← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

٦٧٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين، و «عبَّاس» بالموحدةِ، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي قَيْسٍ) عبد الرَّحمن بن غزوان (عَنْ هُزَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الزَّاي، ابنِ شُرَحْبيل، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) يعني: ابنَ مسعود في ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ: (لأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَو قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلاِبْنَةِ الاِبْنِ السُّدُسُ، وَمَا بَقِيَ) وهو الثُّلث (فَلِلأُخْتِ) بالتَّعصيبِ، وثبتَ لأبي ذرٍّ: «أو قالَ قالَ النَّبيُّ ﷺ ». والحديث سبقَ قريبًا [خ¦٦٧٣٦]. (١٣) (باب مِيرَاثِ الأَخَوَاتِ وَالإِخْوَةِ) الإناث والذُّكور. ٦٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) بن جبلةَ، الملقَّب بعبدان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) الأنصاريَّ (¬﵁ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (النَّبِيُّ ﷺ ¬) يعودُني (وَأَنَا مَرِيضٌ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، بماءٍ يتوضَّأُ به (فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نَضَحَ) بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة، رشَّ (عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ وَضُوئِهِ) الماء الَّذي توضَّأ به (فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ). ومطابقةُ الحديثِ في قولهِ: «إنَّما لي أخواتٌ» فإنَّه يقتضي أنَّه لم يكنْ له ولدٌ، واستنبطَ منه المؤلِّف الإخوة بطريقِ الأولى، وقدَّم (١) الأخواتِ في الذِّكر للتَّصريح بهنَّ في الحديث، وأمَّا

стр. 11727

الإخوة والأخوات من الأبوين إذا انفردوا فكأولادِ الصُّلب للذَّكر جميعُ المالِ، وكذا للجماعة، وللأختِ الفَرْدَةِ (١) النِّصفُ، وللأختين فصاعدًا الثُّلثان، فإن اجتمعَ الإخوة والأخوات ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] بنصِّ القرآن. وأمَّا الإخوة والأخواتُ للأبِ عند انفرادِهِم فكالإخوةِ والأخوات للأبوين إلَّا في المُشْتَرَكة وهي زوجٌ وأمٌّ وأخوان لأمٍّ وأخوان لأبوين، المسألة من ستَّةٍ: للزَّوج النِّصف ثلاثة، وللأمِّ السُّدس سهمٌ (٢) واحدٌ، وللأخوين من الأمِّ الثُّلث سهمان يُشاركهما فيهِ الأخوان للأبوين، وأمَّا الإخوةُ والأخوات للأمِّ فللواحدةِ منهنَّ السُّدس سواءٌ كان ذكرًا أو أُنثى، وللاثنينِ فأكثر (٣) الثُّلث بينهم (٤) بالسَّويَّة سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، ولا يفضُلُ الذَّكر منهم (٥) على الأُنثى. والحديث سبق في «أوَّل الفرائض» [خ¦٦٧٢٣]. (١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى (٦): (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) أي: يستخبرونكَ في الكلالةِ، والاستفتاءُ طلبُ الفتوى، يقال: استفتيتُ الرَّجل في المسألةِ فأفتاني إِفْتاءً وفُتْيًا، وهما اسمان وضِعَا موضعَ الإفتاءِ، ويقال: أفتيتُ فلانًا في رؤيا رآهَا، قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٦] ومَعنى الإفتاء: إظهارُ المشكلِ (﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) متعلِّقٌ بـ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ على إعمالِ الثَّاني وهو اختيار البصريِّين، ولو أعملَ الأوَّل لأُضمِر في الثَّاني، وله نظائرُ في القرآن كقولهِ تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ [الحاقة: ١٩] والكلالةُ: الميِّتُ الَّذي

стр. 11728

لا ولدَ له ولا والد، وهو قولُ جمهورِ (١) اللُّغويِّين، وقال به عليٌّ وابن مسعود، أو الَّذي لا والدَ له فقط وهو قولُ عمر، أو الَّذي لا ولدَ له فقط، وهو قولُ بعضهم، أو مَن لا يرثه أبٌ ولا أمٌّ، وعلى هذهِ الأقوال، فالكلالةُ اسمٌ للميِّت، وقيل: الكلالةُ: اسمٌ للورثةِ ما عدا الأَبوين والولد، قاله قُطْرُب، واختارهُ أبو بكر ﵁، وسُمُّوا بذلك لأنَّ الميِّت بذهابِ طرفيهِ تَكلَّله الورثةُ، أي: أحاطوا بهِ من جميعِ جهاتهِ. وفي «المراسيل» لأبي (٢) داود: عن أبي إسحاق، عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن: جاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله مَا الكلالةُ؟ قال: «مَن لم يتركْ ولدًا، ولا والدًا فتوريثُهُ (٣) كلالةً». وفي «مدارك التنزيل»: «كان جابرُ بن عبد الله مريضًا فعادَه رسولُ الله ﷺ ، فقال: إنِّي كلالةٌ فكيف أصنعُ في مالِي؟ فنزلتْ» (﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾) رفع على الصِّفة، أي: إن هلكَ امرؤٌ غير ذي ولدٍ، والمراد بالولد: الابنُ، وهو مشتركٌ يقع على الذَّكر والأنثى؛ لأنَّ الابن يُسقِطُ الأختَ، ولا تسقطُها البنت (﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾) لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ (﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾) أي: الميِّت، والفاء جواب: ﴿إِن﴾ (﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾) جملةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ لاستئنافِها، وهي دالَّةٌ على جوابِ الشَّرط وليستْ جوابًا خلافًا للكوفيِّين وأبي زيد، والضَّميران في قولهِ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ عائدانِ على لفظ ﴿امْرُؤٌ﴾ و ﴿أُخْتٌ﴾ دونَ معناهما، فهو من باب قوله: وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ … وَنَحْنُ خَلَعْنَا (٤) قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ والهالكُ: لا يرثُ، فالمعنى: وامرؤٌ آخرُ غير الهالك يرثُ أختًا له أخرى (﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾) أي: ابن، أي: إنَّ الأخ يستغرقُ ميراث الأخت، أي: إن لم يكنْ للأخت ابنٌ، فإن كان لها ابنٌ فلا شيءَ للأخِ وإن كان ولدها أُنثى فللأخِ ما فضلَ عن فرض البنات، وهذا في الأخِ للأبوين أو للأبِ، فأمَّا الأخُ من الأمِّ، فإنَّه لا يستغرقُ الميراث ويسقطُ بالولد (﴿فَإِن كَانَتَا﴾) أي: الأُختان يدلُّ عليه قوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي: فإن كانت الأُختان (﴿اثْنَتَيْنِ﴾) أي: فصاعدًا (﴿فَلَهُمَا﴾) أو

стр. 11729

فلهنَّ (﴿الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾) أي: الميِّت (﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً﴾) أي: وإن كان من يرث بالأخوَّةِ، والمراد بالأخوَّةِ: الإخوة والأخوات تغليبًا لحكم الذُّكورة (﴿رِّجَالاً وَنِسَاء﴾) ذكورًا وإناثًا (١) (﴿فَلِلذَّكَرِ﴾) منهم (﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾) حذف منهم لدَلالة المعنى عليه (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ﴾) أي: الحقَّ، فمفعول (٢) ﴿يُبَيِّنُ﴾ محذوفٌ (﴿أَن تَضِلُّواْ﴾) مفعول من أجله، على حذفِ مضاف، تقديرُه: يبيِّن الله لكم أمر الكلالةِ كراهةَ أن تضلُّوا فيها، أي: في حكمِها، هذا تقدير المبرِّد. وقال الكِسائيُّ والمبرِّد وغيرهما من الكوفيِّين: أنَّ «لا» محذوفة بعد «أن»، والتَّقدير: لئلَّا تضلُّوا، قالوا: وحذفُ «لا» شائعٌ (٣) ذائعٌ، كقوله: رَأَيْنَا مَا رَأَى البُصَرَاءُ مِنْهَا … فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أَنْ تُبَاعَا أي: لا تُباعَا (﴿وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]) يعلمُ الأشياء بكُنْهها قبلَ كونها وبعده، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾ … » إلى الآخر، وقال بعد قولهِ: في الكلالةِ: «الآيةَ». ٦٧٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) بن باذام الكوفيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونس (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ (¬﵁¬) أنَّه (٤) (قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﷺ (خَاتِمَةُ سُورَةِ النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]) ورُوِي عن ابن عبَّاس ﵄: «آخرُ آيةٍ نزلتْ آيةُ الرِّبا، وآخر سورةٍ نزلت: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]» ورُوِيَ بعد ما نزلتْ سورة النَّصر عاش رسولُ الله ﷺ عامًا ونزلت بعدها براءةُ، وهي آخر سورةٍ نزلت كاملةً، فعاش رسولُ الله ﷺ بعدها ستَّةَ أشهُرٍ، ثمَّ نزلت (٥) في طريق حجَّة الوداع: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] فسمِّيت آيةَ الصَّيف؛ لأنَّها

стр. 11730

نزلت في الصَّيف، ثمَّ نزلَ وهو واقفٌ بعرفاتٍ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فعاش (١) بعدَها أحدًا وثمانين يومًا، ثمَّ نزلتْ آيةُ الرِّبا، ثمَّ نزلتْ: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش (٢) بعدَها أحدًا وعشرين يومًا. وحديث الباب سبقَ في «المغازي» [خ¦٤٣٦٤]. (١٥) (باب) حكم امرأةٍ توفِّيت عن (ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأُمِّ وَالآخَرُ زَوْجٌ) وذلك أن يتزوَّج رجلٌ امرأةً فأتت منه بابنٍ، ثمَّ تزوَّج أُخرى فأتتْ منه بابنٍ آخر، ثمَّ فارقَ الثَّانية فتزوَّجها أخوهُ (٣) فأتتْ منه ببنتٍ، فهي أختُ الثَّاني لأمِّه وابنة عمِّه، فتزوَّجت هذهِ البنت الابنَ الأول، وهو: ابنُ عمِّها، ثمَّ ماتت عن ابنَي عمِّها أحدُهما أخوها لأمِّها والآخرُ زوجها. (وَقَالَ عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالب، ممَّا وصله سعيد بنُ منصور: (لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلأَخِ مِنَ الأُمِّ السُّدُسُ وَمَا بَقِيَ) وهو الثُّلث (بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) بالسَّويَّة بالعُصُوبة، فيكون للأوَّل الثُّلثان بالفرض والتَّعصيب، وللآخر الثُّلث بالفرض والتَّعصيب، وقد وافقَ عليًّا زيدُ بن ثابت والجمهورُ، وقال عمر وابنُ مسعود: جميع المال -يعني: الَّذي يبقى بعد نصيبِ الزَّوج- للَّذي جمع القرابتين، فله السُّدس بالفرض، والثَّلث الباقي بالتَّعصيب، قال في «الروضة»: ولو تركتْ ثلاثة بني أعمامٍ: أحدُهم زوجٌ، والثَّاني (٤) أخٌ لأمٍّ، فعلى المذهب للزَّوج النِّصف، وللأخ للأمِّ السُّدس، والباقي بينهم بالسَّويَّة، وإن رجَّحنا الأخ للأمِّ فللزَّوج النِّصف والباقِي للأخِ.

стр. 11731

٦٧٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو (١) ابنُ غيلان قال: (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابنُ موسى، وهو أيضًا شيخ البخاريِّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ) بن يونسَ بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: أتولَّى أمورهم بعدَ وفاتهم (فَمَنْ مَاتَ) منهم (وَتَرَكَ مَالًا) الفاء في «فمَن» تفسيريَّة مفصِّلة لِمَا أُجمِل من قولهِ: «أنا أَولى بالمؤمنين» (فَمَالُهُ لِمَوَالِي العَصَبَةِ) الإضافة للبيان، نحو: شجر الأراكِ، أي: الموالي الَّذين هم عصبة (وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف وتشديد اللام، ثقلًا كالدَّين والعيال (أَوْ ضَيَاعًا) بفتح الضاد المعجمة، مصدر بمعنى: الضَّائع، كالطِّفل الَّذي لا شيءَ له (فَأَنَا وَلِيُّهُ) أقوم بمصالحه (فَلْأُِدْعَى لَهُ) بلفظ أمر الغائب المجهول (٢)، واللَّام مكسورة وقد تسكن مع الفاء والواو غالبًا فيهما، وإثبات الألف بعد العين جائز، والأصل عدمُ الإشباعِ للجزم، والمعنى: فادعوني له أقوم بكَلِّه وضَيَاعه. قال في «الفتح»: والمراد بـ «موالي العصبة» بنو العمِّ، فسوَّى بينهم ولم يفضِّل أحدًا على أحدٍ، فهو حجَّةٌ للجمهور في التَّسوية بين بني العمِّ (الكَلُّ: العِيَالُ) كذا في رواية المُستملي كما في الفرعِ وأصلهِ، وزاد في «الفتح»: وللكُشمِيهنيِّ. قال: وأصله الثِّقلُ، ثمَّ استُعمل في كلِّ أمرٍ يصعُب، والعيالُ فردٌ (٣) من أفرادهِ. ٦٧٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية، و «بِسْطَام» بكسر الموحدة وتفتح وسكون المهملة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء آخره عين مهملة (عَنْ رَوْحٍ) بفتح الراء آخره مهملة، ابن القاسمِ العنبريِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ فَلأَوْلَى) بفتح الهمزة، فلأقرب (رَجُلٍ ذَكَرٍ) ووُصِف الرَّجل بالذَّكر تنبيهًا على سبب

стр. 11732

استحقاقهِ، وهو الذُّكورة الَّتي هي سبب العُصُوبة، وسببُ التَّرجيح في الإرثِ، ولذا جعل للذَّكر مثل حظِّ الأُنثيين، وحكمتهُ: أنَّ الرِّجال يلحقهم مؤنٌ كثيرةٌ كالقيام بالعيالِ، والضِّيفان، وإرفادِ القاصدينَ، ومواساة السَّائلينَ، وتحمُّلِ الغراماتِ إلى غيرِ ذلك. والحديث مرَّ قريبًا، والله الموفِّق [خ¦٦٧٣٢] [خ¦٦٧٣٥] [خ¦٦٧٣٧]. (١٦) (باب) حكمُ (ذَوِي الأَرْحَامِ) وهُم كلُّ قريبٍ ليس بذي سهمٍ ولا عصبةٍ، واختُلف هل يرثون أم لا؟ وبالأوَّل قال الكوفيُّون وأحمدُ محتجِّين بقولهِ تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وذو الأرحامِ هم (١) أصناف: جدٌّ وجدَّة ساقطان، كأبي أمٍّ، وأمِّ أبي أمٍّ وإن عَلَيا، وأولادُ بناتٍ لصُلب أو لابنٍ من ذكورٍ وإناثٍ، وبنات إخوةٍ لأبوين، أو لأبٍ أو لأمٍّ، وأولاد أخواتٍ كذلك، وبنو إخوة لأمٍّ، وعمٌّ لأمٍّ، أي: أخو الأب لأمِّه، وبناتُ أعمامٍ لأبوين، أو لأبٍ أو لأمٍّ، وعمَّاتٌ وأخوالٌ وخالاتٌ ومدلُون بهم، أي: بما عدا الأوَّل؛ إذ (٢) لم يبقَ في الأوَّل من يُدلي به، فمَن انفردَ منهُم على القولِ بتوريثهِم؛ إذا لم يوجدْ أحدٌ من ذوي الفروضِ الَّذين يردُّ عليهم حاز جميعَ المال ذكرًا كان أو أُنثى، وفي كيفيَّة توريثهم مذهبان: أحدُهما وهو الأصحُّ مذهب أهل التَّنزيل، وهو أن ينزَّلَ كلٌّ منهم منزلةَ من يُدلي به، والثَّاني: مذهب أهل القَرَابة، وهو تقديم الأقربِ منهم إلى الميِّت، ففي بنتِ بنتٍ وبنتِ بنت ابنٍ المالُ على الأوَّل بينهما أرباعًا، وعلى الثَّاني لبنت البنتِ لقُربها إلى الميِّت. ٦٧٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: قُلْتُ

стр. 11733

لأَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامةَ: (حَدَّثَكُمْ إِدْرِيسُ) بن يزيد -من الزِّيادة- ابن عبد الرَّحمن الأوديُّ قال: (حَدَّثَنَا طَلْحَةُ) بن مصرِّف -بكسر الراء بعدها فاء- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه قال في قولهِ تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ﴾) أي: ولكلِّ أحدٍ، أو ولكلِّ مال (﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾) ورَّاثًا يَلُونه ويحرزونهُ (١)، فالمضاف إليه محذوفٌ، وحذفَ البخاريُّ تاليهِ، وهو قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) (٢) المعاقدةُ المحالفةُ، والأيمانُ جمع: يمين، من اليدِ والقسم (٣)، وذلك أنَّهم كانوا عند المحالفة يأخذُ بعضهم يدَ بعضٍ على الوفاء والتَّمسُّك بالعهدِ، والمراد: عقد الموالاة وهي مشروعةٌ، والوراثةُ بها ثابتةٌ عند عامَّة الصَّحابة ﵃ (قَالَ) أي ابنُ عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ الأنصاريُّ المُهَاجِرِيَّ) برفع «الأنصاريّ» على الفاعليَّة، ونصب «المهاجريّ» على المفعولية، وفي «سورة النِّساء» بالعكس [خ¦٢٢٩٢] والمراد: بيانُ الوراثةِ بينهما في الجملة قاله في «الكواكب». وقال في «الفتح»: والأولى أن يقرأَ «الأنصاريَّ» بالنَّصب (٤) مفعولٌ مقدَّم فتتَّحد الرِّوايتان (دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أي: أقاربهِ (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ) ابنُ عبَّاس: (نَسَخَتْهَا ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) كذا في جميع الأصول: نسختها (٥) ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] والصَّواب -كما قاله ابن بطَّال-: أنَّ المنسوخة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ والنَّاسخة ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وكذا وقعَ في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٢] والتَّفسيرِ [خ¦٤٥٨٠] من رواية الصَّلت بن محمدٍ، عن أبي أسامة: «فلمَّا نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخت» (٦). وقال ابنُ المُنَيِّر في «الحاشية»: الضَّمير في قولهِ: «نسختها» عائدٌ على المؤاخاةِ لا على الآية، والضَّمير في «نسختها» وهو الفاعل المستتر يعودُ على قولهِ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ وقوله:

стр. 11734

﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بدل من الضَّمير، وأصلُ الكلام: لمَّا نزلتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وقال الكِرْمانيُّ: فاعلُ «نسختها» آية ﴿جَعَلْنَا﴾ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ منصوبٌ بإضمارِ أعني. انتهى. والمرادُ بإيراد الحديث هنا أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخ حكم الميراث الَّذي دلَّ عليه ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وقال ابنُ الجوزيِّ: مرادُ الحديث المذكور: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثونَ بتلك الأخوَّة ويرونها داخلةً في قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فلمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] نسخ الميراث بين (١) المتعاقدين، وبقيَ النُّصرةُ والرِّفادةُ (٢) وجوازُ الوصيَّةِ لهم. والحديث أخرجه النَّسائيُّ وأبو داود جميعًا في «الفرائضِ». (١٧) (باب مِيرَاثِ المُلَاعَِنَةِ) بفتح العين في الفرعِ كأصلهِ. وقال الحافظ ابنُ حجرٍ: بفتح العين المهملة ويجوز كسرها، وقال العينيُّ: بكسرها، وهي الَّتي وقعَ اللِّعان بينها وبين زوجها. قال: وقولُ بعضهم -يعني: الحافظَ ابن حجرٍ-: بالفتح ويجوز الكسر، الأمرُ بالعكس. انتهى. والمراد: بيان ما ترثهُ من ولدِها الَّذي لا عَنَتْ عليه. ٦٧٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (٣) (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي

стр. 11735

والعين المهملة، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا) اسمه: عُويمر (لَاعَنَ امْرَأَتَهُ) خولةَ بنت قيسٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ) بغير ألفٍ بعد الميم في «زمنِ» ولأبي ذرٍّ: «في زمان النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا) بين المتلاعِنَيْن (وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ) فترثهُ أمُّه وإخوته منها، فإن فضلَ شيءٌ فهو لبيتِ المال، وهذا قول زيدِ بن ثابتٍ وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصارِ، قال الإمامُ مالك: وعلى ذلك أدركتُ أهل العلمِ. وعند أبي داود من مرسلِ مكحولٍ، ومن رواية عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: جعلَ النَّبيُّ ﷺ ميراثَ ابنِ الملاعنةِ لأمِّه ولورثتِهَا من بعدِهَا. وعند أصحابِ «السُّنن الأربعة» وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكمُ، عن واثلةَ رفعه: «تحوزُ المرأةُ ثلاثةَ مَوَاريث: عتيقَها، ولقيطَها، وولدَهَا الَّذي لاعنَتْ عليهِ» وفيه عمر بن رُؤْبة -بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة- مختلفٌ فيه، ووثَّقهُ أحمدُ، وله شاهدٌ من حديثِ ابن عمر عند ابنِ المنذرِ، وفي «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٩] من حديث سهلِ بن سعدٍ: «ثمَّ جرتِ السُّنَّة في مِيراثها أنَّها ترثهُ ويرثُ منها ما فرضَ الله له». وحديث الباب سبقَ في مواضع كـ «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٨] و «الملاعنة» [خ¦٥٣١٥]. (١٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) بكسر الفاء، أي: لصاحبِ الفراش (حُرَّةً كَانَتْ) أي: المُستَفْرَشَة (أَوْ أَمَةً).

стр. 11736

٦٧٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّدٍ الدِّمشقيُّ، ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ) بضم العين وسكون الفوقية وفتح الموحدة، ابنُ أبي وقَّاص (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ) اختُلف في صحبته، وجزم السَّفاقِسيُّ والدِّمياطيُّ بأنَّه (١) مات كافرًا، وقوله: «عَهِدَ» بفتح العين وكسر الهاء، أي: أوصاهُ (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بفتح الواو وكسر اللَّام، أي: جارية زَمْعَة -بفتح الزاي وسكون الميم وقد تفتح- ابن قيس، ولم تُسمَّ الوليدة. نعم ذكر مصعب الزُّبيريُّ وابنُ أخيه الزُّبيريُّ في «نسب قريشٍ»: أنَّها كانت أَمَةً يمانيَّةً. وأمَّا ولدُها فعبدُ (٢) الرَّحمن (مِنِّي) أي: ابني (فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ) بكسر الموحدة (فَلَمَّا كَانَ عَامَُ الفَتْحِ) بنصبِ «عامَ» بتقدير «في»، وبالرَّفع اسم «كان» (أَخَذَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ): هذا (ابْنُ أَخِي) عُتبة (٣) (عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) بتشديد الياء من «إليَّ» (فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ:) هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي: جارية أبي زَمْعة (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من أَمَتِهِ المذكورة، وقد كانت عادةُ الجاهليَّة إلحاق النَّسب (٤) بالزِّنا، وكانوا يستأجرون الإماءَ للزِّنا، فمَن اعترفت الأمُّ أنَّه له لحقَ به (٥)، ولم يقعْ إلحاقُ ابنِ وليدةِ زَمْعة في الجاهليَّة، وقيل: كانتْ مَوالي الوَلائِدِ يُخْرِجونهُنَّ (٦) للزِّنا ويضربونَ عليهنَّ الضَّرائبَ، وكانتْ وليدَةُ زَمْعة كذلك. قال في «الفتح»: والَّذي يظهرُ من سياقِ القصَّة أنَّها (٧) كانَتْ أمَةً مُسْتَفرَشةً لزَمْعة فزَنى بها عتبةُ (٨)، وكانتْ عادةُ الجاهليَّةِ في مثلِ ذلك أنَّ السَّيِّدَ إن استلحقَهُ لحقَهُ، وإنْ نفاهُ انتفَى عنه، وإنْ ادَّعاه غيرُهُ كان مردُّ ذلك إلى السَّيِّد

стр. 11737

أو القافَةِ، فظهرَ بها حمْلٌ كان يظنُّ أنَّه من عتبةَ فاختصمَ (١) فيها (٢) (فَتَسَاوَقَا) أي: تماشَيا وتَلازما بحيث إنَّ كلًّا منهما كان كالَّذي يسوقُ الآخر (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هذا (ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ) أخِي عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أنَّه ابنُه (فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) سقط قوله «فقال سعد … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ) أي: الولد (لَكَ يَا عَبْدَُ) بالضم ويفتح (ابْنَ زَمْعَةَ) بنصب «ابنَ» أي: هو أخوكَ إمَّا بالاستلحاقِ، وإمَّا بالقضاءِ بعلمهِ ﷺ ؛ لأنَّ زَمْعة كان صهره، أو هو لك ملكًا لأنَّه ابنُ وليدةِ أبيهِ من غيره؛ لأنَّ زَمْعة لم يقرَّ به ولا شهدتْ (٣) به القافةُ (٤) عليه، والأصولُ تدفع قولَ ابنهِ فلم يبقَ إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا لأمِّه، قالهُ ابن جرير. وقال الطَّحاويُّ: معناه: هو بيدكَ تدفعُ بها غيرك حتَّى يأتِي صاحبه لا أنَّه مِلْكٌ لك بدليلِ أمر سودةَ بالاحتجابِ، ويؤيِّد الأوَّل رواية البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٣٠٣]: «هو لكَ فهو أخوكَ يا عبدُ» لكن في «مسند أحمد» و «سنن النَّسائيِّ»: «ليس لك بأخٍ» لكن أعلَّها البيهقيُّ. وقال المنذريُّ: إنَّها زيادةٌ غير ثابتةٍ. وقال البيهقيُّ: معنى قوله: «ليسَ لك بأخٍ» أي: شبهًا، فلا يخالف قوله لعبدٍ: «هو أخوك». وقال في «الفتح»: أو معنى قولهِ: «ليس لك بأخٍ» بالنِّسبة للميراثِ من زَمْعة؛ لأنَّ زَمْعة مات كافرًا، وخلَّف عبدَ بن زَمْعة والولدَ المذكور وسودةَ، فلا حقَّ لسودةَ في إرثهِ بل حازهُ عبدٌ قبلَ الاستلحاقِ، فإذا استُلْحقَ الابنُ المذكورُ شاركَه في الإرثِ دونَ سودةَ، فلذا قال لعبدٍ: «هو أخوكَ». وقال لسودةَ: «ليس لك بأخٍ» (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبِ الفراش، فهو على حذف مضافٍ، أي: زوجًا كان أو مولى حرَّةٍ كانت أو أمةٍ (وَلِلْعَاهِرِ) وللزَّاني (الحَجَرُ) أي: لا حقَّ له في النَّسب، كقولهِم: له التُّراب، عبَّر به عن الخيبةِ، أي: لا شيءَ له، وقيل: معناه: وللزَّاني الرَّجم بالحجرِ، واستبعدَ بأنَّ ذلك ليسَ لجميعِ الزُّناة بل للمحصنِ بخلاف حملهِ على الخيبةِ

стр. 11738

فإنَّه على عمومهِ، وأيضًا الحديث إنَّما هو في نفي الولد عنه لا في رجمهِ (ثُمَّ قَالَ) صلواتُ الله وسلامُه عليه: (لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (احْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من عبد الرَّحمن استحبابًا للاحتياطِ (لِمَا رَأَى) بكسر اللَّام وتخفيف الميم، أي: لأجلِ ما رأى (مِنْ شَبَهِهِ) البيِّن (بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا) عبد الرَّحمن (حَتَّى لَقِيَ اللهَ) . وفي الحديث: أنَّ الاستلحاقَ لا يختصُّ بالأبِ بل للأخِ أن يستلحقَ، وهو قول الشَّافعيَّة وجماعةٍ بشرطِ (١) أن يكون الأخُ حَائِزًا أو يُوافقَهُ باقي الورثةِ، وإمكانِ كونهِ من المذكورِ، وأن يكون يوافق على ذلك إنْ كان (٢) بالغًا عاقلًا، وأنْ لا يكون معروفَ الأبِ. والحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢٠٥٣] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٥] و «المغازي» [خ¦٤٣٠٣] ويجيء في «الأحكام» [خ¦٧١٨٢] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته وكرمهِ (٣). ٦٧٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) القرشيِّ الجمحيِّ مولاهم (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁، يقول: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الوَلَدُ لِصَاحِبِ الفِرَاشِ) كذا في هذه الرِّواية، وللحديث سببٌ غيرُ قصَّة ابنِ زَمْعة، فقد أخرجه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلِّم، عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: قامَ رجلٌ فقال لمَّا فتحت مكَّة: إنَّ فلانًا ابني، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا دعوةَ في الإسلامِ ذهبَ أمرُ الجاهليَّةِ الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الأَثْلَبُ» قيل (٤):

стр. 11739

ما الأثلبُ؟ قال: «الحجرُ». وقد دلَّ حديث ابن زَمْعة على أنَّ الأَمَةَ تصير فراشًا بالوطء، فإذا اعترف السَّيِّد بوطءِ أمتهِ، أو ثبت ذلك بطريقٍ شرعيٍّ، ثمَّ أتت بولد لمدَّة الإمكان بعد الوطءِ لحقهُ من غير استلحاقٍ كما في الزَّوجة، لكنَّ الزَّوجة تصيرُ فراشًا بمجرَّد العقد، فلا يشترطُ في الاستلحاقِ إلَّا الإمكان؛ لأنَّها ترادُ للوطءِ، فجعل العقد عليها كالوطءِ، بخلاف الأَمَةِ فإنَّها تُراد لمنافع أخرى فاشتُرط في حقِّها الوطء، هذا قول الجمهور. وعن الحنفيَّة: لا تصيرُ الأمة فراشًا إلَّا إذا ولدت من السَّيِّد ولدًا ولحق به، فمهمَا ولدتْ بعد ذلك لحقه إلَّا أن ينفيه، وعن الحنابلة: من اعترفَ بالوطء فأتت منه لمدَّةِ الإمكانِ لحقَهُ، وإن ولدت منه أوَّلًا فاستلحقهُ لم يلحقْه ما بعده إلَّا بإقرارٍ مستأنَفٍ على الرَّاجح عندهم، ونُقِلَ عن الشَّافعيِّ رحمة الله تعالى عليه، أنَّه قال: إنَّ لقولهِ: «الولدُ للفراش» معنيين: أحدهما: هو له (١) ما لم ينفهِ، فإذا نفاهُ بما شُرِعَ له كاللِّعان انتفى عنه، والثَّاني: إذا تنازعَ ربُّ الفراشِ والعاهر، فالولدُ لربِّ الفراش. قال في «فتح الباري»: الثَّاني ينطبقُ على خصوصِ الواقعة، والأوَّل أعمُّ. قال: وحديث: «الولدُ للفراشِ» قال ابنُ عبد البرِّ: من أصحِّ ما يروى عن النَّبيِّ ﷺ ، فقد جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصَّحابة، والله الموفِّق. (١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَ) باب يذكرُ (٢) فيه (مِيرَاثُ اللَّقِيطِ) وهو صغيرٌ أو مجنون منبوذٌ لا كافل له. (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (اللَّقِيطُ حُرٌّ) لأنَّ غالب النَّاس أحرارٌ إلَّا أن تقام بيِّنة برِقِّه متعرِّضةٌ لسبب الملك كإرثٍ وشراء، فلا يكفي مُطلق الملك؛ لأنَّا لا نأمنُ أن يعتمدَ الشَّاهد ظاهر اليد، وفارقَ غيرَه كثوبٍ ودارٍ بأنَّ أمر الرِّقِّ خَطِرٌ فاحتيطَ فيه وولاؤهُ لبيت المالِ عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد لحديث: «إنَّما الولاءُ لمَن أعتَق» إذ مقتضاه: أنَّ من لم يعتقْ لا ولاء

стр. 11740

له؛ إذ العتقُ يقتضي سبق مُلك، واللَّقيط من دار الإسلام لا يملكُه المُلتقِطُ، وعن عليٍّ: «اللَّقيطُ يُوالي من شاءَ»، وبه قال الحنفيَّة، فإن عقلَ الَّذي والاهُ عن جنايةٍ لم يكنْ له أن ينقلَ عنه ويرثهُ. وأثر عمر هذا سبق معلَّقًا بتمامهِ في أوائل «الشَّهادات» [خ¦٥٢/ ١٦ - ٤١٦١]. ٦٧٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) أبو عمر الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتيبة -بضم العين وفتح الفوقية- مصغَّرًا (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد، والثَّلاثة تابعيُّون كوفيُّون (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اشْتَرِيهَا فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ) فلا ولاية لملتقطٍ كما مرَّ، وأمَّا قولُ عمر ﵁ لأبي جميلةَ -في الَّذي التقطَه-: «اذهبْ فهو حرٌّ وعلينَا نفقتُهُ ولكَ ولاؤهُ» [خ¦٥٢/ ١٦ - ٤١٦١] فمرادُه: أنت الَّذي تتولَّى تربيتَهُ والقيام بأمرِهِ، فهيَ ولايةُ الإسلامِ لا ولاية العتقِ (وَأُهْدِيَ) بضم الهمزة (لَهَا) أي: لبريرة (شَاةٌ) سقط قوله «شاة» لأبي ذرٍّ (فَقَالَ) ﷺ : (هُوَ) أي: لَحْمُ الشَّاة (لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ. قَالَ الحَكَمُ) بن عُتيبة -بالسَّند السَّابق-: (وَكَانَ زَوْجُهَا) مغيثٌ (حُرًّا). قال البخاريُّ: (وَقَوْلُ الحَكَمِ مُرْسَلٌ) ليس بمسندٍ إلى عائشةَ راويةِ (١) الخبر، وقال الإسماعيليُّ: هو مدرجٌ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، ممَّا سبقَ موصولًا في «الطَّلاق» في «باب خيار الأمةِ تحت العبد» [خ¦٥٢٨٠] (رَأَيْتُهُ عَبْدًا) وهذا أصحُّ من السَّابق؛ لأنَّه حضرَ ذلك فيرجَّح على قول من لم يحضرْه، ولم يولدِ الحَكَمُ إلَّا بعد ذلك بدهرٍ طويلٍ.

стр. 11741

٦٧٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي (١) أويس، ابن أختِ إمام الأئمَّة مالك (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الأصبحيُّ إمام دارِ الهجرة (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) «الولاءُ» مبتدأٌ خبره: «لمن أعتقَ» أي: كائنٌ أو مستقرٌّ لمن أعتقَ، و «مَن» موصولةٌ، و «أعتقَ» في محلِّ الصِّلة، والعائدُ ضمير الفاعلِ. (٢٠) (باب مِيرَاثِ السَّائِبَةِ) بسين مهملة بعدها ألف فهمزة فموحدة، بوزن فاعلة، العبدُ الَّذي يقول له سيِّده: لا ولاءَ لأحدٍ عليك، أو أنت سائبةٌ، يريدُ بذلك عتقَه، وأنْ لا ولاءَ لأحدٍ عليه، وقد يقولُ له: أعتقتُكَ سائِبَةً، أو أنتَ حرٌّ سائبةً، ففي الصِّيغتين الأُوْلَيين يفتقَرُ في عتقهِ إلى نيَّةٍ، وفي الأُخريين (٢) يعتقُ، والجمهورُ على كراهته. ٦٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ) السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي قَيْسٍ) عبد الرَّحمن بن ثَرْوَان -بالمثلثة المفتوحة والراء الساكنة وبعد الواو ألف فنون- الأوديِّ (عَنْ هُزَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الزاي، ابنُ شُرَحبيل (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁، زاد الإسماعيليُّ بسنده إلى هُزَيل، (٣) قال: «جاءَ رجلٌ إلى عبدِ اللهِ، فقال: إنِّي أعتقْتُ عبدًا لِي سائبَةً، فماتَ فتركَ مالًا ولم يدعْ وارثًا». فقالَ عبدُ الله: (قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الإِسْلَامِ لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ) وزاد الإسماعيليُّ أيضًا: «وأنتَ وليُّ نعمتِهِ فلَكَ ميراثُهُ، فإنْ تأثَّمتُ أو تحرَّجْتُ في شيءٍ، فنحنُ نقبلُهُ ونجعلُه في بيتِ المالِ». وبهذا الحكم في السَّائبةِ قال الشَّافعيُّ.

стр. 11742

٦٧٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا) بضم الفوقيَّة الأولى (وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا) أن يكون لهم (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لأُعْتِقَهَا، وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ وَلَاءَهَا، فَقَالَ) ﷺ : (أَعْتِقِيهَا) بعد أن تشتريهَا (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) سواءٌ كان سائبةً أو غيرها (أَوْ قَالَ) ﵊ لها: (أَعْطَى الثَّمَنَ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (قَالَ: فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا. قَالَ: وَخُيِّرَتْ) بضم الخاء المعجمة، لمَّا عتقَتْ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «نفسَها» أي: خيِّرتْ لمَّا عتقتْ بين فسخ نكاحِها، وإمضاءِ النِّكاح، واختيارِ الزَّوج (فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ) بضم الهمزة وكسر الطاء المهملة، أي: لو أعطاني مغيثٌ (كَذَا وَكَذَا) من المالِ (مَا كُنْتُ مَعَهُ) أي: ما كنتُ أصحبه ولا أقمتُ عنده. (قَالَ الأَسْوَدُ) بنُ يزيد: (وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا). قال البخاريُّ: (قَوْلُ الأَسْوَدِ) هذا (مُنْقَطِعٌ) أي: لم يصلْه بذكرِ عائشة فيه، وفيهِ جوازُ إطلاقِ المنقطع في موضعِ المرسل، خلافًا لِمَا اشتُهر في الاستعمالِ من تخصيصِ المنقطعِ بما يسقطُ منه من أثناءِ السَّند واحدٌ إلَّا في صورة سقط الصَّحابيِّ بين التَّابعيِّ والنَّبيِّ ﷺ ، فإنَّ ذلك يسمَّى المرسل (وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ) إذ كان حضر القصَّة وشاهدَها، بخلافِ الأسودِ فإنَّه لم يدخلِ المدينةَ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ . وحديث الباب سبق في مواضع كثيرةٍ [خ¦٤٥٦] [خ¦١٤٩٣] [خ¦٢١٥٦] [خ¦٢١٦٨] والله الموفِّق والمعين.

стр. 11743

(٢١) (باب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ). ٦٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيدَ بن شريك بنِ طارق التَّيميِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: ما عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ) وفي «باب حرمِ المدينة» من آخر «كتاب الحجِّ»: «ما عندنا شيءٌ» [خ¦١٨٧٠] (إِلَّا كِتَابَ اللهِ) (غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) قال في «الكواكب»: «غيرَ» حالٌ، أو استثناءٌ آخر، وحرف العطف مقدَّر، كما قال الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: «التَّحيات المباركات الصَّلوات» تقديره: والصَّلوات (قَالَ) يزيدُ بن شريك: (فَأَخْرَجَهَا) أي: الصَّحيفة (فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ) جمع: شيءٍ، لا ينصرفُ. قال الكسائيُّ: لكثرةِ استعمالها (١) (مِنَ الجِرَاحَاتِ) بكسر الجيم، أي: من أحكامِ الجراحاتِ (وَأَسْنَانِ الإِبِلِ) بفتح همزة «أَسنان» (٢) أي: إبل الدِّيات، أو الزَّكاة، أو أعمُّ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال»: (وَفِيهَا المَدِينَةُ) طيبةُ (حَرَمٌ) بفتحتين، محرَّمة (مَا بَيْنَ عَيْرٍ) بفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها راء، جبلٌ بالمدينة (إِلَى ثَوْرٍ) بفتح المثلثة، قيل: إنَّه اسم جبلٍ بها أيضًا، وإن كان المشهورُ أنَّه بمكة، وقيل: الصَّحيح أن بدلَه أُحدٌ، أي: ما بين عَيْر إلى أُحدٍ. ولأبي ذرٍّ: «إلى

стр. 11744

كذَا» بدل قوله: «إلى ثور»، (فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) مخالفًا لما جاء به النَّبيُّ ﷺ (أَوْ آوَى) بمدِّ الهمزة (مُحْدِثًا) بضم الميم وكسر الدال المهملة، أي: مَن نصرَ جانيًا وآواهُ وأجارَهُ (١) من خصمِهِ، وأحال (٢) بينه وبين أن يقتصَّ منه (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ) أي: البعدُ من الجنَّة الَّتي هي دارُ الرَّحمة في أوَّل أمرهِ لا مطلقًا (وَ) لعنةُ (المَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ) بضم التحتية وفتح الموحدة (مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ) فرضٌ (وَلَا عَدْلٌ) نفلٌ، أو بالعكسِ، أو غير ذلك ممَّا سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٠] (وَمَنْ وَالَى) بفتح اللام، اتَّخذ (قَوْمًا) مَوالي (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) ليسَ الإذنُ لتقييدِ الحكم بعدمِ الإذنِ والقصرِ عليه، وإنَّما ورد الكلامُ بذلك على أنَّه الغالب (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ) بضم التَّحتية (مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) ولأبي ذرٍّ: «لا يقبلُ اللهُ منهُ يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا» (وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: أمانُ المسلم للكافرِ صحيحٌ، والمسلمون كنفسٍ واحدةٍ فيه (يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) كالعبد والمرأة، فإذا أمَّنَ أحدُهم حربيًّا لا يجوزُ لأحدٍ أن ينقضَ ذمَّته (فَمَنْ أَخْفَرَ) بخاء معجمة ساكنة وفتح الفاء (مُسْلِمًا) أي: نقضَ عهده (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ). وصحَّح ابنُ حبَّان من حديثِ عائشة مرفوعًا: «مَن تولَّى إلى غيرِ مَواليه فليتبوَّأ مقعدَه من النَّار». قال ابن بطَّال -فيما ذكره عنه في «فتح الباري» -: وفي الحديث: أنَّه لا يجوزُ للمعتق أن يكتبَ فلان بن فلان، بل يقول: فلانٌ مولى فلان، ويجوزُ (٣) له أن يُنْسَبَ إلى نسبهِ كالقرشيِّ. وقال غيرُه: الأولى أن يفصحَ بذلك أيضًا كأن يقول: القرشيُّ بالولاء، أو مَولاهم. قال: و (٤) فيه أنَّ من علم ذلك وفعلَه سقطَتْ شهادتُه لما يترتَّب عليه من الوعيدِ، وتجبُ عليه التَّوبة والاستغفار.

стр. 11745

٦٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ) لأنَّه حقُّ إرثِ المُعْتق من العَتِيق، وذلك لأنَّه غيرُ مقدور التَّسليم، قاله في «الكواكب». (٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ) وللفَِرَبْريِّ والأكثر «رجلٌ» وللكُشمِيهنيِّ: «الرَّجل» بالتعريف، والتَّنكير أولى، والمعنى: إذا أسلم رجلٌ على يدي رجلٍ (وَكَانَ الحَسَنُ) البصريُّ (لَا يَرَى لَهُ) أي (١): للَّذي أسلمَ على يديه (وِلَايَةً) بكسر الواو، ولأبي ذرٍّ: بفتحها، لغتان، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وَلاءهُ (٢)» بفتح الواو والهمزة بدل الياء وبالمدِّ، وهذا الأثر وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه»، وأخرجه أبو بكر بنُ أبي شيبة عن وكيعٍ عن سفيان، ورواه الدَّارميُّ عن أبي نُعيم عن سفيان، وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا من طريق يونس عن الحسنِ: «لا يرثه إلَّا إن شاء أوصى له بمالهِ». (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) فخرج به من أسلمَ على يديهِ رجلٌ لما في الرِّواية الأُخرى: «إنَّما الولاءُ لمَن أَعْتق» كما لا يخفى. وسبقَ موصولًا قريبًا [خ¦٦٤٥٢]. (وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله وفتح ثالثهِ (عَنْ تَمِيمٍ) هو ابنُ أوس بنِ خارجة بنِ سواد اللَّخميِّ (الدَّارِيِّ) نسبة إلى بني الدَّار ابن لخمٍ، وكان من أهل الشَّأم أسلمَ سنة تسعٍ من الهجرة، وكان من أفاضلِ الصَّحابة وله مناقب، وفي العزمِ إفرادُها بالتَّأليف أعانَني الله على ذلك وسلك بنا (٣) أحسنَ المسالك (رَفَعَهُ) بالحركات، ولأبي ذرٍّ: «رَفْعُه» بسكون الفاء وضم العين، أي: رفع تميمٌ

стр. 11746

الحديثَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وقد وصله البخاريُّ في «تاريخه»، وأبو داود، وابنُ أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ، والباغنديُّ في «مسند عمر بن عبد العزيز» تأليفه (١)، كلُّهم من طريقِ عبد العزيزِ بن عمرَ بن عبدِ العزيز، قال: سمعت عبيدَ الله بن مَوْهب (٢) يحدِّث (٣) عمرَ بن عبد العزيز، عن قَبْيصةَ بن ذؤيبٍ، عن تميم الدَّاريِّ، أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله ما السُّنَّة في رجلٍ يسلِمُ على يدَي (٤) رجلٍ من المسلمين؟ (قَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ). قال البخاريُّ ﵀: (وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الخَبَرِ) قال بعضُهم: عن ابنِ موهب سمع تميمًا ولا يصحُّ؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «الولاءُ لمن أَعتق»، وقال الشَّافعيُّ: هذا الحديث ليس بثابتٍ إنَّما يرويه عبدُ العزيز بن عمر، عن ابن مَوهب، وابن مَوهب ليس بالمعروفِ، ولا نعلمهُ لقي تميمًا، ومثل هذا لا يثبتُ. وقال التِّرمذيُّ: إسنادهُ ليس بمتَّصلٍ. قال: وأدخلَ بعضُهم بين ابن مَوْهب وبين تميمٍ قَبيصة، رواه يحيى بنُ حمزة، وقيل: إنَّه تفرَّد فيه بذكرِ قبيصةَ. ورواهُ أبو إسحاق السَّبيعيُّ بدون ذكرِ تميمٍ، أخرجه النَّسائيُّ. وقال ابنُ المنذرِ: الحديثُ مضطرب هل هو عن ابنِ مَوْهب عن تميم، أو بينهما قبيصة؟ وقال بعض الرُّواة فيه: عن عبد الله بن موهب، وبعضهم: ابن موهب، وعبد العزيز راويه (٥) ليس بالحافظِ. قال في «الفتح»: هو من رجالِ البخاريِّ، كما في «الأشربة» [خ¦٤٦١٦] لكنَّه ليس بالمُكثرِ، وأمَّا ابن مَوهب فلم يُدركْ تميمًا، وأشار النَّسائيُّ إلى أنَّ الرِّواية الَّتي وقع التَّصريح فيها

стр. 11747

بسماعهِ من تميمٍ خطأ، ولكنَّه وثَّقه بعضهم. نعم صحَّح هذا الحديث أبو زُرْعة الدِّمشقيُّ، وقال: إنَّه حديثٌ حسنٌ صحيحُ المخرَج ومتَّصلٌ، وجزمَ البخاريُّ في «التاريخ» بأنَّه لا يصلحُ لمعارضتهِ (١) حديث: «إنَّما الولاءُ لمن أعتق»، ويؤخذ منه أنَّه لو صحَّ لَمَا قاوم هذا الحديث وعلى التَّنزُّل، فيتردَّد في الجمع هل يُخَصُّ عموم الحديث المتَّفق على صحَّته بهذا فيُستثنى منه من أسلمَ، أو تؤوَّلُ الأولويَّةُ في قوله: «أولى النَّاس»، بمعنى: النَّصر والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراثِ، ويبقى الحديث المتَّفق على صحَّته على عمومهِ، جنح الجمهورُ إلى الثَّاني وبه جزمَ ابن القصَّار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنَّه يستمرُّ إن عقل عنه، وإنْ لم يعقلْ عنه، فله أن يتحوَّل عنه لغيرهِ، قاله في «فتح الباري». ٦٧٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو ابنُ أنسٍ الأصبحيِّ، إمام الأئمَّة (٢) (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ) ﵂، وسقط «أمَّ المؤمنين» لأبي ذرٍّ (أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً) هي بريرةُ (تُعْتِقُهَا (٣)) أي: لأن تُعتقها، وهو بضمِّ الفوقيَّة (فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ) أي: ذكرت عائشة قولهم: نبيعُكها على أنَّ ولاءهَا لنا، ولأبي ذرٍّ: «فذكرتْ ذلك لرسولِ الله» (¬ ﷺ فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ) بكسر الكاف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا يمنعنَّك» بالنون الثَّقيلة بعد العين (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) اللَّام للاختصاص، كما قاله الكِرْمانيُّ، يعني: أنَّ الولاءَ مختصٌّ بمن أعتقَ وبذلَ المالَ في إعتاقهِ. قال العينيُّ: ويجوز أن تكون للاستحقاقِ، كهي في قولهِ تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] واستحقاقُ المُعْتِق الولاء لا يُنافي استحقاقَ غيره، ويجوزُ أن تكون للصَّيرورةِ، وصيرورةُ الولاءِ للمعتِق لا يُنافي (٤) صَيرورته لغيرهِ.

стр. 11748

٦٧٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ. قال الحافظ ابنُ حجرٍ: وقعَ في رواية أبي عليِّ بن شَبَّوَيْه عن الفَِرَبْريِّ: «محمَّد بن سلام» وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «محمَّد بن يوسف» يعني: البيكنديّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بنِ يزيد، خال إبراهيم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّه (قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا) أن يكونَ لهم (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الاشتراط (لِلنَّبِيِّ) (١) وتاء «ذكرتْ» ساكنةٌ، ففيه التفاتٌ، أي: ذكرتْ عائشةُ ذلك (٢) للنَّبيِّ، ولأبي ذرٍّ: «لرسولِ (٣) الله» (¬ ﷺ فَقَالَ: أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ) بفتح الواو وكسر الراء، الفضَّة (قَالَتْ) عائشةُ: (فَأَعْتَقْتُهَا، قَالَتْ) عائشة أيضًا: (فَدَعَاهَا) أي: فدعا بريرةَ (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا) بين المقام معه، أو المفارقة (فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا) من المالِ (مَا بِتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واختارتْ» (نَفْسَهَا) وزاد أبو ذرٍّ في روايتهِ قال: «وكانَ زوجُها حرًّا» وقد سبقَ قبل بابٍ من وجهٍ آخر أنَّ القائل: هو الأسود راويهِ عن عائشة [خ¦٦٧٥٤] وفي الباب الَّذي قبله: أنَّه الحَكَم [خ¦٦٧٥١]. (٢٣) (باب مَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الوَلَاءِ).

стр. 11749

٦٧٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابنُ يحيى العوذيُّ الحافظ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ) فاشترطَ أهلُها أن يكون ولاؤهَا لهم (فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الوَلَاءَ) لهم (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لها: (اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) فيه دَلالةٌ على أنَّ النِّساء إذا أَعْتقن (١) يستحقِقْنَ (٢) الولاءَ. ٦٧٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام على الأشهر، واسمه: محمَّدٌ قال: (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابن الجرَّاح أحدُ الأعلام (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بنِ يزيد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (٣) (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ) الفضَّة ثمنًا (وَوَلِيَ النِّعْمَةَ) بكسر اللَّام المخفَّفة، بالإعتاق بعد إعطاء الثَّمن؛ لأنَّ ولايةَ النِّعمة الَّتي يستحقُّ بها الميراث لا تكون إلَّا بالعتقِ، والحديث -كما قاله ابنُ بطَّال- يقتضِي أنَّ الولاءَ لكلِّ معتقٍ ذكرًا كان أو أُنثى، وهو مجمَعٌ عليه، وليس بين الفقهاءِ خلف أنَّه ليس للنِّساء من الولاءِ إلَّا ما أعتقنَ أو جرَّه إليهنَّ من أعتقنَ (٤) بولادةٍ أو عتقٍ، وأشار بقولهِ: «لمن أَعطى الوَرِق» إلى أنَّ المراد بقولهِ: لمن أعتقَ أن يكون مَن عتقَ في مُلكه حين العتق لا (٥) لمن باشرَ العتقَ فقط. وقوله: «وولي النِّعمة» هو لفظ وكيعٍ، عن سفيان الثَّوريِّ، عن منصور. تفرَّد بها الثَّوريُّ، كما نبَّه عليه في «الفتح»، والله الموفِّق والمعين. (٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (مَوْلَى القَوْمِ) أي: عتيقُهم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) في النِّسبة (٦) إليهم

стр. 11750

والميراث منه (وَابْنُ الأُخْتِ مِنْهُمْ) لأنَّه ينسب إلى بعضِهم وهي أمُّه، فيرثُهم توريثَ ذوي الأرحامِ على القولِ به، وثبت قوله: «منهم» لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ. ٦٧٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بضم القاف وفتح الراء المشددة، ابن إياس بنِ هلال المدنيُّ البصريُّ (وَقَتَادَةُ) بنُ دِعَامة السَّدوسيُّ، كلاهما (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَمَا قَالَ). ٦٧٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بنِ دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ، أَوْ) قال: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) في المعاونةِ والانتصارِ والبرِّ والشَّفقة، ونحو ذلك لا في الميراثِ، وتمسَّك به من قال بأنَّ (١) ذوي الأرحامِ يَرثون كما ترثُ العصباتُ، وهو قول الحنفيَّة وغيرهم، والشَّكُّ من الرَّاوي، وأوردَ الحديث هنا مختصرًا، وتامًّا في «مناقب قريش» في «باب ابنُ أخت القوم منهم» [خ¦٣٥٢٨]. (٢٥) (باب) حكم (مِيرَاثِ الأَسِيرِ) في يد (٢) العدوِّ، سواء عُرِف خبره أم (٣) لا. (قَالَ) أي (٤): البخاريُّ: (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة،

стр. 11751

ابنُ الحارث القاضي الكنديُّ الكوفيُّ (يُوَرِّثُ الأَسِيرَ) بفتح الواو وكسر الراء مشددة (فِي أَيْدِي العَدُوِّ، وَيَقُولُ: هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ) أي: إلى ميراثهِ، وهذا وصلهُ ابنُ أبي شيبة والدَّارميُّ (وَقَالَ عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ممَّا وصلهُ عبد الرَّزَّاق لإسحاق بنِ راشدٍ، فيما كتبَ إليه: (أَجِزْ) بهمزةٍ مفتوحة فجيم مكسورة فزاي، مجزوم بالأمرِ (وَصِيَّةَ الأَسِيرِ) بنصب «وصيَّةَ» على المفعوليَّة (وَعَتَاقَهُ) بفتح العين وبعد القاف هاء، ولأبي ذرٍّ: «وعتاقته» بفوقيَّة بعد القاف (وَمَا (١) صَنَعَ فِي مَالِهِ، مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ) دينِ الإسلامِ إلى غيره طائعًا (فَإِنَّمَا هُوَ مَالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ) بلفظ المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ما شاء» بلفظ الماضي. ٦٧٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنْ عَدِيٍّ) هو ابنُ ثابت الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمان الأشجعيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَرَكَ مَالًا) بعد وفاته (فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا) بفتح الكاف واللَّام المشددة: عيالًا (فَإِلَيْنَا). وهذا الحديث يؤيِّد قول الجمهور: أنَّ الأسيرَ إذا وجبَ له ميراثٌ يوقف (٢) له؛ لأنَّه إذا كان مسلمًا دخلَ تحت عمومِ قولهِ ﷺ : «مَن تركَ مالًا فلورثتِهِ» وعن سعيدِ بن المسيَّب: أنَّه لم يورِّث الأسير في أيدِي العدوِّ. والحديث مرَّ في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٩٨]. (٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قولهُ ﷺ : (لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَإِذَا أَسْلَمَ) الكافرُ (قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ المِيرَاثُ) المخلَّفُ عن أبيهِ، أو أخيهِ (فَلَا مِيرَاثَ لَهُ) لأنَّ الاعتبار بوقتِ الموت لا بوقتِ القسمةِ عند الجمهورِ.

стр. 11752

٦٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاكُ بنُ مخلد النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملك بنِ عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) المشهور بزين العابدين (عَنْ عُمَر) بضم العين (بْنِ عُثْمَانَ) بنِ عفَّان القرشيِّ العدويِّ، ولأبي ذرٍّ: «عن عَمرو» بفتح العين، بدل: «عُمر» بضمِّها، وكلاهما ولدٌ لعثمان، واتَّفق الرُّواة عن الزُّهريِّ أنَّ عَمرو بن عثمان -بفتح العين وسكون الميم- إلَّا أنَّ مالكًا وحدَه، قال: عُمر -بضم أوَّله وفتح الميم- (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ) وذهبَ معاذُ بن جبل ومعاويةُ وسعيدُ بن المسيَّب، ومسروقٌ إلى أنَّه يرثُ منه لقولهِ ﷺ : «الإسلامُ يَعلو، ولا يُعلى عليه» (١) وحجَّة الجمهور هذا الحديث الصَّحيح. وأجابُوا عن حديث: «الإسلام يَعلو» بأنَّ معناه: فضلُ الإسلامِ، وليس فيه تعرُّضٌ للإرثِ، فلا يُترك النَّصُّ الصَّريح لذلك (٢) (وَلَا) يرثُ (الكَافِرُ المُسْلِمَ) إجماعًا، ولا يرثُ نحو مرتدٍّ كيهوديٍّ تنصَّر أحدًا؛ إذ ليس بينه وبين أحدٍ موالاة في الدِّين؛ لأنَّه تركَ دِينًا يُقَرُّ عليه ولا يُقَرُّ على دينهِ الَّذي انتقلَ إليه، ولا يورَثُ لذلك (٣) كزنديقٍ، وهو (٤) من لا يتديَّن بدينٍ فلا يرثُ ولا يُورث لذلك، وأمَّا المسلم من المرتدِّ، فقال مالكٌ والشَّافعيُّ (٥): لا يرثُ المسلمُ المرتدَّ. وقال أبو حنيفة والثَّوريُّ: يرثُه، لكن قال أبو حنيفة: ما اكتسبَهُ في ردَّته لبيتِ المال، وما اكتسبَهُ في الإسلام فهو لورثتهِ المسلمين. وأمَّا الكافران فيتوارثان، وإن اختلفتْ ملَّتهمَا كيهوديٍّ ونصرانيٍّ، أو مجوسيٍّ، أو وثنيٍّ؛ لأنَّ الملل في البُطلان كالملَّة الواحدةِ. ومن به رِقٌّ ولو مدبَّرًا أو مكاتبًا فلا يرثُ ولا يُورث لنقصهِ، ولأنَّه (٦) لو ورثِ لملَكَ، واللَّازم

стр. 11753

باطلٌ إلَّا مبعَّضًا، فيورِّث ما ملكَه بحرِّيته لتمامِ مُلكه عليه، ولا شيءَ لسيِّده منه؛ لاستيفاءِ حقِّه ممَّا اكتسبَه بالرِّقِّيَّة. ولا يرثُ قاتلٌ من مقتولهِ، وإن لم يضمنْ بقتلهِ لحديث: «ليسَ للقاتلِ شيءٌ» أي: من الميراث. رواه التِّرمذيُّ بسندٍ صحيحٍ، ولأنَّ الإرثَ للموالاةِ والقاتلُ قطعَها. ومن فُقِدَ وُقِفَ مالُه حتَّى تقومَ بيِّنةٌ بموتهِ، أو يَحْكمُ بموتهِ قاضٍ بعد مضيِّ مدةٍ من ولادتهِ لا يعيشُ فوقَها ظنًّا، فيُعطى ماله من يرثهُ حينئذٍ. والحديث سبقَ في «المغازي» [خ¦٤٢٨٣]، والله أعلم. (٢٧) (باب مِيرَاثِ العَبْدِ النَّصْرَانِيِّ وَمُكَاتَبِ النَّصْرَانِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «والمكاتَب» (وَإِثْمِ مَنِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ) ولأبي ذرٍّ: «باب مَن انتفَى من ولدِهِ» ومذهبُ العلماءِ أنَّ العبد النَّصرانيَّ إذا ماتَ فماله لسيِّده بالرِّقِّ؛ لأنَّ (١) مِلْكَ العبدِ غيرُ صحيحٍ فيستحقُّه السَّيِّد لا بطريقِ الميراث، وأمَّا المكاتب فإن ماتَ قبلَ أداءِ كتابتهِ وكان في مالهِ وفاءٌ لباقِي كتابتهِ أُخذ ذلك في كتابتهِ، فما فضلَ فلبيتِ المال، وأمَّا إثمُ من انتفَى من ولدهِ، ففي حديثِ أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابنُ حبَّان والحاكمُ: «أيُّما رجلٍ جحدَ ولدَهُ وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله عنهُ»، وفي سندهِ عبد الله بن يونس حجازيٌّ ما روى عنه سوى يزيد بن الهادِ، ولم يذكرِ المؤلِّف حديثًا هنا، ولعلَّه أراد أن يُلحق فيه ما هو على شرطهِ فاخترمتْهُ المنيَّة قَبْلُ. (٢٨) (باب) حكم (مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ).

стр. 11754

٦٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وهب (١) بن عبدِ مناف بن زهرةَ الزُّهريُّ، شهد المشاهد كلَّها، وهو أحدُ العشرة (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بنِ قيس بن عبد شمسٍ القرشيُّ العامريُّ، أخو سَوْدة بنت زَمْعة أمِّ المؤمنين ﵄ (فِي غُلَامٍ) اسمه: عبد الرَّحمن (فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا) الغلام عبد الرَّحمن (يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ذكرهُ ابنُ مندهْ في «الصَّحابة» مستدلًّا بقول أخيهِ سعد هنا (عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) وليس في ذلك ما يدلُّ على إسلامه، وقد اشتدَّ إنكارُ أبي نُعيم على ابن مندهْ في ذلك، وقال: إنَّه الَّذي كسر رَبَاعيَّة النَّبيِّ (٢) ﷺ وما علمتُ له إسلامًا. انتهى. وبالجملة فليس في شيءٍ من الآثارِ ما يدلُّ على إسلامهِ، بل فيها ما يصرِّح بموتهِ على الكفر، والله أعلم. (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زَمْعة (مِنْ وَلِيدَتِهِ) أي: أمته (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ (٣) فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ) ﷺ : (هُوَ) أي: الغلامُ أخٌ (لَكَ يَا عَبْدُ) ولأبي ذرٍّ: «يا عبدُ بن زَمْعة» فألحقَهُ ﵊ به لَمَّا استلحقَهُ؛ لأنَّ إقرارهُ قائمٌ مقامَ الأب الميِّت في حياتهِ، فيثبتُ نسبُه. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يثبتُ. (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ) أي: الخَيبة (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ) تورُّعًا واحتياطًا (قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ) الغلامُ (قَطُّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بَعْدُ» أي: بعد قولهِ ﷺ : «احتجبِي منه» ورأيتُ في هامش فرع «اليونينيَّة»، وقال: إنَّه منقولٌ منها هذا الباب، في نسخة أبي ذرٍّ قبل «باب ميراث العبد النَّصرانيِّ» ويليهِ -أعني: باب ميراث العبد النَّصرانيِّ- «باب إثم من انتفَى من ولده» ورقم على «باب مَن ادَّعى أخًا أو ابنَ (٤) أخٍ» علامة المُستملي والكُشمِيهنيِّ. انتهى.

стр. 11755

(٢٩) (باب مَنِ ادَّعَى) أي: انتسبَ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ). ٦٧٦٦ - ٦٧٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ، هو ابنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ مهران الحذَّاء (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبدِ الرَّحمن النَّهديِّ (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ أبي وقَّاص (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ فَالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) إن استحلَّ ذلك، أو هو محمولٌ على الزَّجر والتَّغليظ للتَّنفير عنه، واستُشكل بأنَّ جماعةً من خيارِ الأمَّة انتسبوا إلى غيرِ آبائهم كالمقدادِ بن الأسودِ؛ إذ (١) هو ابنُ عمرو. وأُجيب بأنَّ الجاهليَّة كانوا لا يستنكرون أن يتبنَّى الرَّجل غير ابنه الَّذي خرجَ من صُلبه فيُنسب إليه، ولم يزلْ ذلك في أوَّل الإسلام حتَّى نزل: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ونزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فغلب (٢) على بعضِهم النَّسب الَّذي كان يُدعى به قبلَ الإسلام، فصارَ إنَّما يذكرُ للتَّعريف بالأشهرِ من غيرِ أن يكون من (٣) المدعوِّ تحوُّلٌ عن نسبهِ الحقيقيِّ، فلا يقتضيهِ الوعيدُ؛ إذ الوعيدُ المذكور إنَّما تعلَّق (٤) بمن انتسبَ إلى غيرِ أبيهِ على علمٍ منه بأنَّه (٥) ليس أباهُ. قال أبو عثمان النَّهديُّ: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديث (لأَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع (فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) بفتح العين وسكون الفوقية (وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬). والحديث تقدَّم في «غزوةِ حنين» [خ¦٤٣٢٦].

стр. 11756

٦٧٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالصاد المهملة والغين المعجمة بينهما موحدة مفتوحة (ابْنُ الفَرَجِ) بالفاء والجيم، الفقيه. قال ابنُ مَعين: كان أعلم خلقِ الله برأي مالكٍ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابنُ الحارث المصريُّ (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الكنديِّ (عَنْ عِرَاكٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف كاف، ابنِ مالك الغفاريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ) وانتسبَ لغيره (فَهُوَ كُفْرٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقد كفرَ» أي: كُفْرَ النِّعمة، فليس المراد الكفر الَّذي يستحقُّ عليه الخلودَ في النَّار، بل كفر حقِّ أبيهِ، أي: ستر حقِّه (١)، أو المراد: التَّغليظ والتَّشنيع عليه إعظامًا لذلك، وإلَّا فكلُّ حقٍّ شرعيٍّ إذا سُتِر فسترُهُ كفْرٌ، ولم يعبِّر في كلِّ سترٍ على حقٍّ بهذا اللَّفظ، وإنَّما عبَّرَ به في المواضعِ الَّتي يقصدُ فيها الذَّمُّ البليغ، وتعظيمُ الحقِّ المستور. والحديث سبقَ في «مناقب قريش» [خ¦٣٥٠٨]. (٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا ادَّعَتِ المَرْأَةُ ابْنًا) بتشديد الدال المهملة من «ادَّعت». ٦٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (قَالَ:

стр. 11757

حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بنُ ذكوان (عَنْ عبد الرَّحمن) بنِ هُرْمز الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَتَانِ) لم تسمَّيا (مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا) لم يسمَّيا أيضًا (جَاءَ الذِّئْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ) الذِّئب (بِابْنِكِ، وَقَالَتِ) ولأبي ذرٍّ: «فقالت» (الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَا) أي: المرأتان، وذُكِّر باعتبار الشَّخصين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فتحاكمَتَا» (إِلَى دَاوُدَ ﵇، فَقَضَى بِهِ) بالولدِ الباقي (لِلْكُبْرَى) للمرأةِ الكُبرى منهما؛ لكونهِ كان في يدِها وعجزَت عن إقامةِ البيِّنة (فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ) بالقصَّة (فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ) بكسر السين، وسُمِّيتْ سكِّينًا لأنَّها تسكِّن حركة الحيوان (أَشُقُّهُ) أي: الولد (بَيْنَهُمَا) نصفين، وفي «سنن النَّسائيِّ الكبرى»: فقالتِ الكبرى: نعم اقطعوهْ. (فَقَالَتِ الصُّغْرَى) منهما له: (لَا تَفْعَلْ) ذلك (يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابنهَا) أي: ابنُ الكبرى (فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) لجزعِها الدَّال على عظيمِ شفقتهَا (١)، ولم يعمَلْ بإقرارها بأنَّه (٢) لصاحبتها، واستُشكل نقضُ سليمان حكمَ أبيه داود؟ وأُجيب بأنَّهما حكما بالوحي، وحكمُ سليمان كان ناسخًا، أو كان بالاجتهاد وجازَ النَّقض لدليلٍ أقوى، وتعقِّب الأوَّل بأنَّ سليمان حينئذٍ لم يكن (٣) يُوحَى إليه؛ إذ كان عمره حينئذٍ إحدى عشرة سنة. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ -بالسَّند السَّابق-: (وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ) بكسر الهمزة، أي: ما سمعت (بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المَُِدْيَةَ) بضم الميم وتكسر وتفتح، وقيل لها: مُدية؛ لأنَّها تقطعُ مدى حياة الحيوان. والحديث سبقَ في ترجمة سليمان، من «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٢٧]. (٣١) (باب) حكم (القَائِفِ) بالقاف وآخره فاء، وهو الَّذي يعرف الشَّبه ويميِّزُ الأثر.

стр. 11758

٦٧٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام المصريِّين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، البيت حالَ كونه (مَسْرُورًا) حالَ كونه (تَبْرُقُ): تضيءُ وتستنيرُ من السُّرور (أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) وهي الخطوطُ الَّتي في الجبهة (١)، واحدُها: سِرٌّ وسَرَرٌ، وجمعُها: أَسْرَار وأسِرَّة، وجمع الجمع: أَسَارير (فَقَالَ) ﷺ : (أَلَمْ تَرَيْ) حرف جزمٍ، ومعها (٢) همزة التَّقرير، و «تَرَي» مجزومٌ به بحذفِ النون، والرُّؤية علميَّة، وسدَّتْ «أنَّ» في قوله: (أَنَّ مُجَزَِّزًا) مسدَّ مفعوليها، ولذا فتحت «أنَّ» و «مُجَزَِّزًا» بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشدَّدة وتفتح، اسم «إنَّ» وسمِّي مجزِّزًا؛ لأنَّه كان يجزُّ ناصية الأسيرِ في زمن الجاهليَّة ويطلقه، وهو ابنُ الأعور بنِ جَعْدة المُدْلِجِيُّ (نَظَرَ آنِفًا) خبر «أنَّ» و «آنفًا» بالمدِّ ويُقصر، ظرف زمان، أي: السَّاعة (إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ (٣)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «لمن» (بَعْضٍ) أي: لكائنة من بعضٍ، أو مخلوقةٌ من بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥] أي: مخلوقون من بعضٍ، وسبب سرورهِ ﵊ أنَّ الجاهليَّة كانت تقدحُ في نسبِ أسامة؛ لكونهِ أسودَ شديدَ السَّواد لكون أمِّه كانَت سوداء وزيدٌ أبيضُ من القطنِ، فلمَّا قال مجزِّزٌ ما قالَ مع اختلاف اللَّون سُرَّ ﷺ بذلك لكونهَ كافًّا لهم عن الطَّعن فيه لاعتقادِهم ذلك.

стр. 11759

والحديث أخرجَه مسلم في «النِّكاح»، وأبو داود في «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «الولاء»، والنَّسائيُّ في «الطَّلاق». ٦٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) أي: يومًا البيتَ، وهو من إضافة المسمَّى إلى اسمهِ، أو «ذات» مقحمة (١) (وَهْوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: يَا) ولأبي ذرٍّ: «أي» (عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام والجيم، بعدها تحتية نسبةً إلى مُدْلج بن مُرَّة بن عبدِ مناف بنِ كنانة، وكانت القيافَةُ فيهم وفي بني أسدٍ، والعرب تعترفُ لهم بذلك، وليس ذلك خاصًّا بهم على الصَّحيح، فرُوِيَ أنَّ عمر بن الخطَّاب ﵁ كان قائفًا، وقد كان قرشيًّا لا مدلجيًّا ولا أسديًّا. (دَخَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء، وسقط لغير أبي ذرٍّ «عليَّ» (فَرَأَى أُسَامَةَ) زاد أبو ذرٍّ: «ابن زيد» (وَزَيْدًا) أي: ابن حارثة (وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ) أي (٢): كساء (قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا) بها (وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا) أي: ظَهرت (فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا) كائنةٌ أو مخلوقةٌ (٣) (مِنْ بَعْضٍ). وفي الحديث: العملُ بالقافة لتقريرهِ ﷺ ، وهو مذهبُ مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وقال الحنفيَّة: الحكمُ بها باطلٌ؛ لأنَّها حدسٌ، وذلك لا يجوزُ في الشَّريعة، وليس في حديثِ الباب حجَّة في إثبات الحكم بها؛ لأنَّ أسامةَ كان قد ثبتَ نسبُه قبلَ ذلك، فلم يحتَجِ الشَّارع في إثباتِ ذلك إلى قولِ أحدٍ، وإنَّما تعجَّب من إصابةِ مجزِّزٍ.

стр. 11760

ووجه إدخال هذا الحديث في «كتاب الفرائض» الرَّدُّ على من زعمَ أنَّ القائفَ (١) لا يعتبر بقولهِ، فإنَّ من اعتبر قولَه فعملَ به لزمَ منه حصول التَّوارث بين المُلْحَق والمُلْحَق به. ((٨٦)) قال الإمام البخاريُّ رحمه الله تعالى -بالسَّند السَّابق إليه أوَّل هذا الشَّرح (٢) -: (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الحُدُودِ) جمعُ: حدٍّ، وهو الحاجزُ بين الشَّيئين يمنعُ اختلاطَ أحدِهما بالآخر، والمذكور هنا (٣) حدُّ الزِّنا والخمر والسَّرقة (٤)، سُمِّي به لكونه مانعًا لمتعاطيهِ عن معاودةِ مثله، مانعًا لغيرهِ أن يسلكَ مَسْلكه، وفي رواية أبي ذرٍّ تأخيرُ البسملة عن لفظِ «كتاب». (ومَا يُحْذَرُ مِنَ الحُدُودِ) أي: كتاب بيان أحكامِ الحدود، وبيان ما يُحذَرُ من الحدودِ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «باب ما يحذَرُ من الحدوْدِ» وتطلقُ الحدودُ ويُراد بها نفسُ المعاصي، ولم يذكرِ البخاريُّ هنا حديثًا.

стр. 11761

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يُشْرَبُ الخَمْرُ) بضم التحتية وفتح الراء، مبنيًّا للمفعول، والخمرُ: رفع نائب الفاعل، وللمُستملي -فيما ذكره في «الفتح» - وهو في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ: «باب الزِّنا وشرب الخمرِ» أي: التَّحذير من تَعَاطيهما، وسقط لأبي ذرٍّ «لا يشربُ الخمرَ» (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ -ممَّا وصلهُ ابنُ أبي شيبة في «كتاب الإيمان» -: (يُنْزَعُ مِنْهُ) بضم أوله وفتح الزاي، والضَّمير في «منه» للزَّاني (نُورُ الإِيمَانِ فِي الزِّنَا). ورواهُ أبو جعفرٍ الطَّبريُّ من طريق مجاهدٍ عن ابن عبَّاس سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَن زَنى نزعَ اللهُ منهُ نورَ الإيمانِ منْ قلبهِ، فإنْ شاءَ أنْ يردَّه إليه ردَّه»، وفي حديثِ أبي هُريرة مرفوعًا عند أبي داود: «إذا زَنى الرَّجل خرجَ منه الإيمانُ فكانَ عليهِ كالظُّلَّة، فإذَا أقلَعَ رجَعَ إليهِ الإيمَانُ». ويحتمَلُ أن يكونَ الَّذي نقص (١) منه الحياءُ المعبَّر عنه بالنُّور، والحياءُ من الإيمان.

стр. 11762

٦٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، وبكير اسم جدِّه، واسم أبيه عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بنِ هشام المخزوميِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إذا استحلَّه مع العلمِ بتحريمهِ، أو يُسلَبُ الإيمان حالَ تلبُّسه بالكبيرةِ، فإذا فارقَها عاد إليه، أو هو من باب التَّغليظ للتَّنفير عنه، أو معناه: نفيُ الكمال، وإلَّا فالمعصيةُ لا تُخرِجُ المسلم عن الإيمانِ خلافًا للمعتزلةِ المكفِّرين بالذَّنب القائلين بتخليد العاصي في النَّار (وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُـ) هـ (١) (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إذا استحلَّه، كما مرَّ (وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ) ولأبي ذرٍّ: «ولا يسرق السَّارق حين يسرق» (وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً) بضم النون، مالًا منهوبًا جهرًا قهرًا ظلمًا لغيره (يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ) إلى النَّاهب (فِيهَا أَبْصَارَهُمْ) لا يقدرونَ على دفعهِ ولو تضرَّعوا إليه (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) أو هو كنايةٌ عن عدم التَّستُّر بذلك، فيكون صفة لازمة للنَّهب، بخلاف السَّرقة والاختلاس، فإنَّه يكون في خفيةٍ، والانتهابُ أشدُّ لِمَا فيه من مزيدِ الجراءةِ وعدم المُبَالاة، ولم يذكرِ الفاعل في الشُّرب وما بعده، ففيه -كما قال ابن مالك- جواز (٢) حذف الفاعل لدَلالة

стр. 11763

الكلامِ عليه، والتَّقدير: ولا يشرب الشَّارب الخمر .... إلى آخره، ولا يرجع الضَّمير إلى الزَّاني لئلَّا يختصَّ به، بل هو عامٌّ في كلِّ من شرب، وكذا في الباقِي، وقد ذكر الفاعل في «لا يسرق» في رواية أبي ذرٍّ، كما مرَّ. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن». (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ) أي: بمثلِ حديث أبي بكرَةَ، عن أبي هُريرة ﵁ هذا (إِلَّا النُّهْبَةَ) فليستْ فيه، والله أعلم. (٢) (باب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْرِ). ٦٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبَرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . «ح») للتَّحويل، قال البخاريُّ -بالسَّند إليه-: وَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنُ أبي إياس» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ) أي: أمر بالضَّرب (فِي الخَمْرِ بِـ «الجَرِيدِ» وَالنِّعَالِ) الباء في بـ «الجريدِ» باء الآلةِ، والجريدُ سعف النَّخل وسُمِّي به؛ لأنَّه جُرِّد عن الخَوْص (وَجَلَدَ) أي: أمر بالجلدِ فيه (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ في خلافتهِ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، وهذا لفظُ طريقِ هشامٍ عن قتادة. وأمَّا لفظُ طريق شعبةَ فأخرجهُ البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: من طريق جعفر بن محمَّد القلانسيِّ، عن آدم -شيخ البخاريِّ فيه- بلفظ: «أنَّ

стр. 11764

النَّبيَّ ﷺ أُتي برجلٍ شربَ الخمرَ، فضربهُ بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ استشارَ النَّاس فقالَ له عبدُ الرَّحمن بن عوف: أخفُّ الحدودِ ثمانون، ففعلَه عمر». وأخرجه مسلم والنَّسائيُّ أيضًا من طريقِ محمَّد بن جعفر، عن شعبة، مثل رواية آدم، إلَّا أنَّه قال: «وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ -أي: في خلافتهِ- استشارَ النَّاسَ، فقال عبد الرَّحمن -يعني (١): ابن عوف-: أخفُّ الحدود ثمانون، وأمر به عمر». ولم يقل عن النَّبيِّ ﷺ : أربعين، نعم في رواية مسلم: «أنَّه ﷺ كان يضربُ في الخمر بالنِّعال والجريدِ أربعين» وقوله في الرِّواية السَّابقة: «نحوًا من أربعين». قيل: لا بدَّ من تأويلهِ بأنَّه إنَّما عبَّر بـ «نحو» لعدم التَّساوي في الضَّرب والآلةِ، وإلَّا فالحدودُ إنَّما تكون محدودةً، وكون الرَّاوي حاكيًا ذلك عن واقعةٍ لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا، وإن (٢) كانَ الرَّاوي لم يحرِّر التَّحديد فيه فغايتُه أن يكونَ أربعين، فوجبَ القولُ بأنَّها الحدُّ، لا سيَّما وانضمَّ إليها رواية مسلم السَّابقة ونحوها ممَّا فيه الجزم بالأربعين، و «نحو» قد تأتي بمعنى: «مثل» وفي مسلم أيضًا من طريق معاذِ بن هشامٍ عن أبيه: «ثمَّ جلدَ أبو بكرٍ أربعين، فلمَّا كان عمرُ ودنا النَّاس من الرِّيف والقُرى، قال: ما ترون في جلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلَها (٣) كأخفِّ الحدود، قال: فجلدَ عمر ثمانين» والرِّيف -بكسر الراء-: كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرضِ العرب وغيرهَا، أو ما فيه زرعٌ وخصبٌ، أو هو الخصبُ والسِّعة في المأكلِ والمشربِ. وعند النَّسائيِّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: «فضربَهُ بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبو بكرٍ فصنعَ به مثلَ ذلك». ورواه همَّام عن قتادةَ بلفظ: «فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلدهُ كلُّ رجلٍ جلدَتين بالجريدِ». أخرجه أحمدُ والبيهقيُّ. قال في «الفتح»: وبهذا يُجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شُعبة، وأنَّ جملةَ الضَّربات كانت نحو أربعين بجريدَتين، فتكون الجملةُ ثمانين.

стр. 11765

وفي مسلم من طريق حُضَين (١) -بحاء مهملة وضاد معجمة مصغَّرًا- ابن المنذر «أنَّ عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبدِ الله بن جعفر: اجلدْه، فجلدَه، فلمَّا بلغ أربعين قال: أَمْسِكْ؛ جلدَ رسولُ الله ﷺ أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ أربعين، وجلدَ عمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ» ففيه الجزمُ بأنَّه ﷺ جلدَ أربعين، وسائرُ الأخبارِ ليس فيه عددٌ إلَّا بعض الرِّوايات عن أنس، ففيها (٢) «نحوَ الأربعين» والجمع بينهما: أنَّ عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجَّة على من ذكرها بلفظ التَّقريب، فمذهبُ الشَّافعيَّة أنَّ حدَّ الحرِّ أربعون جلدةً لِمَا سبق، وحدُّ غيره ولو مبعَّضًا عشرون على النِّصف من الحرِّ كنظائره متواليةً في كلٍّ من الأربعين والعشرين بحيث يحصلُ بها زجرٌ وتنكيلٌ، فلا تفرَّق على الأيَّام والسَّاعات لعدمِ الإيلام، وللإمام زيادة على الحدِّ إن رآه، فيبلغُ الحُرَّ ثمانين وغيره أربعين، كما فعلَه عمرُ ﵁، ورآه عليٌّ ﵁ قال: «لأنَّه إذا شرب سكرَ، وإذا سكرَ هذَى، وإذا هذَى افترَى، وحدُّ الافتراء ثمانون»، رواه الدَّارقطنيُّ، فجعل سبب السَّبب سببًا، وأجرى على الأوَّل ما أجرى على الآخرِ، والزِّيادة على الحدِّ تعازيرُ لا حدٌّ، وإلَّا لما جازَ تركه (٣). واعتُرض بأنَّ وضع التَّعزير النَّقص عن الحدِّ، فكيف يساويهِ؟ وأُجيب بأنَّ ذلك تعازير؛ لأنَّ ذلك لجنايات تولَّدت من الشَّارب، قال الرَّافعيُّ: وليس شافيًا، فإنَّ الجناية لم تتحقَّق حتَّى يعزَّر، والجنايات الَّتي تتولَّد من الخمرِ لا تنحصرُ فلتجزِ الزِّيادةُ على الثَّمانين، وقد منعوها قال: وفي قصَّة تبليغ الصَّحابة الضَّرب ثمانين ألفاظٌ مشعرة بأنَّ الكلَّ حدٌّ، وعليه فحدُّ الشَّارب مخصوصٌ من بين سائر الحدود بأن يتحتَّم بعضهُ، ويتعلَّق بعضه باجتهادِ الإمام، ومذهب الحنفيَّة والمالكيَّة أنَّ الثَّمانين حدٌّ، وكذا عند الحنابلة على الصَّحيح عندهم، وقد اختلف النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي تحصَّل من ذلك ستَّة: أحدها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعلْ في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصرُ على ضرب الشَّارب على مَا يليقُ به.
следующие страницы →