← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

(١٧) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورةِ آل عمران: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) يستبدلونَ (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوه عليه من الإيمانِ بالرَّسول (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفُوا به من قولهِم: لنؤمنَنَّ (١) به ولننصرَنَّه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) متاعَ الدُّنيا (﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾) لا نصيبَ لهم (﴿فِي الآخِرَةِ﴾) ونعيمِها، وهذا مشروطٌ بالإجماعِ بعدم التَّوبة، فإن تابَ سقطَ الوعيدُ (﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾) كلامًا يسرُّهم (﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) نظرَ رحمةٍ، ولا ينيلهم خيرًا، وليس المراد منه النَّظر بتقليب الحدقَةِ إلى المرئيِّ (٢)، تعالى الله عن ذلك (﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾) ولا يطهِّرَهم من دنسِ الذُّنوب بالمغفرةِ، أو لا (٣) يُثْني عليهم كمَا يُثْني على أوليائهِ، كثناءِ المزكِّي للشَّاهد، والتَّزكية من اللهِ قد تكونُ على ألسِنَة الملائكةِ، كما قال تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] وقد تكون بغير واسطةٍ إمَّا في الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وإمَّا في الآخرةِ، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ثمَّ لمَّا بيَّن تعالى حِرْمانهم ممَّا (٤) ذكرَ من الثَّواب بين كونهمْ في العقابِ، فقال: (﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]) مؤلمٌ، كذا في روايةِ كريمةَ سياق الآية إلى آخرِها، وقال في رواية أبي ذرٍّ: «﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الاية [آل عمران: ٧٧]» واستفيدَ من الآية: أنَّ العهدَ غير اليمين؛ لعطفِ العهد عليهِ. (وَقولهِ) ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله (٥)» (جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾) فُعْلة بمعنى المَفْعولة (٦) كالقُبْضة والغُرْفة، أي: لا تجعلوهُ مُعَرَّضًا للحلفِ، من قولهِم: فلانٌ عُرْضة

стр. 11622

لكذا، أي: مُعَرَّض. قال كعب: مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ … عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأَعْلَامِ مَجْهُولُ وقال حسَّان: هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ وهما بمعنى مُعْرَّضٌ لكذا، أو اسمٌ لِمَا تَعْرِضُه على الشَّيء، فيكون مِنْ عَرَض العودَ على الإناءِ، فيعترضُ دونَه ويصيرُ حاجزًا ومانعًا، والمعنى على هذا النَّهي أن يحلفُوا بالله على أنَّهم لا يبرُّون ولا يتَّقون، ويقولون: لا نقدرُ نفعلُ ذلك لأجلِ حلفنَا، أو من العرضَةِ وهي القوَّة والشِّدَّة، يقال: جملٌ عُرْضة للسَّفَر، أي: قويٌّ عليه. وقال الزُّبير: فَهَذِي لأَيَّامِ الحُرُوبِ وَهَذِهِ (١) … لِلَهْوِي وَهَذِي عُرْضَةٌ لارْتِحَالِنَا أي: قوَّةٌ وعُدَّةٌ، أي: لا تجعلُوا اليمين بالله قوَّةً لأنفسِكُم في الامتناعِ من البرِّ، وقولهِ: (﴿أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾) عطفُ بيانٍ ﴿لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: للأمورِ المحلوفِ عليها الَّتي هي البرُّ والتَّقوى والإصلاحُ بين النَّاس، واللَّام تتعلَّق بالفعلِ، أي: ولا تجعلوا الله لأيمانِكُم (٢) برزخًا، ويجوزُ أن تكون اللَّام تعليليَّة ويتعلَّق ﴿تَبَرُّواْ﴾ بالفعلِ أو بالعُرْضة، أي: ولا تجعلُوا الله لأجلِ أيمانِكُم عُرْضة لأنَّ تبرُّوا، وفي ذلكَ نهيٌّ عن الجَرَاءة على اللهِ بكثرةِ الحلفِ به، وذلك لأنَّه (٣) مِن أكثرَ ذكرَ شيءٍ في معنًى مِن المعَاني، فقد جعلَه عُرْضة له، يقولُ الرَّجل: قد جعلتَنِي عُرْضة للومِكَ. قال الشَّاعر: وَلَا تَجْعَلِيْنِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ وقد ذمَّ الله من أكثر الحلف بقولهِ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وكان الخَلَفُ يُمدَحون بالإقلالِ من الحلف، والحكمةُ في الأمرِ بتقليل الأيمانِ: أنَّ من حلفَ في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ بالله انطلقَ لسانه بذلكَ ولا يبقى لليمين في

стр. 11623

قلبهِ وقع، فلا يُؤمَن من إقدامهِ على الأيمانِ الكاذبةِ، فيختلُّ ما هو الغرض الأصليُّ من اليمين، وأيضًا كلَّما كان الإنسان أكثرَ تعظيمًا لله تعالى كانَ أكمل في العبوديَّة، ومن كمالِ التَّعظيم أن يكونَ ذِكرُ الله تعالى أجلَّ وأعظمَ (١) وأَعلى عنده من أن يستشهدَ به في غرضٍ من الأغراضِ الدُّنيويَّة (﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ﴾) لأيمانكُم (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]) بنيَّاتكم، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ: «﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ … » إلى آخر الآيةِ. (وَقولهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾) عَرَضًا من الدُّنيا يسيرًا (﴿إِنَّمَا عِندَ اللّهِ﴾) من ثوابِ الآخرة (﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥]) وقولهِ تعالى: (﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾) هي البيعةُ لرسولِ الله ﷺ على الإسلامِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠] (﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾) بعد توثيقِها باسمِ الله (﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١]) شاهدًا ورقيبًا، وفي رواية أبي ذرٍّ: «﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [النحل: ٩٥] إلى قولهِ: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾» [النحل: ٩١] قال في «الفتح»: وسقطَ ذلك لجميعِهم، ووقع فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والصَّواب قوله: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ إلى قولهِ: ﴿آ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [النحل: ٩٥] ووقع في رواية النَّسفيِّ بعد قولهِ : ﴿عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ ما نصُّه: «وقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الآية (٢)، وقولهِ: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ الآيةَ».

стр. 11624

٦٦٧٦ - ٦٦٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى) موجبِ (يَمِينِ صَبْرٍ) بإضافة «يمينٍ» لـ «صبرٍ» مصحَّحًا عليها في الفرعِ كأصلهِ لِمَا بينهمَا من الملابسةِ، والأكثرُ على تنوينِ «يمينٍ» فيكون «صبرٍ» صفة له مصدرٌ بمعنى المفعول، أي: مصبورة، كما في الرِّواية الأُخرى: «على يمين مصبُورةٍ» فيكون على التَّجوُّز بوصفِ اليمين بذلك؛ لأنَّ اليمين الصَّبر هي الَّتي يلزم الحاكمُ الخصمَ بها، والمصبورُ في الحقيقةِ الحالفُ لا اليمين، أو المراد: أنَّ الحالفَ هو الَّذي صبَّر نفسَه وحبسَها على هذا الأمرِ العظيم الَّذي لا يصبرُ أحدٌ عليه، فالحالفُ هو المصابر (١) واليمين مَصبورة، أي: مصبورٌ عليها. وزاد المؤلِّف في «الإشخاص» [خ¦٢٣٥٦] من رواية أبي معاوية وفي «الشرب» [خ¦٢٣٥٦] من رواية أبي حمزة، كلاهما عن الأعمش: «هو فيها فاجرٌ» لكن رواية أبي معاوية (٢): «هو عليها فاجرٌ» وكأنَّ فيها حذفًا تقديرُه: هو في الإقدامِ عليها كاذبٌ حال كونهِ (يَقْتَطِعُ بِهَا) بسببِ اليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ ونحوه، وفي «صحيح مسلم»: «حقّ امرئٍ مسلمٍ بيمينهِ» (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) جوابُ «مَن»، و «غضبان» لا ينصرفُ لزيادة الألف والنون، أي: فيعاملهُ معاملةَ المغضوبِ عليه فيعذِّبه (أَنْزَلَ اللهُ) (تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) ليس في رواية أبي ذرٍّ: «إِلى آخرِ الآية». وفي مسلمٍ والتِّرمذيِّ: عن أبي وائلٍ عن عبد الله، من طريق جامعِ بن أبي راشدٍ وعبد الملكِ بنِ أَعْيَن مرفوعًا: «مَن حلفَ على مالِ امرئٍ مسلمٍ (٣) بغيرِ حقِّه … » الحديث. ثمَّ قرأَ علينا رسولُ الله ﷺ ، وظاهرُه أنَّ الآية نزلتْ قبل. وسبق في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥١] أنَّها نزلتْ فيمن أقام سلعتَه بعد العصر فحلفَ كاذبًا، فيحتملُ أنَّها نزلتْ في الأمرين معًا. (فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) المكانَ الَّذي كانُوا فيه (فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بنُ مسعود؟ (فَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا»: (كَذَا وَكَذَا. قَالَ) الأشعث: (فِيَّ) بتشديد

стр. 11625

التَّحتيَّة (أُنْزِلَتْ) هذه الآية (كَانَتْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «كان» (لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه: معدان، وقيل: جريرُ بن الأسود الكنديُّ، ولقبه الجَفْشِيْش -بفتح الجيم وسكون الفاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة-، وفي روايةِ أبي معاوية [خ¦٢٤١٦] «كانَ بينِي وبينَ رجلٍ من اليهودِ أرضٌ فجَحَدَني». ولا تضادَّ بين قولهِ: «ابن عمٍّ لي»، وقولهِ: «من اليهودِ» لأنَّ جماعةً من أهلِ اليمنِ كانوا تهوَّدوا وقد ذكر أنَّه أسلمَ، فيقال: إنَّما (١) وصفه الأشعثُ بذلك باعتبارِ ما كان أوَّلًا (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: فادَّعيتُ عليه (فَقَالَ) لي ﷺ : (بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ) -وفي رواية أبي مُعاوية [خ¦٢٤١٦] قال: «ألكَ بيِّنة؟ فقلتُ: لا، فقالَ لليهودِي: احلِفْ». وفي روايةِ أبي حمزةَ [خ¦٢٣٥٦]: «فقالَ لي: شهودُكَ؟ قلتُ: مَا لِي شهودٌ، قالَ: فيمينُهُ». وفي روايةِ أبي وائلٍ من طريقِ ولدِه علقمَةَ: فانطلَقَ ليحلفَ (٢) - بالرَّفع فيهما (٣) إمَّا فاعلٌ بفعلٍ مقدَّر، أي: تحْضرُ بيِّنتكَ تَشْهدُ لك، أو فحَقُّك يمينُه، فـ «يمينُه» خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو لك يمينُه فيكون مبتدأ والخبرُ في الجارّ و (٤) المجرور، ويحتملُ أن يكون «بيِّنتُك» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: الواجبُ بيِّنتك أو يمينُه إن لم يكن لك بيِّنة. قال الأشعثُ: (قُلْتُ (٥): إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا) على البئرِ (يَا رَسُولَ اللهِ) و «إذًا» حرف جوابٍ ينصبُ الفعلَ المضارع بشروطٍ ثلاثةٍ: أن يكون أوَّلًا فلا يعتمدُ ما بعدها على ما قبلَها (٦) كما تقولُ في جوابِ مَن قال: أزورُك، إذًا أكرمَكَ، بالنَّصب، فإن اعتمدَ ما بعدَها على ما قبلَها رفَعْتَ نحو قولك: أنا إذًا أكرمُك. الثَّاني: أن يكون مُسْتَقبلًا، فلو كان حالًا وجبَ الرَّفع نحو قولِكَ لمَنْ قال: جاءَ الحاجُّ، إذًا أفرحُ، تريدُ الحالة الَّتي أنت فيها. الثَّالث: أن لا يفصلَ بينها وبين الفعلِ بفاصلٍ ما عدا القَسَم والنِّداء و «لا» (٧)، فإنْ دخلَ عليها حرف عطفٍ جاز في الفعلِ الرَّفع والنَّصب، والرَّفع أكثر نحو قولهِ تعالى: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعلُ هنا في الحديث إن أريدَ به الحال فهو

стр. 11626

مرفوعٌ، وإنْ أُريد به الاستقبال فهو منصوبٌ، وكلاهما في الفرعِ كأصلهِ، والرَّفع رواية غير أبي ذرٍّ، وفي روايةِ أبي معاويةَ [خ¦٢٤١٦] «إذًا يحلفُ ويذهبُ بمالِي» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ) بالإضافةِ أو بالتَّنوين، كما مرَّ [خ¦٦٦٧٦] (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (فِيهَا فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ، وقُيِّد به ليَخْرُجَ (١) الجاهلُ والنَّاسِي والمُكرهُ (يَقْتَطِعُ بِهَا) أي: بسببِ يمينهِ (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) و «يقتطعُ» يفتعلُ من القطعِ كأنَّه قطعَه عن صاحبهِ أو أخذَ قطعةً من مالهِ بالحلفِ المذكور (لَقِيَ اللهَ) تعالى (يَوْمَ القِيَامَةِ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ). وفي الحديثِ سماعُ الحاكم الدَّعوى فيما لم يرهُ إذا وُصِفَ وحُدِّدَ وعَرَفَه المُتَدَاعِيان، لكن لم يقعْ في الحديثِ تصريحٌ بوصفٍ (٢) ولا تحديدٌ، فاستدلَّ به القرطبيُّ: على أنَّ الوصف والتَّحديد ليس بلازم لذاته (٣)، بل يكفِي في صحَّة الدَّعوى تمييزُ المدَّعى به تمييزًا ينضبطُ به. قال في «الفتح»: ولا يلزمُ من تركِ ذكرِ التَّحديد والوصف في الحديثِ أن لا يكون ذلك وقعَ، ولا يُسْتدلّ بسكوتِ الرَّاوي عنه بأنَّه لم يقعْ بل يطالبُ من جعل ذلك شرطًا بدليلهِ، فإذا ثبتَ حملَ على أنَّه ذكر في الحديثِ ولم ينقلْه الرَّاوي. وسبقَ كثيرٌ من فوائدِ هذا الحديث في «الشُّرب» [خ¦٢٣٥٦] والإشخاص [خ¦٢٤١٦] ويأتي في «الأحكام» [خ¦٧١٨٣] إن شاء الله تعالى. (١٨) (باب) حكم (اليَمِينِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ) الحالفُ (وَ) اليمين (فِي المَعْصِيَةِ وَ) اليمين (فِي) حالة (الغَضَبِ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «في».

стр. 11627

٦٦٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين المهملة والمدِّ، ابن كُريبٍ، أبو كُريبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة وفتح الراء، ابنِ عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، عامر أو الحارث (عَنْ) أبيهِ (أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيس الأشعريِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي) الأشعريون (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) عندَ إرادةِ غزوةِ تبوك (أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم، أي: أنْ يحملنَا على إبلٍ (فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ) زاد في «باب الكفَّارة»: «وما عندِي ما أحملُكم» [خ¦٦٧١٨] وكذا هو في «باب لا تحلفُوا بآبائكُم» [خ¦٦٦٤٩] كما سبقَ (وَوَافَقْتُهُ) ﵊ (وَهْوَ غَضْبَانُ) وفي «غزوةِ تبوك» [خ¦٤٤١٥] «وهو غضبانُ ولا أشعرُ، ورجعتُ حزينًا من منعِ النَّبيِّ ﷺ ومِن مخافةِ أن يكون النَّبيُّ ﷺ وجدَ في نفسهِ عليَّ، فرجعتُ إلى أصحَابي فأخبرتُهم الَّذي قال النَّبيُّ ﷺ ، فلم ألبَثْ إلَّا سويعَةً؛ إذ سمعتُ بلالًا: أيْ عبدَ الله بن قيسٍ، فأجبتُه فقال: أجبْ رسولَ الله ﷺ يدعوكَ» (فَلَمَّا أَتَيْتُهُ) ﷺ (قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ) لهم: (إِنَّ اللهَ) (أَوْ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ) وفي «غزوةِ تبوك» [خ¦٤٤١٥] «فلمَّا أتيتهُ قال: خذْ هذين القَرْينين وهذين القَرْينين لستَّةِ أبعرَةٍ ابتاعهُنَّ حينئذٍ (١) من سعدٍ، فانطلقْ بهنَّ إلى أصحابك فقلْ: إنَّ الله، أو إنَّ رسولَ الله ﷺ يحملُكم على هؤلاءِ الأبعرَةِ … » الحديث بتمامه في «المغازي» [خ¦٤٤١٥] بالسَّند المذكور هنا. وقد فهمَ ابنُ بطَّال رحمه الله تعالى عن البخاريِّ أنَّه نحا بهذهِ التَّرجمة لجهةِ تعليقِ الطَّلاق قبل ملكِ العصمةِ، أو الحرِّيَّة قبل ملك الرَّقبة، ونحو ذلك، كأنْ حلفَ على أن لا يهبَ أو لا يتصدَّقَ أو لا يعتقَ، وهو في هذه (٢) الحالةِ لا يملكُ شيئًا من ذلك، ثمَّ حصلَ له فوهبَ أو تصدَّق أو أعتقَ (٣)، فعندَ جماعةِ (٤) الفقهاءِ تلزمُه الكفَّارة، كما في قصَّة الأشعريِّين، ولو حلفَ أن لا يهبَ أو لا يتصدَّقَ ما دامَ مُعْدمًا، وجعل العدمَ علَّةً لامتناعهِ من ذلك، ثمَّ حصلَ له مالٌ بعد ذلك لم

стр. 11628

تلزمْهُ كفَّارة إن وهبَ (١) أو تصدَّق؛ لأنَّه إنَّما أوقعَ يمينهُ على حالةِ العدمِ لا على حالةِ الوجود، ولو حلفَ أن يعتقَ ما لا يملكُه إنْ ملكَه في المستقبلِ، فقال مالكٌ: إن عيَّن أحدًا، أو قبيلةً، أو جنسًا لزمهُ العتقُ، وإن (٢) قال: كلُّ مملوكٍ أملكُه أبدًا حرٌّ لم يلزمْه عتقٌ، وكذلك في الطَّلاق إن عيَّن قبيلةً أو بلدةً أو صفةً مّا، لزمهُ الحنْثُ (٣) وإن لم يعيِّن لم يلزمْهُ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابه: يلزمه الطَّلاق والعتقُ عمَّم أو خصَّص. وقال الشَّافعيُّ: لا يلزمه لا ما خصَّ ولا ما عمَّ. ويأتي مزيدٌ بحثٍ لهذا الحديث إن شاء الله تعالى في آخر هذا البابِ [خ¦٦٦٨٠] بعون الله تعالى (٤). ٦٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن عبد الله الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعدِ بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ (ح) لتحويل السَّند. قال البخاريُّ بالسَّند السَّابق أول هذا المجموع إليه: (وَحَدَّثَنَا الحَجَّاجُ) بنُ مِنهال قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ) بضم النون وفتح الميم قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ) بفتح الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام، نسبةً إلى مدينةِ أيلةَ على ساحلِ بحرِ القلزمِ (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بنَ مسلم بن شهابٍ (قَالَ:

стр. 11629

سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ) المخزوميَّ (وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) اللَّيثيَّ (وَعُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضم العين وسكون الفوقية، ابن مسعودٍ الفقيهَ الأعمى (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ) (مِمَّا قَالُوا) بما أنزلهُ في التَّنزيل (كُلٌّ) من الأربعةِ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ) قطعةً منه (فَأَنْزَلَ اللهُ) (﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١]) والإفكُ أبلغُ ما يكون من الكذبِ والافتراء، والمراد: ما أُفِكَ به على عائشةَ ﵂، والعصبةُ: الجماعةُ من العشرة إلى الأربعين، واعصوصَبُوا اجتمَعُوا، وقولهُ: ﴿مِّنكُمْ﴾ أي: من المسلمين (العَشْرَ الآيَاتِ كُلَّهَا فِي بَرَاءَتِي، فَقَالَ (١) أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) ﵁ (وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ) وكان ابن خالتهِ: (وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا) سقط «أبدًا» لغير أبي ذرٍّ (بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ) عن عائشة من الإفكِ (فَأَنْزَلَ اللهُ) : (﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) ولا يحلفْ، من ائتلى إذا حلفَ (٢) افتعالٌ من الأليةِ (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾) في الدِّين (﴿وَالسَّعَةِ﴾) في الدُّنيا (﴿أَن يُؤْتُوا﴾) أي: لا يؤتوا (﴿أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ الاية [النور: ٢٢]) كذا رأيتُه في الفرع: ﴿الْقُرْبَى﴾ وفي هامشه ما نصّه: في «اليونينيَّة» مكتوب: «القربة» وليس عليها تمريضٌ ولا ضبَّة، ومضبوطةٌ بفتح التاء المنقلبة عن الهاء، فالله أعلم أنَّه سهو فليحرَّر. انتهى. قلتُ: وكذا رأيتُه في «اليونينيَّة»، وهذا مخالفٌ للتِّلاوة، وفي كثير من الأصولِ: ﴿الْقُرْبَى﴾ كالتَّنزيل، وهو الصَّواب (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (بَلَى وَاللهِ، إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُـ) ها (عَلَيْهِ وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا). وهذا موضعُ التَّرجمة؛ لأنَّ الصِّدِّيق ﵁ كانَ حالفًا على تركِ طاعةٍ، فنهيَ عن الاستمرارَ على ما حلفَ عليه، فيكون النَّهي عن الحلفِ على فعل المعصيةِ أولى، والظَّاهر من حالهِ عند الحلفِ أن يكون قد غضبَ على مسطحٍ من أجلِ خوضهِ في الإفكِ.

стр. 11630

٦٦٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين بينهما، عبدُ الله بن عَمرو المقعدُ التَّميميُّ المنقريُّ (١) مَولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد التَّنُّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ القَاسِمِ) بن عاصمٍ التَّميميِّ، ويقال: الكُلينيِّ -بنون بعد التَّحتيَّة- (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة، ابنُ مُضَرِّب الجرميِّ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (قَالَ (٢): أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ) بالقاف بعد الفاء (وَهْوَ غَضْبَانُ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ) طلبنَا منه أن يحملنَا وأثقالنَا على إبلٍ لغزو (٣) تبوك (فَحَلَفَ) ﷺ (أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ قَالَ) أي: بعد أنْ أتي بنهبِ إبلٍ (٤) من غنيمةٍ، وأمر لهم بخمسِ ذودٍ وانطلقُوا، فقالوا: تغفَّلْنَا رسولَ الله ﷺ يمينهُ ورجعوا إليه، وذكروا له ذلك وقال: «إِنِّي لستُ أَنا أحملُكُم (٥) ولكنَّ الله حملَكُم» [خ¦٣١٣٣] (وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمين (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) من الَّذي حلفتُ عليه (وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة. وقوله: «وهو غضبان» مطابقٌ لبعض التَّرجمة، ووافقَ أنَّه حلف على شيءٍ ليس عنده. وقال ابن المُنَيِّر: لم يذكر البخاريُّ في الباب ما يُناسب ترجمةَ اليمين على المعصية إلَّا أن يريدَ يمين (٦) أبي بكر على قطيعةِ مسطح وليست بقطيعةٍ، بل هي عقوبةٌ له على ما ارتكبهُ من المعصية بالقذفِ، ولكن يمكن أن يكون حلفَ على خلافِ الأولى، فإذا نُهِيَ عن ذلك حتَّى أحنثَ نفسَه وفعلَ ما حلفَ على تركهِ، فمَن حلف على (٧) المعصيةِ يكون أولى، قال (٨): ولهذا يقضي بحنثِ من حلف على معصيةٍ من قبل أن يفعلَها، فالحديث مطابقٌ للترجمةِ. قال ابنُ

стр. 11631

بطَّال: لأنَّه ﷺ حلف حين لم يملكْ ظهرًا يحملهم عليه، فلمَّا طرأ المُلْك حملَهم، قال ابنُ المُنَيِّر: وفَهِم ابنُ بطَّال عن البخاريِّ أنَّه نحا جهةَ (١) تعليقِ الطَّلاق قبل ملك العصمةِ أو الحريَّة قبل ملك الرَّقبة، والظَّاهر من قصد البخاريِّ غير هذا وهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ حلفَ أن لا يحملَهم، فلمَّا حملَهم وراجعُوه في يمينه قال: «ما أنا حملتُكُم ولكنَّ الله حملَكُم» فبيَّن أنَّ يمينه إنَّما انعقدتْ فيما يملكُه، فلو حملَهم على ما يملكُه لحنثَ وكفَّر، ولكنَّه حملَهم على ما لا يملكُ ملكًا خاصًّا وهو مالُ الله، وبهذا لا يكون ﵊ قد حنثُ في يمينهِ. وأمَّا قوله ﷺ عقيب (٢) ذلك: «لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها» فتأسيسُ قاعدةٍ مبتدأةٍ كأنَّه يقول: ولو كنتُ حلفتُ، ثمَّ رأيتُ تَرْكَ ما حلفتُ عليه خيرًا منه لأحنثتُ نفسي، وكفَّرت عن يمينِي. قال: وهم إنَّما سألوه ظنًّا أنَّه يملك حملانًا، فحلفَ لا يحملهم على شيءٍ يملكه؛ لكونه حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك. قال: ولا خلافَ أنَّ من حلف على شيءٍ وليس في ملكه أنَّه لا يفعل فعلًا معلَّقًا بذلك الشَّيء مثل قولهِ: والله لئن ركبتُ هذا البعير لأفعلنَّ كذا، لبعيرٍ لا يملكُه، فلو ملكَه وركبه حنثٌ، وليس هذا من تعليقِ اليمين على الملك، ولو قال: والله لا وهبتُك هذا الطَّعام، وهو لغيره، فملَكَه فوهبهُ له فإنَّه يحنث، ولا يجرِي فيه الخلافُ الَّذي جرى في تعليقِ الطَّلاق على الملكِ، وإن كان ظاهر ترجمة البخاريِّ: أنَّ من حلف على ما لا يملكُ مطلقًا نوى أو لم ينوِ، ثمَّ ملكَه لم يلزمْه اليمين. انتهى. قال في «فتح الباري»: وليس ما قاله ابنُ بطَّال ببعيدٍ بل هو أظهرُ، أي: ممَّا قاله ابن المُنَيِّر، وذلك أنَّ الصَّحابة الَّذين سألوا (٣) الحُمْلان فهموا أنَّه حلفَ، وأنَّه فعل خلافَ ما حلفَ أنَّه لا يفعله، فلذلك لمَّا أمر لهم بالحُمْلان بَعْدُ (٤) قالوا: تغفَّلْنَا رسولَ الله ﷺ يمينه، وظنُّوا أنَّه نسِي حلفه الماضي، فأجابهُ بأنَّه لم ينسَ ولكنَّ الَّذي فعله خيرٌ ممَّا حلف عليه، وأنَّه إذا حلف فرأى خيرًا من يمينه فعل الَّذي حلف أن لا يفعلَه وكفَّر عن يمينهِ، والله الموفِّق.

стр. 11632

(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَالَ) شخصٌ: (وَاللهِ لَا أَتَكَلَّمُ اليَوْمَ) مثلًا (فَصَلَّى) فرضًا أو نفلًا (أَوْ قَرَأَ) القرآن (أَوْ سَبَّحَ، أَوْ كَبَّرَ، أَوْ حَمِدَ، أَوْ هَلَّلَ) قال: لا إله إلَّا الله (فَهْوَ عَلَى نِيَّتِهِ) فإن قصدَ الكلام العُرفي لا يحنث، وإن قصد التَّعميم حنثَ، فإن لم ينوِ فالجمهورُ على عدم الحنثِ. قال في «الروضة»: حلفَ (١) لا يتكلَّم، حنث بترديدِ الشِّعر على نفسهِ؛ لأنَّ الشِّعر كلامٌ، ولا يحنثُ بالتَّسبيح والتَّهليل (٢) والدُّعاء على الصَّحيح؛ لأنَّ اسم الكلام عند الإطلاق (٣) ينصرفُ إلى كلامِ الآدميين في محاورَاتهم، وقيل: يحنثُ؛ لأنَّه يباح للجنبِ فهو كسائر الكلامِ، ولا يحنثُ بقراءةِ القرآن، وقال القفَّال في «شرح التلخيص»: لو قرأ التَّوراة الموجودة اليوم لم يحنثْ؛ لأنَّا نشكُّ في (٤) أنَّ الَّذي قرأه مبدَّل أم لا. انتهى. وعن الحنفيَّة: يحنثُ، وقال ابن المُنَيِّر: معنى قول البخاريِّ: «فهو على نيَّته» أي: العرفيَّة. قال: ويحتملُ أن يكون مرادُه أنَّه (٥) لا يحنثُ بذلك إلَّا إن نوى إدخاله في نيَّته، فيؤخذُ منه حكم الإطلاق. قال: ومن فُروع المسألةِ لو حلفَ لا كلَّمت زيدًا، ولا سلَّمت عليه، فصلَّى خلفهُ فسلَّم الإمامُ، فسلَّم المأموم التَّسليمة الَّتي يخرجُ بها من الصَّلاة، فلا يحنثُ (٦) بها جزمًا، بخلاف التَّسليمة الَّتي يردُّ بها على الإمامِ فلا يحنثُ أيضًا (٧)؛ لأنَّها ليست ممَّا ينويه النَّاس عرفًا، وفيه الخلاف. انتهى.

стр. 11633

وقال النَّوويُّ: ولو صلَّى الحالفُ خلفَ المحلوف عليه، فسبَّح لسهوهِ، أو فتح عليه القراءةَ لم يحنثْ، ولو قرأ آيةً فهم المحلوفُ عليه منها مقصودَه، فإن قصدَ القراءة لم يحنثْ وإلَّا فيحنثُ. (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَفْضَلُ الكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ) أخرجه النَّسائيُّ موصولًا من حديثِ أبي هُريرة، وغرضُ البخاريِّ من سياق هذا التَّعليق بيان أنَّ الأذكار ونحوها كلامٌ فيحنثُ به (١). (قَالَ (٢) أَبُو سُفْيَانَ) صخرُ بن حربٍ، ممَّا سبق موصولًا في قصَّة (٣) حديثِ هرقل في «أوائل الصحيح» [خ¦٧] (كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]) لفظ «كَلِمَةٍ» من باب إطلاقِ البعض على الكلِّ. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ عبدُ بن حميدٍ من طريق منصورِ بنِ المعتمر، عنه، موقوفًا: (كَلِمَةُ التَّقْوَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فسمَّاها كلمةً مع اشتمالهَا على كلماتٍ. ٦٦٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ) المسيَّب بن حَزْن -بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي- المخزوميِّ، أنَّه (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) له: (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةًٌ) بالنَّصب من موضعِ «لا إله إلَّا الله» ويجوز الرَّفع بتقدير: هو (أُحَاجُّ) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشدَّدة، أصله: أُحَاجج، أي: أُظهر (لَكَ بِهَا) الحُجَّة (عِنْدَ اللهِ) يوم القيامة فيه أيضًا إطلاقُ الكلمةِ على الكلامِ.

стр. 11634

والحديث سبقَ في قصَّة أبي طالبٍ في آخر «فضائل الصَّحابة» [خ¦٣٨٨٤]. ٦٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، ابن غَزْوان -بفتح المعجمة وسكون الزاي- الضَّبيُّ مولاهم أبو عبد الرَّحمن الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم، و «القَعْقَاع» بقافين مفتوحتين وعينين مهملتين أولاهما ساكنة، ابن شُبْرُمة -بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة- الضَّبيُّ -بالمعجمة والموحدة المشددة- الكوفيُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمٍ البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ) للينِ حروفهما (ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ) حقيقةً؛ إذ الأعمال عند أهلِ السُّنَّة تجسَّم حينئذٍ، وفيه تحريضٌ بأنَّ سائر التَّكاليف صعبة شاقَّة على النَّفس ثقيلةٌ، وهذه خفيفةٌ سهلةٌ عليها مع أنَّها تثقل في الميزانِ ثقل غيرها من التَّكاليف، فلا تتركوهَا (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ) محبوبتان، أي: يحبُّ قائلهما، فيُجْزل له من الثَّواب ما يليقُ بكرمهِ (سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ) أي: أنزِّه الله تعالى تنزيهًا عمَّا (١) لا يليقُ به متلبِّسًا (٢) بحمدِي له من أجلِ توفيقه لي للتَّسبيح (سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ) ذكرَ أولًا لفظ الجلالةِ الَّذي هو اسم للذَّات

стр. 11635

المقدَّسة الجامعةِ لجميع الصِّفات العليا والأسماءِ الحُسنى، ثمَّ وصفه بالعظيمِ الَّذي هو شاملٌ (١) لسلبِ ما لا يليقُ به، وإثباتِ ما يليقُ به؛ إذ العظمةُ المطلقةُ الكاملةُ مُستلزمة لعدم التَّشْريك (٢) والتَّجسيم (٣) ونحوه، وللعلم بكلِّ المعلوماتِ، والقدرة على كلِّ المقدوراتِ إلى غير ذلك، وإلَّا لم يكن عظيمًا مُطلقًا، وكرَّر التَّسبيح للإشعارِ بتنزيههِ على الإطلاق. وتأتي بقيَّة مباحثِ ذلك إن شاء الله تعالى في آخر الكتابِ [خ¦٧٥٦٣] بعون الله ومنِّه وكرمهِ. وسبق الحديث في «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٤٠٦]. ٦٦٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ البصريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيَّاد قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ شَقِيقٍ) بفتح الشين وكسر القاف، أبي (٤) وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعود (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَلِمَةً وَقُلْتُ) أنا (أُخْرَى) قال ﷺ : (مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة، مثلًا ونظيرًا وشريكًا (أُدْخِلَ النَّارَ) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة، أي: وخلِّد فيها (وَقُلْتُ) أنا كلمةً (أُخْرَى: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الجَنَّةَ) وإن دخلَ النَّار لذنبٍ فدخولُه الجنَّة محقَّقٌ لا بدَّ منه، وإنَّما قال ابنُ مسعود ذلك؛ لأنَّه إذا انتفى الشِّرك انتفِى دخول النَّار بسببهِ.

стр. 11636

والحديث سبق في «الجنائزِ» [خ¦١٢٣٨] فيه كالسَّابق إطلاق الكلمة على الكلامِ. (٢٠) (باب) حكم (مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ) زوجتهِ أو أعمَّ (شَهْرًا) وهو في أوَّل جزءٍ منه (وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) ثمَّ دخل، فإنَّه لا يحنثُ اتِّفاقًا، فإن كان حلفه في أثناء الشَّهر ونقص هل يجب تلفيقُ الشَّهر ثلاثين أو يُكتفى بتسعٍ وعشرين؟ الجمهورُ على الأوَّل. ٦٦٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ يحيى بنِ عَمرو بن أُويس قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل البصريِّ، مولى طلحةَ الطَّلحات (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: آلَى) بمدِّ الهمزة المفتوحة وفتح اللَّام مخفَّفة (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ) أي: حلفَ لا يدخلُ عليهنَّ شهرًا (وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ) الكريمة (فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء بعدها موحدة مفتوحة، غُرْفة (تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) بأيَّامها (ثُمَّ نَزَلَ) ﵊ من المَشْرُبة، وفي حديث أمِّ سلمة في «الصَّوم» [خ¦١٩١٠] «فلمَّا مَضى تسعة وعشرون يومًا غدا». وهو بالمعجمة، أي: ذهب أوَّل النَّهار (فَقَالُوا) وفي مسلم: «فقالت عائشة» (يَا رَسُولَ اللهِ آلَيْتَ) أي: حلفتَ أن لا تدخل علينا (شَهْرًا فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) يومًا. والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩١١] و «الإيلاء» [خ¦٥٢٨٩]. (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِنْ حَلَفَ) شخصٌ (أَنْ لَا يَشْرَبَ نَبِيذًا) بالذال المعجمة، متَّخَذًا (١) من تمرٍ أو زبيبٍ أو نحوهما بأن وضعَ عليه ماءٌ وتركَ حتَّى خرجتْ حلاوتُه أسكرَ

стр. 11637

أم لا؟ (فَشَرِبَ طِلَاءً) بكسر الطاء المهملة وتخفيف اللَّام وبالمدِّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «الطِّلاء» بالتَّعريف، ما طُبِخَ من عصيرِ العنبِ. زادَ الحنفيَّة: وذهبَ ثلثهُ، فإن ذهبَ نصفُه فهو المُنَصَّف، وإن طبخ أدنى فهو البَاذَقُ (أَوْ) شرب (سَكَرًا) بفتح المهملة والكاف، خمرًا معتصرًا من العنبِ، هكذا رواه الأثبات، ومنهم من يرويهِ بضم السين وسكون الكاف، يريد حالةَ السَّكر، فيجعلون التَّحريم للسُّكرِ لا لنفسِ المسكرِ، فيبيحونَ قليلَه الَّذي لا يُسكر، والمشهورُ الأوَّل (أَوْ) شرب (عَصِيرًا) ما عُصِر من العنبِ (لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ) أي: أبي حنيفة وأصحابه (وَلَيْسَتْ) بالفوقيَّة بعد السين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وليس» (هَذِهِ) المذكورات الطِّلاء والسَّكَر والعَصِير (بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ) عندَ أبي حنيفة وأصحابه؛ لأنَّ النَّبيذَ في الحقيقة ما نُبِذ في الماءِ ونُقعَ فيه، ومنه سُمِّي المنبوذُ منبوذًا؛ لأنَّه نُبِذ، أي: طُرِح. واعترضَهُ العينيُّ بأنَّه يحتاجُ إلى دليلٍ ظاهرٍ؛ أنَّ هذا نُقِلَ عن أبي حنيفةَ، ولئن سلَّمنا ذلك فمعناهُ: أنَّ كلَّ واحدٍ من الثَّلاثة يسمَّى باسمٍ خاصٍّ كما مرَّ، وإن كان يُطْلق عليها اسمُ النَّبيذِ في الأصلِ. ٦٦٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ بالجمعِ (عَلِيٌّ) هو ابنُ عبد الله المدينيُّ، أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، يقول: (أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (أَبِي) حازم سلمة بنِ دينارٍ الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما، السَّاعديِّ الأنصاريِّ (أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح السين، مالكَ بن ربيعةَ السَّاعديَّ البدريَّ (صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال: إنَّه (أَعْرَسَ) بهمزة مفتوحة وسكون المهملة وبعد الراء سين مهملة أيضًا؛ أي: لمَّا اتَّخذ عروسًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عرَّس» بتشديد الراء من غير همزٍ (فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ ¬) أي: وأصحابه (لِعُرْسِهِ فَكَانَتِ العَرُوسُ) أي: الزَّوجة (خَادِمَهُمْ) بغير مثناة فوقيَّة يطلقُ على الذَّكر والأُنثى، والعَرُوس هي أمُّ أُسيد بنتُ وهب بن سلامةَ (فَقَالَ سَهْلٌ) السَّاعديُّ (لِلْقَوْمِ)

стр. 11638

الَّذين حدَّثهم: (هَلْ تَدْرُونَ مَا سَقَتْهُ) ﷺ ؟ ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ماذا سقتهُ؟» (قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِي تَوْرٍ) بفتح المثناة الفوقيَّة، إناءٌ من صُفْرٍ أو حجرٍ (مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ فَسَقَتْهُ) ﷺ (إِيَّاهُ) أي: نقيعَ التَّمر، وفيه الرَّدُّ على بعضِ النَّاس؛ لأنَّه يقتضِي تسميةَ ما قربَ عهدُه بالانتباذِ (١) نبيذًا، وإن حلَّ شربه، فالنَّقيع في حكم النَّبيذ الَّذي لم يبلغ السَّكَر، والعصيرُ من العنب الَّذي بلغ حدَّ السُّكْر في معنى نبيذِ التَّمر الَّذي بلغ حدَّ السُّكر، والحاصل: أنَّ كلَّ شيءٍ يسمَّى في العرفِ نبيذًا يحنثُ به إلَّا أن ينوي شيئًا بعينهِ فيختصُّ به، والطِّلاء يُطلق على المطبوخِ من عصيرِ العنب، وهذا قد ينعقدُ فيكون دِبْسًا ورُبًّا، فلا يُسمَّى نبيذًا أصلًا، وقد يستمرّ مائعًا ويسكرُ كثيرُه فيُسمَّى في العرف نبيذًا، وكذلك السَّكَر يُطلق على العصيرِ قبل أن يتخمَّر. والحديث سبق في «باب الانتباذ» من «الأشربة» [خ¦٥٥٩١]. ٦٦٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) سعد أو هرمز البجليُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ سَوْدَةَ) بنت زَمْعة بنِ قيس (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا) بفتح الميم وسكون السين المهملة، جلدَها (ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ (٢)) ننقعُ (فِيهِ) التَّمر (حَتَّى صَارَتْ) ولأبي ذرٍّ: «صار (٣)» (شَنًّا) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، قِرْبَةً خَلِقةً، ولم يكونوا ينبذون (٤) إلَّا ما يحلُّ شربُه ومع ذلك كان يُطلق عليه اسم النَّبيذ. والحديث من أفرادِه.

стр. 11639

(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا حَلَفَ) شخصٌ (أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ) هل يكون مُؤتدمًا فيحنثُ أم لا؟ (وَ) باب (مَا يَكُونُ مِنَه الأُدْمِ) بضم الهمزة وسكون المهملة، ولغير أبي الوقت «من الأُدْم». ٦٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) أبو أحمد (١) البخاريُّ البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) بموحدة مكسورة وسين مهملة (عَنْ أَبِيهِ) عابسِ بن ربيعة النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ) مأكولٍ بالأُدْم (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) متواليةٍ (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) أي: توفِّي ﷺ . قال في «الكواكب»: فإن قلتَ: كيف دلَّ الحديثُ على التَّرجمة؟ وأجابَ بأنَّه لمَّا كان التَّمر غالب الأوقاتِ موجودًا في بيتِ رسول الله ﷺ وكانوا شَبَاعى منه عُلم أنَّه ليس أكلُ الخبز به ائتدامًا، أو ذكَرَ هذا الحديثَ في هذا الباب بأدنى مُلابسة وهو لفظ المأدُوم، ولم يذكرْ غيره؛ لأنَّه لم يجدْ حديثًا على شرطهِ يدلُّ على التَّرجمة، أو يكون من جملةِ تصرُّفات النَّقلة على الوجهِ الَّذي ذكروهُ، فهي ثلاثة. وتعقبه في «الفتح» بأنَّ الثَّالث بعيدٌ جدًّا، والأوَّل مباينٌ لمراد البخاريِّ، والثَّاني هو المرادُ، لكن بأن (٢) ينضمَّ إليه ما ذكره ابن المُنَيِّر، وهو أنَّه قال: مقصودُ البخاريِّ الرَّدُّ على من زعم أنَّه لا يقال: ائتدام إلَّا إذا أكلَ بما اصْطَبَغَ، أي: بالصاد والطاء المهملتين والموحدة والغين المعجمة، أي: ائتدم به. قال: ومناسبتُه (٣) لحديثِ عائشة أنَّ المعلوم أنَّها

стр. 11640

أرادتْ نفيَ الإدام مطلقًا بقرينةِ ما هو معروفٌ من شظف (١) عيشِهم، فدخلَ فيه التَّمر وغيره. وتعقَّبه العينيُّ فقال: لم يبينْ -أي: في «الفتح» - المراد ما هو، والحديثُ لا يدلُّ أصلًا على ردِّ الزَّاعم بهذا؛ لأنَّ لفظ «مأدوم» أعمُّ من أن يكون الإدام فيه ما يصطَبَغُ به أو لا يصْطَبَغ به. والحديث مرَّ في «الأطعمة» بأتمَّ من هذا [خ¦٥٣٧٤]. (وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ) محمد أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ، شيخ المؤلِّف: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ) عابس (أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ) ﵂ (بِهَذَا). وأشارَ المؤلِّف بهذا الحديثِ إلى أنَّ عابسًا لقِي عائشةَ وسألها؛ لرفعِ ما يتوهَّم في العنعنةِ في الطَّريق الَّتي قبلَها من الانقطاعِ. ٦٦٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيد (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريُّ (لأُمِّ

стр. 11641

سُلَيْمٍ) زوجته أمِّ أنس: (لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الجُوعَ) وفي مسلم: «فوجدتُه قد عصَّب بطنَه بعصابةٍ فسألتُ بعض أصحابه، فقالوا: من الجوعِ» (فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا) بكسر الخاء المعجمة، أي: نَصِيفًا (لَهَا فَلَفَّتِ الخُبْزَ بِبَعْضِهِ) ببعضِ الخمار (ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَهَبْتُ) بالخبزِ (فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ) لي (رَسُولُ اللهِ ﷺ : أأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريّ (فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا فَانْطَلَقُوا) ولأبي الوقت: «قال» أي: أنس: «فانطَلَقوا» (وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ) بمجيئهم (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) لأمِّي: (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ: قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «والناسُ وليس» (عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ) أي: قدرَ ما يكفيهم (فَقَالَت) أمُّ سُليم: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بقدر الطَّعام فهو أعلمُ بالمصلحةِ، ولو لم يعلم بالمصلحةِ ما فعل ذلك (فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ معه (١) حَتَّى دَخَلَا) على أمِّ سُليم (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (هَلُمِّي) بفتح الهاء وضم اللام وكسر الميم مشددة، هات (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الخُبْزِ) الَّذي كانت أرسلتُه مع أنس (قَالَ) أنسٌ: (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ الخُبْزِ فَفُتَّ) بفتح الفاء الأولى وضم الثانية وتشديد الفوقيَّة (وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا) من جلدٍ فيها سمن (فَآدَمَتْهُ) بمدِّ الهمزة المفتوحة، جعلته إدامًا للمفتوتِ بأن خلطَتْ ما حصلَ من السَّمْن بالخبزِ المفتوتِ (ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) وعند أحمدَ: قال: «بسمِ اللهِ اللَّهمَّ أعظمْ فيهَا (٢) البركَةَ» (ثُمَّ قَالَ) لأبي طلحة: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) أي: من أصحابهِ بالدُّخول؛ لأنَّ الإناءَ الَّذي فيه الطَّعام لا يتحلَّق عليه أكثر من عشرة إلَّا بعسرٍ وضررٍ (فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلَ القَوْمُ) ولأبي ذرٍّ: «فأكلُوا حتَّى شبعُوا ثمَّ خرجُوا ثمَّ قالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ» فأكلَ القوم (كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ سَبْعُونَ -أَوْ: ثَمَانُونَ- رَجُلًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وعند مسلم من روايةِ سعد بن سعيد: «ثمَّ أخذَ مَا بقيَ فجمَعَهُ، ثمَّ دَعا فيهِ بالبركَةِ، فعادَ كمَا كانَ»، ولا يخفى أنَّ

стр. 11642

المراد من الحديثِ هنا قوله: «فأمرَ بالخبزِ ففُتَّ وعصرَتْ أمُّ سُلَيمٍ (١) عُكَّةً لها فآدمَتْهُ». وفي حديث أبي داود والتِّرمذيِّ بسندٍ حسنٍ عن يوسفَ بنِ عبد الله بنِ سلام: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ أخذَ كسرةً من خبزِ شعيرٍ فوضعَ عليها تمرةً، وقال: «هذهِ إدامُ هذهِ». قال ابن المُنَيِّر: قصَّة أمِّ سليم هذه ظاهرة المناسبة؛ لأنَّ السَّمن اليسير الَّذي فضلَ في قعرِ العُكَّة لا تصْطَبِغ به الأقراص الَّتي فتَّتْها، وإنَّما غايتهُ أن يصيرَ في الخبر من طعم السَّمن، فأشبهَ ما إذا خالطَ التَّمر عند الأكلِ، ويؤخذُ منه أنَّ كلَّ شيءٍ يُسمَّى (٢) عند الإطلاقِ إدَامًا، فإنَّ الحالفَ أن لا يأتَدِمَ يحنَثُ إذا أكلَه مع الخبزِ، وهذا قولُ الجمهور. والحديث علمٌ من أعلامِ النُّبوَّة، وفيه منقبةٌ لأمِّ سُليم، وسبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨]. (٢٣) (باب النِّيَّةِ فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة لا بالكسرِ. ٦٦٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٣) الثَّقفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) الأنصاريَّ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (٤) (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميُّ (أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، وأفردَها؛ لأنَّ المصدر المفرد يقومُ مَقام الجمعِ، وإنَّما يجمعُ لاختلافِ الأنواع، وأصلها:

стр. 11643

نِوْيَة، فقُلِبت الواو ياء ثمَّ أُدْغمت في الياء بعدها، وجملةُ «إنَّما» في محلِّ مفعول بالقولِ، وجملة «سمعتُ» مثلها لـ «يقول» (١)، وسمعَ من الأفعال الصَّوتيَّة إن تعلَّق بالأصواتِ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وإن تعلَّق بالذَّوات تعدَّى إلى اثنين، الثَّاني: جملةٌ مصدَّرة بفعلٍ مضارعٍ من الأفعالِ الصَّوتيَّة هذا اختيارُ الفارسي ومَن وافقه، واختارَ ابن مالك ومَن وافقهُ أن تكون الجملة الفعليَّة في محلِّ حال إن كان المتقدِّم معرفةً كما وقع هنا، أو صفة إن كان المتقدِّم نكرةً. قالوا: ولا يجوزُ: سمعتُ زيدًا يضربُ أخاكَ، وإن تعدَّى إلى ذاتٍ؛ لعدمِ المسموعِ. نعم قد (٢) يجوزُ بتقدير: سمعتُ صوتَ ضرب زيد، وقد ألممتُ بشيءٍ من هذا المبحثِ أوَّل الكتابِ [خ¦١]، وذكرتُه هنا لبعدِ العهدِ به. والألف واللَّام في «الأعمال» للعهدِ، أي: العباداتُ المفتقرةُ إلى نيَّةٍ، فيخرجُ من ذلك نحو إزالةِ النَّجاسة والمتروكات (٣) كلِّها، و «الأعمالُ» مبتدأ بتقديرِ مضاف، أي: إنَّما صحَّة الأعمالِ، والخبر والاستقرار الَّذي يتعلَّق به حرف الجرِّ، والباء في «بالنِّيَّة» للتَّسبُّب، أي: إنَّما الأعمال ثابتٌ ثوابُها بسببِ (٤) النِّيَّات، ويحتملُ أن تكون للإلصاقِ؛ لأنَّ كلَّ عملٍ تلتصق (٥) به نيَّته (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ) رجلٍ أو امرأةٍ (مَا نَوَى) وفي روايةٍ: «لكلِّ امرئ» و «ما» موصولةٌ بمعنى الَّذي، وجملة «نَوَى» صلةٌ لا محلَّ لها، والعائدُ ضمير مفعول محذوفٍ تقديرهُ: ما نَوَاه، وإنَّما حذف؛ لأنَّه ضميرٌ منصوبٌ متَّصلٌ بالفعلِ ليس في الصِّلة ضميرٌ غيره، ويجوزُ أن تكونَ «ما» موصولة (٦)، فيكون التَّقدير: وإنَّما لامرئٍ جزاء شيءٍ نواه، فترجعُ الصِّلة صفة والعائد على حالهِ، ويجوزُ أن تكون مصدريَّة حرفًا على المختارِ، فلا تحتاجُ إلى عائدٍ على الصَّحيح، والتَّقدير: لكلِّ امرئٍ جزاءُ نيَّته، والفاعلُ المقدَّر في «نَوى» ضميرٌ مرفوعٌ متَّصلٌ مستترٌ تقديرُه: لكلِّ امرئٍ الَّذي نواهُ هو.

стр. 11644

(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وإلى رسولهِ» «مَنْ» شرطيَّة موضعها (١) رفع بالابتداءِ، وبنيتْ لتضمُّنها معنى حرف الشَّرط، وخبرها في فعلِها، وقيل: في جوابها، وقيل: حيث كان الضَّمير العائد، وقيل: في فعلِها (٢) وجوابها معًا. و «كان» ناقصةٌ، اسمها «هِجْرَتُه» (٣) أي: مَن تبيَّن أو ظهرَ في الوجود أنَّ هجرته لله. و «إِلَى» لانتهاءِ الغاية، أي: إلى رضا الله ورسولهِ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ: «وإلى رسولِهِ» الفاء سببيَّة وهي جواب الشَّرط، وجواب الشَّرط إذا كان جملةً اسميَّةً فلا بدَّ من الفاءِ أو «إذا» كقوله (٤) تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] وقاعدةُ الشَّرط وجوابه اختلافُهما، فيكون الجزاءُ غير الشَّرط نحو: مَن أطاعَ أُثيب، ومَن عصَى عُوقِبَ، ووقع هنا جملة الشَّرط هي جملةُ الجزاء بعينها (٥) فهي بمثابةِ قولك: مَن أكلَ أكلَ، ومن شربَ شربَ، وذلك غير مفيدٍ؛ لأنَّه من تحصيلِ الحاصلِ. وأُجيب بأنَّه وإن اتَّحدا (٦) في اللَّفظ لم يتَّحدا (٧) في المعنى، والتَّقدير: فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا. قال ابنُ مالك: من ذلك قوله ﷺ في حديث حذيفةَ: «ولو مِتَّ متَّ على غيرِ الفطرةِ» [خ¦٧٩١] وجاز ذلك لتوقُّف الفائدةِ على الفضلةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] فلولا قوله في الأول: «على غير الفطرة»، وفي الثَّاني: ﴿لِأَنفُسِكُمْ﴾ ما صحَّ، ولم يكن في الكلامِ فائدة. (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) فهجرته جواب الشَّرط، ولم يقلْ: فهجرته إلى دنيا، كما قال في الشَّرط، والجزاء الأوَّل إشارة إلى تحقير الدُّنيا. قال في «الفتح»: ومناسبةُ ذكر الحديث هنا أنَّ اليمين من جملة الأعمالِ، فيستدلُّ به على

стр. 11645

تخصيصِ الألفاظ بالنِّية زمانًا ومكانًا، وإن لم يكن في اللَّفظ ما يقتضِي ذلك، فمَن (١) حلفَ أن لا يدخلَ دار زيدٍ في شهرٍ أو سنةٍ مثلًا، أو حلفَ أن (٢) لا يكلِّم زيدًا مثلًا، وأراد في منزلهِ دون غيرهِ، فلا يحنثُ إذا دخلَ بعد شهرٍ أو سنةٍ في الأُولى، ولا إذا كلَّمه في دارٍ أُخرى في الثَّانية، ولو أحلفهُ الحاكم على حقٍّ (٣) ادَّعى عليهِ به انعقدتْ يمينُه على ما نواهُ الحاكم، ولا تنفعه التَّورية اتِّفاقًا، فإن حلف بغيرِ استحلافِ حاكمٍ نفعتهُ التَّوريةُ، لكنَّه إن أبطلَ بها حقَّ غيره أثمَ وإن لم يحنثْ، ولو حلفَ بالطَّلاق نفعتهُ التَّوريةُ وإن حلَّفه الحاكم؛ لأنَّ الحاكم ليس له أن يحلِّفه بذلك، قاله النَّوويُّ. والحديث سبق في مواضع [خ¦١] [خ¦٥٤] [خ¦٣٨٩٨]. ولمَّا فرغ من ذكرِ الأيمان شرعَ يذكرُ «أبواب النُّذور» (٤) فقال: (٢٤) هذا (٥) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَهْدَى) شخص (مَالَهُ) أي: تصدَّق به (عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّوْبَةِ) بالمثناة الفوقية والموحدة المفتوحتين بينهما واو ساكنة، وللكُشمِيهنيِّ: «والقُرْبة» بالقاف المضمومة والراء الساكنة بدل الفوقية والواو، والجوابُ محذوفٌ تقديرُه: هل ينفذُ (٦) ذلك إذا نجَّزه (٧) أو علَّقه، والنَّذر: بالذال المعجمةِ، هو لغةً: الوعدُ بشرطٍ، أو التزام ما ليس بلازمٍ، أو الوعد بخيرٍ أو شرٍّ. وشرعًا: التزامُ قُربةٍ لم تتعيَّن. وأركانه: صيغةٌ ومنذورٌ وناذرٌ، وشرطُه في النَّاذر: إسلامٌ واختيارٌ ونفوذ تصرُّف فيما ينذره، فيصحُّ من السَّكران لا من الكافرِ؛ لعدم أهليَّته للقُرْبة، ولا من مُكْرَهٍ، ولا ممَّن لا ينفذُ تصرُّفه. وفي الصِّيغة لفظٌ يُشعر بالالتزامِ كَـ: لِلَّهِ عليَّ كذا، أو عليَّ كذا، كعتقٍ وصومٍ وصلاةٍ، فلا

стр. 11646

يصحُّ إلَّا بالنيَّة كسائر العقود، وفي النُّذور كونه قربة لم تتعينْ نفلًا كانت أو فرضَ كفايةٍ لم يتعين كعتقٍ وعبادةٍ، فلو نذر غير القربةِ من واجبٍ عينيٍّ كصلاةِ الظُّهر مثلًا، أو معصيةٍ كشربِ خمرٍ، أو مكروهٍ كصوم الدَّهر لمن خافَ به الضَّرر، أو فوت حقٍّ، أو مباحٍ كقيامٍ وقعودٍ سواء نذر فعله أو تركه، لم يصحّ نذرُه، ولم يلزمْه بمخالفته كفَّارة. والنَّذر ضربان: نذرُ لجاجٍ وهو التَّمادِي في الخصومةِ، ويسمَّى نذرَ اللَّجاج والغضبِ بأن يمنعَ نفسه أو غيرها من شيءٍ، أو يحثَّ عليه، أو يحقِّق خبرًا غَضَبًا بالتزامِ قُرْبةٍ كإِنْ كلَّمته، أو إن لم أكلِّمه، أو إنْ لم يكن الأمرُ كما قلته فعليَّ كذا، وفيه عند وجودِ الصِّفة ما التزمهُ أو كفَّارة يمينٍ. ونذرَ تَبَرُّر بأنْ يلتزمَ قربةً بلا تعليقٍ كعليَّ كذا، وكقولِ من شُفي من مرضهِ: للَّهِ عليَّ كذا لِمَا أنعم اللهُ عليَّ من شِفائي من مَرضي، أو بتعليقٍ بحدوثِ (١) نعمةٍ، أو ذهابِ نقمةٍ كإنْ شفى اللهُ مَرضي فعليَّ كذا، فيلزمُه ذلك حالًا إنْ لم يعلِّقْه، أو عندَ وجودِ الصِّفة إنْ علَّقه. ٦٦٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصريُّ المعروفُ بابن الطَّبريِّ كان أبوه من طَبَرستان، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ (٢)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ، أبو الخطَّاب المدنيِّ، ولأبي ذرٍّ كما (٣) في «اليونينيَّة»: «أخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله، عن عبدِ الله بنِ كعب بنِ مالك» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ) أبيه (مِنْ) بين (بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ) وكان بنوهُ أربعة: عبد الله وعبد الرَّحمن ومحمد وعبيد الله

стр. 11647

(قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ) الطَّويل في قصَّة تخلُّفه عن غزوةِ تبوك [خ¦٤٤١٨] المسوق هنا مختصرًا (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] فَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ) شكر (تَوْبَتِي أَنِّي أَنْخَلِعُ) أي: أن أَعْرى (مِنْ مَالِي) كما يَعْرى الإنسانُ إذا خلعَ ثوبه (صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) «إلى» بمعنى اللام، أي: صدقةً خالصةً (١) لله ورسولهِ، أو تتعلَّق بصفةٍ مقدَّرة، أي: صدقةً واصلةً إلى الله، أي: إلى ثوابهِ وجزائهِ وإلى رسولهِ، أي: إلى رضاه وحكمه وتصرُّفه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ) بكسر المهملة (عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ) في «سنن أبي داود»: «مِن تَوْبتي إلى اللهِ أن أخرُجَ مِن مَالي كلِّه إلى اللهِ وإلى رسولهِ صدقةً، قال: لا. قلتُ: فنصفه؟ قال: لا (٢)، قلتُ: فثلثه؟ قال: نعم» والضَّمير عائدٌ على المصدر المستفاد من أَمْسِك، أي: إمساكُك بعض مالك خيرٌ لك من أن تتضرَّر (٣) بالفقر، والفاء في «فهو» جوابُ شرطٍ مقدَّر، أي: إن تمسك فهو خيرٌ لك. واستُشكل إيرادُ هذا الحديث في «النُّذور» (٤)؛ لأنَّ كعبًا لم يصرِّح بلفظ النَّذر ولا بمعناه، والانخلاعُ الَّذي ذكرهُ ليس بظاهرٍ في صدورِ النَّذر منه، وإنَّما الظَّاهر أنَّه يؤكِّد أمر توبتهِ بالتصدُّق (٥) بجميع ماله شكرًا لله تعالى على ما أنعمَ به عليه، وأُجيب بأنَّ المناسبة للتَّرجمة أنَّ معنى التَّرجمة: أنَّ من أهدى أو تصدَّق بجميعِ ماله إذا تابَ من ذنبٍ، أو إذا نذر (٦) هل ينفذُ ذلك إذا نجَّزه أو علَّقه؟ وقصَّة كعبٍ هذه منطبقةٌ على التَّنجيز لكنه لم يصدرْ منه تنجيزٌ، وإنَّما استشار فأشيرَ عليه بإمساكِ البعض، واختلفَ في هذه المسألةِ فقيل: يلزمه الثُّلث إذا نذرَ التَّصدُّق بجميع مالهِ، وقيل: يلزمُه جميع (٧) ماله، وقيل: إن علَّقه بصفةٍ فالقياس إخراجُه كلِّه قاله أبو حنيفة، وقال: إن كان نذرَ تَبَرُّرٍ كإنْ شَفى الله مريضِي لزمهُ كلّه، وإنْ كان لَجَاجًا وغَضَبًا

стр. 11648

فهو بالخيارِ بين أنْ يفِي بذلك كلِّه أو يكفِّر كفَّارة يمينٍ، وهو قولُ الشَّافعيِّ، والله أعلم (١). (٢٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا حَرَّمَ) شخص (٣) (طَعَامَه) ولأبي ذرٍّ: «طعامًا» كأن يقول: طعامُ كذا حرامٌ عليَّ، أو نذرتُ للَّهِ، أو للَّهِ عليَّ أن لا آكل كذا، أو لا أشربَ كذا، وهذا (٤) من نذر اللَّجَاج، والرَّاجحُ عدم الانعقادِ إلَّا إنْ قَرَنه بحلفٍ فيلزمُه كفَّارة يمين. (وَقولهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾) من شُرْب العسل، أو ماريةَ القبطيَّة (﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾) قال في «فتوح الغيب»: ﴿تَبْتَغِي﴾ إمَّا تفسير لـ ﴿تُحَرِّمُ﴾ أو حال، أو استئنافٌ (٥)، والفرقُ أنَّه على التَّفسير ابتغاءُ مَرْضاتهنَّ عين التَّحريم، ويكون هو المنكر، وإنَّما ذكر التَّحريم للإبهامِ تفخيمًا وتهويلًا، فإنَّ ابتغاءَ مَرْضاتهنَّ من أعظمِ الشُّؤون، وعلى الحالِ الإنكارُ واردٌ (٦) على المجموعِ دفعةً واحدةً، ويكون هذا التَّقييد مثل التَّقييد في قولهِ: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل: عمران: ١٣٠] وعلى الاستئنافِ لا يكون الثَّاني عين الأوَّل؛ لأنَّه سؤالٌ عن كيفيَّة التَّحريم كأنَّه لمَّا قيل له (٧): ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ قال: كيف أحرِّم؟ فأُجيب: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ وفيه تكرير الإنكارِ، والتَّفسير الأوَّل -أَعْني: التَّفسير- هو التَّفسير لما جَمَع من (٨) التَّفخيم والتَّعظيم، ولذلك أردفَه بقوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ جبرانًا له. فإن قلت: تحريمُ ما أحلَّ الله غير ممكنٍ فكيف قال: لم تحرِّم ما يحلُّ الله لك (٩)؟ أُجيب بأنَّ

стр. 11649

المراد بهذا التَّحريم هو الامتناعُ من الانتفاعِ لا اعتقاد كونه حرامًا بعدما أحلَّه الله (١) (﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ﴾) أي: بيَّن الله لكُم (﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]) بالكفَّارةِ، أو شرعَ لكم الاستثناء في أيمانِكم، وذلك أن يقول: إن شاءَ الله، عقبها حتَّى لا يحنثَ، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢)﴾ … » إلى آخره. (وَقولهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) ما طابَ ولذَّ من الحلال، أي: لا تمنعوا أنفسَكُم كمنع التَّحريم، أو لا تقولوا: حرَّمناها على أنفسِنَا، مبالغةً منكم في العزمِ على تركهَا تزهُّدًا منكم وتقشُّفًا. ٦٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن الصَّبَّاح الزَّعفرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ) بن محمَّد المصيصيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنِ عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما، اللَّيثيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) أمُّ المؤمنين بنت عمر (أَنَّ أَيَّتَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أنْ» بتخفيف النون (٣) «أيَّتُنَا» بالرَّفع (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ) له: (إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ) بفتح الميم والغين المعجمة وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية ساكنة فراء، صمغٌ له رائحةٌ كريهةٌ ينضجه

стр. 11650

شجر يُسمَّى العُرْفُط (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تعيينِها، ويحتملُ أن تكون حفصة (فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ) أي: «إنِّي أجدُ منك ريحَ مَغافير، أكلتَ مغافير (١)؟!» (فَقَالَ) ﵊: (لَا) ما أكلتُ مَغافير، وكان يكره الرَّائحة الخبيثةَ (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ [التحريم: ١ - ٤]) خطابٌ (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) على طريقِ الالتفاتِ؛ ليكون أبلغَ في (٢) معاتبتِهما، وجوابُ الشَّرط محذوف، والتَّقدير: إن تتوبَا إلى الله فهو الواجب (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾) حفصةَ (﴿حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]) سقطَ قوله «حديثًا» من «اليونينيَّة» وثبتَ في غيرِها (لِقولهِ) ﵊: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) أي: الحديث المُسَرّ كان ذلك القول. قال البخاريُّ بالسَّند (٣): (وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير، وسبقَ في «التَّفسير» [خ¦٤٩١٢] بلفظ: حَدَّثنا إبراهيمُ بن موسى (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن يوسف، عن ابنِ جُريج بالسَّند المذكور إلى قولهِ (٤): (وَلَنْ أَعُودَ لَهُ) للشُّرب، فزاد قوله: (وَقَدْ حَلَفْتُ) على عدمِ (٥) شُرب العسلِ (فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا). وسبق الحديثُ في «الطَّلاق» بعينِ (٦) هذا الإسنادِ والمتن [خ¦٥٢٦٧]. (٢٦) (باب) حكم (الوَفَاءِ بِالنَّذْرِ) أو فضله (٧) (وَقولهِ) تعالى (٨): (﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]) أي: بما أوجبُوا على أنفسِهم مبالغةً في وصفِهم بالتَّوفُّر على أداءِ الواجبات؛ لأنَّ من وفَى بما أوجبَه

стр. 11651

هو على نفسِه لوجهِ الله كان بما أوجبَه الله عليهِ أَوفى، ويُؤخذ منه أنَّ الوفاءَ بالنَّذر قُربة للثناءِ على فاعلهِ، لكنَّه مخصوصٌ بنذر التَّبَرُّر. ٦٦٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظِيُّ -بضم الواو وفتح الحاء المهملة المخففة وبعد الألف ظاء معجمة مكسورة- قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الحَارِثِ) الأنصاريُّ، قاضي المدينة: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ) بضم التحتية وفتح الهاء، وفيه حذفٌ ذكره الحاكمُ في «المستدرك» من طريقِ المعافى بن سليمان، والإسماعيليُّ من طريق أبي عامر العقدِيِّ، ومن طريق أبي داود، واللَّفظ له قالا: حَدَّثنا فليحٌ، عن سعيدِ بن الحارث، قال: كنتُ عند ابنِ عمر فأتاهُ مسعودُ بن عَمرو -أحدُ بني عَمرو بن كعب (١) -، فقال: يا أبا عبد الرَّحمن إنَّ ابني كانَ مع عُمر بن عُبيد الله بن مَعمر بأرض فارس، فوقعَ فيها وباءٌ وطاعونٌ شديدٌ، فجعلتُ على نفسِي لئنِ اللهُ سلَّم ابني ليمشينَّ إلى بيت الله تعالى، فقدمَ علينا وهو مريضٌ ثمَّ مات فما تقول؟ فقال ابنُ عمر: أو لم تُنْهوا عن النَّذر، ثمَّ قال: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا) من قدرِ الله ومشيئتهِ (وَلَا يُؤَخِّرُ) بحذفِ ضمير النَّصب، أي: لا يؤخِّره (وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ البَخِيلِ) أي: لا يأتي بهذه القُرْبة تطوُّعًا ابتداءً بل مقابلة لشفاءِ المريض ونحوه، ذكره النَّوويُّ وغيره. والحديث من أفرادِهِ.

стр. 11652

٦٦٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان الكوفيُّ سكن مكَّة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر، أنَّه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، الخارفيُّ -بالخاء المعجمة والراء والفاء- الهَمْدانيُّ -بسكون الميم- الكوفيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄، أنَّه قال: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ) أي: عن عقدِ النَّذر (وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا) تعليلٌ للنَّهي، وصرَّح في هذا الحديثِ بالنَّهي بخلاف السَّابق، وهل النَّهي للتَّحريم على الأصلِ أو لا؟ فمنهم من تأوَّله على الكراهةِ؛ لأنَّه لو كان المراد منه (١) التَّحريم لبطلَ حُكمه، وسقط لزومُ الوفاء به؛ لأنَّه بالنَّهي للتَّحريم يصيرُ معصيةً ولا (٢) يلزم، وأيضًا فلو كان كذلك ما أمرَ الله أن يُوفى به، ولا حمِدَ به فاعلهُ لكنَّه ورد النَّهي عنه تعظيمًا لشأنهِ؛ لئلَّا يُستهان به فيفرَّط في الوفاءِ به، وحملَه القرطبيُّ على التَّحريم في حقِّ من يخافُ عليه أن يعتقدَ أنَّ النَّذر يُوجب ذلك الغرض، أو أنَّ الله تعالى يفعلُه لذلك. قال: والأوَّل: يقاربُ الكُفْر، والثَّاني: خطأٌ صُرَاح (٣)، وأمَّا من لا يعتقدُ ذلك فهو محمولٌ على التَّنزيه فيكون مكروهًا وهو ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ، لكن قال القاضِي حسين والمتوَلِّي والغزاليُّ والرَّافعيُّ: إنَّه قُربة لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] الآيةَ، ولأنَّه وسيلةٌ إلى القُرْبة فيكون قُرْبة. قال في «الفتح»: وذهب أكثر الشَّافعيَّة ونقله أبو عليٍّ السِّنْجِيُّ عن نصِّ الشَّافعيِّ إلى أنَّه مكروه؛ لثبوت النَّهي عنه، وكذا نقلَ عن المالكيَّة، وجزمَ به عنهم ابنُ دقيق العيد، وأشارَ ابنُ العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشَّافعيَّة بالكراهةِ، قال: واحتجُّوا بأنَّه ليس طاعةً محضةً؛ لأنَّه لم يُقصدْ به خالص القُرْبة، وإنَّما قصدَ أن ينفعَ نفسه أو يدفعَ عنها ضررًا بما التزمَ، وجزمَ الحنابلةُ بالكراهةِ وعندَهم روايةٌ في أنَّها كراهةُ تحريمٍ، وتوقَّف بعضهم في صِحَّتها. انتهى. والَّذي رأيتُه في «شرح مختصر الشَّيخ خليل» للشَّيخ بَهْرام المالكي: إنَّ النَّذر المطلق -وهو الَّذي يوجبُه الإنسانُ على نفسهِ ابتداءً شكرًا لله تعالى (٤) - مندوبٌ، قال ابنُ رشد: وهو

стр. 11653

مذهب مالك، وأمَّا المكرَّر (١) وهو ما إذا نذرَ صومَ كلِّ خميسٍ، أو كلِّ (٢) اثنين، أو نحو ذلك فمكروهٌ. قال في «المدونة»: مخافة التَّفريط في الوفاء به. واختلفَ في النَّذر المعلَّق على شرطٍ، كقولهِ: إن شَفى الله مريضِي، أو نجَّاني من كذا، أو رزقنِي كذا، فعليَّ المشي إلى مكَّة، أو صدقة كذا، أو نحو ذلك، هل هو مكروهٌ؟ وإليه ذهب الباجِيُّ وابنُ شاسٍ وغيرهما، أو لا؟ وإليه ذهب صاحب «البيان». انتهى. وفرَّق بعضُهم بين نذر اللَّجَاج والغضب، فحمل النَّهي الوارد عليه، وبين نذر التَّبَرُّر؛ إذ هو -كما مرَّ- وسيلة إلى طاعة، وإذا كانت وسيلة الطَّاعة فيُشْكِلُ القول بالكراهةِ على ما لا يخفى، ويحتملُ أن يكون سبب (٣) ذلك أنَّ النَّاذر لمَّا لم ينذر (٤) القُرْبة إلَّا بشرط أن يفعلَ له ما يُريد صار كالمعاوضة الَّتي تقدحُ في نيَّة المتقرِّب، ويشيرُ إلى هذا التَّأويل قوله: «إنَّه (٥) لا يردُّ شيئًا» (وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ) أي: بالنِّذر (مِنَ البَخِيلِ) مَا لم يكنْ يريدُ أن يخرجَه. والحديث مضى في «القدر» [خ¦٦٦٠٨]. ٦٦٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ) بنصب «ابنَ» على المفعوليَّة، و «النَّذرُ» بالرَّفع على الفاعليَّة (لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ) بضم القاف مبنيًّا للمفعولِ، والجملة صفة لقولهِ: «بشيءٍ» وفي نسخة بغير الفرع وعليها شرح في «فتح الباري» وهو في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ: «لم أكنْ قدَّرته». قال: وهذا من الأحاديثِ القُدسيَّة لكن سقطَ منه التَّصريح بنسبتهِ إلى الله تعالى

стр. 11654

(وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ) بضم القاف وكسر المهملة (١) المشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «قدَّرته له» (فَيَسْتَخْرِجُ اللهُ بِهِ) بالنَّذر (مِنَ البَخِيلِ) فيه التفاتٌ على روايةِ: «لم أكنْ قدَّرتُه» (٢)؛ إذ كان نسقُ الكلام أن يقال: فأستخرجُ به ليوافق قوله: «قدَّرته» (٣) (فَيُؤْتِي) بكسر المثناة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ: «فيُؤتينِي» وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «يُؤتينِي» بحذف الفاء، وله أيضا عن الكُشمِيهنيِّ: «يؤتنِي» بحذف الياء للجزم بدل من قولهِ: «يكن» المجزوم بـ «لم» أي: يُعطني (٤) (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الأمرِ الَّذي بسببهِ نذر كالشِّفاء (مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي) يُعطي (عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل النَّذر. (٢٧) (باب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ) قال في «الفتح»: وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «إثم». ٦٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مَسرهد (عَنْ يَحْيَى) القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «عن يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والراء المفتوحة بينهما ميم ساكنة، نصر بنُ عمران قال: (حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم، و «مُضَرِّب» بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخزاعيَّ أسلم مع أبي هُريرة، وكانت الملائكةُ تسلِّم عليه ﵁ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: خَيْرُكُمْ) أهل

стр. 11655

(قَرْنِي) الَّذين (١) أنا فيهم (٢) وهم الصَّحابة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم التَّابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباع التَّابعين. (قَالَ عِمْرَانُ) بنُ حُصين ﵁: (لَا أَدْرِي ذَكَرَ) ﵊ (ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) ولأبي ذرٍّ: «اثنتين أو ثلاثة» (بَعْدَ قَرْنِهِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُِرُونَ) بفتح أوله وكسر المعجمة وضمها (وَلَا يَفُونَ) بفتح (٣) التَّحتيَّة، بالنَّذر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يُوْفُون» بضم أوَّله وواوٍ قبل الفاء (٤) (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لأنَّهم يخونون خيانةً ظاهرةً (٥) بحيثُ لا يأمنُهم أحدٌ بعد ذلك (وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشَّهادة بدون التَّحميل أو يؤدُّونها بدون الطَّلب (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر المهملة وفتح الميم، يتكثَّرون بما ليسَ فيهم من الشَّرف، أو يجمعونَ الأموالَ، أو يغفلونَ عن أمر الدِّين، أو هو على حقيقتهِ في معناه لكن إذا كان مكتَسَبًا لا خَلْقيًّا. والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥١] و «فضائل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨]. (٢٨) (باب) حكم (النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ) وقولهِ تعالى: (﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾) في سبيلِ الله، أو في سبيلِ الشَّيطان (﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾) في طاعةِ الله أو في معصيتهِ (﴿فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾) لا يخفى عليه وهو مجازيكُم عليه، والجملةُ جواب الشَّرط إن كانتْ «ما» شرطيَّةً، أو زائدةٌ في الخبرِ إن كانت موصولةً، ووحَّد الضَّمير في قولهِ: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ والسَّابق شيئان النَّفقة والنَّذر؛ لأنَّ العطفَ بـ «أو» وهي لأحد الشَّيئين، تقول: زيد أو عَمرو أكرمتُه، ولا يجوزُ أكرمتُهما بل (٦) يجوزُ أن تراعي الأوَّل نحو: زيد أو هندٌ منطلقٌ، أو الثَّاني نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقةٌ، والآيةُ من هذا، ولا يجوزُ أن تقول:

стр. 11656

مُنطلقان (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾) الَّذين يمنعون الصَّدقات، أو ينفقونَ أموالَهُم في المعاصِي، أو يُنْذرون في المعاصِي، أو لا يَفُون (١) بالنُّذور (٢) (﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]) مَنْ ينصرُهم مِن الله، ويمنعُهم من عقابهِ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾ … » إلى آخرِ الآية. ٦٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ) الأيليِّ -بفتح الهمزة وسكون التحتية- (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ) كأن يصلِّي الظُّهر مثلًا في أوَّل وقتهِ، أو يصوم نفلًا كيوم الخميس ونحوه من المستحبِّ من العباداتِ البدنيةِ والماليَّة (فَلْيُطِعْهُ) بالجزمِ جواب الشَّرط والأمرُ للوجوب، ومقتضاهُ: أنَّ المستحبَّ ينقلبُ بالنَّذر واجبًا، ويتقيَّد بما قيَّده به النَّاذر (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ) ولأبي ذرٍّ: «أن يعصِي اللهَ» كشربِ الخمر (فَلَا يَعْصِهِ) والمعنى: مَن نذرَ طاعةَ الله وجب عليه الوفاءُ بنذرهِ، ومَن نذرَ أن يعصيهُ حرُم عليه الوفاءُ بنذرِه (٣)؛ لأنَّ النَّذر مفهومُه الشَّرعي: إيجابُ المباح وهو إنَّما يتحقَّقُ في الطَّاعات، وأمَّا المعاصِي فليس فيها شيءٌ مباحٌ حتَّى يجب بالنَّذر، فلا يتحقَّق فيها النَّذر. والحديث أخرجه أبو داود في «النَّذر»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابنُ ماجه في «الكفَّارات». (٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكرُ فيه: (إِذَا نَذَرَ) شخصٌ (أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا (٤) فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام (ثُمَّ أَسْلَمَ) النَّاذر، هل يجبُ عليه الوفاء أو (٥) لا؟

стр. 11657

٦٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بضم العين فيهما، العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ) أباهُ (عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ) أي: الحال الَّتي كنتُ عليها قبل الإسلام من الجهلِ بالله ورسولهِ وشرائعِ الدِّين وغير ذلك (أَنْ أَعْتَكِفَ) أي: الاعتكاف (لَيْلَةً) لا يُعارضه رواية: «يومًا» لأنَّ اليوم يُطلق على مُطلق الزَّمان ليلًا كان أو نهارًا، أو أنَّ النَّذر كان ليومٍ وليلةٍ، ولكن يُكتفى بذكر أحدِهما عن ذكر الآخر، فرواية: «يوم» أي: بليلتهِ، ورواية: «ليلة» أي: مع يومها، فعلى الأوَّل يكون حجَّة على من شرط الصَّوم في الاعتكاف؛ لأنَّ اللَّيل ليس محلًّا للصوم (فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ) حول الكعبةِ ولم يكن إذ ذاك جدارٌ يحوطُ عليها (قَالَ) ﷺ له: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) بفتح الهمزةِ، وهذا (١) تمسَّك به من قال بصحَّة نذر الكافرِ، ومن منع -وهو الصَّحيح- يَحْمِلُ الحديث على أنَّه ﷺ لم يأمرْه بالاعتكافِ إلَّا تشبيهًا بما نذرَ لا عين ما نذرَ، وتسميتُه بالنَّذر من مجازِ التَّشبيه، أو من مجاز الحذفِ. والحديث (٢) سبق في «آخرِ الاعتكافِ» [خ¦٢٠٤٣] وسبق في «غزوةِ حُنين» [خ¦٤٣٢٠] تعيين زمن سؤال عُمر، ولفظه: «لمَّا قفلنَا من حُنَينٍ سألَ عُمر النَّبيَّ ﷺ عن نذرٍ كان نذرَه في الجاهليَّة اعتكافٍ» وفي «فرض الخمس» [خ¦٣١٤٤] «قال عمر: فلمْ أعتكفْ حتَّى كان بعد حُنين» (٣)، والله أعلم. (٣٠) (باب) حكم (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ) هل يُقضى عنه أم لا؟ (وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ) بالصَّرف (فَقَالَ) لها: (صَلِّي عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄

стр. 11658

(نَحْوَهُ) أي: نحو قول ابنِ عمر ممَّا وصلهُ مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بنِ محمد بنِ عَمرو بن حزم، عن عمَّته أنَّها حدَّثته، عن جدَّته «أنَّها كانت جعلتْ على نفسِها مشيًا إلى مسجدِ قباء فماتتْ ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عبَّاس ابنتها أن تمشِي عنها». أخرجَه (١) ابنُ أبي شيبةَ بسندٍ صحيحٍ عن سعيدِ بن جُبير، قال مرَّة: عن ابن عبَّاس قال: «إذا ماتَ وعليهِ نذرٌ قضَى عنه وليُّه». ومن طريقِ عون بنِ عبد الله بنِ عتبة: «أنَّ امرأةً نذرتْ أن تعتكفَ عشرةَ أيَّامٍ فماتتْ ولم تعتكفْ، فقال ابن عبَّاس: اعتكفِي عن أمِّك» لكن في «الموطأ» قال مالكٌ: إنَّه بلغَه أنَّ ابنَ عمر كان يقولُ: «لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ». وأخرج النَّسائيُّ نحوه عن ابن عبَّاس، وجُمِعَ بأنَّ الإثباتَ في حقِّ من ماتَ، والنَّفيَ في حقِّ الحيِّ. ٦٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عُتْبة» (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأنصاريَّ) ﵁ (اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ) عَمْرة (فَتُوُفِّيَتْ (٢) قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ) والنَّذر المذكور؛ قيل (٣): كان صيامًا، وقيل: كان (٤) عتقًا، وقيل: صدقةً، وقيل: نذرًا مطلقًا، أو كان

стр. 11659

معيّنًا عندَ سعدٍ (فَأَفْتَاهُ) ﷺ (أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا). قال الزُّهريُّ (١): (فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ) أي: صار قضاءُ الوارثِ ما على الموروثِ طريقةً شرعيَّة، وهو أعمُّ من أن يكون وجوبًا أو ندبًا، كذا قاله في «الفتح» تبعًا لـ «لكواكب». قال العينيُّ: معنى التَّركيب ليس كذلك، وإنَّما معناه: فكانتْ فتوى النَّبيِّ ﷺ سنَّة يُعمل بها بعد إفتائهِ ﷺ بذلك، والضَّمير في «كانت» يرجعُ إلى الفتوى بدليل قولهِ: «فأفتاهُ» وهو من قبيلِ قولهِ: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: فإنَّ العدلَ يدلُّ عليه قوله: ﴿اعْدِلُواْ﴾ والجمهورُ: على أنَّ مَن مات وعليهِ نذرٌ ماليٌّ أنَّه يجبُ قضاؤه من رأسِ مالهِ وإن لم يوصِ، إلَّا إن وقع النَّذر في مرضِ الموتِ، فيكون من الثُّلث، ويحتملُ أن يكون سعدٌ قضى نذرَ أمِّه من تركتِها إن كان ماليًّا أو تبرَّع به. والحديث يأتي في «الحيلِ» [خ¦٦٩٥٩] أيضًا إن شاء الله تعالى. ٦٦٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون الشِّين المعجمة، جعفرُ بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريُّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) يحدِّث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ (٢): أَتَى رَجُلٌ) هو عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ ﵁ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ): يا رسولَ الله (إِنَّ أُخْتِي) لم تسمَّ (نَذَرَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد نذرتْ» (أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ) ولم تفِ بنذرِها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ) لمخلوقٍ (أَكُنْتَ قَاضِيَهُ) عنها؟ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْضِ اللهَ) حقَّه (فَهْوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ) من الخلق. وسبق في «باب الحجِّ عن الميت» [خ¦١٨٥٢] بلفظ «أنَّ امرأةً قالت: إنَّ أمِّي نذرتْ … إلى آخره» ولا منافاةَ لاحتمال وقوعِ الأمرين معًا، كما قاله الكِرْمانيُّ. وسبق ذلك في البابِ المذكور.

стр. 11660

(٣١) (باب) حكم (النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ) النَّاذر (وَ) حكم النَّذر (فِي مَعْصِيَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ولا في معصيةٍ». ٦٧٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، الضَّحَّاك بن مخلدٍ البصريُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ) الأيليِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ) (فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) فيه دليلٌ على أنَّ من نذرَ طاعةً يلزمُه الوفاءُ به ولا يلزمُه الكفَّارة، فلو نذرَ صومَ العيد لا يجبُ عليه شيءٌ، ولو نذرَ نحرَ ولدهِ فباطلٌ، وإليه ذهبَ مالكٌ والشَّافعيُّ، فأمَّا إذا نذرَ مطلقًا كأن قال: عليَّ نذرٌ، ولم يسمِّ شيئًا فعليهِ كفَّارة اليمين، وكذا إنْ (١) نذرَ شيئًا لم يُطقه. ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمةِ في الجزءِ الثَّاني لا في الأوَّل، وقيل: يُؤخذ (٢). وسبقَ الحديثُ قريبًا [خ¦٦٦٩٦]. ٦٧٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل البصريِّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد «ثابتٌ» (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) لشيخٍ، قيل: هو أبو إسرائيل، كما نقلهُ مُغْلَطاي عن الخطيب: (إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَرَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ) لم يسمَّيا. قال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نذرَ أن يمشِي، فأمرَه (٣) أن يركبَ لعجزِه عن المشي.
следующие страницы →