← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.

стр. 11761

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يُشْرَبُ الخَمْرُ) بضم التحتية وفتح الراء، مبنيًّا للمفعول، والخمرُ: رفع نائب الفاعل، وللمُستملي -فيما ذكره في «الفتح» - وهو في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ: «باب الزِّنا وشرب الخمرِ» أي: التَّحذير من تَعَاطيهما، وسقط لأبي ذرٍّ «لا يشربُ الخمرَ» (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ -ممَّا وصلهُ ابنُ أبي شيبة في «كتاب الإيمان» -: (يُنْزَعُ مِنْهُ) بضم أوله وفتح الزاي، والضَّمير في «منه» للزَّاني (نُورُ الإِيمَانِ فِي الزِّنَا). ورواهُ أبو جعفرٍ الطَّبريُّ من طريق مجاهدٍ عن ابن عبَّاس سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «مَن زَنى نزعَ اللهُ منهُ نورَ الإيمانِ منْ قلبهِ، فإنْ شاءَ أنْ يردَّه إليه ردَّه»، وفي حديثِ أبي هُريرة مرفوعًا عند أبي داود: «إذا زَنى الرَّجل خرجَ منه الإيمانُ فكانَ عليهِ كالظُّلَّة، فإذَا أقلَعَ رجَعَ إليهِ الإيمَانُ». ويحتمَلُ أن يكونَ الَّذي نقص (١) منه الحياءُ المعبَّر عنه بالنُّور، والحياءُ من الإيمان.

стр. 11762

٦٧٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، وبكير اسم جدِّه، واسم أبيه عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بنِ هشام المخزوميِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إذا استحلَّه مع العلمِ بتحريمهِ، أو يُسلَبُ الإيمان حالَ تلبُّسه بالكبيرةِ، فإذا فارقَها عاد إليه، أو هو من باب التَّغليظ للتَّنفير عنه، أو معناه: نفيُ الكمال، وإلَّا فالمعصيةُ لا تُخرِجُ المسلم عن الإيمانِ خلافًا للمعتزلةِ المكفِّرين بالذَّنب القائلين بتخليد العاصي في النَّار (وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُـ) هـ (١) (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إذا استحلَّه، كما مرَّ (وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ) ولأبي ذرٍّ: «ولا يسرق السَّارق حين يسرق» (وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً) بضم النون، مالًا منهوبًا جهرًا قهرًا ظلمًا لغيره (يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ) إلى النَّاهب (فِيهَا أَبْصَارَهُمْ) لا يقدرونَ على دفعهِ ولو تضرَّعوا إليه (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) أو هو كنايةٌ عن عدم التَّستُّر بذلك، فيكون صفة لازمة للنَّهب، بخلاف السَّرقة والاختلاس، فإنَّه يكون في خفيةٍ، والانتهابُ أشدُّ لِمَا فيه من مزيدِ الجراءةِ وعدم المُبَالاة، ولم يذكرِ الفاعل في الشُّرب وما بعده، ففيه -كما قال ابن مالك- جواز (٢) حذف الفاعل لدَلالة

стр. 11763

الكلامِ عليه، والتَّقدير: ولا يشرب الشَّارب الخمر .... إلى آخره، ولا يرجع الضَّمير إلى الزَّاني لئلَّا يختصَّ به، بل هو عامٌّ في كلِّ من شرب، وكذا في الباقِي، وقد ذكر الفاعل في «لا يسرق» في رواية أبي ذرٍّ، كما مرَّ. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربة»، وابن ماجه في «الفتن». (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ -بالسَّند السَّابق- (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ) أي: بمثلِ حديث أبي بكرَةَ، عن أبي هُريرة ﵁ هذا (إِلَّا النُّهْبَةَ) فليستْ فيه، والله أعلم. (٢) (باب مَا جَاءَ فِي ضَرْبِ شَارِبِ الخَمْرِ). ٦٧٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبَرة الأزديُّ الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ . «ح») للتَّحويل، قال البخاريُّ -بالسَّند إليه-: وَ (حَدَّثَنَا آدَمُ) ولأبي ذرٍّ: «ابنُ أبي إياس» قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ) أي: أمر بالضَّرب (فِي الخَمْرِ بِـ «الجَرِيدِ» وَالنِّعَالِ) الباء في بـ «الجريدِ» باء الآلةِ، والجريدُ سعف النَّخل وسُمِّي به؛ لأنَّه جُرِّد عن الخَوْص (وَجَلَدَ) أي: أمر بالجلدِ فيه (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ في خلافتهِ (أَرْبَعِينَ) جلدةً، وهذا لفظُ طريقِ هشامٍ عن قتادة. وأمَّا لفظُ طريق شعبةَ فأخرجهُ البيهقيُّ في «الخلافيَّات»: من طريق جعفر بن محمَّد القلانسيِّ، عن آدم -شيخ البخاريِّ فيه- بلفظ: «أنَّ

стр. 11764

النَّبيَّ ﷺ أُتي برجلٍ شربَ الخمرَ، فضربهُ بجريدتين نحوًا من أربعين، ثمَّ صنعَ أبو بكرٍ مثل ذلك، فلمَّا كان عمرُ استشارَ النَّاس فقالَ له عبدُ الرَّحمن بن عوف: أخفُّ الحدودِ ثمانون، ففعلَه عمر». وأخرجه مسلم والنَّسائيُّ أيضًا من طريقِ محمَّد بن جعفر، عن شعبة، مثل رواية آدم، إلَّا أنَّه قال: «وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كان عمرُ -أي: في خلافتهِ- استشارَ النَّاسَ، فقال عبد الرَّحمن -يعني (١): ابن عوف-: أخفُّ الحدود ثمانون، وأمر به عمر». ولم يقل عن النَّبيِّ ﷺ : أربعين، نعم في رواية مسلم: «أنَّه ﷺ كان يضربُ في الخمر بالنِّعال والجريدِ أربعين» وقوله في الرِّواية السَّابقة: «نحوًا من أربعين». قيل: لا بدَّ من تأويلهِ بأنَّه إنَّما عبَّر بـ «نحو» لعدم التَّساوي في الضَّرب والآلةِ، وإلَّا فالحدودُ إنَّما تكون محدودةً، وكون الرَّاوي حاكيًا ذلك عن واقعةٍ لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا، وإن (٢) كانَ الرَّاوي لم يحرِّر التَّحديد فيه فغايتُه أن يكونَ أربعين، فوجبَ القولُ بأنَّها الحدُّ، لا سيَّما وانضمَّ إليها رواية مسلم السَّابقة ونحوها ممَّا فيه الجزم بالأربعين، و «نحو» قد تأتي بمعنى: «مثل» وفي مسلم أيضًا من طريق معاذِ بن هشامٍ عن أبيه: «ثمَّ جلدَ أبو بكرٍ أربعين، فلمَّا كان عمرُ ودنا النَّاس من الرِّيف والقُرى، قال: ما ترون في جلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلَها (٣) كأخفِّ الحدود، قال: فجلدَ عمر ثمانين» والرِّيف -بكسر الراء-: كلُّ أرضٍ فيها زرعٌ ونخلٌ، أو ما قاربَ المياه من أرضِ العرب وغيرهَا، أو ما فيه زرعٌ وخصبٌ، أو هو الخصبُ والسِّعة في المأكلِ والمشربِ. وعند النَّسائيِّ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة: «فضربَهُ بالنِّعال نحوًا من أربعين، ثمَّ أَتى به أبو بكرٍ فصنعَ به مثلَ ذلك». ورواه همَّام عن قتادةَ بلفظ: «فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلدهُ كلُّ رجلٍ جلدَتين بالجريدِ». أخرجه أحمدُ والبيهقيُّ. قال في «الفتح»: وبهذا يُجْمَع بين ما اختُلِف فيه على شُعبة، وأنَّ جملةَ الضَّربات كانت نحو أربعين بجريدَتين، فتكون الجملةُ ثمانين.

стр. 11765

وفي مسلم من طريق حُضَين (١) -بحاء مهملة وضاد معجمة مصغَّرًا- ابن المنذر «أنَّ عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبدِ الله بن جعفر: اجلدْه، فجلدَه، فلمَّا بلغ أربعين قال: أَمْسِكْ؛ جلدَ رسولُ الله ﷺ أربعين، وجلدَ أبو بكرٍ أربعين، وجلدَ عمر ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ» ففيه الجزمُ بأنَّه ﷺ جلدَ أربعين، وسائرُ الأخبارِ ليس فيه عددٌ إلَّا بعض الرِّوايات عن أنس، ففيها (٢) «نحوَ الأربعين» والجمع بينهما: أنَّ عليًّا أطلق الأربعين، فهو حجَّة على من ذكرها بلفظ التَّقريب، فمذهبُ الشَّافعيَّة أنَّ حدَّ الحرِّ أربعون جلدةً لِمَا سبق، وحدُّ غيره ولو مبعَّضًا عشرون على النِّصف من الحرِّ كنظائره متواليةً في كلٍّ من الأربعين والعشرين بحيث يحصلُ بها زجرٌ وتنكيلٌ، فلا تفرَّق على الأيَّام والسَّاعات لعدمِ الإيلام، وللإمام زيادة على الحدِّ إن رآه، فيبلغُ الحُرَّ ثمانين وغيره أربعين، كما فعلَه عمرُ ﵁، ورآه عليٌّ ﵁ قال: «لأنَّه إذا شرب سكرَ، وإذا سكرَ هذَى، وإذا هذَى افترَى، وحدُّ الافتراء ثمانون»، رواه الدَّارقطنيُّ، فجعل سبب السَّبب سببًا، وأجرى على الأوَّل ما أجرى على الآخرِ، والزِّيادة على الحدِّ تعازيرُ لا حدٌّ، وإلَّا لما جازَ تركه (٣). واعتُرض بأنَّ وضع التَّعزير النَّقص عن الحدِّ، فكيف يساويهِ؟ وأُجيب بأنَّ ذلك تعازير؛ لأنَّ ذلك لجنايات تولَّدت من الشَّارب، قال الرَّافعيُّ: وليس شافيًا، فإنَّ الجناية لم تتحقَّق حتَّى يعزَّر، والجنايات الَّتي تتولَّد من الخمرِ لا تنحصرُ فلتجزِ الزِّيادةُ على الثَّمانين، وقد منعوها قال: وفي قصَّة تبليغ الصَّحابة الضَّرب ثمانين ألفاظٌ مشعرة بأنَّ الكلَّ حدٌّ، وعليه فحدُّ الشَّارب مخصوصٌ من بين سائر الحدود بأن يتحتَّم بعضهُ، ويتعلَّق بعضه باجتهادِ الإمام، ومذهب الحنفيَّة والمالكيَّة أنَّ الثَّمانين حدٌّ، وكذا عند الحنابلة على الصَّحيح عندهم، وقد اختلف النَّقل عن الصَّحابة في التَّحديد والتَّقدير في الحدِّ، والَّذي تحصَّل من ذلك ستَّة: أحدها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجعلْ في ذلك حدًّا معلومًا، بل كان يقتصرُ على ضرب الشَّارب على مَا يليقُ به.

стр. 11766

الثَّاني: أنَّه أربعون بغير زيادةٍ. الثَّالث: مثلُه لكن للإمام أن يبلغَ به ثمانين، وهل الزِّيادة من تمام الحدِّ أو تعزير؟ قولان. الرَّابع: أنَّه ثمانون بغير زيادةٍ عليها. الخامس: كذلك، وتجوزُ الزِّيادة تعزيرًا. السَّادس: إنْ شربَ فجلدَ ثلاث مرَّات فعاد في الرَّابعة وجبَ قتلُه، وقيل: إن شربَ أربعًا فعادَ في الخامسةِ وجب قتلُه (١)، وهو قولٌ شاذٌّ. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، وكذا التِّرمذيُّ وابن ماجه. (٣) (باب مَنْ أَمَرَ بِضَرْبِ الحَدِّ فِي البَيْتِ). ٦٧٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبدِ المجيد الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيدِ الله، واسمُ أبي مُليكة زهير بنُ عبد الله بن جَدْعان (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) بن عامرِ بنِ نوفلٍ أبي سِرْوَعة القرشيِّ المكيِّ، هو من أفرادِ البخاريِّ، أنَّه (قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ) بالتَّصغير (-أَوْ: بِابْنِ النُّعَيْمَانِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، و «جِيءَ» بالبناء للمجهول، وسبق في «الوكالة» [خ¦٢٣١٦] أنَّ الَّذي جاء به هو عقبةُ بن الحارث ﵁ كما رواه الإسماعيليُّ، ولفظه: «جئتُ بالنُّعيمان» (شَارِبًا) نصب على الحالِ، أي: شاربًا مسكِرًا، أي: متَّصفًا بالسُّكر؛ لأنَّه حين جِيءَ به لم يكن شاربًا حقيقةً بل كان سَكران (٢) (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ بِالبَيْتِ) وفي نسخة: «مَن كانَ في البيتِ» (أَنْ يَضْرِبُوهُ، قَالَ) عقبةُ: (فَضَرَبُوهُ، فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ) بكسر النون.

стр. 11767

وفي الحديث: جواز ضربِ الحدِّ في البيوت سرًّا، خلافًا لمن منعَهُ محتجًّا بظاهرِ ما رُوي عن عُمر في قصَّة ولدِه عبد الرَّحمن أبي شَحْمة لمَّا شربَ بمصرَ فحدَّه عَمرو بن العاص في البيتِ أنَّ عمرَ ﵁ (١) أنكرَ عليه، وأحضرَ ولده أبا شحمَةَ وضربَهُ الحدَّ جهرًا، كما رواهُ ابنُ سعد، وأخرجَهُ عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عمر مطوَّلًا، والجمهورُ على الاكتفاءِ، وحملوا صنيعَ عمر على المبالغةِ في تأديبِ ولدهِ لا أنَّ إقامةَ الحدِّ لا تصحُّ إلَّا جهرًا. والحديث سبقَ في «الوكالة» [خ¦٢٣١٦]. (٤) (باب الضَّرْبِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ) في شرب الخمرِ. ٦٧٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) بضم الواو، ابنُ عجلان الباهليُّ مولاهم، أبو بكر البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضم الميم وفتح اللام، وهو جدُّه (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِنُعَيْمَانَ) بضم النون (-أَوْ: بِابْنِ نُعَيْمَانَ-) بضم النون أيضًا، بالشَّكِّ هل الَّذي أُتِي به نعيمان أو ابنه؟ ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بالنُّعيمان أو بابن النُّعيمان» بزيادة ألف ولام فيهما (وَهْوَ سَكْرَانُ) بعدم الصَّرف (فَشَقَّ) ذلك (عَلَيْهِ) زادهُ الله شرفًا لديه، وعند النَّسائيِّ: «فشقَّ على النَّبيِّ ﷺ مشقَّةً شديدةً» (وَأَمَرَ مَنْ فِي البَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ) الحدَّ (فَضَرَبُوهُ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ)

стр. 11768

قال عقبة: (وَكُنْتُ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكنت» (فِيمَنْ ضَرَبَهُ) وفيه: أنَّ الحدَّ يحصل بالضَّرب بالجريد والنِّعال، وكذا بالعصَا المعتدلةِ وأطرافِ الثِّياب بعد فتلِها حتَّى تشتدَّ؛ إذ القصدُ الإيلامُ وكذا بالسَّوط، وتمسَّك به من قال: يجوزُ إقامة الحدِّ على السَّكران في حالِ سكرهِ، والجمهورُ على خلافهِ، وأوَّلوا الحديث بأنَّ المراد: ذكر سببِ الضَّرب لا أنَّ ذلك الوصف استمرَّ به في حالِ ضربه؛ لأنَّ المقصودَ بالضَّرب في الحدِّ الإيلام؛ ليحصل به الرَّدع (١). وسبقَ في الباب الَّذي قبل هذا أنَّ (٢) في «كتاب الوكالة» [خ¦٢٣٦١] أنَّ في روايةٍ للإسماعيليِّ: «جئت بالنُّعيمان» من غير شكٍّ، وكذا عند الزُّبير بن بكَّارٍ، وابن مندهْ بغير شكٍّ أيضًا، وهو النُّعيمان بن عَمرو بن رفاعة بنِ الحارث بنِ سواد بنِ مالك بنِ غَنْم بنِ مالك بنِ النَّجَّار الأنصاريُّ شهدَ العقبةَ وبدرًا والمشاهد كلَّها، وكان كثيرَ المزاح يَضْحَكُ النَّبيُّ ﷺ من مزاحه، وهو صاحبُ سُويبط بن حرملةَ، فقال يومًا له: «لأغيظنَّك (٣)، فجاء إلى أناسٍ جلبوا ظهرًا، فقال: ابتاعُوا منَا غلامًا عربيًّا فارهًا وهو ذو لسانٍ، ولعلَّه يقول: أنا حرٌّ، فإن كنتُم تاركيهِ لذلك فدعُوه لا تفسدُوا عليَّ غلامِي، فقالوا: بل (٤) نبتاعهُ منكَ بعشر قلائصَ، فأقبلَ بها يسوقُها، وأقبلَ بالقومِ حتَّى عقلُوه (٥)، ثمَّ قال: دونكُم هذا هو، فجاء القومُ، فقالوا: قد اشتريناكَ، فقال سُوَيبط: هو كاذبٌ أنا رجلٌ حرٌّ، فقالوا: قد أخبرَنَا خبرَكَ، فطرحوا الحبلَ في رقبتهِ وذهبوا بهِ، وجاءَ أبو بكر فأُخبِر (٦)، فذهبَ هو وأصحابٌ له فردُّوا القلائصَ وأخذوه، فلمَّا عادوا إلى النَّبيِّ ﷺ وأخبروهُ الخبرَ ضحك النَّبيُّ ﷺ وأصحابه حولًا». ورُوِي: أنَّه جاء أعرابيٌّ إلى رسولِ الله (٧) ﷺ فدخلَ المسجد وأناخَ ناقتَهُ بفنائهِ، فقال

стр. 11769

بعضُ أصحاب النَّبيِّ ﷺ لنُعيمان: لو نحرتَها فأكلنَاها، فإنَّا قد قَرِمْنَا إلى اللَّحم، ويغرمُ رسولُ الله ﷺ ثمنَها، قال: فنحرَها نُعيمان، ثمَّ خرجَ الأعرابيُّ فصاحَ به: واعقرياهُ يا محمَّد، فخرجَ النَّبيُّ ﷺ فقال: «مَن فعلَ هذا؟» قالوا (١): نعيمان، فأتبعه يسأل عنه، فوجدوه في دارِ ضُبَاعة بنت الزُّبير بنِ عبد المطَّلب مستخفيًا، فأشار إليه رجلٌ ورفع صوته يقول: ما رأيتُه يا رسولَ الله. وأشارَ بإصبعه حيثُ هو، فأخرجَهُ رسولُ الله ﷺ ، فقال له: «مَا حملَك على هذا؟» قال: الَّذين دلُّوك عليَّ يا رسول الله هم الَّذين أمروا، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يمسحُ وجهَه ويضحَكُ وغَرِمَ ثمنهَا. وكان يشربُ الخمر، فلمَّا كثرَ ذلك منه قال له رجلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ : لعنكَ الله. فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا تفعلْ فإنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَه». ٦٧٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بنُ دعِامة السَّدوسيُّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (أَرْبَعِينَ) ولا منافاةَ بين قولهِ: «ضربَ» و «جلدَ» لأنَّ المراد من قولهِ: «جلدَ» ضربَ فأصاب جِلْدهُ، وليس المراد ضربهُ بالجلدِ.

стр. 11770

٦٧٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيد قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ) أي: ابنُ عياض (عَنْ يَزِيدَ بْنِ الهَادِ) هو يزيد، من الزِّيادة، ابن عبدِ الله بنِ أسامةَ بنِ عبدِ الله بن شدَّاد بنِ الهاد، نسبَه إلى جدِّه الأعلى (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بنِ الحارث بنِ خالدٍ التَّيميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه قال: (أُتِيَ) بضم الهمزة (النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ) يحتملُ أن يكون هو النُّعيمان أو عبد الله الَّذي كان يلقَّب حِمَارًا، والثَّاني أقرب (قَدْ شَرِبَ) خمرًا (قَالَ) ﷺ : (اضْرِبُوهُ) لم يذكر عددًا، فقيل: لأنَّه (١) لم يكن محدودًا بعددٍ مخصوصٍ حينئذٍ (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ (٢): فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ) أي: بعد فَتْلِه للإيلامِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من الضَّرب (قَالَ بَعْضُ القَوْمِ) قيل: إنَّه عمر ﵁: (أَخْزَاكَ اللهُ، قَالَ) ﷺ : (لَا تَقُولُوا هَكَذَا) أي: لا تدعوا عليهِ بالخزي، وهو الذُّلُّ والهَوان (لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ) لأنَّ الشَّيطان يريدُ بتزيينه لهُ المعصية أن يحصلَ له الخزي، فإذا دعوا عليهِ بالخزي فكأنَّهم قد حصَّلوا مقصودَ الشَّيطان. وقال البيضاويُّ: لا تدعوا عليه بهذا الدُّعاء، فإنَّ الله إذا أخزاهُ استحوذَ عليهِ الشَّيطان، أو لأنَّه إذا سمعَ منكم انهمكَ في المعاصِي، وحمله اللَّجاج والغضبُ على الإصرارِ، فيصير الدُّعاء وصلة ومعونةً في إغوائهِ وتسويله. والحديث أخرجَه أبو داود في «الحدود». ٦٧٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحَجَبيُّ -بفتح المهملة والجيم ثم موحدة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) بنِ عبيد بنِ سالمٍ الهُجيميُّ البصريُّ قال (٣): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمانُ بنُ

стр. 11771

عاصم الأسديُّ الكوفيُّ قال: (سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ) بضم العين وفتح الميم في الأوَّل، وكسر العين في الثَّاني (النَّخعيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ) اللَّام لتأكيدِ النَّفي (حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي) أي: فأحزنُ عليهِ، والفعلان بالنَّصب، كذا في الفرع، ونصَّ عليه في «الفتح». وقال الكِرْمانيُّ: «فيموتَ» بالنَّصب، «فأجدُ» بالرَّفع، وقوله: «فيموت» مسبَّب عن «أُقيم»، و «أجد» مسبَّب عن السَّبب والمسبب معًا، والاستثناء في قوله: (إِلَّا صَاحِبَ الخَمْرِ) منقطعٌ، فـ «صاحبَ» يجبُ نصبُه إلَّا عند تميمٍ، أي: لكن أجد من حدِّ صاحبِ الخمر إذا مات شيئًا، ويجوزُ أن يقدَّر: ما أجدُ من موت أحدٍ يقام عليه الحدُّ شيئًا إلَّا من موتِ صاحبِ الخمر، فيكون متَّصلًا، قاله في «شرح المشكاة»، وصاحب الخمر، أي: شارب الخمر (فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) بتخفيفِ الدال المهملة، أعطيت ديَتَه لمن يستحقُّها. وعند النَّسائيِّ وابن ماجه من رواية الشَّعبيِّ، عن عُمَيرِ بنِ سعيد قال: سمعتُ عليًّا يقول: من أقمنَا عليه حدًّا فماتَ فلا ديَة له إلَّا من ضربنَاه في الخمرِ. وقال في «المصابيح»: فإن قلتَ: لا شكَّ أنَّ الاستثناءَ المتقدِّم متَّصلٌ، وحكمه نقيضُ الحكم الثَّابت للمستثنى منه ضرورة أنَّ الاستثناء من النَّفي إثبات وبالعكس، وحكمُ المستثنى منه عدم الوجدانِ في النَّفس، والثَّابت للمستثنى (١) كونه يُودَى وليس نقيضًا للأوَّل. وأجاب بأنَّه يلزم من القيام بديته ثبوت الوجدان في النَّفس من أمرهِ، ولذلكَ يَدِيهِ على تقدير: موتهِ، فهو حينئذٍ جارٍ على القاعدة، والمعنى: فإنَّه لو مات وجدتُ في نفسِي منه فوديتُهُ، فحذف السَّبب وأقام المسبَّب مقامه. (وَذَلِكَ) إشارة إلى قولهِ: «ما كنت لأقيم … » إلى آخره (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ) أي: لم يقدِّر فيه حدًّا مضبوطًا، وقد اتَّفقوا على أنَّ من وجب عليه حدٌّ فجلدَه الإمامُ أو جلَّادُه الحدَّ الشَّرعيَّ فمات، فلا ديَةَ فيه، ولا كفَّارة على الإمامِ ولا على جلَّاده ولا في بيتِ المال، إلَّا في حدِّ الخمرِ فعن عليٍّ ما تقدَّم. وقال الشَّافعيُّ: إن ضُرِب بغير السَّوط فلا ضمانَ، وإن ضربَ بالسَّوط ضُمِن قبل الدِّية، وقيل: قَدْرَ تفاوتِ ما بين (٢) الجلْدِ (٣) بالسَّوط وبغيره، والدِّية في ذلك على عاقلةِ

стр. 11772

الإمام، وكذلك لو ماتَ فيما زاد على الأربعين. وقال الطِّيبيُّ: ويحتملُ أن يُراد بقوله: لم يسنَّه، الحدُّ الَّذي يؤدِّي إلى التَّعزير، كما في حديث أنسٍ ومُشاورة عمر عليًّا ﵄. قال: وتلخيصُ المعنى: أنَّه إنَّما خاف من سُنَّةٍ سنَّها عمرُ وقوَّاها (١) برأي عليٍّ لا ما سنَّه رسولُ الله ﷺ . والحديث أخرجَه مسلمٌ في «الحدود»، وكذا أبو داود وابنُ ماجه. ٦٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) البلخيُّ (عَنِ الجُعَيْدِ) بضم الجيم وفتح العين المهملة، ابنِ عبدِ الرَّحمن التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ يَزِيدَ ابْنِ خُصَيْفَةَ) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة ثم فاء، الكوفيِّ، وهو يزيدُ بنُ عبدِ الله بنِ خصيفة (عَنِ السَّائِبِ) بالهمزة بعد الألف (بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الكنديِّ ﵁، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى) بضم النون وفتح الفوقيَّة (بِالشَّارِبِ) الخمرَ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وقد كان السَّائب صغيرًا جدًّا في عهد رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه كان ابن ستِّ سنين، فيبعدُ (٢) أن يشاركَ من كان يجالسُ النَّبيَّ ﷺ فيما ذكرَ مِنْ ضَرْبِ الشَّارب، فمرادُه بقولهِ: «كنَّا» أي: الصَّحابة ﵃، ويحتمل أن يحضرَ مع أبيهِ أو غيره فيشاركهُم في ذلك، فيكون الإسنادُ على حقيقتهِ (وَإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ) بكسر الهمزة وسكون الميم، أي: خلافتهُ ﵁ (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) ﵁، أوائل خلافتهِ (فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا) فنضربه بها (حَتَّى كَانَ آخِرَ إِمْرَةِ عُمَرَ) بنصب «آخرَ» لأبي ذرٍّ، وبالرَّفع لغيره (فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا) بفتح العين المهملة والفوقية، تجبَّروا وانهمَكوا في الطُّغيان وبالغوا في الفسادِ في شربِ الخمر (وَفَسَقُوا) أي: خرجوا عن الطَّاعة (جَلَدَ ثَمَانِينَ) سوطًا، زاد عبد الرَّزَّاق وقال: «هذا أدنَى الحدود». واستُشكل قولهُ: «حتَّى كان آخر إمرة عمر … » إلى آخره، هذا بما في «سنن أبي داود» والنَّسائيِّ من حديث عبد الرَّحمن بن أزهر في قصَّة الشَّارب الَّذي ضربه النَّبيُّ ﷺ بحُنين،

стр. 11773

وفيه: «فلمَّا كان عمرُ كتب إليه خالدُ بنُ الوليد أنَّ النَّاس قد انهمَكوا في الشُّرب وتحاقَروا العقوبةَ، قال: وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم واجتمعُوا على أن يضربَه ثمانين» فإنَّه يدلُّ على أنَّ أمر عمر بجلدِ ثمانين كان في وسطِ إمارتهِ، فإن (١) خالدًا ماتَ في وسطِ خلافةِ عمر، وظاهر قولهِ: «حتَّى كان آخر إمرة عمر فجلدَ أربعين» أنَّ التَّحديد بها إنَّما وقعَ في آخر خلافة عُمر، وليس كذلك لما في قصَّةِ خالدٍ المذكورة. وأُجيب بأنَّ المراد بالغاية المذكورة استمرارُ الأربعين (٢). (٥) (باب مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِبِ الخَمْرِ) بسكون العين، والكراهة للتَّنزيه عند قصدِ محض السَّبِّ، وللتَّحريم عند قصد معناه الأصليِّ، وهو الإبعادُ من رحمةِ الله (وَإِنَّهُ) أي: الشَّارب (لَيْسَ بِخَارِجٍ) بمعصيتهِ بشربهِ (مِنَ المِلَّةِ) الإسلاميَّة، فالنَّفي في حديث: «لا يشربُ الخَمر حين يشربُهَا وهو مؤمنٌ» السَّابقِ [خ¦٦٧٧٢] نفيٌ للكمالِ. ٦٧٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة، ويحيى هو ابنُ عبدِ الله بنِ بكير المصريُّ المخزوميُّ (٣) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) البجليُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) بكسر العين، اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم الحبشيِّ، مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: زمنهِ (كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا) باسم الحيوان

стр. 11774

المعروف (وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بضم التحتية وسكون الضاد المعجمة وكسر المهملة، بأن يفعلَ أو يقول في حضرته المقدَّسة ما يَضْحكُ منه، وعند أبي يَعلى من طريق هشامِ بنِ سعد، عن زيد بن أسلم -بسند الباب-: «أنَّ رجلًا كان يلقَّب حِمَارًا وكان يهدِي لرسول (١) الله ﷺ العكَّة من السَّمن والعسلِ، فإذا جاء صاحبُه يتقاضاهُ جاء به إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: أعطِ هذا متاعَهُ، فما يزيدُ النَّبيُّ ﷺ على (٢) أن يتبسَّمَ ويأمر به فيُعطى» وفي حديث محمد (٣) بن عَمرو بن حزمٍ: وكان لا يدخلُ المدينةَ طَرْفَةً إلَّا اشترى منها، ثمَّ جاءَ فقال: يا رسولَ الله هذا أهديتهُ لك، فإذا جاءَ صاحبه يطلبُ ثمنَه جاء به (٤). فقال: أعطِ هذا الثَّمنَ. فيقول: «ألم تُهدهِ لي» فيقول: ليس عندِي، فيضحَكُ ويأمرُ لصاحبهِ بثمنهِ. قال: وقد وقعَ نحو (٥) هذا لنُعَيمان (٦) فيما ذكره الزُّبير بن بكَّار في «كتاب الفكاهة والمزاح». (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ) أي: بسببِ شربه الشَّراب المُسْكِر (فَأُتِيَ) بضم الهمزة (بِهِ يَوْمًا) وقد شربَ المسكر، وكان في غزوةِ خيبر، كما قاله (٧) الواقديُّ (فَأَمَرَ) ﷺ (بِهِ فَجُلِدَ) وللواقديِّ: «فأمرَ به فخُفق بالنِّعال» وحينئذٍ فيكون معنى «فجُلِد» أي: ضُرِبَ ضربًا أصاب جِلْدَه (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قالَ» (رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ) وعند الواقديِّ: فقال عمر ﵁: (اللَّهُمَّ العَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ) بضم التحتية وفتح الفوقية، «وما» مصدريَّة، أي: ما أكثرَ إتيانهِ، وللواقديِّ: ما أكثرَ ما يُضرب. وفي رواية مَعمر: ما أكثرَ ما يشربُ، وما أكثَرَ ما يجلدُ (٨) (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ) أي: الَّذي علمتُ (أَنَّهُ) بفتح همزة «أنَّ» واسمها الضَّمير، وخبرها: (يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ) و «أنَّ» مع اسمها وخبرها سدَّ مسدَّ مفعولي «علمتُ» لكونه مشتملًا على المنسوبِ والمنسوبِ إليه، والضَّمير في «أنَّه» يعود إلى

стр. 11775

الموصول، والموصول مع صلتهِ خبر مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: هو الَّذي «علمت» والجملة جواب القسم، قاله المظهريُّ. قال الطِّيبيُّ: وفيه تعسُّفٌ، وقال صاحب «المطالع»: «ما» موصولة، و «إنَّه» بكسر الهمزة مبتدأ، وقيل بفتحها وهو مفعول «علمتُ» قال الطِّيبيُّ: فعلى هذا «علمتُ» بمعنى: عرفتُ، و «أنَّه» خبر الموصول. قال: وجَعْلُ «مَا» نافيةً أظهرُ لاقتضاءِ القسم أن يُتَلقَّى بحرف النَّفي وبأنَّ وباللَّام (١) بخلافِ الموصول، ولأنَّ الجملة القسميَّة جيءَ بها مؤكِّدةً لمعنى النَّهي مقرِّرةً للإنكار. ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «إلَّا أنَّه» بزيادة «إلَّا» وفتح همزة (٢) «أنَّه» ولأبي ذرٍّ: «إنَّه» بكسر الهمزة، ورواية الكُشمِيهنيِّ مؤيِّدة لقول الطِّيبي: إن جعل (٣) «ما» نافية … إلى آخره كما قال بعد ذلك، ويؤيِّده أنَّه وقع في «شرح السُّنة»: «فوالله ما علمت إلَّا أنَّه» وفي رواية الواقديِّ: «فإنَّه يحبُّ الله ورسوله»، ولا إشكالَ فيها لأنَّها جاءت تعليلًا لقولهِ: «لا تفعلْ». وفي الحديث الرَّدُّ على من زعم أنَّ مرتكبَ الكبيرة كافرٌ لثبوت النَّهي عن لعنهِ (٤)، وأنَّه لا تنافي بين ارتكاب النَّهي وثبوت محبَّة الله ورسوله في قلبِ المُرتكب؛ لأنَّه ﷺ أخبر أنَّ المذكور يحبُّ الله ورسولَه مع ما صدرَ (٥) منه. وكراهةُ لعن شاربِ الخمر، وقيل: المنعُ في حقِّ من أقيمَ عليه الحدُّ؛ لأنَّ الحدَّ كفَّر عنه الذَّنب، وقيل: المنع مطلقًا في حقِّ ذي الزَّلَّة، والجوازُ مطلقًا في حقِّ المجاهرين، وصوَّبَ ابن المُنَيِّر: أنَّ المنع مطلقًا في حقِّ المعيَّن، والجواز في حقِّ غير المعيَّن (٦)؛ لأنَّه في حقِّ غير المعيَّن (٧)

стр. 11776

زجر عن تعاطِي ذلك الفعل. واحتجَّ الإمامُ البلقينيُّ على جواز لعن المعيَّن بالحديثِ الوارد في المرأةِ إذا دعاهَا زوجُها إلى فراشهِ فأبت لعنتْها الملائكةُ حتَّى تصبحَ، وتعقَّبه بعضهُم بأنَّ اللَّاعن لها الملائكة، فيتوقَّف الاستدلالُ به على جوازِ التَّأسِّي بهم، ولئن سلَّمنا فليس في الحديثِ تسميتها، وأُجيب بأنَّ الملك معصومٌ، والتَّأسي بالمعصوم مشروعٌ. والحديثُ من أفرادهِ. ٦٧٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) أبو ضمرة قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ الهَادِ) هو عبدُ الله بن شدَّاد بنِ الهادِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بنِ الحارثِ التَّيميِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضم الهمزة (النَّبِيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ) تقدَّم أنَّه النُّعيمان أو ابنُ النُّعيمان، بالتَّصغير فيهما، وبالشَّكِّ (فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فقامَ ليضربَه» قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ (فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ) قيل: إنَّه عمر بنُ الخطَّاب ﵁: (مَالَهُ أَخْزَاهُ اللهُ) أي: أذلَّه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ) المسلم؛ لأنَّ الله إذا أخزاهُ استحوذَ عليه الشَّيطان، وقيل غير ذلك ممَّا سبق قريبًا في «باب الضَّرب بالجريدِ والنِّعال» [خ¦٦٧٧٧]. وفي الحديث -كما قال القرطبيُّ-: أنَّ السُّكر بمجرَّدِه موجبٌ للحدِّ؛ لأنَّ الفاء للتَّعليل كقولهِ: سهَا فسجدَ، ولم يفصِّلْ هل سَكِرَ من ماءِ عنبٍ أو غيره؟ ولا هل شربَ قليلًا أو كثيرًا؟ ففيه حجَّةٌ للجمهور على الكوفيِّين في التَّفرقة. (٦) (باب السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ) بكسر الراء.

стр. 11777

٦٧٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين، أي: ابنُ بحرٍ الصيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ) بنِ عامرٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ) بضم الفاء وفتح المعجمة مصغَّرًا، و «غَزْوان» بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، الكوفيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابنِ عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) إيمانًا كاملًا، أو يُحمَل على المستحلِّ مع العلم بالحرمَة في الشَّرع (وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ) في «يسرقُ» ضمير مستتر مرفوعٌ راجعٌ إلى السَّارق الدَّالّ عليه (١) قوله: «يسرق» بالالتزام؛ لأنَّ «يسرق» يستلزم سارقًا، وحسَّنَ ذلك تقدُّم نظيره وهو: «لا يزني الزَّاني»، وليس يرجع إلى الزَّاني لفساد المعنَى، ولأبي ذرٍّ: «ولا يسرقُ السَّارق حينَ يسرق» (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) وسبق في «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٧٥] عن الفَِرَبْريِّ أنَّه قال: وجدت بخطِّ أبي جعفر -يعني: ورَّاق البخاريِّ-: قال أبو عبد الله البخاريُّ: تفسيرهُ أن يُنزع منه، يريد نور الإيمان. انتهى. والإيمان: هو التَّصديق بالجنانِ والإقرارُ باللِّسان، ونوره الأعمال الصَّالحة واجتنابُ المناهي، فإذا زنى أو شربَ الخمر أو سرقَ ذهبَ نوره، وبقي في الظُّلمةِ، فإن تابَ رجعَ إليه. والحديث مرَّ في «المظالمِ» [خ¦٢٤٧٥] و «الحدود» [خ¦٦٧٧٢] وغيرهما. (٧) (باب) حكم (لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ) أي: لم يعيَّن.

стр. 11778

٦٧٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) حفص النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) فيه جوازُ لعنِ غير المعيَّن من العُصاة؛ لأنَّه لعن الجنس مطلقًا، ويحتمل أن يكون خبرًا ليرتدعَ من سمعه عن السَّرقة، ويحتملُ أن لا يُراد به حقيقةُ اللَّعن بل التَّنفير فقط. وقال في «شرح المشكاة»: لعلَّ المراد باللَّعن هنا: الإهانةُ والخُذْلان، كأنَّه قيل لمَّا استعملَ أعزَّ شيءٍ عندهُ في أحقرِ شيءٍ، خذلَهُ الله حتَّى قُطِعَ (وَيَسْرِقُ الحَبْلَ) بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة السَّاكنة (فَتُقْطَعُ يَدُهُ). (قَالَ الأَعْمَشُ) بالسَّند السَّابق: (كَانُوا) أي: الرَّاوون لهذا الحديث (يَُرَوْنَ) بفتح التحتية من الرَّأي، ولأبي ذرٍّ بضمها، من الظَّنِّ (أَنَّهُ بَيْضُ الحَدِيدِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بيضَة الحديد» أي: الَّتي تكون على رأسِ المقاتل (وَالحَبْلُ كَانُوا يَُرَوْنَ) بفتح أوَّله وضمِّه، كما مرَّ (أَنَّهُ) أي: الحبل المذكور (مِنْهَا) أي (١): من الحبالِ (مَا يَسْوَى) بفتح التحتية والواو بينهما سين مهملة ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «ما يُسَاوِي» بضم ففتح فألف فكسر (دَرَاهِمَ). قال في «الكواكب»: أي: ثلاثة، كأنَّه نظرَ إلى أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة، وتعقَّب الأعمشُ ابنَ قتيبة فقال: قوله في هذا الحديث: إنَّ البيضةَ بيضةُ الحديد الَّتي تجعلُ في الرَّأس في الحربِ، وأنَّ الحبل من حبال السُّفن، تأويلٌ لا يجوزُ عند من يعرف صحيحَ كلامِ العرب؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من هذين يبلغُ دنانيرَ كثيرة، وهذا ليسَ موضع تكثير لِمَا يسرقه السَّارق، ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبَّح الله فلانًا عرَّض نفسَه للضَّربِ في عقدِ جوهر، وتعرَّض للعقوبةِ بالغلولِ في جرابِ مسكٍ، وإنَّما العادة في مثل هذا أن يُقال: لعنهُ الله تعرَّض لقطع اليدِ في حبلٍ رثٍّ، أو في كُبَّة شعرٍ، أو رداءٍ خَلَقٍ، وكلَّ ما كان نحو ذلكَ كان أبلغَ. انتهى. وتبعَهُ (٢) الخطَّابيُّ وعبارته: تأويل الأعمش هذا غيرُ مطابقٍ للحديثِ ومَخْرَج الكلام، وإنَّما وجه الحديث وتأويله ذمُّ السَّرقة، وتهجينُ أمرِها، وتحذيرُ سوءِ عاقبتِها فيما قلَّ وكثرَ

стр. 11779

من المالِ، يقول: إنَّ سَرِقة الشَّيء اليسير الَّذي لا قيمةَ له كالبيضَةِ المَذِرَة والحبلِ الخَلَقِ الَّذي لا قيمةَ له إذا تعاطاه (١) فاستمرَّت به العادة، لم ينشبْ أن يؤدِّيه ذلك إلى سرقةِ ما فوقها (٢) حتَّى يبلغَ قدرَ ما تُقطع فيه اليد فتقطعُ يدُه. يقول: فليحذَر هذا الفعلَ وليَتَوَقَّهُ قبل أن تملكَه العادة ويتمرَّن (٣) عليها؛ ليسلمَ من سوء عاقبتهِ. انتهى. لكن أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ عن حاتمِ بنِ إسماعيل، عن جعفرِ بن محمَّد، عن أبيهِ، عن عليٍّ: «أنَّه قطع يدَ سارقٍ في بيضةِ حديدٍ ثمنُها ربع دينار». قال في «الفتح»: رجاله ثقاتٌ مع انقطاعه، ولعلَّ هذا مستند التَّأويل الَّذي أشار إليه الأعمش. وقال الكِرْمانيُّ: غرضُ الأعمش أنَّه لا قطعَ في الشَّيء القليل بل النِّصاب كربعِ دينارٍ. والحديث أخرجَه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القطعِ»، وابن ماجه في «الحدود». (٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الحُدُودُ كَفَّارَةٌ). ٦٧٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) غير منسوبٍ، وجزم أبو نُعيم في «المستخرج»: أنَّه الفِريابيُّ، أو هو البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ «أَخْبرنا» (ابْنُ عُيينة) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم بنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله؛ بالذال المعجمة (الخَوْلَانِيِّ) بالخاء المعجمة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: بَايِعُونِي) بكسر التَّحتية، أي: عاقدُوني (عَلَى) التَّوحيد: (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا)

стр. 11780

حذف المفعول ليدلَّ على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا) وهو قوله تعالى في سورةِ المُمتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيةَ (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) بتخفيف الفاء (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَعُوقِبَ بِهِ) أي: بسببهِ (فَهْوَ) أي: العقاب (كَفَّارَتُهُ) فلا يعاقب عليهِ في الآخرةِ، زاد التِّرمذيُّ من حديثِ عليٍّ وصحَّحه: «فاللهُ أكرمُ من أن يثنِّي العقوبةَ على عبدِهِ في الآخرِةِ»، واستُشكل بحديثِ أبي هُريرة عند البزَّار وصحَّحه الحاكم أنَّه ﷺ ، قال: «لَا أَدْري الحدودُ كفَّارة لأهلِهَا أمْ لَا» وأُجيب بأنَّ حديث الباب أصحُّ إسنادًا، وبأنَّ الحاكم لا يخفَى تساهلهُ في التَّصحيح، وسبقَ في «كتابِ الإيمان» [خ¦١٨] مزيد بحثٍ لذلك فليراجَعْ (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) بفضلهِ (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بعدلهِ (١). والحديث سبقَ في «الإيمانِ» كما مرَّ [خ¦١٨]. (٩) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى) أي: محميٌّ (٣) محفوظٌ عن الإيذاءِ (إِلَّا فِي حَدٍّ) وجبَ عليهِ (أَوْ حَقٍّ) لآدميٍّ. ٦٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) قالَ الحاكم: هو الذُّهليُّ، فيكون نسبهُ لجدِّه، واسمُ أبيه يَحيى بن عبدِ الله بنِ خالد بنِ فارس، أو هو محمَّد بنُ

стр. 11781

عبدِ الله بنِ أبي الثَّلج؛ بالمثلثة والجيم، قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ) أخيهِ (وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بنُ زيد بنِ عبدِ الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمر بنِ الخطَّاب ﵄: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بمنى في خطبتهِ الَّتي خطبها يوم النَّحر: (أَلَا) بالتَّخفيف للتَّنبيه: (أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟) برفع «أيُّ» (قَالُوا: أَلَا) بالتَّخفيف (شَهْرُنَا هَذَا) الحجَّة (قَالَ) ﷺ : (أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا) البلدُ الحرام (قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا) يوم النَّحر، قال في «الكواكب»: فإن قلت: صحَّ أنَّ أفضلَ الأيَّام يوم عرفة؟ وأجاب بأنَّ المراد باليوم: وقتُ أداءِ المناسك، وهما في حكمِ شيءٍ واحدٍ. (قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ اللهَ ﵎ سقطَ لأبي ذرٍّ ما بعد الجلالةِ الشَّريفة (قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «قد حرَّم عليكُم دماءكُم» (وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) بفتح الهمزة (إِلَّا بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا) بالتَّخفيف (هَلْ (١) بَلَّغْتُ) قال ذلك (ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ) أي: الصَّحابة: (أَلَا نَعَمْ) بلَّغت (قَالَ) ﷺ : (وَيْحَكُمْ) بالحاء المهملة، كلمةُ رحمة (أَوْ) قال: (وَيْلَكُمْ) كلمةُ عذابٍ (لَا تَرْجِعُنَّ) بضم العين وبالنُّون الثَّقيلة، خطابٌ للجماعةِ، ولمسلمٍ: «لا ترجعُوا» (بَعْدِي) بعد موقِفي هذا، أو بعد وفاتِي (كُفَّارًا) أي: لا يكفِّر بعضُكم بعضًا، فتستحِلُّوا القتال (٢)، أو لا تكن (٣) أفعالُكم أفعال الكفَّار (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضربُ» جملة مستأنفة مبيِّنة لقولهِ: «لا ترجعُوا بعدي كفَّارًا». والحديثُ سبق في «الحجِّ» في «بابِ الخطبة أيَّام منى» [خ¦١٧٤٢]، والله أعلم. (١٠) (باب) وجوبِ (إِقَامَةِ الحُدُودِ وَ) وجوبِ (الاِنْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللهِ).

стр. 11782

٦٧٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابنُ عبد اللهِ بنِ بكير المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضم الخاء المعجمة وتشديد التحتية المكسورة (بَيْنَ أَمْرَيْنِ) من أمورِ الدُّنيا (إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْم) ولغير الكُشمِيهنيِّ: «مَا لَم يأثَم». قال (١) الكِرْمانيُّ: فإن قلت: كيف يخيَّر النَّبيُّ (٢) ﷺ في أمرين أحدُهما إثمٌ؟ وأجاب بأنَّ التَّخيير إن كان من الكفَّار فظاهرٌ، وإن كانَ من اللهِ والمسلمين، فمعناهُ: ما لم يؤدِّ إلى إثمٍ، كالتَّخيير في المجاهدةِ في العبادةِ والاقتصاد فيها، فإنَّ المجاهدة بحيث تجرُّ إلى الهلاكِ لا تجوز. انتهى. ونحوه أجابَ بهِ ابنُ بطَّال، والأقربُ -كما قال في «الفتح» -: إنَّ فاعل التَّخيير الآدميُّ وهو ظاهرٌ، وأمثلتهُ كثيرةٌ ولا سيَّما إذا صدرَ من كافرٍ. (فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا) أي: أبعدَ الأمرينِ (مِنْهُ) ﷺ (وَاللهِ مَا انْتَقَمَ) ﷺ (لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ) بضم التحتية وفتح الفوقيَّة (حَتَّى تُنْتَهَكَ) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما نون ساكنة (حُرُمَاتُ اللهِ) بارتكابِ معاصيهِ (فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ) بالرَّفع، أي: فهو ينتقمُ، ولأبي ذرٍّ: «فَيَنْتِقمَ» بالنَّصب عطفًا على تُنتهك. والحديثُ سبق في «بابِ صفة النَّبيِّ ﷺ » [خ¦٣٥٦٠]. (١١) (باب) وجوب (إِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالوَضِيعِ).

стр. 11783

٦٧٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بنُ عبدِ الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ (١) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) للشَّفاعةِ (٢) (فِي امْرَأَةٍ) اسمُها فاطمة المخزوميَّة، وكانت سرقَت حليًّا، فقالوا: من يكلِّم فيها النَّبيَّ ﷺ حتَّى لا يقطع (٣) يدهَا، فلم يَجْسُرْ أحدٌ أن يكلِّمه في ذلك، فكلَّمه أسامةُ بن زيد (فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ) أي (٤): لأنَّهم (كَانُوا يُقِيمُونَ الحَدَّ عَلَى الوَضِيعِ وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ) فلا يقيمونَ عليه الحدَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ويتركُون على الشَّريف» أي: يتركونَ إقامةَ الحدِّ على الشَّريف (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ) فعلَتْ (فَاطِمَةُ) ﵂ بنت النَّبيِّ ﷺ ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لو أنَّ فاطمَة» (فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا). والحديثُ سبقَ في «بني إسرائيل» [خ¦٣٤٧٥] و «المناقب» [خ¦٣٧٣٣]، وأخرجه أصحابُ «السُّنن» الأربعة ومسلمٌ. (١٢) (باب كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِي الحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ).

стр. 11784

٦٧٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بفتح السين في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني، البزَّاز -بزايين أولاهما مشدَّدة- البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا) أي: من أدركَ ذلك منهم بمكَّة عام الفتحِ، والنَّبيُّ ﷺ مقيمٌ بمكَّةَ، كما (١) في مسلم، و «قريشًا» بالتَّنوين مصروفًا على إرادةِ الحيِّ، ولو أريدَ القبيلة مُنِعَ (أَهَمَّتْهُمُ المَرْأَةُ) فاطمةُ بنتُ الأسود بنِ عبدِ الأسدِ بنِ عبدِ الله بنِ عَمرو (٢) بنِ مخزومٍ، وهي بنتُ أخي أبي سلمة بنِ عبد الأسدِ الصَّحابيِّ الجليل الَّذي كان زوجَ أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين قُتل أبوهَا كافرًا يومَ بدرٍ قتلهُ حمزة، ووهم من زعمَ أنَّ له صُحبة (المَخْزُومِيَّةُ) نسبةً إلى مخزومِ بن يَقَظة -بفتح التحتية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة- ابنِ مرَّة بنِ كعب بنِ لؤي بنِ غالبٍ، ومخزوم أخو كلابِ بن مرَّة الَّذي يُنسب إليه بنو عبدِ مناف (الَّتِي سَرَقَتْ) وفي ابنِ ماجه: «أنَّها سرقتْ قطيفةً من بيتِ (٣) رسولِ الله ﷺ » وعندَ ابنِ سعدٍ من مرسلِ حبيب بنِ أبي ثابت: أنَّها سرقتْ حليًّا، وجُمِعَ بينهُما بأنَّ الحليَّ كان في القطيفةِ، وفي مسلم: «أنَّها كانت تستعيرُ المتاع وتجحده» لكنَّ القطع بالسَّرقة لا بجحدِ المتاع، خلافًا للإمامِ أحمد، والجمهورُ على أنَّ جحدَ المتاع ذُكِرَ للتَّعريف جمعًا للرِّوايات، أو رواية الجحدِ شاذَّة لا يعملُ بها لمخالفتِها الباقِي، ولذا لم يذكُرها البخاريُّ وإنَّما انفردَ بها مسلمٌ، ومعنى: «أهمَّتهم» أي: صيَّرتهم ذوي همٍّ خوفًا من لحوقِ العارِ وافتضاحِهم بها بين القبائلِ، وظنُّوا إمكان الشَّفاعة في مثلِ ذلك، فلمَّا جاء أهلُها إلى من يشفعُ لهم فيها عندَ رسولِ الله ﷺ (فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أي: يشفعُ أن لا تقطعَ إمَّا عفوًا وإمَّا بفداءٍ (وَمَنْ يَجْتَرِئُ) بالجيم والهمزة، أي: من يتجاسَر (عَلَيْهِ) بطريقِ الإدلالِ (إِلَّا أُسَامَةُ) ولأبي ذرٍّ: «إلَّا أسامةُ بنُ زيد» و «أسامةُ» بالرَّفع على الفاعليَّة، فيحتاجُ إلى ضمير من جملةِ

стр. 11785

«يجترئُ» يعود على «مَنْ»؛ لأنَّ «مَنْ» مبتدأٌ والخبرُ الجملة (١)، فلابدَّ من ضميرٍ (٢) يعودُ على المبتدأ وهو الضَّمير المجرور، والتَّقدير: وأيُّ شخصٍ يجترئُ كما يجترئُ أسامة عليه، والمعنى: لا يجترئُ عليه منَّا أحدٌ لمهابتهِ ولِمَا لا تأخذُه في دينِ الله رأفةٌ، وما يجترئُ عليه إلَّا أسامة، و «عليه» يتعلَّق بـ «يجترئ»، ونظيرُ هذا التَّركيب هنا قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. قال أبو البقاءِ: ﴿مَن﴾ مبتدأ و ﴿يَغْفِرُ﴾ خبرُه و ﴿إِلاَّ اللّهُ﴾ فاعل ﴿يَغْفِرُ﴾ أو بدلٌ من المضمر فيه، وهو الوجه؛ لأنَّك إذا جعلتَ الله فاعلًا احتجتَ إلى تقديرِ ضمير، أي: ومن يغفرُ الذُّنوب غير الله، لكن قال في «الدُّرِّ»: جعله الجلالة (٣) فاعلًا يقرب من الغلطِ، فإنَّ الاستفهام هنا (٤) لا يرادُ به حقيقتهُ إنَّما يُراد به النَّفي، والوجه أنَّ الجلالةَ بدلٌ من الضَّمير، ويصحُّ أن يكون «أسامة» مرفوعًا على أنَّه بدلٌ من فاعل «يجترئ» وهو وجهُ الإعرابِ، كما قالَ أبو البقاءِ. ويجوز النَّصب على الاستثناءِ، ووقعَ في حديثِ مسعودِ بنِ الأسود: فجئنا إلى النَّبيِّ ﷺ فقلنَا: نحن نفديهَا بأربعين أوقيَّة، فقال: «تُطَّهَرُ خيرٌ لها»، فلمَّا سمعنَا لينَ النَّبيِّ ﷺ أتينا أسامةَ، وفي روايةِ يونس السَّابقة في «الفتح» [خ¦٤٣٠٤] فـ «فزعَ قومها إلى أسامةَ» وفي روايةِ أيوب بن موسى في «الشَّهادات» [خ¦٣٧٣٢] «فلم يجترئْ أحدٌ أن يكلِّمه إلَّا أسامةُ». (حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بكسر الحاء المهملة، أي: محبوبه، ويجري عليه إعرابُ «أسامة» إن كان مرفوعًا فنعته مرفوعٌ، وإن كان منصوبًا فنعتُه منصوبٌ، ويجوزُ البدل (فَكَلَّمَ) أسامةُ (رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ) ﷺ له: (أَتَشْفَعُ) بهمزة الاستفهام وفيها معنى الإنكار، والجملةُ معمولةٌ للقولِ، وفي روايةِ يونس [خ¦٤٣٠٤] «فكلَّمه فتلوَّن وجهُ رسولِ الله ﷺ ، فقال: أتشفعُ» (فِي) تركِ (حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ثُمَّ قَامَ) ﷺ (فَخَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ) وفي روايةِ أبي الوليدِ «هلكَ» [خ¦٦٧٨٧] وفي روايةِ سفيان عند النَّسائيِّ: «إنَّما هلكَ بنو إسرائيل»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من كانَ قبلكُم» (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ

стр. 11786

الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ) فلا يحدُّونه (١) (وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ). قال ابنُ دقيق العيد: الظَّاهر أنَّ هذا الحصرَ ليس عامًّا، فإنَّ بني إسرائيل كانتْ فيهم أمورٌ كثيرةٌ تقتضِي الإهلاكَ، فيُحمَلُ ذلك على حصرٍ مخصوصٍ، وهو الإهلاكُ بسببِ المحاباةِ في الحدودِ، فلا ينحصرُ في حدِّ السَّرقة (وَايْمُ اللهِ) مرفوعٌ بالابتداء وخبره محذوفٌ، أي: قسمِي، أو يميني، أو لازمٌ لي (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ) ﵂ (بِنْتَ مُحَمَّدٍ) ﷺ (سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا). وعند ابن ماجَه عن محمَّد بن رُمح شيخه في هذا الحديث: سمعتُ اللَّيث يقول عقبَ هذا الحديث: «قد أعاذهَا اللهُ من أن تسرقَ» وكلُّ مسلمٍ ينبغِي له أن يقولَ مثل هذا، فينبغِي أن لا يذكرَ هذا الحديثَ في الاستدلالِ ونحوه إلَّا بهذه الزِّيادة، ووقعَ للشَّافعيِّ رحمةُ الله عليه أنَّه لمَّا ذكر هذا الحديث، قال: فذكَر عضوًا شريفًا من امرأةٍ شريفةٍ، واستحسنُوا (٢) ذلكَ منه لِمَا فيهِ من الأدبِ البالغِ، وفي قولهِ: «لقطعَ محمَّد يدها» التَّجريد، وإنَّما خصَّ ﷺ فاطمةَ بالذِّكر؛ لأنَّها أعزُّ أهله عندهُ، فأرادَ المبالغةَ في تثبيتِ إقامة الحدِّ على كلِّ مكلَّفٍ، وتركِ المحاباةِ في ذلك، ولأنَّ اسمَ السَّارقةِ وافقَ اسمَها ﵂، فناسبَ أن يضربَ المثل بها. وزاد في روايةِ يونس السَّابقة في «غزوةِ الفتح» [خ¦٤٣٠٤] ثمَّ أمرَ بتلكَ المرأة الَّتي سرقتْ فقُطعت يدَها. وفي حديثِ ابنِ عمر عند النَّسائيِّ: «قُم يا بلالُ فخُذْ بيدِها فاقطعْها»، وزادَ (٣) أبو داود في تعليقهِ عن محمَّد بنِ عبدِ الرحمن: «فشهِد عليهَا»، وزاد يونس [خ¦٤٣٠٤] أيضًا. «قالتْ عائشةُ: فحسُنَت توبتها بعدُ وتزوَّجت». وفي الحديثِ: منعُ الشَّفاعة في الحدودِ وهو مقيَّدٌ في التَّرجمة بما إذا رُفِعَ إلى السُّلطان. وفي مرسلِ حبيبِ بن أبي ثابتٍ أنَّه ﷺ قال لأسامةَ لمَّا شفعَ: «أتشفعُ في حدٍّ، فإنَّ الحدودَ إذا انتَهت فليسَ لهَا مَتْرَكٌ». وعند الدَّارقطنيِّ من حديث الزُّبير مرفوعًا: «اشفعُوا ما لم يصلْ إلى الوالي، فإذا وصلَ إلى الوالي فعَفا فلا عفَا الله عنه». قال ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُ خلافًا أنَّ الشَّفاعة في ذوي الذُّنوب حسنةٌ جميلةٌ ما لم تبلُغْ السُّلطان، وإنَّ على السُّلطان إذا بلغَتْه أن يقيمَها.

стр. 11787

(١٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾) ارتفعَا بالابتداءِ (١) والخبر محذوفٌ تقديره: فيما يُتلى عليكم السَّارق والسَّارقة، أو الخبر (﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]) أي: يديهما (٢)، والمرادُ: اليمينانِ بدليلِ قراءةِ عبدِ الله: (والسَّارقون والسَّارقات فاقطعوا أيمانَهم). رواه التِّرمذيُّ، ودخولُ الفاء لتضمُّنها (٣) معنى الشَّرط؛ لأنَّ المعنى: والَّذي سرق والَّتي سرقتْ فاقطعوا أيديَهما، والاسم الموصول تضمَّن معنى الشَّرط، وبدأ بالرَّجل؛ لأنَّ السَّرقة من الجُرأة وهي في الرِّجال أكثر، وقُدِّمت الزَّانية على الزَّاني؛ لأنَّ داعية الزِّنا في الإناثِ أكثرُ، ولأنَّ الأنثى سببٌ في وقوع الزِّنا؛ إذ لا يتأتَّى غالبًا إلَّا بطواعيتها، وأتى بصيغةِ الجمع ثمَّ التَّثنية إشارةً إلى أنَّ المراد: جنسُ السَّارق، فلُوحظَ فيه المعنَى فجمع، والتَّثنية بالنَّظر إلى الجنسينِ المتلفَّظ بهما. وقال القرطبيُّ أبو عبد الله: أوَّل من حكمَ بقطع السَّارق في الجاهليَّة الوليدُ بن المغيرة، وأمر الله تعالى بقطعهِ في الإسلام فكان أوَّل سارقٍ قطعهُ رسول الله ﷺ في الإسلامِ (٤) من الرِّجال الخيار بنُ عديِّ بنِ نوفل بنِ عبدِ مناف، ومن النِّساء مُرَّة بنت سفيان بنِ عبدِ الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكرٍ يدَ الفتى الَّذي سرق العِقد، وقطع عُمر يد ابن سمُرة أخي عبد الرَّحمن بن سَمُرة. والسَِّرِْقة: بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكانها مع فتح السين وكسرها، والأصل في القطعِ بها قبل الإجماع الآية السَّابقة. وأركان السَّرقة الموجبة للقطع: سَرِقة وسَارق ومَسْروق، فأمَّا السَّرقة: فهي أخذُ مالٍ خفيةً ليس للآخذِ أخذه من حرز مثلهِ، فلا يقطع مختلسٌ ومنتهبٌ وجاحدٌ لنحوِ وديعةٍ، وعند التِّرمذيِّ ممَّا صحَّحه: «ليسَ علَى المختلسِ والمنتهبِ والخائنِ قطعٌ»، وأمَّا السَّارق فشرطُه أن يكونَ ملتزمًا للأحكامِ عالمًا بالتَّحريم مختارًا بغير إذنٍ وأصالَة، فلا يقطعُ حربيٌّ ولو

стр. 11788

معاهدًا، ولا صبيٌّ، ومجنون (١)، ومكرَهٌ، ومأذونٌ له، وأصيلٌ، وجاهلٌ بالتَّحريم قَرُب عهدهُ بالإسلامِ، أو بَعُد عن العلماءِ، ويُقْطع مسلمٌ وذمِّيٌّ بمالِ مسلمٍ وذمِّيٍّ. (وَ) أمَّا المسروق فاختلفَ (فِي كَمْ يُقْطَعُ) فعند الشَّافعيَّة: في ربعِ دينارٍ خالصٍ أو قيمته، وعند المالكيَّة: يقطع بسرقة طفلٍ من حرزِ مثلهِ بأن يكون في دارِ أهلهِ، أو بربعِ دينارٍ ذهبًا فصاعدًا، أو ثلاثةِ دراهمَ فضَّة فأكثر، فإن نقصَ (٢) فلا قطعَ، وعند الحنفيَّة: عشرة دراهم، أو ما قيمتُه عشرة دراهم مَضْروبة، وقال الحنابلةُ: يقطع (٣) بجحدِ عاريةٍ، وسرقة ملحٍ، وترابٍ، وأحجارٍ، ولبنٍ، وكلأ، وسَرْجين طاهرٍ، وثلجٍ، وصيدٍ، لا بسرقة ماءٍ، وسرجين نجسٍ، ويقطع طرَّار وهو الَّذي يَبُطُّ (٤) الجيب وغيره، ويأخذ منه أو بعد سقوطهِ نصابًا، وبسرقةِ مجنونٍ، ونائمٍ، وأعجميٍّ لا يميِّز ولو كان كبيرًا. (وَقَطَعَ عَلِيٌّ) ﵁ (مِنَ الكَفِّ) وفي «الفتح»: أنَّ في نسخة من البخاريِّ: «وقطع عليٌّ الكفَّ» بإسقاط حرف الجرِّ، وعند الدارقطنيِّ موصولًا: «أنَّ عليًّا قطعَ من المفصلِ» وذكر الشَّافعيُّ ﵀ في «كتاب الاختلاف»: أنَّ عليًّا كان يقطعُ من يد السَّارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصَّة، ويقول: «أستحِي من الله أن أتركَهُ بلا عملٍ» وعند الدَّارقطنيِّ عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بقطعِ السَّارق الَّذي سرقَ رداءَ صفوان من المفصلِ» أي: مفصل الكوعِ، قال ابنُ الرِّفعة: وادَّعى الماورديُّ (٥) أنَّه فعلٌ مجمعٌ عليه، والمعنى فيه: أنَّ البطشَ بالكفِّ، وما زاد من الذِّراع تابعٌ، ولذا يجبُ في الكفِّ دِيَةُ اليدِ، وفيما زاد حُكومة. (وَقَالَ قَتَادَةُ) فيما وصلَه الإمام أحمد في «تاريخه» كما قاله مُغْلطاي في «شرحه»: (فِي امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا لَيْسَ (٦) إِلَّا ذَلِكَ) فلا يقطعُ بعد ذلك يمينها، والجمهورُ: على أنَّ أوَّل

стр. 11789

شيءٍ يقطعُ من السَّارق اليد اليُمنى لقراءةِ (١) ابن مسعودٍ شاذَّة: (فاقطعوا أيمانَهما)، والقراءةُ الشَّاذَّة كخبرِ (٢) الواحدِ في الاحتجاجِ بها، فالقولُ بإجزاءِ الشِّمال مطلقًا شاذٌّ، كما هو ظاهرُ ما نُقل (٣) هنا عن قتادة، وفي «الموطَّأ»: إن كان عمدًا أوجبَ القصاصَ على القاطعِ، ووجبَ قطعُ اليُمنى، وإن كان خطأ وجبتِ الدِّية، ويُجزئ (٤) عن السَّارق، وكذا قالَ أبو حنيفةَ، وعن الشَّافعيَّة: لو (٥) قال مستحقُّ يمين للجاني الحرِّ العاقل: أَخْرِجْها، فأخرج يسارًا سواء كان عالمًا بها وبعدم إجزائها أم لا، وقصدَ إباحتها فقطعها المستحقُّ، فمُهْدَرة سواء علمَ القاطعُ أنَّها اليسار أم لا، أو قصدَ جعلها عنها ظانًّا إجزاءها، أو أخرجَهَا دَهِشًا وظنَّاها اليمين، أو ظنَّ القاطعُ الإجزاء فديَةٌ لليسارِ؛ لأنَّه لم يبذلها مجَّانًا، فلا قودَ لها؛ لِتَسْليط مُخْرِجِهَا بجعلهَا (٦) عوضًا في الأولى، وللدَّهْشة القريبةِ في مثل ذلك في الثَّانية بقسميْهَا، ويبقى قوَدُ اليمين في المسائل الثَّلاث؛ لأنَّه لم يستوفِهِ ولا عفَا عنه؛ لكنَّه يؤخَّرُ حتَّى تندملَ يسارُه إلَّا في ظنِّ القاطِع الإجزاءَ عنها، فلا قودَ لها بل يجبُ لها ديَةٌ، وهذا كلُّه في القَصاص، فلو كان إخراجُ اليسار وقطعها في حدِّ السَّرقة أجزأت عن اليمينِ إذا فعل المقطوعُ ذلك لدَهْشةٍ (٧)، أو لظنِّ إجزائها عن اليمينِ، فلو قصدَ بإخراجِها إباحتها لم تقعْ حدًّا، كذا استدركَه القاضِي حسين على الأصحاب وحمل إطلاقَهم عليهِ، وتبعه عليه في «الوجيز» و «الحاوي»، وإطلاقُ الأصحاب يقتضِي وقوعهُ حدًّا مطلقًا؛ لأنَّ القصد منهُ التَّنكيل، وقد حصلَ بخلاف القصاص فإنَّ مبناهُ على المماثلةِ.

стр. 11790

٦٧٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) بنتِ عبد الرَّحمن الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تُقْطَعُ اليَدُ) السَّارقة (فِي) سرقةِ (رُبُعِ دِينَارٍ) ذهبًا (فَصَاعِدًا) نصبٌ على الحال المؤكِّدة. والحديث أخرجَه مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القطع». (تَابَعَهُ) ولأبي ذرٍّ: «وتابعه» أي: تابعَ إبراهيمَ بن سعد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ المصريُّ، ممَّا وصله الذُّهلي في «الزُّهريات» (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ عبدِ الله بن مسلم، ممَّا وصله أبو عَوانةَ في «صحيحه» من طريقِ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ بنِ سعد، عن ابنِ أخي ابن شهابٍ، عن عمِّه (١) (وَمَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابنُ راشدٍ، ممَّا وصله الإمام أحمدُ عن عبد الرَّزَّاق، عنه، الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمِ بنِ شهابٍ. ٦٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) واسمُ أبي أويس: عبدُ اللهِ بنُ عبد الله الأصبحيُّ، ابن أخت الإمام مالك بن أنسٍ وصهرهُ على ابنته (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبدِ الله المصريِّ (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بنِ العوَّام (وَعَمْرَةَ) بنتِ عبد الرَّحمنِ، كلاهُما (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ) وهذا ممَّا يُحتَجُّ به للشَّافعيَّة (٢) في التَّحديد بربع الدِّينار. ٦٧٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدّ الميمنة، البصريُّ، يقال له: صاحبُ الأديم قال:

стр. 11791

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بنُ سعيد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ) بنُ ذكوان المعلِّم البصريُّ (عَنْ يَحْيَى) ولأبي ذرٍّ: «عن يحيى بنِ أبي كثير» بالمثلَّثة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أنَّها (حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُمْ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يُقْطَعُ) بالتحتيَّة، ولأبي ذرٍّ «تقطع اليد» بالفوقيَّة، وبزيادة (١) «اليد» (فِي رُبُعِ دِينَارٍ) كذا رواه مختصرًا. وأخرجَه أبو داود عن أحمد بنِ صالح، عن ابنِ وهب بلفظ: «القطعُ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا»، وأخرجه الطَّحاويُّ من روايةِ جماعة عن عَمرة موقوفًا على عائشة، قال ابنُ عُيينة: وروايةُ يحيى مشعرةٌ بالرَّفع، ورواية الزُّهريِّ صريحةٌ فيه وهو أحفظُهم، وكأنَّ البخاريَّ أرادَ الاستظهار لروايةِ الزُّهريِّ، عن عَمرة بموافقةِ محمَّد بنِ عبد الرَّحمن الأنصاريِّ عنها لِمَا وقعَ في روايةِ ابن عُيينة عن الزُّهريِّ من الاختلافِ في لفظِ المتن هلْ هو من قولهِ ﷺ ، أو مِن فعلهِ، وفي روايةِ يحيى بنِ يحيى وجماعةٍ، عن ابنِ عُيينة: كان رسولُ الله ﷺ يقطعُ السَّارق في ربعِ دينارٍ فصاعدًا، ورواه الشَّافعيُّ والحميديُّ وجماعةٌ عن ابنِ عُيينة، بلفظ: قال رسولُ الله ﷺ : «تُقْطع اليدُ» الحديث، قالهُ في «الفتح». ٦٧٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمانُ بنُ محمَّد بنِ أبي شيبة، واسمُه إبراهيمُ العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبو بكرِ بنِ أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون (٢) الموحدة، ابنُ سليمان (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة «ابنِ عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بنِ الزُّبير، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي) بتاء التَّأنيث والإفراد (عَائِشَةُ) ﵂ (أَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا فِي ثَمَنِ مِجَنٍّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، مِفْعَلٌ (٣) من الاجتنانِ، وهو الاستتارُ والاختفاءُ ممَّا يحاذرُهُ المستترُ، وكُسِرت ميمُه؛ لأنَّه آلة في ذلك. قال عمرُ بنُ أبي رَبيعة:

стр. 11792

فَكَانَ مِجَنِّي دُوْنَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقِي … ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ ومُعْصِرُ وفيه شاهدٌ على حذفِ الهاء في «ثلاثة» لأنَّه عدد شُخوص، فحمله على المعنَى؛ لأنَّه أراد بالشُّخوص المرأة، فأنَّث العدد؛ لذلك وصف أنَّه استترَ بثلاث نِسوة عن أعينِ الرُّقباء، واستظهَر في محلِّ التَّخلُّص منهم بهنَّ، والكاعبُ: الَّتي نهَدَ ثديُها، والمُعْصِر: الدَّاخلة في عصرِ شَبابها (حَجَفَةٍ) بحاء مهملة فجيم ففاء مفتوحات، عطفُ بيانٍ للمجَنِّ وهي الدَّرَقة، وتكون من خشبٍ، أو من عظمٍ وتغلَّف بالجلدِ (أَوْ تُرْسٍ) بضم الفوقية وسكون الراء بعدها مهملة، هو كالحجفةِ إلَّا أنَّه يُطابق فيه بين جلدين، والشَّكُّ من الرَّاوي، والغالبُ أنَّ ثمنَه لا ينقصُ عن ربعِ دينار. والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الحدود». وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) هو ابنُ أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حميد الرُّؤاسيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق عن عثمان. ٦٧٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها (قَالَتْ: لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي أَدْنَى) أي: في أقلّ (مِنْ) سَرِقة (حَجَفَةٍ -أَوْ: تُرْسٍ-) بالشَّكِّ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) من الحَجَفة والتُّرس (ذُو ثَمَنٍ) رفع خبر المبتدأ الَّذي هو «كلُّ واحدٍ»، والتَّنوين في «ثمنٍ» للتَّنكير، أي: ثمنٌ يُرغب فيه احترازًا عن الشَّيء التَّافه، وليسَ المرادُ تُرْسًا بعينهِ ولا حَجَفةً بعينها، وإنَّما المراد الجنسُ، والقطعُ كان يقعُ في كلِّ شيءٍ يبلغُ قدر ثمن المجنِّ، سواء كان ثمن المجنِّ كثيرًا

стр. 11793

أو قليلًا، والاعتماد إنَّما هو على الأقلِّ فيكون نصابًا (١)، فلا قطع (٢) فيما دونَه. (رَوَاهُ) أي: الحديثَ المذكور (وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح الكوفيُّ، فيما رواه ابنُ أبي شيبةَ (وَابْنُ إِدْرِيسَ) عبدُ الله الأوديُّ الكوفيُّ -فيما وصله الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ- كلاهما (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بنِ الزُّبير (مُرْسَلًا) ولفظ الأوَّل عن هشامِ بنِ عروة عن أبيهِ، قال: «كان السَّارق في عهدِ النَّبيِّ ﷺ يقطعُ في ثمنِ المِجَنِّ، وكان المِجَنُّ يومئذٍ له ثمنٌ، ولم يكنْ يقطعُ في الشَّيء التَّافه». والثَّاني مثل (٣) سياق أبي سلمةَ الآتي بعدُ. ٦٧٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بنِ راشدٍ القطَّان (٤) الكوفيُّ سكن بغداد، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّادُ بنُ أسامةَ (قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنَا) أي: قال: أخبرنا هشامُ بنُ عروة (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَدْنَى) أقلَّ (مِنْ ثَمَنِ المِجَنِّ؛ تُرْسٍ) بيانٌ (أَوْ حَجَفَةٍ) بتقديم الحاء المهملة على الجيم والفتح فيهما وتاليهما (وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ) بنصب «ذا» فيما وقفتُ عليهِ من الأصول المعتمدةِ، وهي مصلَّحةٌ في الفَرْع على كشطٍ، وقال في «فتحِ الباري»: إنَّه كذا ثبتَ في «الأصولِ»، قال: وأفاد الكِرْمانيُّ أنَّه وقعَ في بعضِ النُّسخ: «وكان كلُّ واحدٍ منهما ذو ثمن» بالرَّفع، وخرَّجه على تقديرِ ضمير الشَّأن في «كان» (٥). انتهى.

стр. 11794

قلت: وظنَّ العينيُّ أنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ ذلك في روايةِ عبدةَ عن هشامٍ، فقال متعقِّبًا له بما نصّه: وقال بعضُهم: وكان كلُّ واحدٍ منهما ذا ثمن، فزاد لفظ: «وكان» ونصب «ذا» ثمَّ قال: كذا ثبتَ في الأصولِ، ثمَّ قال: وأفاد الكِرْمانيُّ … إلى آخره، ثمَّ قال: قلت: هذا التَّصرف منهما ما أبعدهُ، أمَّا قول هذا القائل: كذا ثبتَ في الأصولِ، فغيرُ (١) مسلَّم بل الَّذي ثبتَ في الأصولِ هو العبارة الَّتي ذكرتُها؛ يعني: لفظَ روايةِ عبدة؛ لأنَّها على القاعدةِ السَّالمة عن الزِّيادة فيه المؤدِّية إلى تقديرِ شيءٍ. قال: وأمَّا كلام الكِرْمانيِّ بأنَّه وقع في بعض النُّسخ فغيرُ مسلَّم أيضًا؛ لأنَّ مثل هذا الَّذي يحتاجُ فيهِ إلى تأويل غالبًا من النُّسَّاخ الجهلةِ. انتهى. وهذا ذهولٌ؛ لأنَّ الحافظَ ابن حجرٍ إنَّما قالَ ذلك في روايةِ أبي أسامةَ، لا في روايةِ عبدة، ولفظُه: ورواية أبي أسامةَ عن هشامٍ جامعةٌ بين الرِّوايتين المذكورتين أوَّلًا، وقوله فيها: «وكان (٢) كلُّ واحدٍ منهما ذا ثمنٍ … » إلى آخره، وقد ذكر العينيُّ ﵀ روايةَ أبي (٣) أسامةَ بلفظها على عادتهِ وفيهَا: «وكان كلُّ واحدٍ منهمَا ذا ثمنٍ». بالنَّصب كما مرَّ، ثمَّ قال بعد تعريفِ الرُّواة (٤): وبقيَّةُ الشَّرح قد مرَّت عن قريبٍ. والحديثُ رواه مسلمٌ، وقوله: «ورواهُ وكيعٌ وابنُ إدريس» مؤخَّرٌ عن طريقِ أبي أسامةَ عند غيرِ أبي ذرٍّ. ٦٧٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الأصبحيُّ إمامُ الأئمَّة (عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (٥) ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ) أمر بقطعِ يدِ سارقٍ، بحذف المفعول (فِي) سَرِقة (مِجَنٍّ) حذف

стр. 11795

المضاف وأقامَ المضاف إليه مُقامَه، وفي معناهُ السَّببيَّة (ثَمَنُهُ) مبتدأ خبرُه: (ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) أي: فضَّة، وأدخل التَّاء في «ثلاثة» لأنَّه عددٌ مذكَّر. وقال ابنُ حجرٍ ﵀: أوردَ هذا الحديث من حديثِ مالكٍ. قال ابنُ حزمٍ: لم يروهِ عن ابنِ عمر غير (١) نافع. وقال ابنُ عبدِ البرِّ: هو أصحُّ حديثٍ رُوِي في ذلك (تابعه محمَّد بنُ إسحاق) عن نافعٍ في قولهِ: «ثمنه» وروايته موصولةٌ عند الإسماعيليِّ من طريقِ عبدِ الله بنِ المباركِ، عن مالكٍ ومحمَّد بن إسحاق وعبيد (٢) الله بن عمر، ثلاثتُهم، عن نافعٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قطع في مجنٍّ ثمنه ثلاثةُ دراهم. (وقال اللَّيث) بنُ سعدٍ الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ عن قتيبةَ ومحمَّد بنِ رُمحٍ عنه: (حَدَّثني) بالإفرادِ (نَافِعٌ) كالجماعةِ، لكنَّه قال: (قِيْمَتُهُ) بدلَ قولهِم: «ثمنه»، وقيمةُ الشَّيء ما تنتهِي إليهِ الرَّغبة في شراءِ الشَّيء، وهذه المتابعةُ وقولُ: «اللَّيث … » إلى آخره ثابتان لأبي ذرٍّ هنا. ٦٧٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم وفتح الواو مصغَّرًا، ابنُ أسماء الضُّبَعيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، أنَّه (قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: أمرَ بقطعِ يدِ سارقٍ (٣) (فِي) سرقةِ (مِجَنٍّ ثَمَنُهُ (٤) ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) وقد رُوِيَ أنَّ بلالًا هو الَّذي باشر قطعَ يد فاطمةَ المخزوميَّة، فيحتملُ أنَّه كان موكَّلًا بذلك، ويحتملُ غيره، ولم يكن النَّبيُّ ﷺ باشرَ القطعَ بنفسهِ. والحديثُ من أفرادهِ.

стр. 11796

٦٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمرَ بنِ حفصِ بنِ عمر بنِ الخطَّاب، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللَّه) بنِ عمر ﵄، أنَّه (قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أمرَ بقطع يد سارقٍ (فِي) سرقةِ (مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ). ٦٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، أنسُ بنُ عياض قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ فِي) سرقةِ (مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) والثَّمن في الأصلِ ما يقابلُ بهِ الشَّيء في عقدِ البيعِ، وله ضابطٌ في الفقهِ مشهورٌ، وليس المرادُ بهِ حقيقته بل ما ذكرَ في الرِّواية الأُخرى [خ¦٦٧٩٥] وهو القيمة، وأطلقَ عليها ثمنًا مجازًا، أو لتساويهمَا في ذلك الوقت، أو في ظنِّ الرَّاوي، أو باعتبار الغَلبة، والدَّراهم جمع: دِرهم -بكسر الدال- وفيه ثلاثُ لغاتٍ أفصحُها فتح الهاء، والثَّاني كسرها، والثَّالث دِرْهام، بزيادة ألف بعد الهاء. قال الشَّاعر: لَوْ أَنَّ عِنْدِي مِئَتَي دِرْهَامِ … لَجَازَ فِي إِنْفَاقِهَا خَاتَامِي (١) واختُلف في القدرِ الَّذي يقطعُ فيه (٢) السَّارق على مذاهب، فقيل: في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ تافه (٣) وغير تافهٍ، ونقل عن ابنِ بنت الشَّافعيِّ، وقيل: في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ إلَّا في التَّافه فلا (٤)، وقيل: لا يجبُ إلَّا في أربعين درهمًا أو أربعة دنانير، وقيل: في درهمينِ، وقيل: فيما زاد على درهمين ولم يبلغِ الثَّلاثة، وقيل: في ثلاثةِ دراهم، ويقومُ ما عدَاها بها، وهو رواية عن أحمدَ، وحكاهُ

стр. 11797

الخطَّابيُّ عن مالكٍ، وقيل مثله إلَّا أنَّه إن كان المسروقُ ذهبًا فنصابُه ربعُ دينار، وإن كانَ غيرهما فإنْ بلغتْ قيمتُه ثلاثةَ دراهم قطعَ به، وإلَّا لم يقطعْ ولو كان نصفَ دينارٍ، وهو قول مالكٍ المعروف عند أصحابه وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقيل مثله إلَّا إن كان المسروقُ غيرهما قُطعَ (١) بهِ إذا بلغتْ قيمةُ أحدهمَا، وهو المشهورُ عن (٢) أحمد. وقيل مثلُه لكن لا يُكتفَى بأحدهمَا إذا كانا غالبين، فلو كانَ أحدهما غالبًا فالمعوَّل عليه، وهو قولُ بعضِ المالكيَّة، وقيل: ربع دينارٍ أو ما بلغَ قيمته من فضَّة أو عرض، وهو مذهبُ الشَّافعيَّة، وقيل: أربعةُ دراهم، نقله القاضِي عياضٌ عن بعض الصَّحابة، وقيل: ثلثُ دينارٍ، وقيل: خمسةُ دراهم، وقيل: عشرةُ دراهم أو ما بلغَ قيمتها من ذهبٍ أو عَرَضٍ وهو قول الحنفيَّة، وقيل: دينار أو ما بلغَ قيمته من فضَّة (٣) أو عَرَض، وقيل: ربعُ دينار فصاعدًا من الذَّهب، ويُقطعُ في القليلِ والكثير (٤) من الفضَّة والعروض، واحتجَّ له بأنَّ التَّحديد في الذَّهب ثبتَ صريحًا (٥) في حديثِ عائشةَ، ولم يثبتِ التَّحديد صريحًا في غيرهِ، فبقي عمومُ الآية على حالهِ، فيقطعُ فيما قلَّ أو كثر إلَّا في التَّافه، وهو موافقٌ للشَّافعيِّ إلَّا في قياسِ أحد النَّقدين على الآخرِ، وأيَّده الشَّافعيُّ بأنَّ الصَّرف يومئذٍ كان موافقًا لذلكَ، واستدلَّ بأنَّ الدِّية على أهلِ الذَّهب ألفَ دينار، وعلى أهل الفضَّة اثنا عشر ألف درهمٍ (تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: قِيمَتُهُ) سبقَ هذا عقبَ حديثِ إسماعيل عن مالكٍ، عن نافعٍ [خ¦٦٧٩٥] وأنَّه ثابتٌ عَقِبه لأبي ذرٍّ (٦) وهو ساقطٌ له هنا ثابتٌ لغيره.

стр. 11798

٦٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زياد قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ) فيه جوازُ لعنِ غير المعيَّن من العصاةِ؛ لأنَّه لعن الجنس مطلقًا، أو المرادُ منه الإهانةُ والخذلان، كأنَّه لمَّا استعملَ أعزَّ شيءٍ عندَه في أحقرِ شيءٍ، خذلَه الله حتَّى قطع (يَسْرِقُ البَيْضَةَ) من الحديدِ الَّتي تبلغ قيمتُها ربع دينارٍ فصاعدًا (فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ) الَّذي تبلغُ (١) قيمتُه ربعَ دينار فصاعدًا (فَتُقْطَعُ يَدُهُ) ففيه إشارة إلى ترجيحِ تأويلِ الأعمش السَّابق [خ¦٦٧٨٣] في «باب لعن السَّارق» (٢) إذا لم يسمَّ. (١٤) (باب تَوْبَةِ السَّارِقِ) إذا تاب. ٦٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ) أي: أمر بقطعِ يدِها، واسمها: فاطمة المخزوميَّة، كما مرَّ [خ¦٦٧٨٧] (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ بالسَّند المذكور: (وَكَانَتْ) ﵂ (٣) (تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ) إليَّ (فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَابَتْ) من السَّرقة (وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا) ووصف التَّوبة بالحسُنِ يقتضي رفع الفُسوق عنهُ وقبولَ شهادتهِ. والحديثُ سبق في «الشَّهادات» مطوَّلًا [خ¦٢٦٤٨].

стр. 11799

٦٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ بنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ اللهِ بنِ عبد الله (١) (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ) قال أبو عُبيد (٢): ما دونَ العشرة، وقيل: إلى ثلاثة (فَقَالَ) ﷺ : (أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا) حذف المفعول ليعمَّ (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) يريدُ وأْدَ البناتِ، ولأبي ذرٍّ «ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكُم» (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) بكذبٍ يبهتُ سامعهُ، أي: يدهشهُ لفظاعتهِ كالرَّمي بالزِّنا (تَفْتَرُونَهُ (٣) بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قِبَلِ أنفسكُم فكنَّى باليدِ والرِّجل عن الذَّات؛ لأنَّ معظمَ الأفعالِ بهما (٤) (وَلَا تَعْصُونِي) ولأبي ذرٍّ: «ولا تعصُوا» (فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسْنه (٥) نهيًا وأمرًا (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف ويشدَّد، أي: ثبتَ على العهدِ (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا بالجنَّة (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنونَ (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَأُخِذَ بِهِ) أي: فعوقبَ به (فِي الدُّنْيَا) بأن أقيمَ عليه الحدُّ (فَهْوَ) أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يعاقَب عليه في الآخرةِ (وَطَهُورٌ) يطهِّره الله بهِ (٦) من دنسِ المعصيةِ، وإذا وصفَ بالتَّطهير مع التَّوبة عاد إلى مَا كان

стр. 11800

عليهِ قبل (١)، فتُقبل شهادتُه (وَمَنْ سَتَرَهُ اللهُ فَذَلِكَ) مُفَوَّض (إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بعدلهِ (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) بفضلهِ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (إِذَا تَابَ السَّارِقُ بَعْدَ مَا قُطِعَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وقطعَت» (يَدُهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَكُلُّ مَحْدُودٍ كَذَلِكَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وكذلك كلُّ الحدودِ إذا تابَ أصحابُها قُبلت شهادتُهم» وقولُ البخاريِّ هذا ثابتٌ في رواية الكُشمِيهنيِّ ساقطٌ في روايةِ غيرهِ، والله الموفِّق والمعين.
следующие страницы →