← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

جزمًا لا لغوَ فيها، ثمَّ يظهرُ لي أمرٌ آخر يكون فعله خيرًا من المضيِّ في اليمين المذكورة (١) (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا) أي: كفَّرتها. واختُلِف هل كفَّرَ ﷺ عن يمينهِ المذكورة، كما اختُلِف هل كفَّرَ في قصَّةِ حلفهِ على شربِ العسل، أو على غشيان ماريةَ، فعن الحسن البصريِّ أنَّه لم يكفِّر أصلًا؛ لأنَّه مغفورٌ له، وإنَّما نزلت كفَّارة اليمين تعليمًا للأمَّة، وتعقِّب بحديث التِّرمذيِّ عن عمر في قصَّةِ حلفهِ على العسلِ أو ماريةَ: «فعاتبهُ اللهُ وجعلَ له كفَّارة يمينٍ» وهذا ظاهرٌ في أنَّه كفَّرَ، وإن كان ليس نصًّا في ردِّ ما ادَّعاه الحسن، ودعوى أنَّ ذلك كلَّه تشريعٌ بعيدٌ (٢)، وفي «تفسير القرطبي» عن زيد بن أسلم: أنَّه ﷺ كفَّر بعتق رقبةٍ. وعن مقاتل: أنَّه ﷺ أعتق رقبةً (٣) في تحريم ماريةَ، وقد اختلف لفظ الحديث فقدَّم لفظ الكفَّارة مرَّةً وأخَّرها أُخرى لكن بحرف الواو الَّذي لا يوجب ترتيبًا، نعم ورد في بعض الطُّرق بلفظ «ثمَّ» الَّتي تقتضِي التَّرتيب عند أبي داود والنَّسائيِّ في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن الحسن: «فكفِّر عن يمينكَ، ثمَّ ائتِ الَّذي هو خير»، وفي حديث عائشة عند الحاكم بلفظ «ثمَّ» وفي حديث أمِّ سلمة عند الطَّبرانيِّ نحوه، ولفظه: «فليكفِّرْ عن يمينهِ، ثمَّ ليفعلْ الَّذي هو خير». وإذا عُلِم هذا فليعلمْ أنَّ للكفَّارة ثلاث حالاتٍ: إحداها: قبل الحلفِ فلا يجزئُ (٤) اتِّفاقًا، ثانيها (٥): بعد الحلف والحنثِ فيُجزئ اتِّفاقًا، ثالثها (٦): بعد الحلفِ وقبل الحنثِ، فاختلفَ فيها فقال مالكٌ وسائرُ فقهاء الأمصار إلَّا أبا حنيفةَ: تجزئُ قبله، لكن استثنى الشَّافعيُّ الصِّيام فقال: لا يجزئ إلَّا بعد الحنث؛ لأنَّ الصِّيام من حقوقِ الأبدان، ولا يجوزُ تقديمُها قبل وقتها كالصَّلاة بخلاف العتقِ والكسوةِ والإطعام، فإنَّها من حقوقِ الأموال فيجوز تقديمُها (٧) كالزَّكاة، واحتُجَّ للحنفيَّة بأنَّها لمَّا لم تجبْ صارت كالتَّطوُّع، والتَّطوُّع لا يجزئ عن الواجب، وبقوله

стр. 11692

تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإنَّ المراد: إذا حلفتُم فحنثتُم، وأجاب المخالفون بأنَّ التَّقدير: فإذا أردتُم الحنث، والخلاف -كما قال القاضي عياض- مبنيٌّ على أنَّ الكفَّارة لحلِّ اليمين أو لتكفيرِ مأثمها بالحنثِ، فعند الجمهور أنَّها رخصةٌ شرَعَها الله تعالى لحلِّ ما عقدَ من اليمين، فلذلك تجزئُ قَبْلُ وبَعْدُ. نعم استحبَّ مالكٌ والشَّافعيُّ تأخيرَها. والحديث مرَّ في مواضعَ كثيرةٍ كـ «الخمس» [خ¦٣١٣٣] و «المغازي» [خ¦٦٦٤٩] و «الذَّبائح» [خ¦٥٥١٨] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥٥]. (تَابَعَهُ) أي: تابعَ إسماعيلَ بن إبراهيم المعروف بابنِ عُلَيَّة (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) فيما وصلَه المؤلِّف في «فرض الخُمُس» [خ¦٣١٣٣] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله بن زيدٍ الجَرْميِّ (وَالقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الكُلَيْبِيِّ) بضم الكاف وفتح اللام. قال في «الفتح»: وهذه المتابعة وقعتْ في الرِّواية عن القاسم فقط، ولكن زاد حمَّاد ذكر أبي قلابة مضمومًا إلى القاسم. قال: والبخاريُّ لم يدرِك حمَّادًا، فالحديثُ من المعلَّقات (١). وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بنُ عبد المجيد (٢) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) الجرميِّ (وَالقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث السَّابق. وبه قال (٣) (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) وبه قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنِ القَاسِمِ) التَّميميِّ (عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) الحديث أيضًا.

стр. 11693

٦٧٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) هو محمَّدُ بن يحيى بن عبد الله بنِ خالد بنِ فارس بنِ ذؤيب الذُّهليُّ النَّيسابوريُّ الحافظُ المشهور قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ) بضم عين «عُمر» البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) بفتح المهملة وضم الميم، القرشيِّ، سكنَ البصرة ومات بالكوفة ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة، الإِمرة (فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا) بضم الهمزةِ (عَنْ (١) غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بضم الواو وكسر الكاف مخفَّفة وضم همزة «أُعطيتها» و «أُعنت» أي: وكلتَ إلى نفسِك وعجزتَ (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) محلوفِ يمينٍ (فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ). والحديث سبق في أول «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٢٢]. (تَابَعَهُ) أي: تابعَ عثمانَ بن عمر، فيما وصلَه أبو عَوَانة والحاكمُ والبيهقيُّ (أَشْهَلُ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الهاء بعدها لام، الجُمَحيُّ مَولاهم أبو عَمرو، وقيل: أبو حاتم مصريٌّ، ولأبي ذرٍّ: «أشهل بن حَاتم» (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله (وَتَابَعَهُ) أي: تابعَ (٢) عبدَ الله ابن عون (يُونُسُ) بن عُبيد بنِ دينارٍ العبديُّ البصريُّ، ممَّا وصلَه المؤلِّف في «كتاب الأحكام»، في «باب من سأل الإمارة وُكِل إليها» [خ¦٧١٤٧] (وَسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ) بكسر السين المهملة وتخفيف الميم وبعد الألف كاف، ابن عطيَّة المربديُّ، من أهل البصرةِ ممَّا وصله مسلمٌ (وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) أبو المغيرة الكوفيُّ، ممَّا وصلهُ عبد الله ابن الإمام أحمد في «زياداته» والطَّبرانيُّ في «الكبير» (وَحُمَيْدٌ) بضم الحاء، ابن أبي حُميدٍ الطَّويل، ممَّا وصله مسلمٌ (وَقَتَادَةُ) بن دِعَامة، ممَّا وصله مسلمٌ (وَمَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر، ممَّا وصله مسلمٌ أيضًا (وَهِشَامٌ) هو ابنُ حسَّان القردوسيُّ، ممَّا وصله أبو نُعيم في «مستخرج مسلم» (وَالرَّبِيعُ) هو:

стр. 11694

ابنُ مسلمٍ الجمحيُّ البصريُّ، كما جزم به الدِّمياطيُّ. وقال ابنُ حجرٍ الحافظ (١): والَّذي يغلبُ على ظنِّي أنَّه صبيحٌ، ثمَّ ذكر أحاديثَ (٢) من طرقٍ تدلُّ له، ووقع في نسخةٍ من رواية أبي ذرٍّ وهو مكتوبٌ في فرع «اليونينيَّة»: «وحميد عن قتادة» وهو خطأٌ، والصَّواب: وحميد وقتادة، بالواو، كما سبقَ (٣).

стр. 11695

((٨٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كِتَابُ الفَرَائِضِ) أي: مسائلُ قسمةِ المواريث، جمع: فريضة بمعنى مفروضة، أي: مقدَّرة لِمَا فيها من السِّهام المقدَّرة فغلبت على غيرها، والفرض لغةً: التَّقدير، وشرعًا هنا: نصيب مقدَّر شرعًا للوارث، ثمَّ قيل للعلم بمسائل الميراث: علم الفرائضِ، والعالمِ به فَرْضيٌّ، وفي الحديث: «أفرضُكُم زيدٌ» أي: أعلمكُم بهذا النَّوع، وعلمُ الفرائض كما نُقلَ عن أصحابِ الشَّافعيِّ، ينقسمُ إلى ثلاثةِ علوم: علمُ الفتوى، وعلمُ النَّسب، وعلمُ الحساب، والأنصباءُ المقدَّرة في كتابِ الله تعالى ستَّة: النِّصفُ، ونصفُه، ونصفُ نصفه، والثُّلثان، ونصفُه، ونصفُ نصفه. (وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾) يعهدُ إليكم ويأمركُم (﴿فِي (١) أَوْلَادِكُمْ﴾) في شأنِ ميراثهم، وهذا إجمالٌ تفصيلُه: (﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾) أي: للذَّكر منهم، أي: من أولادكم، فحذف الرَّاجع إليه؛ لأنَّه مفهوم، كقولهِ (٢): السَّمنُ منوانِ بدرهمٍ، وبدأ بذكر ميراثِ الأولاد؛ لأنَّ

стр. 11696

تعلُّق الإنسان بولدِه أشدُّ التَّعلُّقات، وبدأ بحظِّ الذَّكر، ولم يقل: للأُنثيين مثلُ حظِّ الذَّكر، أو للأنثى نصف حظِّ الذَّكر؛ لفضله كما ضُوعِفَ حظُّه لذلك، ولأنَّهم كانوا يورِّثون الذُّكور دون الإناث، وهو السَّبب لورود الآية، فقيل: كفى الذُّكورَ أن ضُوعِفَ لهم نصيبُ الإناث، فلا يُتَمادى في حظِّهم حتَّى يُحْرَمنَ مع إدلائهنَّ من القرابة بمثلِ ما يُدلون به، والمراد به حالَ الاجتماع، أي: إذا اجتمع الذَّكر والأنثيان كان له سهمان كما أنَّ لهما سهمينِ، وأمَّا في حالِ الانفراد فالابنُ يأخذُ المال كلَّه، والبنتان (١) يأخذان الثُّلثين، والدَّليل عليه أنَّه أتبعه حكمَ الانفراد بقولهِ: (﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء﴾) أي: فإن كانتِ الأولاد نساءً خُلَّصًا، يعني: بنات ليس معهنَّ ابنٌ (﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾) خبرٌ ثانٍ لـ «كان»، أو صفة لـ «نساء» (٢) أي: نساءً زائداتٍ على ثنتين (﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾) أي: الميِّت (﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾) أي: وإن كانت المولودةُ منفردةً. وفي الآية دَلالةٌ على أنَّ المال كلَّه للذَّكر إن (٣) لم يكن معهُ أنثى؛ لأنَّه جعل للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، وقد جعلَ للأنثى النِّصف إذا كانت منفردةً فعلم أنَّ للذَّكر في حال الانفرادِ ضعف النِّصف وهو الكلُّ، والضَّمير في قولهِ: (﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾) للميِّت، والمراد: الأب والأمّ إلَّا أنَّه غلَّب المذكَّر (﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾) بدلٌ من «أبويهِ» بتكرير العامل، وفائدةُ هذا البدل: أنَّه لو قيل: ولأبويه السُّدس لكان ظاهرهُ اشتراكهما فيه، ولو قيل: ولأبويهِ السُّدسان لأوهم قسمة السُّدسينِ عليهما على السَّويَّة وعلى خلافهمَا، ولو قيل: لكلِّ واحدٍ من أبويه السُّدس لذهبت فائدة التَّأكيد، وهو التَّفصيل بعد الإجمال، و ﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ والبدل متوسِّطٌ بينهما للبيان (﴿مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾) ذكرٌ أو أنثى (﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾) ممَّا ترك، والمعنى: وورثهُ أبواه فحسب؛ لأنَّه إذا ورثهُ أبواه مع أحد الزَّوجين كان للأمِّ ثلث ما يبقَى بعد إخراج نصيبِ الزَّوج لا ثلث ما ترك؛ لأنَّ الأب (٤) أقوى من الأمِّ في الإرثِ بدليل أنَّ له ضعف حظِّها إذا خلصا، فلو ضُرِبَ لها الثُّلث كاملًا لأدَّى إلى حطِّ نصيبهِ عن

стр. 11697

نصيبِها، فإنَّ امرأةً لو تركت زوجًا وأبوين فصار للزَّوج النِّصف وللأمِّ الثُّلث والباقي للأبِ حازت الأمُّ سهمين والأب سهمًا واحدًا، فينقلبُ الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظِّ الذَّكرين. (﴿فَإِن كَانَ لَهُ﴾) أي: للميِّت (﴿إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾) إخوةٌ أعمُّ من أن يكونوا ذكورًا أو إناثًا، أو بعضهم ذكورًا وبعضهم إناثًا، فهو من باب التَّغليب، والجمهور على أنَّ الإخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون (١) على الاثنين، فيَحجُبُ الأخوان أيضًا الأمَّ من الثُّلث إلى السُّدس خلافًا لابن عبَّاس، ولا يَحْجُبُ الأخُ الواحدُ. (﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾) متعلِّقٌ (٢) بما سبقَ من قسمةِ المواريث كلِّها لا بما يليهِ وحده، كأنَّه قيل: قسمةُ هذه الأنصباء من بعد وصيَّةٍ (﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾). واستُشكل بأنَّ الدَّين مقدَّمٌ على الوصيَّة في الشَّرع (٣)، وقُدِّمت الوصيَّة على الدَّين في التِّلاوة. وأُجيب أن «أو» لا تدلُّ على التَّرتيب، فالتَّقدير (٤): من بعد وصيَّةٍ يوصي بها أو دينٍ من بعد أحد هذين الشَّيئين الوصيَّة أو الدَّين، ولمَّا كانت الوصيَّة تشبه الميراث؛ لأنَّها صلةٌ بلا عوض فكان إخراجها ممَّا يشقُّ على الورثةِ، وكان أداؤها مظنَّةً للتَّفريط بخلاف الدَّين، فقدِّمت (٥) على الدَّين؛ ليسارعوا إلى إخراجهَا مع الدَّين. (﴿آبَآؤُكُمْ﴾) مبتدأ (﴿وَأَبناؤُكُمْ﴾) عطفٌ عليه، والخبر (﴿لَا تَدْرُونَ﴾) وقوله: (﴿أَيُّهُمْ﴾) مبتدأٌ خبرُه: (﴿أَقْرَبُ لَكُمْ﴾) والجملة نصب بـ ﴿تَدْرُونَ﴾ (﴿نَفْعاً﴾) تمييزٌ، والمعنى: فرضَ الله الفرائضَ على ما هو عندَه حكمةً، ولو وَكَلَ ذلك إليكم لم تعلموا أيّهم لكم أنفع، فوضعتُم أنتم الأموال على غير حكمةٍ، والتَّفاوت في السِّهام بتفاوتِ المنافع، وأنتم لا تدرونَ تفاوتها، فتولَّى الله ذلك فضلًا منه، ولم يَكِلْها إلى اجتهادِكم؛ لعجزكُم عن معرفةِ المقاديرِ، والجملةُ اعتراضٌ مؤكِّدة لا موضعَ لها من الإعراب.

стр. 11698

(﴿فَرِيضَةً﴾) نُصِبت (١) نَصْبَ المصدرِ المؤكِّد، أي: فرض ذلك فرضًا (﴿مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما﴾) بالأشياءِ قبل خلقها (﴿حَكِيمًا﴾) في كلِّ ما فرض وقسم من المواريث وغيرها (﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾) أي: زوجاتكم (﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾) ابنٌ أو بنتٌ (﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾) والواحدة (٢) والجماعةُ سواء في الرُّبع والثُّمن، جعلَ ميراث الزَّوج ضعفَ ميراثِ الزَّوجة؛ لدَلالة قولهِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾. (﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ﴾) يعني: الميت (﴿يُورَثُ﴾) أي: يورث منه، صفةٌ لـ ﴿رَجُلٌ﴾ (﴿كَلَالَةً﴾) خبر ﴿كَانَ﴾ أي: وإن كان رجلٌ موروثٌ منه كلالةً، أو ﴿يُورَثُ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ (٣) و ﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضَّمير في ﴿يُورَثُ﴾ والكلالةُ تطلقُ على من لم يخلِّف ولدًا ولا والدًا، وعلى من ليس بولدٍ ولا والدٍ من المخلَّفين، وهو في الأصلِ مصدرٌ بمعنى: الكلال، وهو ذهابُ القوَّة من الإعياء، فكأنَّه يصيرُ الميراث للوارثِ من بعد إعيائهِ (٤). (﴿أَو امْرَأَةٌ﴾) عطفٌ على ﴿رَجُلٌ﴾ (﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾) أي: لأمٍّ (﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾) أي (٥): من واحدٍ (﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾) لأنَّهم يستحقُّون بقرابةِ الأمِّ، وهي لا ترثُ أكثر من الثُّلث، ولهذا لا يفضَّل الذَّكر منهم على الأُنثى (﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾) وكرِّرت الوصيَّة؛ لاختلاف المُوصِين؛ فالأوَّل: الوالدان والأولاد، والثَّاني: الزَّوجة، والثَّالث: الزَّوج، والرَّابع: الكلالة (﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾) حال، أي: يوصي بها وهو غير مضارٍّ لورثتهِ، وذلك بأن يوصِي زيادةً على الثُّلث أو لوارث (٦). (﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ﴾) مصدرٌ مؤكِّد، أي: يوصيكُم بذلك وصيَّة (﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ﴾) بمن جار أو

стр. 11699

عدلَ في وصيَّته (﴿حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١١ - ١٢]) على الجائرِ لا يعاجلُه بالعقوبةِ، وسقط من (١) رواية أبي ذرٍّ من قولهِ «﴿لِلذَّكَرِ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: «إلى قولهِ: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾». ٦٧٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) الهدير التَّيميِّ المدنيِّ الحافظِ، أنَّه (سَمِعَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال: سمعتُ» (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) ﵄ (يَقُولُ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَهُمَا مَاشِيَانِ) الواو فيه للحال (فَأَتَانِي) ﷺ ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فأتياني» أي: النَّبيُّ ﷺ وأبو بكر (وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَبَّ عَلَيَّ) بتشديد الياء (وَضُوءَهُ) بفتح الواو، أي: ماء وضوئه (فَأَفَقْتُ) من الإغماءِ (٢) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَقْضِي) بفتح الهمزة وكسر الضاد المعجمة (فِي مَالِي؟ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المَوَارِيثِ) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «الميراث» (٣) بالإفراد، وهي: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إلى الآخرِ (٤)، وزاد مسلمٌ عن عَمرو النَّاقد، عن سفيان بن عُيينة في آخر الحديث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذه الزِّيادة مدرجةٌ في الحديث (٥). وحديث الباب سبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٥١].

стр. 11700

(٢) (باب تَعْلِيمِ الفَرَائِضِ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيُّ ﵁: (تَعَلَّمُوا) أي: العلم، فيدخل فيه علم الفرائضِ (قَبْلَ الظَّانِّينَ؛ يَعْنِي: الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ) ويحتملُ أن يكون مرادُ عقبةَ بقولهِ: «تعلَّموا» علمَ الفرائضِ المخصوص لشدَّة الاهتمام به، وفي حديث ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: «تعلَّموا الفَرَائضَ وعلِّموهَا النَّاس، فإنِّي امرؤٌ مقبوضٌ، وإنَّ العلمَ سيُقْبض حتَّى يختلِفَ الاثنان في الفريضَةِ لا يجدان مَن يفصلُ بينهُمَا» أخرجه أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وصحَّحه الحاكم، وعند التِّرمذيِّ من حديث أبي هريرة: «تعلَّموا الفرائضَ فإنَّها نصفُ العلم، وإنَّه أوَّلُ ما ينزعُ من أُمَّتي» قيل: لأنَّ للإنسانِ حالتين (١): حالة حياةٍ، وحالة موتٍ، والفرائض تتعلَّق بأحكامِ الموت. ٦٧٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ، ويقال له (٢): التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ البصريُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس اليمانيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أي: احذروا الظَّنَّ المنهيَّ عنه الَّذي لا يستندُ إلى أصلٍ، أو ظنَّ (٤) السُّوء بالمسلمين لا ما يتعلَّق بالأحكام (فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ). واستُشكل بأنَّ الكذبَ لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان فكيف عبَّر بأفعل التَّفضيل؟ وأُجيب بأنَّ معناه: الظَّنُّ أكثرُ كذبًا من سائر الأحاديثِ، فإن قلتَ: الظَّنُّ ليس بحديثٍ؟ أُجيب بأنَّه حديثٌ

стр. 11701

نفسانيٌّ، والمعنى: الحديث الَّذي منشؤه الظَّنُّ أكثرُ كذبًا من غيره. (وَلَا تَحَسَّسُوا) بالحاء المهملة (وَلَا تَجَسَّسُوا) بالجيم ما تطلبُه لغيرك، والأوَّل ما تطلبُه لنفسِك، أو بالجيم البحثُ عن بواطنِ الأمور، وأكثرُ ما يُقال في الشَّرِّ، أو بالجيم في الخيرِ، وبالحاء في الشَّرِّ، أو معناهما واحدٌ، وهو تطلُّب الأخبار (وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا) بحذف إحدى التَّاءين فيهما، أي: لا تقاطعوا ولا تهاجروا (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا). ومطابقةُ هذا الحديثِ لأثرِ عقبةَ ظاهرةٌ، والحديثُ سبقَ في «باب لا يخطبُ على خطبةِ أخيهِ»، من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٤٣]. (٣) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا نُورَثُ) أي: معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) «ما» مَوصولٌ، و «تركنَا» صلته، و «صدقةٌ» بالرَّفع خبر «ما» أو يقدَّر فيه: هو، أي: الَّذي تركنَاه هو صدقةٌ. ٦٧٢٥ - ٦٧٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف اليمانيُّ قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ فَاطِمَةَ) الزَّهراء البَتُول (وَالعَبَّاسَ) بن عبد المطَّلب ﵉ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ بعد وفاةِ رسولِ الله ﷺ (يَلْتَمِسَانِ) يطلبانِ منه (مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ) منه (أَرْضَيْهِمَا مِنْ فَدَكٍَ) بفتح الفاء والدال المهملة بالصَّرف وعدمه، بلدٌ بينها وبين المدينة ثلاثُ مراحلَ (وَسَهْمَهُمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وسهمه» بالإفرادِ (مِنْ خَيْبَرَ) بعدم الصَّرف ممَّا ترك رسولُ الله ﷺ (١). (فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا نُورَثُ) بضم النون وفتح

стр. 11702

الراء مخففة، وعند النَّسائيِّ من حديث الزُّبير: «إنَّا معاشرَ الأنبياءِ لا نُورث» (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةًٌ) بالرَّفع خبر «ما» الموصول كما مرَّ، وجوَّز بعضهم النَّصب، وفيه بحث (١) سبقَ في «الخُمس» [خ¦٣٠٩٣] فلا نطيلُ به، فليراجع، وفي «العلل» للدَّارقطنيِّ من رواية أمِّ هانئ عن فاطمةَ ﵍، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁: «الأنبياءُ لا يُورَثون»، والحكمةُ في أن لا يُورثوا: أنَّ الله بعثهُم مبلِّغين رسالتهُ، وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرًا، قال تعالى: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] وقال نوحٌ وهودٌ وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمةُ أن لا يورثوا؛ لئلَّا يُظَنَّ أنَّهم جمعوا المال لوارثهم، وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] فحملوه على العلمِ والحكمة، وكذا قول زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥ - ٦] (٢). (إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ) ﵊ (مِنْ) بعض (٣) (هَذَا المَالِ) بقدرِ حاجتهم، وما بقِي منه للمصالحِ، وليس المراد أنَّهم لا يأكلونَ إلَّا منه، و «مِن» (٤) للتَّبعيض. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَا أَدَعُ) لا أتركُ (أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهِ) أي (٥): في المالِ (إِلَّا صَنَعْتُهُ، قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ) ﵂، أي: هجرتْ أبا بكرٍ ﵁ (فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ) قريبًا من ذلك بنحو ستَّة أشهرٍ، وليس المراد الهجران المحرَّم من ترك السَّلام ونحوه، بل المراد: أنَّها انقبضتْ عن لقائهِ، قاله في «الكواكب». والحديث سبق في «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٢]. ٦٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ) بفتح الهمزة والموحدة المخففة وبعد الألف نون، أبو إسحاق الورَّاق الأزديُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ) عبد الله المروزيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد

стр. 11703

الأيليِّ (عَنِ الزُّهريِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا) هو (صَدَقَةٌ) قال ابنُ المُنَيِّر في «الحاشية»: يُستفاد منه أنَّ من قال: داري -مثلًا- صدقةٌ لا تُورث، أنَّها تكون حَبْسًا، ولا يحتاجُ إلى التَّصريح بالوقفِ والحبس، قال في «الفتح»: وهو حسنٌ، لكن هل يكون ذلك صريحًا أو كنايةً يحتاج إلى نيَّةٍ؟ ٦٧٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، ونسبه لجدِّه، واسمُ أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ ابْنِ

стр. 11704

الحَدَثَانِ) بفتح الحاء والدال المهملتين والمثلثة، قال ابنُ شهابٍ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي (١) مِنْ حَدِيثِهِ) أي: من حديثِ مالك بن أوسٍ (ذَلِكَ) الآتي. (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على مالكِ بن أوس حتَّى أسمع منه بلا واسطةٍ (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك الحديث (فَقَالَ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فَأَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَى) بفتح الياء التحتية وسكون الراء وفتح الفاء بعدها تحتية خطًّا، ولأبي ذرٍّ بالألف بدل التحتية بغير همز في الفرعِ كأصلهِ. وقال العينيُّ -كالكِرْمانيِّ-: بالهمز وغيره. وقال الحافظُ ابن حجرٍ: وبالهمز روايتنا (٢) من طريق أبي ذرٍّ. (فَقَالَ) له: (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي) دخول (عُثْمَانَ) بن عفَّان عليك (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعْدٍ؟) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ، وزاد النَّسائيُّ على الأربعة: «طلحة بن عبيد الله» (قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا فسلَّموا وجلسوا (ثُمَّ قَالَ) يرفَى لعمر (٣) ﵁: (هَلْ لَكَ) رغبة (فِي عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَعَبَّاسٍ؟) أي: ابن عبد المطَّلب (قَالَ: نَعَمْ) فأذنَ لهما، فدخلا فسلَّما فجلسا (قَالَ عَبَّاسٌ) لعمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) أي: عليٍّ، زاد في «الخمس» [خ¦٣٠٩٤] «وهما يختصمانَ فيما أفاءَ اللهُ على رسولهِ ﷺ من بني النَّضير، فقال الرَّهط -عثمان وأصحابه-: يا أميرَ المؤمنين اقضِ بينهمَا وأرحْ أحدَهُما من الآخر» (قَالَ) عمر: (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين (٤) المعجمة، أي: أسألكم (بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكُم بلا عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماءِ تحت أقدامكُم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع خبر الموصول (يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ) الزَّكيَّة وكذا غيره؛ لقولهِ في الحديث الآخر: «إنَّا معاشرَ الأنبياءِ لا نُورث» فليس ذلكَ من الخصائصِ، وقيل: إنَّ قولَ عمر: «يريدُ نفسَه» أشار به إلى أنَّ النُّون في قولهِ: «لا نورثُ» للمتكلِّم خاصَّةً لا للجميعِ، وحكى ابنُ عبد البرِّ أنَّ للعلماءِ في ذلك قولين، وأنَّ الأكثر على أنَّ الأنبياءَ لا يُورثون، وأخرج الطَّبريُّ من طريقِ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن

стр. 11705

أبي صالحٍ في قوله تعالى حكاية عن زكريَّا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ [مريم: ٥] قال: العصبة، وفي قولهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] قال: يرثُ مالي، ويرث من آل يعقوب النُّبوَّة، ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه، لكن لم يذكرِ المال، ومن طريق مُبَارك بن فَضَالة، عن الحسن، رفعه مرسلًا: «رَحِم اللهُ أَخِي زكريَّا مَا كانَ عليهِ (١) من يرثُ مالهُ» فيكون ذلك ممَّا خصَّه الله به، ويؤيِّده قول عمر: «يريد نفسه» أي: يريد اختصاصَه بذلك. (فَقَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه: (قَدْ قَالَ) ﵊ (ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ) عمر ﵁ (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) ﵄ (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ) أي: «لا نورث ما تركنا (٢) صدقة»؟ (قَالَا: قَدْ قَالَ) ﷺ (ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ اللهَ) تعالى (قَدْ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ) ولأبي ذرٍّ: «قد خصَّ لرسولهِ» (¬ ﷺ فِي هَذَا الفَيْءِ) أي: الغنيمةِ (بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) حيث خصَّصه كلَّه به، أو حيث حلَّل له الغنيمة ولم تحلَّ لغيره من الأنبياءِ (فَقَالَ : ﴿مَا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قولهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ (٣)) بنو النَّضير وخيبر وفدك (خَالِصَةً) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٤): «خاصَّة» (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره (وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: «ووالله (٥)» (مَا احْتَازَهَا) بحاء مهملة وزاي مفتوحة، من الحيازةِ، ما جمعها (دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ) ما تفرَّد (بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهُ) أي: الفيء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أعطاكموها» أي: أموالَ الفيء (وَبَثَّهَا) بالموحدة والمثلثة المفتوحتين، فرَّقها (فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ) الَّذي تطلبان حصَّتكما منه (فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ هَذَا المَالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ) بفتح الميم والعين بينهما جيم ساكنة، أي: يصرفه مصرفَ (٦) (مَالِ اللهِ) أي: ممَّا هو في جهة (٧) مصالحِ المسلمين (فَعَمِلَ (٨) بِذَاكَ)

стр. 11706

بغير لامٍ، ولأبي ذرٍّ: «فعملَ بذلك» (رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيَاتَهُ أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) بحرف الجرِّ (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا) أي: عثمان وأصحابه: (نَعَمْ) نعلمه (ثُمَّ قَالَ) عمر (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) ﵄: (أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ) قال عمر: (فَتَوَفَّى اللهُ) (نَبِيَّهُ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبَضَهَا) أي: الخالصةَ (فَعَمِلَ) فيها (بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فيها (ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ) (أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ وَلِيِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لأبي ذرٍّ «وليِّ» الثَّانية (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا (١) مَا) بغير موحدة (عَمِلَ) فيها (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ) ﵁ (ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ) متَّفقان لا نزاعَ بينكما (وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، جِئْتَنِي) يا عبَّاس (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) ﷺ (وَأَتَانِي هَذَا) عليٌّ (٢) (يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة ﵂ (مِنْ أَبِيهَا) صلوات الله وسلامه عليه (فَقُلْتُ) لكما: (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ) أي: بأن تعملا فيها كمَا عمل رسولُ الله ﷺ وأبو بكر (فَتَلْتَمِسَانِ) بحذف أداة الاستفهام، أي: أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَاللهِ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فوالَّذي» (بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ فَإِنْ عَجَزْتُمَا) عنها (فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ) بتشديد الياء (فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا) بفتح الهمزة. فإن قلت: إذا كان عليٌّ وعبَّاسٌ أخذاها على الشَّرط المذكور فكيف يطلُبان بعد ذلك من عُمر؟ أُجيب بأنَّهما اعتقدا أنَّ عموم قولهِ: «لا نورث» مخصوصٌ ببعض ما يَخْلُفه، وأمَّا مخاصمتهما فلم تكن في الميراثِ بل طلبًا أن تقسم بينهما؛ ليستقلَّ كلٌّ منهما بالتَّصرُّف فيما (٣) يصير إليه، فمنعهما عمر لأنَّ القسمة إنَّما تقع في الأملاكِ، وربَّما تطاول الزَّمان فيُظنّ أنَّه ملكُهما، قالهُ الكِرْمانيُّ. وسبق مزيدٌ لذلك في «فرض الخمس» [خ¦٣٠٩٤].

стр. 11707

٦٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبدِ الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَقْتَسِمُ) بتحتية ثمَّ فوقية مفتوحتين بينهما قاف ساكنة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا يقسم» بإسقاط الفوقية (وَرَثَتِي دِينَارًا) ولا غيرهُ، وميم «يقسمُ» (١) على الرِّوايتين رفع خبر، أي: ليس يقسمُ، ورواه بعضُهم بالجزم كأنَّه (٢) نهاهُم إن خلَّف شيئًا لا يقسم بعده، فلا تعارضَ بين هذا وبين ما تقدَّم في «الوصايا» [خ¦٢٧٣٩] من حديث عَمرو بن الحارث الخزاعيِّ: «ما تركَ رسول الله ﷺ دِينارًا ولا دِرهمًا» ويحتملُ أن يكون الخبر بمعنى النَّهي فيتَّحد معنى الرِّوايتين، ويستفادُ من رواية الرَّفع أنَّه أُخبر أنَّه لا يخلف شيئًا ممَّا جرت العادة بقسمته كالذَّهب والفضَّة، وأنَّ الَّذي يُخلِّفهُ من غيرهما لا يُقسم أيضًا بطريق (٣) الإرث بل تُقسم منافعُه لمن ذكر، وقوله: «ورثتي» أي: بالقوَّة، أي: لو كنت ممَّن يُورث، أو المراد: لا يقسمُ مالٌ تَرَكَهُ (٤) لجهةِ الإرث، فأتى بلفظ: «ورثتي» ليكون الحكمُ معلَّلًا بما به (٥) الاشتقاق وهو الإرثُ، فالمنفيُّ اقتسامهم بالإرثِ عنه، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ (مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي) قال السُّبكيُّ: ويدخل فيه كسوتهنَّ وسائرُ اللَّوازم، أي: كالمساكن (وَمُؤْنَةِ عَامِلِي) على الصَّدقات، أو الخليفة بعدي، أو النَّاظر في الصَّدقات، أو حافر قبرِه ﷺ (فَهْوَ) أي: المتروكُ بعد ما ذكر (صَدَقَةٌ) والصَّدقة لا تحلُّ لآله. فإن قلتَ: ما وجه تخصيص النِّساء بالنَّفقة، والمؤونة بالعمَّال (٦)، وهل بينهما فرقٌ؟ أجاب الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ -كما في «الفتح» - بأنَّ المؤونة في اللُّغة القيام بالكِفَاية، والإنفاق بذل القوت. قال: وهذا يقتضي أنَّ النَّفقة دون المؤونة، والسِّرُّ في التَّخصيص المذكور الإشارةُ إلى أنَّ أزواجه ﷺ لمَّا اخترنَ الله ورسولَه والدَّار الآخرة كان لا بدَّ لهنَّ من القوتِ، فاقتصر على ما يدلُّ عليه، والعاملُ لمَّا كان في صورة الأجيرِ فيحتاجُ إلى ما يكفيهِ اقتصر على ما يدلُّ عليه. انتهى ملخَّصًا.

стр. 11708

والحديث سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٧٦] و «الخمس» [خ¦٣٠٩٦]. ٦٧٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ) بن عفَّان (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ) أي: من رسولِ الله ﷺ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قد قال»: (رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع كما مرَّ، وقيل: إنَّ الحكمةَ في كونهِ لا يُورث حسمُ المادَّة في تمنِّي الوارث موتَ المورِّثِ من أجلِ المال، وقيل: لكون النَّبيِّ (١) كالأبِ لأمَّته، فيكون مِيراثه للجميع، وهو مَعنى الصَّدقة العامَّة. وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الخَرَاج»، والنَّسائيُّ في «الفرائض». (٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلأَهْلِهِ). ٦٧٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بن عثمانَ بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلم الزُّهريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: أحقُّ بهم في كلِّ شيءٍ من أمور الدِّين والدُّنيا، وحكمه أنفذُ عليهم من حكمها (فَمَنْ مَاتَ) منهم (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) الواو للحال (وَلَمْ

стр. 11709

يَتْرُكْ) لهُ (وَفَاءً) أي: ما يفي بدينه (فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ) وهل هذَا من خصائصهِ ﷺ ؟ أو يجب على ولاة الأمرِ بعده؟ الرَّاجح الاستمرار، لكن وجوب الوفاء إنَّما هو من مالِ المصالح، قال ابن بطَّال: فإن لم يعطِ الإمامُ عنه من بيتِ المال لم يُحبسْ عن دخول الجنَّة؛ لأنَّه يستحقُّ القدر الَّذي عليه في بيتِ المال إلَّا إن كان دينُهُ أكثر من القدر الَّذي في بيت المال مثلًا (وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ) وهذا بالإجماع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فهو لورثته». والحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الفرائض». (٥) (باب مِيرَاثِ الوَلَدِ) ذكرًا كان أو أنثى، ولدًا أو ولد ولدٍ، وإنْ سَفُل (مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ المدنيُّ ﵁، ممَّا وصله سعيدُ بن منصور: (إِذَا تَرَكَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ بِنْتًا فَلَهَا) أي: للبنتِ (النِّصْفُ) ممَّا ترك أو تركتْ (وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُنَّ) الثَّلاث فأكثر، أو البنتين (الثُّلثان، وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ) أي: البنات أو البنتين أخٌ (ذَكَرٌ) من أبيهنَّ فلا فريضة لأحدٍ منهم، و (بُدِئَ) بضم الموحدة وكسر الدال المهملة بعدها همزة (بِمَنْ شَرِكَهُمْ) بفتح المعجمة وكسر الراء مخففة، أي: بمن شَرِك البنات والذَّكر، فغلَّب التَّذكير على التَّأنيث ممَّن له فرضٌ مسمًّى كالأبِ (فَيُؤْتَى) ولأبي ذرٍّ: «فيعطى» (فَرِيضَتَهُ، فَمَا بَقِيَ) بعد فرض الأبِ مثلًا (فَلِلذَّكَرِ) أي: يقسم بين الابنِ والبنات للذَّكر (مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ). ٦٧٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس اليمانيِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَلْحِقُوا) بفتح الهمزة وكسر الحاء المهملة (الفَرَائِضَ) جمع: فريضةٍ، فعيلة بمعنى: مفعولة، وهي الأنصباءُ المقدَّرة في كتابِ الله، وهي النِّصف،

стр. 11710

ونصفُه، ونصفُ نصفه، والثُّلثان، ونصفهما، ونصفُ نصفهما، كما مرَّ (١) (بِأَهْلِهَا) المستحقِّين لها بنصِّ القرآن، أي: أوجبوا الفرائضَ لأهلها، واحكمُوا بها لهم، وجاءت العبارةُ في أعلى درجات الفصاحةِ، وأسنَى غاياتِ (٢) البلاغةِ مع استعمال المجازِ فيها؛ لأنَّ المعنى نِيطوها بهم وألصِقُوها بمستحقِّيها (٣) (فَمَا) شرطيَّة في موضعِ رفع على الابتداءِ والخبر، قوله: (بَقِيَ فَهْوَ لأَوْلَى) بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة والفاء جواب الشَّرط، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فلأولى» (رَجُلٍ ذَكَرٍ) أقرب في النَّسب إلى المورِّث دون الأبعد، والوصف بالذُّكورة مع أنَّ الرَّجل لا يكون إلَّا ذكرًا للتوكيد، وتعقِّب بأنَّ العرب إنَّما تؤكِّد حيث يفيد فائدةً إمَّا تعيين المعنى في النَّفس، وإمَّا رفع توهم المجاز، وليس موجودًا هنا، وقيل: هذا التَّوكيد لمتعلَّق الحُكم وهو الذُّكورة؛ لأنَّ الرَّجل قد يُراد به معنى النَّجدة والقوَّة في الأمرِ، فقد حكى سيبويه: مررتُ برجلٍ رجلٌ أبوهُ، فلذا احتاج الكلام لزيادة التَّوكيد بذَكَرٍ حتَّى لا يُظَنَّ أنَّ المراد به خصوصُ البالغ، أو المراد به الاحترازُ عن الخُنثى، وتعقِّب بأنَّه لا يخرج عن كونهِ ذكرًا أو أنثى، أو للتَّنبيه على أنَّ الرُّجولية ليست هي المعتبرة بل مطلق الذُّكورة حتَّى يدخُلَ الصَّغير، قاله في «أساس البلاغة»، أو للتَّنبيه على سببِ الاستحقاقِ بالعصوبةِ، والتَّرجيح في الإرثِ يكون الذَّكر له مثلُ حظِّ الأنثيين؛ لأنَّ الرِّجال تلحقُهم مؤنٌ كثيرةٌ بالقتالِ والقيامِ بالضِّيفان والعيال (٤) ونحو ذلك، أو للتَّنبيه (٥) على نفي توهُّم اشتراك الأنثى، ولا يخفى بُعدُه، أو أنَّه خرجَ مخرجَ الغالبِ، ولا يخفى فسادُه؛ لأنَّ الرَّجلَ ذَكَرٌ لا أنَّ الغالبَ فيه الذُّكورة. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفرائض» أيضًا، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.

стр. 11711

(٦) (باب مِيرَاثِ البَنَاتِ). ٦٧٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهريُّ) محمَّدُ بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بسكون عين «سعْد» (عَنْ أَبِيهِ) سعد ﵁، أنَّه (قَالَ: مَرِضْتُ بِمَكَّةَ مَرَضًا فَأَشْفَيْتُ) بهمزة قطع مفتوحة وسكون المعجمة بعدها فاء، أي: فأشرفتُ (مِنْهُ عَلَى المَوْتِ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ ¬) في عام حجَّةِ الوداع، أو عام الفتحِ، حال كونه (يَعُودُنِي) مضارع، عادَ المريضَ إذا زارهُ (فَقُلْتُ) له: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا) بالمثلَّثة (وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي) أمُّ الحكمِ الكُبرى، والحصرُ هنا حصرٌ خاصٌّ، فقد كان له ورثةٌ بالتَّعصيبِ من بني عمِّه، فالتَّقدير: ولا يرثُني بالفرضِ إلَّا ابنتي، فإن كان له زوجة، فالتَّقدير: ولايَرثني (١) من الأولادِ إلَّا ابنتي (أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) الهمزةُ للاستفهامِ، والفعل معها مستفهمٌ عنه، والفاء عاطفةٌ وكان حقُّها أن تتقدَّم فعارضَها الاستفهامُ، وله صدرُ الكلام، ومبحثُه سبقَ في أوائلِ هذا الشَّرح في: «أَوَمُخْرِجِيَّ همْ» [خ¦٣] و «بثلثيْ» يتعلَّق بـ «أتصدَّقُ» (قَالَ) ﷺ : (لَا) حرف جواب، وهي بمعناها تسدُّ مسدَّ الجملةِ، أي: لا تتصدَّق بكلِّ الثُّلثين (قَالَ) سعدٌ: (قُلْتُ): يا رسول الله (فَالشَّطْرُِ؟) بالرَّفع لأبي ذرٍّ على الابتداء، والخبر محذوفٌ، أي: فالشَّطر أتصدَّق به، وبالجرِّ كما في الفرعِ كأصلهِ، عطفًا على قولهِ: «بثلثيْ». وقال ابن فَرْحون: كما في قولهِ: «خيرٍ» في جواب: كيف أصبحتَ،

стр. 11712

وفي الحديث: «صلاةُ الرَّجل في الجماعةِ» وفي رواية: «جماعةٍ تضعَّفُ على صلاتِهِ في بيتهِ خمسٍ وعشرين ضعفًا» [خ¦٦٤٧] أي: بخمسٍ وعشرين، وفيه أيضًا: إنَّ لي جاريْنِ إلى مَن أُهْدي، فقال: «أقربهمَا منكَ بابًا» [خ¦٢٢٥٩] أي: إلى أقربهما، وضبطه الزَّمخشريُّ في «الفائق» بالنَّصب بفعلٍ مضمرٍ، أي: أوجب الشَّطر، وقال السُّهيليُّ في «أماليه»: الخفضُ أظهر من النَّصب؛ لأنَّ النَّصب بإضمار فعلٍ، والخفضُ مردودٌ على قولهِ: بثلثي، وقال في «العدَّة»: ولو رُوِي بالنَّصب صحَّ بتقدير: أفأتصدَّق بالشَّطر، ثمَّ حذف حرف الجرِّ والمراد بالشَّطر: النِّصف (قَالَ) ﷺ : (لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُِ؟) بالرَّفع أو الجرِّ كما مرَّ، ويجوزُ النَّصب لكن المرجع الرِّواية (قَالَ) ﷺ : (الثُّلُثُ كَبِيرٌ) بالموحدة، أجْرُهُ (إِنَّكَ) بكسر الهمزة على الاستئنافِ، والجملة معلَّلٌ بها، كما في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] يجوزُ الفتح بتقدير حرفِ الجرِّ، أي: لأنَّك (إِنْ تَرَكْتَ وَلَدَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً) بتخفيف اللَّام، فقراءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) يسألونهم بأكفِّهم، وهمزة «إن تركتَ» مكسورةٌ على الشَّرطيَّة، وجزاء الشَّرط قوله: «خير» أي: فهو خيرٌ، فيكون قد حذف المبتدأ مقرونًا بالفاء، وأبقى الخبرَ (وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) بمعنى منفقًا، والمنفق (١) اسم مفعول كالخلقِ بمعنى المخلوق، وزاد في رواية: «تبتغِي بها وجهَ الله» [خ¦٥٦] أي: ثوابهُ (٢) (إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا) بضم الهمزة وكسر الجيم، فعل ماض مبنيٌّ لِمَا لم يسمَّ فاعله (حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ) تؤجرُ عليها (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُخَلَّفُ) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَأبقى (٣) بمكَّة متخلِّفًا (عَنْ هِجْرَتِي؟) قالهُ إشفاقًا من موتهِ بمكَّة بعد أن هاجرَ منها وتركها للهِ، فخافَ أن يَقْدَحَ ذلك في هجرتهِ، أو في ثوابها، أو خاف من مجرَّد تخلُّفه عن أصحابه بسبب مرضهِ (فَقَالَ) ﷺ : (لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ) (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ رِفْعَةً وَدَرَجَةً) «فتعملَ» منصوب عطفًا على «تخلَّف»، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمارِ «أنْ» في جواب النَّفي؛ لأنَّ

стр. 11713

الفاء فيها معنى السَّببيَّة، فالتَّقدير: إنَّك إن تخلَّفَ يكن ذلك التَّخلُّف سببًا لفعل خير، وهو زيادة الرِّفعة والدَّرجة، ويحسنُ ذلك مع تقدير الشَّرط، ويجوزُ أن يكون في الكلامِ شرطٌ مقدَّر؛ لأنَّه لمَّا سألَ فقال: أأخلَّف فتبطل هجرَتي؟ قال (١) له ﷺ : إنَّك إن تخلَّف بسبب المرض، ويكون علمًا من أعلام النُّبوَّة ثمَّ حذف: إنْ تخلَّف، وعطفَ عليه: «فتعمل عملًا تريدُ به وجهَ الله إلَّا ازددتَ به رفعةً ودرجةً» ويدلُّ على هذا الحذف قوله: (وَلَعَلَّ) ولأبي ذرٍّ: «ولعلَّك» (أَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي) بأن يطولَ عمرُك (حَتَّى) حرف غايةٍ ونصب، أي: إلى أن (يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) بفتح التحتية وكسر الفاء (وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة، وقوله: «ولعلَّ» وإن كانت هنا بمعنى «عسَى»، لكن وقع ذلك يقينًا علمٌ من أعلامِ نبوَّته ﷺ (٢)، فإنَّ سعدًا ﵁ عاشَ بعد ذلك نيِّفًا وأربعين سنة حتَّى فتحَ العراق وغيره، وانتفعَ به أقوامٌ في دينهِم ودنياهم وتضرَّر به الكفَّار في دينهِم ودُنياهم، فإنَّهم قتلوا وسبيتْ نساؤهم وأولادهم، وغُنِمت أموالهم. قال الزُّهريُّ فيما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ (٣) عن إبراهيمَ بن سعد، عنه (٤) (لَكِنِ) ولأبي ذرٍّ: «ولكن» (البَائِسُ) الشَّديد الفقر والحاجة (سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ) و «البائسُ» مبتدأ، و «سعدٌ» بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ، و «ابنُ خولة» صفةٌ لـ «سعدٍ» وخبر المبتدأ محذوفٌ، أي: أتوجَّع له، أو يغفرُ الله له، ثم فسَّر الرَّاوي ما حذفه النَّبيُّ ﷺ ، فقال: (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بفتح التحتية وسكون الراء وكسر المثلثة، من يَرْثِي له (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بفتح الهمزة، و «أن» معمولةٌ لـ: «يَرْثي» على أنَّ المحلَّ مجرور بلام التَّعليل، أي: لأجل موتهِ بالأرض الَّتي هاجرَ منها، فهو مفعولٌ (٥) له. (قَالَ سُفْيَانُ: وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) هاجرَ إلى الحبشةِ الهجرة الثَّانية، بدريٌّ، توفِّي بمكَّة في حجَّة الوداع في الأصحِّ. والحديث سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٩٥].

стр. 11714

٦٧٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع لأبي ذرٍّ، ولغيره بالإفراد (مَحْمُودٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمود بن غيلان» المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بالضاد المعجمة، هاشمٌ التَّميميُّ الملقَّبُ بقيصر العرب، قال (١): (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبَانُ) بالشين المعجمة، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ المؤدِّب التَّميميُّ مولاهم البصريُّ (عَنْ أَشْعَثَ) بالشين المعجمة والعين المهملة والمثلَّثة، ابنِ أبي الشَّعثاء (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيس النَّخعيِّ، أنَّه (قَالَ: أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ﵁ (بِاليَمَنِ مُعَلِّمًا) بكسر اللَّام (وَأَمِيرًا، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّي وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ، فَأَعْطَى الاِبْنَةَ النِّصْفَ، وَالأُخْتَ النِّصْفَ) وهذا إجماعٌ من العلماءِ وهو نصُّ القرآن. والحديث أخرجه أبو داود في «الفرائض». (٧) (باب) بيان (٢) (مِيرَاثِ ابْنِ الاِبْنِ إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنٌ) للميِّت (وَقَالَ) سقطَتْ (٣) الواو لأبي ذرٍّ (زَيْدٌ) هو ابنُ ثابتٍ الأنصاريُّ، ممَّا وصلهُ سعيدُ بن منصورٍ: (وَلَدُ الأَبْنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الوَلَدِ) للصُّلب (إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهُمْ) أي: بينهم وبين الميِّت (وَلَدٌ) للصُّلب (ذَكَرٌ) كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، واحترزَ به عن الأُنثى (ذَكَرُهُمْ) أي: ذكر ولد الأبناءِ (كَذَكَرِهِمْ) كذكر الأبناءِ (وَأُنْثَاهُمْ) أي: وأنثى ولد الأبناءِ (كَأُنْثَاهُمْ) كأنثى الأبناءِ (يَرِثُونَ) أولاد الأبناءِ (كَمَا يَرِثُونَ) الأبناء (وَيَحْجُبُونَ) مَن دونهم في الطَّبقة (كَمَا يَحْجُبُونَ) أي (٤): الأولاد مَن دونهم (وَلَا يَرِثُ وَلَدُ الاِبْنِ مَعَ الاِبْنِ) تأكيدٌ

стр. 11715

لسابقهِ، فإنَّ حجبَ ولد الابنِ معَ الابن مفهومٌ من قولهِ: «إذا لم يكن دونهم … » إلى آخره. ٦٧٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أبو عَمرو الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، ابنُ خالد بنِ عجلان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبدُ الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا) أي: أعطوهَا لهم فأعطوا كلَّ ذي فرضٍ فرضهُ المسمَّى له في الكتابِ والسُّنة (فَمَا بَقِيَ) (١) بعد الفرائضِ (فَلأَوْلَى (٢) رَجُلٍ ذَكَرٍ) أولى من الوَلْيِ -بسكون اللام- وهو القربُ، أي: فما (٣) بقي فلأقربِ أقارب الميِّتِ، إذا كان ذلك الأقربُ رجلًا ذكرًا (٤). وسبق ما فيه قريبًا. وقيل: الوصفُ بالذُّكورة إشعارٌ بأنَّها المعتبر في العصوبةِ لا الرُّجوليَّة بمعنى البلوغ على ما كانَ عليه أهل الجاهليَّة، وعن بعضِ العلماء أنَّ «ذَكَرٍ» صفة «أَوْلَى» لا صفة «رجلٍ»، والأولى بمعنى القريبِ الأقربِ، فكأنَّه قال: هو لقريبِ الميِّتِ ذَكَر من جهة رجلٍ وصُلبٍ لا من جهةِ رحمٍ وبطنٍ، فالأَوْلى من حيثُ المعنى مضافٌ إلى الميِّت، ومن حيث اللَّفظ مضافٌ إلى رجلٍ، وقد أشيرَ بذكر (٥) الرَّجل إلى جهةِ الأولويَّة كما يقال: هو أخوكَ أخو الرَّخاء لا أخو الشِّدَّة، والمقصودُ نفيُ الميراث عن الأَوْلى (٦) الَّذي هو من جهة الأمِّ كالخال، فأفادَ بوصف الأَوْلى بذَكَرٍ نفيَ الميراثِ عن النِّساء بالعُصُوبة من الأوليين للميِّت من جهةِ الصُّلب، ذكره في «المصابيح» وهو ملخَّصٌ من كلام السُّهيليِّ، وتعقِّب بما يطولُ ذكره. والحديث سبق ذكره قريبًا [خ¦٦٧٣٥] والله الموفِّق والمعين.

стр. 11716

قال العينيُّ: وفائدةُ إعادتهِ هنا الإشارة إلى أنَّ ولدَ الأبناءِ بمنزلةِ الولد، وأنَّه رَوى هذا الحديث عن شيخين: موسى بن إسماعيل، عن وُهَيب، والآخر مسلم بن إبراهيم عن وُهَيب أيضًا. (٨) (باب) بيان (مِيرَاثِ ابْنَةِ ابْنٍ) ولأبي ذرٍّ: «ابنة الابنِ» (مَعَ) وجود (ابْنَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مع بنت». ٦٧٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا أَبُو قَيْسٍ) عبد الرَّحمن بن ثَرْوان -بفتح المثلثة وسكون الراء بعدها واو فألف فنون- قال: (سَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ) بضم الهاء وفتح الزاي وسكون التحتية بعدها لام، و «شُرَحْبِيل» بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها حاء مهملة ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فلام، الأَوْديُّ الكوفيُّ المخضرم. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «يقول»: (سُئِلَ) بضم السين (أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ رضي الله تعالى عنه (عَنِ ابْنَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن بنت» (وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ) مجيبًا: (لِلاِبْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «للبنت» (النِّصْفُ، وَلِلأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ فسلهُ، وقال ذلك استثباتًا (فَسَيُتَابِعُنِي) على ذلك، قاله ظنًّا منه لأنَّه اجتهد في ذلك (فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى) بضم سين «سُئل» وضم همزة «أُخبر» مبنيًّا للمفعول (فَقَالَ) مجيبًا (١): (لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا) إن قلتُ بحرمانِ بنت الابنِ (وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) وما أنا من الهُدى في شيءٍ (أَقْضِي) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ : لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ وَلاِبْنَةِ الابْنِ) والَّذي في «اليونينيَّة»: «ولابنة ابنٍ»

стр. 11717

(السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ) وهو الثُّلث (فَلِلأُخْتِ) قال هزيلٌ: (فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى) الأشعريَّ (فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة، ورجَّح الجوهريُّ كسر الحاء، وبه جزم الفرَّاء، وقال: إنَّه يسمَّى باسم الحِبْرِ الَّذي يكتب به. وقال أبو عبيدٍ الهرويُّ: هو العالمُ بتحبيرِ الكلام، وتحبيرُ الكلامِ تحسينُه، وهو بالفتح في رواية جميع المحدِّثين، وأنكر الكسرَ أبو الهيثم، ولا خلافَ بين الفقهاء فيما رواهُ ابن مسعودٍ، وفي جواب أبي موسى هذا إشعارٌ بأنَّه رجع عمَّا قاله. والحديث أخرجه أبو داود في «الفرائض»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٩) (باب) بيان حكم (مِيرَاثِ الجَدِّ) من قِبَلِ الأبِ (مَعَ الأَبِ وَالإِخْوَةِ) الأشقَّاء ومن الأب (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، ممَّا وصله الدَّارميُّ -بسندٍ على شرط مسلمٍ- عن أبي سعيدٍ الخدريِّ (وَابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا أخرجهُ محمَّد بن نصر المروزيُّ في «كتاب الفرائض» من طريق عَمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عبَّاس. والدَّارميُّ بسندٍ صحيحٍ، عن طاوس، عنه (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبدُ الله، ممَّا سبق موصولًا [خ¦٣٦٥٨] في «المناقب»: (الجَدُّ أَبٌ) أي: حُكمه حُكمه عند عدمِه، فكما أنَّ الأب يرثُ بالفرض مع وجود فرعٍ ذكرٍ وارثٍ وفرضه السُّدس، ويرثُ بتعصيبٍ مع فَقْدِ فرعٍ وارثٍ، ويرث بالفرضِ والتَّعصيب معًا مع فرع أُنثى وارثٍ فله السُّدس فرضًا، والباقِي بعد فرضها يأخذُه بالتَّعصيب و (١) كذلك الجدُّ للأبِ إلَّا في مسائل، وهي أنَّ بني العلَّات والأعيان يَسقطون بالأبِ، ولا يَسقطون بالجدِّ إلَّا عند أبي حنيفة، والأمُّ مع أحد الزَّوجين والأبِ تأخذُ ثلث

стр. 11718

ما يبقى (١) ومع الجدِّ ثلث الجميع؛ لأنَّه لا يساويها في الدَّرجة بخلافِ الأب، إلَّا عند أبي يوسف فإنَّ عنده الجدَّ كالأبِ. وأمُّ الأب وإن علَت تسقط بالأبِ ولا تسقط بالجدِّ؛ لأنَّها لم تُدْلِ به بخلافها في الأبِ، وإن تساويا في أنَّ كلًّا منهما يُسقط أمَّ نفسه، والمُعْتِقُ إذا ترك أبا المُعْتِقِ وابنَه فسدسُ الولاءِ للأبِ والباقي للابنِ عند أبي يوسف، وعندهمَا كلّه للابنِ، ولو تركَ ابنَ المُعْتِق وجدَّه فالولاء للابن كلُّه (٢). (وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ مستدلًّا لقولهِ: «الجدُّ أبٌ» قولَه تعالى: (﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦]) فأطلق على آدمَ أبًا وهو جدُّنا الأعلى، فإطلاقه على أب (٣) الأب أولى، وقوله تعالى: (﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]) فأطلقَ الآباء علَى الأجداد (٤) (وَلَمْ يَُذْكَُرْ) بفتح التحتيَّة بالبناءِ للفاعل. وقال في «الفتح»: للمجهولِ، قلتُ: وهو الَّذي في «اليونينيَّة» (أَنَّ أَحَدًا خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ) ﵁، فيما قاله أنَّ الجدَّ حكمهُ حكمُ الأب (فِي زَمَانِهِ وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ (٥) ﷺ مُتَوَافِرُونَ) فيهم كثرةٌ، وهو إجماعٌ سُكوتيٌّ، فيكون حجَّةً، ونقل ذلك أيضًا (٦) عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما وصلهُ سعيدُ بن منصورٍ من طريق عطاء، عنه: (يَرِثُنِي ابْنُ ابْنِي دُونَ إِخْوَتِي، وَلَا أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِي) أي: فلِمَ لا يرثُ الجدُّ؟ فهو ردٌّ على من حجبَ الجدَّ بالإخوة، أو المعنى: فلِمَ لا يرثُ الجدُّ وحدَه دون الإخوة، كما في العكس، فهو ردٌّ على مَن قال بالشَّرِكة بينهما، وقال ابنُ عبد البرِّ: أي (٧): لمَّا كان ابنُ الابن كالابنِ عند عدمِ الابنِ كان أبو الأبِ عند عدمِ الابنِ كالأب. (وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله للمجهول بصيغة التَّمريض (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (وَعَلِيٍّ) هو ابنُ

стр. 11719

أبي طالب (وَابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (وَزَيْدٍ) أي: ابن ثابتٍ ﵃ (أَقَاوِيلُ) بالرَّفع مفعولٌ ناب عن الفاعل (مُخْتَلِفَةٌ) فكان عمرُ يقاسمُ الجدَّ مع الأخ والأخوين، فإذا زادوا (١) أعطاه الثُّلث، وكان يعطيهِ مع الولد السُّدس. رواه الدَّارميُّ. وأخرج البيهقيُّ بسندٍ صحيح: أنَّ عمرَ قضى أنَّ الجدَّ يقاسمُ الإخوةَ للأب والإخوة (٢) للأمِّ ما كانت المقاسمةُ خيرًا له من الثُّلث، فإن كثرت الإخوة أعطى الجدَّ الثُّلث، وفي «فوائد أبي جعفر الرَّازي» بسندٍ صحيحٍ إلى ابنِ عونٍ، عن محمَّد بن سيرين: سألتُ عُبيدة بن عَمرو عن الجدِّ؟ فقال: «قد حفظتُ عن عُمر في الجدِّ مئة قضيَّةٍ مختلفةٍ». لكن استبعدَ بعضُهم هذا عن عمر، وتأوَّل البزَّار صاحب «المسند» قولَه: «قضيَّة مختلفة» على اختلاف حالِ من يرثُ مع الجدِّ، كأن يكون أخًا واحدًا أو أكثر، أو أختٌ واحدةٌ أو أكثر، ويردُّ هذا التَّأويل ما أخرجه يزيد ابن هارون في «كتاب الفرائض» عن عُبيدة بن عمرو، قال: «إنِّي لأحفظ عن عمرَ في الجدِّ مئة قضيَّةٍ كلُّها ينقضُ بعضُها بعضًا». وأمَّا عليٌّ فأخرجَ ابنُ أبي شيبة ومحمَّد بن نصر بسندٍ صحيحٍ، عن الشَّعبيِّ: كتبَ ابن عبَّاسٍ إلى عليٍّ (٣) يسأله عن ستَّة إخوةٍ وجدٍّ، فكتبَ إليه أنِ اجعلْه كأحدهم وامحُ كتابي. وعند ابنِ أبي شيبة عن عليٍّ: أنَّه أفتى في جدٍّ وستَّة أخوةٍ فأعطى الجدَّ السُّدس. وأمَّا عبد الله بن مسعودٍ فأخرج الدَّارميُّ بسندٍ صحيحٍ إلى أبي إسحاق السَّبيعيِّ قال: دخلت على شُرَيحٍ وعنده عامر -يعني: الشَّعبيَّ- في فريضةِ امرأةٍ منَّا تسمَّى العالية تركتْ زوجَها وأمَّها وأخاها لأبيها وجدَّها … ، فذكر قصَّة، وفيها أنَّ ابنَ مسعودٍ جعل للزَّوج ثلاثة أسهُمٍ النِّصف، وللأمِّ ثلث ما بقيَ، وهو السُّدس من رأسِ المال، وللأخِ سهمًا، وللجدِّ سهمًا. وفي «كتاب الفرائض» لسفيان الثَّوريِّ: كان (٤) عمر وابن مسعودٍ يكرهان أن يفضِّلا أبًا (٥) على جدٍّ.

стр. 11720

وأمَّا زيدٌ فروى عبد الرَّزَّاق من طريق إبراهيم، قال: كان زيدُ بن ثابتٍ يُشْرِكُ الجدَّ مع الإخوةِ في الثُّلث، فإذا بلغَ الثُّلث أعطاه إيَّاه، وللإخوةِ ما بقيَ، ويقاسمُ الأخَ للأب، ثمَّ يردُّ على أخيهِ، ويقاسم بالإخوةِ من الأب مع الإخوة الأشقَّاء، ولا يُورِّث الأخوة للأب شيئًا، ولا يُعطي أخًا لأمٍّ مع الجدِّ شيئًا. قال ابنُ عبد البرِّ: تفرَّد زيدٌ من بين الصَّحابة في معادلتهِ الجدَّ بالإخوة للأب مع الإخوة الأشقَّاء، وخالفه كثيرٌ من الفقهاء القائلين بقولهِ في الفرائض في ذلك؛ لأنَّ الإخوةَ من الأبِ لا يرثون مع الأشقَّاء فلا معنى لإدخالهم معهم؛ لأنَّه حيفٌ على الجدِّ في المقاسمةِ، قال: وقد سألَ ابنُ عبَّاس زيدًا عن ذلك، فقال: إنَّما أقول في ذلك برأيي، كما تقول أنتَ برأيك. انتهى. وهو محجوبٌ بالأب لإدلائهِ به، ويرثُ معَ الابن وابن الابن وإن سَفَل السُّدس فرضًا، ومع البنتين أو بنتي الابنِ وإن سَفَل فصاعدًا السُّدس فرضًا، وما بقي تعصيبًا، ولا ترثُ معه الإخوة والأخوات لأمٍّ، فإن كانوا لأمٍّ وأبٍ أو لأبٍ وليس معهم صاحبُ فرضٍ فله الأحظُّ من مُقَاسمتهم وأخذ جميع الثُّلث، فالقسمةُ لأنَّه كالأخِ في إدلائهِ بالأب، والثُّلثُ لأنَّه إذا اجتمعَ مع الأمِّ أخذَ ضِعفها، فله الثُّلثان ولها الثُّلث، والإخوة لا يُنقصونها عن السُّدس (١)، فوجبَ أن لا ينقصُوا الجدَّ عن ضعفهِ وهو الثُّلث، ويعدُّ الإخوةُ والأخوات لأبٍ وأمٍّ عليه الإخوة والأخواتِ لأبٍ في الحساب، ولا يرثُ معهم إلَّا إذا تمحَّض أولاد الأبوين إناثًا، فما زادَ على فرضهنَّ لأولادِ الأب، فلو كان مع الجدِّ شقيقةٌ وأخٌ وأختٌ لأب، فتعدُّ الشَّقيقةُ الأخَ والأختَ على الجدِّ فتستوي له المقاسمةُ وثلثُ الباقي، فله سهمان من ستَّة، وتأخذ الشَّقيقةُ النِّصفَ ثلاثة، يبقى واحدٌ على ثلاثةٍ لا يصحُّ ولا يُوَافِق، تضرِب ثلاثةً في ستَّةٍ فتصحُّ من ثمانيةَ عشر، فإن كان معهم صاحب فرضٍ فللجدِّ الأحظُّ من المقاسمةِ وثلث الباقي وسدس التَّركة، وقد لا يبقى بعد الفرضِ شيءٌ؛ كبنتينِ وأمٍّ وزوج فيفرضُ للجدِّ سدس، ويزاد في العولِ فتَعُول هذه المسألة إلى خمسة عشَر، وقد يبقى سدسٌ كبنتين وأمٍّ فيفوز الجدُّ به؛ لأنَّه لا ينقص عنه إجماعًا إذا وَرِثَ، وتسقطُ الإخوة والأخواتُ في هذه الأحوال الثَّلاث لاستغراقِ ذوي الفروضِ التَّركة، وقد أجمعوا على أنَّ الجدَّ لا يرثُ مع وجودِ الأب، ولا ينقص من (٢) السُّدس إلَّا في الأكدريَّة، وهي زوجٌ وأمٌّ وأختٌ لغير أمٍّ

стр. 11721

وجدٍّ، فللزَّوج النِّصف وللأمِّ الثُّلث وللجدِّ السُّدس وللأخت النِّصف فتَعُول المسألةُ من ستَّةٍ إلى تسعةٍ، ثمَّ يُقسم للجدِّ والأخت نصيبهما (١) -وهما أربعة- أثلاثًا، له الثُّلثان ولها الثُّلث، فيُضْرَبُ مخرَجُه في التِّسعة، فتصحُّ المسألةُ من سبعةٍ وعشرين للزَّوج (٢) تسعةٌ، وللأمِّ ستَّةٌ، وللأخت أربعةٌ، وللجدِّ ثمانيةٌ، وإنَّما فرضَ للأخت مع الجدِّ ولم يعصِّبْها فيما بقيَ لنقصهِ بتعصِيبِهَا فيه عن السُّدُس فرضِهِ (٣)، واقتسام فرضيهِمَا كمَا تقدَّم بالتَّعصيبِ، ولو كان بدلَ الأختِ أخٌ سقَطَ، أو أُختان، فللأمِّ السُّدُس ولهما السُّدُس الباقي، وسُمِّيَت الأكدريَّة؛ لأنَّها كدَّرت على زيدٍ مذهبَهُ لمخالفتِهَا القواعِدَ، وقيل: لأنَّ سائلَها اسمُه أكْدَر. ٦٧٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَلْحِقُوا) بكسر الحاء المهملة (الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) قال الطِّيبيُّ: أوقعَ الموصوف مع الصِّفة موقعَ العصبةِ، كأنَّه قيل: فما بقِيَ فهو لأقربِ عصبَةٍ، والعصبَةُ يسمَّى بها الواحدُ والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، كما قاله المُطَرِّزيُّ وغيره، وسُمُّوا عصبةً لأنَّهم يعصِّبُونه ويعتَصِبُ (٤) بهم، أي: يحيطونَ به ويشتدُّ بهم، والعصبةُ الأقاربُ من جهة الأبِ مَن لا مُقَدَّرَ له مِن الورثةِ، ويدخلُ فيه من يرثُ بالفرضِ والتَّعصيب، كالأبِ والجدِّ من جهة التَّعصيب، فيرث التَّركة، أو ما فَضَلَ عن الفرضِ إن كان معه ذو فرضٍ. وجملة عصباتِ النَّسب: الابنُ والأبُ ومَن يُدْلي بهم، ويقدَّم منهم: الأبناء، ثمَّ بنوهم وإن سفلوا، ثمَّ الأب، ثمَّ الجدُّ، والإخوةُ للأبوين أو للأبِ (٥) وهم في درجتِهم. وقال البغويُّ: في الحديثِ دليلٌ على أنَّ بعضَ الورثة يحجبُ البعضَ، والحجبُ نوعان:

стр. 11722

حجبُ نقصانٍ، وحجبُ حرمانٍ، ووجه دخولهِ في هذا الباب أنَّه دلَّ على أنَّ الَّذي يبقى بعد الفرضِ يُصرَفُ لأقرب النَّاس إلى الميِّت، فكان الجدُّ أقرب فيقدَّم. وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: حقُّ التَّرجمة أن يُقال: ميراثُ الجدِّ مع الإخوة؛ إذ لا دخلَ لقولهِ: مع الأب، فيها؟ قلتُ: غرضُه بيان مسألةٍ أخرى، وهي أنَّ الجدَّ لا يرثُ مع الأب وهو محجوبٌ به، كما يدلُّ عليه قوله: «فلأَوْلى رجلٍ». والحديث سبق قريبًا [خ¦٦٧٣٥]. ٦٧٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، عبد الله بن عَمرو بن أبي الحجَّاج المنقريُّ المقعدُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فيه: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا) أرجع إليه في الحاجاتِ، وأعتمدُ عليه في المهمَّات (لَاتَّخَذْتُهُ) يعني: أبا بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، وإنَّما الَّذي ألجأُ إليه وأعتمدُ في كلِّ الأمور عليه هو الله تعالى (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ). فإن قلتَ: كيف تكون أخوَّةُ الإسلام أفضل والخلَّة تستلزمُها وتزيدُ عليها؟ أُجيب بأنَّ المراد أنَّ مودَّة الإسلام مع النَّبيِّ ﷺ أفضلُ من مودَّته مع غيره، والَّذي في «اليونينيَّة»: «خلَّةُ الإسلامِ أفضلُ» (-أَوْ قَالَ: خَيْرٌ-) شكٌّ من الرَّاوي (فَإِنَّهُ) يعني: أبا بكرٍ (أَنْزَلَهُ) أي: أنزلَ الجدَّ (أَبًا) في استحقاقِ الميراث (أَوْ قَالَ: قَضَاهُ أَبًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي، أي: حكم بأنَّه كالأبِ. والحديث سبقَ في «باب الخَوْخَة والممَرِّ في المسجد» [خ¦٤٦٧] وفي «المناقب» [خ¦٣٦٥٨] لكن ليس بلفظ: «أمَّا الَّذي قال رسولُ الله ﷺ » ولا قوله: «فإنَّه أنزلَه أبًا». نعم في «المناقبِ» من طريق أيُّوب عن عبدِ الله بن أبي مليكةَ، قال: كتبَ أهل الكوفةِ إلى ابن الزُّبير في الجدِّ، فقال: أمَّا الَّذي قال رسول الله ﷺ : «لو كنتُ متَّخذًا من هذِهِ الأمَّةِ خليلًا لاتَّخذتُهُ» أنزله أبًا (١) يعني: أبا بكرٍ.

стр. 11723

(١٠) (باب مِيرَاثِ الزَّوْجِ مَعَ الوَلَدِ وَغَيْرِهِ) من الوارثين. ٦٧٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ، أبو عبد الله الفِريابيُّ، من أهلِ خراسان سكن قيساريَّة من أرض الشَّام (عَنْ وَرْقَاءَ) بن عمر (١) بن كُلَيبٍ اليشكُريِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله، واسمُ أبي نَجيح يسارٌ المكيُّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ المَالُ) المخلَّفُ عن الميِّت (لِلْوَلَدِ) ميراثًا (وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ) في أوَّل الإسلام واجبةً (لِلْوَالِدَيْنِ) على ما يراهُ الموصي (فَنَسَخَ اللهُ) (مِنْ ذَلِكَ) بآيةِ الفرائض (مَا أَحَبَّ) أي: ما (٢) أراد (فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) لفضلهِ واختصاصهِ بلزومِ ما لا يلزم الأنثى من الجهاد وغيرِه (وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ) مع وجودِ الولد (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ) مع وجود الولد (الثُّمُنَ وَ) عند عدمِه (الرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ) عند عدمِ الولد (الشَّطْرَ) وهو النِّصف (وَ) عند وجودِه (الرُّبُعَ). قال ابنُ المُنَيِّر: استشهادُ البخاريِّ بحديث ابن عبَّاس هذا مع أنَّ الدَّليل من الآيةِ واضحٌ إشارة (٣) منه إلى تقريرِ سبب نزول الآية، وأنَّها على ظاهرها غير مؤوَّلة ولا منسوخةٍ. انتهى. وولدُ الابنِ وإن نزل كالولدِ في قولهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] إجماعًا، أو لفظُ الولدِ يشملُه بناءً على إعمال اللَّفظ في حقيقتهِ ومجازهِ، ولو كان للزَّوجة فرعٌ غير وارثٍ كرقيقٍ، أو وارث بعموم القرابَةِ لا بخصوصِها كفرع بنتٍ، فللزَّوج النِّصف أيضًا، واتُّفق على أنَّ الزَّوج لا يُحْجَبُ حجبَ حرمانٍ بل حجبَ نقصانٍ.

стр. 11724

(١١) (باب) حكم (مِيرَاثِ المَرْأَةِ) أي: الزَّوجة (وَالزَّوْجِ مَعَ الوَلَدِ وَغَيْرِهِ) من الوارثين. ٦٧٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ذو المكارمِ والأخلاقِ الحميدة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَِحْيَانَ) بجيم مفتوحة ونونين بينهما تحتية ساكنة، بوزن عَظِيم، حَمْلُ المرأةِ ما دام في بطنهَا، سُمِّي بذلك لاستتارهِ، فإن خرج حيًّا فهو ولد، أو ميِّتًا فهو سِقْط وقد يُطلَقُ عليه جنينٌ (١)، و «لَِحْيَان» بكسر اللَّام وفتحها وسكون المهملة بعدها تحتية، واسمُ المرأة قيل (٢): مُلَيكة بنتُ عويم، أو عويمر -بالراء- ضربتْها امرأةٌ يقال لها: أمُّ عفيفة بنت مروح، بحجرٍ أو بعمودِ فسطاطٍ ضربة أو أكثر (سَقَطَ) جنينُها حال كونه (مَيِّتًا، بِغُرَّةٍ) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) «أو» للتَّنويع لا للشَّكِّ (ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى) ﷺ (عَلَيْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لها» (بِالغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) وفي رواية بـ «الدِّيات» [خ¦٦٩١٠] من طريق يونس، عن ابنِ شهابٍ، عن ابن المسيَّب، وأبي سلمة، عن أبي هُريرة: اقتتلتِ امرأتانِ من هُذَيل فرمتْ إحدَاهما الأخرى بحجرٍ فقتلتْهَا وما في بطنِها، فاختصَموا إلى رسولِ الله ﷺ [خ¦٦٩١٠] (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا) بتحتية ساكنة بعد النون المكسورة (وَزَوْجِهَا) لا لعصبَتِها الَّذين عَقلوا عنها، فللزَّوج الرُّبع ولبنيها ما بقيَ (وَ) قضى ﷺ (أَنَّ العَقْلَ) أي: الدِّيَّة وهي الغرَّة (عَلَى عَصَبَتِهَا) لأنَّ الإجهاضَ كان منها خطأً أو شبه عمدٍ.

стр. 11725

ومباحثُ هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الدِّيات» [خ¦٦٩١٠] بعون الله تعالى، والحديث أخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وأبو داود والنَّسائيُّ. (١٢) (باب مِيرَاثِ الأَخَوَاتِ) للأبوين أو لأب (مَعَ البَنَاتِ عَصَبَةًٌ) كالأخوةِ، حتَّى لو خلَّف بنتًا وأختًا فللبنتِ النِّصف وللأختِ الباقي، ولو خلَّف بنتين فصاعدًا وأختًا أو أخوات، فللبنات الثُّلثان، والباقي للأختِ أو الأخواتِ، ولو كان معهنَّ زوجٌ فللبنتين الثُّلثان، وللزَّوج الرُّبع، والباقي للأختِ أو الأخواتِ، وقوله: «عصبةٌ» بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هنَّ عصبةٌ، ويجوز النَّصب على الحال، وضبَّبَ في الفرعِ كأصلهِ على قولهِ «عصبة». ٦٧٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العسكريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بنِ مهرانَ الأعمش (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد، خال إبراهيمَ الرَّاوي عنه، أنَّه (قَالَ: قَضَى فِينَا مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ) وهو في اليمن (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وكان ﵊ أرسلَه إليهم أميرًا ومعلِّمًا (النِّصْفُ لِلاِبْنَةِ وَالنِّصْفُ) الباقي (لِلأُخْتِ). قال شعبةُ (ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمش -بالسَّند السَّابق-: (قَضَى فِينَا) أي (١): معاذٌ (وَلَمْ يَذْكُرْ) قوله السَّابق: (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) والحاصلُ: أنَّ سليمان الأعمشَ رواهُ بإثبات قوله: «على عهدِ رسول الله ﷺ » فيكون له حكمُ الرَّفع على الرَّاجح في المسألةِ، كما مرَّ في الفصل الثَّالث من مقدِّمَة هذا الشَّرح، وبحذفِ ذلك فيكون موقوفًا.

стр. 11726

٦٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين، و «عبَّاس» بالموحدةِ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي قَيْسٍ) عبد الرَّحمن بن غزوان (عَنْ هُزَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الزَّاي، ابنِ شُرَحْبيل، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعود في ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ: (لأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَو قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلاِبْنَةِ الاِبْنِ السُّدُسُ، وَمَا بَقِيَ) وهو الثُّلث (فَلِلأُخْتِ) بالتَّعصيبِ، وثبتَ لأبي ذرٍّ: «أو قالَ قالَ النَّبيُّ ﷺ ». والحديث سبقَ قريبًا [خ¦٦٧٣٦]. (١٣) (باب مِيرَاثِ الأَخَوَاتِ وَالإِخْوَةِ) الإناث والذُّكور. ٦٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جبلةَ، الملقَّب بعبدان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ ﷺ ¬) يعودُني (وَأَنَا مَرِيضٌ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، بماءٍ يتوضَّأُ به (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نَضَحَ) بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة، رشَّ (عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ وَضُوئِهِ) الماء الَّذي توضَّأ به (فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ). ومطابقةُ الحديثِ في قولهِ: «إنَّما لي أخواتٌ» فإنَّه يقتضي أنَّه لم يكنْ له ولدٌ، واستنبطَ منه المؤلِّف الإخوة بطريقِ الأولى، وقدَّم (١) الأخواتِ في الذِّكر للتَّصريح بهنَّ في الحديث، وأمَّا

стр. 11727

الإخوة والأخوات من الأبوين إذا انفردوا فكأولادِ الصُّلب للذَّكر جميعُ المالِ، وكذا للجماعة، وللأختِ الفَرْدَةِ (١) النِّصفُ، وللأختين فصاعدًا الثُّلثان، فإن اجتمعَ الإخوة والأخوات ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] بنصِّ القرآن. وأمَّا الإخوة والأخواتُ للأبِ عند انفرادِهِم فكالإخوةِ والأخوات للأبوين إلَّا في المُشْتَرَكة وهي زوجٌ وأمٌّ وأخوان لأمٍّ وأخوان لأبوين، المسألة من ستَّةٍ: للزَّوج النِّصف ثلاثة، وللأمِّ السُّدس سهمٌ (٢) واحدٌ، وللأخوين من الأمِّ الثُّلث سهمان يُشاركهما فيهِ الأخوان للأبوين، وأمَّا الإخوةُ والأخوات للأمِّ فللواحدةِ منهنَّ السُّدس سواءٌ كان ذكرًا أو أُنثى، وللاثنينِ فأكثر (٣) الثُّلث بينهم (٤) بالسَّويَّة سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، ولا يفضُلُ الذَّكر منهم (٥) على الأُنثى. والحديث سبق في «أوَّل الفرائض» [خ¦٦٧٢٣]. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى (٦): (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) أي: يستخبرونكَ في الكلالةِ، والاستفتاءُ طلبُ الفتوى، يقال: استفتيتُ الرَّجل في المسألةِ فأفتاني إِفْتاءً وفُتْيًا، وهما اسمان وضِعَا موضعَ الإفتاءِ، ويقال: أفتيتُ فلانًا في رؤيا رآهَا، قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٦] ومَعنى الإفتاء: إظهارُ المشكلِ (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) متعلِّقٌ بـ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ على إعمالِ الثَّاني وهو اختيار البصريِّين، ولو أعملَ الأوَّل لأُضمِر في الثَّاني، وله نظائرُ في القرآن كقولهِ تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ [الحاقة: ١٩] والكلالةُ: الميِّتُ الَّذي

стр. 11728

لا ولدَ له ولا والد، وهو قولُ جمهورِ (١) اللُّغويِّين، وقال به عليٌّ وابن مسعود، أو الَّذي لا والدَ له فقط وهو قولُ عمر، أو الَّذي لا ولدَ له فقط، وهو قولُ بعضهم، أو مَن لا يرثه أبٌ ولا أمٌّ، وعلى هذهِ الأقوال، فالكلالةُ اسمٌ للميِّت، وقيل: الكلالةُ: اسمٌ للورثةِ ما عدا الأَبوين والولد، قاله قُطْرُب، واختارهُ أبو بكر ﵁، وسُمُّوا بذلك لأنَّ الميِّت بذهابِ طرفيهِ تَكلَّله الورثةُ، أي: أحاطوا بهِ من جميعِ جهاتهِ. وفي «المراسيل» لأبي (٢) داود: عن أبي إسحاق، عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن: جاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله مَا الكلالةُ؟ قال: «مَن لم يتركْ ولدًا، ولا والدًا فتوريثُهُ (٣) كلالةً». وفي «مدارك التنزيل»: «كان جابرُ بن عبد الله مريضًا فعادَه رسولُ الله ﷺ ، فقال: إنِّي كلالةٌ فكيف أصنعُ في مالِي؟ فنزلتْ» (﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾) رفع على الصِّفة، أي: إن هلكَ امرؤٌ غير ذي ولدٍ، والمراد بالولد: الابنُ، وهو مشتركٌ يقع على الذَّكر والأنثى؛ لأنَّ الابن يُسقِطُ الأختَ، ولا تسقطُها البنت (﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾) لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ (﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾) أي: الميِّت، والفاء جواب: ﴿إِن﴾ (﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾) جملةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ لاستئنافِها، وهي دالَّةٌ على جوابِ الشَّرط وليستْ جوابًا خلافًا للكوفيِّين وأبي زيد، والضَّميران في قولهِ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ عائدانِ على لفظ ﴿امْرُؤٌ﴾ و ﴿أُخْتٌ﴾ دونَ معناهما، فهو من باب قوله: وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ … وَنَحْنُ خَلَعْنَا (٤) قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ والهالكُ: لا يرثُ، فالمعنى: وامرؤٌ آخرُ غير الهالك يرثُ أختًا له أخرى (﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾) أي: ابن، أي: إنَّ الأخ يستغرقُ ميراث الأخت، أي: إن لم يكنْ للأخت ابنٌ، فإن كان لها ابنٌ فلا شيءَ للأخِ وإن كان ولدها أُنثى فللأخِ ما فضلَ عن فرض البنات، وهذا في الأخِ للأبوين أو للأبِ، فأمَّا الأخُ من الأمِّ، فإنَّه لا يستغرقُ الميراث ويسقطُ بالولد (﴿فَإِن كَانَتَا﴾) أي: الأُختان يدلُّ عليه قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي: فإن كانت الأُختان (﴿اثْنَتَيْنِ﴾) أي: فصاعدًا (﴿فَلَهُمَا﴾) أو

стр. 11729

فلهنَّ (﴿الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾) أي: الميِّت (﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً﴾) أي: وإن كان من يرث بالأخوَّةِ، والمراد بالأخوَّةِ: الإخوة والأخوات تغليبًا لحكم الذُّكورة (﴿رِّجَالاً وَنِسَاء﴾) ذكورًا وإناثًا (١) (﴿فَلِلذَّكَرِ﴾) منهم (﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾) حذف منهم لدَلالة المعنى عليه (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ﴾) أي: الحقَّ، فمفعول (٢) ﴿يُبَيِّنُ﴾ محذوفٌ (﴿أَن تَضِلُّواْ﴾) مفعول من أجله، على حذفِ مضاف، تقديرُه: يبيِّن الله لكم أمر الكلالةِ كراهةَ أن تضلُّوا فيها، أي: في حكمِها، هذا تقدير المبرِّد. وقال الكِسائيُّ والمبرِّد وغيرهما من الكوفيِّين: أنَّ «لا» محذوفة بعد «أن»، والتَّقدير: لئلَّا تضلُّوا، قالوا: وحذفُ «لا» شائعٌ (٣) ذائعٌ، كقوله: رَأَيْنَا مَا رَأَى البُصَرَاءُ مِنْهَا … فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أَنْ تُبَاعَا أي: لا تُباعَا (﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]) يعلمُ الأشياء بكُنْهها قبلَ كونها وبعده، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾ … » إلى الآخر، وقال بعد قولهِ: في الكلالةِ: «الآيةَ». ٦٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) بن باذام الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (٤) (قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﷺ (خَاتِمَةُ سُورَةِ النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]) ورُوِي عن ابن عبَّاس ﵄: «آخرُ آيةٍ نزلتْ آيةُ الرِّبا، وآخر سورةٍ نزلت: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]» ورُوِيَ بعد ما نزلتْ سورة النَّصر عاش رسولُ الله ﷺ عامًا ونزلت بعدها براءةُ، وهي آخر سورةٍ نزلت كاملةً، فعاش رسولُ الله ﷺ بعدها ستَّةَ أشهُرٍ، ثمَّ نزلت (٥) في طريق حجَّة الوداع: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] فسمِّيت آيةَ الصَّيف؛ لأنَّها

стр. 11730

نزلت في الصَّيف، ثمَّ نزلَ وهو واقفٌ بعرفاتٍ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فعاش (١) بعدَها أحدًا وثمانين يومًا، ثمَّ نزلتْ آيةُ الرِّبا، ثمَّ نزلتْ: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش (٢) بعدَها أحدًا وعشرين يومًا. وحديث الباب سبقَ في «المغازي» [خ¦٤٣٦٤]. (١٥) (باب) حكم امرأةٍ توفِّيت عن (ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأُمِّ وَالآخَرُ زَوْجٌ) وذلك أن يتزوَّج رجلٌ امرأةً فأتت منه بابنٍ، ثمَّ تزوَّج أُخرى فأتتْ منه بابنٍ آخر، ثمَّ فارقَ الثَّانية فتزوَّجها أخوهُ (٣) فأتتْ منه ببنتٍ، فهي أختُ الثَّاني لأمِّه وابنة عمِّه، فتزوَّجت هذهِ البنت الابنَ الأول، وهو: ابنُ عمِّها، ثمَّ ماتت عن ابنَي عمِّها أحدُهما أخوها لأمِّها والآخرُ زوجها. (وَقَالَ عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالب، ممَّا وصله سعيد بنُ منصور: (لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلأَخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ) وهو الثُّلث (بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) بالسَّويَّة بالعُصُوبة، فيكون للأوَّل الثُّلثان بالفرض والتَّعصيب، وللآخر الثُّلث بالفرض والتَّعصيب، وقد وافقَ عليًّا زيدُ بن ثابت والجمهورُ، وقال عمر وابنُ مسعود: جميع المال -يعني: الَّذي يبقى بعد نصيبِ الزَّوج- للَّذي جمع القرابتين، فله السُّدس بالفرض، والثَّلث الباقي بالتَّعصيب، قال في «الروضة»: ولو تركتْ ثلاثة بني أعمامٍ: أحدُهم زوجٌ، والثَّاني (٤) أخٌ لأمٍّ، فعلى المذهب للزَّوج النِّصف، وللأخ للأمِّ السُّدس، والباقي بينهم بالسَّويَّة، وإن رجَّحنا الأخ للأمِّ فللزَّوج النِّصف والباقِي للأخِ.
следующие страницы →