ضمير (قَالَ: لَا أَدْرِي) فيه دَلالةٌ على أنَّ الصَّحابيَّ الجليل قد يخفى عليه بعض الأمور الواضحةِ، وأنَّ الجواب بلا أدرِي من العالم (١) لا عيبَ عليه فيه بل يدلُّ على تحرِّيه وتثبُّته.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبدَ الواحد (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء بعدها راء أبو الحسن القرشيُّ الكوفيُّ، فيما وصله ابنُ أبي شيبة (وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان، فيما وصله المؤلِّف في «باب رجم المحصن» [خ¦٦٨١٣] (وَالمُحَارِبِيُّ) بضم الميم بعدها حاء مهملة وبعد الألف راء مكسورة فموحدة، عبد الرَّحمن بن محمد الكوفيُّ (وَعَبِيدَةُ) بفتح العين وكسر الموحدة وسكون التحتية (ابْنُ حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، الضَّبيُّ الكوفيُّ، فيما وصله الإسماعيليُّ، الأربعة (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) سليمان في روايته عن عبد الله بنِ أبي أَوفى (وَقَالَ بَعْضُهُمُ) هو: عَبيدة بن حُمَيد، أحد المذكورين: (المَائِدَةُ) بدل سورة النور، والمائدة رفع في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره بالجرِّ بتقدير: سورة المائدة (وَالأَوَّلُ) القائل سورة النور (أَصَحُّ).
٦٨٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أُويس بن عبد الله، أبو عبد الله الأصبحيُّ، ابن أخت مالك وصهره على ابنته، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أَنَّهُ (قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ) من خيبر، وذكر ابن العربيِّ عن الطَّبريِّ والثَّعلبيِّ عن المفسِّرين: منهم: كعب بن الأشرف وكعب بن أسعد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصَّيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء (جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في السَّنة الرَّابعة في ذي القعدة (فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا) لم يُسمَّ وفتحت «أن» لسدِّها مسدَّ
стр. 11867
المفعول (مِنْهُمْ وَامْرَأَةً) تُسمَّى: بُسْرة -بضم الموحدة وسكون المهملة- (زَنَيَا) وقوله: منهم، يتعلَّق بمحذوفِ صفةٍ لرجلٍ، وصفةُ المرأة محذوفةٌ لدَلالة ما تقدَّم عليه، فالتَّقدير (١): وامرأة منهم، ويجوز أن يتعلَّق «منهم» بحال من ضمير الرَّجل والمرأة في زنيا، والتَّقدير: أنَّ رجلًا وامرأةً زنيا منهم، أي: في حال كونهما من اليهود، وعند أبي داود من طريق الزُّهريِّ: سمعت رجلًا من مزينة ممَّن تتبَّع العلم، وكان عند سعيد بن المسيَّب يُحدِّث عن أبي هريرة قال: زنى رجلٌ من اليهود بامرأةٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنَا إلى هذا النَّبيِّ فإنَّه بُعث بالتَّخفيف، فإن أفتانَا بفُتيا دون الرَّجم قبلناهَا واحتججنَا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبيٍّ من أنبيائك، قال: فأتوا النَّبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنيا؟ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ) «ما» مبتدأ من أسماء الاستفهام، و «تجدون» جملةٌ في محلِّ الخبر، والمبتدأ والخبر معمولٌ للقول، وتقديرُ الاستفهام: أيُّ شيءٍ تجدونه في التَّوراة، فيتعلَّق حرف الجرِّ بمفعول ثانٍ «لتجدون» (٢) (فِي شَأْنِ الرَّجْمِ)؟ إنَّما سألهم إلزامًا لهم بما يعتقدونهُ في كتابهم الموافق لحكمِ الإسلام إقامةً للحجَّة عليهم، وإظهارًا لما كتمُوه وبدَّلوه من حكم التَّوراة، فأرادوا تعطيلَ نصِّها ففضحَهم الله، وذلك إمَّا بوحي من الله إليه أنَّه موجودٌ في التَّوراة لم يغيَّر، وإما بإخبار من أسلم منهم كعبد (٣) الله بن سلام كما يأتي (فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ) بفتح النون والمعجمة بينهما فاء ساكنة، أي: نجد أن نفضحهم ويجلدوا (٤)، فيكون «نفضحُهم» معمولًا (٥) على الحكاية لنجد المقدَّر، أي: ادَّعوا أنَّ ذلك في التَّوراة على زعمِهم وهم كاذبون، ويحتملُ أن يكون ذلك ممَّا فسَّروا به التَّوراة ويكون مقطوعًا عن الجواب، أي: الحكم عندنا أن نفضَحَهم ويُجلدوا، فيكون خبر مبتدأ محذوفٍ بتقدير: أن، وإنَّما أتى بأحد الفعلين مبنيًّا للفاعل، والآخر مبنيًّا للمفعول إشارةً إلى أنَّ الفضيحةَ موكولةٌ (٦) إليهم وإلى اجتهادهم بكشف (٧) مساوئهم. وفي رواية أيُّوب عن نافع في
стр. 11868
«التوحيد» [خ¦٧٥٤٣] قالوا: نُسخِّم وجُوههما ونُخْزِيهما. وفي رواية عبيد الله بن عمر: قالوا: نُسوِّد وجوهَهُما ونُحَمِّمُهُما ونُخَالف بين وجوهِهِما ويُطاف بهما (قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللام: (كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ) فَأْتُوا بالتوراة (فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا) أي: فتحوا التَّوراة وبسطوا (فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ) هو: عبد الله بن صوريا (يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ) منها (فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) وقد وقع بيان ما في التَّوراة من آية الرَّجم في رواية أبي هريرة ولفظه: المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البيِّنة رجما، وإن كانتِ المرأةُ حُبلى تربِّص بها حتَّى تضعَ ما في بطنِها. وعند أبي داود من حديث جابر: إنَّا نجد في التَّوراة إذا شهد أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجِها مثل الميلِ في المُكْحلة رجمًا. زاد البزَّار من هذا الوجه: فإن وجدوا الرَّجل مع المرأة في بيتٍ، أو في ثوبها (١)، أو على بطنِها، فهي ريبة وفيها عقوبةٌ (قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ) وفي رواية البزَّار: قال -يعني: النَّبيَّ ﷺ : «فما منعَكُم أن تَرْجموهما (٢)؟» قالوا: ذهبَ سلطانُنَا فكرهنَا القتلَ. وفي حديث البراء: نجد الرَّجم، ولكنَّه كَثُر في أشرافنَا، فكنَّا إذا أخذنا الشَّريف تركناهُ، وإذا أخذنَا الضَّعيف أقمنَا عليه الحدَّ، فقلنا: تعالوا نجتمعُ (٣) على شيءٍ نقيمه على الشَّريف والوضيعِ، فجعلنا التَّحميم والجلد مكان الرَّجم (فَأَمَرَ بِهِمَا) بالزَّانيين (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَا). قال ابن عمر: (فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي) بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية، والرُّؤية بصريَّة فيكون «يحني» في موضعِ الحال، وقوله: (عَلَى المَرْأَةِ) يتعلَّق به، أي: يعطفُ عليها (يَقِيهَا الحِجَارَةَ) يحتمل أن تكون الجملة بدلًا من «يَحْني» أو حالًا أخرى، و «أل» في «الحجارةِ» للعهد، أي: حجارة الرَّمي، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «يجْنَأ» بجيم بدل الحاء المهملة وفتح النون بعدها همزة. قال ابنُ دقيق العيد: إنَّه الرَّاجح في الرِّواية، أي: أكبَّ عليها. وغرضُ المؤلِّف أنَّ الإسلام ليس شرطًا في الإحصان وإلَّا لم يرجمِ اليهوديين، وإليه ذهب الشَّافعيُّ وأحمدُ. وقال المالكيَّة ومعظم الحنفيَّة: شرط الإحصان الإسلام. وأجابوا عن حديث الباب بأنَّه ﷺ إنَّما رجمهما بحكم التَّوراة، وليس
стр. 11869
هو من حكم الإسلام في شيءٍ، وإنَّما هو من باب تنفيذ الحكمِ عليهم بما في كتابهِم، فإنَّ في التَّوراة الرَّجم على المحصنِ وغير المحصن. وأُجيب بأنَّه كيف يحكمُ عليهم بما لم يكنْ في شرعهِ مع قولهِ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وفي قولهِم: إنَّ (١) في التَّوراة الرَّجم على مَن لم يحصن، نظرٌ لما تقدَّم من رواية: المحصَن والمحصنة … إلى آخره، ويؤيِّده أنَّ الرَّجم جاء ناسخًا للجلد (٢) كما تقدَّم تقريره، ولم يقل أحدٌ أنَّ الرَّجم شُرع ثمَّ نُسخ بالجلد، وإذا كان أصل الرَّجم باقيًا منذ شرع، فما حكم عليهما بالرَّجم بمجرَّد حكم التَّوراة بل بشرعه الَّذي استمرَّ حكم التَّوراة عليه.
والحديث سبق في «باب علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٣٥].
(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا رَمَى) الرَّجل (امْرَأَتَهُ أَوِ امْرَأَةَ غَيْرِهِ بِالزِّنَا عِنْدَ الحَاكِمِ وَ) عند (النَّاسِ) كأن يقول: امرأتي أو امرأة فلانٍ زنت (هَلْ عَلَى الحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهَا) أي: إلى المرأة المرميَّة بالزِّنا (فَيَسْأَلَهَا عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ) من الزِّنا؟ وجواب الاستفهام محذوفٌ لم يذكرْه اكتفاءً بما في الحديث تقديره: فيه خلاف. والجمهور على أنَّ ذلك بحسب ما يراهُ الحاكم.
стр. 11870
٦٨٤٢ - ٦٨٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ﵄ (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ) لم يُسمَّيا (اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا): يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) بحكم الله الَّذي قضى به على المكلَّفين (وَقَالَ الآخَرُ -وَهْوَ أَفْقَهُهُمَا-: أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وتخفيف اللام، أي: نعم (يَا رَسُولَ اللهِ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائْذَنْ لِي) ولأبي ذرٍّ: «وأذنْ لي» بإسقاط الياء الَّتي بعد الهمزةِ (أَنْ أَتَكَلَّمَ) استدلَّ به على كونهِ أفقهَ من الآخر (قال) ﷺ له (١): (تَكَلَّم قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيْفًا عَلَى هَذَا -قَالَ مَالِكٌ: وَالعَسِيفُ الأَجِيرُ- فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وجاريةٍ لي» بإسقاط الموحدة، وفي رواية عَمرو بن شُعيب: فسألتُ من لا يعلم، فأخبرني أنَّ على ابنك الرَّجم فافتديتُ منه (ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَا) بالتخفيف (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا غَنَمُكَ) المئة (وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ) فمردودةٌ عليك (وَجَلَدَ ابْنَهُ مِئَةً) أي: أمر من يجلده فجلده (٢) (وَغَرَّبَهُ) من مَوطن الجناية (عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا الأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ) ليعلمها أنَّ الرَّجل قذفها بابنهِ، فلها عليه حدُّ القذف فتطالُبه أو تعفو عنه (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) أنَّه زنى بها (٣) (فَارْجُمْهَا) أي: بعد إعلامي أو فوَّض إليه الأمر، فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهِم يحكم، وقد دلَّ قوله: فأمر بها رسولُ الله ﷺ فرُجمتْ، أنَّه ﷺ هو الَّذي حكمَ فيها بعد أن أعلمه أُنيسٌ باعترافها، قاله عياض، ولأبي ذرٍّ: «رَجَمها فأتاهَا أُنَيس فأعلمَها» وكان لقولهِ: «فإن اعترفتْ» مقابلًا، يعني: فإن أنكرتْ فأعلمها أنَّ لها مطالبة بحدِّ القذف، فحذف لوجودِ الاحتمال، فلو أنكرتْ وطلبَتْ لأُجِيبتْ (فَاعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَرَجَمها) بعد أن أعلم النَّبيَّ ﷺ باعترافها مبالغةً في الاستثباتِ مع أنَّه كان علَّق له رَجمها على اعترافها.
стр. 11871
وفي الحديث: أنَّ الصَّحابة كانوا يُفتون في عهدهِ (١) ﷺ وفي بلدِه، وذكر محمد بن سعد في «طبقاته» أنَّ منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وعبد الرَّحمن بن عوف وأبيَّ بن كعبٍ ومعاذَ بن جبل وزيدَ بن ثابت، وفيه: أنَّ الحدَّ لا يقبلُ الفداء، وهو مجمعٌ عليه في الزِّنا والسَّرقة والحِرَابة وشربِ المُسْكر، واختُلِف في القذفِ والصَّحيح أنَّه كغيره، وإنَّما يجري الفداءُ في البدنِ كالقصاصِ في النَّفس والأطرافِ.
ومطابقةُ الحديث للترجمةِ ظاهرة فيمَن قذفَ امرأةَ غيره، أمَّا من قذف امرأتهُ فمأخوذٌ من كون زوج المرأة كان حاضرًا، ولم يُنكرْ ذلك، كذا في «الفتح» قال: وقد صحَّح النَّوويُّ وجوبَ إرسالِ الإمام على المرأةِ ليسألها عمَّا رُميتْ به (٢)، واحتجَّ ببعثِ أنيسٍ إلى المرأةِ. وتُعقِّب بأنَّه فعلٌ وقعَ في واقعةِ حالٍ لا دَلالة فيه على الوجوبِ؛ لاحتمالِ أن يكون سبب البعثِ ما وقعَ بين زَوجها وبين والدِ العسيفِ من الخصامِ، والمصالحة على الحدِّ، واشتهار القصَّةِ حتى صرَّح والدُ العسيفِ بما صرَّح به ولم ينكرْ عليه زوجها، فالإرسال إلى هذه يختصُّ بمن كان على مثلِها من التُّهمة القويَّة بالفجورِ، والله أعلم.
(٣٩) (باب مَنْ أَدَّبَ أَهْلَهُ) كزوجته وأرِقّائه (أَوْ) أدَّب (غَيْرَهُ) أي: غير أهله (دُونَ) إذن (السُّلْطَانِ) له في ذلك.
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) سَعْد بن مالك -بسكون العين- الخدريُّ، فيما سبق موصولًا، في «باب يردُّ المصلِّي من مرَّ بين يديه»، من (٣) «كتاب الصلاة» [خ¦٥٠٩] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا صَلَّى فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى) امتنعَ إلَّا أن يمرَّ (فَلْيُقَاتِلْهُ. وَفَعَلَهُ) أي: دفعَ المارَّ بين يديه حالة صلاتهِ (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵁ وفِعْلُه مذكورٌ في الباب المذكور بلفظ [خ¦٥٠٩] رأيتُ أبا سعيد يُصلِّي، فأراد شابٌّ أن يجتازَ بين يديهِ، فدفعَه أبو سعيدٍ في صدرهِ من غير
стр. 11872
استئذانِ حاكمٍ، ولذا لم ينكر (١) عليه مروان بل استفهمَه عن السَّبب، فلما ذكره له أقرَّه عليه.
٦٨٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁¬) في تفسير «سورة المائدة» بهذا السَّند [خ¦٤٦٠٧] أنَّها قالتْ: خرجنَا مع رسولِ الله ﷺ في بعضِ أسفاره حتَّى إذا كنَّا بالبيداءِ أو بذات الجيش انقطعَ عقدٌ لي، فأقام رسولُ الله على التماسهِ، وأقام النَّاس معه وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فأتى النَّاس إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيق، فقالوا: ألا تَرى ما صنعتْ عائشة؟ أقامتْ برسول الله ﷺ وبالنَّاس وليس معهم ماءٌ، فجاءَ أبو بكر (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذال المعجمة، وقد نامَ (فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ و) حبستِ (النَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) وليس معَهم ماء (فَعَاتَبَنِي) أبو بكرٍ (وَجَعَلَ يَطْعُنُ) بضم العين (بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من التَّحوّل» «بالواو واللام» بدل: «الراء والكاف»، (إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) على فخذِي (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى (آيَةَ التَّيَمُّمِ) في سورة المائدة.
وهذا الحديث سبق في «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٧].
٦٨٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (أَنَّ
стр. 11873
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁، أي: لمَّا فقدتْ قلادتها، وأقامُوا على غير ماءٍ (فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً) بالزاي فيهما، أي: ضربَني ضربةً شديدةً (وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ) بكسر القاف (فَبِي المَوْتُ) أي: فالموت ملتبسٌ (١) بي (لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) على فخذي أخافُ انتباههُ من نومهِ (وَقَدْ أَوْجَعَنِي) لكزُ أبي بكر (٢) إيَّاي. وقوله: (نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث السَّابق، وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «لَكَزَ ووَكَزَ» «بالواو» بدل: «اللام»، «واحدٌ» في المعنى، وهو من كلام أبي عُبيدة، قال: اللَّكز: الضَّرب بالجُمْع على الصَّدر. وقال أبو زيد: في جميع الجسد، والجُمْع -بضم الجيم وسكون الميم- الضَّربُ بجميع الأصابعِ المضمومةِ، يُقال: ضربَه بجُمْع كفِّه.
(٤٠) (باب) حكم (مَنْ رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ).
٦٨٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عمير (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة، وللمُستملي زيادة: «كاتب المغيرة» (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة أنَّه (قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الأنصاريُّ ﵁: (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي) أي: غيرَ محرمٍ لها (لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وبعدها حاء مهملة، غير ضاربٍ بعرضِهِ بل بحدِّه للقتلِ والإهلاكِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الَّذي قاله سعدٌ (النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ) بفتح الغين المعجمة. قال في «الصِّحاح»: مصدر قولك: غارَ الرَّجل على أهلِهِ يَغارُ غَيْرًا وغَيْرَةً وغَارًا (٣)، ورجلٌ غيورٌ وغَيران، وجمع غَيور: غُيُرٌ، وجمع غَيْران: غَيَارى وغُيَارى،
стр. 11874
ورجلُ مِغْيارٌ وقومٌ مَغَايير، وامرأةٌ غَيورٌ، ونِسْوةٌ غُيُرٌ، وامرأةٌ غَيْرى، ونِسوةٌ غَيَارى.
وقال الكِرْمانيُّ: الغَيرة: المنع، أي: تمنع من التَّعلق بأجنبيٍّ بنظرٍ أو غيره. وقال في «النهاية» (١): الغَيرة: الحمية والأنفةُ، يُقال: رجلٌ غيورٌ، وامرأةٌ غيور بلا تاء مبالغة، كشكور؛ لأنَّ فعولًا يستوي (٢) فيه الذَّكر والأنثى.
(لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ) بلام التَّأكيد (وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي) وغَيرةُ الله تعالى منعُه عن المعاصِي، وقد اختُلف في حكمِ من رأى مع امرأتهِ رجلًا فقتلَهُ، فقال الجمهورُ: عليه القودُ، وقال الإمامُ أحمد: إن (٣) أقام بيِّنةً أنَّه وجده مع امرأتهِ فدمه هدرٌ. وقال إمامنا الشَّافعيُّ: يسعهُ فيما بينَه وبين الله قتلُ الرَّجل إن كان ثيِّبًا، وعَلِم أنَّه نال منها ما يوجبُ الغُسل، ولكن لا يسقطُ عنه القودُ في ظاهر الحكمِ. وقال الدَّاوديُّ: الحديث دالٌّ على وجوب القودِ فيمن قتل رجلًا وجده مع امرأتهِ؛ لأنَّ الله وإن كان أَغْيَر من عبادِه، فإنَّه أوجب الشُّهود في الحدود، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يتعدَّى حدودَ الله، ولا يسقط دمًا (٤) بدعوى.
وقال ابنُ حبيب: إن كان المقتول محصنًا، فالَّذي ينجِّي قاتله من القتلِ أن يُقيم أربعة شهداء أنَّه فعل بامرأتهِ، وإن كان غيرَ محصنٍ فعلى قاتلهِ القَوَد وإن أتى بأربعة شهداء.
والحديث سبق في أواخر «النِّكاح»، في «باب الغَيرة» [خ¦٦٨/ ١٠٧ - ٧٧٥٨].
(٤١) (باب مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ) بالعين المهملة آخره ضاد معجمة، وهو ضدُّ التَّصريح.
стр. 11875
٦٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ) اسمه: ضَمضم بنُ قتادة، رواه عبد الغنيِّ بن سعيد في «المبهمات» وابن فتحون من طريقهِ، وأبو موسى في «الذيل»، وعند أبي داود من روايةِ ابن وهبٍ: أنَّ أعرابيًا من فزارةَ، وكذا عند بقيَّة أصحابِ الكتب السِّتَّة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِي) لم أقفْ على اسمها (وَلَدَتْ غُلَامًا) لم أقفْ على اسمه أيضًا (أَسْوَدَ) صفة لغلام، وهو لا ينصرفُ للوزن والصِّفة، أي: وأنا أبيض، فكيف يكون ابني؟ فعرَّضَ بأنَّ أمَّه أتت به من الزِّنا (فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ له: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ) الرَّجل: (نَعَمْ. قَالَ) ﷺ : (مَا أَلْوَانُهَا؟) «ما» مبتدأ من أسماءِ الاستفهام، و «ألوانها» الخبر (قَالَ) الرَّجل: ألوانها (حُمْرٌ) جمع: أحمر، وأفعل فعلاء لا يجمع إلَّا على فُعْلٌ (قَالَ) ﷺ : (فِيهَا) ولأبي ذرٍّ: «هل فيها» أي: جمل (أَوْرَقُ) لا ينصرفُ كأسود في لونه بياضٌ إلى سوادٍ من الورقة وهو اللَّون الرَّماديُّ، ومنه قيل للحمامةِ: ورقاءُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «مِن أورق» بزيادة «من» في اسم كان (١) الَّذي هو أورق، وزيدتْ هنا لتقدُّم الاستفهام الَّذي هو (٢) بمعنى النَّفي، وصحَّ ذلك فيها كما صحَّ في قولهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] قالوا: الباء زائدة في خبر «أنَّ» لتقدُّم معنى النَّفي على الجملة (قَالَ) الرَّجل: (نَعَمْ) فيها أورق (قَالَ) ﷺ : (فَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشددة، أي: من أين (كَانَ ذَلِكَ) اللَّون الأورقُ وأبواها (٣) ليسا بهذا اللَّون (قَالَ) الرَّجل: (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أي: أظنُّه (عِرْقٌ) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، أي: أصلٌ من النَّسب، ومنه فلان معرَّقٌ في النَّسب والحسبِ، وفي المثل: العرق نزَّاع، والعرق الأصل مأخوذ من عرق الشَّجرة (٤) (نَزَعَهُ) بفتح النون والزاي والعين، جذبَه إليه وقلبه، وأخرجه من لون أبويهِ، والمعنى: أنَّ وَرْقَها إنَّما جاء لأنَّه كان في أصولها البعيدةِ ما كان في هذا اللَّون (قَالَ) ﵊: (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ). قال
стр. 11876
الخطابيُّ: وإنَّما سأله عن ألوان الإبلِ؛ لأنَّ الحيوانات تجري طباعُ بعضِها على مشاكلةِ (١) بعض في اللَّون والخلقة، وقد يندرُ منها شيءٌ لعارض، فكذلك الآدميُّ يختلفُ بحسب نوادر الطِّباع ونوازعِ العروق. انتهى.
وفائدة الحديث: المنع عن نفي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة بل لابدَّ من تحقُّق وظهور (٢) دليلٍ قويٍّ كأن لا (٣) يكون وطئها، أو أتت بولد قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها، واستدلَّ به الشَّافعيُّ على أنَّ التَّعريض بالقذف لا يُعطى حكم التَّصريح، فتبعه البخاريُّ حيث أورد هذا الحديث فليس التَّعريض قذفًا وإلَّا لما كان تعريضًا. وقال المالكيَّة: التَّعريض من غير الأب إذا أفهم الرَّمي بالزِّنا أو اللِّواط أو نفي النَّسب، كالتَّصريح (٤) في ترتب الحدِّ، كقولهِ لمن يخاصمه: أمَّا أنا فلست بزانٍ، أو لست بلائطٍ، أو أبي (٥) معروفٌ، وهو ثمانون جلدة.
والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٥].
(٤٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَمِ التَّعْزِيرُ وَالأَدَبُ؟) تنقسم «كم» إلى: استفهاميَّة بمعنى أيّ عدد قليلًا كان (٦) أو كثيرًا، وإلى خبريَّة بمعنى عددٍ كثير، والمراد هنا الأول، والتَّعزير مصدر عزَّر. قال في «الصِّحاح»: التَّعزيرُ: التَّأديب، ومنه سُمِّي الضَّرب دون الحدِّ تعزيرًا. وقال في «المدارك»: وأصل العَزْر المنع، ومنه التَّعزير؛ لأنَّه منع عن (٧) معاودةِ القبيح. انتهى. ومنه عزَّره القاضي، أي: أدَّبه؛ لئلَّا يعودَ إلى القبيح، ويكون بالقول والفعل وبحسب ما يليقُ به، وأمَّا الأدب فبمعنى التَّأديب، وهو أعمُّ من التَّعزير؛ لأنَّ التَّعزير يكون بسببِ المعصيةِ بخلاف الأدب،
стр. 11877
ومنه تأديبُ الوالد (١) وتأديب (٢) المعلِّم.
٦٨٤٨ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) أبو رجاءٍ المصريُّ، واسم أبي حَبيب سويد (عَنْ بُكَيْرِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة وفتح الكاف، ابن الأشجِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدّ اليمين (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء، هانئ ابن نِيَار -بكسر النون وتخفيف التحتية- الأوسيِّ (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: لَا يُجْلَدُ) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح اللام، جملة معمولةٌ للقولِ خبرٌ بمعنى الأمر، والفعلُ مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، والمفعول محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، أي: لا يجلد أحدٌ (فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ) بفتحات مصحِّحًا عليه في الفرع كأصله (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ) ، والمجرور متعلِّق (٣) بـ «يُجْلَد»، فيكون الاستثناء مفرَّغًا؛ لأنَّ ما قبل «إلَّا» عمل فيما بعدَها، و «مِن حدودِ اللهِ»: متعلِّقٌ بصفة لـ «حدٍّ»، والتَّقدير: إلَّا في موجب حدٍّ من حدود الله تعالى.
قال في «الفتح»: ظاهره: أنَّ المراد بالحدِّ ما وردَ فيه من الشَّارع عددٌ من الجلد أو الضَّرب مخصوصٌ، أو عقوبةٌ مخصوصةٌ، والمتَّفق عليه من ذلك أصل الزِّنا والسَّرقةُ، وشُربُ المسكر، والحِرَابة، والقذفُ بالزِّنا، والقتلُ، والقصاصُ في النَّفس والأطراف، والقتلُ في الارتداد، واختُلف في تسمية الأخيرين حدًّا، واختُلف في مدلولِ هذا الحديث، فأخذ بظاهرهِ الإمام أحمد في المشهورِ عنه وبعض الشَّافعيَّة، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزِّيادة على العشرة، ثمَّ اختلفوا؛ فقال الشَّافعيُّ: لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحدِّ الحرِّ أو العبد؟ قولان. وقال الآخرون: هو إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغَ، وأجابوا عن ظاهرِ الحديثِ
стр. 11878
بوجوهٍ منها الطَّعن فيه، فإنَّ ابن المنذر ذكر في إسناده مقالًا، وقال الأَصيليُّ: اضطربَ إسنادُه فوجب تركهُ، وتُعقِّب بأنَّ عبد الرَّحمن ثقةٌ (١)، وقد صرَّح بسماعهِ في الرِّواية الآتية [خ¦٦٨٤٩] وإبهام الصَّحابيِّ لا يضرُّ، وقد اتَّفق الشَّيخان على تصحيحه، وهما العُمدة في التَّصحيح (٢)، ومنها أنَّ عمل الصَّحابة بخلافه يقتضِي نسخه، فقد كتبَ عمر إلى أبي موسى الأشعريِّ: أن لا تبلغ بنكالٍ أكثر من عشرين سوطًا. وعن عثمان: ثلاثين، وضربَ عمرُ أكثر من الحدِّ، أو من مئة، وأقرَّه الصَّحابة.
وأُجيب بأنَّه لا يلزم في مثل ذلك النَّسخ. ومنها حملُه على واقعةِ عينٍ بذنب مُعيَّن أو رجل معيَّنٍ، قاله الماورديُّ، وفيه نظرٌ.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه.
٦٨٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الباهليُّ البصريُّ الصَّيرفيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء وفتح المعجمة، وسُلَيمان -بضم السين وفتح اللام- النُّميريُّ (٣) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) السُّلميُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ) الأنصاريُّ (عَمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ¬) أبهم الصَّحابيَّ، وقد سمَّاه حفصُ بن ميسرة، وهو أوثق من فُضَيلِ بن سليمان فيما أخرجه الإسماعيليُّ فقال: عن مسلم ابن أبي مريم عن عبدِ الرَّحمن بن جابر عن أبيهِ. وقال الإسماعيليُّ: ورواه إسحاقُ بن رَاهُوْيَه عن عبد الرَّزَّاق عن ابنِ جُريج عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرَّحمن بن جابرٍ عن رجلٍ من الأنصار. قال الحافظُ ابن حجرٍ ﵀: وهذا لا يُعيِّن أحد التفسيرين، فإنَّ كلًّا من جابر وأبي بُرْدة أنصاريٌّ. قال الإسماعيليُّ: لم يُدْخل اللَّيث عن يزيد بين عبد الرَّحمن وأبي بُرْدة أحدًا، وقد
стр. 11879
وافقه سعيدُ بن أبي أيوب عن يزيد كذلك، وحاصلُ الاختلاف (١) هل هو صحابيٌّ مبهمٌ أو مسمَّى؟ الرَّاجح الثَّاني، ثمَّ الرَّاجح أنَّه أبو بُردة بن نِيار، وهل بين عبد الرَّحمن وأبي بُرْدة واسطة وهو أبو (٢) جابر أو لا؟ الرَّاجح الثَّاني أيضًا، أنَّه (٣) (قَالَ: لَا عُقُوبَةَ فَوْقَ عَشْرِ ضَرَبَاتٍ) بسكون الشين، وضرَبات، بفتح الراء، (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ) .
فائدة: قال بعضُ المالكيَّة: في مؤدِّب الأطفال لا يزيد على ثلاث. قال ابنُ دقيق العيد: وهذا تحديدٌ يبعد إقامة الدَّليل المبيَّن (٤) عليه، ولعلَّه أخذه من أنَّ الثَّلاث اعتبرت في مواضع، وفي ذلك ضعفٌ، وقد يُؤخذ هذا من حديث أوَّل نزولِ الوحي [خ¦٣] فإنَّ فيه أنَّ جبريلَ ﵇ قال: اقرأْ، فقال ﷺ : «مَا أَنا بقَارئ» فغطَّه ثلاث مرَّات، فأخذَ منه أنَّ تنبيه المعلِّم للمتعلِّم لا يكون بأكثرَ من ثلاث.
٦٨٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الكوفيُّ نزيل مصر قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (٥): (أَنَّ بُكَيْرًا) بضم الموحدة، ابن عبد الله بن الأشجِّ (حَدَّثَهُ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضدَّ اليمين (إِذْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ فَحَدَّثَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ) نصب على المفعوليَّة (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ) جابرَ بن عبد الله الأنصاريَّ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ الأَنْصَارِيَّ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَجْلِدُوا) بلفظ الجمع، ولأبي الوقت: «لا يُجْلَد» مبنيًّا للمفعول: «أحدٌ» (فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ) «فوق» ظرف، وهو
стр. 11880
نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: جلدًا فوق، و «عشرة» مضاف إليه، و «أسواط» جمع سوط، أي: فوق ضربات سوط (١) كما تقول: ضربته عشرة أسواط، أي: ضربات بسوط، فأقيمت الآلةُ مقام الضَّرب في ذلك، ومعنى الحديث بطرقهِ الثَّلاثة واحدٌ لكن ألفاظه مختلفة، ففي الأول: عشر جلدات، وفي الثَّاني: عشر ضرباتٍ، وفي الثَّالث: عشرة أسواطٍ (إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ) .
٦٨٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بن عبد الله بن بُكَير -بضم الموحدة وفتح الكاف- المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بن عوف: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) نهيَ تحريمٍ، أو تنزيهٍ، أو ليس نهيًا بل إرشادًا راجعًا إلى مصلحةٍ دنيويَّة (عَنِ الوِصَالِ) في الصَّوم فرضًا أو نفلًا، وهو صومُ يومين فصاعدًا من غير أكلٍ وشربٍ بينهما، فإنَّه وصل الصَّوم بالصَّوم، ولو قلنا: إنَّه باللَّيل يصير مفطرًا حكمًا (فَقَالَ لَهُ) ﷺ (رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «رجل» بالإفراد، ولم يُسمَّ (فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّكُمْ مِثْلِي)؟ بكسر الميم وسكون المثلثة (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) كذا بغير ياء بعد النون في الفرع كالمصحف العثمانيِّ في سورة الشُّعراء، وجملة «يُطعمني» حاليَّة، أي: يجعلُ فيه قوة الطَّاعم والشَّارب، أو هو على ظاهرهِ بأن يُطعم من طعام الجنَّة، ويُسقى من شرابها، والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّه لو كانت حقيقة لم يكن مواصلًا (فَلَمَّا أَبَوْا) امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ) لظنِّهم أنَّ النَّهي للتَّنزيه (وَاصَلَ) ﷺ (بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا) أي: يومين ليبيِّن لهم الحكمة في
стр. 11881
ذلك (ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ) ﷺ (لَوْ تَأَخَّرَ) الشَّهر (لَزِدْتُكُمْ) في الوصالِ إلى أن تعجزوا عنه (كَالمُنَكِّلِ بِهِمْ) بضم الميم وفتح النون وكسر الكاف مشددة، أي: المعاقب لهم، ولأبي ذرٍّ: «لهم» باللَّام بدل الموحدة (حِينَ أَبَوْا) امتنعوا عن الانتهاءِ عن الوصالِ.
وهذا موضع التَّرجمة، وفيه -كما قال المهلَّب-: أنَّ التَّعزير موكولٌ إلى رأي الإمام؛ لقولهِ: «لو امتدَّ الشَّهر لزدتكم» فدلَّ أنَّ للإمام أن يزيدَ على التَّعزير ما يراه، لكنَّ الحديث وردَ في عددٍ من الضَّرب (١) متعلِّقٌ (٢) بشيءٍ محسوس، وهذا يتعلَّقُ بشيءٍ متروكٍ وهو الإمساك عن المفطراتِ، والألم فيه يرجع إلى التَّجويع والتَّعطيشِ وتأثيرهما في الأشخاص متفاوت جدًا، والظَّاهر أنَّ الَّذين واصلَ بهم كان لهم اقتدارٌ على ذلك في الجملةِ، فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتَّى ينتهي إلى عجزهِم عنه لكان هو المؤثِّر في زجرهِم، فيُستفاد منه أنَّ المراد من التَّعزير ما يحصلُ به الرَّدع، قاله في «الفتح».
قال في «عمدة القاري»: والحديثُ بهذا الوجهِ من أفراده.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عُقَيْلًا (شُعَيْبٌ) وهو: ابنُ أبي حمزة، فيما رواه المؤلِّف في «باب التَّنكيل»، من «كتاب الصِّيام» [خ¦١٩٦٥] (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَيُونُسُ) بن يزيد -فيما (٣) وصله مسلم- الثَّلاثة في روايتهِم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ أميرُ مصر لهشامِ بن عبدِ الملك بنِ مروان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلم (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن المسيَّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فخالفَهم عبدُ الرَّحمن فقال: عن سعيدِ بن المسيَّب، وسيأتي الكلامُ على روايةِ عبدِ الرَّحمن هذه في «كتاب الأحكام» [خ¦٧٢٤٢] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.
стр. 11882
٦٨٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بفتح العين المهملة والتحتية المشدَّدة وبعد الألف شين معجمة، الرَّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبدِ الأعلى السَّاميُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابن راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ) بضم أوَّله وفتح ثالثهِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جَُِزَافًا) بكسر الجيم وفتحها وضمها وفتح الزاي، والكسرُ هو الذي في «اليونينيَّة» فقط، أي: من غير كيلٍ ولا وزنٍ (١)، والنَّصب بتقدير شراء مجازفة، أو على الحال (أَنْ يَبيعُوهُ) أي: لأن (٢) يبيعُوه، أو «أن» مصدرية (٣)، أي: يضربون لبيعِهم إيَّاه (فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ) «حتَّى» للغاية، و «أن» مقدَّرةٌ بعدها، أي: إلى إيوائهم إيَّاه (إِلَى رِحَالِهِمْ) أي: منازلهم، والمراد به: النَّهي عن بيعِ المبيع حتَّى يقبضه، وفيه جواز تأديبِ من خالفَ الأمر الشَّرعيَّ بتعاطِي (٤) العقودِ الفاسدة، ومشروعيَّة إقامة المحتسبِ في الأسواقِ، قاله في «فتح الباري» (٥).
والحديث سبقَ في «البيوع» [خ¦٢١٣٧].
٦٨٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: عبدُ الله بن عثمان بن جبلة العَتَكيُّ المَرْوَزيُّ الحافظ، أبو عبد الرَّحمن، وعبدان لقبُه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (٦)) بالإفراد (عُرْوَة) بن الزُّبير (عَنْ
стр. 11883
عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) ما عاقبَ أحدًا (لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ) بضم التحتية وفتح الفوقية، بل يعفو عنه كعفوه عن الَّذي جبذَ بردائه حتَّى أثَّر في كتفهِ الشَّريف (١) (حَتَّى تُنْتَهَكَ) بضم أوله وسكون النون وفتح الفوقية والهاء، أي: يرتكب شيء (مِنْ حُرُمَاتِ اللهِ) (فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ) لا لنفسهِ ممَّن ارتكبَ تلك الحرمة، و «ينتقمَ» نصب عطف على المنصوبِ السَّابق.
والحديث مطابقتُه للتَّرجمة من حيث إنَّه ﷺ كان ينتقمُ إذا انتُهكتْ حُرمة من حرمِ الله إمَّا بالضَّرب أو بغيرهِ، فهو داخلٌ في «باب التَّعزير والتَّأديب»، وسبقَ [خ¦٣٥٦٠] في «صفتهِ ﷺ »، وأخرجه مسلم في «الفضائل».
(٤٣) (باب مَنْ أَظْهَرَ الفَاحِشَةَ) بأن يتعاطى ما يدلُّ عليها عادةً (و) من أظهر (اللَّطْخَ) بفتح اللام وسكون الطاء المهملة بعدها خاء معجمة. قال الجوهريُّ: لَطَخَه بكذا فتلَطَّخَ به، أي: لوَّثه به فتلوَّث، ولُطِخَ فلانٌ بشرٍّ، أي: رُمِي به (وَ) من أظهر (التُّهَْمَةَ) بضم الفوقية وفتح الهاء في الفرع وبسكونها (بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) ولا إقرارٍ، ما حكمه؟
٦٨٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وثبتَ «ابن عبد الله» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء في الأوَّل، والعين في الثَّاني، السَّاعديِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ المُتَلَاعِنَيْنِ) بفتح النون الأولى، عويمر العجلانيُّ وزوجتُه خولة (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ) زاد أبو ذرٍّ: «سنة» فذكر التَّمييز، والواو في «وَأَنَا» للحال (فَرَّقَ) ﷺ (بَيْنَهُمَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: كَذَبْتُ عَلَيْهَا) يا رسولَ الله (إِنْ أَمْسَكْتُهَا)
стр. 11884
فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمرَه ﷺ بطلاقِها (قَالَ) سفيان: (فَحَفِظْتُ ذَاكَ (١)) بغير لام، المذكور بعد (٢) (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلم بن شهابٍ: (إِنْ جَاءَتْ بِهِ) بالولد (كَذَا وَكَذَا) أي: أسودَ أعينَ ذا أَلْيتين (فَهْوَ) صادقٌ عليها (وَإِنْ جَاءَتْ بِه) بالولدِ (٣) (كَذَا وَكَذَا) أحمر قصيرًا (كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ) بفتح الواو والحاء المهملة والراء، دُويبةٌ كسامٍ أبرصٍ، أو دُويبةٌ حمراءُ تلصقُ بالأرضِ كالوَزَغةِ تقعُ في الطَّعام فتُفسده، فيقال (٤): طعامٌ وَحَرٌ (فَهُوَ) كاذبٌ، ففيه الكناية والاكتفاءُ. قال سفيان: (وَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: جَاءَتْ بِهِ) أي: بالولد (لِلَّذِي يُكْرَهُ) بضم أوله وفتح ثالثه، وهو شبههُ بمن رُمِيتْ به.
والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٩].
٦٨٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكر الصِّدِّيق أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (المُتَلَاعِنَيْنِ) بلفظ التَّثنية (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بالمعجمة والمهملتين الأولى مشددة بينهما ألف، اللَّيثيُّ (هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ولَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً عَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مِن» بالميم المكسورة بدل العين (غَيْرِ بَيِّنَةٍ) لرجمتُها. (قَالَ) ابن عبَّاس: (لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ) بالفجورِ.
والحديث مرَّ في «اللِّعان» [خ¦٥٣١٠].
стр. 11885
٦٨٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الفهميُّ إمام المصريِّين قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، كذا بإثبات (١) قولهِ: «عن القاسم بن محمَّد» في رواية أبي ذرٍّ. وقال الحافظ ابن حجرٍ: ووقع لبعضهم بإسقاط: «القاسم بن محمد» من السَّند وهو غلطٌ، قلت: وقد أسقطه العينيُّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ) بضم الذال المعجمة مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي «المتلاعنان» (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ) بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة وتشديد التحتية، العجلانيُّ ثمَّ البلويُّ (فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ) أي: أتى عاصمًا (رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو: عُويمر (يَشْكُو أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ) امرأتهِ (رَجُلًا) كذا لأبي ذرٍّ بإثبات المفعول، ولغيره بحذفهِ (فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ) بضم الفوقية الأولى، مبنيًّا للمفعول من الابتلاء (بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ) عاصمٌ (بِهِ) بالرَّجل الَّذي شكا له (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا) لونه (قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِْطَ الشَّعَرِ) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة وكسرها، وصحَّح عليه في الفرع كأصله، نقيض الجعْدِ (وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أنَّه وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ آدَمَ) بمدِّ الهمزة، أسمرَ شديدَ السُّمرة (خَدْلًا) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، وللأَصيليِّ: «خِدْلًا» بكسرها مع تخفيف اللَّام فيهما ممتلئَ السَّاق غليظه (كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ، فَوَضَعَتْ) ولدًا (شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أنَّه وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ) هو:
стр. 11886
عبدُ الله بنُ شدَّاد (لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ) مستفهمًا: (هِيَ) المرأة (الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ) ولأبوي ذرٍّ والوقتِ: «قال رسولُ الله» (¬ ﷺ : لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ) ابن عبَّاس: (لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ السُّوءَ) لأنَّه لم يقمْ عليها البيِّنة بذلك ولا اعترفتْ، فدلَّ على أنَّ الحدَّ لا يجبُ بالاستفاضة.
قال في «الفتح»: ولم أعرف اسم هذه المرأة، وكأنَّهم تعمَّدوا إبهامها سترًا عليها، وعند ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ من حديث ابن عبَّاس: «لو كنتُ راجمًا أحدًا بغير بيِّنةٍ لرجمتُ فلانة، فقد ظهرَ فيها الرِّيبة في مَنْطِقها وهَيْئتها، ومَن يدخلُ عليها».
(٤٤) (باب) حكم (رَمْيِ المُحْصَنَاتِ) أي: قذف الحرائرِ العفيفات (وَقَوْلِ اللهِ (١): ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾) يقذفون بالزِّنا الحرائر العفيفات المسلمات المكلَّفات، والقذفُ (٢) يكون بالزِّنا وبغيره، والمراد هنا: قذفهنَّ بالزِّنا بأن يقولوا (٣): يا زانية، لذكر المحصنات عقبَ الزَّواني، ولاشتراط أربعة شهداءٍ بقولهِ: (﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾) على زناهنَّ برؤيتهم (﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾) أي: كلَّ واحدٍ منهم (﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾) إن كان القاذفُ حرًّا، ونصب «ثمانين» نصبَ المصادر، و «جلدةً» على التَّمييز (﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾) في شيءٍ (﴿أَبَدًا﴾) ما لم يتب، وعند أبي حنيفة إلى آخر عمرهِ (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) لإتيانهم كبيرةً (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾) عن القذفِ (﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾) أعمالهم (﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾) لهم قذفَهُم (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥]) بهم بإلهامهم التَّوبة، فبها ينتهي فسقُهم وتقبلُ شهادَتهم، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾: «الآيةَ».
стр. 11887
(﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾) بالزِّنا (﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾) العفائف (﴿الْغَافِلَاتِ﴾) السَّليمات الصُّدور، النَّقيَّات القلوب، اللَّاتي ليس فيهنَّ دهاءٌ ولا مكرٌ؛ لأنهنَّ لم يجرِّبْنَ الأمور (﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾) بما يجب الإيمانُ به (﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]) جعل القَذَفة ملعونين في الدَّارين، وتوعَّدهم بالعذابِ الأليم العظيم في الآخرة إنْ لم يتوبوا، وقيل: مخصوصٌ بمن قذفَ أزواجَه ﷺ ، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿لُعِنُوا﴾ … » إلى آخر الآية، وقال بعد ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١): «الآية».
(وَقَوْلِ اللهِ) تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ)) بالزِّنى ((ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا) الآية) قَالَ (٢) الحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ الهرويُّ: كَذَا وَقَعَ في البخاريِّ: (ثُمَّ لَمْ)، والتِّلاوَةُ: ﴿وَلَمْ يَكُن﴾ وهذا ثابتٌ في روايةِ أبي ذرٍّ.
٦٨٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلال (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلثة، المدنيِّ (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بالمعجمة والمثلثة، سالم مولى ابن مُطيع (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوْبِقَاتِ) بضم الميم وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها قاف فألف ففوقية، المُهلكات، وسُمِّيت بذلك لأنَّها سببٌ لإهلاكِ مرتكبها قاله المهلَّب، والمرادُ بها: الكبائر (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ) الموبقات؟ (قَالَ) ﷺ : هنَّ (الشِّرْكُ بِاللهِ) بأن تتَّخذ معَه إلهًا غيره (وَالسِّحْرُ) بكسر السين وسكون الحاء المهملتين، وهو أمرٌ خارقٌ للعادةِ صادرٌ عن نفسٍ
стр. 11888
شرِّيرةٍ، والَّذي عليه الجمهورُ أنَّ له حقيقةً تؤثِّر بحيث تغيِّر المزاج (وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) قتلها (إِلَّا بِالحَقِّ) كالقصاصِ والقتل على الرِّدة والرَّجم (وَأَكْلُ الرِّبَا) وهو في اللُّغة: الزِّيادة (وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ) بغير حقٍّ (وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ) أي: الإعراضُ والفرارُ يوم القتال في الجهادِ (وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ) بفتح الصاد، جمع: محصنة، مفعولة، أي: الَّتي أحصنَها الله من الزِّنا، وبكسرها اسم فاعلة، أي: الَّتي حفظتْ فرجها من الزِّنا (المُؤْمِنَاتِ) فخرج الكافرات (الغَافِلَاتِ) بالغين المعجمة والفاء، كناية عن البريئات؛ لأنَّ البريء غافلٌ عمَّا بُهِت به من الزِّنا، والتَّنصيص على عددٍ لا ينفي غيرهُ؛ إذ وردَ في أحاديث أُخر كاليمين الفاجرةِ، وعقوقِ الوالدين، والإلحادِ في الحرم، والتَّعرُّب بعد الهجرة، وشربِ الخمرِ، وقولِ الزُّور، والغلولِ، والأمنِ من مكر الله، والقُنوطِ من رحمةِ الله، واليأسِ من رَوح الله (١)، والسَّرقة، وتركِ التَّنزُّه من البول، وشتمِ أبي بكرٍ وعمر، والنَّميمةِ، ونكثِ العهد، والصَّفقةِ، وفراقِ الجماعة.
واختلف في حدِّ الكبيرة، فقيل: كلُّ ما أوجب (٢) الحدَّ من المعاصي، وقيل: ما توعّد عليه بنصِّ الكتاب أو (٣) السُّنَّة. وقال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: لم أقف على ضابطٍ للكبيرة، يعني: يسلمُ من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مُرتكبها إشعارَ أصغرِ (٤) الكبائرِ المنصوصِ عليها. قال: وضبطَها بعضُهم بكلِّ ذنبٍ قُرِن به وعيدٌ أو لعنٌ. وقال ابن الصَّلاح: لها أماراتٌ منها إيجاب الحدِّ، ومنها الإيعادُ عليها بالعذابِ بالنَّار ونحوها في الكتاب والسُّنة، ومنها وصفُ فاعلها بالفسقِ، ومنها اللَّعن. وقال أبو العباس القرطبيُّ: كلُّ ذنبٍ أطلقَ عليه بنصِّ كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ أنَّه كبيرةٌ أو عظيمٌ أو أخبر فيه بشدَّةِ العقاب (٥) أو عُلِّق عليه الحدُّ، أو شُدِّد النَّكيرُ عليه، فهو كبيرةٌ.
стр. 11889
وقال ابنُ عبد السَّلام أيضًا: إذا أردتَ معرفةَ الفرقِ بين الصَّغائر والكبائر (١)، فاعرضْ مفسدةَ الذَّنبِ على مفاسدِ الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصتْ عن أقلِّ مفاسد الكبائرِ فهي من الصَّغائر، وإن ساوَتْ أدنى مفاسدِ الكبائرِ فهي من الكبائرِ، فحكمُ القاضي بغير الحقِّ كبيرة، فإنَّ شاهد الزُّور متسبِّبٌ متوسِّلٌ، فإذا جعل السَّببُ كبيرة فالمباشرةُ أكبر من تلك الكبيرةِ، فلو شهدَ اثنان بالزُّور على قتلٍ موجبٍ للقصاصِ فسلَّمه الحاكمُ إلى الوليِّ (٢) فقتلهُ، وكلُّهم (٣) عالمون بأنَّهم باطلون، فشهادة الزُّور كبيرةٌ، والحكم بها أكبرُ منها، ومباشرةُ القتلِ أكبرُ من الحكم.
وحديث الباب سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٦] و «الطِّب» [خ¦٥٧٦٤].
(٤٥) (باب) حكم (قَذْفِ العَبِيدِ) الأرقَّاء، والإضافة فيه إلى المفعولِ، وطوى ذكر الفاعل أو إلى الفاعل.
٦٨٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ) بضم الفاء وفتح المعجمة في الأوَّل، وبفتح المعجمة وسكون الزاي وبعد الواو المفتوحة ألف فنون في الثاني، الضَّبيِّ مولاهم (عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ) بضم النون وسكون العين المهملة، عبد الرَّحمن البجليِّ الزَّاهد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) وعند الإسماعيليِّ: «من قذفَ عبدَه بشيءٍ» (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ) سيِّده عنه (جُلِدَ) السَّيِّد (يَوْمَ القِيَامَةِ) يوم الجزاء عند زوال ملك السَّيِّد المجازي، وانفراد الباري تعالى بالملك الحقيقيِّ والتَّكافؤ في
стр. 11890
الحدودِ، ولا مفاضلة (١) حينئذٍ إلَّا بالتَّقوى (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) المملوكُ (كَمَا قَالَ) السَّيِّد عنه فلا يُجلدُ، وعند النَّسائيِّ من حديثِ ابن عمر: «مَن قذَفَ مملوكَهُ كانَ للهِ في ظهرِهِ حدٌّ يوم القيامةِ إنْ شاءَ أخذَه، وإن شاءَ عفَا عنه»، وظاهره: أنَّه لا حدَّ على السَّيِّد في الدُّنيا؛ إذ لو وجبَ عليه لذكره.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأيمان والنذور»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البِرِّ»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (هَلْ يَأْمُرُ الإِمَامُ رَجُلًا فَيَضْرِبُ الحَدَّ) رجلًا وجب عليه الحدُّ حال كونه (غَائِبًا عَنْهُ) عن الإمام، بأن يقول له: اذهبْ إلى فلانٍ الغائب فأقمْ عليه الحدَّ (وَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁، أخرجه سعيدُ بنُ منصور بسندٍ صحيحٍ عنه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وفعلَه عمر» بإسقاط: قد. وقال في «الفتح»: ثبت هذا في رواية الكُشمِيهنيِّ.
٦٨٥٩ - ٦٨٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقدٍ الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) ﵄ أنَّهما (قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ) من الأعرابِ لم يُسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ:) يا رسول الله (أَنْشُدُكَ اللهَ) فعل ومفعول، ونصب الجلالة بإسقاطِ الخافضِ (٢) أي: أقسم
стр. 11891
عليكَ بالله (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) الجملة من «قضيتَ» في محلِّ الحال، وشرط الفعل الواقعِ حالًا بعد «إلَّا» أن يكون مقترنًا بـ: «قد» أو يتقدَّم «إلَّا» فعلٌ منفيٌّ كقولهِ تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] ولمَّا لم يأتِ هنا شرط الحال قال ابنُ مالك: التَّقدير: ما أسألك إلَّا فعلكَ، فهي في معنى كلامٍ آخر. قال ابنُ الأثيرِ: المعنى: أسألُكَ وأقسمُ عليك أن ترفعَ نشيدَتي أو صوتي بأن تلبِّي دَعوتي وتجيبني. وقال ابنُ مالك في «شواهد التوضيح»: التَّقدير: ما نشدتُك إلَّا الفعل، وبتقدير ابن مالك هنا، وفي «التَّسهيل»: يحصلُ شرط الحال بعد إلَّا، وقولهِ: «بكتاب الله» أي: بحكم الله (فَقَامَ خَصْمُهُ) لم يُسمَّ (-وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ-) جملة معترضةٌ لا محلَّ لها من الإعراب (١) (فَقَالَ: صَدَقَ) يا رسول الله (اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ) أن أقول (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُلْ) ما في نفسكَ أو ما عندكَ (فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بالعين والسين المهملتين وبالفاء: أجيرًا (فِي) خدمةِ (أَهْلِ هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) معطوفٌ على «كان عسيفًا» (فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: وحقِّ الَّذي نفسي بيدِه، فـ «الَّذي» مع صلتهِ وعائدهِ مُقْسَمٌ به، و «نفسي» (٢) مبتدأ، و «بيدِه» في محلِّ الخبر وبه يتعلَّق (٣) حرف الجرِّ، وجوابُ القسم قوله: (لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بما تضمَّنه كتاب الله، أو بحكم الله وهو أولى؛ لأنَّ الحكم فيه التَّغريب، والتَّغريبُ ليس مذكورًا في القرآنِ (المِئَةُ) شاة (وَالخَادِمُ رَدٌّ) أي: مردودٌ (عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ) «جلد» مبتدأ، والخبرُ في المجرور (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) مصدر غرَّب، وهو مضاف إلى ظرفهِ؛ لأنَّ التَّقدير: أن يجلدَ مئة وأن يغرَّب عامًا، وليس هو ظرفًا على ظاهرهِ مقدَّرًا بـ: «في»؛ لأنَّه ليس المراد التَّغريب فيه حتَّى يقعَ في جزءٍ منه، بل المراد: أنْ يخرجَ فيلبث عامًا، فيقدَّر يغربُ (٤) بيغيب؛ أي: يغيب عامًا (وَيَا أُنَيْسُ) هو رجلٌ من أسلم (اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) اذهب إليها
стр. 11892
متأمِّرًا عليها وحاكمًا عليها، و «اغد» مضمَّن (١) معنى اذهب؛ لأنَّهم يستعملون الرَّواح والغدوَّ بمعنى الذَّهاب، يقولون: رحتُ إلى فلان، وغدوتُ إلى، فلانٍ (٢)، فيَعُدْونَهما بـ: «إلى» بمعنى: الذَّهاب (٣)، فيحتملُ أن يكون أتى بـ: «على» لفائدة الاستعلاء (فَسَلْهَا) بفتح السين وسكون اللام بلا همز، هل تعفو عن الرَّجل فيما ذكر عنها من القذفِ أو لا (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَارْجُمْهَا) فذهب أنيسٌ إليها (فَاعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَرَجَمَهَا) بعد أن راجعَ النَّبيَّ ﷺ ، أو بما له من التَّأمير (٤) عليها، والحكم من قِبَلهِ ﷺ ، وإنَّما خصَّ أنيسًا؛ لأنَّه أسلميٌّ والمرأة أسلميَّة.
والحديث سبقَ [خ¦٢٧٢٤] [خ¦٦٦٣٣] [خ¦٦٨٣٥].
стр. 11893
((٨٧)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الدِّيَاتِ) بتخفيف التحتية، جمع: دِيَة، وهي المالُ الواجب بالجنايةِ على الحرِّ في نفسٍ، أو فيما دونها، وهاؤها عوضٌ عن فاءِ الكلمة، وهي مأخوذةٌ من الودي وهو دفع الدِّيَة، يُقال: ودَيْتُ القتيلَ أَدِيه وَدْيًا.
(١) (وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع. قال في «الفتح»: سقطَتْ الواو لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ. انتهى.
قلتُ: والَّذي في الفرع كأصله علامة أبي ذرٍّ على الواو من غير علامةِ السُّقوط، وفي مثلِها يُشير إلى ثبوتها عندَ من رَقم علامتَهُ. (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾) حال من ضميرِ القاتل، أي: قاصدًا قتله لإيمانه وهو كفرٌ، أو قتلهُ مستحلًّا لقتلهِ، وهو كفرٌ أيضًا (﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]) إن جازاهُ، والخلودُ المذكور بعدُ المرادُ به طول المقامِ.
٦٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الضَّبيُّ القاضي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ
стр. 11894
سلمة (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ) بفتح العين وسكون الميم في الأوَّل، وضم المعجمة وفتح الراء وسكون المهملة وكسر الموحدة آخره لام، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هو: عبدُ الله بن مسعود، كما في «باب إثم الزُّناة» بلفظ: عن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله [خ¦٦٨١١] (أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ : (أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا) بكسر النون وتشديد المهملة، مِثْلًا وشريكًا (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (خَلَقَكَ، قَالَ) ابنُ مسعودٍ: (ثُمَّ أَيٌّ؟) قال الزَّركشيُّ: بالتَّنوين والتَّشديد على رأي ابن الخشَّاب. قال في «المصابيح»: بل وعلى قول كلِّ ذي فطرةٍ سليمةٍ. وقد سبق الرَّدُّ على من أوجب الوقف عليه بالسُّكون، ولم يُجِز تنوينهُ بما فيه مَقْنَع في «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٢٧] أي: أيُّ شيءٍ أكبرُ من الذُّنوب بعد الكفرِ؟ (قَالَ) ﷺ : (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «خشيةَ أن» (يَطْعَمَ مَعَكَ) لأنَّك لا ترى الرِّزق من الله، وقول الكِرْمانيِّ لا مفهومَ له؛ لأنَّ القتل مطلقًا أعظم، تعقَّبه في «الفتح» بأنه (١) لا يمتنعُ أن يكون الذَّنبُ أعظمَ من غيره، وبعضُ (٢) أفرادِه أعظمَ من بعض.
(قَالَ) ابن مسعودٍ: يا رسولَ الله (ثُمَّ أَيٌّ؟) كذا في «اليونينيَّة»، وسبقَ توجيهه (٣) (قَالَ) ﷺ : (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ) بالموحَّدة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «حليلةَ» (جَارِكَ) بالحاء المهملة، أي: زوجةَ جارك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَهَا) أي: تصديقَ المسألةِ، أو الأحكام، أو الواقعة، وتصديقها مفعولٌ له (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾) قتلها (﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾) متعلِّقٌ بالفعل (٤) المحذوفِ، أو بـ ﴿لَا يَقْتُلُونَ﴾ (﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) أي: ما ذكر من الثَّلاثة (﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: عقوبةً، وسقط لابنِ عساكرَ من قولهِ «﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾» وقال بعد ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: «الآيةَ». ولأبي ذرٍّ: «﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية» وثبتَ «﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾» للأَصيليِّ، ولغير من ذكر بعد قولهِ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: «الآيةَ».
стр. 11895
٦٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) غير منسوبٍ، وهو: ابنُ الجعد الجوهريُّ الحافظ، وليس هو: ابن المدينيِّ؛ لأنَّه لم يُدركْ إسحاقَ بن سعيد قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَنْ يَزَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا يزال» (المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ) بضم الفاء وسكون السين وفتح الحاء المهملتين، أي: سعةٍ (مِنْ دِينِهِ) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بعدها نون، من الدِّين (مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) بأن يقتل نفسًا بغير حقٍّ، فإنَّه يضيق عليه دِينه؛ لما أوعدَ الله على القتلِ عمدًا بغير حقٍّ بما توعَّد به الكافر.
وفي «معجم الطبراني الكبير» من حديث ابن مسعود بسندٍ رجالهُ ثقات إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا مثل حديث ابن عمر موقوفًا، وزاد في آخره: «فإذا أصابَ دمًا حرامًا نُزعَ منه الحياء»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لن يزالَ المؤمنُ في فُسْحةٍ من ذَنْبه» بذال معجمة مفتوحة فنون ساكنة بعدها موحدة، أي: يصير في ضيقٍ بسببِ ذنبه؛ لاستبعادِه العفو عنه لاستمراره في الضِّيق المذكور، والفُسحة في الذَّنب قبوله للغفران بالتَّوبة، فإذا وقعَ القتلُ ارتفعَ القَبول (١)، قاله ابنُ العربيِّ، قال في «الفتح»: وحاصلُه أنَّه قد فسَّره على رأي ابنِ عمر في عدمِ قبول توبةِ القاتل. انتهى.
والحديثُ من أفرادِه.
٦٨٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ) المسعوديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخبرنا» (إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «إسحاق بن
стр. 11896
سعيد» قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سعيد بن عَمرو بن سعيد بن العاص (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵁ موقوفًا (قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمُورِ) بفتح الواو وسكون الراء من «وَرْطات» مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله. وقال ابنُ مالك: صوابه تحريكها مثل تَمْرة (١) وتَمَرات ورَطْبة ورَطَبات (٢)، وهي جمع: ورْطة -بسكون الراء- وهي (الَّتِي لَا مَخْرَجَ) بفتح الميم والراء بينهما معجمة آخره جيم (لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا) بل يهلك فلا ينجو (سَفْكَ الدَّمِ) نصب بـ «إنَّ» أي: إراقةَ الدَّم (الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ) أي: بغير حقٍّ من الحقوق المحلَّة للسَّفك، وقولهِ: «بغير حلِّه» بعد قولهِ: «الحرام» للتَّأكيد، والمراد بالسَّفك: القتل بأيِّ صفةٍ كانت (٣)، لكن لما كان الأصلُ إراقة الدَّم عبَّر به. وفي التِّرمذِيِّ -وقالَ: حسنٌ- عن عبد الله بن عمرو: «زوالُ الدُّنيا كلُّها أهونُ عندَ الله من قتلِ رجلٍ مسلمٍ».
٦٨٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ) بالرَّفع مبتدأ (مَا يُقْضَى) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول في محلِّ الصِّفة، و «ما» نكرةٌ موصوفةٌ، والعائد الضَّمير في «يُقْضَى» أي: أوَّل قضاءٍ يقضى (بَيْنَ النَّاسِ) أي: يوم القيامة، كما في مسلم (فِي الدِّمَاءِ) قال ابنُ فَرْحون: «في الدِّماء» (٤) في محلِّ رفع الخبر (٥) عن «أوَّل»، فيتعلَّق حرف الجرِّ بالاستقرارِ المقدَّر، فيكون التَّقدير: أوَّل قضاءٍ يُقضى كائن أو مستقرٌّ في الدِّماء. قال: ولا يصحُّ أن يكون يوم في محلِّ الخبر؛ لأنَّ التَّقدير يصير: أوَّل قضاءٍ يُقضى كائن يوم القيامة؛ لعدمِ الفائدةِ فيه، ولا منافاةَ بين قولهِ هنا: «أوَّل ما يُقضى في
стр. 11897
الدِّماء» وبين قولهِ في حديث النَّسائيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «أوَّل ما يُحاسبُ به العبدُ الصَّلاة» لأنَّ حديث الباب فيما بينه وبين غيره من العبادِ، والآخرُ فيما بينه وبين ربِّه تعالى.
٦٨٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بنِ عثمانَ بن جبلةَ بنِ أبي روَّاد العتكيِّ المروزيِّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) اللَّيثيُّ: (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (بْنَ عَدِيٍّ (١)) بفتح العين وكسر الدال المهملتين آخره تحتية مشددة، ابن الخِيَار -بكسر المعجمة وتخفيف التحتية- النَّوفليَّ (حَدَّثَهُ: أَنَّ المِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين (الكِنْدِيَّ) المعروف بابنِ الأسود (حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ) بضم الزاي وسكون الهاء (حَدَّثَهُ وَكَانَ) المقدادُ ﵁ (شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ) حرف شرط (لَقِيتُ كَافِرًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إني» بصيغةِ الإخبار عن الماضِي، فيكون سؤالهُ عن شيءٍ وقع، قالوا: والَّذي في نفسِ الأمر بخلافه، وإنَّما سأل عن حكمِ ذلك إذا وقع، ويؤيِّده رواية «غزوة بدرٍ» [خ¦٤٠١٩] بلفظ: أرأيتَ إن لقيتُ رجلًا من الكفَّار (فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ) بمعجمة، أي:
стр. 11898
التجأَ (بِشَجَرَةٍ) مثلًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثمَّ لاذَ منِّي بشجرةٍ» أي: منع نفسه منِّي بها (وَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ) أي: دخلتُ في الإسلام (أأقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالها؟) أي: كلمةَ: أسلمتُ لله (١) (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَقْتُلْهُ) بالجزم بعد أن قالها (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ طَرَحَ) أي: قطع بالسَّيف (إِحْدَى يَدَيَّ) بتشديد الياء (ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ) القول، وهو: أسلمتُ لله (بَعْدَ مَا قَطَعَهَا (٢) أأقْتُلُهُ (٣)؟) بهمزة الاستفهام كالسَّابق (قَالَ) ﵊ (لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) قال الكِرْمانيُّ فيما نقله عنه في «الفتح»: القتلُ ليس سببًا؛ لكون كلٍّ منهما بمنزلة الآخرِ، لكنَّه مؤوَّلٌ عند النُّحاة بالإخبار، أي: هو سببٌ لإخباري لك (٤) بذلك، وعند البيانيِّين المرادُ لازمُه، كقولهِ: يباحُ دمُك إنْ عصيتَ، والمعنى: أنَّه بإسلامهِ معصوم الدَّم (٥)، فلا تُقطع يدُه بيدِك الَّتي قطعَها في حال كفرِه (وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ) أسلمتُ لله (الَّتِي قَالَـ) ها، والمعنى -كما قاله الخطابيُّ-: إنَّ الكافر مباح الدَّم بحكم الدِّين قبل أن يُسلم، فإذا أسلمَ صار مُصان (٦) الدَّم كالمسلم، فإن قَتَلَه المسلم بعد ذلك صارَ دمُه مباحًا بحقِّ القصاصِ كالكافر بحقِّ الدِّين، وليس المرادُ إلحاقه به في الكفرِ كما تقول الخوارج من تكفيرِ المسلم بالكبيرةِ، وحاصلُه: اتِّحاد المنزلتين مع اختلافِ المأخذِ، فالأوَّل (٧): أنَّه مثلك في صون الدَّم، والثَّاني: أنَّك مثله في الهدرِ، وقيل: معناه: أنَّه مغفورٌ له بشهادةِ التَّوحيد كما أنَّك مغفورٌ لك بشهود (٨) بدرٍ، وفي مسلم من رواية مَعمر عن الزُّهْرِيِّ في هذا الحديث أنَّه قال: لا إله إلا الله.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «السِّيَر».
стр. 11899
٦٨٦٦ - (وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، القصَّاب الكوفيُّ، لا يُعرف اسم أبيه (١): (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن جبير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمِقْدَادِ) المعروف بابنِ الأسود: (إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «رجل ممَّن» (يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ) قال في «الكواكب»: فإن قلت: كيف يقطعُ يدَه وهو ممَّن يكتُم إيمانهُ؟ وأجاب بأنَّه فعل ذلك دفعًا للصَّائل، قال: أو السُّؤال (٢) كأنَّه على سبيلِ الفرض والتَّقدير (٣) والتَّمثيل لاسيَّما وفي بعضِها: إن لقيت، بحرف الشَّرط (فَكَذَلِكَ كُنْتَ أَنْتَ تُخْفِي إِيمَانَكَ بِمَكَّةَ قَبْلُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من قَبْل» (٤).
وهذا التَّعليق وصلَه البزَّار والطَّبرانيُّ في «الكبيرِ».
(٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقطَ ما بعد الباب لأبي ذرٍّ (﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ مَعناها -فيما وصلَه ابنُ أبي حاتم-: (مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقٍّ) من قصاصٍ (﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]) لسلامتِهم منه، ولغير الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حَييَ النَّاس منهُ جميعًا» والمراد من هذه الآية قوله: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] كما يدلُّ عليه ما في أوَّل حديث الباب من قولهِ: «إلَّا كانَ على ابنِ آدمَ الأوَّل كفلٌ منها» [خ¦٦٨٦٧] وفيها تغليظُ أمرِ القتل، والمبالغة في الزَّجرِ (٥) عنه من جهة أنَّ قتل الواحد وقتلَ الجميع سواءٌ في استيجابِ غضب الله وعقابهِ. وقال الحسنُ: المعنى: أنَّ قاتلَ النَّفس الواحدةِ يصيرُ إلى النَّار، كما لو قتلَ النَّاس جميعًا.
وقال في «المدارك»: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ومن استنقذَها من بعضِ أسبابِ الهلكةِ من قتلٍ أو
стр. 11900
غرقٍ أو حرقٍ (١) أو هدمٍ أو غير ذلك، وجعل قتل الواحد كقتلِ الجميع، وكذلك الإحياء ترغيبًا وترهيبًا؛ لأنَّ المتعرِّض لقتل النَّفس إذا تصوَّر أنَّ قتلها كقتل النَّاس جميعًا عَظُم (٢) ذلك عليه فثبَّطهُ، وكذا الَّذي أراد إحياءها إذا تصوَّر أنَّ حكمه حكم إحياءِ جميعِ النَّاس رغب في ذلك.
٦٨٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر الموحدة وفتح الصاد المهملة، ابنُ عقبة أبو عامر السَّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) بضم الميم وفتح الراء مشددة، الخَارِفِيِّ -بالخاء المعجمة والراء والفاء المكسورتين- الكوفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع الهَمْدانيِّ، أحد الأعلام (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ) أي: ظلمًا كما في رواية حفصِ بن غياث [خ¦٣٣٣٥] (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل (كِفْلٌ) بكسر الكاف وسكون الفاء، نصيب (مِنْهَا) زاد في «الاعتصام»: وربَّما قال سفيان: «من دمها»، وزاد في آخره: «لأنَّه أوَّل من سنَّ القتل» [خ¦٧٣٢١].
والحديث سبق في «خلق آدم» [خ¦٣٣٣٥]، وأخرجه مسلم (٣) في «الحدود».
٦٨٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشامُ بن عبد الملك الطيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بالقاف، نسبه أبو الوليد -شيخ المؤلِّف- لجدِّه، فقول أبي ذرٍّ: وقع هنا واقد بن عبد الله، والصَّواب: واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر. هو كذلك لكن لمَّا وقع وجهٌ وهو نسبته لجدِّه، ووقع للمصنِّف في «الأدب»، من رواية خالدِ بن الحارث عن شعبةَ فقال: عن واقد بنِ محمَّد [خ¦٦١٦٦] (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد، وهذا من تقديمِ الاسم
стр. 11901
على الصِّيغة (١)، والتَّقدير: حَدَّثنا شعبة: أخبرني واقدُ بن عبد الله عن أبيه محمَّد أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) في حجَّة الوداع عند جمرةِ العقبة، واجتماع النَّاس للرَّمي وغيره: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي) لا تصيروا بعدَ مَوقفي أو مَوتي (كُفَّارًا يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) مستحلِّين لذلك، أو لا تكُن أفعالُكم شبيهةً بأفعالِ الكفَّار في ضربِ (٢) رقابِ المسلمين، أو المراد: الزَّجر عن الفعلِ، وليس ظاهرُه مرادًا، وقوله: «يضربُ» بالرَّفع على الاستئنافِ بيانًا لقولهِ: «لا ترجعوا»، أو حالًا من ضَمير: «لا ترجعوا»، أو صفة، ويجوزُ جزمُه بتقديرِ شرط، أي: فإنْ ترجعوا يَضرب.
والحديث سبقَ في «العلمِ» [خ¦١٢١] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٧٧].
٦٨٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، ابن عثمانَ أبو بكرٍ العبديُّ مَولاهم الحافظ بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء، النَّخعيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ) هَرِمًا (٣) -بفتح الهاء وكسر الراء- (بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ) جدِّه (جَرِير) بفتح الجيم، ابن عبدِ الله، أسلم في رمضان سنة عشر ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) أي: اطلُبْ منهم الإنصاتَ ليسمعوا الخطبةَ، ثمَّ قالَ النَّبيُّ ﷺ بعد أن أنصتُوا: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا) أي (٤): كالكفَّار (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
стр. 11902
رِقَابَ بَعْضٍ) فيه استعمال «رجعَ» كـ «صار» معنًى وعملًا. قال ابنُ مالك ﵀: وهو ممَّا خفِي على أكثر النَّحويِّين (رَوَاهُ) أي: قوله في الحديثِ: «لا ترجعوا بعدِي كفَّارًا» (أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيع الثَّقفيُّ الصَّحابيُّ ﵁ فيما سبق مطوَّلًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] (وَابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما سبق أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٣٩] كلاهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬).
٦٨٧٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ فِرَاسٍ) بفاء مكسورة فراء بعدها ألف فسين مهملة، ابن يحيى الخارِفِيِّ -بالخاء المعجمة وبعد الألف راء ففاء- (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها موحدة مكسورة، عامر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «عن رسولِ الله ﷺ »، وللأَصيليِّ: «قال النَّبيُّ ﷺ »: (الكَبَائِرُ) وهي كلُّ ما توعِّد عليه بعقاب: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) أي: اتِّخاذ إلهٍ غيره تعالى (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بعصيانِ أمرِهما وتركِ خدمتِهما (أَوْ قَالَ: اليَمِينُ الغَمُوسُ) بفتح الغين المعجمة، وهو الحلفُ على ماضٍ متعمِّدًا للكذبِ، أو أن يحلفَ كاذبًا؛ ليذهبَ بمالِ غيرهِ، وسمِّي غموسًا؛ لأنَّه يغمسُ صاحبهُ في الإثمِ، أو النَّار، أو الكفَّارة (شَكَّ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، وفي «الأيمان والنُّذور»: «واليمين الغموس» [خ¦٦٦٧٥] بالواو من غير شكٍّ.
(وَقَالَ مُعَاذٌ) بضم الميم آخره ذال معجمة، ابنُ معاذ -أيضًا- العنبريُّ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، فيما وصله الإسماعيليُّ (قَالَ: الكَبَائِرُ) هي: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَوْ قَالَ: وَقَتْلُ النَّفْسِ) بدل: عقوق الوالدين، شكَّ شعبة أيضًا، وجوَّز الكِرْمانيُّ أن يكون هذا التَّعليق من مقول ابن بشَّار فيكون موصولًا.
стр. 11903
٦٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ، أبو يعقوب المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ أَبِي بَكْر) أي: ابنُ أنسٍ أنَّه (سَمِعَ) جدَّه (أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالك» (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الكَبَائِرُ).
قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (وَحَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (١) (عَمْرٌو) بفتح العين، زاد أبو ذرٍّ: «وهو: ابن مرزوق» قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ) هو: عبيد الله (عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَكْبَرُ الكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ) بغيرِ حقٍّ (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ -أَوْ قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وفي الحديث دَلالةٌ على انقسامِ الكبائرِ في عِظَمها إلى كبيرٍ وأكبر، ويُؤخذ منه ثبوت الصَّغائر؛ لأنَّ الكبيرة بالنِّسبة إليها أكبرُ منها، ولا يلزمُ من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر استواء رُتبتها في نفسها، فالإشراكُ أكبر الذُّنوب، ولا يُقال: كيف عدَّ الكبائر أربعًا أو خمسًا وهي أكثرُ؛ لأنَّه ﷺ لم يتعرَّض للحصرِ بل ذكر ﷺ في كلِّ مجلسٍ ما أُوحي إليه، أو سنحَ له باقتضاء حال السَّائل وتفاوت الأوقاتِ.
والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٣] و «الأدب» [خ¦٥٩٧٧]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيوعِ» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «القضاءِ» و «التَّفسير» و «القصاصِ».
стр. 11904
٦٨٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، وزُرَارة -بضم الزاي وفتح الراءين بينهما ألف مخففًا- ابن واقدٍ الكلابيُّ النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أَخْبرنا» (هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بُشَير -بضم الموحدة وفتح المعجمة- الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرنا» (حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة وتخفيف التحتية، حصين أيضًا، ابن جندب المُذْحِجي -بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها جيم- التَّابعيُّ الكبير (قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) بالمثلَّثة مولى رسولِ الله ﷺ (¬﵄ يُحَدِّثُ (١) قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف، قبيلة (مِنْ جُهَيْنَةَ) في رمضان سنة سبعٍ أو ثمان (قَالَ: فَصَبَّحْنَا القَوْمَ) أتيناهُم صباحًا بغتةً قبل أن يشعروا بنَا فقاتلنَاهم (فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ) أسامةُ: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمهِ (رَجُلًا مِنْهُمْ) اسمه: مرداسُ بن عَمرو الفدكيُّ، أو مرداسُ بن نَهِيك الفزاريُّ (قَالَ) أسامة: (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين، لحقناهُ (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ) أسامة: (فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ «وطعنتُهُ» بالواو
стр. 11905
بدل الفاء (بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا) المدينة (بَلَغَ ذَلِكَ) أي: قتلِي له بعد قولهِ: لا إلهِ إلَّا الله (النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) أسامة: (فَقَالَ لِي) ﷺ : (يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بعدَ أن» (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ) أسامةُ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) بكسر الواو المشددة بعدها معجمة، أي: لم يكن قاصدًا للإيمان، بل كان غرضُه التَّعوُّذ من القتل (قَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «بعد ما» (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟) وفي مسلم من حديث جُندب بن عبد الله، أنَّه ﷺ قال له: «كيفَ تصنَعُ بلا إلهَ إلَّا اللهُ إذَا جاءَتْ يومَ القيامةِ»؟ (قَالَ) أسامة: (فَمَا زَالَ) ﷺ (يُكَرِّرُهَا) أي: يكرِّر مقالتَهُ: «أقتلتَهُ بعدَ أنْ قال: لا إله إلَّا الله» (عَلَيَّ) بتشديد الياء (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ) لِآمَن من جريرةِ (١) هذه الفعلة، ولم يتمنَّ أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك، وإنَّما تمنَّى أن يكون إسلامه ذلك اليوم؛ لأنَّ الإسلام يجُبُّ ما قبله.
٦٨٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (يَزِيدُ) بن أبي حبيب المصريُّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله (عَنِ الصُّنَابِحِيِّ) بضم الصاد المهملة بعدها نون فألف فموحدة فحاء مهملة مكسورتين، عبد الرَّحمن بن عُسَيلة -بمهملتين- مصغَّرًا (٢) (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ليلة العقبة بمنى، وكانوا اثني عشر نقيبًا (بَايَعْنَاهُ عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ) أي: شيئًا، ففيه حذف المفعول ليدلَّ على العموم (وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) إلَّا بالحقِّ (وَلَا نَنْتَهِبَ) بفوقيَّة قبل الهاء المكسورة من الانتهابِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: