← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

مُنطلقان (﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾) الَّذين يمنعون الصَّدقات، أو ينفقونَ أموالَهُم في المعاصِي، أو يُنْذرون في المعاصِي، أو لا يَفُون (١) بالنُّذور (٢) (﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]) مَنْ ينصرُهم مِن الله، ويمنعُهم من عقابهِ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾ … » إلى آخرِ الآية. ٦٦٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمامُ دار الهجرة (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ) الأيليِّ -بفتح الهمزة وسكون التحتية- (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ) كأن يصلِّي الظُّهر مثلًا في أوَّل وقتهِ، أو يصوم نفلًا كيوم الخميس ونحوه من المستحبِّ من العباداتِ البدنيةِ والماليَّة (فَلْيُطِعْهُ) بالجزمِ جواب الشَّرط والأمرُ للوجوب، ومقتضاهُ: أنَّ المستحبَّ ينقلبُ بالنَّذر واجبًا، ويتقيَّد بما قيَّده به النَّاذر (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ) ولأبي ذرٍّ: «أن يعصِي اللهَ» كشربِ الخمر (فَلَا يَعْصِهِ) والمعنى: مَن نذرَ طاعةَ الله وجب عليه الوفاءُ بنذرهِ، ومَن نذرَ أن يعصيهُ حرُم عليه الوفاءُ بنذرِه (٣)؛ لأنَّ النَّذر مفهومُه الشَّرعي: إيجابُ المباح وهو إنَّما يتحقَّقُ في الطَّاعات، وأمَّا المعاصِي فليس فيها شيءٌ مباحٌ حتَّى يجب بالنَّذر، فلا يتحقَّق فيها النَّذر. والحديث أخرجه أبو داود في «النَّذر»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابنُ ماجه في «الكفَّارات». (٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكرُ فيه: (إِذَا نَذَرَ) شخصٌ (أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا (٤) فِي الجَاهِلِيَّةِ) قبل الإسلام (ثُمَّ أَسْلَمَ) النَّاذر، هل يجبُ عليه الوفاء أو (٥) لا؟

стр. 11657

٦٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بضم العين فيهما، العمريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ) أباهُ (عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ) أي: الحال الَّتي كنتُ عليها قبل الإسلام من الجهلِ بالله ورسولهِ وشرائعِ الدِّين وغير ذلك (أَنْ أَعْتَكِفَ) أي: الاعتكاف (لَيْلَةً) لا يُعارضه رواية: «يومًا» لأنَّ اليوم يُطلق على مُطلق الزَّمان ليلًا كان أو نهارًا، أو أنَّ النَّذر كان ليومٍ وليلةٍ، ولكن يُكتفى بذكر أحدِهما عن ذكر الآخر، فرواية: «يوم» أي: بليلتهِ، ورواية: «ليلة» أي: مع يومها، فعلى الأوَّل يكون حجَّة على من شرط الصَّوم في الاعتكاف؛ لأنَّ اللَّيل ليس محلًّا للصوم (فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ) حول الكعبةِ ولم يكن إذ ذاك جدارٌ يحوطُ عليها (قَالَ) ﷺ له: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) بفتح الهمزةِ، وهذا (١) تمسَّك به من قال بصحَّة نذر الكافرِ، ومن منع -وهو الصَّحيح- يَحْمِلُ الحديث على أنَّه ﷺ لم يأمرْه بالاعتكافِ إلَّا تشبيهًا بما نذرَ لا عين ما نذرَ، وتسميتُه بالنَّذر من مجازِ التَّشبيه، أو من مجاز الحذفِ. والحديث (٢) سبق في «آخرِ الاعتكافِ» [خ¦٢٠٤٣] وسبق في «غزوةِ حُنين» [خ¦٤٣٢٠] تعيين زمن سؤال عُمر، ولفظه: «لمَّا قفلنَا من حُنَينٍ سألَ عُمر النَّبيَّ ﷺ عن نذرٍ كان نذرَه في الجاهليَّة اعتكافٍ» وفي «فرض الخمس» [خ¦٣١٤٤] «قال عمر: فلمْ أعتكفْ حتَّى كان بعد حُنين» (٣)، والله أعلم. (٣٠) (باب) حكم (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ) هل يُقضى عنه أم لا؟ (وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ (امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلَاةً بِقُبَاءٍ) بالصَّرف (فَقَالَ) لها: (صَلِّي عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄

стр. 11658

(نَحْوَهُ) أي: نحو قول ابنِ عمر ممَّا وصلهُ مالكٌ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بنِ محمد بنِ عَمرو بن حزم، عن عمَّته أنَّها حدَّثته، عن جدَّته «أنَّها كانت جعلتْ على نفسِها مشيًا إلى مسجدِ قباء فماتتْ ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عبَّاس ابنتها أن تمشِي عنها». أخرجَه (١) ابنُ أبي شيبةَ بسندٍ صحيحٍ عن سعيدِ بن جُبير، قال مرَّة: عن ابن عبَّاس قال: «إذا ماتَ وعليهِ نذرٌ قضَى عنه وليُّه». ومن طريقِ عون بنِ عبد الله بنِ عتبة: «أنَّ امرأةً نذرتْ أن تعتكفَ عشرةَ أيَّامٍ فماتتْ ولم تعتكفْ، فقال ابن عبَّاس: اعتكفِي عن أمِّك» لكن في «الموطأ» قال مالكٌ: إنَّه بلغَه أنَّ ابنَ عمر كان يقولُ: «لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ». وأخرج النَّسائيُّ نحوه عن ابن عبَّاس، وجُمِعَ بأنَّ الإثباتَ في حقِّ من ماتَ، والنَّفيَ في حقِّ الحيِّ. ٦٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عُتْبة» (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأنصاريَّ) ﵁ (اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ) عَمْرة (فَتُوُفِّيَتْ (٢) قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ) والنَّذر المذكور؛ قيل (٣): كان صيامًا، وقيل: كان (٤) عتقًا، وقيل: صدقةً، وقيل: نذرًا مطلقًا، أو كان

стр. 11659

معيّنًا عندَ سعدٍ (فَأَفْتَاهُ) ﷺ (أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا). قال الزُّهريُّ (١): (فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ) أي: صار قضاءُ الوارثِ ما على الموروثِ طريقةً شرعيَّة، وهو أعمُّ من أن يكون وجوبًا أو ندبًا، كذا قاله في «الفتح» تبعًا لـ «لكواكب». قال العينيُّ: معنى التَّركيب ليس كذلك، وإنَّما معناه: فكانتْ فتوى النَّبيِّ ﷺ سنَّة يُعمل بها بعد إفتائهِ ﷺ بذلك، والضَّمير في «كانت» يرجعُ إلى الفتوى بدليل قولهِ: «فأفتاهُ» وهو من قبيلِ قولهِ: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: فإنَّ العدلَ يدلُّ عليه قوله: ﴿اعْدِلُواْ﴾ والجمهورُ: على أنَّ مَن مات وعليهِ نذرٌ ماليٌّ أنَّه يجبُ قضاؤه من رأسِ مالهِ وإن لم يوصِ، إلَّا إن وقع النَّذر في مرضِ الموتِ، فيكون من الثُّلث، ويحتملُ أن يكون سعدٌ قضى نذرَ أمِّه من تركتِها إن كان ماليًّا أو تبرَّع به. والحديث يأتي في «الحيلِ» [خ¦٦٩٥٩] أيضًا إن شاء الله تعالى. ٦٦٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون الشِّين المعجمة، جعفرُ بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريُّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) يحدِّث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ (٢): أَتَى رَجُلٌ) هو عقبة بن عامرٍ الجهنيُّ ﵁ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ): يا رسولَ الله (إِنَّ أُخْتِي) لم تسمَّ (نَذَرَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد نذرتْ» (أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ) ولم تفِ بنذرِها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ) لمخلوقٍ (أَكُنْتَ قَاضِيَهُ) عنها؟ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْضِ اللهَ) حقَّه (فَهْوَ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ) من الخلق. وسبق في «باب الحجِّ عن الميت» [خ¦١٨٥٢] بلفظ «أنَّ امرأةً قالت: إنَّ أمِّي نذرتْ … إلى آخره» ولا منافاةَ لاحتمال وقوعِ الأمرين معًا، كما قاله الكِرْمانيُّ. وسبق ذلك في البابِ المذكور.

стр. 11660

(٣١) (باب) حكم (النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ) النَّاذر (وَ) حكم النَّذر (فِي مَعْصِيَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ولا في معصيةٍ». ٦٧٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، الضَّحَّاك بن مخلدٍ البصريُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ) الأيليِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ) (فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) فيه دليلٌ على أنَّ من نذرَ طاعةً يلزمُه الوفاءُ به ولا يلزمُه الكفَّارة، فلو نذرَ صومَ العيد لا يجبُ عليه شيءٌ، ولو نذرَ نحرَ ولدهِ فباطلٌ، وإليه ذهبَ مالكٌ والشَّافعيُّ، فأمَّا إذا نذرَ مطلقًا كأن قال: عليَّ نذرٌ، ولم يسمِّ شيئًا فعليهِ كفَّارة اليمين، وكذا إنْ (١) نذرَ شيئًا لم يُطقه. ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمةِ في الجزءِ الثَّاني لا في الأوَّل، وقيل: يُؤخذ (٢). وسبقَ الحديثُ قريبًا [خ¦٦٦٩٦]. ٦٧٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل البصريِّ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد «ثابتٌ» (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) لشيخٍ، قيل: هو أبو إسرائيل، كما نقلهُ مُغْلَطاي عن الخطيب: (إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَرَآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ) لم يسمَّيا. قال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نذرَ أن يمشِي، فأمرَه (٣) أن يركبَ لعجزِه عن المشي.

стр. 11661

(وَقَالَ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزاي المخففة وبعد الألف راء مكسورة، مروان بنُ معاوية، ممَّا وصلهُ في «الحجِّ» [خ¦١٨٦٥] (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ثَابِتٌ) البُنانيُّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، وأشار بهذا إلى أنَّ حميدًا صرَّح بالتَّحديث، كما في رواية أبي ذرٍّ في الطَّريق الأولى. ٦٧٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنِ عبد العزيز (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن أبي مسلم (الأَحْوَلِ) المكيِّ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان الإمام، أبو عبد الرَّحمن اليمانيُّ، من أبناءِ الفرس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ) وآخر يقودُه (بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ) أو غير زمامٍ (فَقَطَعَهُ) والشَّكُّ من الرَّاوي. ٦٧٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ) حال كونهِ (يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ) بكسر الخاء المعجمة وفتح الزاي المخفَّفة، حلقَةً من شَعَرٍ أو وَبَرٍ تجعلُ في الحاجزِ الَّذي بين مَنْخري البعير يُشدُّ بها الزِّمام؛ ليسهل انقياده إذا كان (١) صعبًا، ولم يُسَمَّ واحدٌ من الإنسانين المذكورين، ويحتملُ أن يكونا بِشْرًا وابنه طلقًا، كما في الطَّبرانيِّ، كما سبقَ في «باب الكلامِ في الطَّواف» من «الحجِّ» [خ¦١٦٢٠] (فَقَطَعَهَا) أي: الخِزَامة (النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ) أي: القائد (أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ).

стр. 11662

فإن قلتَ: ما المطابقةُ بين هذا الحديثِ والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ في روايةِ النَّسائيِّ من وجهٍ آخرَ عن ابن جُريج التَّصريح بأنَّه نذر ذلك. والحديث سبقَ في «الحجِّ» [خ¦١٦٢٠] وذكرهُ هنا من وجهين: الأوَّل بعلوٍّ، والثَّاني بنزولٍ، كما ترى. ٦٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، ابنُ خالد قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ) أي: يوم الجمعةِ، كما عند الخطيبِ في «المبهمات» وجواب «بينَا» قوله: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ) زادَ أبو داود (١): في الشَّمس (فَسَأَلَ) ﷺ (عَنْهُ) أي: عن اسمهِ، أو عن حالهِ (فَقَالُوا): هو (أَبُو إِسْرَائِيلَ) قيل: اسمُه قُشَير -بقاف وشين معجمة- مصغَّر، وقيل: يُسَير -بتحتية ثمَّ مهملة- مصغَّر أيضًا، وقيل: قيصر -بقاف وصاد مهملة- باسم ملك الرُّوم، وقيل: بالسين المهملة مصغَّر أيضًا (٢)، وقيل: بغير راء في آخره، وزاد الخطيبُ في «مبهماته» فقال: إنَّه رجلٌ من قريشٍ. وقالَ ابنُ الأثير في «الصحابة» كغيره: إنَّه أنصاريٌّ. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى؛ يعني: كونه قرشيًّا، ولا يشاركُه أحدٌ من الصَّحابة في كنيته (نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ) من الشَّمس (وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُرْهُ) أي: مرْ أبا إسرائيل، ولأبي داود: «مُرُوه» (فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ) من الشَّمس (وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) لأنَّه قربة بخلافِ البَواقي، والظَّاهر أنَّه ﷺ علمَ منه أنَّ الصَّوم لا يشقُّ عليه. والحديث أخرجه أبو داود في «الأيمان»، وابن ماجه في «الكفَّارات».

стр. 11663

(قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد الثَّقفيُّ: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) مرسلًا لم يذكر ابن عبَّاس. قال في «الفتح»: تمسَّك بهذا من يَرى أنَّ الثِّقات إذا اختلفُوا في الوصلِ والإرسالِ يُرَجَّح قولُ من وصلَ لِمَا معَه من زيادةِ العلم إلَّا أنَّ وهيبًا وعبدَ الوهاب ثقتان، وقد وصلَه وهيبٌ وأرسلَه عبد الوهَّاب وصحَّحه البخاريُّ مع ذلك، والَّذي عرفناهُ بالاستقراء من صنيعِ البخاريِّ أنَّه لا يعمل في هذه الصُّورة بقاعدةٍ مطَّردةٍ بل يدور مع التَّرجيح إلَّا إن استووا فيقدَّم الوصل، والواقع هنا أنَّ من وصلَه أكثر ممَّن أرسله. قال الإسماعيليُّ: وصلَه مع وهيب عاصمُ بن هلال والحسنُ بن أبي جعفر، وأرسلَه مع عبد الوهاب خالدٌ الواسطيُّ. قال الحافظ ابنُ حجرٍ ﵀ (١): وخالدٌ متقنٌ، وفي عاصم والحسن مقالٌ، فيستوي الطَّرفان فيرجَّح الوصل، وقد جاء الحديثُ المذكور من وجهٍ آخر فازداد قوَّة أخرجهُ عبدُ الرَّزَّاق، عن ابنِ طاوس، عن أبيهِ، عن أبي إسرائيل. (٣٢) (باب) حكم (مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا) معيَّنة (فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوِ الفِطْرَ) هل يجوزُ له الصِّيام، أو البدل، أو الكفَّارة؟ ٦٧٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بنِ عليِّ بنِ عطاء بنِ مُقَدَّم (المُقَدَّمِيُّ) بضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المشدَّدة، الثَّقفيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّميريُّ -بالنون مصغَّرًا- أبو سليمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (حَكِيمُ بْنُ أَبِي حُرَّةَ) بضم الحاء المهملة وفتح الراء المشدَّدة (الأَسْلَمِيُّ) المدنيُّ، وأبو حُرَّة لا يُعرف اسمه، وليس له في البخاريِّ إلَّا

стр. 11664

هذا الحديث، أوردَه متابِعًا (١) لزياد (٢) بنِ جبيرٍ في الطَّريق الَّتي بَعْدُ [خ¦٦٧٠٦]: (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄¬) حالَ كونه (سُئِلَ) بضم السين وكسر الهمزة مبنيًّا للمفعول، لم يسمَّ السَّائل، فيحتملُ أن يكون رجلًا، وأن يكون امرأةً (عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا صَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى) بفتح الهمزة (أَوْ فِطْرٍ) تحتملُ «أو» الشَّكّ، أو التَّقسيم (فَقَالَ) ابن عمر ﵄: (﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) قدوةٌ (لَمْ يَكُنْ) رسولُ الله ﷺ (يَصُومُ يَوْمَ الأَضْحَى وَ) لا يوم (الفِطْرِ، وَلَا يَرَى) ﷺ (صِيَامَهُمَا) وقال في «الكواكب»: قوله: «ولا نرى» بلفظ المتكلِّم، فيكون من جملةِ مقولِ عبد الله، أي: المخبر بهِ عنه ﷺ ، وفي بعضِها: «يرى» بلفظ الغائبِ، وفاعله عبدُ الله، وقائلُه حكيم. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وقع في رواية يوسف بن يعقوب القاضِي بلفظ: «لم يكن رسولُ الله ﷺ يصومُ يوم الأضحى، ولا يوم الفطرِ، ولا يأمرُ بصيامِهما». فتعيَّن الاحتمال الأوَّل؛ يعني: أنَّه من مقولِ ابنِ عمر. انتهى. وقد أجمعُوا على أنَّه لا يجوزُ صومُ يوم عيدِ الفطرِ، ولا عيد النَّحر لا تطوُّعًا ولا نذرًا، ولو نذرَ لم ينعقدْ نذرُه عند الجمهور، وعند الحنابلة روايتان في وجوبِ القضاءِ. وقال أبو حنيفةَ: لو أقدمَ فصامَ وقع ذلك عن نذرهِ. ٦٧٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ أحدُ الأعلام قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء آخره عين مهملة مصغَّرًا، البصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن عُبيد، أحد أئمَّة البصرةِ (عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ) بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن حيَّة -بالتَّحتيَّة المشدَّدة- ابنِ مسعود بنِ مُعَتِّبٍ البصريِّ، أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (فَسَأَلَهُ رَجُلٌ) لم يسمَّ (فَقَالَ: نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ) بكسر الموحدة في «أَرْبِعاء» والمدّ مع الهمزةِ

стр. 11665

لا ينصرفُ كسابقهِ لألفِ التَّأنيث فيهما كحمراءَ (١)، ويُجمعان على ثلاثاوات وأربعاوات، و «يومِ» بغيرِ تنوينٍ لإضافتهِ لِمَا بعدَه (فَوَافَقْتُ هَذَا اليَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ) ابنُ عمر: (أَمَرَ اللهُ) (بِوَفَاءِ النَّذْرِ) حيثُ قال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (وَنُهِينَا) بضم النون وكسر الهاء (أَنْ نَصُومَ) هذا اليوم (يَوْمَ النَّحْرِ) وفي «باب صوم يوم النَّحر»، من «كتاب الصِّيام» [خ¦١٩٩٤] «ونهى النَّبيُّ ﷺ عن صومِ هذا اليوم» (فَأَعَادَ عَلَيْهِ) أي: فأعادَ الرَّجل السُّؤال على ابنِ عمر (فَقَالَ مِثْلَهُ) أي: مثلَ القول الأوَّل (لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ) ورعًا منه حيثُ توقَّف في الجزمِ بأحدِ الجوابين لتعارضِ الدَّليلين عندَه، لكن سياق الكلامِ يقتضِي ترجيحَه للمنعِ. وبقيَّة مبحثِ ذلك سبقتْ (٢) في «الصِّيام» [خ¦١٩٩٤] من البابِ المذكور. (٣٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَدْخُلُ فِي الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الأَرْضُ وَالغَنَمُ وَالزُّرُوعُ) بلفظ الجمع، ولأبي ذرٍّ: «والزُّرُع (٣)» (وَالأَمْتِعَةُ؟ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ) ﵁ (٤)، فيما وصلَه المؤلِّف في «الوصايا» [خ¦٢٧٧٢] (لِلنَّبِيِّ ﷺ أَصَبْتُ أَرْضًا) وكان بها نخلٌ، وعند أحمدَ من روايةِ أيُّوب: «أنَّ عمرَ أصابَ من يهود بني حارثةَ أرضًا يقال لها: ثَمْغ -بفتح المثلَّثة وسكون الميم بعدها غين معجمة- أرضٌ تلقاء المدينة» (لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ) أجودَ (مِنْهُ) والنَّفيسُ الجيِّد المغتَبط به، وسمِّي نفيسًا؛ لأنَّه يأخذُ بالنَّفس، وفيه (٥) إطلاقُ المال على الأرضِ، فيُطلق على كلِّ متموَّلٍ، كما هو المعروفُ من كلام العرب، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] فلم يخصَّ شيئًا دونَ شيءٍ. وقال بعضُهم: هو العينُ كالذَّهب والفضةِ، وقيل

стр. 11666

غيرُ ذلك (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ لعمر بعد أن قال لهُ: فكيفَ تأمرني بهِ؟ كما في «الوصايا» [خ¦٢٧٧٢] (إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ) بالتَّخفيف، وفي «اليونينيَّة» بالتَّشديد؛ أي: وقفت (أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) أي: بثمرِها. (وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهل الأنصاريُّ ﵁، ممَّا وصلهُ أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] (لِلنَّبِيِّ: ﷺ أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَيَّ) بتشديد الياء (بَيْرُحَاءَ) بفتح الموحدة وسكون التَّحتية وضم الراء وفتحها، بالصَّرف، ولأبي ذرٍّ بعدمهِ، وفيها لغاتٌ أُخرى (١) كثيرة سبقت في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] وهذا الاسم (لِحَائِطٍ لَهُ) فاللَّام للتَّبيين، كهي في نحو (٢): ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] والحائطُ: البستان (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ) أنّث باعتبارِ البُقْعة. ٦٧٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلَّثة (الدِّيلِيِّ) بكسر الدال المهملة وسكون التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) سالم (مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ) بضم الميم وكسر الطاء المهملة بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ) لم يحضرْ أبو هريرة غزوة خيبر إلَّا بعد الفتح (فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالمَتَاعَ) كذا في الفرعِ وأصلهِ، وغيرهما ممَّا وقفتُ عليه من الأصولِ المعتمدةِ، و «الثِّياب» بإثبات الواو كالَّذي بعده. وقال في «الفتح»: «إلَّا الأموالَ

стр. 11667

المتاعَ والثِّياب» كذا للأكثر، أي: بحذف الواو من المتاع. قال: ولابن القاسم والقعنبيِّ: «والمتاع» بالعطف. قال: وقال بعضهم: في تنزيلِ ذلك على لغة دوسٍ -أي: القائلين إنَّ المالَ غير العين كالعروضِ والثِّياب- نَظَر (١)؛ لأنَّه استثنى الأموالَ من الذَّهب والفضة، فدلَّ على أنَّه منها، إلَّا أن يكون مُنقطعًا فتكون «إلَّا» بمعنى «لكن» كذا قال (٢) الحافظُ ابن حجرٍ. والَّذي يظهر أنَّ الاستثناء من الغنيمةِ الَّتي في قولهِ: «فلم نَغْنَم» (٣)، فنفى أن يكونوا غنمُوا، وأثبتَ أنَّهم غنموا المال، فدلَّ على أنَّ المالَ عنده غير العين، وهو المطلوب (فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ) بضاد مضمومة معجمة (٤) وباءين موحدَّتين أولاهما مفتوحة بينهما تحتيَّة ساكنة (يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ) بكسر الراء وتخفيف الفاء، ابن وهب الجُذاميُّ ثمَّ الضَّبِّيبيُّ، ممَّن وفد على رسولِ الله ﷺ (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين، وكان أسود (فَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفتح واو «فوَجَّه» وقال العينيُّ كالكِرْمانيِّ بالبناء للمجهول، وفي «غزوة خيبر» من «المغازي» [خ¦٤٢٣٤] «ثمَّ انصرفنَا مع رسول الله ﷺ » (إِلَى وَادِي القُرَى) بضم القاف وفتح الراء، مقصورًا، موضعٌ بقرب المدينة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادِي القُرَى بَيْنَمَا) بميمٍ بلا فاء (مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا سَهْمٌ عَائِرٌ) بالعين المهملة وبعد الألف همزة فراء، لا يُدْرى راميهِ، فأصابه (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الجَنَّةُ) وفي «المغازي» [خ¦٤٢٣٤] «هنيئًا له الشَّهادة» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ) بفتح الشين المعجمة وسكون الميم، الكساء (الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ) وإنَّما غلَّها (لَتَشْتَعِلُ) بنفسِها (عَلَيْهِ نَارًا) تعذيبًا له لغلولهِ، أو أنَّها سبب لعذابهِ في النَّار (فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ) لم أعرفِ اسمه (بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ) بكسر الشين فيهما، سَيْر أو سَيْرين يكونان على ظهر القدمِ عند لُبس النَّعل (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ) ﵊: (شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ: شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ). والحديث مرَّ في «المغازي» [خ¦٤٢٣٤].

стр. 11668

((٨٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب كفَّارَاتِ الأَيْمَانِ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب» وثبتَ للكُشمِيهنيِّ والحَمُّويي: «كتاب … » إلى آخره، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «كتاب الكفَّارَات» جمع: كفَّارة من الكَفْر، وهو السَّتر؛ لأنَّها تسترُ الذَّنب، ومنه الكافر؛ لأنَّه يستر الحقَّ، ويسمَّى اللَّيلُ كافرًا؛ لأنَّه يسترُ الأشياءَ عن العيون. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: فكفَّارةُ معقودِ الأيمانِ (﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]) بإعطاءِ كلِّ مسكينٍ مدًّا من جنس الفطرةِ، أو مسمَّى كسوة ممَّا يعتادُ لبسهُ كمِقْنَعةٍ ومنديلٍ، أو إعتاقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن عجزَ عن كلٍّ من الثَّلاثة لزمه صومُ ثلاثة أيَّامٍ ولو مفرَّقة (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) به كعبَ بن عُجْرة، كما في الحديثِ اللَّاحق [خ¦٦٧٠٨] (حِينَ نَزَلَتْ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾) أي: إذا حلقَ رأسهُ وهو مُحْرمٌ فعليه صيام ثلاثة أيَّامٍ (﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾) على ستَّة مساكين، نصف صاعٍ من برٍّ (﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]) شاة، مصدرٌ أو جمع: نَسيكة. (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصلهُ سفيان الثَّوريُّ في «تفسيره» عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهدٍ، عن ابن عبَّاس (وَعَطَاءٍ) هو ابنُ أبي ربَاح، ممَّا وصله الطَّبريُّ أيضًا (١) من طريق ابنِ جُريج (وَعِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس، ممَّا وصله الطَّبريُّ أيضًا من طريق داودَ بن أبي هندٍ، عنه (مَا كَانَ فِي القُرْآنِ أَوْ أَوْ) بفتح الهمزة وسكون الواو فيهما، نحو قولهِ تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ

стр. 11669

مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] (فَصَاحِبُهُ بِالخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبًا فِي الفِدْيَةِ) على ما يأتِي إن شاءَ الله تعالى الآن (١) [خ¦٦٧٠٨]. ٦٧٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبدِ الله بن يونسَ اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الأصغَر الحنَّاط -بالمهملة والنون- الأسديُّ، ويقال له (٢): الهذليُّ البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو، عبد الله، واسم جدِّه: أَرْطَبَان البصريُّ (٣) (عَنْ مُجَاهِدٍ) أي: ابن جبرٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللَّامين، الأنصاريِّ المدنيِّ ثمَّ الكوفيِّ (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء، ﵁، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُهُ يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْنُ) أي: اقرُب (فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ) ولأبي ذرٍّ: «أتُؤْذيك» بالفوقية بدل التَّحتيَّة (هَوَامُّكَ) بتشديد الميم للسَّاكنين (٤)، جمع: هامَّة -بالتَّشديد- تطلق على كلِّ (٥) ما يدبُّ من الحيوان، كالقملِ وشبهه، وكان القملُ يتناثرُ على وجههِ (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (نَعَمْ. قَالَ): احلِق رأسكَ وعليكَ (فِدْيَةٌ) مرفوع مبتدأ خبرُه محذوفٌ؛ أي: عليكَ (٦) فديةٌ، أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي (٧): فالواجبُ عليكَ فديةٌ (مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). قال أبو شهابٍ -بالسَّند الأوَّل-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَوْنٍ) عبدُ الله (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ، أنَّه (قَالَ: صِيَامُ (٨) ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالمَسَاكِينُ سِتَّةٌ) أي: إطعامُ ستَّة مساكينَ.

стр. 11670

قال ابنُ بطَّال: وإنَّما ذكر البخاريُّ حديث كعبٍ هنا من أجل التَّخييرِ، فإنَّها وردتْ في كفَّارة اليمين كما وردت في كفَّارة الأَذى. وقال ابنُ المُنَيِّر: يحتملُ أن يكون البخاريُّ أدخلَ حديث كعبٍ هنا موافقةً لمن قال: إنَّ الطَّعام (١) نصف صاعٍ في الكفَّارة كالفديَة (٢)، فنبَّه على حملِ المطلقِ على المقيَّد؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نصَّ في الفدية على أنَّها نصفُ صاعٍ، ولم يثبتْ عنه نصٌّ في قدر طعام الكفَّارة، وهذا من إنصاف البخاريِّ؛ لأنَّه كثيرًا ما يخالفُ الكوفيِّين إلَّا أن يظهر الحقُّ معهم. انتهى. ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه التَّخيير، كما في كفَّارة الأيمان. والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨١٤]. (٢) (باب قولهِ (٣) تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾) ما تحلِّلُونها به، وهي (٤) الكفَّارة (﴿وَاللهُ مَوْلَاكُمْ﴾) سيِّدُكم ومتولِّي أُموركم، وقيل: مولاكُم أولى بكمْ من أنفُسِكم، فكانتْ نصيحتهُ أنفع لكم من نصائِحكم (٥) لأنفُسكم (﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾) بما يصلِحُكم فيشرِّعه لكم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]) فيما أحلَّ وحرَّم. (٦) (مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلَى الغَنِيِّ وَالفَقِيرِ؟) ولأبي ذرٍّ: «باب (٧) متى تجب الكفَّارة على الغنيِّ والفقيرِ؟ وقول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾».

стр. 11671

٦٧٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ) سفيان بن عُيينة: (سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ) أي: من فم الزُّهريِّ؛ أي: ليس معنعنًا مُوهمًا للتَّدليس (١) (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قيل (٢): هو سلمة بن صخرٍ البياضيُّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَلَكْتُ) أي: فعلتُ ما هو سببٌ لهلاكي (قَالَ ﷺ ¬) لهُ: (مَا) ولأبي ذرٍّ: «وما» (شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ) أي: وَطئتها، كما في حديثٍ آخر (قَالَ) ﷺ لهُ: (تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ) بضم الفوقية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن تعتقَ» (رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا) أستطيعُ (قَالَ) ﷺ : (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا) أستطيعُ (قَالَ) ﵊ (٣) (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ) ﷺ لهُ: (اجْلِسْ) فَجَلَسَ (٤) (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ) بفتح العين المهملة والراء (فِيهِ تَمْرٌ -وَالعَرَقُ المِكْتَلُ الضَّخْمُ-) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقيَّة، يسعُ خمسةَ عشر صاعًا (قَالَ) ﷺ لهُ: (خُذْ هَذَا) العَرَق بتمرهِ (فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتَّمر (قَالَ): أتصدَّقُ به (عَلَى) شخصٍ (أَفْقَرَ مِنَّا)؟ ولأبي ذرٍّ: «أفقرَ (٥) منِّي» (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ) ظهرَتْ (نَوَاجِذُهُ) بالذال المعجمة، آخرُ الأسنان، أو هي الأضراسُ تعجُّبًا من حالهِ، ثم (قَالَ) ﷺ : (أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ). وفي الحديث: أنَّ كفَّارة الوقاعِ مرتَّبة: إعتاقٌ، ثمَّ صومٌ، ثمَّ إطعامٌ، وتجب نيَّتُها بأن يَنوي الإعتاقَ، وكذا باقيها عن الكفَّارة؛ لتتميَّز عن غيرِها كنذرٍ، فلا يَكفي الإعتاقُ الواجب عليه مثلًا وإن لم يكن عليه غيرها، ومراد البخاريِّ -كما قال ابن المُنَيِّر-: التَّنبيه على أنَّ الكفَّارة إنَّما تجب

стр. 11672

بالحنثِ، كما أنَّ كفَّارة المُواقِع (١) في نهارِ رمضان إنَّما كانت باقتحام الذَّنب، وأشار إلى أنَّ الفقير لا يسقطُ عنه إيجاب الكفَّارة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلِم فقرهُ وأعطاه مع ذلك ما يكفِّر به، كما لو أعطى الفقيرَ ما يقضي به دينهُ. قال: ولعلَّه كما نبَّه على احتجاجِ الكوفيِّين بالفدية نبَّه هنا على ما احتجَّ به من خالفَهم (٢) من إلحاقِها بكفَّارة المواقع، وأنَّها مُدٌّ لكلِّ مسكين. انتهى. ومذهب الشَّافعيِّ: أنَّ له تقديم الكفَّارة بلا صومٍ على أحدِ سببيها؛ لأنَّه حقٌّ ماليٌّ تعلَّق بسببين، فجاز تقديمُها على أحدهما كالزَّكاة فتقدَّم على الحنثِ، ولو كان حرامًا كالحنث بترك واجبٍ أو فعل حرامٍ، وعلى عودٍ في ظهارٍ كأن ظاهرَ من رجعيَّةٍ ثمَّ كفَّرَ ثمَّ راجعها، وكأن طلَّق رجعيًّا عقب ظهارهِ ثمَّ كفَّرَ ثمَّ راجعَ، وأمَّا الصَّوم فلا يقدَّم؛ لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، فلا تقدَّم على وقتِ وجوبها بغير حاجةٍ كصومِ رمضان. والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٦]. (٣) (باب مَنْ أَعَانَ المُعْسِرَ فِي الكَفَّارَةِ) الواجبةِ عليه. ٦٧١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زياد العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) اسمهُ -كما سبق-[خ¦٦٧٠٩] سلمةُ بن صخرٍ، أو هو سلمانُ بن صخرٍ، أو هما واقعتان، سبق ذلك في «الصِّيام» [خ¦١٩٣٦] (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ:

стр. 11673

«إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ) وفي بعض الطُّرق: «وأَهْلَكْتُ» (فَقَالَ) ﷺ له (١): (وَمَا ذَاكَ) الَّذي أهلككَ؟ (قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي) جامعتُ امرأتِي (فِي) نهارِ (رَمَضَانَ. قَالَ) ﵊: (تَجِدُ رَقَبَةً) تعتقُها؟ استفهامٌ محذوفُ الأداة، والمراد: الوجود الشَّرعيُّ، فيدخلُ فيه القدرة بالشِّراء (قَالَ: لَا) أجدُ (قَالَ: هَلْ) ولأبي ذرٍّ: «فهل» (تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا) وعند البَزَّار من روايةِ ابن إسحاقَ: «وهلْ لقيتُ مَا لقيتُ إلَّا من الصَّوم» (قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ (٢) أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) وهل هذه الخصالُ على التَّرتيب أو التَّخيير؟ قال البيضاويُّ: رتَّب الثَّاني بالفاء على فَقْدِ الأوَّل، ثمَّ الثَّالث بالفاء على فَقْدِ الثَّاني، فدلَّ على عدم التَّخيير مع كونها في معرضِ البيان وجواب السُّؤال، فتنزلُ منزلةَ الشَّرط، وقال مالكٌ بالتَّخيير (قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم أقفْ على اسمهِ (بِعَرَقٍ -وَالعَرَقُ) بفتح العين المهملة والراء آخره قاف (المِكْتَلُ) بكسر الميم وفتح الفوقية بينهما كاف ساكنة (فِيهِ تَمْرٌ- فَقَالَ) ﵊ له: (اذْهَبْ بِهَذَا) التَّمر (فَتَصَدَّقْ بِهِ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقال»: (عَلَى) ولأبي ذرٍّ: «أَعَلى» أي: أتصدَّق به على أحدٍ (أَحْوَجَ (٣) مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا (٤)) «ولابتيها» بغير همزٍ، تثنيةُ: لابةٍ؛ يريدُ الحرَّتين -تثنيةُ حرَّة (٥) - أرضًا (٦) ذات حجارةٍ سود، والمدينةُ بينهما، وزاد في الرِّواية السَّابقة قريبًا [خ¦٦٧٠٩] «فضحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدَتِ نواجذُهُ» (ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) بقطع همزة فأَطْعمه؛ أي: أطعِم (٧) ما في المكتلِ من التَّمرِ من تلزمُك نفقتهُ، أو زوجكَ، أو مطلقَ أقاربك (٨). ومطابقةُ الحديث للتَّرجمةِ ظاهرةٌ، فكما جازَ إعانةُ المعسرِ بالكفَّارة عن وقاعهِ في نهارِ

стр. 11674

رمضان، كذلك يجوزُ إعانةُ المعسر بالكفَّارة عن يمينهِ إذا حنثَ فيه (١)، وقد قيل: إنَّ هذا الحديث استنبطَ منه بعضهُم ألفَ مسألةٍ وأكثر. (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (يُعْطِي) الشَّخص الَّذي وجبتْ عليه الكفَّارة (فِي الكَفَّارَةِ) إذا كانت عن يمينٍ (عَشَرَةَ مَسَاكِينَ) كما في القرآنِ (قَرِيبًا كَانَ) المسكين (أَوْ بَعِيدًا) فالتَّذكير في «قريبًا» و «بعيدًا» باعتبار لفظ مسكين، ولذا قال: «كانَ» دون: كانَتْ ولا كانوا، أو (٢) لأنَّ فعيلًا يستوي فيه التَّذكير والتَّأنيث كما في قولهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. ٦٧١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدٍ) بالتَّصغير، ابن عبدِ الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) من بني بَيَاضة، اسمه: سلمةُ بن صخرٍ، أو أعرابيٌّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ): يا رسولَ الله (هَلَكْتُ) وفي رواية عائشة في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٥]: «أنَّه احترقَ» وأطلق ذلك لاعتقاده أنَّ مرتكب الإثمِ يعذَّب بالنَّار، فهو مجازٌ عن العصيانِ (قَالَ) ﷺ : (وَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) جامعتُها (فِي) نهارِ (رَمَضَانَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ) بضم الفوقية (رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا) سقط قوله: «قال: فهل … » إلى آخره [لأبي ذرٍّ] (٣)، (قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ) قال أبو هُريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ (٤): خُذْ هَذَا)

стр. 11675

التَّمر (فَتَصَدَّقْ بِهِ) على ستِّين مسكينًا (فَقَالَ: أَعَلَى) أي: أتصدَّق به على أحدٍ (أَفْقَرَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) حرَّتي المدينةِ (أَفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قَالَ) ﷺ (خُذْهُ) أي: التَّمر (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ). قال ابنُ المُنَيِّر: ليس في الحديث إلَّا قولهُ: «أطعمهُ أهلكَ»، لكن إذا جاز إعطاء الأقرباءِ فالبعداءُ أجوزُ، وقاسَ كفَّارة اليمينِ على كفَّارة الجماعِ في الصِّيام في إجازةِ الصَّرف إلى الأقرباءِ. انتهى. وهو على رأي من حمل قولهُ: «أطعمهُ أهلكَ» على أنَّه في الكفَّارة، وأمَّا من حملهُ على أنَّه أعطاه التَّمر المذكور في الحديث لينفقَهُ على أهله (١)، وتستمرّ الكفَّارة في ذمَّته إلى أن يحصلَ له اليسار، فلا يتَّجه الإلحاقُ، وكذا على قولِ من يقولُ بالإسقاطِ عن المعسرِ مطلقًا قاله في «الفتح». وفي رواية ابنِ إسحاقَ: «خُذْها وكُلْها وأنفقْهَا على عيالِكَ» أي: لا عن الكفَّارة، بل هي تمليكٌ مطلقٌ (٢) بالنِّسبةِ إليه وإلى عيالهِ، وكان ذلك من مالِ الصَّدقة، وأمَّا حديث عليٍّ: «فكلْهُ أنت وعيالُكَ فقدْ كفَّرَ اللهُ عنكَ» فضعيفٌ لا يحتجُّ به، وقد وردَ الأمرُ بالقضاءِ، كما في حديث عندِ البيهقيِّ. (٥) (باب) بيان (صَاعِ المَدِينَةِ) الَّذي يجبُ الإخراج به (٣) في الواجباتِ؛ لأنَّ التَّشريع وقع أولًا على ذلك (وَ) بيان (مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَتِهِ) أي: المدِّ أو كلٍّ منهما، أو المراد: بركتهُ ﷺ في دعائهِ حيثُ دعا: «اللَّهُمَّ باركْ لهم في مِكْيالهم ومدِّهم وصَاعِهم» [خ¦٦٧١٤] (وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ). ٦٧١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمانُ بن محمَّد بن أبي شيبةَ، واسمه: إبراهيمُ ابنُ عثمان العبسيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ المُزَنِيُّ) بضم الميم وفتح الزاي

стр. 11676

وكسر النون، قال: (حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الجيم وفتح العين المهملة بعدها (١) تحتية ساكنة فدال مهملة، الكنديُّ (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) الكنديِّ، ويقال: اللَّيثيِّ، ويقال: الأزديِّ المدنيِّ، أنَّه (قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ) في الصَّاع (فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) قال ابنُ بطَّال -فيما نقلهُ في «الفتح» -: هذا يدلُّ على أنَّ مُدَّهم حين حدَّث به السَّائب كان أربعةَ أرطالٍ، فإذا زيدَ عليه ثلثه وهو رطلٌ وثلث قامَ منه خمسةُ أرطالٍ وثلث وهو (٢) الصَّاع، بدليل أنَّ مُدَّه ﷺ رطلٌ وثلثٌ، وصاعه أربعةُ أمدادٍ، ثمَّ قال: وأمَّا (٣) مقدارُ ما زيد فيه في زمنِ عمر بن عبد العزيزِ فلا (٤) نعلَمُه، وإنَّما الحديث يدلُّ على أنَّ مُدَّهم ثلاثةُ أمدادٍ بمدِّه. انتهى. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: ومِن لازمِ ما قال أن يكون صاعهم ستَّة عشر رِطلًا لكنَّه لعلَّه لم يعلمْ مقدارَ الرِّطل عندهم إذ ذاك. انتهى. والمدُّ -كما مرَّ-: رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، وهو مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ست مئة درهمٍ وخمسة وثمانينَ وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ، وعندَ أبي حنيفة: أنَّ الصَّاع ثمانيةُ أرطالٍ، لنا ما نقلَ الخلفُ عن السَّلف بالمدينةِ، وهُم أعرف بمثلِ ذلك -كما قال مالكٌ- مستدلًّا به على أبي يوسفَ في مُناظرته له بحضرة الرَّشيد، فرجعَ أبو يوسف في ذلك إليهِ. والحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٠]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الزَّكاة».

стр. 11677

٦٧١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الوَلِيدِ الجَارُودِيُّ) بالجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، وَهْوَ سَلْمٌ) بفتح السين المهملة وسكون اللام، الشَّعِيريُّ -بفتح المعجمة وكسر المهملة- البصريُّ أصله من خُراسان، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر، أنَّه: (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) ﵁ (يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ) أي: صدقةَ الفطرِ منه (بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهو رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ، وهو مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، كما مرَّ (المُدِّ الأَوَّلِ) بالجرِّ صفةٌ لازمةٌ لـ «مدِّ النَّبيِّ ﷺ » وأرادَ نافعٌ بذلك أنَّه كان لا يعطي بالمدِّ الَّذي أحدثهُ هشامٌ، وهو أكبرُ من مدِّ النَّبيِّ ﷺ بثلثي مدٍّ (١)؛ إذ مُدُّ هشام رطلان والصَّاع منه ثمانيةُ أرطالٍ (وَفِي كَفَّارَةِ اليَمِينِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لم يكن للنَّبيِّ ﷺ إلَّا مدٌّ واحدٌ. (قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ) سَلْمٌ المذكور بالسَّند السَّابق: (قَالَ لَنَا مَالِكٌ) الإمامُ: (مُدُّنَا) المدنيُّ، وإن كان دون مدِّ هشامٍ في القدر، فإنَّه (أَعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ) في البركةِ الحاصلةِ فيه بدعاءِ النَّبيِّ ﷺ (وَلَا نَرَى الفَضْلَ إِلَّا فِي مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وإن كان مدُّ هشامٍ أفضلَ بحسب الوزنِ، قال أبو قتيبة سَلْمٌ أيضًا: (وَقَالَ لِي مَالِكٌ) الإمامُ: (لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ فَضَرَبَ مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ) الفطرةَ والكفَّارةَ؟ قال أبو قُتيبة: (قُلْتُ) له: (كُنَّا نُعْطِي) ذلك (بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ) مالكٌ: (أَفَلَا تَرَى أَنَّ الأَمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لأنَّه إذا تعارضتِ الأمداد الثَّلاثة: الأوَّل، والحادثُ وهو الهشاميُّ وهو زائدٌ عليه، والثَّالث المفروضُ وقوعه وإن لم يقعْ وهو دون الأوَّل، كان الرُّجوع إلى الأوَّل أولى؛ لأنَّه الَّذي تحققَّتْ شرعيَّتُه (٢) لنقل أهلِ المدينة (٣) له قرنًا بعد قرنٍ وجيلًا بعد جيلٍ، وقد رجعَ أبو يُوسف بمثلِ هذا إلى قول مالكٍ، كما مرَّ [خ¦٦٧١٢]. والحديث من أفرادِه، وهو غريبٌ، ما رواه عن مالكٍ إلَّا أبو قتيبةَ، ولا عنه إلَّا المنذر (٤).

стр. 11678

٦٧١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ) أي: أهل المدينةِ (فِي مِكْيَالِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ) البركة بمعنى: النَّماء والزِّيادة، قال الإمامُ أبو زكريا النَّوويُّ: الظَّاهر أنَّ المراد: البركة في نفسِ المكيلِ بالمدينةِ بحيث يكفِي المدُّ فيها مَن لا يكفيهِ في غيرها. قلتُ: وقد رأيتُ من ذلك في سنة خمسٍ وتسعينَ وثمان مئةٍ العَجبَ العُجَاب، فالله تعالى بوجهه الكريم يردُّني إليها ردًّا جميلًا، ويجعلُ وَفاتي بها على الكتابِ والسُّنَّة في عافيةٍ بلا محنةٍ، وأنْ (١) يعتقَ رَقَبتي من النَّار بمنِّه وكرمهِ (٢). (٦) هذا (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في آية كفَّارة اليمين من (٣) سورةِ المائدة: (﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]) قال الحنفيَّة: مؤمنةٍ أو كافرةٍ؛ لإطلاق النَّصِّ إلَّا في كفَّارة القتلِ، فإنَّ الله قيَّد الرَّقبة فيها بالإيمان، وشرط الشَّافعيُّ ﵀ الإيمانَ لجميع الكفَّارات مثل كفَّارة القتلِ والظِّهار والجماعِ في نهار رمضان حملًا للمطلقِ على المقيَّد، كما أنَّ الله تعالى قيَّد الشَّهادة بالعدالةِ في موضع (٤)، فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وأطلقَ في موضعٍ، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ (٥) شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثمَّ العدالة شرطٌ في جميعها حملًا للمطلقِ على المقيَّد كذلك (٦) هذا (وَأَيُّ الرِّقَابِ أَزْكَى؟) فيه إيماءٌ إلى حديثِ أبي ذرٍّ السَّابق في أوائل «العتق» [خ¦٢٥١٨]: «قلتُ: فأيُّ الرِّقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا وأنفسُها عند أهلِها»، وكأنَّ المؤلِّف أشارَ بذلك إلى موافقةِ الحنفيَّة؛

стр. 11679

لأنَّ أفعل التَّفضيل يقتضِي الاشتراك في أصلِ الحكمِ. وقال ابنُ المُنَيِّر: لم يترجمْ على عتق الرَّقبة في الكفَّارة؛ لأنَّه لم يجد نصًّا في اشتراطِ الإيمانِ في كفَّارة الأيمان، فأورد التَّرجمة محتملةً، وذكر أنَّ الفضل والمزيَّةَ لعتقِ المؤمنة، فنبَّه على مجالِ النَّظر، فلقائلٍ أن يقول: إذا تفاوتَ العتق وكان أفضلهُ عتق المؤمنةِ، ووجبَ علينا عتقُ الرَّقبة في اليمين، كانَ الأخذُ بالأفضلِ أحوطَ للذِّمَّة، وإلَّا كان المكفِّر بغير المؤمن على شكٍّ في براءة الذِّمَّة، قال: وهذا أوضحُ من الاستشهادِ بحمل المطلقِ على المقيَّد في كفَّارة القتلِ؛ لظهور الفرق بالتَّغليظ هنالك. ٦٧١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقةُ قال: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بضم الراء وفتح الشين المعجمة، البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ (عَنْ أَبِي غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشدَّدة (مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشدَّدة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أبي أسامة العدويِّ، مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بضم الحاء، ابنِ عليِّ بن أبي طالبٍ المعروف بزينِ العابدين (عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الجيم وبعد الألف نون اسم أمِّه، واسمُ أبيه: عبدُ الله العامريُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً) وفي «العتق» [خ¦٢٥١٧] «أيُّما رجلٍ أعتقَ امرأً مسلمًا» (أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ) سقط: «منه» الثَّانية هنا، وفي مسلم: «عضوًا منه من النَّار» (حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) «حتَّى» هنا عاطفة بمنزلةِ الواو إلَّا أنَّها تفارقُها من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ لمعطوف «حتَّى» ثلاثةَ شروطٍ: أن يكون ظاهرًا لا مُضمرًا، وأن يكون جزءًا (١) إمَّا بعضًا من جمعٍ قبلَها كـ: قَدِمَ الحاجُّ حتَّى المشاة، أو جزءًا من كلٍّ نحو: أكلتُ السَّمكةَ حتَّى رأسَها، أو كجزءٍ نحو: أعجبتْني

стр. 11680

الجاريةُ حتَّى حديثَها، ويمتنعُ حتَّى ولدُها، والَّذي يضبطُ ذلك أنَّها تدخلُ حيث يصحُّ دخولُ الاستثناء، وتمتنعُ حيث يمتنعُ، ولذا (١) يمتنع: ضربتُ الرَّجلين حتى أفضلهُما، وإنَّما جاز: حتَّى نعلَه ألقاها؛ لأنَّ الصَّحيفة والزَّاد في معنى أَلقى ما يثقلهُ، وأن يكون غايةً لِمَا قبلها إمَّا في زيادةٍ أو نقصٍ، فالأوَّل نحو: مات النَّاس حتَّى الأنبياء، والثَّاني نحو: زارك النَّاس حتَّى الحجَّامون، قاله في «المغني». والشُّروط الثَّلاثة موجودةٌ في هذا الحديثِ فقوله: «رقبةً» ظاهر منصوب، وقولهُ: «فرجه» (٢) جزءٌ ممَّا قبله، وهو غايةٌ لِمَا قبلها، وخصَّ الفرجَ بالذِّكر؛ لأنَّه محلُّ أكبر الكبائرِ بعد الشِّرك. والحديث سبق في «أوائل العتق» [خ¦٢٥١٧]. (٧) (باب) حكم (عِتْقِ المُدَبَّرِ وَأُمِّ الوَلَدِ وَالمُكَاتَبِ فِي الكَفَّارَةِ، وَ) حكمُ (عِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا، وَقَالَ طَاوُسٌ) هو ابنُ كيسان: (يُجْزِئُ المُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي شيبة من طريقه بلفظ: «يجزئ عتقُ المدبَّر في الكفَّارة وأمّ الولد في الظِّهار». انتهى. وقال مالكٌ: لا يجزئُ في الكفَّارة مدبَّر، ولا أمُّ ولد، ولا معلَّقٌ عتقه لأنَّه ثبتَ لهم عقد حرِّيَّة، ولا سبيلَ إلى رفعهِ (٣)، والواجبُ في الكفَّارة تحريرُ رقبةٍ وهو قول الكوفيِّين. وقال الشَّافعيُّ: يجزئ عتق المدبَّر، وعند البيهقيِّ بسندٍ صحيحٍ عن الزُّهريِّ أخبرني أبو حسن (٤) مولى عبد الله بن الحارث -وكان من أهل العلمِ والصَّلاح- أنَّه سمع امرأةً تقول لعبد الله بنِ نوفلٍ تستفتيهِ في غلامٍ لها ابنِ زنيةٍ تعتقه في رقبةٍ كانت عليها، فقال: لا أُراه يُجزئك، سمعتَ عمر يقول: لأن أُحملَ على نعلينِ في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أعتقَ ابن زنيةٍ، لكن في «الموطأ» عن أبي هريرة

стр. 11681

أنَّه أفتى بعتقِ ولد الزِّنا، وعن ابنِ عمر أنَّه أعتقَ ابن زنا، وقال الجمهور: يُجزئ عتقُه وكرهه عليٌّ وابن عبَّاس وابن عَمرو بن العاص، أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ عنهم بأسانيد ليِّنة. ٦٧١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ عارم قال: (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهم (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرٍ) أي: ابن عبد الله الأنصاريِّ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو مَذْكور (دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ) اسمُه يعقوب؛ أي: علَّق عتقه بموتهِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ) بضم النون وفتح العين المهملة، و «النَّحَّام» بفتح النون والحاء المهملة المشددة (بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ) قال عَمرو بن دينار: وكان بيعهُ ﷺ له بحكم ولايته على الرَّعية والنَّظر في مَصالحهم (فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (يَقُولُ): كان المدبَّر (عَبْدًا قِبْطِيًّا) بكسر القاف وسكون الموحدة، نسبة إلى قِبطِ مصر (مَاتَ عَامَ أَوَّلَ) بفتح اللَّام على البناءِ، وهو من إضافةِ الموصوف لصفتهِ (١) وله نظائر، والبصريُّون يقدِّرونه عام الزَّمن الأوَّل أو نحوه، ووجهُ المطابقة: قال الكِرْمانيُّ: لأنَّه إذا جاز بيع المدبَّر جاز إعتاقهُ وقاس الباقي عليه. والحديث أخرجه أيضًا في «الإكراه» [خ¦٦٩٤٧] وسبق في «البيعِ» [خ¦٢١٤١] و «العتق» [خ¦٢٥٣٤]، وأخرجه مسلمٌ في «الأيمان والنُّذور». هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ) أي: في الكفَّارة، وهذا الباب وترجمتُه ثبتا في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي وحدَه من غير ذكرِ آيةٍ ولا حديثٍ، ويحتملُ أنَّه لم يجد حديثًا في البابِ على شرطهِ أو غير ذلك، وحكم الباب أنَّه إذا أعتقَ عبدًا بينهُ وبين آخرَ عن الكفَّارة، فإن كان موسرًا أجزأهُ وضَمِنَ لشريكه حصَّته بخلاف ما إذا كان مُعسرًا، وهو قول أبي يوسف ومحمَّد

стр. 11682

والشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفة: لا يجزئه مطلقًا. ومباحث المسألة في كُتب الفقه، فلتُراجع. (٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا أَعْتَقَ) شخصٌ (فِي الكَفَّارَةِ) رقيقًا (لِمَنْ يَكُونُ وَلَاؤُهُ؟) بفتح الواو والمدِّ، وهو في الشَّرع: عصوبة سببها زوال المُلك عن الرَّقيق بالحرِّيَّة. ٦٧١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتيبة -بضم العين- مصغَّرًا (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيدَ، خال إبراهيمَ النَّخعيِّ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة (فَاشْتَرَطُوا) أي: أهلها (عَلَيْهَا) على عائشةَ (الوَلَاءَ) أي: أن يكون الولاءُ لهم (فَذَكَرَتْ) عائشة (ذَلِكَ) الاشتراطَ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ) لها: (اشْتَرِيهَا) فأعتِقِيها (إِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّما» (الوَلَاءُ لمن أَعْتَقَ) يستفاد من التَّعبير بـ «إنَّما» إثباتُ الحكم للمذكور، ونفيه عمَّا عدَاه، فمن أعتقَ من به رقٌّ ولو بكتابةٍ أو تدبيرٍ أو سرايةٍ، فولاؤه له ولعصبتهِ بنفسه؛ لقولهِ هنا: «إنَّما الولاءُ لمن أعتقَ»، وقيسَ عليه (١) غيره، ويقدَّمُ (٢) منهم بفوائد من الإرثِ وولايةِ التَّزويج الأقربُ فالأقربُ، كما في النَّسب، وفي «صحيح ابن حبَّان» وصحَّحه الحاكمُ: «الولاءُ لُحْمَة كلُحْمة النَّسب»، ويدخل في قولهِ: «إنَّما الولاءُ لمن أعتَق» ما لو أعتقَ العبدَ المشترَكَ، فإنَّه إن كان موسِرًا (٣) صحَّ وضمنَ لشريكهِ حُصَّته، ولا فرقَ بين أن يعتِقهُ مجَّانًا أو عن الكفَّارة. وعن أبي حنيفة: لا يجزئهُ عتقُ المشترَكِ عن الكفَّارة. والحديث سبقَ في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٨٤] وغيره، ويأتي إن شاء الله تعالى في «الفرائض» [خ¦٦٧٥٩]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الزَّكاة» و «الطَّلاق» و «الفرائض».

стр. 11683

(٩) (باب) بيان أحكام (الاِسْتِثْنَاءِ فِي الأَيْمَانِ) والمراد به هنا: التَّعليق على المشيئة، كأن يقول: والله لأفعلنَّ كذَا إن شاءَ الله، أو لا أفعلُ (١) كذا إن شاء الله، أو إلَّا أن يشاء الله، أو إن لم يشأِ الله (٢). ٦٧١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد (عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية، الأزديِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ) ﵁، أنَّه (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيَّ» (¬ ﷺ فِي رَهْطٍ) قال أبو عُبيدة: ما دون العشرةِ (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ) (٣) أي: أطلبُ منه ما يحملنا وأثقالنَا لغزوةِ تبوك (فَقَالَ: وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا واللهِ» (لَا أَحْمِلُكُمْ، مَا) ولأبي ذرٍّ: «وما» (عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) عليه (ثُمَّ لَبِثْنَا) بكسر الموحدة، مَكثنا (مَا شَاءَ اللهُ) (فَأُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقية، ﷺ (بِإِبِلٍ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بشائلٍ» بشين معجمة وبعد الألف همزة فلام، قطيعٌ من الإبلِ (فَأَمَرَ لَنَا) ﷺ (بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ) بالإضافة وفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة من

стр. 11684

الثَّلاث إلى العَشر من النُّوق (١)، وسبق في «المغازي» بلفظ: «خمسِ ذودٍ» [خ¦٤٣٨٥] وجمع باحتمال أنَّه أمرَ لهم أوَّلًا بثلاثِ ذودٍ، ثمَّ زادهم اثنين، ولأبي ذرٍّ: «بثلاثِ ذودٍ» وهو الصَّواب؛ لأنَّ الذَّود مؤنَّثٌ والتَّذكير باعتبار لفظ «ذود» (فَلَمَّا انْطَلَقْنَا) بها (قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَا يُبَارِكُ اللهُ لَنَا، أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَف لَا يَحْمِلَنَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن لا يحملنا» (فَحَمَلَنَا) بفتحات، زاد فيما سبق [خ¦٤٣٨٥]: «تغفَّلْنَا رسول الله ﷺ يمينهُ، والله لا نفلحُ أبدًا» (فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «له» (فَقَالَ) ﷺ : (مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللهُ حَمَلَكُمْ) أي: شرعَ لكُم ما حصلَ به الحملُ بعد اليمين وهو الكفَّارة، أو أتاني ما (٢) حملتُكم عليه، ولولا ذلك لم يكُن عندي ما أحملُكم عليه، قاله المازريُّ (إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ) وجواب القسم قوله: (لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) و «إن شاء الله» معترضٌ، والقسميَّة خبر «إنِّ» وقوله: «على يمين» أي: محلوفِ يمينٍ (فَأَرَى) بفتح الهمزة (غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) زاد الحَمُّويي والمُستملي بعد قولهِ: «هو خير»: «وكفَّرت» فكرَّر لفظ التَّكفير، وإثباته في الأوَّل قد يفيد جواز تقديم الكفَّارة على الحنثِ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «إنِّي والله إن شاء الله» لكن قال أبو موسى المدينيُّ في كتابه «الثمين (٣) في استثناء اليمين» -فيما نقله في «فتح الباري» -: لم يقع قوله: «إن شاء الله» في أكثر الطُّرق لحديث أبي موسى. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وسقط لفظ: «والله» من نسخة ابنِ المُنَيِّر، فاعترضَ بأنَّه ليس في حديثِ أبي موسى يمينٌ، وليس كما ظنَّ بل هي ثابتةٌ في الأصول، وإنَّما أراد البخاريُّ بإيرادهِ بيان صيغة الاستثناء بالمشيئة، قال: وأشار أبو موسى المدينيُّ في الكتاب المذكورِ إلى أنَّه ﷺ قالها للتبرُّك لا للاستثناءِ وهو خلافُ الظَّاهر، واشتُرِط في الاستثناء أن يتَّصل بالمستثنى منه عرفًا، فلا يضرُّ سكتة تنفُّسٍ وَعَيٍّ وتذكّرٍ وانقطاع (٤) صوتٍ، بخلاف الفصل بسكوتٍ طويلٍ وكلام أجنبيٍّ ولو يسيرًا، ونقل ابنُ المنذر الاتِّفاق على اشتراطِ التَّلفُّظ

стр. 11685

بالاستثناءِ وأنَّه لا يكفي القصد إليه بغير لفظٍ، وعن الحسنِ وطاوس أنَّ له أن يَستثني ما دامَ في المجلسِ، وعن الإمام أحمدَ نحوه، وقال: ما دام في ذلك الأمر، وعن إسحاق مثله، وقال: إلَّا أن يقعَ سكوت، وعن سعيدِ بن جبير: إلى أربعةِ أشهرٍ، وعن ابن عبَّاس: شهرٌ، وعنه سنة، وعنه أبدًا. قال أبو البركاتِ النَّسفيُّ (١) في «مختصر الكشاف» له: وهذا محمولٌ على تدارك التَّبرُّك بالاستثناء، فأمَّا الاستثناء المغيِّر حكمًا فلا يصحُّ إلَّا متَّصلًا، ويحكى أنَّه بلغ المنصورَ أنَّ أبا حنيفةَ ﵀ خالفَ ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في الاستثناء المنفصلِ فاستحضرَه (٢) لينكرَ عليه، فقال أبو حنيفة: هذا يرجعُ عليك أنَّك تأخذ البيعةَ بالأيمان، أفترضَى أن يخرجوا من عندِك فيستثنوا (٣) فيخرجُوا عليك؟ فاستحسنَ كلامَه، وأمر بإخراج الطَّاعن فيه. انتهى. وقال ابنُ جرير: معنى قول ابن عبَّاس أنَّه يستثنِي ولو بعدَ سنةٍ؛ أي: إذا نسِي أن يقولَ في حلفهِ أو كلامهِ: إن شاء الله، وذكَرَ ولو بعد سنةٍ، فالسُّنَّة له أن يقول ذلك ليكون آتيًا بسنَّة الاستثناء حتَّى ولو كان بعد الحنثِ، وليس مراده أنَّ ذلك رافعٌ لحنثِ اليمينِ ومسقطٌ للكفَّارة، قال ابنُ كثير: وهذا الَّذي قاله ابنُ جرير ﵀ هو الصَّحيح وهو الأليقُ بحمل كلام ابن عبَّاس عليه (٤)، والله أعلم. وقال أبو عُبيد: وهذا لا يُؤخذ على ظاهرِه؛ لأنَّه يلزم منه أنَّه لا يحنث أحدٌ (٥) في يمينهِ، وأن لا تتصوَّر الكفَّارة الَّتي أوجبَها الله تعالى على الحالفِ، ولكن وجهُ الخبرِ سقوطُ الإثمِ عن الحالفِ لتركهِ الاستثناء؛ لأنَّه مأمورٌ به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فقال ابن عبَّاس: إذا نسيَ أن يقول: إن شاء الله يستدركهُ، ولم يُرِدْ أنَّ الحالفَ إذا قال ذلك بعد أن انقضى كلامه أنَّ ما عقدَه باليمين ينحلُّ (٦). وحاصلُه حمل الاستثناءِ المنقول عنه على لفظ «إن شاء الله» فقط (٧)، وحمل «إن شاء الله» على التَّبرُّك، وممَّا

стр. 11686

يدلُّ على اشتراط الاستثناء بالكلام قوله في حديث الباب: «فليكفِّرْ عن يمينِهِ» فإنَّه لو كان الاستثناءُ يفيدُ بعد قطع الكلامِ لقال فليستثنِ؛ لأنَّه أسهلُ من التَّكفير. والحديث سبق في «النُّذور» [خ¦٦٦٢٣]. وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل عارمٌ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيدٍ -بالسَّند السَّابق- (وَقَالَ) فيه: (إِلَّا كَفَّرْتُ يَمِينِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن يمينِي» (وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) بتقديم «كفَّرت» (أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ) بتأخيرِها، فزيادة (١) التَّرديد في هذه الطَّريق في تقديم (٢) الكفَّارة وتأخِيرها، وكذا أخرجه أبو داود عن سليمان بنِ حربٍ عن حمَّاد بنِ زيد، بالتَّرديد فيه أيضًا. ٦٧٢٠ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية بعدها راء، المكيِّ (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كَيسان، الإمام أبو عبد الرَّحمن اليمانيِّ، أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ) بن داود ﵉: والله (٣) (لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) جواب القسم والنون للتَّأكيد، وفي بعض طرقِ الحديثِ التَّصريح بالقسمِ، و «اللَّيلةَ» نصبٌ على الظَّرفية (عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً) يقال: طافَ به؛ يعني: ألمَّ به وقاربهُ؛ يعني: لأجامعهنَّ (كُلٌّ) بالتَّشديد منوّنًا (٤) أي: منهنَّ (تَلِدُ) فيه حذفٌ تقديره: فتعلَقُ فتحمِلُ فتلِدُ (غُلَامًا) ينشأُ فيتعلَّمُ الفروسيَّة و (٥) (يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (فَقَالَ لَهُ

стр. 11687

صَاحِبُهُ) المَلَك، أو قرينهُ، أو صاحبه من البشرِ، أو وزيره من الإنسِ، أو من الجنِّ (-قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (يَعْنِي المَلَكَ- قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَنَسِيَ) بفتح النون مخفَّفًا، لسابقِ القدرِ أن يقول: إن شاء الله (فَطَافَ بِهِنَّ) أي: جامعهنَّ (فَلَمْ تَأْتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إِلَّا وَاحِدَةٌ بِشِقِّ غُلَامٍ) بكسر الشين المعجمة، وفي روايةٍ للبخاريِّ: «إلَّا واحدة ساقطٌ أحد شقَّيه» [خ¦٣٤٢٢] (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالإسناد السَّابق (يَرْوِيهِ) أي: عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه (قَالَ: لَوْ قَالَ) سليمان: (إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ) قيل: هذا خاصٌّ بسليمان، وأنَّه لو قالها لحصلَ مقصودهُ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ من قالَها وقعَ له ما أرادَ، فقد قال موسى ﵇ في قصَّة الخضرِ: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] ولم يصبرْ (وَكَانَ) قوله: إن شاء الله (دَرَكًا فِي حَاجَتِهِ (١)) بفتح الدال المهملة والراء؛ أي: لِحَاقًا (٢) لها، وهو تأكيدٌ لقولهِ: «لم يحنث» ولأبي ذرٍّ: «له في حاجتِهِ» (وَقَالَ) أبو هُريرة (مَرَّةً: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوِ اسْتَثْنَى) بدل قوله في الرِّواية الأولى: «إن شاء الله»، فاللَّفظ مختلفٌ والمعنى واحدٌ، وجواب «لو» محذوف؛ أي: لو استَثنى لم يحنثْ. قال سفيان بن عُيينة -بالسَّند المذكور (٣) -: (وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) الَّذي ساقهُ من طريق طاوسٍ، عن أبي هُريرة، ففيه: أنَّ لسفيان فيه سندين إلى أبي هُريرة؛ هشام عن طاوس، وأبو الزِّناد عن الأعرجِ. والحديث سبقَ في «الجهاد» [خ¦٢٨١٩] وغيره، لكن بغير هذا السَّند.

стр. 11688

(١٠) (باب) جواز (الكَفَّارَةِ قَبْلَ الحِنْثِ وَبَعْدَهُ). ٦٧٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بحاء مهملة مضمومة فجيم ساكنة فراء، السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بأمِّه (١) عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن عاصمٍ (التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم (الجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء، أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بنِ قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الحَيَّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الراء، و «الحيَّ» بالفتح، ولغير أبي ذرٍّ بالكسرِ (إِخَاءٌ) بكسر الهمزة في أوله وفتح الخاء المعجمة والمدّ؛ أي: صداقة (وَمَعْرُوفٌ) أي: إحسانٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وكانَ بينَنَا وبينَهُم هَذَا الحيَّ» فزاد الضَّمير (٢) وقدَّمه على ما يعودُ عليه. وقال في «الكواكب»: فإن قلتَ: الظَّاهر أن يقال: «بينه» يعني: أبا موسى؛ أي (٣): لأنَّ

стр. 11689

زَهْدَمًا من جَرْم، فلو كان من الأشعريِّين لاستقامَ الكلامُ، قال: وقد تقدَّم على الصَّواب في «باب لا تحلفوا بآبائكم»، حيثُ قال: «كان بين هذا الحيِّ وبين الأشعريين ودٌّ» [خ¦٦٦٤٩] وأجابَ باحتمال أنَّه جعل نفسَه من أتباعِ أبي موسى كواحدٍ من الأشاعرةِ، فأراد بقولهِ: «بيننَا» أبا موسى وأتباعَه، وكأنَّه مولى؛ أي: لم يكن من العربِ الخُلَّص. (قَالَ) زَهْدَم: (فَقُدِّمَ طَعَامٌ) بين يدي أبي مُوسى، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «طعامه»؛ أي: طعامُ أبي موسى (قَالَ: وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، قَالَ: وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ) قبيلةٌ معروفةٌ من قضاعة (أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى) قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في «المقدّمة»: لم أعرفْ اسمه، وقد قيل (١): إنَّه زَهْدمٌ الرَّاوي (قَالَ: فَلَمْ يَدْنُ) أي: فلم يقرُب من الطَّعام (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ: (ادْنُ) اقرَبْ (فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ) أي: من جنس الدَّجاج (قَالَ) الرَّجل: (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) قَذِرًا (قَذِرْتُهُ) بكسر الذال المعجمة؛ أي: كرهتهُ (فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ أَبَدًا، فَقَالَ) أبو موسى للرَّجل: (ادْنُ) اقرَبْ (أُخْبِرْكَ) بضم الهمزة، والجزم جواب الأمر (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين (أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ (٢)) أطلبُ منه ما يحملنَا وأثقالنَا لغزوةِ العُسْرة (وَهْوَ يَقْسِمُ نَعَمًا مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ) بفتح النون والعين المهملة فيهما. (قَالَ أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ -بالسَّند السَّابق-: (أَحْسِبُهُ) أي: أحسبُ القاسم التَّميميَّ (قَالَ: وَهْوَ) أي: النَّبيّ ﷺ (غَضْبَانُ، قَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) زاد الكُشمِيهنيُّ: «عليه» (قَالَ) أبو موسى: (فَانْطَلَقْنَا، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ) بإضافةِ نهبٍ لما بعده، من غنيمةٍ، وفي رواية أبي بُردة [خ¦٤٤١٥] أنَّه ﷺ ابتاعَ الإبلَ الَّتي حملهُم عليها من سعدٍ، فيجمعُ باحتمال أن تكون الغنيمةُ لمَّا حصلتْ حصل لسعدٍ منها ذلك فاشتراهُ منه ﷺ وحملهُم عليه (فَقِيلَ (٣): أَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَشْعَرِيُّونَ، أَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَشْعَرِيُّونَ؟) بالتِّكرار مرَّتين في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية أبي يزيد [خ¦٤٤١٥] (٤) «فلمْ ألبثْ إلَّا سُوَيعةً؛ إذ سمعتُ بلالًا

стр. 11690

يُنادي: أي (١) عبد الله بنَ قيسٍ، فأجبتُه فقال: أجبْ رسولَ الله ﷺ يدعوكَ» (فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا) ﵊ (بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بالإضافةِ، وفي «المغازي» [خ¦٤٤١٥] «بستَّةِ أبعِرة» وذكرُ القليلِ لا ينفي (٢) الكثيرَ (غُرِّ الذُّرَى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء؛ أي: الأسنِمَة (قَالَ: فَانْدَفَعْنَا) أي: سِرنا مُسرعين (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا) بفتحات (نَسِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا) بسكون اللام (رَسُولَ اللهِ ﷺ (٣) يَمِينَهُ) أي: أخذنا منه ما أعطَانا في حال غفلتهِ عن يمينهِ من غير أنْ نُذَكِّره بها (لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْنُذَكِّرْهُ) بسكون اللام والجزم (يَمِينَهُ، فَرَجَعْنَا) إليهِ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَظَنَنَّا -أَوْ: فَعَرَفْنَا-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ) ولأبي يَعلى من رواية مطَر، عن زَهْدَم: «فكرهنا أن نُنْسيكَها، فقال: واللهِ إنِّي (٤) ما نسيتُهَا» وأخرجه مسلمٌ عن الشَّيخ الَّذي أخرجه عنه أبو يَعلى ولم يسقْ منه إلَّا قوله: قال: «والله ما نَسيتُها» (قَالَ: انْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللهُ) ، فيه إزالةُ المِنَّة عنهم وإضافة النِّعمة لمالكِها الأصليِّ، ولم يردْ أنَّه لا صنعَ له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أرادَ ذلك ما قال: (إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ -كما مرَّ- فأطلقَ عليه لفظ يمين للملابسة، والمراد: ما شأنهُ أن يكون محلوفًا عليه، فهو من مجازِ الاستعارة، ويجوزُ أن يكون فيه تضمينٌ، ففي النَّسائيِّ: «إذا حلفتَ بيمينٍ»، ورجح الأوَّل بقولهِ: (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) لأنَّ الضَّمير في «غيرها» لا يصحُّ عَوْدُه على اليمينِ. وأُجيب بأنَّه يعود على معناها المجازي للملابسة أيضًا. وقال في «النهاية»: الحلفُ هو اليمين، فقوله: «أحلفُ» أي: أعقِدُ شيئًا بالعزم (٥)، وقوله: «على يمين» تأكيدٌ لعقدِه وإعلامٌ بأنَّها ليست لغوًا. قال في «شرح المشكاة»: ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ: «مَا علَى الأرضِ يمينٌ أحلفُ عليهَا … » الحديث. قال: فقوله: «أحلف عليها» صفةٌ مؤكِّدة لليمين، قال: والمعنى: لا أحلفُ يمينًا

стр. 11691

جزمًا لا لغوَ فيها، ثمَّ يظهرُ لي أمرٌ آخر يكون فعله خيرًا من المضيِّ في اليمين المذكورة (١) (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا) أي: كفَّرتها. واختُلِف هل كفَّرَ ﷺ عن يمينهِ المذكورة، كما اختُلِف هل كفَّرَ في قصَّةِ حلفهِ على شربِ العسل، أو على غشيان ماريةَ، فعن الحسن البصريِّ أنَّه لم يكفِّر أصلًا؛ لأنَّه مغفورٌ له، وإنَّما نزلت كفَّارة اليمين تعليمًا للأمَّة، وتعقِّب بحديث التِّرمذيِّ عن عمر في قصَّةِ حلفهِ على العسلِ أو ماريةَ: «فعاتبهُ اللهُ وجعلَ له كفَّارة يمينٍ» وهذا ظاهرٌ في أنَّه كفَّرَ، وإن كان ليس نصًّا في ردِّ ما ادَّعاه الحسن، ودعوى أنَّ ذلك كلَّه تشريعٌ بعيدٌ (٢)، وفي «تفسير القرطبي» عن زيد بن أسلم: أنَّه ﷺ كفَّر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أنَّه ﷺ أعتق رقبةً (٣) في تحريم ماريةَ، وقد اختلف لفظ الحديث فقدَّم لفظ الكفَّارة مرَّةً وأخَّرها أُخرى لكن بحرف الواو الَّذي لا يوجب ترتيبًا، نعم ورد في بعض الطُّرق بلفظ «ثمَّ» الَّتي تقتضِي التَّرتيب عند أبي داود والنَّسائيِّ في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن الحسن: «فكفِّر عن يمينكَ، ثمَّ ائتِ الَّذي هو خير»، وفي حديث عائشة عند الحاكم بلفظ «ثمَّ» وفي حديث أمِّ سلمة عند الطَّبرانيِّ نحوه، ولفظه: «فليكفِّرْ عن يمينهِ، ثمَّ ليفعلْ الَّذي هو خير». وإذا عُلِم هذا فليعلمْ أنَّ للكفَّارة ثلاث حالاتٍ: إحداها: قبل الحلفِ فلا يجزئُ (٤) اتِّفاقًا، ثانيها (٥): بعد الحلف والحنثِ فيُجزئ اتِّفاقًا، ثالثها (٦): بعد الحلفِ وقبل الحنثِ، فاختلفَ فيها فقال مالكٌ وسائرُ فقهاء الأمصار إلَّا أبا حنيفةَ: تجزئُ قبله، لكن استثنى الشَّافعيُّ الصِّيام فقال: لا يجزئ إلَّا بعد الحنث؛ لأنَّ الصِّيام من حقوقِ الأبدان، ولا يجوزُ تقديمُها قبل وقتها كالصَّلاة بخلاف العتقِ والكسوةِ والإطعام، فإنَّها من حقوقِ الأموال فيجوز تقديمُها (٧) كالزَّكاة، واحتُجَّ للحنفيَّة بأنَّها لمَّا لم تجبْ صارت كالتَّطوُّع، والتَّطوُّع لا يجزئ عن الواجب، وبقوله

стр. 11692

تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإنَّ المراد: إذا حلفتُم فحنثتُم، وأجاب المخالفون بأنَّ التَّقدير: فإذا أردتُم الحنث، والخلاف -كما قال القاضي عياض- مبنيٌّ على أنَّ الكفَّارة لحلِّ اليمين أو لتكفيرِ مأثمها بالحنثِ، فعند الجمهور أنَّها رخصةٌ شرَعَها الله تعالى لحلِّ ما عقدَ من اليمين، فلذلك تجزئُ قَبْلُ وبَعْدُ. نعم استحبَّ مالكٌ والشَّافعيُّ تأخيرَها. والحديث مرَّ في مواضعَ كثيرةٍ كـ «الخمس» [خ¦٣١٣٣] و «المغازي» [خ¦٦٦٤٩] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥١٨] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥]. (تَابَعَهُ) أي: تابعَ إسماعيلَ بن إبراهيم المعروف بابنِ عُلَيَّة (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) فيما وصلَه المؤلِّف في «فرض الخُمُس» [خ¦٣١٣٣] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (وَالقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الكُلَيْبِيِّ) بضم الكاف وفتح اللام. قال في «الفتح»: وهذه المتابعة وقعتْ في الرِّواية عن القاسم فقط، ولكن زاد حمَّاد ذكر أبي قلابة مضمومًا إلى القاسم. قال: والبخاريُّ لم يدرِك حمَّادًا، فالحديثُ من المعلَّقات (١). وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٢) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث السَّابق. وبه قال (٣) (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) وبه قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ القَاسِمِ) التَّميميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا.

стр. 11693

٦٧٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّدُ بن يحيى بن عبد الله بنِ خالد بنِ فارس بنِ ذؤيب الذُّهليُّ النَّيسابوريُّ الحافظُ المشهور قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ) بضم عين «عُمر» البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) بفتح المهملة وضم الميم، القرشيِّ، سكنَ البصرة ومات بالكوفة ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة، الإِمرة (فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا) بضم الهمزةِ (عَنْ (١) غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بضم الواو وكسر الكاف مخفَّفة وضم همزة «أُعطيتها» و «أُعنت» أي: وكلتَ إلى نفسِك وعجزتَ (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) محلوفِ يمينٍ (فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ). والحديث سبق في أول «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٢٢]. (تَابَعَهُ) أي: تابعَ عثمانَ بن عمر، فيما وصلَه أبو عَوَانة والحاكمُ والبيهقيُّ (أَشْهَلُ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الهاء بعدها لام، الجُمَحيُّ مَولاهم أبو عَمرو، وقيل: أبو حاتم مصريٌّ، ولأبي ذرٍّ: «أشهل بن حَاتم» (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (وَتَابَعَهُ) أي: تابعَ (٢) عبدَ الله ابن عون (يُونُسُ) بن عُبيد بنِ دينارٍ العبديُّ البصريُّ، ممَّا وصلَه المؤلِّف في «كتاب الأحكام»، في «باب من سأل الإمارة وُكِل إليها» [خ¦٧١٤٧] (وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ) بكسر السين المهملة وتخفيف الميم وبعد الألف كاف، ابن عطيَّة المربديُّ، من أهل البصرةِ ممَّا وصله مسلمٌ (وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) أبو المغيرة الكوفيُّ، ممَّا وصلهُ عبد الله ابن الإمام أحمد في «زياداته» والطَّبرانيُّ في «الكبير» (وَحُمَيْدٌ) بضم الحاء، ابن أبي حُميدٍ الطَّويل، ممَّا وصله مسلمٌ (وَقَتَادَةُ) بن دِعَامة، ممَّا وصله مسلمٌ (وَمَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر، ممَّا وصله مسلمٌ أيضًا (وَهِشَامٌ) هو ابنُ حسَّان القردوسيُّ، ممَّا وصله أبو نُعيم في «مستخرج مسلم» (وَالرَّبِيعُ) هو:

стр. 11694

ابنُ مسلمٍ الجمحيُّ البصريُّ، كما جزم به الدِّمياطيُّ. وقال ابنُ حجرٍ الحافظ (١): والَّذي يغلبُ على ظنِّي أنَّه صبيحٌ، ثمَّ ذكر أحاديثَ (٢) من طرقٍ تدلُّ له، ووقع في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ وهو مكتوبٌ في فرع «اليونينيَّة»: «وحميد عن قتادة» وهو خطأٌ، والصَّواب: وحميد وقتادة، بالواو، كما سبقَ (٣).

стр. 11695

((٨٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ الفَرَائِضِ) أي: مسائلُ قسمةِ المواريث، جمع: فريضة بمعنى مفروضة، أي: مقدَّرة لِمَا فيها من السِّهام المقدَّرة فغلبت على غيرها، والفرض لغةً: التَّقدير، وشرعًا هنا: نصيب مقدَّر شرعًا للوارث، ثمَّ قيل للعلم بمسائل الميراث: علم الفرائضِ، والعالمِ به فَرْضيٌّ، وفي الحديث: «أفرضُكُم زيدٌ» أي: أعلمكُم بهذا النَّوع، وعلمُ الفرائض كما نُقلَ عن أصحابِ الشَّافعيِّ، ينقسمُ إلى ثلاثةِ علوم: علمُ الفتوى، وعلمُ النَّسب، وعلمُ الحساب، والأنصباءُ المقدَّرة في كتابِ الله تعالى ستَّة: النِّصفُ، ونصفُه، ونصفُ نصفه، والثُّلثان، ونصفُه، ونصفُ نصفه. (وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾) يعهدُ إليكم ويأمركُم (﴿فِي (١) أَوْلَادِكُمْ﴾) في شأنِ ميراثهم، وهذا إجمالٌ تفصيلُه: (﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾) أي: للذَّكر منهم، أي: من أولادكم، فحذف الرَّاجع إليه؛ لأنَّه مفهوم، كقولهِ (٢): السَّمنُ منوانِ بدرهمٍ، وبدأ بذكر ميراثِ الأولاد؛ لأنَّ
следующие страницы →