام
стр. 11584
(وَالعُزَّى) بضم العين المهملة وتشديد الزاي المفتوحة (وَلَا يُحْلَفُ بِالطَّوَاغِيتِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة، جمع: طاغوت، صنمٌ، وقيل: شيطانٌ، وأصلُه: طغيوت، قدِّمت الياء على الغين فصار: طيغوتٌ، ثمَّ قلبتِ الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، والألف واللَّام في «اللَّات» زائدةٌ لازمةٌ، فأمَّا قوله: «إلى لاتها» (١) فحذفتْ للإضافةِ، وهل هي والعزَّى عَلمان بالوضعِ أو صفتانِ غالبتان؟ خلافٌ، ويترتَّب على ذلك جوازُ حذف «أل» وعدمهِ، فإن قلنا: إنَّهما ليسا وصفين في الأصلِ فلا تحذف منهما «أل»، وإن قلنا: إنَّهما صفتان وأنَّ «أل» للمح الصِّفة جاز، وبالتَّقديرين فـ «أل» زائدةٌ، واختُلف في تاء «اللَّات» فقيل: أصلٌ، وأصلُه مِن لاتَ يَلِيت فألفها عن ياء، وقيل: زائدةٌ، وهي من لوى يلوي؛ لأنَّهم كانوا يلوون أعناقَهم إليها أو يلتوون، أي: يعتكفون عليها، وأصلها: لوية، فحذفتْ لامُها، فألفُها على هذا من واو، وهو (٢) اسمُ صنمٍ كان لثقيفٍ بالطَّائف، وقيل: بعكاظٍ، والعزَّى فُعلى من العزِّ، وهي تأنيثُ الأعَزِّ، كالفُضْلى والأفضل، وهو اسم صنمٍ، وقيل: شجرةٌ كانت تُعْبد، فبعثَ ﷺ إليها (٣) خالدَ بن الوليد فقطعَها، فجعلَ يضربُها بالفأسِ ويقول:
يَا عِزُّ كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ … إِنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أَهَانَكِ
٦٦٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) أبو عبد الرَّحمن قاضي صنعاء قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬)
стр. 11585
أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ) بغير الله (فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) بكسر اللام: (بِاللَّاتِ وَالعُزَّى) بموحدةٍ في الأولى، وواو في الثانية، ولأبي ذرٍّ بواو بدل الموحدةِ، أي: في الأولى (١)، كيمين المشركين (فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال في «شرح المشارق»: لأنَّ الحلف إنَّما هو بالله، فإذا حلفَ باللَّات والعزَّى، فقد ساوى الكفَّار في ذلك، فأمرَ أن يتدارَك ذلك بكلمة التَّوحيد، كذا في بعض الشُّروح، ومقتضاه أنَّه يكفر بذلك، وهو كذلك إن كان حلِفه به لكونهِ معبودًا، ويكون الأمر للوجوب، وإن كان لغيرِ ذلك، كما يقول الرَّجل: وحياتِكَ لأفعلنَّ كذا، فأمرهُ ﷺ إنَّما يكون لشبههِ بمن يعبدُها، وهل يكفرُ بذلك فيباحُ دمه، وتَبِين امرأتُه، ويَبْطل حجُّه؟ فيه كلامٌ. انتهى.
(وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ) بفتح اللام (أُقَامِرْكَ) بالجزم، جوابُ الأمر (فَلْيَتَصَدَّقْ) ندْبًا بشيءٍ تكفيرًا للخطيئةِ الَّتي قالها ودعا إليها؛ لأنَّه وافقَ الكفَّار في لعبهِم، ويتأكّدُ ذلك في حقِّ من لعبِ بطريقِ الأولى.
والحديث سبقَ في «تفسير سورة النَّجم» [خ¦٤٨٦٠] بلفظ الإسناد والمتن، وسبق أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٠٧] و «الاستئذان» [خ¦٦٣٠١].
(٦) (باب مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّيْءِ) يفعلُه أو لا يفعلُه، حلفَ على ذلك (وَإِنْ لَمْ يُحَلَّفْ) بضم التحتية وفتح اللام المشددة، مبنيًّا للمجهول.
٦٦٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيد قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعد الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اصْطَنَعَ) أي: أمرَ أن يصنعَ له (خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ يَلْبَسُهُ فَيَجْعَلُ) ولأبي ذرٍّ: «فجعل» (فَصَّهُ) بفتح الفاء أفصحُ وبالصاد المهملة (٢) (فِي
стр. 11586
بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «خواتيم» أي: من ذهبٍ (ثُمَّ إِنَّهُ) ﷺ (جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَنَزَعَهُ) جملة «جلسَ» في موضع خبر «إنَّ» وجملة «نزعَهُ» معطوفةٌ على الَّتي قبلها (فَقَالَ) عطفٌ، أو في موضعِ الحال، أي: جلسَ وقد قال، فيكون قوله قبل جلوسِهِ، أو مع جلوسِهِ، ومعمول (١) القول: (إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الخَاتِمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ) أي: من داخلِ كفِّي (فَرَمَى) ﷺ (بِهِ) بالخاتم ولم يستعملْه (ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) لأنَّه حُرِّم يومئذٍ (فَنَبَذَ النَّاسُ) فطرحوا (خَوَاتِيمَهُمْ) وأرادَ ﷺ بحلفهِ تأكيد الكراهةِ في نفوس أصحابهِ وغيرهم ممَّن بعدَهم. وقال المهلَّبُ: إنَّما كانَ ﷺ يحلِفُ في تضاعيفِ كلامهِ وكثيرٍ من فتواهُ متبرِّعًا بذلك؛ لنسخِ ما كانتْ عليه الجاهليَّة في الحلفِ بآبائهِم وآلهتهِم؛ ليعرِّفهُم أنَّ لا محلوف (٢) به سوى الله تعالى، وليتدرَّبوا (٣) على ذلك حتَّى ينسُوا ما كانوا عليه من الحلفِ بغيرهِ تعالى. وقال ابنُ المُنَيِّر: مقصودُ التَّرجمة أن يخرجَ مثل هذا من قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: على أحدِ التَّأويلات فيها؛ لئلَّا يُتَخيَّل أنَّ الحالفَ قبل أن يُستحلف يرتكبُ النَّهي، فأشار إلى أنَّ النَّهي يختصُّ بما ليس فيه قصدٌ صحيحٌ كتأكيدِ الحكم، كالَّذي (٤) وردَ في حديثِ الباب في منع لُبس خاتم الذَّهب. انتهى. وإطلاقُ بعض الشَّافعيَّة كراهيةَ (٥) الحلفِ من غير استحلافٍ فيما لم يكنْ طاعةً، ينبغي أن يقالَ فيما لم يكنْ مصلحةً، بدل قولهِ: «طاعة» كما (٦) لا يخفى.
والحديث سبق في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٦٦].
(٧) (باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ) بكسر الميم وتشديد اللام، دينٍ وشريعةٍ (سِوَى الإِسْلَامِ) ولغيرِ أبي ذرٍّ:
стр. 11587
«سوى ملَّةِ الإسلام» كاليهوديَّةِ والنَّصرانيَّة والمجوسيَّة والصَّابئة وأهلِ الأديان والدُّهريَّة والمعطِّلة وعبدةِ الشَّياطين والملائكة، هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الحديث السَّابق [خ¦٦٦٥٠] قبلُ: (مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ) ﷺ (إِلَى الكُفْرِ) لأنَّه اقتصرَ على الأمرِ بقول (١): «لا إلهِ إلَّا الله» ولو كان ذلك يقتضِي الكفر؛ لأَمَرهُ بتمامِ الشَّهادتين.
٦٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، العَمِّيُّ أبو الهيثم، الحافظُ أخو بُهْزٍ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة، عبدِ الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ، وهو ممَّن بايعَ تحت الشَّجرةِ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ) كأن يقول: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النَّبيِّ ﷺ ، ولمسلم: «مَن حلَفَ علَى يمينٍ بملَّةٍ غيرِ الإسْلَام» و «على» بمعنى الباء، أو التَّقدير (٢): مَن حلَفَ على شيءٍ بيمينٍ، فحذف المجرور، وعدَّى الفعل بـ: «على» بعد حذف الباء، وفي «كتاب الجنائز» من البخاريِّ [خ¦١٣٦٣]، من طريق خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة: «من حلفَ بملَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذبًا متعمِّدًا» وجواب الشَّرط قوله: (فَهْوَ كَمَا قَالَ) و «هو» مبتدأٌ، و «كما قال» في موضعِ الخبرِ، أي: فهو كائنٌ كما قال، وظاهرُه أنَّه يكفرُ بذلك، ويحتملُ أن يكون المراد التَّهديد والمبالغة في الوعيدِ لا الحكم، كأنَّه قال: فهو مستحقٌّ مثل عذابِ من اعتقدَ ما قال، والتَّحقيق أنَّه لا تنعقدُ يمينهُ ولا يكفرُ إن قصدَ تبعيدَ نفسهِ عن الفعلِ، أو أطلقَ، كما اقتضاهُ كلام النَّوويِّ في «الأذكار»: وليقل: لا إله إلَّا الله، ويستغفرُ ولا كفَّارة عليه، وهل يحرمُ ذلك عليه (٣) أو يكره
стр. 11588
تنزيهًا؟ المشهور الثَّاني، وإن قصد الرِّضا بذلك إذا فعله فهو كافرٌ في الحال، وقوله: «كاذبًا متعمِّدًا» يستفادُ منه أنَّ الحالفَ المتعمِّد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيمِ ما لا يعتقدُ تعظيمهُ لم يكفرْ، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملَّة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرَّد التَّعظيم لها باعتبارِ ما كان قبلَ النَّسخ فلا يكفرُ.
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) ولمسلم: «بحديدَةٍ» (عُذِّبَ بِهِ) بذلك الَّذي قتلَ نفسه به (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهو من باب مجانسَةِ العقوباتِ الأُخْرويَّة للجناياتِ الدُّنيويَّة، وفيه أنَّ جنايةَ الإنسان على نفسهِ كجنايتهِ على غيرِه في الإثمِ؛ لأنَّ نفسَه ليستْ ملكًا له (١) مطلقًا، بل هي للَّهِ، فلا يتصرَّف فيها إلَّا فيما أَذِنَ فيه (وَلَعْنُ المُؤْمِنِ) بأن يدعوَ عليه باللَّعن (كَقَتْلِهِ) في التَّحريم أو العقابِ، وأبدَى الشَّيخ تقيُّ الدِّين في ذلك سؤالًا، وهو أن يقال: إمَّا أن يكون كقتلهِ في أحكام الدُّنيا، أو في أحكامِ الآخرةِ، لا سبيلَ إلى الأوَّل؛ لأنَّ قتلَه يوجبُ القصاصَ، ولعنُه لا يوجبُ ذلك، وأمَّا أحكامُ الآخرة فإمَّا أن يرادَ التَّساوي في الإثمِ، أو في العقابِ، وكلاهما مشكلٌ؛ لأنَّ الإثمَ يتفاوتُ بتفاوتِ مَفْسَدةِ الفعل، وليس إذهابُ الرُّوح في المفسدةِ كمفسدةِ الأذى باللَّعن، وكذلك العقابُ يتفاوتُ بحسب تفاوتِ الجرائمِ، وقال المازَريُّ -فيما نقله عنه القاضِي عياض-: الظَّاهر من الحديث تشبيههُ في الإثمِ وهو تشبيهٌ واقعٌ؛ لأنَّ اللَّعنة قطعٌ عن الرَّحمة، والموت قطعٌ عن التَّصرُّف.
قال القاضِي عياض: وقيل: لَعْنُه يقتضِي قصدَ إخراجهِ من المسلمين، ومنعَهم منافعَهُ، وتكثيرَ عددِهم به، كما لو قتلهُ، وقيل: لعنهُ يقتضِي قطعَ منافعهِ الأخرويَّة عنه، وبُعْدَه بإجابةِ لعنه، وهو كمن قُتِلَ في الدُّنيا وقُطِعَت عنه منافعُه فيها، وقيل: معناهُ: استواؤهما في التَّحريم.
قال في «المصابيح»: هذا يحتاجُ إلى تخليصٍ ونظرٍ، فأمَّا ما حكاهُ عن المازَرِيِّ من أنَّ الظَّاهر من الحديثِ تشبيههُ في الإثمِ، وكذلك ما حكاهُ من أنَّ معناهُ: استواؤهمَا في التَّحريم، فهذَا يحتملُ أمرين، أحدُهما: أنَّ يقعَ التَّشبيه والاستواء في أصلِ التَّحريم والإثم، والثَّاني:
стр. 11589
أن يقعَ في مقدار الإثم، فأمَّا الأوَّل فلا ينبغي أن يحملَ عليه؛ لأنَّ كلَّ معصيةِ قلَّتْ أو عظمَتْ فهي مشابهةٌ ومساويةٌ للقتلِ في أصلِ التَّحريم، ولا يَبقى في الحديثِ كبيرُ فائدةٍ مع أنَّ المفهوم منه تعظيمُ أمر اللَّعنة بتشبيهها بالقتلِ، وأمَّا الثَّاني فقد بيَّنَّا ما فيهِ من الإشكالِ، وهو التَّفاوت في المفسدةِ بين إزهاقِ الرَّوح وبين الأذَى باللَّعنةِ.
وأمَّا ما حكاهُ الإمام المازَريُّ من أنَّ اللَّعنة قطعُ الرَّحمة، والموت قطعُ التَّصرُّف، فالكلامُ عليه من وجهين: أحدهما: أن نقول: اللَّعنة قد تطلقُ على نفسِ الإبعاد الَّذي هو فعلُ الله، وعلى هذا يقعُ فيه التَّشبيه، والثَّاني: أن تطلقَ اللَّعنةُ على فعل اللَّاعن، وهو طلبه لذلك الإبعادِ، فقوله: «لعنهُ الله» مثلًا ليس بقطع عن الرَّحمة بنفسهِ ما لم تتَّصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطعِ التَّصرُّف، ويكون نظيرُهُ التَّسبُّب إلى القتلِ، غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التَّسبُّب إلى القتل بمباشرةِ مقدِّمات تقضِي إلى الموت بمطَّرد العادة، فلو كانتْ مباشرة اللَّعنة مقتضية إلى الإبعادِ الَّذي هو اللَّعن دائمًا؛ لاستوى اللَّعن مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ أو زاد عليه (١)، وبهذا يتبيَّنُ لك الإيرادُ على ما حكاهُ القاضِي من أنَّ لعنهُ له يقتضِي قصدَ إخراجهِ عن جماعةِ المسلمين كما لو قتلَه، فإنَّ قصدَ إخراجهِ لا يستلزمُ إخراجَه، كما تستلزمُ مقدِّمات القتلِ (٢)، وكذلك أيضًا ما حكاه من أنَّ لعنه يقتضِي قطعَ منافعهِ الأُخرويَّة عنه إنَّما يحصلُ ذلك بإجابةِ الدَّعوة، وقد لا يجابُ في كثيرٍ من الأوقاتِ، فلا يحصلُ انقطاعُه عن منافعهِ، كما يحصُلُ بقتلهِ، ولا يستوي القصدُ (٣) إلى القطعِ بطلبِ الإجابةِ مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ المفضيةِ إليه في مُطَّرد العادةِ، والَّذي يُمكن أن يُقَرَّر به ظاهرُ الحديثِ في استوائهمَا في الإثمِ أنَّا نقولُ: لا نسلِّم أنَّ مفسدةَ اللَّعنِ مُجرَّدُ أذاهُ بل فيها مع ذلكَ تعريضُهُ لإجابةِ الدَّعوة فيه بمُوافقةِ ساعَةٍ لا يسألُ الله فيها شيئًا إلَّا أعطاهُ، كما دلَّ عليهِ الحديثُ من قولهِ ﵊: «لا تدعُوا على أنفسِكُم، ولَا تدعُوا على أموالِكُم، ولَا تدعُوا على أولادِكُم، لا توافقوا (٤) ساعة» الحديث، وإذا كان عرَّضَه (٥)
стр. 11590
باللَّعنة لذلك (١) ووقعت الإجابةُ وإبعادُه من رحمة الله، كان ذلك أعظمَ من قتلهِ؛ لأنَّ القتلَ تفويتُ الحياةِ الفانيةِ قطعًا، والإبعادُ من رحمةِ الله أعظمُ ضررًا بما لا يُحصى، وقد يكون أعظمُ الضَّررين على سبيلِ الاحتمالِ مساويًا ومقاربًا لأخَفِّهما على سبيلِ التَّحقيق، ومقاديرُ المصالحِ والمفاسدِ، وأعدادُهُما أمرٌ لا سبيل للبشرِ إلى الاطِّلاع على حقائقهِ. انتهى.
وزاد في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] من البخاريِّ من طريق عليِّ بن المبارك، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي قلابةَ: «وليسَ على ابنِ آدمَ نذرٌ فيمَا لا يملكُ» ولمسلم: «ومَن حلَفَ علَى يمينِ صَبْرٍ، وهو فيهَا فاجرٌ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، لقيَ اللهَ يوم القيامةِ وهوَ عليهِ غضبان، ومَن ادَّعى دَعوى كاذبةٍ ليتكثَّرَ (٢) بها لم يزدْه اللهُ إلَّا قلَّة» (وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ).
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا يَقُولُ) الشَّخص في كلامه: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) بفتح التاء في الفرعِ كأصلهِ، وفي غيرِهما بضمِّها على صيغةِ المتكلِّم من الماضِي، وإنَّما منعَ من ذلك؛ لأنَّ فيه تشريكًا في مشيئةِ الله تعالى، وهي منفردةٌ بالله بالحقيقةِ، وإذا نُسِبَتْ لغيرهِ فبطريق المجاز، وفي حديث النَّسائيِّ وابنِ ماجه من روايةِ يزيدَ بن الأصمِّ، عن ابن عبَّاس رفعه: «إذا حلَفَ أحدُكُم فلَا يقُلْ: مَا شاءَ اللهُ وشئتَ، ولكنْ يقولُ: مَا شاءَ اللهُ ثمَّ شئتَ» قال الخطَّابيُّ: أرشدَهم ﷺ إلى الأدبِ في تقديمِ مشيئةِ الله على مشيئةِ من سواهُ، واختارها بـ «ثمَّ» الَّتي هي للنَّسق والتَّراخي، بخلاف الواو الَّتي هي للاشتراكِ (وَهَلْ يَقُولُ) الشَّخص: (أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟) نعم يجوزُ؛ لأنَّ «ثمَّ» اقتضتْ سبقيَّة مشيئةِ الله على مشيئةِ غيرهِ (٣).