← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «خواتيم» أي: من ذهبٍ (ثُمَّ إِنَّهُ) ﷺ (جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَنَزَعَهُ) جملة «جلسَ» في موضع خبر «إنَّ» وجملة «نزعَهُ» معطوفةٌ على الَّتي قبلها (فَقَالَ) عطفٌ، أو في موضعِ الحال، أي: جلسَ وقد قال، فيكون قوله قبل جلوسِهِ، أو مع جلوسِهِ، ومعمول (١) القول: (إِنِّي كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الخَاتِمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ) أي: من داخلِ كفِّي (فَرَمَى) ﷺ (بِهِ) بالخاتم ولم يستعملْه (ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا) لأنَّه حُرِّم يومئذٍ (فَنَبَذَ النَّاسُ) فطرحوا (خَوَاتِيمَهُمْ) وأرادَ ﷺ بحلفهِ تأكيد الكراهةِ في نفوس أصحابهِ وغيرهم ممَّن بعدَهم. وقال المهلَّبُ: إنَّما كانَ ﷺ يحلِفُ في تضاعيفِ كلامهِ وكثيرٍ من فتواهُ متبرِّعًا بذلك؛ لنسخِ ما كانتْ عليه الجاهليَّة في الحلفِ بآبائهِم وآلهتهِم؛ ليعرِّفهُم أنَّ لا محلوف (٢) به سوى الله تعالى، وليتدرَّبوا (٣) على ذلك حتَّى ينسُوا ما كانوا عليه من الحلفِ بغيرهِ تعالى. وقال ابنُ المُنَيِّر: مقصودُ التَّرجمة أن يخرجَ مثل هذا من قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: على أحدِ التَّأويلات فيها؛ لئلَّا يُتَخيَّل أنَّ الحالفَ قبل أن يُستحلف يرتكبُ النَّهي، فأشار إلى أنَّ النَّهي يختصُّ بما ليس فيه قصدٌ صحيحٌ كتأكيدِ الحكم، كالَّذي (٤) وردَ في حديثِ الباب في منع لُبس خاتم الذَّهب. انتهى. وإطلاقُ بعض الشَّافعيَّة كراهيةَ (٥) الحلفِ من غير استحلافٍ فيما لم يكنْ طاعةً، ينبغي أن يقالَ فيما لم يكنْ مصلحةً، بدل قولهِ: «طاعة» كما (٦) لا يخفى. والحديث سبق في «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٨٦٦]. (٧) (باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ) بكسر الميم وتشديد اللام، دينٍ وشريعةٍ (سِوَى الإِسْلَامِ) ولغيرِ أبي ذرٍّ:

стр. 11587

«سوى ملَّةِ الإسلام» كاليهوديَّةِ والنَّصرانيَّة والمجوسيَّة والصَّابئة وأهلِ الأديان والدُّهريَّة والمعطِّلة وعبدةِ الشَّياطين والملائكة، هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) في الحديث السَّابق [خ¦٦٦٥٠] قبلُ: (مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَمْ يَنْسُبْهُ) ﷺ (إِلَى الكُفْرِ) لأنَّه اقتصرَ على الأمرِ بقول (١): «لا إلهِ إلَّا الله» ولو كان ذلك يقتضِي الكفر؛ لأَمَرهُ بتمامِ الشَّهادتين. ٦٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضم الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، العَمِّيُّ أبو الهيثم، الحافظُ أخو بُهْزٍ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابن خالد البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة، عبدِ الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) الأنصاريِّ، وهو ممَّن بايعَ تحت الشَّجرةِ ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ) كأن يقول: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النَّبيِّ ﷺ ، ولمسلم: «مَن حلَفَ علَى يمينٍ بملَّةٍ غيرِ الإسْلَام» و «على» بمعنى الباء، أو التَّقدير (٢): مَن حلَفَ على شيءٍ بيمينٍ، فحذف المجرور، وعدَّى الفعل بـ: «على» بعد حذف الباء، وفي «كتاب الجنائز» من البخاريِّ [خ¦١٣٦٣]، من طريق خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة: «من حلفَ بملَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذبًا متعمِّدًا» وجواب الشَّرط قوله: (فَهْوَ كَمَا قَالَ) و «هو» مبتدأٌ، و «كما قال» في موضعِ الخبرِ، أي: فهو كائنٌ كما قال، وظاهرُه أنَّه يكفرُ بذلك، ويحتملُ أن يكون المراد التَّهديد والمبالغة في الوعيدِ لا الحكم، كأنَّه قال: فهو مستحقٌّ مثل عذابِ من اعتقدَ ما قال، والتَّحقيق أنَّه لا تنعقدُ يمينهُ ولا يكفرُ إن قصدَ تبعيدَ نفسهِ عن الفعلِ، أو أطلقَ، كما اقتضاهُ كلام النَّوويِّ في «الأذكار»: وليقل: لا إله إلَّا الله، ويستغفرُ ولا كفَّارة عليه، وهل يحرمُ ذلك عليه (٣) أو يكره

стр. 11588

تنزيهًا؟ المشهور الثَّاني، وإن قصد الرِّضا بذلك إذا فعله فهو كافرٌ في الحال، وقوله: «كاذبًا متعمِّدًا» يستفادُ منه أنَّ الحالفَ المتعمِّد إن كان مطمئنَّ القلب بالإيمان، وهو كاذبٌ في تعظيمِ ما لا يعتقدُ تعظيمهُ لم يكفرْ، وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملَّة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرَّد التَّعظيم لها باعتبارِ ما كان قبلَ النَّسخ فلا يكفرُ. (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ) ولمسلم: «بحديدَةٍ» (عُذِّبَ بِهِ) بذلك الَّذي قتلَ نفسه به (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهو من باب مجانسَةِ العقوباتِ الأُخْرويَّة للجناياتِ الدُّنيويَّة، وفيه أنَّ جنايةَ الإنسان على نفسهِ كجنايتهِ على غيرِه في الإثمِ؛ لأنَّ نفسَه ليستْ ملكًا له (١) مطلقًا، بل هي للَّهِ، فلا يتصرَّف فيها إلَّا فيما أَذِنَ فيه (وَلَعْنُ المُؤْمِنِ) بأن يدعوَ عليه باللَّعن (كَقَتْلِهِ) في التَّحريم أو العقابِ، وأبدَى الشَّيخ تقيُّ الدِّين في ذلك سؤالًا، وهو أن يقال: إمَّا أن يكون كقتلهِ في أحكام الدُّنيا، أو في أحكامِ الآخرةِ، لا سبيلَ إلى الأوَّل؛ لأنَّ قتلَه يوجبُ القصاصَ، ولعنُه لا يوجبُ ذلك، وأمَّا أحكامُ الآخرة فإمَّا أن يرادَ التَّساوي في الإثمِ، أو في العقابِ، وكلاهما مشكلٌ؛ لأنَّ الإثمَ يتفاوتُ بتفاوتِ مَفْسَدةِ الفعل، وليس إذهابُ الرُّوح في المفسدةِ كمفسدةِ الأذى باللَّعن، وكذلك العقابُ يتفاوتُ بحسب تفاوتِ الجرائمِ، وقال المازَريُّ -فيما نقله عنه القاضِي عياض-: الظَّاهر من الحديث تشبيههُ في الإثمِ وهو تشبيهٌ واقعٌ؛ لأنَّ اللَّعنة قطعٌ عن الرَّحمة، والموت قطعٌ عن التَّصرُّف. قال القاضِي عياض: وقيل: لَعْنُه يقتضِي قصدَ إخراجهِ من المسلمين، ومنعَهم منافعَهُ، وتكثيرَ عددِهم به، كما لو قتلهُ، وقيل: لعنهُ يقتضِي قطعَ منافعهِ الأخرويَّة عنه، وبُعْدَه بإجابةِ لعنه، وهو كمن قُتِلَ في الدُّنيا وقُطِعَت عنه منافعُه فيها، وقيل: معناهُ: استواؤهما في التَّحريم. قال في «المصابيح»: هذا يحتاجُ إلى تخليصٍ ونظرٍ، فأمَّا ما حكاهُ عن المازَرِيِّ من أنَّ الظَّاهر من الحديثِ تشبيههُ في الإثمِ، وكذلك ما حكاهُ من أنَّ معناهُ: استواؤهمَا في التَّحريم، فهذَا يحتملُ أمرين، أحدُهما: أنَّ يقعَ التَّشبيه والاستواء في أصلِ التَّحريم والإثم، والثَّاني:

стр. 11589

أن يقعَ في مقدار الإثم، فأمَّا الأوَّل فلا ينبغي أن يحملَ عليه؛ لأنَّ كلَّ معصيةِ قلَّتْ أو عظمَتْ فهي مشابهةٌ ومساويةٌ للقتلِ في أصلِ التَّحريم، ولا يَبقى في الحديثِ كبيرُ فائدةٍ مع أنَّ المفهوم منه تعظيمُ أمر اللَّعنة بتشبيهها بالقتلِ، وأمَّا الثَّاني فقد بيَّنَّا ما فيهِ من الإشكالِ، وهو التَّفاوت في المفسدةِ بين إزهاقِ الرَّوح وبين الأذَى باللَّعنةِ. وأمَّا ما حكاهُ الإمام المازَريُّ من أنَّ اللَّعنة قطعُ الرَّحمة، والموت قطعُ التَّصرُّف، فالكلامُ عليه من وجهين: أحدهما: أن نقول: اللَّعنة قد تطلقُ على نفسِ الإبعاد الَّذي هو فعلُ الله، وعلى هذا يقعُ فيه التَّشبيه، والثَّاني: أن تطلقَ اللَّعنةُ على فعل اللَّاعن، وهو طلبه لذلك الإبعادِ، فقوله: «لعنهُ الله» مثلًا ليس بقطع عن الرَّحمة بنفسهِ ما لم تتَّصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطعِ التَّصرُّف، ويكون نظيرُهُ التَّسبُّب إلى القتلِ، غير أنَّهما يفترقان في أنَّ التَّسبُّب إلى القتل بمباشرةِ مقدِّمات تقضِي إلى الموت بمطَّرد العادة، فلو كانتْ مباشرة اللَّعنة مقتضية إلى الإبعادِ الَّذي هو اللَّعن دائمًا؛ لاستوى اللَّعن مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ أو زاد عليه (١)، وبهذا يتبيَّنُ لك الإيرادُ على ما حكاهُ القاضِي من أنَّ لعنهُ له يقتضِي قصدَ إخراجهِ عن جماعةِ المسلمين كما لو قتلَه، فإنَّ قصدَ إخراجهِ لا يستلزمُ إخراجَه، كما تستلزمُ مقدِّمات القتلِ (٢)، وكذلك أيضًا ما حكاه من أنَّ لعنه يقتضِي قطعَ منافعهِ الأُخرويَّة عنه إنَّما يحصلُ ذلك بإجابةِ الدَّعوة، وقد لا يجابُ في كثيرٍ من الأوقاتِ، فلا يحصلُ انقطاعُه عن منافعهِ، كما يحصُلُ بقتلهِ، ولا يستوي القصدُ (٣) إلى القطعِ بطلبِ الإجابةِ مع مباشرةِ مقدِّمات القتلِ المفضيةِ إليه في مُطَّرد العادةِ، والَّذي يُمكن أن يُقَرَّر به ظاهرُ الحديثِ في استوائهمَا في الإثمِ أنَّا نقولُ: لا نسلِّم أنَّ مفسدةَ اللَّعنِ مُجرَّدُ أذاهُ بل فيها مع ذلكَ تعريضُهُ لإجابةِ الدَّعوة فيه بمُوافقةِ ساعَةٍ لا يسألُ الله فيها شيئًا إلَّا أعطاهُ، كما دلَّ عليهِ الحديثُ من قولهِ ﵊: «لا تدعُوا على أنفسِكُم، ولَا تدعُوا على أموالِكُم، ولَا تدعُوا على أولادِكُم، لا توافقوا (٤) ساعة» الحديث، وإذا كان عرَّضَه (٥)

стр. 11590

باللَّعنة لذلك (١) ووقعت الإجابةُ وإبعادُه من رحمة الله، كان ذلك أعظمَ من قتلهِ؛ لأنَّ القتلَ تفويتُ الحياةِ الفانيةِ قطعًا، والإبعادُ من رحمةِ الله أعظمُ ضررًا بما لا يُحصى، وقد يكون أعظمُ الضَّررين على سبيلِ الاحتمالِ مساويًا ومقاربًا لأخَفِّهما على سبيلِ التَّحقيق، ومقاديرُ المصالحِ والمفاسدِ، وأعدادُهُما أمرٌ لا سبيل للبشرِ إلى الاطِّلاع على حقائقهِ. انتهى. وزاد في «الأدب» [خ¦٦٠٤٧] من البخاريِّ من طريق عليِّ بن المبارك، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي قلابةَ: «وليسَ على ابنِ آدمَ نذرٌ فيمَا لا يملكُ» ولمسلم: «ومَن حلَفَ علَى يمينِ صَبْرٍ، وهو فيهَا فاجرٌ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ، لقيَ اللهَ يوم القيامةِ وهوَ عليهِ غضبان، ومَن ادَّعى دَعوى كاذبةٍ ليتكثَّرَ (٢) بها لم يزدْه اللهُ إلَّا قلَّة» (وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ). (٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا يَقُولُ) الشَّخص في كلامه: (مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ) بفتح التاء في الفرعِ كأصلهِ، وفي غيرِهما بضمِّها على صيغةِ المتكلِّم من الماضِي، وإنَّما منعَ من ذلك؛ لأنَّ فيه تشريكًا في مشيئةِ الله تعالى، وهي منفردةٌ بالله بالحقيقةِ، وإذا نُسِبَتْ لغيرهِ فبطريق المجاز، وفي حديث النَّسائيِّ وابنِ ماجه من روايةِ يزيدَ بن الأصمِّ، عن ابن عبَّاس رفعه: «إذا حلَفَ أحدُكُم فلَا يقُلْ: مَا شاءَ اللهُ وشئتَ، ولكنْ يقولُ: مَا شاءَ اللهُ ثمَّ شئتَ» قال الخطَّابيُّ: أرشدَهم ﷺ إلى الأدبِ في تقديمِ مشيئةِ الله على مشيئةِ من سواهُ، واختارها بـ «ثمَّ» الَّتي هي للنَّسق والتَّراخي، بخلاف الواو الَّتي هي للاشتراكِ (وَهَلْ يَقُولُ) الشَّخص: (أَنَا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ؟) نعم يجوزُ؛ لأنَّ «ثمَّ» اقتضتْ سبقيَّة مشيئةِ الله على مشيئةِ غيرهِ (٣).

стр. 11591

٦٦٥٣ - (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم، ممَّا وصلهُ في «ذكرِ بني إسرائيل» [خ¦٣٤٦٤] فقالَ: حَدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، حَدَّثنا عمرُو بن عاصم قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى العوذيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) اسمه زيد الأنصاريُّ، وثبتَ: «ابن أبي طلحةَ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم، واسمه: عَمرو الأنصاريُّ، قاضِي أهل المدينة: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) أبرصَ وأقرعَ وأعمى، لم يسمَّوا (أَرَادَ اللهُ) (أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ) أي: يختبرَهم (فَبَعَثَ (١) مَلَكًا فَأَتَى الأَبْرَصَ) الَّذي ابْيَضَّ جسدُه بعد مَسْحِ (٢) الملَك، فذهبَ عنه البرصُ، وأُعطي لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا، وإبلًا أو بقرًا (فَقَالَ) له: إنِّي رجلٌ مسكين (تَقَطَّعَتْ بِي الحِبَالُ) بحاء مهملة مكسورة ثمَّ موحدة مخففة، جمع: حبل، أي: الأسبابُ الَّتي يقطعها في طلبِ الرِّزق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الجبال» بالجيم، وهو تصحيفٌ (فَلَا بَلَاغَ) فلا كفايةَ (لِي إِلَّا بِاللهِ) الَّذي أعطاكَ اللَّون الحسن والجلدَ الحسن والمالَ (ثُمَّ بِكَ … ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ السَّابقَ بتمامه [خ¦٣٤٦٤]، وقال المهلَّب: إنَّما أراد البخاريُّ أنَّ قوله: «ما شاء الله ثمَّ شئتَ» جائزٌ (٣) استدلالًا (٤) بقولهِ: «أنا بالله ثمَّ بكَ». وأخرجَ عبد الرَّزَّاق عن إبراهيمَ النَّخعيِّ، أنَّه كان لا يَرى بأسًا أن يقول: ما شاء الله ثمَّ شئت، وكان يكره أن (٥) يقول: أعوذ بالله وبك، ويجيز (٦) أعوذ بالله ثمَّ بك. (٩) هذا (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩]) أي: حلفَ المنافقون بالله،

стр. 11592

وهو جَهْد اليمين؛ لأنَّهم بذلوا فيها مجهودَهم، وجَهْد يمينهِ مستعارٌ من جهدَ نفسَه إذا بلغَ أقصَى وسعِها، وذلك إذا بالغَ في اليمينِ، وبلغ غايةَ شدَّتها ووكادتها، وعن ابن عبَّاس ﵄: مَن قال: بالله، فقد جهدَ بيمينهِ، وأصل «أقسمُ جهدَ اليمين» أقسمُ (١) بجهدِ اليمينِ جهدًا، فحذفَ الفعلَ، وقدَّم المصدرَ فوضعَ مَوضعه مضافًا إلى المفعول كقولهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] وحكمُ هذا المنصوب حكمُ الحال، كأنَّه قال: جاهدين أيمانهم. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصلهُ المؤلِّف مطوَّلًا في «كتاب التَّعبير» [خ¦٧٠٤٦] بلفظ: «إنَّ رجلًا أَتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي رأيتُ اللَّيلة في المنامِ ظُلَّةً (٢) تَنْطُف من السَّمن والعسل … » الحديثَ، وفيه تعبيرُ أبي بكر لها، وقوله للنَّبيِّ ﷺ : فأخبرنِي يا رسولَ الله أصبْتُ أمْ أخطأتُ؟ فقال: «أصبتَ بعضًا، وأخطأْتَ بعضًا» (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (فَوَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ فِي) تعبير (الرُّؤْيَا) لم يشدِّد في «اليونينيَّة» نون «لتُحدِّثنِي» (٣) (قَالَ) ﷺ : (لَا تُقْسِمْ) وقوله هنا: «في الرُّؤيا» من كلامِ البخاريِّ إشارةً إلى ما اختصرَه من الحديثِ، والغرضُ منه قوله: «لا تقسمْ» إشارة إلى الرَّدِّ على من قال: إنَّ من قال: أقسمتُ، انعقدَ يمينًا، وقد أمرَ ﷺ بإبرارِ المُقْسِمِ، فلو كانتْ «أقسمْتُ» يمينًا لأبرَّ أبا بكرٍ حين قالها. وقال في «الكواكب»: إنَّما يندبُ إبرارُ المقسم عندَ عدمِ المانعِ، فكانَ له ﷺ مانعٌ منه، وقيل: كان في بيانهِ مفاسد، كما يأتي إن شاء الله تعالى في «التَّعبير» [خ¦٧٠٤٦] بمعونةِ الله تعالى. وقال الشَّافعيَّة: لو قال: أقسمتُ، أو أقسمُ، أو حلفتُ، أو أحلفُ بالله لأفعلنَّ كذا، فهو (٤) يمين؛ لأنَّه عرف الشَّرع، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلَّا إن نوى خبرًا ماضيًا في صيغةِ الماضي، أو مستقبلًا في المضارع، فلا يكون يمينًا لاحتمالِ ما نواهُ، وأمَّا قوله لغيرهِ: أقسمُ عليك بالله، أو أسألكَ بالله لتفعلنَّ كذا، فيمينٌ إنْ أرادَ يمينَ نفسِه، فيسنُّ للمخاطبِ إبراره فيها، بخلافِ ما إذا لم يُرِدْها، ويحملُ على الشَّفاعة في فعلهِ.

стр. 11593

٦٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة، ابن عقبة العامريُّ السَّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَشْعَثَ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة بعدها مثلَّثة، ابن أبي الشَّعثاء، سليم بن الأسود الكوفيِّ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ) بضم السين المهملة وفتح الواو (ابْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون، الكوفيِّ، وسقط «ابن مقرِّن» لأبي ذرٍّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (١)). قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) الملقب ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ (٢) ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِبْرَارِ المُقْسَِمِ) بكسر السين وضم الميم في الفرع، اسم فاعل، أي: بفعل ما أرادَه الحالفُ ليصيرَ بذلك بارًّا، وقيل: السِّين مفتوحةٌ، أي: الإقْسَام، والمصدرُ قد يأتي للمفعول، مثل: أدخلتُه مدخلًا، بمعنى: الإدخال. وهذا طرف من حديثٍ أورده البخاريُّ في «اللِّباس» [خ¦٥٨٦٣] و «الاستئذان» [خ¦٦٢٣٥] و «الجنائز» [خ¦١٢٣٩] و «المظالم» [خ¦٢٤٤٥] و «الطب» [خ¦٦٢٢٢] و «النُّذور» [خ¦٦٦٥٤] و «النِّكاح» [خ¦٥١٧٥] و «الأشربة» [خ¦٥٦٣٥].

стр. 11594

٦٦٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرني» بالإفراد (عَاصِمٌ الأَحْوَلُ) بن سليمان أبو عبد الرَّحمن البصريُّ الحافظُ قال: (سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديَّ (يُحَدِّثُ عَنْ أُسَامَةَ) بن زيدٍ ﵄ (أَنَّ ابْنَةً) اسمُها زينب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن بنتًا» (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) وسقط لأبي ذرٍّ «ابن زيد»، وكان الأصل أن يقول: وأنا معه، لكنَّه من باب التَّجريد (وَسَعْدٌ) بسكون العين، ابنُ عبادة الخزرجيُّ (وَأُبَيٌّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية، ابنُ كعب الأنصاريُّ، وفي نسخة الحافظ أبي ذرٍّ: «وأَبِي» بفتح الهمزة وكسر الموحدة مضافًا إلى ياء المتكلِّم «أو (١) أُبَيٌّ» بضم الهمزة وفتح الموحدة، على الشَّكِّ، والصَّواب الثَّاني من غير شكٍّ (أَنَّ ابْنِي) هو عليُّ بن أبي العاص بن الرَّبيع، أو عبدُ الله بن عثمانَ بنِ عفَّان من (٢) رقيَّة بنته ﷺ ، أو هو محسنٌ ابن فاطمة الزَّهراء، أو هي أُمامةُ بنت زينب لأبي العاص بن الرَّبيع (٣)، ومبحثُ ذلك سبقَ في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] (قَدِ احْتُضِرَ) بضم الفوقيَّة، أي: حضره الموتُ، وسقط لفظ «قد» لأبي ذرٍّ (فَاشْهَدْنَا) بهمزةِ وصل وفتح الهاء (فَأَرْسَلَ) ﷺ (يَقْرَأُ) بفتح الياء عليها¬ (السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ) أي: الَّذي أرادَ أن يأخذَه (وَمَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى) أي: بأجل مسمًّى (٤)، أي: مؤجَّل مقدَّر (فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ) أي: تَنوي بصبرهَا طلبَ الثَّواب مِن ربِّها؛ ليُحتسب (٥) لها ذلك من عملِها الصَّالح (فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ) ليأتينَّها (فَقَامَ) ﷺ (وَقُمْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ)

стр. 11595

الصَّبيُّ أو الصَّبيَّة (فَأَقْعَدَهُ) ﷺ (فِي حَجْرِهِ وَنَفْسُ الصَّبِيِّ) أو الصَّبيَّة (تَقَعْقَعُ) بحذف إحدى التاءين، أي: تضطربُ وتتحرَّك (فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بالبكاءِ (فَقَالَ سَعْدٌ) أي (١): ابنُ عبادة: (مَا هَذَا) البكاءُ (يَا رَسُولَ اللهِ) وأنتَ تَنهى عنه؟ وهو استفهامٌ عن الحكمةِ لا إنكار (قَالَ) ﷺ : (هَذَا) البكاءُ، ولأبي ذرٍّ: «هذه» الدَّمعة (رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ) (مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) نصبَ على أنَّ «ما» كافَّة. والحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤]. ٦٦٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ (٢) قَالَ: لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٤٨] من حديث أنسٍ: «لم يبلغُوا الحنثَ» (تَمَسُّهُ النَّارُ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ) بفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام المفتوحة، أي: تحليلها (٣). قال في «الكواكب»: والمراد بالقسمِ: ما هو مقدَّر في قولهِ تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: والله ما منكُم، والمستثنى منه «تمسُّه»؛ لأنَّه في حكمِ البدل من «لا يموت»، فكأنَّه قال: لا تمسُّ النَّار من مات له ثلاثةٌ إلَّا بقدر (٤) الورودِ. والحديث مَرَّ في «الجنائز» [خ¦١٢٥١].

стр. 11596

٦٦٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (غُنْدَرٌ) محمد بنُ جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة، الجدليِّ القيسيِّ الكوفيِّ القاصّ (١)، أنَّه قال: (سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) بالحاء المهملة والمثلثة، الخزاعيَّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَلَا) بالتَّخفيف (أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ)؟ هم (كُلُّ ضَعِيفٍ) فقيرٍ (مُتَضَعَِّفٍ) بكسر العين، أي: متواضع، وبالفتح ضبطها الدِّمياطيُّ. وقال النَّوويُّ (٢): إنَّه رواية الأكثرين، أي: يستضعفُه النَّاس ويحتقرونَه لضعفِ حاله في الدُّنيا، ولم يضبطْه في «اليونينيَّة» ولا في الفرع، وكتبَ فوقه كذا، وفي «علوم الحديث» للحاكمِ عن ابنِ خُزيمة أنَّه سئلَ عن المرادِ بالضَّعيف هنا فقال: الَّذي يبرِّئ نفسَه من الحولِ والقوَّة في اليوم عشرين مرَّة إلى خمسين مرَّة (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) أي: لو حلفَ على شيءٍ أن يقعَ طمعًا في كرمِ الله بإبرارهِ لأبرَّه وأوقعهُ لأجلهِ (وَأَهْلِ النَّارِ) هم (كُلُّ جَوَّاظٍ) بفتح الجيم والواو المشدَّدة وبعد الألف ظاء معجمة، الكثير اللَّحم، الغليظ الرَّقبة، المُخْتال في مشيتهِ (عُتُلٍّ) بضم العين المهملة والفوقية وتشديد اللَّام، فظٍّ غليظٍ، أو شديد الخصومةِ، أو الجموعِ المنوعِ (مُسْتَكْبِرٍ) عن الحقِّ. والحديث سبق في «تفسير سورة ن» (٣) من «التَّفسير» [خ¦٤٩١٨]. (١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا قَالَ) الشَّخص: (أَشْهَدُ بِاللهِ، أَوْ شَهِدْتُ بِاللهِ) لأفعلنَّ كذا، أو لا أفعلُ كذا، هل يكون يمينًا؟ نعم هو يمينٌ عند الحنفيَّة والحنابلةِ ولو لم يقل: بالله، لقولهِ تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ﴾ [المنافقون: ١] ثمَّ قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] فدلَّ على أنَّهم استعملوا ذلك في اليمين، وعند الشَّافعيَّة: إذا (٤) لم يُرِدْ بالمضارع الوعدَ بالحلفِ، وبالماضي الإخبار عن حلفٍ ماضٍ، فإن أرادَ ذلك لم يكن يمينًا،

стр. 11597

فإن لم يذكرِ الله تعالى -يعني: اسمَه أو صفتَه- فليس بيمينٍ لفقد المحلوفِ به، وأُجيب عن آية المنافقين بأنَّها ليست صريحةً (١) لاحتمالِ أن يكونوا حلفوا مع ذلك. ٦٦٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، أبو محمَّد الطلحيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، أنَّه (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم السين وكسر الهمز، ولم يُعيَّن السَّائل (أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ:) أهل (قَرْنِي) الَّذين أنا فيهم (٢) (ثُمَّ) أهل القرن (الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ) أهل القرن (الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) مرَّتين (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) برفع «شهادةُ» على الفاعليَّة (يَمِينَهُ) نصب على المفعوليَّة (وَ) تسبق (يَمِينُهُ) رفعٌ (شَهَادَتَهُ) نَصبٌ. قال القاضي البيضاويُّ: أي: يحرصون على الشَّهادات مشغوفين بترويجهَا يحلفون على ما يشهدونَ به، فتارةً يحلفون قبل أن يأتوا بالشَّهادة وتارةً يعكسون، ويحتملُ أن يكون مثلًا في سرعة الشَّهادة واليمين، وحرصِ الرَّجل عليهما، والتَّسرُّع (٣) فيهما حتَّى لا يدرِي بأيِّهما يبتدِئ، وكأنَّهما يتسابقان لقلَّة مبالاتهِ بالدِّين. وقال الطَّحاويُّ: أي: يكثرون الأيمان في كلِّ شيءٍ حتى يصيرَ لهم عادة، فيحلفُ أحدُهم حيث لا يُراد منه اليمين، ومِنْ (٤) قبل أن يستحلفَ، وقال بعضُهم: أي: يحلفُ على تصديقِ شهادتهِ. وقال النَّوويُّ: واحتجَّ به المالكيَّة في ردِّ شهادةِ من حلفَ معها، والجمهورُ (٥) على أنَّها لا تُرَدُّ.

стр. 11598

والحديث مضى في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٢] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨] (١). (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ -بالسَّند السَّابق-: (وَكَانَ أَصْحَابُنَا) أي: مشايخنا (يَنْهَوْنَا) ولأبي ذرٍّ: «يَنْهوننا» بنونين بعد الواو (وَنَحْنُ غِلْمَانٌ) وفي «الفضائل»: و «نحن صغارٌ» [خ¦٣٦٥١] (أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ) أي: على (٢) أن يقول أحدُنا: أشهدُ بالله، أو عليَّ عهد الله، ما كان كذَا حتَّى لا يكونَ ذلك لهم (٣) عادةً، فيحلفون في كلِّ ما يصلحُ وما لا يصلحُ. (١١) (باب عَهْدِ اللهِ أي: قول الشَّخص: عليَّ عهد الله لأفعلنَّ كذا. ٦٦٥٩ - ٦٦٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة (٤)، ابن عثمان، أبو بكر العبديُّ مولاهُم الحافظ بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد، واسمُ أبي عديٍّ إبراهيم البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهرانَ الأعمش (وَمَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعود (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) على محلوفِ يمينٍ، ويحتملُ أن تكون «على» بمعنى الباء كقولهِ تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ [الأعراف: ١٠٥] بتشديد الياء (٥) (كَاذِبَةٍ) صفة ليمين (لِيَقْتَطِعَ) ليأخذَ (بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ، أو معاهدٍ ونحوه، أو

стр. 11599

امرأة (-أَوْ قَالَ: أَخِيهِ-) في الإسلامِ، أو البشرية (١)، والشَّكُّ من الرَّاوي، بغير حقٍّ بل بمجرَّد يمينهِ المحكوم بها في ظاهرِ الشَّرع، وجواب «مَنْ» قولُه: (لَقِيَ اللهَ) (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) لا ينصرفُ للصِّفة وزيادة الألف والنون، وهو اسمُ فاعلٍ من غضبَ، يقال: رجل غضبانُ، وامرأةٌ غَضْبى وغَضابى، والغضبُ من المخلوقين هو شيءٌ يداخل قلوبهُم ويكون محمودًا كالغضبِ لله، ومذمومًا وهو ما يكون لغيرِ الله، وإطلاقُه على الله يحتملُ أن يُراد به آثاره ولوازمُه كالعذابِ، فيكون من صفاتِ الأفعال، أو هو على إرادةِ الانتقامِ فيكون من صفاتِ الذَّات (فأَنْزَلَ اللهُ) (تَصْدِيقَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ [ال عمران: ٧٧]) المصدر مضافٌ إلى الفاعل، أي: بما عهدَ الله إليهم، أو إلى المفعولِ، أي: إنَّ الَّذين يستبدلونَ بما عاهدوا عليه من الأيمانِ. (قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهرانَ الأعمشُ (فِي حَدِيثِهِ: فَمَرَّ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ، وعبد الله يحدِّثهم (قَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود؟ (قَالُوا لَهُ): كان يحدِّثنا بكذَا وكذَا (فَقَالَ الأَشْعَثُ: نَزَلَتْ فِيَّ) -بتشديد الياء- هذه الآيةُ (وَفِي صَاحِبٍ لِي، فِي بِئْرٍ كَانَتْ بَيْنَنَا) وفي حديث الأشعث بنِ قيس، قال: «كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمنَا إلى رسولِ الله ﷺ » [خ¦٢٥١٥]، وفي مسلم: «في أرضٍ باليمن». ولا يمتنعُ أن تكون المخاصمةُ في المجموعِ، فمرَّةً ذُكرتِ الأرض؛ لأنَّ البئر داخلةٌ فيها، ومرَّةً ذكرتِ البئر لأنَّ البئر هي المقصودةُ لسقي الأرض. ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «بعهد الله» فمَن حلف بالعهدِ فحنثَ لزمته كفَّارة عند مالكٍ والكوفيِّين وأحمد، وقال الشَّافعيُّ: لا يكون يمينًا إلَّا إن نواهُ، قاله ابنُ المنذر. والحديث سبق في «كتاب الشُّرب» في «باب الخصومة في البئر» [خ¦٢٣٥٦]. (١٢) (باب الحَلِفِ بِعِزَّةِ اللهِ) (وَصِفَاتِهِ) كالخالقِ والسَّميعِ والبصيرِ والعَليم (وَكَلِمَاتِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وكلامهِ» كالقرآنِ أو بما أنزلَ الله، وفيه عطفُ العامِّ على الخاصِّ، والخاصِّ على

стр. 11600

العامِّ؛ لأنَّ الصِّفات أعمُّ من العزَّة والكلام، والأيمانُ تنقسم إلى صريحٍ، وكنايةٍ، ومتردّدٍ بينهما، وهو الصِّفات، وهل تلتحق الكنايةُ بالصَّريح فلا تحتاج إلى قصدٍ أم لا؟ والرَّاجح أنَّ صفات الذَّات منها ما (١) يلتحقُ بالصَّريح، فلا تنفعُ معها (٢) التَّورية إذا تعلَّق به (٣) حقُّ آدميٍّ، وصفات الفعلِ تلتحقُ بالكنايةِ، فعزَّة الله من صفات الذَّات، وكذا جلالُه وعظمتُه. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله المؤلِّف في «التوحيد» [خ¦٧٣٨٣] (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ) استدلَّ به على الحلفِ بعزَّة الله؛ لأنَّه وإن كان بلفظ الدُّعاء لكنه لا يستعاذ إلَّا بالله، أو بصفةٍ من صفاتهِ. كذا قال في «الفتح». وقال ابنُ المُنَيِّر في «حاشيته»: أعوذُ بعزَّتِك، دعاءٌ وليس بقَسَمٍ (٤)، ولكنَّه (٥) لمَّا كان المقرَّر أنَّه لا يُستعاذ إلَّا بالقديمِ ثبت بهذا أنَّ العزَّة من الصِّفات القديمةِ لا من صفاتِ الفعل، فتنعقدُ اليمين بها. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ممَّا سبق في «صفاتِ (٦) الحشر» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) ذكره ﷺ مقرِّرًا (٧) له، فيكون حجَّة في الحلفِ به. (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ (٨): (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ اللهُ) (٩): (لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ) النَّبيُّ ﷺ : (وَعِزَّتِكَ (١٠) لَا غِنَى بِي (١١) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر

стр. 11601

المعجمة وفتح النون مقصورًا، أي: لا استغناءَ أو لابدَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناءَ» بفتح الغين (١) المعجمة والمدِّ، والأوَّل أولى؛ لأنَّ معنى الممدود الكفايةُ. يقال: ما عند (٢) فلان غَناءٌ، أي: لا يُغتنى به. ٦٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، ابنُ عبد الرَّحمن النَّحويُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ، أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ) بلسانِ القال مستفهمةً: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فيَّ، أي: لا أسعُ غير ما امتلأتُ به، أو هل من زيادةٍ فأُزاد (حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ) جلَّ وعلا (فِيهَا قَدَمَهُ) هو من المتشابهِ، وقيل فيه: هم الَّذين قدَّمهم الله لها من شرارِ خلقهِ فهُم قدمُ الله للنَّار، كما أنَّ المسلمين قدَمُه للجنَّة، والقدم كلُّ ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٍّ، وتقدَّمَتْ لفلانٍ فيه قدَم، أي: تقدَّم من خيرٍ أو شرٍّ، وقيل: وضعُ القدَم على الشَّيء مثلٌ للردعِ والقمعِ، فكأنَّه قال: يأتيها أمرُ الله فيكفيهَا من طلبِ المزيد، وقيل: أرادَ به تسكين فورتِهَا، كما يقال للأمر تريدُ إبطالَه: وضعتُه تحت قدَمي (فَتَقُولُ) جهنَّم إذا وضعَ فيها قدَمه: (قَطِْ قَطِْ) بسكون الطاءين وكسرهما مع التخفيف فيهما، والتِّكرارُ للتَّأكيد، أي: حسبُ حسبُ قد اكتفيتُ (وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى) بضم التحتية وسكون الزاي وفتح الواو، يجمعُ ويقبضُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، رَوَاهُ) أي: الحديثَ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة. قال الحافظُ أبو الفضل ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ: وأصل روايتهِ في «تفسير سورة ق» [خ¦٤٨٤٨] وأشار بذلك إلى أنَّ الرِّواية الموصولة عن أنس بالعنعنةِ، لكن شعبة ما كان يأخذُ عن شيوخهِ الَّذين ذكر عنهم التَّدليس إلَّا ما صرَّحوا فيه بالتَّحديث. والحديث أخرجه مسلمٌ في «صفةِ النَّار»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت».

стр. 11602

(١٣) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللهِ) لأفعلنَّ كذا، لعمرك (١) مبتدأ محذوفُ الخبرِ وجوبًا، ومثلُه أيمن (٢) الله، ولأفعلنَّ جواب القسمِ، وتقديرُه: لعمرُك قسمِي، أو يمينِي. والعَُمر -بالفتح والضم-: هو البقاء إلَّا أنَّهم التزمُوا الفتحَ في القسمِ. قال الزَّجَّاج: لأنَّه أخفُّ عليهم وهم يكثرون القسمَ بـ «لعَمري ولعَمرك» وله أحكام منها: أنَّه متى اقترن بلام الابتداءِ لزم فيه الرَّفع بالابتداء، وحذف خبرُه لسدِّ جواب القسمِ مسدَّه، ومنها أنَّه يصير صريحًا في القسمِ، أي: يتعيَّن فيه بخلافِ غيره نحو عهدُ الله وميثاقه، ومنها أنَّه يلزمُ فتح عينهِ، فإن لم تقترنْ به لام الابتداء جازَ نصبه بفعل مقدَّر نحو: عَمْرُ اللهَُ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة الشَّريفة وجهان النَّصب والرَّفع، فالنَّصب على أنَّه مصدرٌ مضاف لفاعلهِ، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أنَّ الأصل: أسألك بتعميرِكَ الله، أي: بوصفِكَ الله تعالى بالبقاءِ، ثمَّ حذف زوائد المصدر، والثَّاني: أنَّ المعنى: عبادتك اللهَ، والعَمر العبادةُ. وأمَّا الرَّفع فعلى أنَّه مضاف لمفعوله. قال الفارسيُّ: معناه: عمرك اللهُ تعميرًا، وجاز أيضًا ضمّ عينه، وينشدُ بالوجهين قوله: أَيُّهَا المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا … عَُمْرُكَ اللهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ ويجوز دخولُ باء الجرِّ نحو بعمرك لأفعلنَّ، قال: رُقَيَّ بعَمْرِكُمْ لَا تَهْجُرِينَا … ومَنِّيْنَا المُنَى ثُمَّ امْطُلِينَا وهو من الأسماءِ اللَّازمة للإضافةِ فلا يقطعُ عنها، وزعمَ بعضُهم أنَّه لا يضافُ إلى اللهِ تعالى، وقد سُمِعَتْ، قال (٣) الشَّاعر: إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا ومنع بعضهم إضافته إلى ياء (٤) المتكلِّم؛ لأنَّه حلفَ بحياةِ المقسم، وقد وردَ ذلك، قال

стр. 11603

النَّابغةُ: لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ … لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الأَقَارِعُ وقد اختلفَ هل تنعقدُ بها اليمين؟ فعن المالكية والحنفيَّة تنعقدُ؛ لأنَّ بقاء الله من صفاتِ ذاتهِ. وعن مالك: لا يعجبنِي اليمين بذلك، وقال الشَّافعيُّ (١): لا يكون يمينًا إلَّا بالنِّيَّة؛ لأنَّه يُطلق على العلمِ وعلى الحقِّ، وقد يرادُ بالعلمِ المعلوم، وبالحقِّ ما أوجبَهُ الله، وعن أحمدَ في الرَّاجح كالشَّافعيِّ، وأُجيب عن الآية بأنَّ للهِ أن يُقْسم من خلقهِ بما يشاءُ وليس ذلك لهم؛ لثبوت النَّهي عن الحلفِ بغير الله. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا وصلهُ ابنُ أبي حاتم: (﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]) أي: (لَعَيْشُكَ) والحياة والعيش واحدٌ. ٦٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التَّحتية وكسر السين المهملة بعدها تحتية مشدَّدة، عبد العزيز المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ. (ح) لتحويلِ السَّند. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) بن منهالٍ الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ) بضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) الليثيَّ (وَعُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (ابْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعودٍ الأربعة يحدِّثون (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ) تعالى بما أنزلهُ في

стр. 11604

سورة النُّور (وَكُلٌّ) من الأربعةِ عروة ومن بعدَه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً) قطعة (مِنَ الحَدِيثِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وفيه» أي: في الحديثِ المرويِّ طويلًا في «المغازي» [خ¦٤١٤١] (فَقَامَ النَّبِيُّ (١) ﷺ فَاسْتَعْذَرَ) طلبَ من يعذرُه (مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة، ابن سلول، أي: من يُنصف (٢) منه (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما (فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) سيِّد الخزرجِ: (لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) بالنون المفتوحة وسكون القاف ولام التَّأكيد والنون المشدَّدة. والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] والغرض منه قول أُسيد (٣): «لعمرُ الله لنقتلنَّه». (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى في سورة (٤) البقرة: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾) ما (٥) يجري على اللِّسان من غير قصدٍ للحلفِ، نحو: لا والله، وبلى والله (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) يُعاقبكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثمِ القصدِ إلى الكذبِ في اليمين، وهو أن يحلفَ على ما يعلم أنَّه خلاف ما يقوله، وهو اليمينُ الغموس، وتمسَّك الشَّافعيُّ ﵀ بهذا النَّصِّ على وجوب الكفَّارة في اليمين (٦) الغَموس؛ لأنَّ كسب القلبِ العزمُ والقصدُ، فذكر المؤاخذة بكسبِ القلب. وقال في آية المائدة: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وعقدُ اليمين محتملٌ لأن يكون المراد منه عقد القلبِ به، ولأن يكون المرادُ به العقد الَّذي يُضادّه (٧) الحلُّ، فلمَّا ذكر هنا قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ علمنا أنَّ المراد من ذلك العقد هو عقدُ القلب، وأيضًا ذكر المؤاخذة هنا، ولم يبيِّن تلك المؤاخذة ما هي، وبيَّنها في آيةِ المائدة بقولهِ: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فبيَّن أنَّ المؤاخذةَ هي الكفَّارة،

стр. 11605

فكلُّ مؤاخذةٍ من هاتين الآيتين مجملةٌ من وجه مُبيَّنة من وجهٍ آخر، فصارت كلُّ واحدةٍ منهما مفسِّرة للأخرى من وجهٍ، وحصلَ من كلِّ واحدةٍ منهما أنَّ كلَّ يمينٍ ذُكر (١) على سبيلِ الجِدِّ وربْطِ القلبِ به (٢)، فالكفَّارة فيها، ويمين الغَموس كذلك، فكانت الكفَّارة واجبةً فيها (﴿وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) حيث لم يؤاخذكُم باللَّغو في أيمانكُم، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَلَكِن﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ». ٦٦٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (٣) (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العنزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (أَبِي) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها قالت في قولهِ تعالى: (﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) زاد أبو ذرٍّ: «﴿فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾» (قَالَ (٤): قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِي قولهِ: لَا وَاللهِ، وبَلَى وَاللهِ) وبه تمسَّك الشَّافعيُّ أيضًا؛ لكونها شهدتِ التَّنزيل، فهي أعلمُ من غيرهَا بالمراد، وقد جزمتْ بأنَّها نزلت في قول (٥): «لا والله، وبلى والله» وقد صرَّح برفعهِ عن عائشة في حديثها المرويِّ في «سنن أبي داود» من طريق إبراهيم الصَّائغ، عن عطاء عنها: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لغوُ اليمينِ هو كلامُ الرَّجل في يمينهِ (٦): كلَّا واللهِ، وبلَى واللهِ» وأشارَ أبو داود إلى أنَّه اختُلف على عطاءٍ، وعلى إبراهيمَ في رفعهِ ووقفهِ (٧). (١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا حَنِثَ) بكسر النون وبالمثلثة، الحالفُ حالَ كونهِ (نَاسِيًا

стр. 11606

فِي الأَيْمَانِ) هل تجبُ عليه الكفَّارة أو (١) لا؟ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]) أي: لا إثمَ عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئينَ جاهلينَ قبلَ ورودِ النَّهي، وسقطَتْ الواو لأبي ذرٍّ (وَقَالَ) تعالى: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]) بالَّذي نسيتُه أو بنسيانِي، و (٢) لا مُؤاخذة على النَّاسي. ٦٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) السُّلميُّ -بضم السين- قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَام -بكسر الكاف وتخفيف المهملة- قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة قال: (حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) بضم الزاي وتخفيف الراء، و «أَوْفَى» بالفاء وفتح الهمزة، العامريُّ قاضِي البصرة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَرْفَعُهُ) إلى النَّبيِّ ﷺ ، وسبقَ في «العتق» [خ¦٢٥٢٨] من روايةِ سفيان، عن مِسعر بلفظ: «عن النِّبيِّ ﷺ » بدل قولهِ هنا: يرفعُه (قَالَ: إِنَّ اللهَ) (تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ) قال: (حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَُهَا) بالنَّصب للأكثرِ وبالرَّفع لبعضهم، أي: بغيرِ اختيارهَا، كقولهِ (٣) تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] (مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ) بالَّذي وسوستْ أو حَدَّثت (أَوْ تَكَلَّمَ) بفتح الميم، بلفظ الماضي. وقال الكِرْمانيُّ وتبعه العينيُّ بالجزم، قال: وأراد أنَّ الوجود الذِّهنيَّ لا أثر له، وإنَّما الاعتبارُ بالوجودِ القوليِّ في القوليَّات، والعمليِّ في العمليَّات. فإن قلتَ: ليس في الحديثِ ذكر النِّسيان الَّذي ترجم به؟ أُجيب بأنَّ مراد البخاريِّ إلحاق ما يترتَّب على النِّسيان بالتَّجاوز؛ لأنَّه من متعلَّقات عملِ القلب، وظاهرُ الحديث: أنَّ المرادَ بالعمل عملُ الجوارح؛ لأنَّ المفهوم من لفظ: «ما لم تعملْ (٤)» يُشعر بأنَّ كلَّ شيءٍ في الصَّدر

стр. 11607

لا يؤاخذُ به سواءٌ توطَّن أو لم يتوطَّن، وفي الحديث إشارةٌ إلى عظم قدر الأمَّة المحمَّدية لأجلِ نبيِّها لقولهِ: «تجاوزَ لأمَّتي (١)» واختصاصُها بذلك. والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٦٩] و «العتاقِ» [خ¦٢٥٢٨]. ٦٦٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء والمثلثة، المؤذِّن البصريُّ (أَوْ) حَدَّثنا (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ يحيى الذُّهليُّ (عَنْهُ) عن عثمانَ بن الهيثم، وكلٌّ من عثمان بنِ الهيثم ومحمَّد الذهليِّ شيخ البخاريِّ، وكذا وقع مثل هذا في «باب الذَّريرَةِ» أواخر «كتاب اللِّباس» [خ¦٥٩٣٠] (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ) محمد بنَ مسلم الزُّهريَّ (يَقُولُ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله -بضم العين- التَّيميُّ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) ﵄ (حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) بمنى على ناقتهِ (إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يسمَّ (فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ يَا رَسُولَ اللهِ كَذَا وَكَذَا، قَبْلَ كَذَا وَكَذَا) أي: حلقتُ قبلَ أن أنحرَ، نحرتُ قبل أنْ أرميَ، كما في مسلمٍ من روايةِ يحيى بن سعيدٍ الأمويِّ، عن ابن جُريجٍ (ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتُ أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا لِهَؤُلَاءِ) لأجل هؤلاء (الثَّلَاثِ) الحلق والنَّحر والرَّمي (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لكلٍّ من الرَّجلين: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) لا إثمَ، ولا فديةَ في التَّقديم والتَّأخير (لَهُنَّ) لأجلِ هؤلاء الثَّلاث (كُلِّهِنَّ يَوْمَئِذٍ فَمَا سُئِلَ) ﷺ (يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) من الرَّمي والنَّحر والحلق قُدِّم ولا أُخِّر (إِلَّا قَالَ: افْعَلْ افْعَلْ) كذا بالتِّكرار مرَّتين لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وسقطَ الثَّاني لغيرهِ، أي: افعل ذلك التَّقديم والتَّأخير (وَلَا حَرَجَ) عليك مطلقًا. والحديث سبقَ في «العلمِ» بلفظ: «إنَّ رسولَ الله ﷺ وقفَ في حجَّة الوداعِ بمنى للنَّاس

стр. 11608

يسألونَه فجاءَه رجلٌ فقال: لم أشعرْ فحلقْتُ قبلَ أن أذبحَ، فقال: اذبَحْ ولا حرَج (١)، فجاءَ آخر فقال: لم أشعرْ فنحرتُ قبل أن أرميَ قال: ارمِ ولا حرجَ» [خ¦٨٣] وكذا هو في «باب الفتيا على الدَّابَّة عند الجمرةِ» من «كتاب الحج» [خ¦١٧٣٦]. ٦٦٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بنِ يونس الحافظ أبو عبد الله اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «أبو بكر بن عيَّاش» بالمثناة التحتية والشين المعجمة، ابن سالم الأزديُّ (٢) الكوفيُّ المقرئُ الحَنَّاط -بالحاء المهملة والنون المشدَّدة- مشهورٌ بكنيته، والأصحُّ أنَّها اسمه، ثقةٌ عابدٌ، إلَّا أنَّه لمَّا كبر ساءَ حفظُه، وكتابهُ صحيحٌ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملةٌ، أبي (٣) عبد الله الأسديِّ المكيِّ، سكن الكوفة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم يسمَّ (لِلنَّبِيِّ ﷺ : زُرْتُ) أي: طفت طواف الزِّيارة (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ) ﵊: (لَا حَرَجَ) لا إثمَ عليك (قَالَ آخَرُ) لم يسمَّ: (حَلَقْتُ) شعر رأسي (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) هَديي (قَالَ: لَا حَرَجَ (٤)) عليك (قَالَ آخَرُ) ثالثٌ لم يسمَّ: (ذَبَحْتُ) هديي (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) الجمرة (قَالَ: لَا حَرَجَ) عليك. والحديث سبق في «الحج» (٥) [خ¦١٧٢٢].

стр. 11609

٦٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ عُمَرَ) العمريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) اسمه: خلَّاد بن رافع (دَخَلَ المَسْجِدَ يُصَلِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فصلَّى» بالفاء بدل التَّحتية (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَجَاءَ) الرَّجل (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) ﷺ (١) (فَقَالَ لَهُ) بعدما ردَّ عليه¬ السلام: (ارْجِعْ صَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) نفيٌّ للحقيقةِ (٢) الشَّرعيَّة، ولا شكَّ في انتفائها بانتفاءِ ركنٍ أو شرطٍ منها، وفي رواية: «أعدْ صَلاتك» (فَرَجَعَ) الرَّجل (فَصَلَّى، ثُمَّ سَلَّمَ) عليه ﷺ (فَقَالَ) له: (وَعَلَيْكَ) السَّلام (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) فرجعَ فصلَّى ثمَّ (قَالَ) الرَّجل (فِي الثَّالِثَةِ: فَأَعْلِمْنِي) بقطع الهمزة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في الثَّانية أو الثَّالثة: فأَعْلِمني» أي: يا رسولَ الله (٣) (قَالَ) ﵊: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ) بهمزةِ قطعٍ مفتوحة (ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ) تكبيرةَ الإحرام (وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) «ما» موصولةٌ، و «معكَ» متعلِّق (٤) بـ «تيسَّر»، أو بحالٍ «من القرآن»، و «مِن» تبعيضيَّةٌ، ويبعدُ أن يتعلَّق «مِن القرآن» بـ «اقرأْ»؛ لأنَّه لا يجبُ عليه ولا يستحبُّ له أن يقرأَ جميعَ ما تيسَّر له مِن القرآن، ولأحمد وابنِ حبَّان: «ثمَّ اقرأَ بأمِّ القرآن ثمَّ اقرأْ بما شئتَ» (ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى) إلى أن (تَطْمَئِنَّ) أي: تسكن حالَ كونك (رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ) حالَ كونك (قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حالَ كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ) حالَ كونك (جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حالَ كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ) حالَ كونك (قَائِمًا، ثُمَّ

стр. 11610

افْعَلْ ذَلِكَ) المذكور من التَّكبير وما بعده (فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) فرضًا ونفلًا على اختلافِ أوقاتهَا وأسمائهَا، أو (١) أكَّد الصَّلاة بـ «كلٍّ» لأنَّها أركانٌ متعدِّدة. والحديث سبقَ في «بابِ وجوب القراءة للإمامِ والمأموم» [خ¦٧٥٧] وليس فيه مطابقةٌ فيما (٢) ترجمَ له هنا. نعم في «باب وجوب القراءة» (٣): «والَّذي بعثَكَ بالحقِّ ما أحسنُ غيرَه» فبذا تحصلُ المطابقةُ، وأوردَ المصنِّف هذه الرِّواية هنا العارية عن هذهِ الزِّيادة تشحيذًا للأذهانِ - رحمه الله تعالى - ما أدقَّ نظره. ٦٦٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ) بالفاء المفتوحة والراء السَّاكنة، و «المَغْرَاء» بفتح الميم وسكون الغين المعجمة والراء ممدودٌ، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء، القرشيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: هُزِمَ) بضم الهاء وكسر الزاي (المُشْرِكُونَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ) يخاطبُ المسلمين: (أَيْ عِبَادَ اللهِ) احذروا (أُخْرَاكُمْ) الَّذين من ورائكُم، فاقتلوهُم أرادَ أن يقتلَ المسلمون بعضهم بعضًا، ولأبي ذرٍّ: «آخركم (٤)» (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ) لقتال أُخراهم ظانِّين أنَّهم من المشركين (فَاجْتَلَدَتْ) بالجيم، فاقتتلتْ (هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ) اليمان يقتلُه (٥) المسلمون يظنُّونه من المشركين

стр. 11611

(فَقَالَ) حذيفةُ لهم: هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) (١) لا تقتلُوه (قَالَتْ) عائشة: (فَوَاللهِ مَا انْحَجَزُوا) بالنون الساكنة والحاء المهملة والجيم المفتوحتين والزاي المضمومة، كذا في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «ما احتجزُوا» بفوقيَّة بين الحاء والجيم من غير نون، أي: ما انفصلوا عنه (حَتَّى قَتَلُوهُ) وعندَ ابن إسحاق: «وأمَّا اليمان فاختلفتْ أسيافُ المسلمين فقتلُوه ولا يعرفونه، فقال حذيفةُ: قتلتُم أبي، قالوا: والله ما عرفنَاه» (فَقَالَ حُذَيْفَةُ) معتذرًا عنهم (٢): (غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (فَوَاللهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا) من قتلةِ (٣) أبيه (بَقِيَّةٌ حَتَّى لَقِيَ اللهَ) ، أي: بقيَّة من حزنٍ وتحسُّرٍ من قتلِ أبيهِ، كذا قرَّره الكِرْمانيُّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بقيَّة خير» بالإضافة إلى «خير» السَّاقطة من الرِّواية الأخرى، أي: استمرَّ الخير فيه من الدُّعاء والاستغفار لقاتل أبيهِ، واعترض في «الفتح» على الكِرْمانيِّ في تفسيرهِ بقيَّة بالحزنِ والتَّحسُّر، فقال: إنَّه وهمٌ (٤) سبقَه غيره إليه، وأنَّ الصَّواب أنَّ المراد أنَّه حصلَ له خيرٌ بقولهِ للمسلمين الَّذين قتلوا أباهُ خطأً: «عفا الله عنكم» (٥) فاستمرَّ ذلك الخير فيهِ إلى أنْ مات. وتعقَّبه العينيُّ قال: إنَّ نسبة الكِرْمانيِّ إلى الوهم وهمٌ؛ لأنَّ الكِرْمانيَّ إنَّما فسَّره على روايةِ الكُشمِيهنيِّ والأقرب فيها ما فسَّره؛ لأنَّه تحسَّر على قتلِ أبيه على يدِ المسلمين غاية التَّحسُّر. وأُجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه لم ينكرْ أنَّه تحسَّر، وإنَّما (٦) تفسير خيرٍ بالتَّحسُّر. قيل: مطابقةُ الحديثِ للتَّرجمةِ من حيثُ إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم ينكرْ على الَّذين قتلوا اليمان لجهلهِم، فجعلَ الجهل هنا كالنِّسيان، فمِن ثَمَّ ناسبَ دخول الحديثِ هنا مع أنَّه (٧) فيه اليمين، وهو قول حذيفة: «فوالله». والحديث سبق في «باب ذكر حذيفة» من آخر «المناقب» [خ¦٣٨٢٤].

стр. 11612

٦٦٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بن أسامة (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (عَوْفٌ) بفتح العين المهملة وسكون الواو بعدها فاء، الأعرابيُّ (عَنْ خِلَاسٍ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف سين مهملة، ابنِ عمرو الهجريِّ (وَمُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَكَلَ) حالَ كونه (نَاسِيًا وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (صَائِمٌ؛ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) الفاء جواب الشَّرط، واللَّام لام الأمرِ، وهي بعد الواو والفاء ساكنة، و «يُتِمُّ» من أتمَّ مضاعف الآخر (١) مفتوح، ويجوزُ كسرُه على التقاءِ السَّاكنين، وتسميتُه صومًا -والأصلُ الحقيقةُ الشَّرعيَّة- دليلٌ على عدمِ القضاءِ (فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ) (وَسَقَاهُ) فليس له مدخلٌ بوجهٍ بخلافِ المعتمد (٢)، وفيه دَلالة على عدمِ تكليفِ النَّاسي. ومرَّ الحديث في «باب الصَّائم إذا أكل أو شرب» من «كتاب الصَّوم» [خ¦١٩٣٣]. ٦٦٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية، عبد الرَّحمن العسقلانيُّ الخراسانيُّ الأصل قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن بن الحارثِ بنِ أبي ذئبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بنِ هُرْمز (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها نون فهاء تأنيث، اسم أمِّه، واسمُ أبيه: مالكُ بن القِشْب -بكسر القاف وسكون الشين المعجمة بعدها موحدة-

стр. 11613

الأزديُّ حليف بني المطَّلب ﵁ أنَّه (١) (قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ (٢) ﷺ ¬) الظُّهر (فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ) معطوفٌ على «صلَّى» و «في» في قولهِ: «في الركعتين» بمعنى: «مِن» (٣) كقولهِ: ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ ويحتملُ أن تكون على بابها، أي: قامَ في جلوس الرَّكعتين قبل أن يتمَّهما (٤)، و «الأُوْليين» بضم الهمزة وسكون الواو وتحتيتين (فَمَضَى) ﷺ (فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي: قاربَ ذلك، وإلَّا فالتَّسليمة (٥) الأولى من نفسِ الصَّلاة عند الجمهورِ، وكذا الثَّانية على المرجَّح عندنا، وقرينةُ المجاز قوله: (انْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ فَكَبَّرَ وَسَجَدَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فسجد» بالفاء للسهو (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ) ثانيًا (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) من السُّجود (وَسَلَّمَ). ومطابقة الحديث من حيث إنَّ فيه تَرْكَ (٦) القعدة الأولى ناسيًا. والحديث مرَّ في «سجود السَّهو» من أواخر «كتاب الصَّلاة» [خ¦٨٢٩].

стр. 11614

٦٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه، أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ) العَمِّيَّ -بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة- وسقطَ لفظ «أنَّه» اختصارًا على عادتهم، قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيس (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ (١) ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ -أَوْ: نَقَصَ مِنْهَا- قَالَ مَنْصُورٌ) هو (٢) ابنُ المعتمر المذكور: (لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَهِمَ) بفتح الواو وكسر الهاء، أي: غلط وسها في الزِّيادة والنُّقصان (أَمْ عَلْقَمَةُ) بنُ قيس وهمَ، وجزمَ في رواية جرير عن منصورٍ المذكورة في «أبوابِ القبلةِ» بأنَّ إبراهيمَ هو الَّذي تردَّد، ولفظه: قال: «قالَ إبراهيمُ: لا أدْري زادَ أو نقصَ» [خ¦٤٠١] (قَالَ: قِيلَ) له لمَّا سلَّم: (يَا رَسُولَ اللهِ (٣) أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريّ (٤) (قَالَ) ﷺ : (وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) كناية عمَّا وقع إمَّا زائد على المعهودِ أو ناقص منه (قَالَ) ابنُ مسعود: (فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ) لمَّا تذكَّر أنَّه نسيَ (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى) بإثبات الياء خطًّا، ولأبي ذرٍّ: «فيتحرَّ» (الصَّوَابَ) بإسقاطِها، أي: يجهدُ في تحقيقِ الحقِّ بأن يأخذَ بالأقلِّ (فَيُتِمُّ) بضم الميم مشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: مفتوحة، ولأبي الوقت: «ثمَّ يتمُّ» (مَا بَقِيَ) عليه (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو ندبًا. قيل: والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة من قولهِ: «أنسيتَ؟» ولا يخفى ما فيهِ. وقيل: ذكر هذا الحديث استطرادًا بعد الحديث السَّابق. وقال في «الكواكب» بعد قولهِ: «وَهِمَ» (٥) أي: في الزِّيادة والنُّقصان: لفظُ «أقصرتْ» صريحٌ في أنَّه نقصٌ، ولكنَّه وهمٌ من الرَّاوي، والصَّواب ما تقدَّم في «الصَّلاة» [خ¦٤٠١] بلفظ: أحدثَ في الصَّلاة شيءٌ. قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليتَ كذا (٦) … إلى

стр. 11615

آخره، وقال في «باب سجود السَّهو» [خ¦١٢٢٨] عن أبي هريرةَ: «أنَّه ﷺ انصرفَ من اثنتين، فقالَ له ذو اليدينِ: أقصرَتِ الصَّلاة أمْ نسيْتَ؟» قالَ: ويحتملُ أن يجابَ بأنَّ المرادَ من القصرِ لازمه وهو التَّغيير، فكأنَّه (١) قال: أغُيِّرت الصَّلاة عن وضعِها. والحديث سبق في «بابِ التَّوجُّه نحو القبلة» [خ¦٤٠١] وفي «باب سجود السَّهو» [خ¦١٢٢٨]. ٦٦٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين، قال: (أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) حذف مَقول سعيد بن جبيرٍ، وهو ثابتٌ في «تفسيرِ سورة الكهف» [خ¦٤٧٢٥] وغيرها بلفظ: «قلتُ لابن عبَّاس: إنَّ نوفًا البكَّالي يزعُم أنَّ موسى صاحبَ الخضرِ ليس هو موسَى صاحبَ بني إسرائيلَ، فقال ابن عبَّاسٍ: كذبَ عدوُّ اللهِ حدَّثني أُبيُّ بنُ كعبٍ» (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وله عن الكُشمِيهنيِّ: «يقول»: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي﴾) فيه حذف أيضًا كثير يطولُ ذكرُه، وتقديرُه: يقول في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي﴾ (﴿بِمَا نَسِيتُ﴾) أي: من وصيَّتك (﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]) لا تُضايقني بهذا القدر فتعسُر مصاحبتُك (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» أي: النَّبيُّ ﷺ : (كَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) أي: عندَ إنكار خرق السَّفينة كان ناسيًا لِمَا شرطَ عليه الخضرُ في قولهِ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] وإنَّما أخذه بالنِّسيان مع عدمِ المؤاخذةِ به شرعًا عملًا بعمومِ شرطهِ، فلمَّا اعتذرَ بالنِّسيان علمَ أنَّه خارج بحكم الشَّرع من عمومِ الشَّرط، وبهذا التَّقرير (٣) يتَّجه إيرادُ هذا الحديث في هذه التَّرجمة، قاله في «فتح الباري».

стр. 11616

٦٦٧٣ - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريِّ بالسَّند السَّابق إليه، وسقط ذلك لأبي ذرٍّ (١) (كَتَبَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالشين المعجمة المشدَّدة، المعروف ببُنْدار، ولأبي ذرٍّ: «كتب إليَّ من محمَّد بن بشَّار» فزاد لفظة: «من» وقد أوردهُ بصيغةِ المكاتبةِ، ولعلَّه لم يسمعْ منه هذا الحديث فرواه عنه بالمكاتبةِ، وقد أخرج أصلَ الحديث من عدَّة طرقٍ أخرى موصولة، كما تقدَّم في «العيدين» [خ¦٩٥٥] وغيره، ولم يقع (٢) له صيغة المكاتبة في «صحيحه الجامع» عن أحدٍ من مشايخِهِ إلَّا في هذا الموضعِ. نعم أخرجَ بصيغةِ المكاتبةِ كثيرًا من روايةِ التَّابعي عن الصَّحابي ومن روايةِ غير التَّابعيِّ عن التَّابعي ونحو ذلك، وقد ذُكِرَ حكمُ المكاتبةِ ومبحثها (٣) في الفصلِ الثَّالث من مقدِّمة هذا الشَّرح، وقد أخرجَ الحديثَ أبو نُعيم من رواية الحسين بن محمَّد قال: حدَّثنا محمَّد بن بشار بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ) التَّميميُّ العنبريُّ الحافظُ قاضِي البصرة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو، محمَّد (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرِ بن شَرَاحيل، أنَّه (قَالَ: قَالَ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ﵄: (وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ) بإثبات الواو قبل «كانَ» وعند الإسماعيليِّ بإسقاطِها (فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قبلَ أن يَرجعهم» بفتح الياء، أي: قبل أن يَرجع إليهم، وظاهره: أنَّ ذلك وقعَ للبراءِ، لكن (٤) المشهور أنَّ ذلك لخالهِ أبي بُرْدة بن نيارٍ، كما في «الأَضَاحي» من طريقِ زبيد عن الشَّعبيِّ عن البراءِ [خ¦٥٥٥٦] قال في «الكواكب»: أبو بُردة هو خالُه، وكانوا أهل

стр. 11617

بيتٍ واحد، فتارةً نسب إلى نفسِه وأُخرى إلى خالهِ (لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: قبلَ صلاة العيد (فَذَكَرُوا ذَلِكَ) الذَّبح قبل الصَّلاة (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي عَنَاقٌ) بفتح العين المهملة وتخفيف النون، أُنثى من أولاد المعزِ (جَذَعٌ) بفتح الجيم والمعجمة، طعنتْ في السَّنة الثَّالثة، صفةٌ لـ: «عَنَاق» (عَنَاقُ لَبَنٍ) بالإضافةِ بدل من «عَنَاق» الأوَّل (هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) بالتَّثنية، زاد في روايةٍ: «فرخَّص لهُ في ذلكَ» [خ¦٥٥٤٩] وفي روايةِ الإسماعيليِّ: «قالَ البراءُ: يا رسولَ الله» وهذا صريحٌ في أنَّ القصَّة وقعتْ للبراءِ. قال ابنُ حجرٍ: فلولا اتِّحاد المخرجِ لأمكنَ التَّعدُّد، لكن القصَّة متَّحدة، والسَّند متَّحدٌ من رواية الشَّعبيِّ عن البراءِ (١)، والاختلافُ من الرُّواة عن (٢) الشَّعبي فكأنَّه وقع في هذه الرِّواية اختصارٌ وحذفٌ، ويحتملُ أن يكون البراء شاركَ خاله في سؤالِ النَّبيِّ ﷺ عن القصَّة، فنسبتْ كلُّها إليه تجوُّزًا (وكَانَ ابْنُ عَوْنٍ) محمَّد الرَّاوي (يَقِفُ فِي هَذَا المَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ) عامر (وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الحَدِيثِ، وَيَقِفُ فِي هَذَا المَكَانِ) أي: يتركُ تكملتَه (وَيَقُولُ) ولأبي ذرٍّ «فيقول»: (لَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ) وهي قولُه ﷺ : ضحِّ بالعَنَاق الَّذي عندك (غَيْرَهُ أَمْ لَا؟) أي: غيرَ البراء (رَوَاهُ أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). وهذا وصلَه المؤلِّف في أوائلِ «الأضاحِي» [خ¦٥٥٥٦] ومطابقةُ الحديث للتَّرجمةِ لم أفقَهْها (٣)، والله الموفِّق.

стр. 11618

٦٦٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قاضِي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبديِّ الكوفيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا) بضم الجيم وفتح الدال المهملة وبالباء الموحدة، ابنَ عبد الله البجليَّ ﵁، أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ) أي: عيد الأضحى (ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ) أي: قبلَ الصَّلاة (فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا) بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد الدال، كذا في «اليونينيَّة»، وفي نسخة (١): «فليُبْدِل» بسكون الموحدة وتخفيف الدال؛ أي (٢): فليذبحْ غيرَها (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ) قبل الصَّلاة (فَلْيَذْبَحْ) بعدَها (بِاسْمِ اللهِ) وهذا ثابتٌ (٣) في رواية أبي ذرٍّ. ومناسبة الحديثِ والَّذي قبله للتَّرجمة: قال الكِرْمانيُّ وتبعَه العينيُّ وابنُ حجرٍ: الإشارةُ إلى التَّسوية بين الجاهلِ بالحكمِ والنَّاسي في وقتِ الذَّبح، فليتأمَّل. (١٦) (باب) حكم (اليَمِينِ الغَمُوْسِ) بفتح الغين المعجمة وضم الميم وبعد الواو الساكنة سين مهملة، فعول بمعنى فاعل؛ لأنَّها تغمسُ صاحبها في الإثمِ، ثمَّ في النَّار، وقول الله تعالى في سورة النَّحل: (﴿وَلَا تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾) ﴿دَخَلاً﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿تَتَّخِذُواْ﴾، والدَّخل: الفسادُ والدَّغل، وقال الواحديُّ: الغشُّ والخيانةُ، وقيل: ما أُدخل في الشَّيء على فسادٍ (﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾) أي: فتزلَّ أقدامُكم عن محجَّة الإسلام (﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ﴾) في الدُّنيا (﴿بِمَا صَدَدتُّمْ﴾) بصدودِكُم (﴿عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾) وخروجكُم عن الدِّين (﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤]) في الآخرةِ. قال في «الكشاف»: وحِّدتِ القدمُ ونُكِّرت؛ لاستعظامِ أن تزل قدَمٌ واحدةٌ عن طريقِ الحقِّ بعد أن ثبتتْ عليه فكيفَ بأقدامٍ كثيرةٍ؟ قال أبو حيَّان: الجمعُ تارةً يُلحظ فيه المجموع من حيثُ هو مجموعٌ، وتارةً يُلحظ فيه اعتبار كلِّ فردٍ فردٍ، فإذا لوحظَ فيه المجموع كان الإسناد معتبرًا فيه الجمعيَّة، وإذا لوحظ فيه كلُّ فردٍ فردٍ كان الإسنادُ مطابقًا للفظ الجمعِ كثيرًا،

стр. 11619

فيجمع ما أسندَ إليه ومُطابقًا لكلِّ فردٍ فردٍ، فيفردُ كقولهِ (١) تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ﴾ [يوسف: ٣١] أفردَ ﴿مُتَّكَأً﴾ لِمَا كان لوحظِ في قولهِ: ﴿لَهُنَّ﴾ معنى لكلِّ واحدةٍ، ولو جاء مرادًا به الجمعيَّة، أو على الكثيرِ في الوجهِ الثَّاني لجمع المتَّكأ، وعلى هذا المعنى يحملُ قول الشَّاعر: فَإِنِّي رَأَيْتُ الضَّامِرِين مَتَاعُهُمْ … يَمُوتُ وَيَفْنَى فَارْضَخِي مِنْ وِعَائِيَا أي: رأيتُ كلَّ ضامرٍ، ولذلك أفردَ الضَّمير في «يموت» و «يفنى» ولمَّا كان المعنى لا يتَّخذ كلُّ واحدٍ واحد (٢) منكم جاء ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُرَاعاة لهذا المعنى، ثمَّ قال: ﴿وَتَذُوقُواْ﴾ (٣) مراعاةً للمجموعِ، أو للفظِ الجمع على الوجه الكثير إذا قلنا: إنَّ الإسناد (٤) لكلِّ فردٍ فردٍ، فتكون الآية قد تعرَّضت للنَّهي عن اتِّخاذ الأيمان دَخَلًا باعتبار المجموع، وباعتبارِ كلِّ فردٍ فردٍ، ودلَّ على ذلك بإفراد ﴿قَدَمٌ﴾ وبجمع الضَّمير في ﴿وَتَذُوقُواْ﴾. وتعقَّبه تلميذُه شهاب الدِّين السَّمين فقال: بهذا التَّقرير (٥) الَّذي ذكرهُ يفوتُ المعنى الجَزْل الَّذي اقتنصَه (٦) الزَّمخشريُّ من تنكير ﴿قَدَمٌ﴾ وإفرادها، وأمَّا البيت المذكور فإنَّ النَّحويِّين خرَّجوه على أنَّ المعنى: يموتُ مَن ثمَّ ومَن ذُكِر، فأفرد الضَّمير لذلك لا لِمَا ذُكر. انتهى. ولم يذكرْ في غير (٧) رواية أبي ذرٍّ الآية كلّها بل إلى قولهِ: «﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾» كذا في الفرعِ وأصلهِ، وقال (٨) في «الفتح»: وساقَ في روايةِ كريمة إلى: «﴿عَظِيمٌ﴾». (دَخَلًا) قال قتادةُ: أي (٩): (مَكْرًا وَخِيَانَةً) أخرجه عبد الرَّزَّاق.

стр. 11620

ومناسبة الآية لليمين الغَموس ورودُ الوعيد على من حلفَ كاذبًا متعمِّدًا. ٦٦٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحسن المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (النَّضْرُ) بالضاد المعجمة السَّاكنة، ابنُ شُميل -بضم الشين المعجمة- قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا فِرَاسٌ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، ابنُ يحيى المكتبُ (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامرًا يحدِّث (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ العاص (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الكَبَائِرُ) جمع كبيرةٍ، وهي ما تُوعِّد عليها: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) باتِّخاذ إله غيره (١) (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بعصيانِ (٢) أمرهمَا، وتركِ خدمتهمَا (٣) (وَقَتْلُ النَّفْسِ) الَّتي حرَّم الله إلَّا بالحقِّ (وَاليَمِينُ الغَمُوسُ) بأن يحلفَ على الماضِي متعمِّدًا للكذبِ، كأنْ (٤) يقول: والله ما فعلتُ كذا، أو فعلتُ كذا نفيًا وإثباتًا، وهو يعلمُ أنَّه ما فعلَه أو فعلَه، أو (٥) الغَموس أن يحلفَ كاذبًا ليذهبَ بمالِ أحدٍ، ويأتي إن شاء الله تعالى عدُّ الكبائرِ ومباحثها في «كتاب الحدود» بعون الله تعالى. والحديث أخرجه أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٨٧٠] و «استتابةِ المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٠]، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ فيه وفي «القصاصِ» و «المحاربةِ».

стр. 11621

(١٧) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورةِ آل عمران: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) يستبدلونَ (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوه عليه من الإيمانِ بالرَّسول (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفُوا به من قولهِم: لنؤمنَنَّ (١) به ولننصرَنَّه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاعَ الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾) لا نصيبَ لهم (﴿فِي الآخِرَةِ﴾) ونعيمِها، وهذا مشروطٌ بالإجماعِ بعدم التَّوبة، فإن تابَ سقطَ الوعيدُ (﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾) كلامًا يسرُّهم (﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) نظرَ رحمةٍ، ولا ينيلهم خيرًا، وليس المراد منه النَّظر بتقليب الحدقَةِ إلى المرئيِّ (٢)، تعالى الله عن ذلك (﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾) ولا يطهِّرَهم من دنسِ الذُّنوب بالمغفرةِ، أو لا (٣) يُثْني عليهم كمَا يُثْني على أوليائهِ، كثناءِ المزكِّي للشَّاهد، والتَّزكية من اللهِ قد تكونُ على ألسِنَة الملائكةِ، كما قال تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] وقد تكون بغير واسطةٍ إمَّا في الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وإمَّا في الآخرةِ، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ثمَّ لمَّا بيَّن تعالى حِرْمانهم ممَّا (٤) ذكرَ من الثَّواب بين كونهمْ في العقابِ، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) مؤلمٌ، كذا في روايةِ كريمةَ سياق الآية إلى آخرِها، وقال في رواية أبي ذرٍّ: «﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الاية [آل عمران: ٧٧]» واستفيدَ من الآية: أنَّ العهدَ غير اليمين؛ لعطفِ العهد عليهِ. (وَقولهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله (٥)» (جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾) فُعْلة بمعنى المَفْعولة (٦) كالقُبْضة والغُرْفة، أي: لا تجعلوهُ مُعَرَّضًا للحلفِ، من قولهِم: فلانٌ عُرْضة

стр. 11622

لكذا، أي: مُعَرَّض. قال كعب: مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ … عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلَامِ مَجْهُولُ وقال حسَّان: هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ وهما بمعنى مُعْرَّضٌ لكذا، أو اسمٌ لِمَا تَعْرِضُه على الشَّيء، فيكون مِنْ عَرَض العودَ على الإناءِ، فيعترضُ دونَه ويصيرُ حاجزًا ومانعًا، والمعنى على هذا النَّهي أن يحلفُوا بالله على أنَّهم لا يبرُّون ولا يتَّقون، ويقولون: لا نقدرُ نفعلُ ذلك لأجلِ حلفنَا، أو من العرضَةِ وهي القوَّة والشِّدَّة، يقال: جملٌ عُرْضة للسَّفَر، أي: قويٌّ عليه. وقال الزُّبير: فَهَذِي لأَيَّامِ الحُرُوبِ وَهَذِهِ (١) … لِلَهْوِي وَهَذِي عُرْضَةٌ لارْتِحَالِنَا أي: قوَّةٌ وعُدَّةٌ، أي: لا تجعلُوا اليمين بالله قوَّةً لأنفسِكُم في الامتناعِ من البرِّ، وقولهِ: (﴿أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾) عطفُ بيانٍ ﴿لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: للأمورِ المحلوفِ عليها الَّتي هي البرُّ والتَّقوى والإصلاحُ بين النَّاس، واللَّام تتعلَّق بالفعلِ، أي: ولا تجعلوا الله لأيمانِكُم (٢) برزخًا، ويجوزُ أن تكون اللَّام تعليليَّة ويتعلَّق ﴿تَبَرُّواْ﴾ بالفعلِ أو بالعُرْضة، أي: ولا تجعلُوا الله لأجلِ أيمانِكُم عُرْضة لأنَّ تبرُّوا، وفي ذلكَ نهيٌّ عن الجَرَاءة على اللهِ بكثرةِ الحلفِ به، وذلك لأنَّه (٣) مِن أكثرَ ذكرَ شيءٍ في معنًى مِن المعَاني، فقد جعلَه عُرْضة له، يقولُ الرَّجل: قد جعلتَنِي عُرْضة للومِكَ. قال الشَّاعر: وَلَا تَجْعَلِيْنِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ وقد ذمَّ الله من أكثر الحلف بقولهِ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وكان الخَلَفُ يُمدَحون بالإقلالِ من الحلف، والحكمةُ في الأمرِ بتقليل الأيمانِ: أنَّ من حلفَ في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ بالله انطلقَ لسانه بذلكَ ولا يبقى لليمين في

стр. 11623

قلبهِ وقع، فلا يُؤمَن من إقدامهِ على الأيمانِ الكاذبةِ، فيختلُّ ما هو الغرض الأصليُّ من اليمين، وأيضًا كلَّما كان الإنسان أكثرَ تعظيمًا لله تعالى كانَ أكمل في العبوديَّة، ومن كمالِ التَّعظيم أن يكونَ ذِكرُ الله تعالى أجلَّ وأعظمَ (١) وأَعلى عنده من أن يستشهدَ به في غرضٍ من الأغراضِ الدُّنيويَّة (﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ﴾) لأيمانكُم (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]) بنيَّاتكم، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ: «﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ … » إلى آخر الآيةِ. (وَقولهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) عَرَضًا من الدُّنيا يسيرًا (﴿إِنَّمَا عِندَ اللّهِ﴾) من ثوابِ الآخرة (﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥]) وقولهِ تعالى: (﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾) هي البيعةُ لرسولِ الله ﷺ على الإسلامِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠] (﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾) بعد توثيقِها باسمِ الله (﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١]) شاهدًا ورقيبًا، وفي رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [النحل: ٩٥] إلى قولهِ: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾» [النحل: ٩١] قال في «الفتح»: وسقطَ ذلك لجميعِهم، ووقع فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والصَّواب قوله: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ إلى قولهِ: ﴿آ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [النحل: ٩٥] ووقع في رواية النَّسفيِّ بعد قولهِ : ﴿عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ ما نصُّه: «وقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الآية (٢)، وقولهِ: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ الآيةَ».

стр. 11624

٦٦٧٦ - ٦٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى) موجبِ (يَمِينِ صَبْرٍ) بإضافة «يمينٍ» لـ «صبرٍ» مصحَّحًا عليها في الفرعِ كأصلهِ لِمَا بينهمَا من الملابسةِ، والأكثرُ على تنوينِ «يمينٍ» فيكون «صبرٍ» صفة له مصدرٌ بمعنى المفعول، أي: مصبورة، كما في الرِّواية الأُخرى: «على يمين مصبُورةٍ» فيكون على التَّجوُّز بوصفِ اليمين بذلك؛ لأنَّ اليمين الصَّبر هي الَّتي يلزم الحاكمُ الخصمَ بها، والمصبورُ في الحقيقةِ الحالفُ لا اليمين، أو المراد: أنَّ الحالفَ هو الَّذي صبَّر نفسَه وحبسَها على هذا الأمرِ العظيم الَّذي لا يصبرُ أحدٌ عليه، فالحالفُ هو المصابر (١) واليمين مَصبورة، أي: مصبورٌ عليها. وزاد المؤلِّف في «الإشخاص» [خ¦٢٣٥٦] من رواية أبي معاوية وفي «الشرب» [خ¦٢٣٥٦] من رواية أبي حمزة، كلاهما عن الأعمش: «هو فيها فاجرٌ» لكن رواية أبي معاوية (٢): «هو عليها فاجرٌ» وكأنَّ فيها حذفًا تقديرُه: هو في الإقدامِ عليها كاذبٌ حال كونهِ (يَقْتَطِعُ بِهَا) بسببِ اليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ ونحوه، وفي «صحيح مسلم»: «حقّ امرئٍ مسلمٍ بيمينهِ» (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) جوابُ «مَن»، و «غضبان» لا ينصرفُ لزيادة الألف والنون، أي: فيعاملهُ معاملةَ المغضوبِ عليه فيعذِّبه (أَنْزَلَ اللهُ) (تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) ليس في رواية أبي ذرٍّ: «إِلى آخرِ الآية». وفي مسلمٍ والتِّرمذيِّ: عن أبي وائلٍ عن عبد الله، من طريق جامعِ بن أبي راشدٍ وعبد الملكِ بنِ أَعْيَن مرفوعًا: «مَن حلفَ على مالِ امرئٍ مسلمٍ (٣) بغيرِ حقِّه … » الحديث. ثمَّ قرأَ علينا رسولُ الله ﷺ ، وظاهرُه أنَّ الآية نزلتْ قبل. وسبق في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥١] أنَّها نزلتْ فيمن أقام سلعتَه بعد العصر فحلفَ كاذبًا، فيحتملُ أنَّها نزلتْ في الأمرين معًا. (فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) المكانَ الَّذي كانُوا فيه (فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بنُ مسعود؟ (فَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا»: (كَذَا وَكَذَا. قَالَ) الأشعث: (فِيَّ) بتشديد

стр. 11625

التَّحتيَّة (أُنْزِلَتْ) هذه الآية (كَانَتْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «كان» (لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه: معدان، وقيل: جريرُ بن الأسود الكنديُّ، ولقبه الجَفْشِيْش -بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة-، وفي روايةِ أبي معاوية [خ¦٢٤١٦] «كانَ بينِي وبينَ رجلٍ من اليهودِ أرضٌ فجَحَدَني». ولا تضادَّ بين قولهِ: «ابن عمٍّ لي»، وقولهِ: «من اليهودِ» لأنَّ جماعةً من أهلِ اليمنِ كانوا تهوَّدوا وقد ذكر أنَّه أسلمَ، فيقال: إنَّما (١) وصفه الأشعثُ بذلك باعتبارِ ما كان أوَّلًا (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: فادَّعيتُ عليه (فَقَالَ) لي ﷺ : (بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ) -وفي رواية أبي مُعاوية [خ¦٢٤١٦] قال: «ألكَ بيِّنة؟ فقلتُ: لا، فقالَ لليهودِي: احلِفْ». وفي روايةِ أبي حمزةَ [خ¦٢٣٥٦]: «فقالَ لي: شهودُكَ؟ قلتُ: مَا لِي شهودٌ، قالَ: فيمينُهُ». وفي روايةِ أبي وائلٍ من طريقِ ولدِه علقمَةَ: فانطلَقَ ليحلفَ (٢) - بالرَّفع فيهما (٣) إمَّا فاعلٌ بفعلٍ مقدَّر، أي: تحْضرُ بيِّنتكَ تَشْهدُ لك، أو فحَقُّك يمينُه، فـ «يمينُه» خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو لك يمينُه فيكون مبتدأ والخبرُ في الجارّ و (٤) المجرور، ويحتملُ أن يكون «بيِّنتُك» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الواجبُ بيِّنتك أو يمينُه إن لم يكن لك بيِّنة. قال الأشعثُ: (قُلْتُ (٥): إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا) على البئرِ (يَا رَسُولَ اللهِ) و «إذًا» حرف جوابٍ ينصبُ الفعلَ المضارع بشروطٍ ثلاثةٍ: أن يكون أوَّلًا فلا يعتمدُ ما بعدها على ما قبلَها (٦) كما تقولُ في جوابِ مَن قال: أزورُك، إذًا أكرمَكَ، بالنَّصب، فإن اعتمدَ ما بعدَها على ما قبلَها رفَعْتَ نحو قولك: أنا إذًا أكرمُك. الثَّاني: أن يكون مُسْتَقبلًا، فلو كان حالًا وجبَ الرَّفع نحو قولِكَ لمَنْ قال: جاءَ الحاجُّ، إذًا أفرحُ، تريدُ الحالة الَّتي أنت فيها. الثَّالث: أن لا يفصلَ بينها وبين الفعلِ بفاصلٍ ما عدا القَسَم والنِّداء و «لا» (٧)، فإنْ دخلَ عليها حرف عطفٍ جاز في الفعلِ الرَّفع والنَّصب، والرَّفع أكثر نحو قولهِ تعالى: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعلُ هنا في الحديث إن أريدَ به الحال فهو
следующие страницы →