← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

الَّذي فعله كان من الصَّغائر، بدليل قوله: إنَّه كفَّرته الصَّلاة بناءً على أنَّ الَّذي تكفِّرهُ الصَّلاة من الذُّنوب الصَّغائر لا الكبائر. (٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (هَلْ يَقُولُ الإِمَامُ لِلْمُقِرِّ) بالزِّنا: (لَعَلَّكَ لَمَسْتَ) المرأة (أَوْ غَمَزْتَـ) ها بعينكَ أو بيدِك. ٦٨٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (١)، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» بالجمع (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جريرُ بن حازم بنِ زيد البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ) الثَّقفيَّ مَولاهم البصريَّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ) الأسلميُّ (النَّبِيَّ ﷺ ¬) فقال: إنَّه زنى فأعرضَ عنه، فأعادَ عليه مرارًا، فسأل قومَه: «أمجنونٌ هو؟» قالوا: ليس به بأسٌ، أخرجه أحمدُ وأبو داود عن خالد الحذَّاء عن عكرمة عن ابن عبَّاس بسندٍ على شرط البخاريِّ (قَالَ) ﷺ (لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ) المرأةَ، فالمفعول محذوفٌ للعلم به (أَوْ غَمَزْتَـ) ها بعينكَ أو بيدكَ، وعند الإسماعيليِّ بلفظ: «لعلَّك قبَّلتَ أو لمستَ» (أَوْ نَظَرْتَ) إليها، فأطلقَ (٢) على كلِّ ذلك زنًا، لكنَّه لا حدَّ في ذلك (قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ : (أَنِكْتَهَا؟) بهمزة استفهامٍ فنون مكسورة فكاف ساكنة ففوقية فهاء فألف، من النَّيك (لَا يَكْنِي) بفتح التحتية وسكون الكاف وكسر النون، من الكناية، أي: أنَّه ذكر هذا اللَّفظ صريحًا ولم يُكَنِّ عنه بلفظٍ آخر كالجماع؛ لأنَّ الحدود لا تثبتُ بالكناياتِ، وفي حديث نُعيم بن هَزَّال عند أبي داود: «هل ضاجعتَهَا؟» قال: نعم. قال: «فهل باشرتَهَا؟» قال: نعم، قال: «هل جامعتَهَا؟» قال: نعم (قَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَعِنْدَ ذَلِكَ) الإقرار بصريح الزِّنا (أَمَرَ) ﷺ (بِرَجْمِهِ) وفيه جواز تلقين المقرِّ في

стр. 11832

الحدود، والتَّصريح بما يُستحيى من التَّلفُّظ به للحاجةِ الملجئةِ لذلك. (٢٩) (باب سُؤَالِ الإِمَامِ) الأعظم أو نائبهِ (المُقِرَّ) بالزِّنا (هَلْ أَحْصَنْتَ) أي: تزوَّجت ووطئتَ. ٦٨٢٥ - ٦٨٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة راء، جدُّ سعيد، واسم أبيه كثير أبو عثمان الأنصاريُّ المصريُّ (١) الحافظ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) سعيد (وَأَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ) ليس من أكابرِهِم، ولا بالمشهورِ فيهم (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه ﷺ (فِي المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ -يُرِيدُ نَفْسَهُ-) ذكره ليبيِّن أنَّه لم يكنْ مُستفتيًا من جهة الغيرِ بل مسند ذلك لنفسه (فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَنَحَّى) بالحاء المهملة، أي: انتقلَ الرَّجل (لِشِقِّ وَجْهِهِ) بكسر الشين المعجمة، للجانبِ (الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الموحدة، مقابلًا له (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ) ﷺ (عَنْهُ، فَجَاءَ لِشِقِّ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ (٢) أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) أنَّه زنى، وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ

стр. 11833

النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟) الهمزة للاستفهام، و «جنون» مبتدأٌ، والجارّ (١) متعلِّقٌ بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَحْصَنْتَ؟) استفهامٌ حذفتْ منه الأداةُ (قَالَ: نَعَمْ) أحصنْتُ (يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ (اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ) ولأبي ذرٍّ: «اذهبوا به» والباء باء التَّعدية، ويحتملُ الحال، أي: اذهبُوا مُصاحبين له فارجموهُ. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريّ -بالسَّند السَّابق-: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا) هو أبو سلمة بن عبد الرَّحمن (قَالَ) وفي نسخة «يقول»: (فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ) سبق أنَّ «سمع» إن تعلَّقت بالذَّوات كما هنا تعدَّت إلى مفعولين الثَّاني فعلٌ مضارعٌ من الأفعالِ الصَّوتيَّة، وقيل: هو في محلِّ حالٍ إن كان الأوَّل معرفةً، أو في محلِّ صفةٍ إن كان نكرةً، وخبر «كان» في المجرورِ، و «من» بمعنى «الَّذي» وصلتُها جملة «رَجَمَه»، والمعنى: في جماعةِ من رجمَه، وأعاد على لفظ «من»، ولو أعادَ على معناها، لقال: فيمَن رجموهُ (فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) أي: عند مصلَّى الجنائز بالبقيعِ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمن رجمَه، أو كنتُ فيمَن أراد حضورَ رجمه فرجمنَاه (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) بالذال المعجمة الساكنة والقاف، أقلقتْهُ وأوجعته (٢). وقال النَّوويُّ: أي: أصابته بحدِّها (الحِجَارَةُ جَمَزَ) بفتح الجيم والميم والزاي، وثبَ مُسرعًا وليس بالشَّديد العَدْوِ بل كالقفزِ، وفي حديث أبي سعيدٍ: فاشتدَّ واشتددنَا خلفهُ (حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ) خارج المدينة (فَرَجَمْنَاهُ) زاد في الرِّواية السَّابقة، في «باب الرَّجم بالمصلَّى» [خ¦٦٨٢٠] حتَّى مات. وعند التِّرمذيِّ من طريق محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هُريرة في قصَّة ماعز: فلمَّا وجد مسَّ الحجارة فرَّ يشتدُّ حتَّى مرَّ برجلٍ معه لَحْيُ جملٍ فضربَهُ به وضربَهُ النَّاس حتَّى ماتَ. وعندَ أبي داود والنَّسائيِّ من رواية يزيد بنِ نُعيم بن هَزَّالٍ عن أبيه في هذه القصَّة: وجد مسَّ الحجارةِ فخرجَ يشتدُّ فلقيهُ عبد الله بنُ أنيس وقد عجزَ أصحابهُ، فنزعَ له وظيفَ بعيرٍ فرماهُ به فقتلَهُ. قال في «الفتح»: وظاهرُ هذا يخالفُ رواية أبي هُريرة أنَّهم ضربوهُ معه، ويجمعُ بأنَّ قوله: فقتلَه، أي: كان سببًا في قتلهِ.

стр. 11834

وفي هذا الحديث منقبةٌ عظيمةٌ لماعزٍ؛ لأنَّه استمرَّ على طلبِ إقامةِ الحدِّ عليه مع توبتهِ ليتمَّ تطهيرُهُ، ولم يرجعْ عن إقرارهِ مع أنَّ (١) الطَّبع البشريَّ يقتضِي أنَّه (٢) لا يستمرُّ على الإقرارِ بما يقتضِي إزهاقَ نفسه، فجاهدَ نفسَه على ذلك وقويَ عليها، وفيه التَّثبُّت في إزهاقِ نفس المسلمِ والمبالغة في صيانتهِ لما وقع في هذه القصَّة من ترديدِه والإيماءِ إليه بالرُّجوع، والإشارة إلى قبولِ دَعواه إن ادَّعى خطأ في معنى الزِّنا، ومباشرة دون الفرج مثلًا، وأنَّ إقرارَ المجنون لاغٍ. (٣٠) (باب) بيان حكم (الاِعْتِرَافِ بِالزِّنَا). ٦٨٢٧ - ٦٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) أي: الحديث (مِنْ فِي الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أي: من فمهِ، وعند الحميديِّ: عن سفيان حدَّثنا الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، أي: ابن عبدِ الله بن عتبةَ بنِ مسعود (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) الجهنيَّ ﵄ (قَالَا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهو جالسٌ في المسجدِ (فَقَامَ رَجُلٌ) أي: من الأعرابِ كما في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤] ولم يقفِ الحافظ ابن حجرٍ على اسمهِ، ولا على اسمِ خصمهِ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (أَنْشُدُكَ اللهَ) بفتح الهمزة وسكون النون

стр. 11835

وضم الشين المعجمة والدال المهملة، أي: أسألُكَ الله، أي: بالله، ومعنى السُّؤال هنا القَسَم، كأنَّه قال: أقسمتُ عليك بالله، أو معناه: ذكَّرتُك -بتشديد الكاف- وحينئذٍ فلا حاجة لتقدير حرفِ الجرِّ (١) فيه، ولذا قال الفارسيُّ: أجروه مَجرى ذكَّرتك (٢)، وإذا (٣) قلنا: معناه سأل، كان متعديًّا لمفعولين ليسَ ثانيهمَا المجرور بالباء لفظًا أو تقديرًا كما يتوهَّمه كثيرٌ، بل مفعوله الثَّاني ما يأتي بعدَه (٤)، فإذا قلت: أَنْشدك اللهَ أن تُكرمني، فالمصدر المؤوَّل من أن تُكرمني هو مفعولُه الثَّاني، وقسْ على ذلك، وإن قلنَا معناه: ذكَّرتك الله، فالمراد به: الإقسام عليه به، فهذان مفعولاه (٥)، وحينئذٍ فما بعده على تقديرِ حرفِ جرٍّ، فإذا (٦) قيل (٧): نشدتُكَ الله أن تُكرمني، كان معناه: ذكَّرتك الله في إكرامِي. ثمَّ إنَّ العربَ تأتي بعد هذا التَّركيب بإلَّا مع أنَّ صورةَ لفظه إيجابٌ، ثمَّ يأتون بعدَه بفعل ولا يستثنى، فيقولون: أَنْشُدك الله إلَّا فعلت كذا، وذلك لأنَّ المعنى على النَّفي والحصر فحسُنَ الاستثناءُ، وأمَّا وقوعُ الفعلِ بعد إلَّا فعلى تأويلهِ بالمصدرِ، وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدريٌّ؛ لضرورة افتقارِ المعنى إلى ذلك، وهو من المواضعِ الَّتي يقعُ فيها الفعل (٨) موقعَ الاسم كما قاله صاحب «المفصل». قال: وقد أُوقع الفعل المتعدِّي موقعَ الاسم المستثنى في قولهِ: أَنْشُدك الله إلَّا (٩) فعلت. وتعقَّبه البَرْماويُّ بأنَّ تقييده بالفعل المتعدِّي لا معنى له. وقال أبو حيَّان: فهو كلام يعنون به النَّفي المحصور فيه المفعول، قال: وقد صرَّح بـ: «ما» المصدريَّة مع الفعل بعد إلَّا، يعني كما وقع في هذا الحديث بعد أَنْشُدك (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: لا أسألُكَ بالله إلَّا القضاء بيننا بكتابِ الله. قال في «العدّة»: في المسألة مذهبان آخران حكاهما

стр. 11836

أبو حيَّان. أحدُهما: أنَّ «إلَّا» جواب القسم؛ لأنَّها في (١) الكلامِ على معنى الحصرِ، فدخلتْ هنا لذلك المعنى كأنَّك قلت: نشدتك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا كذا، فحذف الجواب وترك ما يدلُّ عليه، والثَّاني قاله في «البسيط»: أنَّ «إلَّا» أيضًا جوابٌ للقسمِ، لكن على أنَّ الأصل: نشدتُك الله لتفعلنَّ كذا، ثمَّ أوقعوا موقع المضارع الماضي ولم يدخلوا لام التَّوكيد (٢)؛ لأنَّها لا تدخل على الماضي، فجعلوا بدلها إلَّا وحملوها عليها، فتلخَّص أنَّ الاستثناء في هذا التَّركيب مفرَّغ، وقوله: «بكتاب الله» أي: بما تضمَّنه كتابُ الله، أو أنَّ المراد به: حكمُ الله المكتوب على المكلَّفين من الحدودِ والأحكامِ إذ الرَّجم ليس في القرآنِ، ويحتملُ أن يرادَ به: القرآن، وكان ذلك قبل أن تنسخَ آية الرَّجم لفظًا، وإنَّما سألا أن يحكمَ بينهما بحكمِ الله وهما يعلمان أنَّه لا يحكم إلَّا بحكمِ الله؛ ليفصلَ بينهما بالحكم الصَّرف لا بالنَّصائح والتَّرغيب فيما (٣) هو الأرفق بهما، إذ للحاكمِ أن يفعلَ، ولكن برضا الخصمين. (فَقَامَ خَصْمُهُ -وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ-) يحتمل -كما قال الحافظ الزَّين العراقيُّ- أن يكون الرَّاوي كان عارفًا بهما قبلَ أن يتحاكمَا، فوصف الثَّاني بأنَّه أفقه من الأوَّل مطلقًا، أو في هذهِ القصَّة (٤) الخاصَّة، واستدلَّ بحسنِ أدبهِ في استئذانهِ أولًا، وتركِ رفع صوتهِ إن كان الأوَّل رفعه، والخصم في الأوَّل مصدر خصمه يخصمه؛ إذا نازعَه وغالبهُ، ثمَّ أطلق على المخاصمِ وصار اسمًا له، فلذا يُطلق على الواحدِ والاثنين، والأكثر بلفظ واحدٍ، مذكَّرًا كان المخاصم أو مؤنَّثًا؛ لأنَّه بمعنى «ذو» كذا على قولِ البصريِّين في رجلٍ عدلٍ ونحوه، قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] وربَّما ثنِّي وجُمِع للتَّنبيه على فائدةٍ تراد في الكلامِ نحو: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] ونحو ذلك (فَقَالَ): يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي) أي: في أن أتكلَّم، وفي رواية ابن [أبي] شيبةَ عن سفيان: حتَّى أقول (قَالَ) ﷺ : (قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بفتح العين وكسر السين المهملتين وبالفاء، أجيرًا (عَلَى هَذَا) أي: عندَه، أو «على» بمعنى اللام، كقولهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] قال الكِرْمانيُّ وتبعه العينيُّ والبَرْماويُّ: وهذا القول … إلى آخره من

стр. 11837

جملةِ كلام الرَّجل، أي: الأوَّل لا الخصم (١)، ولعلَّه تمسَّك بقولهِ في «الصُّلح»: فقال الأعرابيُّ: إنَّ ابني، بعد قولهِ في أوَّل الحديث: جاء أعرابيٌّ [خ¦٢٦٩٥] وتعقَّبه في «فتح الباري» كما سبق في «الصُّلح» بأنَّ هذه الزِّيادة شاذَّةٌ، والمحفوظ ما في سائرِ الطُّرق كما في رواية سفيان هنا، فالاختلافُ فيه على ابنِ أبي ذئب (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) ولم يعرفِ الحافظ ابن حجرٍ اسمها ولا اسمَ الابن (فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ) «بمئة شاةٍ» متعلِّقٌ (٢) بـ «افتديتُ»، و «منه» أي (٣): من الرَّجم، والشَّاةُ تذكَّر وتؤنَّث، وأصلها شاهَة؛ لأنَّ تصغيرها شُوَيْهَةٌ وَشُوَيَّةٌ، والجمع: شياهٌ بالهاء تقول: ثلاث شياهٍ إلى العشرةِ، فإذا جاوزتِ فالتاء، فإذا كثرتْ قلت: هذه شاءٌ كثيرة، بالهمز، و «من» للبدليَّة كقولهِ تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي: بدل الآخرة (ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) قال في «الفتح»: لم أقف على أسمائهم ولا على عددِهم (فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ) بإضافة جلد للاحقهِ، كقولهِ: (وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ) لإحصانها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : و) حقِّ (٤) (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِه) فـ: «الَّذي» (٥) مع صلتهِ وعائدِه مقسمٌ به، و «نفسي» مبتدأٌ، و «بيدِه» في محلِّ الخبر وبه يتعلَّق (٦) حرف الجرِّ، وجوابُ القسم قولُهُ: (لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُه) بتشديد النُّون للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ: «بينكُم» بالجمعِ (المِئَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ) وفي «الصُّلح»: «الوليدة» [خ¦٢٦٩٥] ولا تنافي بينهمَا؛ لأنَّ الخادمَ يُطلق على الذَّكر والأنثى، وقوله: «ردٌّ» من إطلاقِ المصدر على المفعولِ، أي: مردودٌ، نحو نسج اليمنِ، أي: منسوجه، ولذلك كان بلفظ واحدٍ (٧) للواحد والمتعدِّد (٨). وقوله: «المئة شاة» هو (٩)

стр. 11838

على مذهبِ الكوفيِّين، والمعنى: أنَّه يجب ردُّ ذلك إليك (١)، وفيه دليلٌ على أنَّ المأخوذ بالعقود (٢) الفاسدةِ -كما في هذا الصُّلح الفاسدِ- لا يُمْلَك بل يجبُ ردُّه على صاحبهِ. قال في «العدة»: وهو أجود ممَّا استدلَّ به البخاريُّ من حديثِ بلال: «أَوَّهْ (٣) عينُ الرِّبا لا تفعلْ» [خ¦٢٣١٢] فإنَّ ذاك الحديث ليس فيه أمرٌ بالردِّ إنَّما فيه النَّهي عن مثل هذا (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) وهذا يتضمَّن أنَّ ابنه كان بكرًا وأنَّه اعترف بالزِّنا، فإنَّ إقرار الأبِ عليه لا يقبلُ، أو يكون أضمر اعترافَه، أي: إن كان ابنك اعترفَ بالزِّنا فعليهِ جلد مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والسَّابق أوجهُ؛ لأنَّه في مقامِ الحكم، وقرينةُ اعترافهِ حضورُه مع أبيهِ (٤)، كما في الرِّواية الأخرى: إنَّ ابنِي هذا، وسكوتُه على ما نسبَه إليهِ، وفي رواية عَمرو بن شعيب: كان ابني أجيرًا لامرأةِ هذا، وابني لم يحصن. فصرَّح بكونه بكرًا، وفيه التَّغريب للبكرِ الزَّاني، وبه تمسَّك الشَّافعيَّة، خلافًا لأبي حنيفة فلا يقول به؛ لأنَّ إيجابه زيادةٌ على النَّصِّ، والزِّيادة على النَّصِّ (٥) بخبر الواحدِ نسخٌ فلا يجوزُ (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون آخره سين مهملة، مصغَّرًا، ابن الضَّحَّاك الأسلميُّ على الأصحِّ (عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) والمراد بالغدوِّ: الذَّهاب، كما يُطلق الرَّواح على ذلك، وليس المرادُ: حقيقةَ الغدوِّ، وهو التَّأخير إلى (٦) أوَّل النَّهار، كما لا (٧) يُراد بالرَّواح التَّوجُّه نصفَ النَّهار، ويدلُّ له رواية مالكٍ ويونسَ وصالح بن كَيسان، وأمرَ أُنَيسًا الأسلميَّ أن يأتي امرأةَ الآخر، وإنَّما بعثه لإعلامِ المرأة بأنَّ هذا الرَّجل قذفَها بابنه، فلها عليه حدُّ القذفِ فتطالبُه به، أو تعفو إلَّا أن تعترفَ (٨) بالزِّنا، فلا يجبُ عليه حدُّ القذف بل عليها حدُّ الزِّنا وهو الرَّجم؛ لأنَّها كانت محصنةً، فذهبَ إليها أُنَيس فاعترفتْ به فأمرَ ﷺ برجمِهَا فرُجمَتْ.

стр. 11839

قال النَّوويُّ: كذا أوَّله العلماء من أصحابنَا وغيرهم ولا بدَّ منه؛ لأنَّ ظاهره أنَّه بعث لطلب إقامة حدِّ الزِّنا وهو غيرُ مرادٍ؛ لأنَّ حدَّ الزِّنا لا يتجسَّس له بل يستحبُّ تلقين المقرِّ به الرُّجوع، فيتعيَّن التَّأويل المذكور. وفي الحديث أنَّه يستحبُّ للقاضِي أن يصبرَ على قولِ أحدِ الخصمين: احكمْ بيننا بالحقِّ ونحوه إذا تعدَّى عليه خصمه، ونظيرُ ذلك قوله تعالى حكاية عن قولِ الخصمين اللَّذين دَخلا (١) على داود: ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] ويحتملُ أن يكون ذلك على حدِّ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] في أنَّ المراد التَّعريض بأنَّ خصمه على الباطلِ، وأنَّ الحكم بالحقِّ (٢) سيظهرُ باطله. قال عليُّ ابن المديني: (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عُيينة: (لَمْ يَقُلْ) أي: الرَّجل الَّذي قال: إنَّ ابني كان عَسِيفًا في كلامه (فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ. فَقَالَ) سفيان: (أَشُكُّ (٣) فِيهَا) أي: من سماعها، وللمُستملي: «الشَّكُّ فيها» (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ (فَرُبَّمَا قُلْتُهَا، وَرُبَّمَا سَكَتُّ) عنها. والحديث مضى في «الوكالة» [خ¦٢٣١٤] و «الشروط» [خ¦٢٧٢٤] و «النذور» [خ¦٦٦٣٣] وغيرها، وأخرجه بقية الستة. ٦٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) مصغَّرًا، ابنِ عبد الله بنِ عتبة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (لَقَدْ خَشِيتُ) بفتح الخاء وكسر الشين المعجمتين، خفتُ (أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا) بفتح التحتية وكسر الضاد

стр. 11840

المعجمة، من الضَّلال (بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ) تعالى في كتابهِ العزيز في قولهِ: والشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة. كما روي من طرقٍ (١) عدَّة متعاضدة أنَّها كانت متلوَّة فنُسختْ تلاوتُها، وبقيَ حكمُها معمولًا به (أَلَا) بالتَّخفيف (وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ) بفتح الهمزة والصاد، والواو في «وقد» للحال (إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ) بزناه (أَوْ كَانَ الحَمْلُ) بالميم الساكنة ثابتًا، ولأبي ذرٍّ: «الحبَل» بالموحدة المفتوحة بدل الميم (أَوْ الاِعْتِرَافُ) من الزَّاني أنَّه زنا (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة -بالسَّند السَّابق-: (كَذَا حَفِظْتُ) جملةٌ معترضةٌ بين قولهِ: «أو الاعترافُ»، وقوله: (أَلَا) بالتَّخفيف (وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ) وهذا من قولِ عمر ﵁. ومطابقة الحديثِ لما ترجمَ به في قولهِ: «وإنَّ الرَّجم حقٌّ … » إلى آخره، والله أعلم. (٣١) (باب رَجْمِ الحُبْلَى مِنَ الزِّنَا) ولأبي ذرٍّ: «في الزِّنا» (إِذَا أَحْصَنَتْ) بأن تزوَّجتْ، واتَّفقوا على أنَّها لا تُرجم إلَّا بعد الوضع.

стр. 11841

٦٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابنُ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ) أي: أعلِّمُ (رِجَالًا مِنَ المُهَاجِرِينَ) القرآن (مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) ولم يعرفِ الحافظ ابن حجرٍ اسم أحدٍ منهم غيره (فَبَيْنَمَا) بالميم (أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى) بالتَّنوين وكسر الميم (وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا) عمرُ ﵁ سنة ثلاث وعشرين، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ رَجَعَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمه (أَتَى أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ اليَوْمَ) لرأيت عجبًا، فالجواب محذوفٌ، أو كلمة «لو» للتَّمنِّي فلا تحتاجُ إلى الجواب (فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلَانٍ) لم يُسمَّ (يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا) قال في «المقدّمة»: في «مسند البزار» و «الجعديّات» بإسنادٍ ضعيف: أنَّ المراد بالَّذي يُبايَع له طلحة بن عبيد الله، ولم يُسمَّ القائل ولا النَّاقل. قال: ثمَّ وجدتُه في «الأنساب» للبلاذريِّ بإسنادٍ قويٍّ من رواية هشامِ بن يوسف عن مَعمر عن الزُّهريِّ بالإسناد المذكور في الأصلِ، ولفظهُ: قال عمرُ: بلغني أنَّ الزُّبير قال: لو قد (١) ماتَ عُمر لبايعنا عليًّا … الحديث، وهذا أصحُّ. وقال في «الشَّرح»: قوله: لقد بايعتُ

стр. 11842

فلانًا هو طلحة بن عبيد الله، أخرجه البزَّار من طريق أبي معشر عن زيدِ بن أسلم عن أبيهِ وعن عمر مولى غُفْرة -بضم الغين المعجمة وسكون الفاء- قالا: قدم على أبي بكرٍ مال. فذكر قصَّةً طويلةً في قسم الفيء، ثم قال: حتَّى إذا كان من آخر السَّنة الَّتي حجَّ فيها عمر ﵁، قال بعضُ الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنَا فلانًا، يعنون: طلحة بن عبيد الله. ونقلَ ابنُ بطَّال عن المهلَّب: أنَّ الَّذي عنوا أنَّهم يبايعونَه رجلٌ من الأنصارِ، ولم يذكرْ مستندَه، وأبدى الكِرْمانيُّ سؤالًا هنا، فقال: فإن قلت: «لو» حرف لازم أن يدخلَ على الفعل، وههنا دخلَ على الحرفِ؟ وأَجاب بأنَّ «قد» هنا (١) في تقدير الفعل إذْ معناه: لو تحقَّق موته، أو «قد» مقحمٌ. (فَوَاللهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فَلْتَةً) بفتح الفاء وسكون اللام بعدها فوقيَّة ثمَّ تاء تأنيث، أي: فجأة من غير تدبُّر (٢) (فَتَمَّتْ) أي: المبايعة بذلك. (فَغَضِبَ عُمَرُ) ﵁، زاد ابنُ إسحاق عندَ ابن أبي شيبة غضبًا ما رأيتُه غضبَ مثلهُ منذ كان (ثُمَّ قَالَ: إِنِّي إِنْ شَاءَ اللهُ لَقَائِمٌ العَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فَمُحَذِّرُهُمْ) بالميم في «اليونينيَّة»، وفي غيرها بالنون (هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ) بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وكسر الصاد المهملة، منصوبٌ بحذفِ النون، وفي روايةِ مالكٍ: يغتصبوهم، بزيادة تاء الافتعال، ويُروى: «أن يَعْضبونهم»، بالنون بعد الواو، وهي لغةٌ كقولهِ تعالى: (أَوْ يَعْفُوُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٨] بالرَّفع، وهو تشبيههم «أن» بـ: «ما» المصدريَّة فلا ينصبون بها، أي: الَّذين

стр. 11843

يقصدون أمورًا ليست من وظيفتهم ولا مرتبتهم، فيريدون أن يباشروها بالظُّلم والغصبِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن يَعضبوهم» -بالعين المهملة والضاد المعجمة وفتح أوله- (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ ﵁ (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ) ذلك، فيه جواز الاعتراض على الإمام في الرَّأي إذا خشيَ من ذلك الفتنة واختلافَ الكلمة (فَإِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ) براء مفتوحة وعينين مهملتين بينهما ألف: الجهلة الأراذلُ (١) أو الشَّباب منهم (وَغَوْغَاءَهُمْ) بغينين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة ممدودًا، الكثير المختلطُ من النَّاس، وقال في «الفتح»: أصله صغار الجرادِ حين يبدأ في الطَّيران، ويُطلق على السَّفلة المسرعين إلى الشَّرِّ (فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ) بضم القاف وسكون الراء بعدها موحدة، أي: المكان الَّذي يقربُ منك. وقال (٢) في «الفتح»: ووقع في رواية الكُشمِيهنيِّ وأبي (٣) زيدٍ المروزيِّ: «على قِرْنِك» -بكسر القاف وبعد الراء نون بدل الموحدة- قال: وهو خطأٌ. انتهى. وعزاهَا في «المصابيح» للأَصيليِّ، وقال: إنَّ الأولى هي الظَّاهرة. انتهى. والَّذي في حاشية فرع «اليونينيَّة» كأصلها معزوًّا لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «قرمك (٤)» بالميم بدل النون، وفي رواية ابن وهبٍ عن مالكٍ: على مجلسكَ (حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ) للخُطبةِ لغلبتهم ولا يترُكون المكان القريب إليكَ لأولي النُّهى من النَّاس (وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا) بضم التحتية وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مكسورة مشدَّدة، من أطارَ الشَّيء (٥) إذا

стр. 11844

أطلقَه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «يَطِيْرُ بها» (١) بفتح التحتية وكسر الطاء وسكون التحتية (عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ) وفي نسخة «كل مَطِير» بفتح الميم وكسر الطاء، أي: يحملونَها على غيرِ وجهها (وَأَنْ لَا يَعُوهَا) لا يعرفوا (٢) المرادَ منها (وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا). وقال في «الكواكب»: وفي بعض الرِّوايات: «وأنْ لا يَضَعونها» بإثبات النون. قال: وتركُ النَّصب جائزٌ مع النَّواصب لكنه خلافُ الأفصحِ، وفيه أنَّه (٣) لا يوضع دقيقُ العلم إلَّا عند أهلِ الفهم له (٤) والمعرفة بمواضعهِ، دون العوامِّ (فَأَمْهِلْ) بقطع الهمزة وكسر الهاء (حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ، فَإِنَّهَا دَارُ الهِجْرَةِ وَالسُّنَّة، فَتَخْلُصُ) بضم اللَّام بعدها صاد مهملة مضمومة، والَّذي في الفرع وأصله «فتخلصَ» بالنَّصب مصحَّحًا عليه، أي: تصلَ (بِأَهْلِ الفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ فَتَقُولَ) بالنَّصب وصحَّح عليه في الفرع كأصله (مَا قُلْتَ) حالَ كونك (مُتَمَكِّنًا) بكسر الكاف منه (فَيَعِي أَهْلُ العِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (أَمَا) بتخفيفِ الميم وألف بعدَها حرف استفتاحٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أم» (وَاللهِ) بحذف الألف (إِنْ شَاءَ اللهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أقوم» (بِالمَدِينَةِ) بحذف الضَّمير (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ) من مكَّةَ (فِي عَقِبِ ذِي الحَجَّةِ) بفتح العين وكسر القاف عند الأَصيليِّ، وعندَ غيره بضم فسكون (٥)، والأوَّل أولى؛ لأنَّ الثَّاني يُقال لما بعد التَّكملة، والأوَّل لما قرب منها، يُقال: جاء عَقِب الشَّهر، بالوجهين (٦) إذا جاءَ وقد بقيتْ منه بقيَّة، وجاء عُقبه -بضم العين- إذا جاء بعد تمامهِ، والواقع الأوَّل؛ لأنَّ قدوم عمر ﵁ كانَ قبل أن ينسلِخَ

стр. 11845

ذو الحجَّة في يوم الأربعاء (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ) برفع يوم، أو بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عَجَّلْنَا الرَّوَاحَ) بنون الجمعِ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ وأبي الوقتِ: «عجَّلْتُ» بتاء المتكلِّم، وللكُشمِيهنيِّ: «بالرَّواح»، وزاد سفيان -فيما رواه البزَّار-: وجاءتِ الجمعةُ وذكرتُ ما حدَّثني عبد الرَّحمن بن عوف، فهجَّرتُ إلى المسجد (حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) زالت عند اشتداد الحرِّ (حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) بضم النون وفتح الفاء، أحد العشرةِ (جَالِسًا إِلَى رُكْنِ المِنْبَرِ) وقوله: «حتَّى أجدَ»، بالنَّصب مصلَّحة على كشطٍ في الفرع، وكذا رأيتُ النَّصب في «اليونينيَّة». وقال في «الكواكب»: بالرَّفع. قال ابنُ هشام: لا يرتفع الفعلُ بعد حتَّى إلَّا (١) إذا كان حالًا، ثمَّ إن كانت حاليَّته بالنِّسبةِ إلى زمن التَّكلم فالرَّفع واجبٌ، كقولك (٢): سرتُ حتَّى أدخلُها، إذا قلت ذلك وأنتَ في حالِ الدُّخول، وإن كانت حاليَّته ليست حقيقيَّة بل كانت محكيَّة جازَ نصبهُ إذا لم تقدر الحكاية، نحو: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقراءة نافع بالرفع بتقدير: حتَّى حالتهم حينئذٍ أنَّ الرَّسول والَّذين آمنوا معَه يقولون كذا وكذا (فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «حذوهُ»، وفي رواية مَعمر: فجلستُ إلى جنبهِ (تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ) بفتح الهمزة والشين المعجمة بينهما نون ساكنة آخره موحدة، أي: لم (٣) أمكث (أَنْ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ بفتح همزة «أنْ»، أي: خرجَ من مكانهِ إلى جهةِ المنبر (فَلَمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا، قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) ليستعدَّ ويحضر فهمه: (لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ) وفي رواية مالك: لم يَقُلها أحدٌ قطُّ قبله (فَأَنْكَرَ عَلَيَّ) بتشديد الياء استبعادًا لذلك منه؛ لأنَّ الفرائضَ والسُّننَ قد (٤) تقرَّرت، وزاد سفيان: فغضب سعيد (وَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ) وكان القياسُ -كما نبَّه عليه الكِرْمانيُّ وتبعه البَرْماويُّ- أن يقول: ما عسى أن يقول، فكأنَّه في معنى: رجوتَ وتوقَّعتَ (فَجَلَسَ عُمَرُ) ﵁ (عَلَى المِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ) بالفوقية بعد الكاف، من السُّكوت ضدَّ النُّطق، وضبطها الصَّغانيُّ: «سَكَبَ»، بالموحدة بدل الفوقيَّة، أي: أذنوا، فاستُعير السَّكب للإفاضةِ في الكلام، كما يُقال: أفرغَ في أُذني كلامًا، أي:

стр. 11846

ألقى وصبَّ (قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (أَنْ أَقْوْلَهَا، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي) بقرب وفاتي، وهذا من مُوافقات عمر ﵁ الَّتي جرت على لسانهِ فوقعتْ كما قال، وفي رواية أبي مَعشر -عند البزَّار-: أنَّه قال في خطبتهِ هذه: فرأيتُ رؤيا وما ذاكَ إلَّا عند اقترابِ أجلِي، رأيتُ ديكًا نقرنِي، وفي مرسل سعيد بن المسيَّب ممَّا في «الموطأ»: أنَّ عمر لمَّا صدر من الحجِّ دعا الله أنْ يقبضَه إليه غيرَ مضيِّعٍ ولا مُفَرِّط. وقال في آخر القصَّةِ: فما انسلخَ ذو الحجَّة حتَّى قُتِل عمر ﵁ (فَمَنْ عَقَلَهَا) بفتح العين المهملة والقاف (وَوَعَاهَا) حفِظها (فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ) فيه الحضُّ لأهل العلم والضَّبط على التَّبليغ والنَّشر في الأسفارِ (وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا) بكسر الشين والقاف (فَلَا أُحِلُّ) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة (لأَحَدٍ) كان الأصل أن يقول: لا أحلُّ له؛ ليرجع الضَّمير إلى الموصولِ، لكن (١) لمَّا كان القصدُ الرَّبط قام عموم أحدٍ مقام الضَّمير (أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (إِنَّ اللهَ) (بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ) العزيز الَّذي لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفهِ، قال ذلك توطئةً لما سيقوله رفعًا للرِّيبة ودفعًا للتُّهمة (فَكَانَ مِمَّا (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (٣): «فيما» «بالفاء» بدل: «الميم» (أَنْزَلَ اللهُ) في الكتاب (آيَةَُ الرَّجْمِ) وهي: الشَّيخ والشَّيخةُ إذا زنيا فارجموهمَا البتَّة. و «آية» بالنَّصب والرَّفع في «اليونينيَّة». وقال الطِّيبيُّ: بالرفع اسم كانَ وخبرها من التَّبعيضيَّة في قولهِ: «ممَّا»، ففيه تقديمُ الخبر على الاسم، وهو كثيرٌ (فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا) ثمَّ نُسِخ لفظُها، وبقيَ حكمُها فلذَا (٤) (رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أي: أمرَ برجم المحصنينَ (وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى) فأخافُ (إِنْ) بكسر الهمزة (طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ) بفتح الهمزة (قَائِلٌ) منهم: (وَاللهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا) بفتح التَّحتية (بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ) تعالى في كتابه في الآيةِ المذكورةِ المنسوخة (وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ) في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥] بيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ المرادَ به رجم الثَّيِّب وجلدُ البكرِ، ففي «مسند أحمد» من حديث عبادة

стр. 11847

ابنِ الصَّامت، قال: أنزلَ الله تعالى على رسوله ﷺ ذات يومٍ فلمَّا أُسريَ عنه، قال: «خذوا عنِّي قد جعلَ الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّب بالثَّيِّب، والبكرُ بالبكرِ، الثَّيِّبُ جلدُ مئة (١) ورجمٌ بالحجارةِ، والبكرُ جلد مئة (٢) ثمُّ نفيُ سنةٍ» ورواه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن» من طرق بلفظ: «خذُوا عنِّي، خذُوا عنِّي قد جعلَ الله لهنَّ سبيلًا، البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّب جلدُ مئة والرَّجم». قال في «شرح المشكاة»: التَّكرير (٣) في قولهِ: «خذوا عنِّي» يدلُّ على ظهور أمرٍ قد خفِي شأنه وأُبهم، فإنَّ قوله: «قد جعلَ الله لهنَّ سبيلًا» مبهمٌ في التَّنزيل، ولم يُعلم ما تلك السَّبيل، أي: الحدُّ الثَّابت في حقِّ المحصن وغيره، وقوله: «البكر بالبكر» بيانٌ للمبهمِ وتفصيلٌ للمجملِ مصداقًا لقولهِ تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقد ذهبَ الإمام أحمد إلى القولِ بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمعُ بين الجلد والرَّجم في حقِّ الثَّيِّب، وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّ الثَّيِّب الزَّاني إنَّما يُرجم فقط من غير جلدٍ؛ لأنَّه ﷺ رجمَ ماعزًا والغامديَّة واليهوديَّين ولم يجلدْهُم، فدلَّ على أنَّ الجلد ليس بمحتَّمٍ (٤) بل هو منسوخٌ، فعلم أنَّ الرَّجم في كتابِ الله حقٌّ (عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ) بضم الهمزة، أي: تزوَّج وكان بالغًا عاقلًا (مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ) بالزِّنا بشرطِها المقرَّر (٥) في الفروع (أَوْ كَانَ الحَبَلُ) بفتح الحاء المهملة والموحدة، أي: وُجدت المرأةُ الخاليةُ من زوجٍ أو سيِّدٍ حُبلى، ولم تذكرْ شُبهة ولا إكراهًا (أَوْ) كان (الاِعْتِرَافُ) أي: الإقرارُ بالزِّنا والاستمرار عليه (ثُمَّ إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فِيمَا نَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّه) ممَّا نُسختْ تلاوتهُ وبقي حكمهُ (أَنْ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) فتنتسبُوا إلى غيرِهم (فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ) إن استحللتُمُوه (٦) أو هو للتَّغليظ (-أَوْ: إِنَّ كُفْرًا بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ-) بالشَّكِّ فيما كان من (٧) القرآن (أَلَا)

стр. 11848

بالتَّخفيف حرفُ استفتاح كلام غير السَّابق (ثُمَّ) وفي رواية مالك: «ألَا و» (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تُطْرُونِي) بضم الفوقية وسكون المهملة، لا تُبالغوا في مدحِي بالباطلِ (كَمَا أُطْرِيَ) بضم الهمزة (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) وفي رواية سفيان [خ¦٣٤٤٥] «كمَا أطرتِ النَّصارى عيسَى (١)» في جعلِهِ إلهًا مع اللهِ أو ابنَ الله (وَقُولُوا: عَبْدُ اللِّهِ وَرَسُوْلُهُ) وفي رواية مالك: «فإنَّما أنا عبدُ الله فقولوا: عبدُ الله ورسولُه» ووجه إيرادِ عمر ذلك هنا أنَّه (٢) خافَ على من لا قوَّةَ له في الفهمِ أن يظنَّ بشخصٍ استحقاقه الخلافة، فيقومُ في ذلك مع أنَّ المذكورَ لا يستحقُّ، فيظنُّ به ما ليس فيه فيدخلُ في النَّهي، أو أنَّ الَّذي وقعَ منه في مدح أبي بكرٍ ليس من الإطراءِ المنهيِّ عنه، ولذا قال: ليس فيكم مثل أبي بكر (ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ: وَاللهِ لَوْ مَاتَ) ولأبي ذرٍّ: «لو قد مات» (عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغْتَرَّنَّ) بتشديد الراء والنون (امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً) أي: فجأةً من غير مشورةٍ مع جميع من كان ينبغِي أن يشاوروا، أو المراد (٣): أنَّ أبا بكرٍ ومن معه تفلَّتوا في ذهابهم إلى الأنصارِ فبايعوا أبا بكرٍ بحضرتهِم، وقال ابنُ حبان: إنَّما كانت فلتةً؛ لأنَّ ابتداءها كانَ من غيرِ ملأ كثيرٍ (وَتَمَّتْ، أَلَا) بالتَّخفيف (وَإِنَّهَا قَدْ (٤) كَانَتْ كَذَلِكَ) أي: فلتةً (وَلَكِنَّ اللهَ) بتشديد النون أو تخفيفها (وَقَى) بتخفيف القاف، أي: دفعَ (شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «فيكم» (مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ) أي: أعناق الإبلِ من كثرة السَّير (إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ) في الفضل والتَّقدُّم؛ لأنَّه سبق كلَّ سابقٍ، فلا يطمعُ أحدٌ أن يقعَ له مثل ما وقعَ لأبي بكرٍ ﵁ من المبايعة له أوَّلًا في الملأِ اليسير، ثمَّ اجتماعُ النَّاس إليهِ (٥)، وعدم اختلافهم عليه لما تحقَّقوا من استحقاقهِ لما اجتمع فيه من الصِّفات المحمودة من قوَّتهِ في الله ولينِ جانبهِ للمسلمين وحسنِ خلقهِ وورعهِ التَّامِّ، فلم يحتاجوا في أمرهِ إلى نظرٍ ولا إلى مشاورةٍ أُخرى، وليس غيره في ذلك مثله (مَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ كما في الفرع وأصله «من» (غَيْرِ مَشُوْرَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ) بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون

стр. 11849

الواو، وبسكون الشين وفتح الواو (فَلَا يُبَايَعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ) بالموحدةِ وفتح الياء قبل العين فيهما، كذا في الفرع وأصله، وفي «فتح الباري»: فلا يبايعُ، بالموحدة، وجاء (١) بالمثنَّاة الفوقيَّة، وهو أولى؛ لقوله: هو ولا الَّذي تابعه (٢). انتهى. أي: من الأتباع (تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا) أي: المبايِع والمبايَع، وقوله: «تَغِرَّة» -بمثناة فوقية مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء مشددة بعدها هاء تأنيث- مصدر غررتُه إذا ألقيتهُ في الغررِ. قال في «المصابيح»: والَّذي يظهرُ لي في إعرابهِ أن يكون تغرَّةً حالًا على المبالغةِ، أو على حذفِ مضافٍ، أي: ذا تغرَّةٍ، أي: مخافة أنْ يُقتلا، فحذف المضاف الَّذي هو مخافة، وأقيمَ المضاف إليه مُقامهُ وهو تغرَّة، والمعنى: أنَّ من فعلَ ذلك فقد غرَّر بنفسِه وبصاحبهِ وعرَّضَهما (٣) للقتل (وَإِنَّه) بكسر الهمزة (قَدْ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا) بموحدة مفتوحة (حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنَّ الأَنْصَارَ خَالَفُونَا) بفتح الهمزة خبر «كان» (٤)، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «من خَيْرنا» -بالتَّحتية الساكنة بدل الموحدة، يعني (٥) أبا بكرٍ ﵁ «إنَّ الأنصار» بكسر الهمزة على أنَّه ابتداءُ كلامٍ آخر، وفي الفرع كأصله: «إلَّا أنَّ الأنصار» بكسر الهمزة وتشديد اللام، وقال العينيُّ: إنَّها بالتَّخفيف؛ لافتتاح الكلام ينبَّه بها (٦) المخاطب على ما يأتي، وأنَّها على رواية غير المُستملي معترضةً بين خبر كانَ واسمها، وسقطَتْ لفظة «ألا» لأبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله (وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ) بأجمعهم (فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) بفتح السين وكسر العين وفتح الدال المهملات، أي: صفتُهم، وكانوا يجتمعون عندها لفصلِ القضايا وتدبيرِ الأمور (وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا) فلم يجتمعوا معنا عندهَا حينئذٍ (وَاجْتَمَعَ المُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأَنْصَارِ) وفي رواية جويرية عن مالك: فبينما نحنُ في منزلِ رسول الله ﷺ إذا برجلٍ يُنادي من وراءِ الجدار: اخرجْ إليّ يا ابنَ الخطَّاب. فقلتُ: إليك

стр. 11850

إنِّي مشغولٌ. قال: اخرجْ إليَّ إنَّه قد حدثَ أمرٌ: إنَّ الأنصارَ اجتمعوا، فأدركْهم قبل أن يحدِثوا أمرًا يكون بينكم فيه حربٌ، فقلت لأبي بكر: انطلقْ (فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ) زاد جويرية: فلقينَا أبا عُبيدة بن الجرَّاح، فأخذ أبو بكرٍ بيده يمشي بيني وبينهُ (فَلَمَّا دَنَوْنَا) قربنا (١) (مِنْهُمْ لَقِيَنَا) بكسر القاف وفتح الياء، منهم (رَجُلَانِ صَالِحَانِ) عويمُ بن ساعدةَ ومعنُ بن عديٍّ الأنصاريُّ، كما سمَّاهما المصنِّف في «غزوة بدرٍ» [خ¦٤٠٢١] وكذا رواه البزَّار في «مسند عمر». قال في «المقدمة»: وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ عويمَ بن ساعدة ماتَ في حياته ﷺ (فَذَكَرَا مَا تَمَالَى) لأبي ذرٍّ: «ما تمالأ» بالهمزة، أي: اتَّفق (عَلَيْهِ القَوْمُ) من أنَّهم يبايعون لسعدِ بن عبادة (فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمُ) «لا» بعد «أن» زائدة (اقْضُوا أَمْرَكُمْ) وفي رواية سفيان: أمهلوا حتَّى تقضُوا أَمركم (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ) بتشديد الميم الثانية مفتوحة، أي: متلفِّفٌ بثوبه (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) بفتح الظاء المعجمة والنون في وسطهم (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا (٢): هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: يُوعَكُ) بضم التحتية وفتح العين المهملة، أي: يحصلُ له الوعكُ، وهو حمَّى بنافضٍ ولذا زُمِّل في ثوبٍ (فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ) قال في «المقدمة»: قيل: هو ثابتُ بن قيس (٣) بن شمَّاس، وهو الظَّاهر لأنَّه خطيبُ الأنصار (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ) لدينهِ (وَكَتِيبَةُ الإِسْلَامِ) بمثناة فوقية فموحدة وفتح الكاف، بوزن عَظِيمة الجيش المجتمع (وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «معاشرَ المهاجرين» (رَهْطٌ) من ثلاثةٍ إلى عشرة، أي: فأنتم قليلٌ بالنِّسبة إلى الأنصارِ (وَقَدْ دَفَّتْ) بفتح الدال المهملة والفاء المشددة، سارتْ (دَافَّةٌ) بزيادة ألف بين الدال والفاء، رفقةٌ قليلةٌ من مكَّة إلينا من الفقر (٤) (مِنْ قَوْمِكُمْ) أيُّها المهاجرين (فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا) بفتح التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح الفوقية وكسر الزاي بعدها لام، يَقطعونا (مِنْ أَصْلِنَا، وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ

стр. 11851

الأَمْرِ) أي: من الإمارة، ويستأثِرُوا بها علينا، و «يحْضُنُونا» بالحاء المهملة الساكنة وضم الضاد المعجمة وتكسر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أي: يخرجونا، قاله أبو عبيد (١)» كذا في الفرع وأصله: -أي: يخرجونا- مع قوله: قاله أبو عُبيد (٢)، يُقال: حضنَهُ واحتضَنَه عن الأمرِ، أخرجه في ناحيةٍ عنه واستبدَّ به، أو حبسه عنه، وفي رواية أبي عليِّ (٣) بن السَّكن -ممَّا (٤) في «فتح الباري» -: «يختَصُّونا (٥)» بمثناة فوقية قبل الصاد المهملة المشددة. قال: وللكُشمِيهنيِّ: «يخُصونا» (٦) بإسقاط الفوقيَّة، وهي بمعنى الاقتطاع والاستئصال. قال عمر ﵁: (فَلَمَّا سَكَتَ) خطيبُ الأنصار (أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَكُنْتُ زَوَّرْتُ) بفتح الزاي والواو المشددة بعدها راء ساكنة، هيَّأت وحسَّنت، ولأبي ذرٍّ: «قد زوَّرت» (مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أردتُ» (أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ) قال الزُّهريُّ -فيما رأيتُه في «اللامع» -: أرادَ عمر بالمقالة أنَّ رسول الله ﷺ لم يمُت (وَكُنْتُ أُدَارِي) بضم الهمزة وكسر الراء بعدها تحتية، وللأَصيليِّ: «أدارئ» بالهمز، أدفع (٧) (مِنْهُ بَعْضَ) ما يعتريهِ من (الحَدِّ) بالحاء المفتوحة والدال المشددة المهملتين، أي: الحدَّة كالغضب ونحوه (فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء وسكون السين المهملة، أي: استعمل الرِّفق والتَّؤدَة (فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ) بضم الهمزة وسكون الغين وكسر الضاد المعجمتين وبالموحدة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أن أَعْصِيه» بفتح الهمزة وبالعين والصاد المهملتين ثم التَّحتية (فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (فَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي) أحلم -بالحاء المهملة الساكنة واللام المفتوحة- من الحلم، وهو الطُّمأنينة عند الغضبِ (وَأَوْقَرَ) بالقاف، من الوقارِ، التَّأنِّي في الأمور والرَّزانة عند التَّوجه إلى المطالب (٨) (وَاللهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ) زاد الكُشمِيهنيُّ:

стр. 11852

«منها» (حَتَّى سَكَتَ فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ) زاد ابنُ إسحاق في روايته عن الزُّهريِّ: إنَّا والله يا معشرَ الأنصارِ ما نُنكِرُ فضلَكم ولا بلاءكُم في الإسلام، ولا حقَّكم الواجب علينا (وَلَنْ يُعْرَفَ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (هَذَا الأَمْرُ) أي: الخلافة (إِلَّا لِهَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ) أي: قريش، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «هو» أي: الحي (أَوْسَطُ العَرَبِ) أعدلُها وأفضلُها (نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا) بكسر المثناة التحتية (أَيَّهُمَا شِئْتُمْ) فإن قلتَ: كيف جاز لأبي بكرٍ أن يقول ذلك، وقد جعلَه ﷺ إمامًا في الصَّلاة وهي عمدةُ الإسلام؟ أُجيب بأنَّه قاله تواضعًا وأدبًا وعلمًا منه أنَّ كلًّا منهما لا يَرى نفسَه أهلًا لذلك مع وجودِه، وأنَّه لا يكون للمسلمين إلَّا إمامٌ واحدٌ. قال عمر: (فَأَخَذَ) أبو بكر (بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ وَهْوَ) أي: أبو بكر (جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ) أي (١): أبو بكر (غَيْرَهَا، كَانَ وَاللهِ أَنْ أُقَدَّمَ) بضم الهمزة وفتح الدال المشددة (فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي) بضم أوله وفتح القاف (ذَلِكَ) الضَّرب لعنقي (مِنْ إِثْمٍ) أي: ضربًا لا أعصي الله به (أَحَبَّ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُسَوِّلَ) بكسر الواو المشددة (٢) أي: تزيِّن (إِلَيَّ) بالهمزة وتشديد الياء، ولأبي ذرٍّ: «لي» (نَفْسِي عِنْدَ المَوْتِ شَيْئًا لَا أَجِدُهُ الآنَ. فَقَالَ قَائِلُ الأَنْصَارِ) حُبَاب بن المنذر -بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى- البدريُّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من الأنصار» (أَنَا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة، مصغَّر الجَذْل، بفتح الجيم وكسرها وسكون المعجمة، وهو أصل الشَّجر، ويُراد به هنا الجذع الَّذي تربط إليه الإبلُ الجرباء وتنضمُّ إليه لتحتكَّ، والتَّصغير للتَّعظيم، والمُحَكَّك -بضم الميم وفتح الحاء وفتح الكاف الأولى مشددة- اسم مفعول (٣)، ووصفه بذلك؛ لأنَّه صارَ أملس (٤) لكثرة ذلك، يعني: أنا ممَّن يُستشفى به، كما تستشفي الإبلُ الجرباء بهذا الاحتكاك (وَعُذَيْقُهَا) بالذال المعجمة والقاف، مصغَّر عَذْق -بفتح العين وسكون المعجمة- النَّخلة، وبالكسر العُرْجون (المُرَجَّبُ) بضم الميم

стр. 11853

وفتح الراء والجيم المشددة بعدها موحدة، اسم مفعول من قولك: رجَّبت النَّخلة ترجيبًا؛ إذا دعمتُها ببناءٍ أو غيره خشيةً عليها لكرامتها وطولها وكثرة حملها أن تقع (١)، أو ينكسر شيءٌ من أغصانها، أو يسقط شيءٌ من حملها، وقيل: هو ضمُّ أعذاقِها إلى سَعَفها وشدُّها بالخُوص؛ لئلَّا تنفُضها الرِّيح، أو هي وضع الشَّوك حولها؛ لئلَّا تصل إليها الأيدي المتفرِّقة (مِنَّا) معشرَ الأنصار (أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَكَثُرَ اللَّغَطُ) بفتح اللام والغين المعجمة، الصَّوت والجلبَةُ (وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ) بكسر الراء، خفتُ (مِنَ الاِخْتِلَافِ. فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ) أبايعكَ (فَبَسَطَ يَدَهُ) وأخرج النَّسائيُّ من طريق عاصم عن زرِّ بن حبيشٍ -بسندٍ حسن- أنَّ عمر قال: يا معشرَ الأنصار ألستُم تعلمون أنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَ أبا بكر أنَّ يؤمَّ بالنَّاس؟ فأيُّكم تطيبُ نفسه أن يتقدَّم أبا بكرٍ؟ فقالوا: نعوذُ بالله أنْ نتقدَّم أبا بكر، وعند التِّرمذيِّ وحسَّنه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي سعيدٍ قال: قال أبو بكرٍ: ألستُ أحقَّ النَّاس بهذا الأمرِ؟ ألستُ أوَّل من أسلمَ؟ ألستُ صاحبُ كذا؟ وأخرج الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» بسندٍ صحيح عن ابن عبَّاس عن عمر قال: قلتُ: يا معشرَ الأنصار إنَّ أولى النَّاس بنبيِّ الله ثانيَ اثنينِ إذ هما في الغارِ، ثمَّ أخذتُ بيدِه (فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ المُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الأَنْصَارُ) بفوقية ساكنة بعد العين (وَنَزَوْنَا) بنون وزاي مفتوحتين، وثَبْنَا (عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمَّ: (قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) أي: صيَّرتموه بالخذلان وسلب القوَّة كالمقتول. قال عمر: (فَقُلْتُ: قَتَلَ اللهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) إخبارٌ عمَّا قدَّره الله تعالى من منعهِ الخلافةَ، أو دعاءٌ عليه لكونه لم ينصرِ الحقَّ، واستجيبَ له فقيل: إنَّه تخلَّف عن البيعةِ وخرج إلى الشَّام، فوجِدَ ميِّتًا في مغتسلهِ وقد اخضرَّ جسدُه، ولم يشعروا بموتهِ حتَّى سمعوا قائلًا يقول -ولا يرونه-: قد قتلنا سيِّد الخزرجِ سعدَ بن عُبادة فرميناهُ بسهمين فلم نُخْط فُؤاده. (قَالَ عُمَرُ) ﵁: (وَإِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (وَاللهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا) بسكون الراء. قال الكِرْمانيُّ، وتبعَه البَرماويُّ والعينيُّ: أي: من دفنِ رسولِ الله ﷺ (مِنْ أَمْرٍ أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ) ﵁؛ لأنَّ إهمالَ أمرِ المبايعة كان يؤدِّي إلى الفسادِ الكليِّ، وأمَّا دفنُه ﷺ فكان العبَّاسُ وعليٌّ وطائفة مباشرين لذلكَ. وقال في «الفتح»: «فيمَا حضَرْنَا» بصيغة الفعل

стр. 11854

الماضي، و «مِنْ أمْرٍ»، في موضع المفعول، أي: حضرنا في تلك الحالة أمورًا فما وجدنَا فيها (١) أقوى من مبايعةِ أبي بكرٍ، والأمور الَّتي حضرتْ حينئذٍ الاشتغالُ بالمشاورةِ، واستعيابُ من يكون أهلًا لذلك. قال: وجعلَ بعض الشُّرَّاح فيها الاشتغال بتجهيز النَّبيِّ (٢) ﷺ ودفنه (٣)، وهو محتملٌ، لكن ليس في سياق القصَّة إشعارٌ به بل تعليلُ عمر يُرشد إلى الحصر فيما يتعلَّق بالاستخلاف، وهو قوله: (خَشِينَا) أي: خفنا (إِنْ فَارَقْنَا القَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلًا مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ) بالموحدة أوَّله، وللكُشمِيهنيِّ: «تابعناهم (٤)» بالمثناة الفوقية والموحدة قبل العين (عَلَى مَا لَا نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فسادًا» بالنَّصب خبر كان (فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ) بضم المعجمة (مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَا يُتَابَعْ) بضم التحتية وفتح الفوقية وبعد الألف موحدة، والجزمُ على النَّهي (٥)، وفي «اليونينيَّة» بالرفع (هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ) بالموحدة وبعد الألف تحتيَّة (تَغِرَّةً) بفتح الفوقية وكسر المعجمة وتشديد الراء مفتوحة وبعدها هاء تأنيث منونة (٦)، مخافة (أَنْ يُقْتَلَا) فلا يطمعنَّ أحدٌ أن يبايع وتتمُّ له المبايعةُ كما وقع لأبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁. ومطابقةُ الحديث لما ترجمَ به في قولهِ: «إذا أُحْصِنَ من الرِّجال والنِّساء إذا قامتِ البيِّنة». (٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (البِكْرَانِ) بكسر الموحدةِ، من الرِّجال والنِّساء، وهما من لم

стр. 11855

يجامع في نكاحٍ صحيحٍ إذا زنيا (يُجْلَدَانِ) خبرُ المبتدأ، الَّذي هو البكران (وَيُنْفَيَانِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾) مرفوعان على الابتداءِ والخبر محذوفٌ، أي: فيما فرضَ عليكم الزَّانية والزَّاني، أي: جلدُهُمَا أو الخبر (﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾) ودخلتِ الفاء في ﴿فَاجْلِدُوا﴾ لتضمُّنها (١) معنى الشَّرط، إذ اللَّام بمعنى الَّتي، تقديره: الَّتي زنتْ والَّذي زنى فاجلدُوهما، والخطاب للأئمَّة؛ لأنَّ إقامة الحدِّ من الدِّين وهو على الكلِّ، وقدَّم الزَّانية؛ لأنَّ الزِّنا في الأغلبِ يكون بتعريضِها للرَّجل وعرض نفسها عليه، والجلدُ حكمٌ يخصُّ من ليس بمحصَنٍ؛ لما دلَّ على أنَّ حدَّ المحصن هو الرَّجم، وزاد الشَّافعيُّ: عليه تغريب الحرِّ سنة للحديثِ، وليس في الآية ما يدفعُه لينسخَ أحدُهما الآخر (﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾) رحمةٌ (﴿فِي دِينِ اللهِ﴾) في طاعتهِ وإقامة حدودِه، فتعطِّلوه (٢)، أو تسامحوا فيه (﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾) يوم البعث، فإنَّ الإيمان يقتضِي الجدَّ في طاعة الله، والاجتهادَ في إقامةِ أحكامهِ (﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) ثلاثة أو أربع عدد شهود الزِّنا زيادةً في التَّنكيل، فإنَّ التَّفضيح قد ينكِّل أكثر ما ينكِّل التَّعذيب (﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾) أي: المناسب لكلٍّ منهما ما ذكر؛ لأنَّ المشاكلةَ علَّةُ الأُلفة (﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾) أي: نكاح الزَّواني (﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢ - ٣]) الأخيار، نزلَ ذلك في ضعفةِ المهاجرين لمَّا همُّوا أن يتزوَّجوا بغايا يَكْرِين أنفسَهُنَّ ليُنْفقنَ عليهم من اكتسابهنَّ على عادةِ الجاهليَّة، فقيل: التَّحريم خاصٌّ بهم، وقيل: عامٌّ ونسخ بقولهِ تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾: «الآية». (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان في تفسير قولهِ: (﴿رَأْفَةٌ﴾: إِقَامَةُ الحُدُودِ) ولأبي ذرٍّ: «في إقامةِ الحدود (٣)».

стр. 11856

٦٨٣١ - ٦٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بنِ درهم، أبو غسان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ) بن سلمةَ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى) -رجلٌ أو امرأةٌ- (وَلَمْ يُحْصَنْ) بضم أوله وفتح الصاد (١) (جَلْدَ مِئَةٍ) بنصب جلد على نزعِ الخافِض (وَتَغْرِيبَ عَامٍ) ولاءً (٢) إلى مسافة القصر؛ لأنَّ المقصودَ إيحاشُه بالبعدِ عن الأهلِ والوطن فأكثر إنْ رآه الإمام؛ لأنَّ عمر غرَّب إلى الشَّأم، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة، ولا يكفي تغريبُه إلى ما دون مسافةِ القصر؛ إذ لا يتمُّ الإيحاشُ المذكور به؛ لأنَّ الأخبار تتواصلُ إليه حينئذٍ. وحكى ابن نصر في كتاب «الإجماع» الاتِّفاق على نفي الزَّاني إلَّا عند الكوفيِّين وعليه الجمهور، وادَّعى الطَّحاويُّ أنَّه منسوخٌ، واختلف القائلون بالتَّغريب فقال الشَّافعيُّ بالتَّعميم للرَّجل (٣) والمرأة، وفي قول له: لا يُنفى الرَّقيق. وخصَّ مالكٌ النَّفي بالرَّجل وقيَّده بالحرِّ، وعن (٤) أحمد روايتان، واحتجَّ من شرطَ الحريَّة بأنَّ في نفي العبد عُقوبة لمالكهِ لمنعه (٥) منفعتَه مدَّة نفيه، وتصرُّفُ الشَّرعِ يقتضي أن لا يُعاقب غير الجاني. وهذا الحديثُ سبقَ في «الشَّهادات»، في «باب شهادةِ القاذف» [خ¦٢٦٤٩] واختصر عبدُ العزيز من السَّند ذكر أبي هُريرة، ومن المتن سياق قصَّة العسيفِ، واقتصرَ منها على ما ذكرَه، ويحتمل أن يكون ابنُ شهابٍ اختصره لما حدَّث به عبد العزيز، قاله في «الفتح». (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلم -بالسَّند السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) ابن العوَّام (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (غَرَّبَ) وهذا منقطعٌ؛ لأنَّ عروة لم يسمعْ من عمر، لكنَّه ثبت عن عمر من وجهٍ آخر أخرجه النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم من رواية

стр. 11857

عُبيد الله بن عمر ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ أبا بكرٍ ضرب وغرَّب، وأنَّ عمرَ ضرب وغرَّب (ثُمَّ لَمْ تَزَلْ) بفتح الفوقية والزاي (تِلْكَ السُّنَّة) بضم السين المهملة، زاد عبد الرَّزَّاق في روايته عن مالكٍ: حتَّى غرَّب مروان، ثمَّ ترك النَّاس ذلك. ٦٨٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ المخزوميِّ، سيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (١) ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ) بفتح الصاد مبنيًّا للمفعول (بِنَفْيِ عَامٍ بِإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ) أي: متلبِّسًا (٢) بها جامعًا بينهما، فالباء بمعنى «مع»، وفي رواية النَّسائيِّ: أن يُنفى عامًا مع إقامةِ الحدِّ عليه. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق حجَّاج بن محمَّد عن اللَّيث. والمراد بإقامة الحدِّ ما ذكر في رواية عبد العزيز [خ¦٦٨٣١] جلد المئة. وأطلق عليها الحدَّ لكونها بنصِّ القرآن، وقد تمسَّك بهذه الرِّواية من ذهب إلى أنَّ النَّفي تعزيرٌ، وأنَّه ليس جزءًا من الحدِّ. وأُجيب بأنَّ الحديث يفسِّر بعضه بعضًا، وقد وقع التَّصريح في قصَّة (٣) العسيف من لفظ النَّبيِّ ﷺ أنَّ عليه جلد مئةٍ وتغريبَ عامٍ، وهو ظاهرٌ في كون الكلِّ حدّه، ولم يختلفْ على رواته (٤) في لفظه، فهو أرجحُ من حكاية الصَّحابيِّ مع الاختلاف. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ في «الرَّجم». (٣٣) (باب نَفْيِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالمُخَنَّثِينَ) بفتح الخاء المعجمة والنون.

стр. 11858

٦٨٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ أبي كثيرٍ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ) وهم المتشبِّهون في كلامهم بالنِّساء تكسُّرًا وتعطُّفًا لا من يؤتى (و) لعن (المُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) اللَّاتي يتشبَّهنَ (١) بالرِّجال تكلُّفًا (وَقَالَ) ﷺ : (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (٢). وَأَخْرَجَ) ﷺ (فُلَانًا) هو أنجشَةُ العبد الحادي، وعند أبي داود من طريقِ أبي هاشم عن أبي هُريرة أنَّ رسول الله ﷺ أتى بمخنَّثٍ قد خضبَ يديه ورجليهِ، فقال: «ما بال هذا؟» قيل: يتشبَّه بالنِّساء، فأمرَ به فنُفي إلى النَّقيع، يعني: بالنُّون (وَأَخْرَجَ عُمَرُ) ﵁ (فُلَانًا) هو: ماتع -بفوقيَّة بعد الألف-، وقيل: إنَّه بالنون، وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ (٣) «عمر» وحينئذٍ فالعامل في الأوَّل والثَّاني النَّبيُّ ﷺ . قال الكِرْمانيُّ: هما -يعني: اللَّذين (٤) أخرجهما ﷺ ماتعٌ وهِيْت -بكسر الهاء وسكون التحتية بعدها فوقية-. وفي كتاب «المغرَّبين» لأبي الحسن المداينيِّ من طريقِ الوليد بنِ سعد قال: سمعَ عُمر قومًا يقولون: أبو ذؤيب أحسنُ أهل المدينةِ، فدعا بهِ فقال: أنت لعَمْري، فاخْرُج من المدينة، فقال: إن كنتَ مخرجِي فإلى البصرة حيث أخرجتَ ابنَ عمِّي نصر بن حجَّاج، وساق قصَّة جعدَة (٥) السُّلَميِّ، وأنَّه كان يخرج مع النِّساء إلى البقيعِ، ويتحدَّث إليهنَّ حتَّى كتبَ بعضُ الغزاة إلى عمر يَشكو ذلك فأخرجَه. وإذا ثبتَ النَّفي في حقِّ من لم يقعْ منه كبيرة، فوقوعُه فيمَن أتى بكبيرةٍ أولى، وعن مسلمةَ بنِ مُحارب عن إسماعيل بن مسلم: أنَّ أميَّة (٦) بن يزيدَ الأسديَّ ومولى مُزَينة

стр. 11859

كانا يحتكران الطَّعام بالمدينةِ فأخرجَهما عمر ﵁. والحديث سبقَ في «اللِّباس» [خ¦٥٨٨٦]، وأخرجَه أبو داود في «الأدب»، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ أيضًا. (٣٤) (باب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الإِمَامِ) الأوجَهُ -كما نبَّه عليه في «الكواكب» - أن يقول: من أمرهُ الإمام (بِإِقَامَةِ الحَدِّ) على مستحقِّه حال كون الغير أو المقام عليه الحدُّ (غَائِبًا عَنْهُ) عن الإمام. وقولُ الكِرْمانيِّ: إنَّ في قول البخاريِّ: «مَن أمرَ غير الإمام» تعجرفًا، قال البَرْماويُّ: لا عجرفةَ فيه؛ إذ عادةُ البخاريِّ التَّعميم في المعنى، فيقول: بابُ من فعلَ كذا، فيكون الفاعلُ لذلك معيَّنًا إشارةً إلى أنَّ الحكم عامٌّ، فقوله: «مَن أمرَ» هو الإمام، وقولهِ: «غير الإمام» أي: غيره، فأقام الظَّاهر مقام المضمر؛ لأنَّه لم يكن قد صرَّح به، ولكن التَّركيب غير واضحٍ. ٦٨٣٥ - ٦٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد الله بنِ عتبةَ بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ) لم يُسمَّ (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ) في المسجد (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْضِ) أي: بيننا (بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكمِ الله الَّذي قضى به على المكلَّفين (فَقَامَ خَصْمُهُ) لم يُسمَّ (فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ بِكِتَابِ اللهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) أجيرًا (عَلَى هَذَا) أي: له، فـ «على» بمعنى اللام،

стр. 11860

وهذا من قولِ الخصمِ لا من قول الأعرابيِّ خلافًا لما قرَّره الكِرْمانيُّ وتبعَهُ العينيُّ والبَرْماويُّ، كما نبَّه عليه في «الفتح»، وسبقَ قريبًا في «باب الاعترافِ بالزِّنا» [خ¦٦٨٢٧] (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ) أي: منه (بمِئَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ) وفي «باب الاعتراف بالزِّنا»: وخادم [خ¦٦٨٢٦] (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَزَعَمُوا) وفي الباب المذكور: فأخبروني [خ¦٦٨٢٦] (أَنَّ مَا (١) عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) لأنَّه كان بكرًا، وأقرَّ بالزِّنا (فَقَالَ) رسول الله ﷺ : (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الغَنَمُ وَالوَلِيدَةُ فَرَدٌّ) فمردودٌ (عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون، مصغَّرًا (فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) فاذهب إليها فإن اعترفت بالزِّنا (فَارْجُمْهَا (٢) فَغَدَا) فذهب (أُنَيْسٌ) إليها فاعترفتْ بالزِّنا (٣) (فَرَجَمَهَا) لأنَّها كانت محصنةً، ولم يكن بعثه إليها لطلبِ إقامة حدِّ الزِّنا؛ لأنَّ حدَّ الزِّنا لا يتجسَّس له بل يستحبُّ تلقين المقرِّ الرُّجوع عنه، وإنَّما بعثه ليُعلمها بأنَّ الرَّجل قذفها بابنهِ، فلها عليه حدُّ القذف فتطالبُه به، أو تعفو عنه، والله أعلم. والحديث أخرجه في مواضع كثيرة كـ «الأحكام» [خ¦٧١٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٤] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤]، وأخرجه بقيَّة (٤) أصحاب الكتب السِّتَّة. (٣٥) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾) غنًى واعتلاءً، وأصله الفضل والزِّيادة، وهو مفعول ﴿يَسْتَطِعْ﴾ (﴿أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) في موضعِ نصب بـ ﴿طَوْلاً﴾ أو بفعل

стр. 11861

يقدر (١) صفة له، أي: ومَن لم يستطعْ منكم أن يعتليَ نكاح المحصناتِ، أو مَن لم يستطعْ غنًى يبلغ به نكاحَ المحصنات، يعني: الحرائر؛ لقولهِ: (﴿فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) إمائكم المؤمناتِ، وفي ظاهره حجَّة للشَّافعيِّ حيث حرَّم نكاح الأمةِ على من ملكَ صداق حرَّةٍ، ومنع نكاح الأمة الكتابيَّة مطلقًا، وجوَّزه أبو حنيفة، وأوَّل التَّقييد في النَّصِّ للاستحبابِ (٢)، واستدلَّ بأنَّ الإيمان ليس بشرطٍ في الحرائر اتِّفاقًا مع التَّقييد به (﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾) فاكتفوا بظاهر الإيمان، فإنَّه العالم بالسَّرائر، وبتفاضل ما بينكم في الإيمان (٣)، فَرُبَّ أَمَةٍ تفضل الحرَّة فيه، فمن حقِّكم أن تعتبروا فضلَ الإيمان لا فضل النَّسب، والمراد: تأنيسهم بنكاح الإماءِ، ومنعُهم عن الاستنكافِ عنه، ويؤيدُه (﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾) أي: أنتم وأرقَّاؤكم متناسبون، نسبُكم من آدم، ودينُكم الإسلام (﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾) أي: أربابهنَّ، واعتبار إذنهنَّ مطلقًا لا إشعار له على أنَّ لهنَّ أن يباشرنَ العقدَ بأنفسهنَّ حتَّى يحتجَّ (٤) به الحنفيَّة، فالسَّيِّد هو وليُّ أَمَتهِ لا تزوَّج إلَّا بإذنهِ، وكذلك هو وليُّ عبدِه ليس له أن يتزوَّج بغير إذنهِ، كما في الحديث: «أيُّما عبدٍ تزوَّج بغيرِ مَواليه فهو مجاهرٌ (٥)» أي: زانٍ. وفي الحديث أيضًا: «لا تُزوِّج المرأةُ نفسَها، فإنَّ الزَّانية هي الَّتي تُزوِّج نفسَها» (﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾) وأدُّوا إليهنَّ مهورهنَّ بغير مطلٍ وضِرَارٍ، وملَّاك مهورهنَّ مواليهنَّ، فكان أداؤها إليهنَّ أداءً إلى الموالي؛ لأنهنَّ وما في أيديهنَّ مال الموالي؛ إذ التَّقدير: فآتوا مواليهنَّ، فحذف المضاف (﴿مُحْصَنَاتٍ﴾) عفائف، حالٌ من المفعول في ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ (﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾) زوانٍ علانية (﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾) زوانٍ سرًّا، والأخدان: الأخلَّاء في السِّرِّ (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾) بالتَّزويج (﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾) زنا (﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾) الحرائرِ (﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾) من الحدِّ، وهو يدلُّ على أنَّ حدَّ العبدِ نصف حدِّ الحرِّ، وأنَّه لا يرجم لأنَّ الرَّجم لا يتنصف (﴿ذَلِكَ﴾) أي: نكاح الإماء (﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾) لمن خاف الإثم الَّذي يؤدِّي إليه غلبة الشَّهوة (﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾) أي: وصبركم عن نكاحِ الإماء متعفِّفين (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ﴾) لمن يصبر (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥])

стр. 11862

بأن رخَّص له، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: «الآيةَ» وسقط أيضًا للأَصيليِّ من قولهِ «﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: «إلى قولهِ: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: زواني، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أَخِلَّاء». وسبق. ولم يذكرْ في هذا الباب حديثًا، كما صرَّح به الإسماعيليُّ بل اقتصرَ على الآيةِ اكتفاءً بها عن الحديثِ المرفوع. نعم، أدخلَ ابنُ بطَّال فيه حديث أبي هريرة التَّالي لهذا الباب. (٣٥ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ) ما حُكمها؟ وسقطَ الباب والتَّرجمة للأَصيليِّ، وعليه شرحَ ابن بطَّال كما مرَّ. ٦٨٣٧ - ٦٨٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الدِّمشقيُّ الأصل قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن عتبة» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ (¬﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ) تُحدُّ أم لا (وَلَمْ تُحْصَنْ) بفتح الصاد، في محلِّ الحال من فاعلِ «زنتْ» وصحبتِ الواو على المختارِ عندهم، وقد جاءتْ بغير واو في قولهِ تعالى: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] و «سُئِل» مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، و «سُئِل» يتعدَّى بـ: «عن»، وتقييد حدِّها بالإحصان ليس بقيدٍ، وإنَّما هو حكاية حالٍ، والمرادُ بالإحصانِ هنا ما هي عليهِ من عفَّةٍ أو (١) حريةٍ لا الإحصان بالتَّزويج؛ لأنَّ حدَّها الجلدُ سواءً تزوَّجت أم لا (قَالَ) ﷺ : (إِذَا) ولأبي الوقت: «إن» (زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا (٢))

стр. 11863

إنَّما أعاد الزِّنا في الجواب غير مقيَّدٍ بالإحصان للتَّنبيه على أنَّه لا أثر له، وأنّ (١) الموجبَ في الأمةِ مطلق الزِّنا، والخطابُ في «فاجلدوها»، لملَّاك الأمة (٢)، فيدلُّ على أنَّ السَّيِّد يقيم على عبده وأمته الحدَّ، ويسمع البيِّنة عليهما، وبه قال مالك والشَّافعيُّ وأحمد والجمهور من الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم، خلافًا لأبي حنيفة في آخرين، واستثنى مالكٌ القطع في السَّرقة؛ لأنَّ في القطع مُثْلةً، فلا يُؤْمَن السَّيِّدُ أن يريد أن يمثِّل بعبده، فيُخشى أن يتَّصل الأمر بمن يعتقدُ أنَّه يُعتَقُ بذلك، فيمنع من مباشرته القطع سدًّا للذَّريعة (ثُمَّ بِيعُوهَا) وأتى بـ «ثمَّ»؛ لأنَّ التَّرتيب مطلوبٌ لمن يريد التَّمسُّك بأمته الزَّانية، وأمَّا من يريد بيعها من أوَّل مرَّة فله ذلك، و «لو» في قولهِ: (وَلَوْ بِضَفِيرٍ) شرطيَّة بمعنى «إنْ»، أي: وإن كان بضفيرٍ، فيتعلَّق بـ «ضفيرٍ» (٣) بخبر كان المقدَّرة، وحذف «كان» بعد «لو» هذه كثير، ويجوز أن يكون التَّقدير: ولو تبيعونها (٤) بضفير، فيتعلَّق حرف الجرِّ بالفعل، والضَّفيرُ -بالضاد المعجمة والفاء- فعيل بمعنى مفعول، وهو الحبلُ المضفور، وعبَّر بالحبلِ للمبالغة في التَّنفير عنها وعن مثلها لما في ذلك من الفسادِ، والأمر ببيعها للنَّدب عند الشَّافعيَّة والجمهور، ولا يضرُّ عطفه على الأمر بالحدِّ مع كونه للوجوبِ؛ لأنَّ دَلالة الاقتران ليست بحجَّةٍ عند غير المزنيِّ وأبي يوسف، وزعم ابن الرِّفعة أنَّه للوجوبِ ولكن نُسخ. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ -بالسَّند السَّابق-: (لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ) وفي رواية «أَبَعْدَ» بهمزة التَّسوية (٥)، وأصلُها الاستفهام لكن لمَّا كان المستفهِم يستوي عنده الوجود والعدمُ وكذا المستفهَم سُمِّيت بذلك، أي: لا أدري هل يجلدها ثمَّ يبيعها ولو بضفيرٍ بعد الزَّنية الثَّالثة (أَوِ الرَّابِعَةِ) وفي الحديث: أنَّ الزِّنا عيبٌ يُردُّ به الرَّقيق للأمرِ بالحطِّ من قيمةِ المرقوق إذا وُجدَ منه الزِّنا، كما جزم به النَّوويُّ، وتوقَّف فيه ابنُ دقيق العيد؛ لجواز (٦) أن يكون المقصود الأمر بالبيعِ ولو انحطَّت القيمة، فيكون ذلك متعلِّقًا بأمرٍ وجوديٍّ لا إخبارًا

стр. 11864

عن حكمٍ شرعيٍّ؛ إذ ليس في الحديث تصريحٌ بالأمر بالحطِّ من (١) القيمةِ. انتهى. والحديث سبقَ في «البيع»، في «باب بيع العبد الزَّاني» [خ¦٢١٥٣]. (٣٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لَا يُثَرِّبُ عَلَى الأَمَةِ) بضم التحتية وفتح المثلثة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة كذا لأبي ذرٍّ بكسرها، ولغيره بفتحها (٢) أي: لا يعنِّفها ولا يوبِّخها (إِذَا زَنَتْ، وَلَا تُنْفَى) بضم الفوقية وسكون النون وفتح الفاء، صيانةً لحقِّ مالكها. ٦٨٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كَيسان مولى بني ليث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ) أي: كيسان (سَمِعَهُ) أي: سمع أبا هريرة (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ) أي: تحقَّق (زِنَاهَا) وثبت (فَلْيَجْلِدْهَا) أي: سيِّدها الحدَّ الواجبَ المعروف من صريحِ الآية ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] (وَلَا يُثَرِّبْ) أي (٣): لا يُعَيِّرُها. قال البيضاويُّ: كان تأديبُ الزُّناة (٤) قبل مشروعيَّة الحدِّ التَّثريبَ وحدَه، فأمرهم بالحدِّ ونهاهم عن الاقتصار على التَّثريب، وقيل: المراد به (٥): النَّهي عن التَّثريب بعد الجلدِ، فإنَّه كفَّارةٌ لما ارتكبتْه، فلا يجمع عليها العقوبة بالحدِّ والتَّعيير (ثُمَّ إِنْ زَنَتْ) أي: الثَّانية (فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ

стр. 11865

فَلْيَبِعْهَا) ندبًا (وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ) قيَّد بالشَّعر؛ لأنَّه كان الأكثر في حِبالهم. واستنبطَ من قولهِ: «فليبعْها» عدم النَّفي (١)؛ لأنَّ المقصود من النَّفي الإبعاد عن الوطن الَّذي وقعت فيه المعصية، وهو حاصلٌ بالبيع. (تَابَعَهُ) أي: تابع اللَّيث (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ) المقبريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في المتن فقط لا في السَّند؛ لأنَّه نقص منه قوله: عن أبيهِ. ورواية إسماعيل وصلَها النَّسائيُّ من طريقِ بشر بن المفضَّل عن إسماعيل بن أميَّة. ولفظُه مثل لفظِ اللَّيث إلَّا أنَّه قال: «إن عادتْ فزنتْ فليبعْها». والباقِي سواء. وحديث الباب سبقَ في «البيوع» [خ¦٢٢٣٤]، والله أعلم. (٣٧) (باب) بيان (أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) اليهود والنَّصارى (وَ) بيان (إِحْصَانِهِمْ إِذَا زَنَوْا وَرُفِعُوا إِلَى الإِمَامِ) بأنفسِهِم أو (٢) جاء بهم غيرهم للدَّعوى عليهم. ٦٨٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ، ويُقال له: التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة فألف فنون فتحتية، سليمانُ بن أبي سليمان فيروز الكوفيُّ قال: (سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) واسمه: علقمةُ بن خالدٍ الأسلميُّ (عَنِ الرَّجْمِ) أي: عن حكمِ رجم من ثبتَ أنَّه زنى وهو محصنٌ. (فَقَالَ: رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقُلْتُ: أَقَبْلَ) نزول آية سورة (النُّورِ) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] (أَمْ) رجم (بَعْدَهُ؟) بعد النُّزول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعدُ» بضم الدال من غير

стр. 11866

ضمير (قَالَ: لَا أَدْرِي) فيه دَلالةٌ على أنَّ الصَّحابيَّ الجليل قد يخفى عليه بعض الأمور الواضحةِ، وأنَّ الجواب بلا أدرِي من العالم (١) لا عيبَ عليه فيه بل يدلُّ على تحرِّيه وتثبُّته. (تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الواحد (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء بعدها راء أبو الحسن القرشيُّ الكوفيُّ، فيما وصله ابنُ أبي شيبة (وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان، فيما وصله المؤلِّف في «باب رجم المحصن» [خ¦٦٨١٣] (وَالمُحَارِبِيُّ) بضم الميم بعدها حاء مهملة وبعد الألف راء مكسورة فموحدة، عبد الرَّحمن بن محمد الكوفيُّ (وَعَبِيدَةُ) بفتح العين وكسر الموحدة وسكون التحتية (ابْنُ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، الضَّبيُّ الكوفيُّ، فيما وصله الإسماعيليُّ، الأربعة (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان في روايته عن عبد الله بنِ أبي أَوفى (وَقَالَ بَعْضُهُمُ) هو: عَبيدة بن حُمَيد، أحد المذكورين: (المَائِدَةُ) بدل سورة النور، والمائدة رفع في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره بالجرِّ بتقدير: سورة المائدة (وَالأَوَّلُ) القائل سورة النور (أَصَحُّ). ٦٨٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أُويس بن عبد الله، أبو عبد الله الأصبحيُّ، ابن أخت مالك وصهره على ابنته، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أَنَّهُ (قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ) من خيبر، وذكر ابن العربيِّ عن الطَّبريِّ والثَّعلبيِّ عن المفسِّرين: منهم: كعب بن الأشرف وكعب بن أسعد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصَّيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء (جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في السَّنة الرَّابعة في ذي القعدة (فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا) لم يُسمَّ وفتحت «أن» لسدِّها مسدَّ

стр. 11867

المفعول (مِنْهُمْ وَامْرَأَةً) تُسمَّى: بُسْرة -بضم الموحدة وسكون المهملة- (زَنَيَا) وقوله: منهم، يتعلَّق بمحذوفِ صفةٍ لرجلٍ، وصفةُ المرأة محذوفةٌ لدَلالة ما تقدَّم عليه، فالتَّقدير (١): وامرأة منهم، ويجوز أن يتعلَّق «منهم» بحال من ضمير الرَّجل والمرأة في زنيا، والتَّقدير: أنَّ رجلًا وامرأةً زنيا منهم، أي: في حال كونهما من اليهود، وعند أبي داود من طريق الزُّهريِّ: سمعت رجلًا من مزينة ممَّن تتبَّع العلم، وكان عند سعيد بن المسيَّب يُحدِّث عن أبي هريرة قال: زنى رجلٌ من اليهود بامرأةٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنَا إلى هذا النَّبيِّ فإنَّه بُعث بالتَّخفيف، فإن أفتانَا بفُتيا دون الرَّجم قبلناهَا واحتججنَا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبيٍّ من أنبيائك، قال: فأتوا النَّبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا؟ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ) «ما» مبتدأ من أسماء الاستفهام، و «تجدون» جملةٌ في محلِّ الخبر، والمبتدأ والخبر معمولٌ للقول، وتقديرُ الاستفهام: أيُّ شيءٍ تجدونه في التَّوراة، فيتعلَّق حرف الجرِّ بمفعول ثانٍ «لتجدون» (٢) (فِي شَأْنِ الرَّجْمِ)؟ إنَّما سألهم إلزامًا لهم بما يعتقدونهُ في كتابهم الموافق لحكمِ الإسلام إقامةً للحجَّة عليهم، وإظهارًا لما كتمُوه وبدَّلوه من حكم التَّوراة، فأرادوا تعطيلَ نصِّها ففضحَهم الله، وذلك إمَّا بوحي من الله إليه أنَّه موجودٌ في التَّوراة لم يغيَّر، وإما بإخبار من أسلم منهم كعبد (٣) الله بن سلام كما يأتي (فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ) بفتح النون والمعجمة بينهما فاء ساكنة، أي: نجد أن نفضحهم ويجلدوا (٤)، فيكون «نفضحُهم» معمولًا (٥) على الحكاية لنجد المقدَّر، أي: ادَّعوا أنَّ ذلك في التَّوراة على زعمِهم وهم كاذبون، ويحتملُ أن يكون ذلك ممَّا فسَّروا به التَّوراة ويكون مقطوعًا عن الجواب، أي: الحكم عندنا أن نفضَحَهم ويُجلدوا، فيكون خبر مبتدأ محذوفٍ بتقدير: أن، وإنَّما أتى بأحد الفعلين مبنيًّا للفاعل، والآخر مبنيًّا للمفعول إشارةً إلى أنَّ الفضيحةَ موكولةٌ (٦) إليهم وإلى اجتهادهم بكشف (٧) مساوئهم. وفي رواية أيُّوب عن نافع في

стр. 11868

«التوحيد» [خ¦٧٥٤٣] قالوا: نُسخِّم وجُوههما ونُخْزِيهما. وفي رواية عبيد الله بن عمر: قالوا: نُسوِّد وجوهَهُما ونُحَمِّمُهُما ونُخَالف بين وجوهِهِما ويُطاف بهما (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام: (كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ) فَأْتُوا بالتوراة (فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا) أي: فتحوا التَّوراة وبسطوا (فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ) هو: عبد الله بن صوريا (يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) منها (فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) وقد وقع بيان ما في التَّوراة من آية الرَّجم في رواية أبي هريرة ولفظه: المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البيِّنة رجما، وإن كانتِ المرأةُ حُبلى تربِّص بها حتَّى تضعَ ما في بطنِها. وعند أبي داود من حديث جابر: إنَّا نجد في التَّوراة إذا شهد أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجِها مثل الميلِ في المُكْحلة رجمًا. زاد البزَّار من هذا الوجه: فإن وجدوا الرَّجل مع المرأة في بيتٍ، أو في ثوبها (١)، أو على بطنِها، فهي ريبة وفيها عقوبةٌ (قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) وفي رواية البزَّار: قال -يعني: النَّبيَّ ﷺ : «فما منعَكُم أن تَرْجموهما (٢)؟» قالوا: ذهبَ سلطانُنَا فكرهنَا القتلَ. وفي حديث البراء: نجد الرَّجم، ولكنَّه كَثُر في أشرافنَا، فكنَّا إذا أخذنا الشَّريف تركناهُ، وإذا أخذنَا الضَّعيف أقمنَا عليه الحدَّ، فقلنا: تعالوا نجتمعُ (٣) على شيءٍ نقيمه على الشَّريف والوضيعِ، فجعلنا التَّحميم والجلد مكان الرَّجم (فَأَمَرَ بِهِمَا) بالزَّانيين (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا). قال ابن عمر: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي) بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية، والرُّؤية بصريَّة فيكون «يحني» في موضعِ الحال، وقوله: (عَلَى المَرْأَةِ) يتعلَّق به، أي: يعطفُ عليها (يَقِيهَا الحِجَارَةَ) يحتمل أن تكون الجملة بدلًا من «يَحْني» أو حالًا أخرى، و «أل» في «الحجارةِ» للعهد، أي: حجارة الرَّمي، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «يجْنَأ» بجيم بدل الحاء المهملة وفتح النون بعدها همزة. قال ابنُ دقيق العيد: إنَّه الرَّاجح في الرِّواية، أي: أكبَّ عليها. وغرضُ المؤلِّف أنَّ الإسلام ليس شرطًا في الإحصان وإلَّا لم يرجمِ اليهوديين، وإليه ذهب الشَّافعيُّ وأحمدُ. وقال المالكيَّة ومعظم الحنفيَّة: شرط الإحصان الإسلام. وأجابوا عن حديث الباب بأنَّه ﷺ إنَّما رجمهما بحكم التَّوراة، وليس

стр. 11869

هو من حكم الإسلام في شيءٍ، وإنَّما هو من باب تنفيذ الحكمِ عليهم بما في كتابهِم، فإنَّ في التَّوراة الرَّجم على المحصنِ وغير المحصن. وأُجيب بأنَّه كيف يحكمُ عليهم بما لم يكنْ في شرعهِ مع قولهِ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وفي قولهِم: إنَّ (١) في التَّوراة الرَّجم على مَن لم يحصن، نظرٌ لما تقدَّم من رواية: المحصَن والمحصنة … إلى آخره، ويؤيِّده أنَّ الرَّجم جاء ناسخًا للجلد (٢) كما تقدَّم تقريره، ولم يقل أحدٌ أنَّ الرَّجم شُرع ثمَّ نُسخ بالجلد، وإذا كان أصل الرَّجم باقيًا منذ شرع، فما حكم عليهما بالرَّجم بمجرَّد حكم التَّوراة بل بشرعه الَّذي استمرَّ حكم التَّوراة عليه. والحديث سبق في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٥]. (٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا رَمَى) الرَّجل (امْرَأَتَهُ أَوِ امْرَأَةَ غَيْرِهِ بِالزِّنَا عِنْدَ الحَاكِمِ وَ) عند (النَّاسِ) كأن يقول: امرأتي أو امرأة فلانٍ زنت (هَلْ عَلَى الحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهَا) أي: إلى المرأة المرميَّة بالزِّنا (فَيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ) من الزِّنا؟ وجواب الاستفهام محذوفٌ لم يذكرْه اكتفاءً بما في الحديث تقديره: فيه خلاف. والجمهور على أنَّ ذلك بحسب ما يراهُ الحاكم.

стр. 11870

٦٨٤٢ - ٦٨٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ﵄ (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ) لم يُسمَّيا (اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا): يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) بحكم الله الَّذي قضى به على المكلَّفين (وَقَالَ الآخَرُ -وَهْوَ أَفْقَهُهُمَا-: أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام، أي: نعم (يَا رَسُولَ اللهِ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائْذَنْ لِي) ولأبي ذرٍّ: «وأذنْ لي» بإسقاط الياء الَّتي بعد الهمزةِ (أَنْ أَتَكَلَّمَ) استدلَّ به على كونهِ أفقهَ من الآخر (قال) ﷺ له (١): (تَكَلَّم قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيْفًا عَلَى هَذَا -قَالَ مَالِكٌ: وَالعَسِيفُ الأَجِيرُ- فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وجاريةٍ لي» بإسقاط الموحدة، وفي رواية عَمرو بن شُعيب: فسألتُ من لا يعلم، فأخبرني أنَّ على ابنك الرَّجم فافتديتُ منه (ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا) بالتخفيف (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا غَنَمُكَ) المئة (وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ) فمردودةٌ عليك (وَجَلَدَ ابْنَهُ مِئَةً) أي: أمر من يجلده فجلده (٢) (وَغَرَّبَهُ) من مَوطن الجناية (عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ) ليعلمها أنَّ الرَّجل قذفها بابنهِ، فلها عليه حدُّ القذف فتطالُبه أو تعفو عنه (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) أنَّه زنى بها (٣) (فَارْجُمْهَا) أي: بعد إعلامي أو فوَّض إليه الأمر، فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهِم يحكم، وقد دلَّ قوله: فأمر بها رسولُ الله ﷺ فرُجمتْ، أنَّه ﷺ هو الَّذي حكمَ فيها بعد أن أعلمه أُنيسٌ باعترافها، قاله عياض، ولأبي ذرٍّ: «رَجَمها فأتاهَا أُنَيس فأعلمَها» وكان لقولهِ: «فإن اعترفتْ» مقابلًا، يعني: فإن أنكرتْ فأعلمها أنَّ لها مطالبة بحدِّ القذف، فحذف لوجودِ الاحتمال، فلو أنكرتْ وطلبَتْ لأُجِيبتْ (فَاعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَرَجَمها) بعد أن أعلم النَّبيَّ ﷺ باعترافها مبالغةً في الاستثباتِ مع أنَّه كان علَّق له رَجمها على اعترافها.
следующие страницы →