٦٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمرَ بنِ حفصِ بنِ عمر بنِ الخطَّاب، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللَّه) بنِ عمر ﵄، أنَّه (قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أمرَ بقطع يد سارقٍ (فِي) سرقةِ (مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ).
٦٧٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، أنسُ بنُ عياض قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَ سَارِقٍ فِي) سرقةِ (مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) والثَّمن في الأصلِ ما يقابلُ بهِ الشَّيء في عقدِ البيعِ، وله ضابطٌ في الفقهِ مشهورٌ، وليس المرادُ بهِ حقيقته بل ما ذكرَ في الرِّواية الأُخرى [خ¦٦٧٩٥] وهو القيمة، وأطلقَ عليها ثمنًا مجازًا، أو لتساويهمَا في ذلك الوقت، أو في ظنِّ الرَّاوي، أو باعتبار الغَلبة، والدَّراهم جمع: دِرهم -بكسر الدال- وفيه ثلاثُ لغاتٍ أفصحُها فتح الهاء، والثَّاني كسرها، والثَّالث دِرْهام، بزيادة ألف بعد الهاء. قال الشَّاعر:
لَوْ أَنَّ عِنْدِي مِئَتَي دِرْهَامِ … لَجَازَ فِي إِنْفَاقِهَا خَاتَامِي (١)
واختُلف في القدرِ الَّذي يقطعُ فيه (٢) السَّارق على مذاهب، فقيل: في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ تافه (٣) وغير تافهٍ، ونقل عن ابنِ بنت الشَّافعيِّ، وقيل: في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ إلَّا في التَّافه فلا (٤)، وقيل: لا يجبُ إلَّا في أربعين درهمًا أو أربعة دنانير، وقيل: في درهمينِ، وقيل: فيما زاد على درهمين ولم يبلغِ الثَّلاثة، وقيل: في ثلاثةِ دراهم، ويقومُ ما عدَاها بها، وهو رواية عن أحمدَ، وحكاهُ
стр. 11797
الخطَّابيُّ عن مالكٍ، وقيل مثله إلَّا أنَّه إن كان المسروقُ ذهبًا فنصابُه ربعُ دينار، وإن كانَ غيرهما فإنْ بلغتْ قيمتُه ثلاثةَ دراهم قطعَ به، وإلَّا لم يقطعْ ولو كان نصفَ دينارٍ، وهو قول مالكٍ المعروف عند أصحابه وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقيل مثله إلَّا إن كان المسروقُ غيرهما قُطعَ (١) بهِ إذا بلغتْ قيمةُ أحدهمَا، وهو المشهورُ عن (٢) أحمد.
وقيل مثلُه لكن لا يُكتفَى بأحدهمَا إذا كانا غالبين، فلو كانَ أحدهما غالبًا فالمعوَّل عليه، وهو قولُ بعضِ المالكيَّة، وقيل: ربع دينارٍ أو ما بلغَ قيمته من فضَّة أو عرض، وهو مذهبُ الشَّافعيَّة، وقيل: أربعةُ دراهم، نقله القاضِي عياضٌ عن بعض الصَّحابة، وقيل: ثلثُ دينارٍ، وقيل: خمسةُ دراهم، وقيل: عشرةُ دراهم أو ما بلغَ قيمتها من ذهبٍ أو عَرَضٍ وهو قول الحنفيَّة، وقيل: دينار أو ما بلغَ قيمته من فضَّة (٣) أو عَرَض، وقيل: ربعُ دينار فصاعدًا من الذَّهب، ويُقطعُ في القليلِ والكثير (٤) من الفضَّة والعروض، واحتجَّ له بأنَّ التَّحديد في الذَّهب ثبتَ صريحًا (٥) في حديثِ عائشةَ، ولم يثبتِ التَّحديد صريحًا في غيرهِ، فبقي عمومُ الآية على حالهِ، فيقطعُ فيما قلَّ أو كثر إلَّا في التَّافه، وهو موافقٌ للشَّافعيِّ إلَّا في قياسِ أحد النَّقدين على الآخرِ، وأيَّده الشَّافعيُّ بأنَّ الصَّرف يومئذٍ كان موافقًا لذلكَ، واستدلَّ بأنَّ الدِّية على أهلِ الذَّهب ألفَ دينار، وعلى أهل الفضَّة اثنا عشر ألف درهمٍ (تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: قِيمَتُهُ) سبقَ هذا عقبَ حديثِ إسماعيل عن مالكٍ، عن نافعٍ [خ¦٦٧٩٥] وأنَّه ثابتٌ عَقِبه لأبي ذرٍّ (٦) وهو ساقطٌ له هنا ثابتٌ لغيره.
стр. 11798
٦٧٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بنُ زياد قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ) فيه جوازُ لعنِ غير المعيَّن من العصاةِ؛ لأنَّه لعن الجنس مطلقًا، أو المرادُ منه الإهانةُ والخذلان، كأنَّه لمَّا استعملَ أعزَّ شيءٍ عندَه في أحقرِ شيءٍ، خذلَه الله حتَّى قطع (يَسْرِقُ البَيْضَةَ) من الحديدِ الَّتي تبلغ قيمتُها ربع دينارٍ فصاعدًا (فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ) الَّذي تبلغُ (١) قيمتُه ربعَ دينار فصاعدًا (فَتُقْطَعُ يَدُهُ) ففيه إشارة إلى ترجيحِ تأويلِ الأعمش السَّابق [خ¦٦٧٨٣] في «باب لعن السَّارق» (٢) إذا لم يسمَّ.
(١٤) (باب تَوْبَةِ السَّارِقِ) إذا تاب.
٦٨٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بنِ يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ امْرَأَةٍ) أي: أمر بقطعِ يدِها، واسمها: فاطمة المخزوميَّة، كما مرَّ [خ¦٦٧٨٧] (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂ بالسَّند المذكور: (وَكَانَتْ) ﵂ (٣) (تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ) إليَّ (فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَابَتْ) من السَّرقة (وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا) ووصف التَّوبة بالحسُنِ يقتضي رفع الفُسوق عنهُ وقبولَ شهادتهِ.
والحديثُ سبق في «الشَّهادات» مطوَّلًا [خ¦٢٦٤٨].
стр. 11799
٦٨٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمِ بنِ شهابٍ (عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ اللهِ بنِ عبد الله (١) (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ) قال أبو عُبيد (٢): ما دونَ العشرة، وقيل: إلى ثلاثة (فَقَالَ) ﷺ : (أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا) حذف المفعول ليعمَّ (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) يريدُ وأْدَ البناتِ، ولأبي ذرٍّ «ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكُم» (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) بكذبٍ يبهتُ سامعهُ، أي: يدهشهُ لفظاعتهِ كالرَّمي بالزِّنا (تَفْتَرُونَهُ (٣) بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قِبَلِ أنفسكُم فكنَّى باليدِ والرِّجل عن الذَّات؛ لأنَّ معظمَ الأفعالِ بهما (٤) (وَلَا تَعْصُونِي) ولأبي ذرٍّ: «ولا تعصُوا» (فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسْنه (٥) نهيًا وأمرًا (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف ويشدَّد، أي: ثبتَ على العهدِ (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا بالجنَّة (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنونَ (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَأُخِذَ بِهِ) أي: فعوقبَ به (فِي الدُّنْيَا) بأن أقيمَ عليه الحدُّ (فَهْوَ) أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يعاقَب عليه في الآخرةِ (وَطَهُورٌ) يطهِّره الله بهِ (٦) من دنسِ المعصيةِ، وإذا وصفَ بالتَّطهير مع التَّوبة عاد إلى مَا كان
стр. 11800
عليهِ قبل (١)، فتُقبل شهادتُه (وَمَنْ سَتَرَهُ اللهُ فَذَلِكَ) مُفَوَّض (إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بعدلهِ (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) بفضلهِ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (إِذَا تَابَ السَّارِقُ بَعْدَ مَا قُطِعَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وقطعَت» (يَدُهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَكُلُّ مَحْدُودٍ كَذَلِكَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وكذلك كلُّ الحدودِ إذا تابَ أصحابُها قُبلت شهادتُهم» وقولُ البخاريِّ هذا ثابتٌ في رواية الكُشمِيهنيِّ ساقطٌ في روايةِ غيرهِ، والله الموفِّق والمعين.
стр. 11801
((٨٦ م)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ المُحَارِبِينَ) بكسر الراء (مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ وَالرِّدَّةِ) زاد النَّسفيُّ في روايتهِ: «ومن يجبُ عليهِ الحدُّ في الزِّنا».
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بثبوتِ الواو والجرِّ لأبي ذرٍّ، و (١) لغيره: «قولُ اللهِ تعالى» بالحذفِ والرَّفع على الاستئنافِ: (﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾) يحاربونَ الله، أي: يحاربون أولياءهُ، كذا قرَّرهُ الجمهور، وقال الزَّمخشريُّ: يحاربونَ رسولَ اللهِ، ومحاربة المسلمين في حكمِ محاربتهِ، أي: المراد الإخبارُ بأنَّهم يحاربون رسولَ الله، وإنَّما ذكر اسم الله تعالى تعظيمًا وتفخيمًا لمن يُحارَب (﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾) مصدرٌ واقعٌ موقع الحال، أي: يسعونَ في الأرضِ مُفسدين، أو مفعول من أجلهِ، أي: يحاربون ويسعونَ لأجلِ الفساد، وخبرُ «﴿جَزَاء﴾» قولُه: (﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾) وما عطفَ عليه قصاصًا من غير صلبٍ إن أفردُوا القَتل (﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾) مع القتلِ إن جمعُوا بين القتلِ وأخذ المالِ، وهل يقتلُ ويصلَّب (٢) أو يصلَّبُ حيًّا وينزل ويطعن حتَّى يموت؟ خلافٌ (﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم﴾) إن أخذوا المالَ ولم يقتلوا (﴿مِّنْ خِلافٍ﴾) حال من الأيدي والأرجلِ، أي: مختلفةٌ فتقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليُسرى (﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]) ينفوا من بلدٍ إلى آخرٍ، وفسَّر أبو حنيفة رحمة الله عليه النَّفي بالحبسِ، و «أو» للتَّنويع أو للتَّخيير، فالإمام مخيَّرٌ بين هذه العقوبات في قاطعِ الطَّريق، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَيَسْعَوْنَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾: «الآيةَ»،
стр. 11802
والجمهورُ على أنَّ هذه الآية (١) نزلتْ فيمن خرجَ من المسلمينَ يَسعى في الأرضِ بالفسادِ ويقطعُ الطَّريق، وهو قولُ مالكٍ والشَّافعيِّ والكوفيِّين.
وقال الضَّحَّاك: نزلت في قومٍ من أهل الكتاب كان بينهم وبين النَّبيِّ ﷺ عهد، فنقضوا العَهد وقطعوا السَّبيل وأفسدوا.
وقال الكلبيُّ: نزلت في قومِ هلالِ بنِ عُويمر، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ وادعَ هلالَ بن عُويمر وهو أبو بُردة الأسلميُّ على أن لا يُعينه ولا يُعين عليه، ومَن مرَّ بهلالِ بن عُويمر إلى رسولِ الله ﷺ فهو آمن لا يهاج، فمرَّ قومٌ من بني كنانَة يريدون الإسلامَ بناسٍ من أسلمَ من قوم هلالِ بن عُويمر (٢)، ولم يكنْ هلال شاهدًا، فنَهدوا إليهم فقتلوهُم، وأخَذوا أموالهُم فنزلَ جبريلُ بالقضيَّة، ولهذا ذهبَ البخاريُّ إلى أنَّ الآية نزلتْ في أهلِ الكفر والرِّدَّة.
٦٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو قِلَابَةَ) عبدُ الله بنُ زيد (الجَرْمِيُّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) سنة ستٍّ (٣) (نَفَرٌ) من الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين المهملة وسكون الكاف، قبيلةٌ معروفةٌ (فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بالجيم الساكنة وفتح الفوقية والواو الأولى وضم الثانية، أي: أصابَهم الجَوى، وهو
стр. 11803
داءُ الجوفِ إذا تطاوَل، أو كرهُوا الإقامةَ بها لسقمٍ أصابهم (فَأَمَرَهُمْ) رسول الله ﷺ (أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ (١) أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) للتَّداوي (فَفَعَلُوا) الشُّرب المذكُور (فَصَحُّوا) من ذلك الدَّاء (فَارْتَدُّوا) عن الإسلامِ (وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا) أي: رعاةَ الإبلِ، وسبق في «الوضوء»: وقتلوا راعِي النَّبيِّ ﷺ وأنَّه (٢) يسار النُّوبيُّ [خ¦٢٣٣] (وَاسْتَاقُوا) بحذفِ المفعول، ولأبي ذرٍّ: «واستاقُوا الإبل» (فَبَعَثَ) ﷺ (فِي آثَارِهِمْ) بمدِّ الهمزة، أي: وراءهم الطَّلب عشرين أميرهُم كُرْز، فأدركُوهم فأُخِذُوا (فَأُتِيَ بِهِمْ) النَّبيَّ ﷺ أسارى (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) من خلافٍ (وَسَمَلَ) بفتح المهملة والميم واللام، فقأَ (أَعْيُنَهُمْ) أي: أمرَ ﷺ بذلك، لا أنَّه باشرَ ذلك بنفسهِ الزَّكيَّة (ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ) بسكون الحاء وكسر السين المهملتين، أي: لم يَكْوِ مواضعَ القطعِ لينقطع الدَّم بل تركهُم (٣) (حَتَّى مَاتُوا). وزادَ عبدُ الرَّزَّاق في آخرِ هذا الحديث قال: فبلغَنا أنَّ هذه الآية نزلَت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الاية [المائدة: ٣٣].
وأخرج الطَّبريُّ من طريقِ ابن عُبادة عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة عن قتادةَ عن أنسٍ في آخر قصَّة العُرنيِّين، قال: فذكر لنا أنَّ هذهِ الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وعندَ الإسماعيليِّ من طريقِ مروان بنِ معاوية عن معاويةَ بنِ أبي العبَّاس عن أيوب عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم من عُكْل، وفي «الصَّحيحين» [خ¦٢٣٣] [خ¦١٥٠١] [خ¦٦٨٠٥] أنَّهم كانوا من عُكل وعُرينة.
والحديثُ سبق في «بابِ أبوالِ الإبلِ»، في «كتاب الوضوء» [خ¦٢٣٣].
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَمْ يَحْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لم يَكْوِ موضع القطعِ من (المُحَارِبِينَ مِنْ
стр. 11804
أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا) لأنَّه أراد إهلاكَهم، فأمَّا من قطعَ في سرقةٍ مثلًا، فإنَّه يجبُ حسمه؛ لأنَّه لا يؤمَن معه التَّلف غالبًا بنزفِ الدَّم، قاله ابنُ بطَّال.
٦٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بعدها فوقية (أَبُو يَعْلَى) التَوَّزيُّ (١) -بفتح الفوقية وتشديد الواو بعدها زاي (٢) - قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بنُ مسلم (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى) بنِ أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ) أي (٣): أمر بقطعِ أيدي (العُرَنِيِّينَ) وأرجلهم لمَّا قتلوا راعِي رسول الله (٤) ﷺ واستاقُوا الإبل (٥) (وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ) لم يَكْوِ مواضعَ القطعِ (حَتَّى مَاتُوا) والعرنيُّون منسوبونَ إلى عُرَينة قبيلة.
وسبق (٦) في الباب الَّذي قبلَ هذا الباب أنَّهم من عكلٍ، وفي «المغازي»: أنَّ ناسًا من عُكل وعُرَينة [خ¦٤١٩٢] وإنَّما لم يحسمْهُم؛ لأنَّهم كانوا كُفَّارًا، والله أعلم.
(١٧) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَمْ يُسْقَ) بضم التحتية وفتح القاف، مبنيًّا للمفعول (المُرْتَدُّونَ) رفع نائب عن الفاعل (المُحَارِبُونَ) أي: لم يَسقِ النَّبيُّ ﷺ المرتدِّين من (٨) المحاربين (حَتَّى مَاتُوا).
стр. 11805
٦٨٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (عَنْ وُهَيْبٍ) بضم الواو وفتح الهاء، ابنِ خالدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبدِ الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ) رجالٌ دون العشرةِ (مِنْ عُكْلٍ) القبيلة المشهورة (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) سنة ستٍّ من الهجرةِ (كَانُوا فِي الصُّفَّةِ) وهي السَّقيفةُ الَّتي كانت في المسجد النَّبويِّ، يأوي إليها الغرباءُ وفقراءُ المهاجرين (فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) استوخَموها (فَقَالَ) قائلٌ منهم، وفي نسخةٍ «فقالوا»: (يَا رَسُولَ اللهِ أَبْغِنَا) بهمزة قطع مفتوحة وسكون الموحدة وكسر الغين المعجمة، اطلُب لنا (رِسْلًا) بكسر الراء وسكون السين المهملة، لبنًا (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال» (مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِإِبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) سقطَتْ التَّصلية لأبي ذرٍّ. قال في «الفتح»: فيه تجريدٌ، وسياق الكلامِ يقتضي أن يقول: بإبلي، ولكنَّه كقولِ كبيرِ القَوم: يقول لكُم الأمير مثلًا، ومنه قولُ الخليفة: يقول لكم أمير المؤمنين. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه التفاتٌ لا تجريدٌ (فَأَتَوْهَا) أي (١): أتى العكليُّون الإبل (فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا) من الدَّاء (وَسَمِنُوا) بعد الهُزال (وَقَتَلُوا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقتَلوا» (الرَّاعِيَ) يسارًا النُّوبيَّ (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الإبلِ (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ) بالصاد المهملة آخره خاء معجمة، والرفع على الفاعليَّة أي: مستغيثٌ (فَبَعَثَ الطَّلَبَ) بفتحتين، جمع: الطَّالب (فِي آثَارِهِمْ فَمَا تَرَجَّلَ) بالراء والجيم، فما ارتفعَ (النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ) إلى النَّبيِّ ﷺ (فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ) بالنَّار (فَكَحَلَهُمْ بِهَا، وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ
стр. 11806
وَأَرْجُلَهُمْ، وَمَا حَسَمَهُمْ) بالحاء والسين المهملتين، ما (١) كَوى مواضِع القطعِ من أيديهم وأرجلهم؛ لأنَّهم كانوا كُفَّارًا (ثُمَّ أُلْقُوا فِي الحَرَّةِ) بفتح الحاء المهملة والراء المشدَّدة، أرضٌ ذات حجارةٍ سود (يَسْتَسْقُونَ) يطلبونُ الماء يشربونَه (فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا) بضم السين المهملة والقاف؛ لأنَّهم كفَّار أو لكُفرهم نعمةَ السَّقي الَّتي أنعشتهُم من المرض الَّذي كان بهم. (قَالَ (٢) أَبُو قِلَابَةَ) عبدُ الله الجرميُّ -بالسَّند السَّابق- (سَرَقُوا) الإبلَ (وَقَتَلُوا) الرَّاعي (وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) ﷺ .
(١٨) (باب سَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح السين المهملة وسكون الميم، مصدر مضاف لفاعلهِ، وهو النَّبيُّ ﷺ ، وقوله: (أَعْيُنَ المُحَارِبِينَ) نصبٌ على المفعوليَّة (٣)، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أي: هذا بابٌ يذكرُ فيه «سَمَرَ النَّبيُّ ﷺ » -بفتح السين والميم- بلفظ الماضي، والنَّبيُّ فاعله، وتاليه مفعولُه.
٦٨٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن جميلِ بن طريفٍ، أبو رجاء الثَّقفيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو: ابنُ زيد (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) عبد الله الجرميِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَهْطًا) بفتح الراء وسكون الهاء، دون العشرةِ (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين المهملة وسكون الكاف، قبيلةٌ مشهورةٌ (أَوْ قَالَ: عُرَيْنَةَ) بضم العين المهملة وفتح الراء
стр. 11807
وسكون التحتية وفتح النون، قبيلةٌ أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «أو قال: من عرينةَ» (وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا المَدِينَةَ) سنة ستٍّ فاستَوْخموها (فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ) بكسر اللام بعدها قاف وبعد الألف حاء مهملة (١)، جمع: لقحةٍ، وهي النَّاقة الحلُوب، وكانَت خمس عشرة (٢) لقحة (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) إليها (فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) ليتداووا بذلك من داءِ بطونهم (فَشَرِبُوا) مِن أبوالها وألبانِها (حَتَّى إِذَا بَرِئُوا) بكسر الراء وتفتح، من ذلك الدَّاء (قَتَلُوا الرَّاعِيَ) يسارًا النُّوبيَّ (وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ) بفتح النون والعين واحد الأنعام، أي: الإبل (فَبَلَغَ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «فبلغَ ذلك النَّبيَّ» (¬ ﷺ غُدْوَةً) بضم الغين المعجمة وسكون الدال المهملة (فَبَعَثَ الطَّلَبَ) أي: سَريةً أميرها كُرْزُ بنُ جابرٍ لطلبِهم (فِي إِثْرِهِمْ) بكسر الهمزة وسكون المثلَّثة (فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى جِيءَ بِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى أُتِيَ بهمْ إليه ﷺ » (فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) بفتح القاف والطاء، و «أيديَهم» نصبٌ على المفعوليَّة، و «أرجلَهم» عطفٌ عليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقُطِع» بضم القاف وكسر الطاء «أيدِيهِم» مفعول نائب عن فاعلهِ، وتاليهِ عطف عليه (٣) (وَسَمَرَ) بفتحتين وتخفيف الميم (أَعْيُنَهُمْ) نصب مفعول، ولأبي ذرٍّ: «وسُمِّر» بضم السين وكسر الميم مشدَّدة، «أعينُهم» رفع نائب فاعل.
قال القاضِي عياض: سَمَر العين، بالتَّخفيف: كحَلَهَا بالمسمارِ الحديد المُحَمَّى، وبالتَّشديد في بعض النُّسخ، والأوَّل أوجه.
(فَأُلْقُوا) بضم الهمزة بعد الفاء (بِالحَرَّةِ) الأرض المعروفة خارج المدينةِ حالَ كونهم (يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ). وقال في «الكواكب»: وكانت قصَّتُهم قبل نزول الحدود والنَّهي عن المُثْلة، وقيل: ليس منسوخًا، وإنَّما فعل ﷺ ما فعل قِصاصًا، وقيل: النَّهيُ عن المُثلة نهي تنزيهٍ (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هَؤُلَاءِ) أي: العُكليُّون أو (٤) العرنيُّون (قَوْمٌ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ).
стр. 11808
(١٩) (بابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الفَوَاحِشَ) جمع: فاحشةٍ، وهي كلُّ ما اشتدَّ قبحهُ من الذُّنوب فعلًا أو قولًا، ويُطلق في الغالبِ على الزِّنا. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢].
٦٨٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، ولأبي ذرٍّ بالتَّشديد، كذا نسبَه في الفرع كأصله. وقال في «الفتح»: حَدَّثنا محمد، غير منسوبٍ، فقال أبو عليٍّ الغسَّانيُّ: وقع في رواية الأَصيليِّ: «محمَّد بن مُقاتل» وفي رواية القابسيِّ: «محمَّد بن سلام» والأوَّل هو الصَّواب؛ لأنَّ محمَّد بن مقاتل معروفٌ بالرِّواية عن عبد الله بنِ المبارك.
قال الحافظ ابنُ حجرٍ: ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هذا الحديثُ الخاصُّ عند (١) ابن سلَّام، والَّذي أشار إليه الغسانيُّ (٢) قاعدة في تفسير من أُبْهِم، واستمرَّ إبهامُه فيكون كثرَةُ أخذهِ وملازمتهِ قرينةً في تعيينهِ، أمَّا إذا أورد (٣) التَّنصيص عليه فلا، وقد صرَّح أيضًا بأنَّه «محمَّد بن سلام» أبو ذرٍّ في روايتهِ عن شيوخهِ الثَّلاثة، وكذا هو في معظم النُّسخ من رواية كريمةَ وأبي الوقتِ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بضم العين فيهما، ابن حفص بنِ عاصم بنِ عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة (٤) الأولى، الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: سَبْعَةٌ) أي: من الأشخاص؛ ليدخل النِّساء فيما
стр. 11809
يمكن أن يدخلنَ فيه شرعًا، والتَّقييدُ بالسَّبعةِ لا مفهومَ له، فقد روي غيرها، والَّذي تحصَّل من ذلك اثنان وتسعون (١) سبقتِ الإشارة إليها في «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] وقوله: «سبعةٌ» مبتدأٌ خبره (يُظِلُّهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ) أي: ظلِّ عرشه (يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ) ظلُّ العرش. أحدها (إِمَامٌ عَادِلٌ) يضعُ الشَّيء في محلِّه، و «عادلٌ» اسم فاعلٍ من عدل يعدلُ فهو عادلٌ (وَ) ثانيها (شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ) زاد الجوزقيُّ من رواية حمَّاد بن زيد: «حتَّى توفِّي على ذلك» لأنَّ عبادتهُ أشقُّ من غيرهِ لغلبة شهوته (وَ) ثالثها (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ فِي خَلَاءٍ) بفتح الخاء المعجمة فلام فألف فهمزة ممدودًا، في موضعٍ وحده إذ لا يكون ثمَّ شائبة رياءٍ، وفي نسخة: «خاليًا» أي: من النَّاس، أو من الالتفاتِ إلى غيرِ المذكور، وإنْ كان في ملأٍ (فَفَاضَتْ) بفاءين فألف فضاد معجمة، أي: سالتْ (عَيْنَاهُ) من خشيةِ اللهِ، كما زاده الجوزقيُّ في روايته، أو من الشَّوق إليه تعالى، وإسناد الفيضِ إلى العين مع أنَّ الفائض هو الدَّمعُ لا العين مبالغة؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ العين صارتْ دمعًا فيَّاضًا (وَ) رابعها (رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «في المساجد» أي: من شدَّةِ حبِّه لها وإن كان خارجًا عنها، وهو كنايةٌ عن انتظاره أوقات الصَّلاة (وَ) خامسها (رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ) أي: بسببه لا لغرضٍ دنيويٍّ، ولم يقل في هذه الرِّواية: «اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه» (وَ) سادسها (رَجُلٌ دَعَتْهُ) طلبتهُ (امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ) بفتح الميم وسكون النون وكسر الصاد المهملة، صاحبة نسبٍ شريفٍ (وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا) إلى الزِّنا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (إِنِّي أَخَافُ اللهَ) وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفَى (وَ) سابعها (رَجُلٌ تَصَدَّقَ بصدقةٍ) تطوُّعًا (فَأَخْفَاهَا) ولأبي ذرٍّ: «تصدَّقَ فأخفَى» (حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ) وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] وغيرها «ما تنفقُ» (يَمِينُهُ) كأن يتصدَّقَ على الضَّعيفِ في صورةِ المشتري منه، فيدفع له مثلًا درهمًا فيما يساوي نصفَ درهم، فهي في الصُّورة مبايعة، وفي الحقيقة صدقة.
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٢٣] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٧٩].
стр. 11810
٦٨٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المقدّميُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم عين الأول عمُّ محمَّد الرَّاوي عنه، وهو مدلِّسٌ لكنَّه صرَّحَ بالتَّحديث.
(ح) (١) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (خَلِيفَةُ) بن خيَّاط، واللَّفظُ له قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ ابْنُ عَلِيٍّ) بضم عين عُمر قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينار الأعرجُ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما (السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ تَوَكَّلَ) أي: من تكفَّلَ (لِي مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) فرجَهُ (وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة، منبت اللِّحية والأسنان، وثُنِّيَ باعتبار أنَّ له أعلى وأسفل، أي: لسانَهُ (٢) إذ أكثر بلاء الإنسان (٣) من الفرجِ واللِّسان (تَوَكَّلْتُ) تكفَّلت (لَهُ بِالجَنَّةِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الجنَّة» بإسقاط حرف الجرِّ، أي: ضمنتُ له الجنَّة (٤).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث (٥) إنَّ من حفظَ لسانَه وفرجَه يكون له فضلُ من تَركَ الفواحشَ. وأخرجه (٦) التِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
(٢٠) (بابُ إِثْمِ الزُّنَاةِ) بضم الزاي، جمع: زانٍ، كعُصَاة جمع: عاصٍ (قَوْلُ اللهِ) بالرَّفع على الاستئنافِ، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله» (تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق في سورة الفرقان: (﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) وأوَّلها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ قال القاضي ناصر الدِّين: نفى عنهم أمَّهات المعاصِي بعدما أثبتَ لهم أصول الطَّاعات إظهارًا لكمالِ إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجر المذكور موعودٌ للجامعِ بين ذلك، وتعريضًا للكفرةِ بأضدادهِ، وقول الله تعالى في سورة الإسراء: (﴿وَلَا تَقْرَبُواْ
стр. 11811
الزِّنَى﴾) بالقصرِ على الأكثر، والمدُّ لغةٌ، وهي نهيٌ عن دواعي الزِّنا كالمسِّ والقبلةِ ونحوهما، ولو أُريد النَّهي عن نفسِ الزِّنا لقال: ولا تزنوا (﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾) معصيةً مجاوزة حدّ الشَّرع والعقل (﴿وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢]) وبئسَ طريقًا طريقه، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَسَاء سَبِيلاً﴾».
٦٨٠٨ - وبه قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (دَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح المعجمة وكسر الموحدة الأولى، أبو سليمان الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) أبو يحيى البصريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أنَّه قال: (أَخْبَرَنَا أَنَسٌ) هو ابنُ مالكٍ ﵁ (قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي) لأنَّه كان آخر الصَّحابة موتًا بالبصرة (سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ : سَمِعَتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ -وَإِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم (قَالَ) ﷺ : (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ-) أي: من عَلاماتها (أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ) بموتِ العلماء (وَيَظْهَرَ الجَهْلُ) بفتح التَّحتية (وَيُشْرَبَ الخَمْرُ) بضم التَّحتية مبنيًّا للمفعول، أي: يكثُرَ شربه (وَيَظْهَرَ الزِّنَا) أي: يَفشو (وَيَقِلَّ الرِّجَالُ) لكثرةِ القتلِ فيهم بسببِ الفتن (وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ) بِلَامين أولاهما مَكسورة، ولأبي ذرٍّ: «لخمسين» (امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ) هل المرادُ بالخمسين الحقيقةُ أو المجازُ عن الكثرةِ؟ سبقَ الإلمامُ بذلك في «كتابِ العلم» [خ¦٨١] ويحتملُ أن يكون المراد بالقيِّم: من يقومُ عليهنَّ سواءٌ كنَّ موطوءاتٍ أم لا، أو (١) أنَّ ذلك يكون (٢) في الزَّمان الَّذي لا يبقى فيهِ من يقول: الله الله، فيتزوَّج الواحدُ بغير عددٍ جهلًا بالحكم الشَّرعيِّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «ويظهر الزِّنا»؛ لأنَّ معناه: أنَّه يشتهر بحيث لا يُتكاتم به لكثرةِ من يتعاطاهُ. والحديث من أفرادهِ.
стр. 11812
٦٨٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بن عبيد العنَزيُّ -بالنون المفتوحة والزاي- البصريُّ المعروف بالزَّمِن قال: (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ) الواسطيُّ الأزرقُ قال: (أَخْبَرَنَا الفُضَيْلُ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة (ابْنُ غَزْوَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَزْنِي العَبْدُ حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) فيه نفيُ الإيمانِ في حالة ارتكاب الزِّنا، ومقتضاهُ أنَّه يعودُ إليه الإيمانُ بعد فراغهِ وهذا هو الظَّاهر، أو أنَّه يعودُ إليه إذا أقلعَ الإقلاعَ الكلِّيَّ، فلو فرغَ مصرًّا على تلك المعصيةِ فهو كالمرتكبِ، فيتَّجه أنَّ نفي الإيمانِ عنه مستمرٌّ، ويؤيِّده قولُ ابن عبَّاسٍ الآتي في هذا البابِ إن شاء الله تعالى (وَلَا يَسْرِقُ) السَّارق (حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ) الشَّارب (حِينَ يَشْرَبُ) المسكِرَ (وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَقْتُلُ) القاتلُ مؤمنًا بغير حقٍّ (وَهْوَ مُؤْمِنٌ).
(قَالَ عِكْرِمَةُ) بالسَّند السَّابق: (قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (كَيْفَ يُنْزَعُ) بضم التحتية وفتح الزاي (الإِيمَانُ مِنْهُ (١)) عند ارتكابه الزِّنا والسَّرقة وشُرب الخمر وقتل النَّفس؟ (قَالَ: هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا) وفي حديثِ أبي داود والحاكم بسندٍ صحيحٍ من طريق سعيد المقبُريِّ أنَّه سمع أبا هريرة رفعه: «إذَا زَنى الرَّجل خرجَ منهُ الإيمانُ فكانَ عليهِ كالظُّلَّة، فإذا أقلعَ رجعَ إليهَ الإيمانُ». وعند الحاكمِ من طريق ابنِ حُجَيرة أنَّه سمع أبا هُريرة رفعه: «مَن زَنى أو شربَ الخمرَ نزعَ اللهُ منه الإيمانَ كمَا يخلَعُ الإنسانُ قميصَهُ عن (٢) رأسِهِ» (فَإِنْ تَابَ) المرتكبُ من ذلك (عَادَ إِلَيْهِ) الإيمانُ (هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ).
وأخرج الطَّبريُّ من طريق نافعِ بن جبير بنِ مُطعم عن ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: «لا يزني الزَّاني
стр. 11813
حينَ يَزْني (١) وهو مؤمنٌ، فإذا زايل (٢) رجعَ إليه الإيمانُ؛ ليس إذا تابَ منه، ولكن إذا تأخَّر عن العملِ به». ويؤيِّده أنَّ المُصِرَّ وإن كان إثمهُ مستمرًّا لكن ليس إثمهُ كمَن باشرَ الفعلَ، كالسَّرقة مثلًا.
وقال الطِّيبيُّ: يحتمل أن يكون الَّذي نقص من الإيمان المذكور الحياء وهو المعبَّر عنه في الحديث الآخر بالنُّور، وقد سبق حديث: «الحياءُ من الإيمانِ» [خ¦٢٤] فيكون التَّقدير: لا يَزْني حين يَزْني … إلى آخره، وهو يستحيي من اللهِ، لأنَّه لو استحيَا منه وهو يعرفُ أنَّه شاهدَ حالَه لم يرتكبْ ذلك، وإلى ذلك تصحُّ إشارة ابن عبَّاسٍ بتشبيكِ أصابعهِ، ثمَّ إخراجِها منها، ثمَّ إعادتها إليهَا.
٦٨١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ (عَنْ ذَكْوَانَ) بالذال المعجمة، أبي صالح السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) كاملٌ أو محمولٌ على المستحلِّ مع العلم بالتَّحريم، أو هو خبرٌ بمعنى النَّهي، أو أنَّه شابَه الكافرَ في عملهِ، وموقع التَّشبيه أنَّه مثلهُ في جوازِ قتالهِ في تلك الحالة؛ ليكفَّ عن المعصية ولو أدَّى إلى قتله (وَلَا يَسْرِقُ) السَّارق (حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ) أي: الخمر (حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ) على فاعلها (بَعْدُ) أي: بعد ذلك. وقد تضمَّن (٣) الحديث التَّحرِّي من ثلاثة أمورٍ هي أعظمُ أصول المفاسدِ، وأضْدَادُها من أصولِ المصالح، وهي استباحةُ الفروج المحرَّمَة، وما يؤدِّي إلى اختلالِ العقلِ، وخصَّ الخمر بالذِّكر في الرِّواية الأخرى؛ لكونها أغلبَ الوجوه في ذلك، والسَّرقة لكونها أعلى الوجوهِ الَّتي يؤخذ بها مال الغيرِ بغير حقٍّ.
стр. 11814
٦٨١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الفلَّاس قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ابن سعيد القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (وَسُلَيْمَانُ) بن مهران الأعمشُ، كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمةَ (عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ) عَمرو بن شُرَحبيل (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ) عند الله؟ وعند (١) أحمد: أيُّ الذَّنب أكبر؟ (قَالَ) ﷺ : (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة، مِثْلًا وشريكًا (وَهْوَ خَلَقَكَ) الواو للحال، قال المظهريُّ: أكبر الذُّنوب أن تدعوَ لله شريكًا مع علمكَ بأنَّه لم يخلقكَ أحدٌ غير الله (٢) (قُلْتُ): يا رسول الله (ثُمَّ أَيٌّ؟) بالتَّنوين عوضًا عن المضاف إليه، وأصله: ثمَّ أيُّ شيءٍ من الذُّنوب أكبر بعد الكفرِ؟ (قَالَ) ﷺ : (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أَجْلِ (٣) أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) بفتح التحتية والعين، ولغير الكُشمِيهنيِّ: «أن تقتلَ ولدَك أجلَ» بإسقاطِ حرف الجرِّ، ونصب «أجلَ» على نزعِ الخافضِ، ولا خلافَ أنَّ أكبر الذُّنوب بعد الكفر قتلُ النَّفس المسلمة بغير حقٍّ لا سيَّما قتل الولد خصوصًا قتله خوفَ الإطعام، فإنَّه ذنبٌ آخر أيضًا؛ لأنَّه بفعلهِ لا يرى الرِّزق من الله تعالى (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ) أعظمُ عند الله؟ (قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) بضم الفوقية وبعد الزاي ألف، وللمُستملي والكُشمِيهنيِّ: «أنْ تَزْني بحليلةِ جارِكَ».
والحليلةُ -بحاء مهملة-: زوجة جاركَ الَّتي يحلُّ له وطؤها، أو الَّتي تحلُّ معه في فراشه،
стр. 11815
فالزِّنا ذنبٌ كبيرٌ خصوصًا من سكن جواركَ، والتجأَ بأمانتكَ، وثبتَ بينكَ وبينهُ حقُّ الجوار، وفي الحديث [خ¦٦٠١٤] «ما زالَ جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه»، فالزِّنا بزوجةِ الجار (١) يكون زنًا وإبطال حقِّ الجوارِ والخيانة معه، فيكون أقبحَ، وإذا كان الذَّنبُ أقبح يكون الإثمُ أعظم.
والحديث سبقَ في «التَّفسير» [خ¦٤٤٧٧] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» (٢) [خ¦٧٥٢٠].
(قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان: (وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (وَاصِلٌ) هو ابنُ حيَّان -بالتحتية المشددة- المعروفُ بالأحدبِ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ أنَّه قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله) فذكر (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديثِ السَّابق.
(قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن عليٍّ الفلَّاس: (فَذَكَرْتُهُ) أي: الحديثَ المذكورَ (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (وَكَانَ) أي: والحال أنَّ عبد الرَّحمن كان (حَدَّثَنَا) بهذا الحديثِ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (وَ) عن (مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمرِ (وَ) عن (وَاصِلٍ) الأحدب؛ الثَّلاثةُ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمة (عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ) عَمرو بن شُرَحبيل (قَالَ) عبد الرَّحمن بن مهدي: (دَعْهُ دَعْهُ) مرَّتين، أي: اترُك (٣) هذا الإسناد الَّذي ليس فيه ذكرُ أبي ميسرةَ بين أبي وائلٍ وبين عبدِ الله بن مسعودٍ.
قال في «الفتح»: والحاصل: أنَّ الثَّوريَّ حدَّث بهذا الحديثِ عن ثلاثة أنفُسٍ حدَّثوه به عن أبي وائل، فأمَّا الأعمش ومنصور فأدخلا بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأمَّا واصلٌ فحذفه، فضبطه يحيى القطَّان عن سفيان هكذا مفصَّلًا، وأمَّا عبد الرَّحمن فحدَّث به أوَّلًا بغير تفصيلٍ، فحملَ رواية واصلٍ على رواية منصورٍ والأعمش، فجمع (٤) الثَّلاثة وأدخلَ أبا ميسرة في السَّند، فلمَّا (٥) ذكر له عمرو بن عليٍّ أنَّ يحيى فصَّله كأنَّه تردَّد فيه، فاقتصرَ على التَّحديث به عن سفيان عن منصور والأعمش حَسْب، وترك (٦) طريق واصلٍ، وهذا معنى قوله: «دعْه دعْه» أي: اتركه، والضَّمير للطريق الَّتي اختلفا فيها، وهي رواية واصل، وقد زاد الهيثمُ
стр. 11816
بن خلفٍ في روايتهِ فيما أخرجه الإسماعيليُّ عنه، عن عَمرو بن عليٍّ بعد قولهِ: دعْهُ، فلم يذكر فيه واصلًا بعد ذلك، فعُرف أنَّ معنى قولهِ: دعه، أي: اترك السَّند الَّذي ليس فيه ذكر أبي مَيسرة.
وقال في «الكواكب»: حاصله: أنَّ أبا وائل وإنْ كان قد روى كثيرًا عن عبد الله، فإنَّ هذا الحديث لم يروه عنه، قال: وليس المراد بذلك الطَّعن عليه (١) لكن ظهر له ترجيحُ الرِّواية بإسقاط الواسطةِ لموافقة الأكثرين، والَّذي جنح إليه في «فتح الباري» أنَّه إنَّما تركه لأجل التَّردد فيه، في (٢) كلامٍ يطولُ ذكره، والله الموفِّق والمعين.
(٢١) (باب رَجْمِ المُحْصَنِ) إذا زنى، والمحصَنُ بفتح الصَّاد، من الإحصانِ، وهو من الثَّلاثة الَّتي جئن نَوَادر، يُقال: أَحْصَنَ فهو مُحْصَنٌ، وأَسْهَبَ فهو مُسْهَبٌ، وأَلْفَج (٣) فهو مُلْفَج، وتكسر الصاد على القياس، فمعنى (٤) المفتوح: أحصنَ نفسه بالتَّزوُّج عن عمل الفاحشةِ، والمحصَن: المتزوِّج، والمراد به: من جامعَ في نكاحٍ صحيحٍ.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي -كما في الفرع كأصله (٥) -، وفي (٦) «الفتح»: عن الكُشمِيهنيِّ وحدهُ: «وقال منصور» بدل: «الحسن»، وزيَّفوه (مَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حَدُّ الزِّنا» أي: كحدِّ الزِّنا، وهو الجلد، وعندَ ابنِ أبي شيبة عن حفص بنِ غياثٍ، قال: سألتُ عمرًا ما كان الحسنُ يقول فيمَن تزوَّج ذات مَحْرَمٍ وهو يعلم؟ قال: عليه الحدُّ.
стр. 11817
٦٨١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بضم الكاف وفتح الهاء، الحضرميُّ أبو يحيى الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامر بن شَراحيل (يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ رَجَمَ المَرْأَةَ) شُرَاحة الهَمْدانيَّة -بضم الشين المعجمة وتخفيف الراء بعدها حاء مهملة- والهَمْدانيَّة، بفتح الهاء وسكون الميم بعدها دال مهملة (يَوْمَ الجُمُعَةِ) في رواية عليِّ بن الجعدِ: أنَّ عليًّا أُتي بامرأةٍ زنت فضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. وكذا عند النَّسائيِّ من طريقِ بهز بنِ أسد عن شعبة (١) (وَقَالَ: قَدْ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «لسنَّة رسول الله» بلام (٢) بدل الموحدة (¬ ﷺ ¬) زاد عليُّ بن الجعدِ عن شعبة عن سلمةَ -عند الإسماعيليِّ-: «وجلدتها بكتاب الله»، وتمسَّكَ به من قال: إنَّ الزَّاني المحصنَ يُجلدُ ثمَّ يُرجم، وإليه ذهب أحمدُ في روايةٍ عنه، وقال الجمهورُ: لا يجمعُ بينهما وهو رواية عن أحمد، قال المَرْداويُّ في «تنقيح المقنع»: ولا يُجلدُ قبل رجمٍ، وقد ثبت في قصَّةِ ماعز أنَّ النَّبيَّ ﷺ رجمه ولم يذكرِ الجلد، قال إمامنَا الشَّافعيُّ ﵀: فدلَّت السُّنَّة على أنَّ الجلد ثابتٌ على البكرِ وساقطٌ عن الثَّيِّب، وقيل: إنَّ الجمع بين الجلد والرَّجم خاصٌّ بالشَّيخ والشَّيخة لحديث: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتَّة».
والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الرَّجم».
٦٨١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) هو ابنُ شاهين الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحَّان (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) بفتح الشَّين المعجمة، سليمان بن إسحاق بنِ أبي سليمان فيروز أنَّه قال: (سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) اسمُه: علقمة الأسلميَّ ﵁
стр. 11818
(هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَبْلَ) نزول (سُورَةِ النُّورِ) يريد قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] (أَمْ بَعْدُ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أم بعدها» (قَالَ) ابنُ أبي أوفى: (لَا أَدْرِي) رجمَ قبل نزولها أم بعدَه، وقد قام الدَّليل على أنَّ الرَّجم وقع بعدَ نزول سورة النُّور؛ لأنَّ نزولها كان في قصَّة الإفك سنة أربعٍ أو خمسٍ أو ستٍّ، والرَّجم كان بعد ذلك؛ لأنَّ أبا هريرة حضرَه وإنَّما أسلم سنة سبعٍ، وابن عبَّاس إنَّما جاء مع أمِّه إلى المدينة سنةَ تسعٍ، وفائدة هذا السُّؤال: أنَّ الرَّجم إن كان وقع قبلَها فيُحتمل أن يُدَّعى نَسْخُه بالتَّنصيصِ فيها (١) على أنَّ حدَّ الزَّاني الجلد، وإن كان بعدَها فيستدلُّ به على نسخِ الجلد في حقِّ المحصَن، لكن عُورض بأنَّه من نسخ الكتاب بالسُّنَّة، وفيه خلافٌ.
وأجيب بأنَّ الممنوعَ نسخُ الكتاب بالسُّنَّة إذا جاءتْ من طريق الآحاد، وأما السُّنَّة المشهورة فلا، وأيضًا فلا نسخَ وإنَّما هو مخصَّصٌ بغير المحصَن.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود».
٦٨١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخبَرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوف (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ) ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) اسمُه ماعز بنُ مالك الأسلميُّ (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أنَّه) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنْ» (قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ) أي: أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ) بالزِّنا (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ) بالبناء للمفعول فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أَحْصَن» بفتح الهمزة والصاد.
والحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الجنائز».
стр. 11819
(٢٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يُرْجَمُ) الرَّجل (المَجْنُونُ وَ) لا المرأةُ (المَجْنُونَةُ) إذا زَنيا في حالة (٢) الجنون إجماعًا، فلو طرأ الجنونُ بعده، فالجمهور أنَّه لا يؤخَّر إلى الإفاقة؛ لأنَّه يُراد به التَّلف، فلا معنى للتَّأخير بخلافِ الجلد، فإنَّه يُرادُ به الإيلام فيؤخَّر.
(وَقَالَ عَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالب (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وقد أُتي بمجنونةٍ وهي حُبلى، فأراد أن يرجمَها: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) من جنونهِ (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ) الحلم (وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) من نومه، وصله البغويُّ في «الجعديات» موقوفًا، وهو مرفوع حكمًا، وهو عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن حبَّان مرفوعًا عن ابن عبَّاس: مرَّ عليُّ بن أبي طالبٍ بمجنونةِ بني فلان قد زنتْ، فأمر عمرُ برجمها فردَّها عليٌّ، وقال لعمر: أما تذكرُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ المغلوبِ على عقلهِ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يحتلمَ، وعن النَّائم حتَّى يستيقظَ» قال: صدقتَ فخلَّى عنها، هذه رواية جريرِ بن حازم عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عبَّاس، عند أبي داود، وسندُها متَّصلٌ لكن أعلَّه النَّسائيُّ بأنَّ جرير بن حازم حدَّث بمصر أحاديثَ غَلِط فيها، لكن له شاهدٌ من حديث أبي إدريس الخولانيِّ أخبرني غيرُ واحدٍ من الصَّحابة منهم شدَّاد بن أوس وثوبان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رُفع القلمُ في الحدِّ عن الصَّغير حتَّى يَكْبر، وعن النَّائم حتَّى يستيقظَ، وعن المجنونِ حتَّى يفيقَ، وعن المعتوهِ الهالكِ» أخرجه الطَّبرانيُّ. وقد أخذَ العلماء بمقتضى ذلك، لكن ذكر ابن حبَّان أنَّ المراد برفع القلم: ترك كتابة الشَّرِّ عنهم دون الخير. قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: هو ظاهرٌ في الصَّبيِّ دون المجنون والنَّائم؛ لأنَّهما في حيِّزِ من ليس قابلًا لصحَّة العبادة منه؛ لزوال الشُّعور، فالَّذي ارتفع عن الصَّبيِّ قلم المؤاخذة لا قلم
стр. 11820
الثَّواب؛ لقولهِ ﷺ للمرأة لما سألته: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم ولك أجر (١)».
٦٨١٥ - ٦٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حَزْن، الإمام أبي محمد المخزوميِّ، أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) هو ماعز ابن مالك (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) حالٌ من «رسول الله ﷺ »، والجملة التَّالية معطوفةٌ على «أتى» (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ﵊ (حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) بدالين أولاهما مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى ردَّ» بإسقاط الدَّال الثَّانية (فَلَمَّا شَهِدَ) أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ولأبي ذرٍّ: «أربع مرَّات» وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) له: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) بهمزة الاستفهام، و «جنون» مبتدأ، والجارّ متعلق بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (قَالَ) ﷺ : (فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟) تزوَّجت (قَالَ: نَعَمْ) أحصنتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية أو الحال، أي: اذهبُوا مصاحبين له (فَارْجُمُوهُ) وقد تمسَّك بهذا (٢) الحنفيَّة والحنابلة في اشتراطِ الإقرار أربع مرَّات وأنَّه لا يكتفى بما دونها قياسًا على الشُّهود.
وأُجيب عن المالكيَّة والشَّافعيَّة في عدمِ اشتراطِ ذلك بما في حديثِ العسيفِ من قولهِ ﷺ : «واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذَا، فإن اعترفَتْ فارجُمْهَا» ولم يقلْ: فإنْ اعترفتْ أربع
стр. 11821
مرَّاتٍ، وبحديث رجمِ الغامِديَّة -بالغين المعجمة والميم المكسورة بعدها دال مهملة- إذ لم ينقل أنَّه تكرَّر إقرارها، وأمَّا التِّكرار هنا فإنَّما (١) كان للاستثباتِ والتَّحقيق والاحتياط في درء الحدِّ بالشُّبهة (٢) كقولهِ: «أبكَ جنون؟» فإنَّه من التَّثبُّت؛ ليتحقَّق حاله أيضًا، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضي هلاكه من غير سؤالٍ مع أنَّ له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتَّوبة، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: ثمَّ سأل قومه، فقالوا: ما (٣) نعلمُ به بأسًا إلَّا أنَّه أصابَ شيئًا يرى أنَّه (٤) لا يخرجه منه إلَّا أن يقامَ فيه الحدُّ، وهذا مبالغةٌ في تحقيق حاله، وفي صيانةِ دم المسلم، فيُبنى الأمرُ عليه لا على مجرَّد إقرارهِ بعدمِ الجنون، فإنَّه لو كان مجنونًا لم يُفِدْ قوله إنَّه ليس به جنون؛ لأنَّ إقرار المجنونِ غيرُ معتبرٍ، فهذه هي الحكمة في سؤاله عنه قومه. وقال القرطبيُّ: إنَّ ذلك قالَه لما ظهرَ عليه من الحال الَّذي يشبهُ حال المجنون، وذلك أنَّه دخل منتفشَ الشَّعر ليس عليه رداءٌ يقول: زنيت فطهِّرني كما في «صحيح مسلم» من حديث جابرِ بن سَمُرة، واسمُ المرأة الَّتي زنى بها فاطمةُ فتاةُ هَزَّال، وقيل: مُنِيرة، وفي «طبقات ابن سعد»: مُهَيرة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ -بالسَّند السَّابق-: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ) قال في «الفتح»: صرَّح يونس ومَعمر في روايتهما بأنَّه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما عند سعيد بن المسيَّب، وعنده زيادة عليه عن جابرٍ (قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) مكان صلاةِ العيد والجنائز، وخبرُ «كان» في المجرورِ، و «مَن» بمعنى «الَّذي»، وصلتُها جملة «رجمَه» (٥)، والمعنى: في جماعةِ مَن رجمَه، وأعاد الضَّمير على لفظ «من»، ولو أعاده على معناها لقال: فيمن رجموه، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمَن رجمَه، أو يقدَّر: فكنت فيمن
стр. 11822
أراد حضور رجمهِ فرجمناهُ (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ) بالذال المعجمة والقاف أصابته بحدِّها وبلغت منه الجهد حتَّى قلق، وجواب «لمَّا» قوله: (هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة، موضعٌ ذو حجارةٍ سود ظاهر المدينة (فَرَجَمْنَاهُ) زاد مَعمر في روايته الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى (١) [خ¦٦٨٢٠]: «حتَّى مات». قال في «مقدِّمة الفتح»: والَّذي رجمهُ لمَّا هرب فقتله عبد الله بن أُنَيس (٢)، وحكى الحاكم عن ابن جريج أنَّه عمر، وكان أبو بكر الصِّدِّيق رأس الَّذين رجموهُ ذكره ابن سعدٍ، وفي حديث نعيم بن هزَّال: «هلَّا تركتمُوه لعلَّه يتوبُ فيتوبَ الله عليه»، أخرجه أبو داود وصحَّحه الحاكم والتِّرمذيُّ، وهو حجَّة للشَّافعيِّ ومن وافقه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرارِ يُسقط عن نفسه الرَّجم، وعند المالكيَّة: لا يتركُ إذا هربَ بل يُتبع ويُرْجم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يلزمْهم ديتَه مع أنَّهم قتلوهُ بعد هربه. وأُجيب بأنَّه لم يصرِّح بالرُّجوع وقد ثبتَ عليه الحدُّ، وعند أبي داود من حديث بُرَيدة، قال: «كنَّا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نتحدَّث أنَّ ماعزًا والغامِديَّة لو رجعا لم يطلبْهما».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(٢٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِلْعَاهِرِ) أي: للزَّاني (الحَجَرُ).
٦٨١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاص (وَابْنُ زَمْعَةَ) عبد في ابنِ وليدةِ زَمْعة، وكان عتبة عهدَ إلى أخيه سعد أنَّ ابنَ وليدة زَمْعة منِّي فاقبضْه إليك، فلمَّا كان عام الفتحِ أخذه سعدٌ،
стр. 11823
فقال: ابن أخي عهد إليَّ فيه، فتساوقا (١) إلى النَّبيِّ ﷺ فقال سعدٌ: يا رسولَ الله إنَّ أخِي كان عهد إليَّ فيه (٢)، فقال عبدُ بن زَمْعة: أخي وابنُ وليدة أبي ولدَ على فراشه (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضم «عبد»، ونصب «ابن» (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبِ الفراش (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ) من ابنِ وليدةِ (٣) زَمْعة، واسمه: عبد الرَّحمن (يَا سَوْدَةُ) استحبابًا للاحتياط، وسودة هي بنت زمعة أمُّ المؤمنين ﵂. قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (زَادَ لَنَا قُتَيْبَةُ) ابن سعيد، وسقط «لنا» لأبي ذرٍّ، وقال في «البيوع» [خ¦٢٢١٨] «حَدَّثنا قتيبةُ» (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ: (وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ).
٦٨١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ يقول: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) حرَّةً كانت أو أمةً (وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ) سبق في «الفرائضِ» [خ¦٦٧٤٩] وغيرها أنَّ المراد بقولهِ الحجر: الخيبَةُ (٤) أي: لا حقَّ له في النَّسب، وقيل: معناه: وللزَّاني الرَّجم بالحَجَرِ، وأنَّه استُبعد بأنَّ ذلك ليس لجميعِ الزُّناة بل للمُحْصَن، لكن في ترجمةِ البخاريِّ هنا إيماءٌ إلى ترجيحِ القول بأنَّه الرَّجم بالحجرِ، فيكون المراد منه أنَّ الرَّجم مشروعٌ للزَّاني المُحْصَن، والله أعلم.
والحديث سبق في مواضع.
(٢٤) (باب الرَّجْمِ فِي البَلَاطِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، وفي «الفتح» وتبعه في «العمدة» عن المُستملي: «بالبلاط» بالموحدة بدل «في»، والباء ظرفيَّة أيضًا موضعٌ معروفٌ عند باب المسجد النَّبويِّ، وكان مفروشًا بالبلاطِ، وليس المراد الآلة الَّتي يرجم بها.
стр. 11824
٦٨١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن كرامة»، العجليُّ الكوفيُّ، وهو من أفراده قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام المخففة بينهما خاء معجمة ساكنة، القطوانيُّ الكوفيُّ، أحدُ مشايخ البخاريِّ روى عنه هنا بالواسطة (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بِيَهُودِيٍّ) لم يُسمَّ (وَيَهُودِيَّةٍ) اسمها بُسْرة (١)، كما ذكره ابن العربيِّ في «أحكام القرآن» (وقَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا) أي: فعلا أمرًا فاحشًا وهو الزِّنا (فَقَالَ) ﷺ (لَهُمْ) أي: اليهود: (مَا تَجِدُونَ فِي) التَّوراة (كِتَابِكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا) بالحاء المهملة والموحدة، أي: علماءنا (أَحْدَثُوا) ابتكروا (تَحْمِيمَ الوَجْهِ) أي: تسويدهُ بالفحمِ (وَالتَّجْبِيَةَ) بالفوقية المفتوحة والجيم الساكنة والموحدة المكسورة، هو الإركابُ معكوسًا، وقيل: أن يحمل الزَّانيان على حمار مخالفًا بين وجوهِهما، وقال في «الفتح»: المعتمد ما قاله أبو عُبيدة: التَّجبيَّة: أن يضعَ اليدين على الرُّكبتين وهو قائمٌ فيصير كالرَّاكع، وقال الفارابيُّ: جبَّى -بفتح الجيم وتشديد الموحدة-: قام قيام الرَّاكع وهو عريان (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام: (ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ بِالتَّوْرَاةِ، فَأُتِيَ بِهَا) بضم الهمزة (فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ) هو: عبدُ الله بن صوريا (يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) المكتوبة في التَّوراة (وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ) عنها، فرفعها (فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أن يرجما (فَرُجِمَا) بعد إخراجهما إلى محلِّ الرَّجم، وإنَّما فعل ذلك إقامةً للحجَّة (٢) عليهم،
стр. 11825
وإظهارًا لما كتمُوه وبدَّلوه لا ليعرفَ الحكم ولا ليقلِّدهم (١).
(قَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﵄ -بالسَّند السَّابق-: (فَرُجِمَا عِنْدَ البَلَاطِ) بين السُّوق والمسجد النَّبويِّ، وفائدة ذكر البلاط الإشارة إلى جواز الرَّجم من غيرِ حفرة (٢)؛ لأنَّ المواضع المبلَّطة لم تحفر غالبًا، أو أنَّ الرَّجم يجوز في الأبنيةِ ولا يختصُّ بالمصلَّى ونحوه ممَّا هو خارجُ المدينة (فَرَأَيْتُ اليَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا) بفتح الهمزة والنون بينهما جيم ساكنة آخره همزة مفتوحة، أي: أكبَّ، ولأبي ذرٍّ: «أَحْنى» بالحاء المهملة مقصورًا، ومعناهما واحدٌ؛ يعني: أكبَّ عليها يقيهَا الحجارة.
والحديث أخرجه مسلمٌ.
(٢٥) (باب الرَّجْمِ بِالمُصَلَّى) أي: عند مصلَّى العيد والجنائز، وهي من جهةِ بقيعِ الغرقد.
٦٨٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مَحْمُودٌ) وللنَّسفيِّ: «محمود بن غيلان» وهو المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافع الحميريُّ، مَولاهم أبو بكر الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ جَابِرٍ) هو: ابنُ عبد الله الأنصاريِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) اسمه: ماعزُ بن مالك (جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى شَهِدَ) أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ) به (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ،
стр. 11826
قَالَ (١) لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: آحْصَنْتَ؟) بمدِّ الهمزة، أي: أتزوَّجت ودخلتَ بها وأصبتَها (قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ) ﷺ (فَرُجِمَ بِالمُصَلَّى) أي: عندها (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) بالذال المعجمة والقاف، أوجعتْه (الحِجَارَةُ) أي: حجارة الرَّمي، فـ «أل» للعهد (فَرَّ) بالفاء المفتوحة والراء المشددة، أي: هرب (فَأُدْرِكَ) بضم الهمزة، بالحرَّة (فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا) أي: ذَكَرهُ بخيرٍ، وفي حديثِ بريدة عند مسلمٍ: فكان النَّاس فيه فريقين: قائل يقول: هلك (٢) لقد أحاطتْ به خطيئتُه، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضلُ من توبة ماعز، وفيه: «لقد تابَ توبةً لو قسمت على أمَّةٍ لوسعتْهُم»، وفي حديثِ أبي هريرة (٣) عند النَّسائيِّ: «لقدْ رأيتُهُ بينَ أنهارِ الجنَّة ينغمِسُ»، قال: يعني: يتنعَّم. وفي حديث أبي ذرٍّ عند أحمد: «قد غفرَ لهُ وأدخلَهُ الجنَّة» (وَصَلَّى) ﷺ (عَلَيْهِ) خالف محمودُ بنُ غيلان عن عبد الرَّزَّاق محمَّدَ بن يحيى الذُّهليَّ وجماعةً عن عبد الرَّزاق فقالوا في آخره: لم يصلِّ عليه (و) قال البخاريُّ: (لَمْ يَقُلْ يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، فيما وصلَّه المؤلِّف في «باب رجم المحصن» [خ¦٦٨١٤] (وَابْنُ جُرَيْجٍ) فيما وصله مسلمٌ في روايتهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم: (فَصَلَّى عَلَيْهِ). وزاد في رواية المُستملي وحده عن الفَِربْريِّ: «سُئل أبو عبد الله البخاريُّ هل قوله: فصلَّى عليه، يصحُّ أم لا؟ قال: رواه مَعمر» أي: ابن راشد «قيل (٤) للبخاريِّ أيضًا: هل رواه غير مَعمر؟ قال: لا». قال الحافظُ ابن حجرٍ: واعتُرض على البخاريِّ في جزمِهِ بأنَّ معمرًا روى هذه الزِّيادة مع أنَّ المنفرد بها إنَّما هو محمود بن غيلان عن عبد الرَّزَّاق، وقد خالفه العددُ الكثيرُ من الحفَّاظ، فصرَّحوا بأنَّه لم يصلِّ عليه، لكن ظهر لي أنَّ البخاريَّ قويتْ عنده رواية محمود بالشَّواهد، فقد أخرج عبد الرَّزَّاق أيضًا وهو في «السُّنن» لأبي قرَّة من وجهٍ آخر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصَّة ماعز، قال: فقيل: يا رسول الله أتصلِّي عليه؟ قال: «لا»، فلمَّا كان من الغدِ، قال: «صلُّوا على صاحِبِكم» فصلَّى عليه رسولُ الله ﷺ والنَّاس. قال الحافظُ ابن حجرٍ: فهذا الخبر يجمعُ الاختلاف، فتُحملُ رواية النَّفي على أنَّه لم يصلِّ عليه حين رُجمَ، ورواية
стр. 11827
الإثباتِ على أنَّه صلَّى عليه في اليوم الثَّاني، وقد اختُلف في هذه المسألة، فالمعروف عن مالك أنَّه يكرهُ للإمام وأهل الفضل الصَّلاة على المرجومِ؛ ردعًا لأهل المعاصي، وهو قول أحمد، وعند الشَّافعيِّ: لا يكرهُ وهو قول الجمهورِ.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
(٢٦) (باب مَنْ أَصَابَ (١) ذَنْبًا دُونَ الحَدِّ) أي: ارتكب ذنبًا لا حدَّ له شرعًا كالقُبْلةِ والغمزةِ (فَأَخْبَرَ الإِمَامَ) به (فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِذَا جَاءَ) إلى الإمام حالَ كونه (مُسْتَفْتِيًا) بسكون الفاء طالبًا جواب ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «مستعْتِبًا» بالعين المهملة السَّاكنة بدل الفاء وبعد الفوقية موحدة بدل التَّحتية، من الاستعتابِ، وهو طلبُ الرِّضا وإزالةُ العتب، وقال في «العمدة»: وللكُشمِيهنيِّ: «مستغيثًا» بالغين المعجمة المكسورة والمثلثة بعد التحتية، من الاستغاثةِ، وهي طلبُ الغوثِ، وزاد في «الفتح» عن الكُشمِيهنيِّ (٢) «مستعينًا» بالسين المهملة والنون قبل الألف، وفي نسخة ممَّا في الفرع كأصله: «مستقيلًا» بالقاف بدل الفوقية وبعدها تحتيَّة فلام ألف (٣) أي: طالبًا للإقالة، وغرض البخاريِّ أنَّ الصَّغيرة بالتَّوبة يسقط عنها (٤) التَّعزير.
(قَالَ عَطَاءٌ) هو: ابنُ أبي رباح: (لَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: لم يعاقب الَّذي أخبره أنَّه وقع في معصيةٍ بل أمهله حتَّى صلَّى معه، ثمَّ أخبره أنَّ صلاته كفَّرت ذنبه (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (وَلَمْ يُعَاقِبِ) النَّبيُّ ﷺ (الَّذِي جَامَعَ) أهله (فِي) نهار (رَمَضَانَ) بل أعطاه ما يكفِّر به (وَلَمْ يُعَاقِبْ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (صَاحِبَ الظَّبْيِ) قبيصة بن جابرٍ إذ اصطادَ ظبيًا
стр. 11828
وهو محرمٌ، وإنَّما أمره بالجزاء ولم يعاقبْه عليه، وهذا وصلَه سعيدُ بن منصورٍ بسندٍ صحيح عن قبيصة (وَفِيهِ) أي: وفي معنى الحكم المذكور في التَّرجمة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولأبي ذرٍّ: «عن أبي مسعود» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو غلطٌ، والصَّواب: ابن مسعود، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ بعد قولهِ: وسلَّمَ: «مثله» وهي زيادةٌ لا حاجةَ إليها؛ لأنَّه يصيرُ ظاهره أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يعاقب صاحب الظَّبي، وهذا وصلَه المؤلِّف في «باب الصَّلاة كفَّارة»، في أوائلِ «كتاب المواقيت»، من رواية سليمان التَّيميِّ عن أبي عثمان عن ابن مسعود، بلفظ: أنَّ رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النَّبيَّ ﷺ فأخبرَه فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فقال: يا رسول الله أليَ هذا؟ قال: «لجميعِ أمَّتي كلِّهم» [خ¦٥٢٦].
٦٨٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا) اسمه: سلمة بنُ صخر فيما رواه ابنُ أبي شيبة وابنُ الجَارود، وبه جزمَ عبد الغنيِّ، وتُعقِّب بأنَّ سلمة هو المظاهرُ في رمضان، وإنَّما أتى أهلَه في اللَّيل رأى خلخَالها في القمر. قال الحافظُ ابن حجرٍ: والسَّبب في ظنِّهم أنَّه المُحْترقُ أنَّ ظِهاره من امرأتهِ كان في شهر رمضان، وجامع ليلًا كما هو صريحٌ في حديثهِ، وأمَّا المُحْترق ففي رواية أبي هريرة أنَّه أعرابيٌّ، وأنَّه جامع نهارًا فتغايرا. نعم، اشتركا في قدرِ الكفَّارة، وفي الإتيان بالتَّمر، وفي الإعطاءِ، وفي قولِ كلٍّ منهما: على أفقر منَّا (وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي) نهار (رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) عن ذلك (فَقَالَ) له: (هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً) تعتقُها؟ (قَالَ: لَا) أجدُها (قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ: لَا) أستطيعُ (قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا).
стр. 11829
٦٨٢٢ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام فيما وصله المؤلِّف في «التَّاريخ الصَّغير»، والطَّبرانيُّ في «الأوسط»: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين، ابن يعقوب أبي أميَّة (١) الأنصاريِّ، مولاهم المصري، أحد الأعلام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ التَّيميِّ، أبي محمَّد الفقيه ابن الفقيه (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) هو ابنُ عمِّ محمَّد بن جعفر (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها قالت: (أَتَى رَجُلٌ) هو سلمةُ بن صخر -إنْ صحَّ- (النَّبِيَّ ﷺ فِي المَسْجِدِ) بطيبةَ في رمضان (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (احْتَرَقْتُ) أطلقَ على نفسه أنَّه احترق؛ لاعتقادِه أنَّ مُرتكب الإثم يعذَّب بالنَّار، فهو مجازٌ عن العصيانِ، أو أنَّه يحترق يوم القيامة، فجعل المتوقَّع كالواقع وعبَّر عنه بالماضي (قَالَ) ﷺ له: (مِمَّ ذَاكَ؟) بغير لام (قَالَ: وَقَعْتُ بِامْرَأَتِي) وطئتها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، قَالَ) ﷺ (لَهُ: تَصَدَّقْ) فيه اختصارٌ؛ إذ الكفَّارة مرتَّبة، فإنَّ التَّصدُّق بعد الإعتاق والصِّيام (قَالَ (٢): مَا عِنْدِي شَيْءٌ (٣)) أتصدَّق به (فَجَلَسَ) الرَّجل (فَأَتَاهُ) ﷺ (إِنْسَانٌ) لم أعرف اسمه (يَسُوقُ حِمَارًا وَمَعَهُ طَعَامٌ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقال» (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن القاسم: (مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟) أي: الطَّعام، في رواية أبي هريرة التَّصريح بأنَّه تمرٌ في مكتلٍ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ المُحْتَرِقُ؟) أثبتَ له وصف الاحتراقِ إشارةً إلى أنَّه لو أصرَّ على ذلك لاستحقَّ ذلك (فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا) يا رسولَ الله ﷺ (قَالَ: خُذْ هَذَا) الطَّعام (فَتَصَدَّقْ بِهِ) كفَّارة (قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنِّي؟) استفهام محذوفُ الأداة (مَا لأَهْلِي طَعَامٌ. قَالَ) ﷺ : (فَكُلُوهُ) سقطَت الهاء من «فكلوه» لأبي ذرٍّ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (الحَدِيثُ الأَوَّلُ) المرويُّ عن أبي عثمان النَّهديِّ (أَبْيَنُ، قَوْلُهُ: أَطْعِمْ أَهْلَكَ) وسقط قوله «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لأبي ذرٍّ.
стр. 11830
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَقَرَّ) شخصٌ (بِالحَدِّ) عند الإمام (وَلَمْ يُبَيِّنْ) كأن قال: إنْ أصبتُ ما يُوجب الحدَّ فأقمه عليَّ (هَلْ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ) أم لا؟
٦٨٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ عبد الكبير بنِ شعيب بنِ الحَبْحَاب -بالحاءين المهملتين والموحدتين- البصريُّ العطَّار من أفراد المؤلِّف، ليس له في البخاريِّ غير هذا الحديث، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) بفتح العين وسكون الميم (الكِلَابِيُّ) بكسر الكاف وبالموحدة (١)، الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) العوذيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ) هو: أبو اليسر ابن عَمرو، واسمه: كعب قاله في «المقدّمة» (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ) فعلًا يوجبُ (حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ) أنس: (وَلَمْ يَسْأَلْهُ) النَّبيُّ ﷺ (عَنْهُ) أي: لم يستفسرْه؛ لأنَّه قد يدخلُ في التَّجسُّس المنهيِّ عنه أو إيثارًا للسَّتر (قَالَ) أنسٌ: (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى) الرَّجل (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللهِ) أي: ما حكمَ به تعالى في كتابه من الحدِّ (قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ) أي: ما يوجب حدَّك، والشَّكُّ من الرَّاوي، ويحتملُ أن يكون ﷺ اطَّلع بالوحي على أنَّ اللهَ قد غفرَ له؛ لكونها واقعةَ عينٍ، وإلَّا لكان يستفسرُه عن الحدِّ ويقيمه عليه، قاله الخطَّابيُّ، وجزم النَّوويُّ وجماعة أنَّ الذَّنب
стр. 11831
الَّذي فعله كان من الصَّغائر، بدليل قوله: إنَّه كفَّرته الصَّلاة بناءً على أنَّ الَّذي تكفِّرهُ الصَّلاة من الذُّنوب الصَّغائر لا الكبائر.
(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (هَلْ يَقُولُ الإِمَامُ لِلْمُقِرِّ) بالزِّنا: (لَعَلَّكَ لَمَسْتَ) المرأة (أَوْ غَمَزْتَـ) ها بعينكَ أو بيدِك.
٦٨٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (١)، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» بالجمع (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جريرُ بن حازم بنِ زيد البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ) الثَّقفيَّ مَولاهم البصريَّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ) الأسلميُّ (النَّبِيَّ ﷺ ¬) فقال: إنَّه زنى فأعرضَ عنه، فأعادَ عليه مرارًا، فسأل قومَه: «أمجنونٌ هو؟» قالوا: ليس به بأسٌ، أخرجه أحمدُ وأبو داود عن خالد الحذَّاء عن عكرمة عن ابن عبَّاس بسندٍ على شرط البخاريِّ (قَالَ) ﷺ (لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ) المرأةَ، فالمفعول محذوفٌ للعلم به (أَوْ غَمَزْتَـ) ها بعينكَ أو بيدكَ، وعند الإسماعيليِّ بلفظ: «لعلَّك قبَّلتَ أو لمستَ» (أَوْ نَظَرْتَ) إليها، فأطلقَ (٢) على كلِّ ذلك زنًا، لكنَّه لا حدَّ في ذلك (قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ : (أَنِكْتَهَا؟) بهمزة استفهامٍ فنون مكسورة فكاف ساكنة ففوقية فهاء فألف، من النَّيك (لَا يَكْنِي) بفتح التحتية وسكون الكاف وكسر النون، من الكناية، أي: أنَّه ذكر هذا اللَّفظ صريحًا ولم يُكَنِّ عنه بلفظٍ آخر كالجماع؛ لأنَّ الحدود لا تثبتُ بالكناياتِ، وفي حديث نُعيم بن هَزَّال عند أبي داود: «هل ضاجعتَهَا؟» قال: نعم. قال: «فهل باشرتَهَا؟» قال: نعم، قال: «هل جامعتَهَا؟» قال: نعم (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَعِنْدَ ذَلِكَ) الإقرار بصريح الزِّنا (أَمَرَ) ﷺ (بِرَجْمِهِ) وفيه جواز تلقين المقرِّ في
стр. 11832
الحدود، والتَّصريح بما يُستحيى من التَّلفُّظ به للحاجةِ الملجئةِ لذلك.
(٢٩) (باب سُؤَالِ الإِمَامِ) الأعظم أو نائبهِ (المُقِرَّ) بالزِّنا (هَلْ أَحْصَنْتَ) أي: تزوَّجت ووطئتَ.
٦٨٢٥ - ٦٨٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة راء، جدُّ سعيد، واسم أبيه كثير أبو عثمان الأنصاريُّ المصريُّ (١) الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ) ليس من أكابرِهِم، ولا بالمشهورِ فيهم (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه ﷺ (فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ -يُرِيدُ نَفْسَهُ-) ذكره ليبيِّن أنَّه لم يكنْ مُستفتيًا من جهة الغيرِ بل مسند ذلك لنفسه (فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَنَحَّى) بالحاء المهملة، أي: انتقلَ الرَّجل (لِشِقِّ وَجْهِهِ) بكسر الشين المعجمة، للجانبِ (الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الموحدة، مقابلًا له (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ) ﷺ (عَنْهُ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) أنَّه زنى، وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ
стр. 11833
النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟) الهمزة للاستفهام، و «جنون» مبتدأٌ، والجارّ (١) متعلِّقٌ بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَحْصَنْتَ؟) استفهامٌ حذفتْ منه الأداةُ (قَالَ: نَعَمْ) أحصنْتُ (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ (اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «اذهبوا به» والباء باء التَّعدية، ويحتملُ الحال، أي: اذهبُوا مُصاحبين له فارجموهُ.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريّ -بالسَّند السَّابق-: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا) هو أبو سلمة بن عبد الرَّحمن (قَالَ) وفي نسخة «يقول»: (فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ) سبق أنَّ «سمع» إن تعلَّقت بالذَّوات كما هنا تعدَّت إلى مفعولين الثَّاني فعلٌ مضارعٌ من الأفعالِ الصَّوتيَّة، وقيل: هو في محلِّ حالٍ إن كان الأوَّل معرفةً، أو في محلِّ صفةٍ إن كان نكرةً، وخبر «كان» في المجرورِ، و «من» بمعنى «الَّذي» وصلتُها جملة «رَجَمَه»، والمعنى: في جماعةِ من رجمَه، وأعاد على لفظ «من»، ولو أعادَ على معناها، لقال: فيمَن رجموهُ (فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) أي: عند مصلَّى الجنائز بالبقيعِ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمن رجمَه، أو كنتُ فيمَن أراد حضورَ رجمه فرجمنَاه (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) بالذال المعجمة الساكنة والقاف، أقلقتْهُ وأوجعته (٢). وقال النَّوويُّ: أي: أصابته بحدِّها (الحِجَارَةُ جَمَزَ) بفتح الجيم والميم والزاي، وثبَ مُسرعًا وليس بالشَّديد العَدْوِ بل كالقفزِ، وفي حديث أبي سعيدٍ: فاشتدَّ واشتددنَا خلفهُ (حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ) خارج المدينة (فَرَجَمْنَاهُ) زاد في الرِّواية السَّابقة، في «باب الرَّجم بالمصلَّى» [خ¦٦٨٢٠] حتَّى مات. وعند التِّرمذيِّ من طريق محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هُريرة في قصَّة ماعز: فلمَّا وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتدُّ حتَّى مرَّ برجلٍ معه لَحْيُ جملٍ فضربَهُ به وضربَهُ النَّاس حتَّى ماتَ. وعندَ أبي داود والنَّسائيِّ من رواية يزيد بنِ نُعيم بن هَزَّالٍ عن أبيه في هذه القصَّة: وجد مسَّ الحجارةِ فخرجَ يشتدُّ فلقيهُ عبد الله بنُ أنيس وقد عجزَ أصحابهُ، فنزعَ له وظيفَ بعيرٍ فرماهُ به فقتلَهُ. قال في «الفتح»: وظاهرُ هذا يخالفُ رواية أبي هُريرة أنَّهم ضربوهُ معه، ويجمعُ بأنَّ قوله: فقتلَه، أي: كان سببًا في قتلهِ.
стр. 11834
وفي هذا الحديث منقبةٌ عظيمةٌ لماعزٍ؛ لأنَّه استمرَّ على طلبِ إقامةِ الحدِّ عليه مع توبتهِ ليتمَّ تطهيرُهُ، ولم يرجعْ عن إقرارهِ مع أنَّ (١) الطَّبع البشريَّ يقتضِي أنَّه (٢) لا يستمرُّ على الإقرارِ بما يقتضِي إزهاقَ نفسه، فجاهدَ نفسَه على ذلك وقويَ عليها، وفيه التَّثبُّت في إزهاقِ نفس المسلمِ والمبالغة في صيانتهِ لما وقع في هذه القصَّة من ترديدِه والإيماءِ إليه بالرُّجوع، والإشارة إلى قبولِ دَعواه إن ادَّعى خطأ في معنى الزِّنا، ومباشرة دون الفرج مثلًا، وأنَّ إقرارَ المجنون لاغٍ.
(٣٠) (باب) بيان حكم (الاِعْتِرَافِ بِالزِّنَا).
٦٨٢٧ - ٦٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ فِي الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أي: من فمهِ، وعند الحميديِّ: عن سفيان حدَّثنا الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، أي: ابن عبدِ الله بن عتبةَ بنِ مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ ﵄ (قَالَا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهو جالسٌ في المسجدِ (فَقَامَ رَجُلٌ) أي: من الأعرابِ كما في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤] ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على اسمهِ، ولا على اسمِ خصمهِ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (أَنْشُدُكَ اللهَ) بفتح الهمزة وسكون النون
стр. 11835
وضم الشين المعجمة والدال المهملة، أي: أسألُكَ الله، أي: بالله، ومعنى السُّؤال هنا القَسَم، كأنَّه قال: أقسمتُ عليك بالله، أو معناه: ذكَّرتُك -بتشديد الكاف- وحينئذٍ فلا حاجة لتقدير حرفِ الجرِّ (١) فيه، ولذا قال الفارسيُّ: أجروه مَجرى ذكَّرتك (٢)، وإذا (٣) قلنا: معناه سأل، كان متعديًّا لمفعولين ليسَ ثانيهمَا المجرور بالباء لفظًا أو تقديرًا كما يتوهَّمه كثيرٌ، بل مفعوله الثَّاني ما يأتي بعدَه (٤)، فإذا قلت: أَنْشدك اللهَ أن تُكرمني، فالمصدر المؤوَّل من أن تُكرمني هو مفعولُه الثَّاني، وقسْ على ذلك، وإن قلنَا معناه: ذكَّرتك الله، فالمراد به: الإقسام عليه به، فهذان مفعولاه (٥)، وحينئذٍ فما بعده على تقديرِ حرفِ جرٍّ، فإذا (٦) قيل (٧): نشدتُكَ الله أن تُكرمني، كان معناه: ذكَّرتك الله في إكرامِي.
ثمَّ إنَّ العربَ تأتي بعد هذا التَّركيب بإلَّا مع أنَّ صورةَ لفظه إيجابٌ، ثمَّ يأتون بعدَه بفعل ولا يستثنى، فيقولون: أَنْشُدك الله إلَّا فعلت كذا، وذلك لأنَّ المعنى على النَّفي والحصر فحسُنَ الاستثناءُ، وأمَّا وقوعُ الفعلِ بعد إلَّا فعلى تأويلهِ بالمصدرِ، وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدريٌّ؛ لضرورة افتقارِ المعنى إلى ذلك، وهو من المواضعِ الَّتي يقعُ فيها الفعل (٨) موقعَ الاسم كما قاله صاحب «المفصل». قال: وقد أُوقع الفعل المتعدِّي موقعَ الاسم المستثنى في قولهِ: أَنْشُدك الله إلَّا (٩) فعلت. وتعقَّبه البَرْماويُّ بأنَّ تقييده بالفعل المتعدِّي لا معنى له. وقال أبو حيَّان: فهو كلام يعنون به النَّفي المحصور فيه المفعول، قال: وقد صرَّح بـ: «ما» المصدريَّة مع الفعل بعد إلَّا، يعني كما وقع في هذا الحديث بعد أَنْشُدك (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: لا أسألُكَ بالله إلَّا القضاء بيننا بكتابِ الله. قال في «العدّة»: في المسألة مذهبان آخران حكاهما