← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

على الصِّيغة (١)، والتَّقدير: حَدَّثنا شعبة: أخبرني واقدُ بن عبد الله عن أبيه محمَّد أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) في حجَّة الوداع عند جمرةِ العقبة، واجتماع النَّاس للرَّمي وغيره: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي) لا تصيروا بعدَ مَوقفي أو مَوتي (كُفَّارًا يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) مستحلِّين لذلك، أو لا تكُن أفعالُكم شبيهةً بأفعالِ الكفَّار في ضربِ (٢) رقابِ المسلمين، أو المراد: الزَّجر عن الفعلِ، وليس ظاهرُه مرادًا، وقوله: «يضربُ» بالرَّفع على الاستئنافِ بيانًا لقولهِ: «لا ترجعوا»، أو حالًا من ضَمير: «لا ترجعوا»، أو صفة، ويجوزُ جزمُه بتقديرِ شرط، أي: فإنْ ترجعوا يَضرب. والحديث سبقَ في «العلمِ» [خ¦١٢١] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٧٧]. ٦٨٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، ابن عثمانَ أبو بكرٍ العبديُّ مَولاهم الحافظ بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّدُ بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء، النَّخعيِّ الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ) هَرِمًا (٣) -بفتح الهاء وكسر الراء- (بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ) جدِّه (جَرِير) بفتح الجيم، ابن عبدِ الله، أسلم في رمضان سنة عشر ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ) أي: اطلُبْ منهم الإنصاتَ ليسمعوا الخطبةَ، ثمَّ قالَ النَّبيُّ ﷺ بعد أن أنصتُوا: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا) أي (٤): كالكفَّار (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ

стр. 11902

رِقَابَ بَعْضٍ) فيه استعمال «رجعَ» كـ «صار» معنًى وعملًا. قال ابنُ مالك ﵀: وهو ممَّا خفِي على أكثر النَّحويِّين (رَوَاهُ) أي: قوله في الحديثِ: «لا ترجعوا بعدِي كفَّارًا» (أَبُو بَكْرَةَ) نُفَيع الثَّقفيُّ الصَّحابيُّ ﵁ فيما سبق مطوَّلًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] (وَابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما سبق أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٧٣٩] كلاهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬). ٦٨٧٠ - وبه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ فِرَاسٍ) بفاء مكسورة فراء بعدها ألف فسين مهملة، ابن يحيى الخارِفِيِّ -بالخاء المعجمة وبعد الألف راء ففاء- (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها موحدة مكسورة، عامر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «عن رسولِ الله ﷺ »، وللأَصيليِّ: «قال النَّبيُّ ﷺ »: (الكَبَائِرُ) وهي كلُّ ما توعِّد عليه بعقاب: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ) أي: اتِّخاذ إلهٍ غيره تعالى (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) بعصيانِ أمرِهما وتركِ خدمتِهما (أَوْ قَالَ: اليَمِينُ الغَمُوسُ) بفتح الغين المعجمة، وهو الحلفُ على ماضٍ متعمِّدًا للكذبِ، أو أن يحلفَ كاذبًا؛ ليذهبَ بمالِ غيرهِ، وسمِّي غموسًا؛ لأنَّه يغمسُ صاحبهُ في الإثمِ، أو النَّار، أو الكفَّارة (شَكَّ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، وفي «الأيمان والنُّذور»: «واليمين الغموس» [خ¦٦٦٧٥] بالواو من غير شكٍّ. (وَقَالَ مُعَاذٌ) بضم الميم آخره ذال معجمة، ابنُ معاذ -أيضًا- العنبريُّ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، فيما وصله الإسماعيليُّ (قَالَ: الكَبَائِرُ) هي: (الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، أَوْ قَالَ: وَقَتْلُ النَّفْسِ) بدل: عقوق الوالدين، شكَّ شعبة أيضًا، وجوَّز الكِرْمانيُّ أن يكون هذا التَّعليق من مقول ابن بشَّار فيكون موصولًا.

стр. 11903

٦٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ، أبو يعقوب المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ أَبِي بَكْر) أي: ابنُ أنسٍ أنَّه (سَمِعَ) جدَّه (أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ: «أنس بن مالك» (¬﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: الكَبَائِرُ). قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (وَحَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (١) (عَمْرٌو) بفتح العين، زاد أبو ذرٍّ: «وهو: ابن مرزوق» قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ) هو: عبيد الله (عَنْ) جدِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَكْبَرُ الكَبَائِرِ الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ) بغيرِ حقٍّ (وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ -أَوْ قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وفي الحديث دَلالةٌ على انقسامِ الكبائرِ في عِظَمها إلى كبيرٍ وأكبر، ويُؤخذ منه ثبوت الصَّغائر؛ لأنَّ الكبيرة بالنِّسبة إليها أكبرُ منها، ولا يلزمُ من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر استواء رُتبتها في نفسها، فالإشراكُ أكبر الذُّنوب، ولا يُقال: كيف عدَّ الكبائر أربعًا أو خمسًا وهي أكثرُ؛ لأنَّه ﷺ لم يتعرَّض للحصرِ بل ذكر ﷺ في كلِّ مجلسٍ ما أُوحي إليه، أو سنحَ له باقتضاء حال السَّائل وتفاوت الأوقاتِ. والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥٣] و «الأدب» [خ¦٥٩٧٧]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «البيوعِ» و «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «القضاءِ» و «التَّفسير» و «القصاصِ».

стр. 11904

٦٨٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، وزُرَارة -بضم الزاي وفتح الراءين بينهما ألف مخففًا- ابن واقدٍ الكلابيُّ النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أَخْبرنا» (هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، ابن بُشَير -بضم الموحدة وفتح المعجمة- الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أخبرنا» (حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة وتخفيف التحتية، حصين أيضًا، ابن جندب المُذْحِجي -بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها جيم- التَّابعيُّ الكبير (قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) بالمثلَّثة مولى رسولِ الله ﷺ (¬﵄ يُحَدِّثُ (١) قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف، قبيلة (مِنْ جُهَيْنَةَ) في رمضان سنة سبعٍ أو ثمان (قَالَ: فَصَبَّحْنَا القَوْمَ) أتيناهُم صباحًا بغتةً قبل أن يشعروا بنَا فقاتلنَاهم (فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ) أسامةُ: (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظُ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمهِ (رَجُلًا مِنْهُمْ) اسمه: مرداسُ بن عَمرو الفدكيُّ، أو مرداسُ بن نَهِيك الفزاريُّ (قَالَ) أسامة: (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين، لحقناهُ (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ) أسامة: (فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ «وطعنتُهُ» بالواو

стр. 11905

بدل الفاء (بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا) المدينة (بَلَغَ ذَلِكَ) أي: قتلِي له بعد قولهِ: لا إلهِ إلَّا الله (النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) أسامة: (فَقَالَ لِي) ﷺ : (يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بعدَ أن» (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ قَالَ) أسامةُ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) بكسر الواو المشددة بعدها معجمة، أي: لم يكن قاصدًا للإيمان، بل كان غرضُه التَّعوُّذ من القتل (قَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «بعد ما» (قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟) وفي مسلم من حديث جُندب بن عبد الله، أنَّه ﷺ قال له: «كيفَ تصنَعُ بلا إلهَ إلَّا اللهُ إذَا جاءَتْ يومَ القيامةِ»؟ (قَالَ) أسامة: (فَمَا زَالَ) ﷺ (يُكَرِّرُهَا) أي: يكرِّر مقالتَهُ: «أقتلتَهُ بعدَ أنْ قال: لا إله إلَّا الله» (عَلَيَّ) بتشديد الياء (حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ) لِآمَن من جريرةِ (١) هذه الفعلة، ولم يتمنَّ أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك، وإنَّما تمنَّى أن يكون إسلامه ذلك اليوم؛ لأنَّ الإسلام يجُبُّ ما قبله. ٦٨٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (يَزِيدُ) بن أبي حبيب المصريُّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مرثد بن عبد الله (عَنِ الصُّنَابِحِيِّ) بضم الصاد المهملة بعدها نون فألف فموحدة فحاء مهملة مكسورتين، عبد الرَّحمن بن عُسَيلة -بمهملتين- مصغَّرًا (٢) (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ليلة العقبة بمنى، وكانوا اثني عشر نقيبًا (بَايَعْنَاهُ عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ) أي: شيئًا، ففيه حذف المفعول ليدلَّ على العموم (وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ) إلَّا بالحقِّ (وَلَا نَنْتَهِبَ) بفوقيَّة قبل الهاء المكسورة من الانتهابِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ:

стр. 11906

«ولا نَنْهَب» بإسقاط الفوقيَّة وفتح الهاء، من النَّهب، كذا في الفرع، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ولا نَبْهَت» بنون مفتوحة فموحدة ساكنة فهاء مفتوحة ففوقية (١) (وَلَا نَعْصِيَ) بالعين والصاد المهملتين، أي: في المعروف كما في الآية (بِالجَنَّةِ) متعلِّقٌ (٢) بقولهِ: بايعناهُ، أي: بايعنَاه بالجنَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ولا نقضِي» بالقاف، أي: ولا نحكُم بالجنَّة من قبلنا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فالجنَّةُ» بالفاء بدل الموحدة والرَّفع، أي: فلنا الجنَّة إن تركنَا ما ذكر من الإشراكِ وما بعده (٣) (إن غَشِينَا) بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين، كذا في الفرع، وفي «اليونينيَّة» وغيرها وعليه شرح الكِرْمانيُّ وتبعه العينيُّ: «إن فعلنَا ذلكَ» أي: ترك الإشراكِ وما بعدهُ (فَإِنْ غَشِينَا) بزيادة الفاء، أي: فعلنا (مِنْ ذَلِكَ) المبايَع على تركهِ (٤) (شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ) أي: حكمهُ (إِلَى اللهِ) إن شاءَ عاقبَ، وإن شاءَ عفَا عنه. قال في «الفتح»: وظاهرُ الحديث: أنَّ هذه البيعةَ على هذه الكيفيَّة كانتْ ليلة العقبةِ، وليس كذلك، وإنَّما كانت ليلة العقبة على المنشَطِ والمكرَهِ في العسرِ واليسر … إلى آخره، وأمَّا البيعة هنا فهي الَّتي تُسمَّى ببيعة النِّساء، وكانت بعد ذلك بمدَّة، فإنَّ آية النِّساء الَّتي فيها البيعة المذكورة نزلتْ بعد عُمرة الحديبية في زمن الهدنةِ وقبل فتحِ مكَّة، فكأنَّ البيعة الَّتي وقعتْ للرِّجال على وفقها كانتْ عام الفتحِ. انتهى. وقد وقع الإلمامُ بشيءٍ من هذا في «كتاب الإيمان» من هذا الشَّرح [خ¦١٨] فليراجع. ٦٨٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضم الجيم وفتح الواو مخفَّفًا، ابنُ أسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ ﵁¬) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابنِ عمر ﵄» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ) أي: قاتلنا (فَلَيْسَ مِنَّا) إن

стр. 11907

استباحَ ذلك، أو أطلق ذلك اللَّفظ مع احتمال إرادةِ أنَّه ليس على الملَّة للمبالغةِ في الزَّجر والتَّخويف (١)، وقوله: «علينا»، يخرجُ به ما إذا حملَه للحراسةِ؛ لأنَّه يحملُه لهم لا عليهم. (رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (أَبُو مُوسَى) عبدُ الله بن قيس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما سيأتي إن شاء الله تعالى موصولًا في «كتاب الفتن» بعون الله وقوَّته [خ¦٧٠٧١]. ٦٨٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) العيشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابنُ درهمٍ الأزديُّ الأزرق قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بنُ أبي تميمةَ، أبو بكرٍ (٢) السَّخْتِيانِيُّ الإمام (وَيُونُسُ) بن عُبيد -بضم العين- أحد أئمَّة البصرة، كلاهما (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بالحاء المهملة بعدها نون ففاء (بْنِ قَيْسٍ) السَّعديِّ البصريِّ، واسمه الضَّحَّاك، والأحنفُ لقبه، أنَّه (قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ) أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالبٍ ﵁ في وقعةِ الجمل، وكان الأحنفُ تخلَّف عنه (فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نفيعُ بن الحارث (فَقَالَ) لي: (أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ) له: (أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ) عليًّا ﵁ (قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بالتَّثنية، فضربَ كلُّ واحدٍ منهما الآخر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بسيفهما» بالإفراد (فَالقَاتِلُ) بالفاء جواب «إذا»، ولأبي ذرٍّ: «القاتل» بإسقاطِها نحو: من يفعل الحسنات اللهُ يشكرُها (وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ) إذا كان قتالُهما بلا تأويلٍ بل على عداوةٍ دنيويَّةٍ، أو طلب مُلْكٍ مثلًا، فأمَّا من قاتلَ أهل البغيِ، أو دفعَ الصَّائل فقتل

стр. 11908

فلا، أمَّا (١) إذا كانا صحابيَّين فأمرهمَا عن اجتهاد لإصلاح الدِّين، وحمل أبو بكرةَ الحديث على عمومهِ حسمًا للمادَّة. قال أبو بكرةَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ) ﷺ (إِنَّهُ) أي: المقتول (كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ) فيه أنَّ من عزمَ على المعصيةِ يأثمُ ولو لم يفعلْها كما استدلَّ به الباقلانيُّ وأتباعه. وأُجيب بأنَّ هذا شرعَ في الفعلِ، والاختلاف إنَّما هو فيمن عزمَ ولم يفعلْ شيئًا. وهذا الحديث سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٣١]. (٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ﴾) أي: فُرِض (﴿عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾) جمع: قتيل، والمعنى: فُرض عليكم اعتبارُ المماثلة والمساواة بين القتلى (﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾) مبتدأ وخبر، أي: الحرُّ مأخوذٌ أو مقتولٌ بالحرِّ (﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ﴾) جهة (﴿أَخِيهِ شَيْءٌ﴾) من العفو؛ لأنَّ عفا لازمٌ، وفائدتُه: الإشعارُ بأنَّ بعض العفو كالعفو التَّامِّ في إسقاط القصاص، والأخ وليُّ المقتول، وذكره بلفظ الأخوة بعثًا له على العطفِ لما بينهما من الجنسيَّة والإسلامِ (﴿فَاتِّبَاعٌ﴾) أي (٢): فليكن اتِّباعٌ، أو فالأمر (٣) اتِّباعٌ (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) أي: يُطالب العافي القاتلَ بالدِّية (٤) مطالبةً جميلة (﴿وَأَدَاء﴾) وليؤدِّ القاتلُ بدل الدَّم (﴿إِلَيْهِ﴾) إلى العافِي (﴿إِحْسَانٍ﴾) بأنْ لا يمطُلَه ولا يبخسَهُ (﴿ذَلِكَ﴾) الحكم المذكور من العفو وأخذ الدِّية

стр. 11909

(﴿تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾) فإنَّه كان في التَّوراة القتل لا غير، وفي الإنجيلِ العفو لا غير، وأُبِيح لنا القصاص والعفو وأخذ المال بطريق الصُّلح توسعةً وتيسيرًا (﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾) التَّخفيف فتجاوزَ ما شُرع له من قتلِ غير القاتلِ أو القتل بعد أخذ الدِّية أو العفو (﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]) في الآخرة، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ … » إلى آخرها، وقال بعد قولهِ: ﴿فِي الْقَتْلَى﴾: «الآيةَ» وسقط للأَصيليِّ من قولهِ «﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾» وقال: «إلى قولهِ ﴿أَلِيمٌ﴾» وقال ابن عساكرَ في روايته: «إلى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾» وزاد الأَصيليُّ في التَّرجمة: «وإذا لم يزلْ يُسألِ القاتل» بضم التَّحتية من يُسأل: «حتَّى أقرَّ، والإقرار في الحدودِ». ولم يذكر المؤلِّف حديثًا في هذا الباب. (٤) (باب سُؤَالِ) الإمام (القَاتِل) أي: المتَّهم به ولم تقمْ عليه به (١) بيِّنة (حَتَّى يُقِرَّ) فيقيم عليه الحدَّ (وَالإِقْرَارِ فِي الحُدُودِ). قال في «الفتح»: كذا للأكثر، ووقع للنَّسفيِّ وكريمةَ وأبي نُعيم في «المستدرك» بحذف الباب، وبعد قولهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: «وإذَا لم يزلْ (٢) يَُسأل القاتل حتَّى أقرَّ، والإقرار في الحدودِ». قال: وصنيعُ الأكثر أشبهُ. ٦٨٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابن يحيى الحافظ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة، أبي الخطَّاب (٣) السَّدوسيِّ الأعمى الحافظ (٤) المفسِّر (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيًّا) لم يُسمَّ (رَضَّ) بفتح الراء والضاد

стр. 11910

المعجمة المشددة، رضخَ ودقَّ (رَأْسَ جَارِيَةٍ) أمَةٍ أو حرَّةٍ لم تبلغْ، وفي بعض طرقِ الحديث أنَّها كانت من الأنصار (بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا) أي: قال لها رسول الله ﷺ : (مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟) الرَّضَّ (أَ) فعلهُ (فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟) و «مَن» استفهاميَّة محلُّها رفعٌ بالابتداء، وخبرُها في فعلها، والعائد الضَّمير في «فعلَ»، و «هذا» مفعول به، ولا يظهرُ إعرابٌ في المبتدأ؛ لأنَّه من أسماءِ الاستفهامِ الَّتي بنيتْ لتضمُّنها معنى حرفِ الاستفهام، وكذا لا يظهرُ إعرابٌ في المفعول؛ لأنَّه من أسماءِ الإشارة، و «بكِ» يتعلَّق (١) بـ «فعلَ»، و «فلانٌ» مصروفٌ. قال ابنُ الحاجب: فلانٌ وفلانةُ كنايةٌ عن أسماءِ الأناسي وهي أعلامٌ، والدَّليل على علميَّتها منعُ (٢) صرف فلانة وليس فيه إلَّا التَّأنيث، والتَّأنيث لا يمنع إلَّا مع العلميَّة، ولأنَّه يمتنع (٣) من دخول الألف واللَّام عليه. انتهى. قال ابن فَرْحون: وفلانةٌ -كما قال- ممتنعٌ، وفلانٌ منصرفٌ وإن كان فيه العلميَّة؛ لتخلُّف السَّبب الثَّاني، والألفُ والنون فيه ليستا (٤) زائدَتين بل هو موضوعٌ هكذا، وقال في «المجيد»: وفُل كنايةٌ عن نكرة (٥) نحو: يا رجل، وهو مختصٌّ بالنِّداء، وفلة بمعنى: يا امرأة، ولام فل ياء، أو (٦) واو، وليس مرخَّمًا من فلان خلافًا للفرَّاء، ووهمَ ابنُ عصفورٍ وابن مالك وصاحب «البسيط» في قولهِم: فل كناية عن العلم كفلان (٧)، وفي «كتاب» سيبويه أنَّه كنايةٌ عن النَّكرة بالنَّقل عن العرب. انتهى. ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «فلان أو فلان» بحذف همزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أفلان» بهمزة الاستفهام «أم فلان» بالميم بدل الواو (حَتَّى) أي: تكرَّر ذلك حتَّى (سُمِّيَ) لها (اليَهُودِيُّ) بضم السين وكسر الميم مشددة، فاليهوديُّ رفع نائب عن الفاعل، ولأبي ذرٍّ: بفتح السين والميم مبنيًّا للفاعل، فاليهوديُّ نصب على

стр. 11911

المفعوليَّة، زاد في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٣] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٦] فأوماتْ برأسها (فَأُتِيَ بِهِ) بضم الهمزة وكسر الفوقية، أي: باليهوديِّ (١) (النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقَرَّ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «به» أي: بالفعل (فَرُضَّ) بضم الراء، أي: دقَّ (رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ) وفي «الإشخاص»: فرضخَ رأسهُ بين حجرين [خ¦٢٤١٣]. والحديث مضى في «الإشخاصِ» [خ¦٢٤١٣] «والوصايا» [خ¦٢٧٤٦]. (٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَتَلَ) شخصٌ شخصًا (بِحَجَرٍ أَوْ بِعَصًا) هل يقتلُ بما قُتل به أو بالسَّيف؟ ٦٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قال الكلاباذيُّ: هو محمد بن عبد الله بنِ نمير، وقال أبو عليِّ بن السَّكن: هو محمَّد بن سلام ((٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديُّ، أبو محمَّد، أحد الأعلام (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، الحافظ أبي بِسْطام العتكيِّ، أميرِ المؤمنين في الحديث (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ) أَمَةٌ أو حرَّةٌ لم تبلغْ، كالغلام في الذَّكر الَّذي لم يبلغْ (عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الضاد المعجمة وبعد الألف حاء مهملة، جمع: وضح. قال أبو عُبيد (٤): حلي الفضَّة (بِالمَدِينَةِ. قَالَ) أنسٌ: (فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ) لم يُسمَّ (بِحَجَرٍ، قَالَ) أنس: (فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ)

стр. 11912

بفتح الراء والميم وبعدها قاف، أي: بقيَّة من الحياة (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ فَرَفَعَتْ) أي: المرأةُ (رَأْسَهَا) أشارت بها لا (فَأَعَادَ) ﷺ (عَلَيْهَا قَالَ: فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا) أن لا (فَقَالَ) ﷺ (لَهَا فِي الثَّالِثَةِ: فُلَانٌ قَتَلَكِ؟ فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا) أي: نعم (١) فلانٌ قتلنِي (فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فسأله فاعترف (فَقَتَلَهُ بَيْنَ الحَجَرَيْنِ) بالألف واللام، ويحتملُ الجنسيَّة والعهد، وهو حجَّة للجمهورِ أنَّ القاتل يُقتل بما قتلَ به ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقوله: ﴿فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وخالف الكوفيُّون محتجِّين بحديث البزَّار: «لا قودَ إلَّا بالسَّيف»، وضعِّف، وقد ذكر البزَّار الاختلاف فيه مع ضعفِ إسنادهِ. وقال ابنُ عديٍّ: طرقُه كلُّها ضعيفةٌ، وعلى تقديرِ ثبوته فإنَّه على خلاف قاعدَتهم في أنَّ السُّنَّة لا تنسخُ الكتاب ولا تخصِّصُه. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود في «الدِّيات»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه. (٦) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾) أوَّل الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي: وفرضنَا على اليهودِ في التَّوراة أنَّ النَّفس مأخوذةٌ بالنَّفس مقتولةٌ بها إذا قتلتها (٢) بغيرٍ حقٍّ (﴿وَالْعَيْنَ﴾) مفقوءة (﴿بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ﴾) مجدوع (﴿بِالأَنفِ وَالأُذُنَ﴾) مقطوعةٌ (﴿بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ﴾) مقلوعةٌ (﴿بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾) أي: ذات قصاصٍ (﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾) من أصحاب الحقِّ (﴿بِهِ﴾) بالقصاصِ وعفا عنه (﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾) فالتَّصدُّق به كفَّارةٌ للمتصدِّق بإحسانهِ (﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ﴾) من القصاصِ وغيره (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]) بالامتناعِ عن ذلك، وهذه الآيةُ الكريمةُ وإن وردتْ في اليهود، فإنَّ حُكمها مستمرٌّ في شريعةِ الإسلامِ لما ذهب إليه أكثر (٣) الأصوليِّين والفقهاء إلى أنَّ شرع من قبلنَا شرعٌ لنا إذا حُكي مُتَقرّرًا (٤) ولم ينسخْ،

стр. 11913

وقد احتجَّ الأئمَّةُ كلُّهم على أنَّ الرَّجل يقتلُ بالمرأةِ بعموم هذهِ الآية (١)، واحتجَّ أبو حنيفة أيضًا بعمومِها على قتل المسلمِ بالكافر الذِّميِّ، وعلى قتل الحرِّ بالعبدِ، وخالفه الجمهور فيهما لحديث «الصَّحيحين» [خ¦١١١]: «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ» (٢) وقد حكى الإمام الشَّافعيُّ الإجماع على خلافِ قول الحنفيَّة في ذلك. وقال ابنُ كثيرٍ: ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهِم إلَّا بدليلٍ مخصِّصٍ للآية، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَالأَنفَ﴾ … » إلى آخرها، وقال بعد ﴿بِالْعَيْنِ﴾: «الآيةَ»، وقال ابنُ عساكرَ: «إلى آخره» وسقط للأَصيليِّ (٣) من قولهِ «﴿وَالْعَيْنَ﴾». ٦٨٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) الخارفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) «أنْ» هي المخفَّفة من الثَّقيلة، بدليل أنَّه عطف عليها الجملة التَّالية، ولأنَّ الشَّهادة بمعنى العلم؛ لأنَّ شرطَها أن يتقدَّمها علمٌ أو ظنٌّ، فالتَّقدير: أشهد أنَّه لا إله إلَّا الله، فحذفَ اسمها وبقيتِ الجملة في محلِّ الخبرِ (وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ) صفةٌ ثانيةٌ ذكرت لبيان أنَّ المراد بالمسلمِ هو الآتي بالشَّهادتين. وقال في «شرح المشكاة»: الظَّاهر أنَّ «يشهدُ» حال جِيء به (٤) مقيِّدًا للموصوف مع صفتهِ إشعارًا بأنَّ الشَّهادة هي العُمدة في حقنِ الدَّم (إِلَّا بِإِحْدَى) خصالٍ (ثَلَاثٍ) وحرف الجرِّ متعلِّق بحال، والتَّقدير: إلَّا متلبِّسًا (٥) بفعلِ إحدى ثلاث، فيكون الاستثناءُ مفرَّغًا لعمل ما قبل «إلَّا» فيما بعدَها، ثمَّ إنَّ المستثنى منه يحتملُ أن يكون من الدَّم، فيكون التَّقدير: لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلَّا دمه متلبِّسًا بإحدى الثَّلاث، ويحتملُ أن يكون الاستثناءُ من امرئٍ، فيكون

стр. 11914

التَّقدير: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ (١) إلَّا امرأً متلبِّسًا بإحدى ثلاث خصالٍ، فمتلبِّسًا حال من امرئٍ، وجاز لأنَّه وصف (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) بالجرِّ والرَّفع، فيحلُّ قتلُها قصاصًا بالنَّفس الَّتي قتلها (٢) عدوانًا وظلمًا (٣)، وهو مخصوصٌ بولي الدَّم لا يحلُّ قتله لأحدٍ سواه، فلو قتلَه غيره لزمهُ القصاص، والباء في «بالنَّفس» للمقابلةِ (وَالثَّيِّبُ) أي: المحصن المكلَّف الحرُّ، ويُطلق الثَّيِّب على الرَّجل والمرأة بشرطِ التَّزوُّج والدُّخول (الزَّانِي) يحلُّ قتله بالرَّجم، فلو قتلَه مسلمٌ غير الإمام فالأظهرُ عند الشَّافعيَّة لا قصاصَ على قاتلهِ لإباحةِ دمهِ، والزَّاني بالياء على الأصل، ويروى بحذفِها اكتفاءً بالكسر كقولهِ تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] (وَالمَارِقُ) الخارج (مِنَ الدِّينِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «والمفارقُ لدينِهِ التَّارك له (٤)» (التَّارِكُ الجَمَاعَةَ) من المسلمين، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «للجماعةِ» بلام الجرِّ. وفي «شرح المشكاة»: و «التَّارك للجماعةِ» صفةٌ مؤكِّدة «للمارقِ» أي: الَّذي تركَ جماعةَ المسلمين، وخرجَ من (٥) جملتِهم، وانفردَ عن (٦) زُمرتهم، واستدلَّ بهذا (٧) الحديث على أنَّ تارك الصَّلاة لا يُقتل بتركها لكونهِ ليس (٨) من الأمور الثَّلاثة، وقد اختُلف فيه، والجمهورُ على أنَّه يُقتل حدًّا لا كفرًا بعد الاستتابةِ، فإن تابَ وإلَّا قُتل، وقال أحمدُ وبعض المالكيَّة وابنُ خُزيمة من الشَّافعيَّة: إنَّه يكفرُ بذلك ولو لم يجحدْ وجوبَها. وقال الحنفيَّة: لا يكفرُ ولا يقتلُ؛ لحديث عبادةَ عند أصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبادِ … » الحديثَ، وفيه: «ومَن لم يأتِ بهنَّ فليسَ له عندَ الله عهدٌ إنْ شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ أدخلَه الجنَّة»، والكافرُ لا يدخلُ الجنَّة. وتمسَّك الإمام أحمد بظواهرِ أحاديث وردتْ في تكفيرِه، وحملها من خالفهُ على المستحلِّ جمعًا بين الأخبارِ، واستثنى بعضُهم مع الثَّلاثة قتلَ الصَّائل فإنَّه يجوزُ قتلهُ للدَّفع.

стр. 11915

والحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الحدود»، والتِّرمذيُّ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «المحاربة». (٧) (باب مَنْ أَقَادَ) أي: اقتصَّ (بِالحَجَرِ). ٦٨٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁ أَنَّ يَهُودِيًّا) لم يُسمَّ (قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ) بضاد معجمة وحاء مهملة، حليٍّ من فضة (لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَا رَمَقٌ) بعضُ الحياة (فَقَالَ) ﷺ لها: (أَقَتَلَكِ؟) بهمزة الاستفهام، أي: فلانٌ، وأسقطه للعلمِ به. نعم ثبت في «اليونينيَّة» (فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا) بنون بدل الياء، وكلاهما يجيء لتفسيرِ سابقهِ، والمراد أنَّها أشارتْ إشارةً مُفهمة يُستفاد منها لو نطقتْ لقالت: لا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ لها (الثَّانِيَةَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «في الثانية» أي: أقتلكِ فلانٌ؟ (فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا) ﷺ (الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا) إشارةً مُفهمة (أَنْ نَعَمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أي نعم» بالتحتية بدل النون، وكلاهما -كما مرَّ- تفسيرٌ لما قبله، والباء في «برأسها» في الثَّلاثة باء الآلةِ (فَقَتَلَهُ) فأمر بقتلهِ بعد اعترافهِ (النَّبِيُّ ﷺ ¬) فقتلَ (بِحَجَرَيْنِ) وفي الباب السَّابق [خ¦٦٨٧٧] «بين الحجرين»، والله أعلم. (٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (مَنْ قُتِلَ) بضم الأول وكسر الثاني (لَهُ قَتِيلٌ). قال في «الكواكب»: فإن قلت: الحيُّ يقتلُ لا القتيل؛ لأنَّ قتلَ القتيلِ محالٌ؟ وأجاب بأنَّ المراد القتيلُ

стр. 11916

بهذا القتل لا بقتلٍ سابقٍ. قال: ومثلُه يذكر (١) في علمِ الكلام على سبيلِ المغلطة (٢). قالوا: لا يمكنُ إيجادُ موجودٍ؛ لأنَّ الموجود إمَّا يُوجده في حال وجودهِ فهو تحصيلُ الحاصل، وإمَّا حال العدمِ فهو جمعٌ بين النَّقيضين، فيُجاب باختيارِ الشِّقِّ الأوَّل؛ إذ ليس إيجادًا للموجود بوجودٍ سابق؛ ليكون تحصيل الحاصل بل إيجادٌ له بهذا الوجودِ، وكذا حديث [خ¦٣١٤٢] «مَن قتلَ قتيلًا فلهُ سلبُهُ» (فَهْو) أي: وليُّ القتيل (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) إمَّا الدِّيَة وإمَّا القِصاص. ٦٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة فألف فنون (٣)، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ البصريُّ، نزيل الكوفة (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير الطَّائيِّ، واسم أبي كثيرٍ صالح (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمنِ بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ خُزَاعَةَ) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة وبعد الألف عين مهملة، القبيلة المشهورة (قَتَلُوا رَجُلًا) وكانت خُزاعة قد غَلبوا على مكَّة وحكموا فيها، ثمَّ أُخرِجوا منها فصاروا في ظاهرهَا، ورواية شَيْبان في «باب كتابة العلم»، من «كتاب العلم» [خ¦١١٢]. قال المؤلِّف محوِّلًا للسَّند: (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) ضدُّ الخوف، ابن المثنى شيخ المؤلِّف،

стр. 11917

ووصله البيهقيُّ من طريق هشام بن عليٍّ السِّيرافيُّ عنه، قال: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) بفتح الحاء (١) المهملة وسكون الراء بعدها موحدة، ابن شدَّاد، ولفظ الحديث له (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ) أي: أنَّ (٢) الشَّأن (عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا) لم يُسمَّ (مِنْ بَنِي لَيْثٍ) بالمثلَّثة، القبيلةُ المشهورةُ المنسوبة إلى ليثِ بن بكرِ بن كنانة بنِ خُزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضر (بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ) اسمُه أحمرُ، واسم الخزاعيِّ الَّذي قُتِل خِرَاش -بالخاء والشين المعجمتين بينهما راء بألف- ابن أميَّة، وذكر ابنُ هشام أنَّ المقتول من بني ليث اسمهُ جندب بن الأكوع. قال في «الفتح»: ورأيتُ في الجزء الثَّالث من «فوائد أبي عليِّ بن خُزيمة» أنَّ اسم الخزاعيِّ القاتل هلال بن أميَّة، فإن ثبتَ فلعلَّ هلالًا لقبُ خِرَاش. وفي «مغازي» ابن إسحاق: حَدَّثني سعيد بن أبي سَنْدَر (٣) الأسلميُّ عن رجلٍ من قومهِ قال: كان معنَا رجلٌ (٤) يقال له: أحمرُ، وكان شُجاعًا وكان إذا نامَ غطَّ، فإذا طرقهم شيءٌ صاحوا به، فيثورُ مثل الأسدِ، فغزَاهم قومٌ من هُذيل في الجاهليَّة، فقال لهم ابن الأثوع -بالثاء المثلثة والعين المهملة-: لا تعجلوا حتَّى أنظرَ فإن كان أحمرُ فيهم فلا سبيلَ إليهم، فاستمعَ إليهم (٥)، فإذا غطيطُ أحمرَ فمَشى إليه حتَّى وضع السَّيف في (٦) صدرِه فقتلهُ، وأغاروا على الحيِّ، فلمَّا كان عام الفتح، وكان الغد من يوم الفتحِ أتى ابن الأثوع الهذليُّ حتَّى دخلَ مكَّة وهو على شركهِ، فرأتْه خُزاعة فعرفوه فأقبَل خِرَاشُ بن أميَّة، فقال: أفْرِجوا عن الرَّجل، فطعنَه بالسَّيف في بطنهِ فوقع قتيلًا (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) وفي رواية شيبان في «العلم» [خ¦١١٢] فأخبر بذلك النَّبيّ ﷺ فركبَ راحلتَه فخطبَ، فقال: (إِنَّ اللهَ حَبَسَ) منعَ (عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء والتَّحتية، الحيوان المعروف المشهور في قصَّةِ أبرهةَ، وهي أنَّه لما غلبَ على اليمن وكان نصرانيًّا بنى كنيسةً، وألزم النَّاس بالحجِّ (٧) إليها،

стр. 11918

فاستغفلَ بعضُ العربِ الحَجَبةَ، وتغوَّط فيها وهرب، فغضبَ أبرهةُ وعزم على تخريبِ الكعبة، فتجهَّز في جيشٍ كثيفٍ واستصحبَ معه فيلًا عظيمًا، فلمَّا قَرُب من مكَّة قدَّم الفيلَ فبركَ الفيلُ، وكانوا كلَّما قدَّموه نحو الكعبة تأخَّر، وأرسل الله عليهم طيرًا مع كلِّ واحدٍ (١) ثلاثة أحجارٍ، حجران في رجليهِ، وحجرٌ في منقارهِ، فألقوها عليهم، فلم يبقَ أحدٌ منهم إلَّا أُصيب وأخذتْه الحكَّة، فكان لا يحكُّ أحدٌ منهم جلدهُ إلَّا تساقطَ لحمهُ (وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ) على أهلِ مكَّة (رَسُولَهُ) ﷺ (وَالمُؤْمِنِينَ) ﵃ (أَلَا) بالتخفيف، إنَّ الله قد حبسَ عنها (وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ) بفتح فكسر (لأَحَدٍ قَبْلِي) الجارُّ يتعلَّق بـ «تحلَّ»، وقيل: يتعلَّق بخبر كان تقديرُه (٢): أي: لا تحلُّ (٣) لأحدٍ كان كائنًا (وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) برفع «تحلُّ»، وزيادةُ «مِنْ» قبلَ «بعدِي»، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي» بإسقاط: «من» (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (وَإِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإنَّها» «بالهاء» بدل: «الميم» (٤)، (أُحِلَّتْ لِي) أن أُقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) ما بين طلوع الشَّمس وصلاة العصر (أَلَا) بالتخفيف (وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ) قوله: «وإنَّها ساعتي»: إنَّ واسمها و «ساعتي» الخبر، و «هذه» يحتملُ أن تكون بدلًا من «ساعتي»، أو عطف بيانٍ، ويحتملُ أن يكون الكلامُ تمَّ عند قوله: «ساعتي»، ثمَّ ابتدأ فقال: هذه -أي: مكة- حرام، ويكون قد حذف صفة «ساعتي»، أي: إنَّها ساعتي الَّتي أنا فيها، وعلى الأوَّل يكون قوله: «حرام (٥)» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي حرامٌ (لَا يُخْتَلَى) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام، لا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي (وَلَا يُعْضَدُ) بالضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول، لا يُقطعُ (شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ) بفتح التحتية، مبنيًّا للفاعل (سَاقِطَتَهَا) نصب مفعول، أي: ما سقطَ فيها بغفلةِ مالكهِ (إِلَّا مُنْشِدٌ) فليس لواجدِها سوى التَّعريف فلا يملكُها عند الشَّافعيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تُلتقط» بضم الفوقية (٦) مبنيًّا للمفعول «ساقطتُها» رفع نائب

стр. 11919

عن الفاعل «إلَّا لمنشدٍ» بزيادةِ لام (١) قبل الميم، والاستثناءُ مفرَّغ؛ لأنَّه متعلِّق (٢) بـ «تلتقط ساقطتُها»، فتلتقطُ بمعنى تُباح، أي: لا تباح (٣) لقطتُها، أو لا تجوزُ «إلَّا لمنشدٍ»، فهو ملموح (٤) منه معنى فعلٍ آخر (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أي: ومن قُتِلَ له قريبٌ (٥) وكان حيًّا، فصار قتيلًا بذلك القتل. وقال في «العمدة»: قتيلٌ فعيلٌ بمعنى مفعولٌ سُمِّي (٦) بما آلَ إليه حاله، وهو في الأصلِ صفةٌ لمحذوفٍ، أي: لوليِّ (٧) قتيلٍ، ويحتملُ أن يُضمّنَ قُتِلَ معنى: وُجِدَ له قتيلٌ. قال (٨): ولا يصحُّ هذا التَّقدير في قولهِ ﵇: «من قتل قتيلًا فله سلبه» والأوَّل من قبيل تسمية العصير خمرًا، وجواب «مَن» الشَّرطية قوله: (فَهْوَ) أي: المقتول له (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى) بضم التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة، أي: يعطي القاتلُ أو أولياؤه لأولياء المقتول الدِّيةَ (وَإِمَّا يُقَادُ) بضم أوَّله والرفع، أي: يُقتل. قال المهلَّب وغيره: يُستفاد منه «أنَّ» الوليَّ إذا سئل في العفو على مالٍ إن شاء قَبِل ذلك وإن شاء اقتصَّ، وعلى الوليِّ (٩) اتِّباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدلُّ على إكراهِ القاتل على بذل الدِّية، ولأبي ذرٍّ: «إمَّا أن يودَى» بزيادة «أنْ» كقولهِ: «وإمَّا أنْ يُقاد» (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ) بالشين المعجمة بعدها ألف فهاء، وهو في محلِّ صفة ثانية، وتركيبه تركيب إضافِي كأبي هريرة (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ) الخطبة الَّتي سمعتها منك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اكْتُبُوا) الخطبة (لأَبِي شَاهٍ) قال ابنُ دقيق العيد: كان قد وقع الاختلافُ في الصَّدر الأول في كتابة غيرِ القرآن، ووردَ فيه نهيٌ، ثمَّ استقرَّ الأمرُ بين النَّاس على الكتابة؛ لتقييدِ العلم بها، وهذا الحديثُ يدلُّ على ذلك لإذنه ﵊ لأبي شاهٍ (ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو: العبَّاس بنُ عبد المطَّلب ﵁ (فَقَالَ (١٠): يَا رَسُولَ اللهِ: إِلَّا الإِذْخِرَ) بكسر

стр. 11920

الهمزة وبالمعجمتين، الحشيشُ المعروف ذا العَرْف الطَّيِّب (فَإِنَّمَا) بالميم بعد النون (نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا) للسَّقف فوق الخشب (وَقُبُورِنَا) لنسدَّ (١) به فرج اللَّحد المتخلَّلة بين اللَّبِنات، والاستثناءُ من محذوفٍ يدلُّ عليه ما قبله، تقديرُه: حرم الشَّجر والخَلا إلَّا الإذخر، فيكون استثناء (٢) متِّصلًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بما أوحي إليه: (إِلَّا الإِذْخِرَ. وَتَابَعَهُ) أي: تابع حربَ بن شدَّاد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابن موسى بن باذام الكوفيُّ شيخ المؤلِّف في روايته (عَنْ شَيْبَانَ) بن عبد الرَّحمن عن يحيى عن أبي سلمة (فِي الفِيلِ) بالفاء، وهذه المتابعة وصلَها مسلمٌ (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (بَعْضُهُمْ) هو: الإمام محمد بن يحيى الذُّهليُّ النَّيسابوريُّ (عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ) الفضلِ بن دُكين: (القَتْلَ) بالقاف والفوقيَّة. (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين، ابن موسى بن باذام -في روايته عن شيبان بالسَّند المذكور-: (إِمَّا أَنْ يُقَادَ) بضم التحتية (أَهْلُ القَتِيلِ) أي: يؤخذُ لهم بثأرهِم. وهذا وصلَه مسلمٌ بلفظ: «إمَّا أن يُعطي الدِّية، وإمَّا أن يُقاد أهل القتيل». ٦٨٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ دينار (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو: ابنُ جبر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ). قال في «الفتح»: أنَّث «كانَتْ» باعتبار معنى القِصاص، وهو المماثلةُ والمساواةُ. وقال العينيُّ: باعتبارِ مَعنى المقاصَّة (وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ) وكانت في شريعةِ عيسى ﵇ الدِّية فقط، ولم يكُن فيها قصاصٌ، فإن ثبتَ ذلك امتازت شريعةُ الإسلام بأنَّها جمعت الأمرين، فكانت وسطى لا إفراطَ ولا تَفريط (فَقَالَ اللهُ) تعالى في كتابِه (لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ مفسِّرًا لقولهِ

стр. 11921

تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾: (فَالعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ) وليُّ المقتولِ (الدِّيَةَ فِي العَمْدِ) ويترك الدَّم (قَالَ) ابنُ عبَّاس أيضًا: (﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]) هو (أَنْ يَطْلُبَ) وليُّ المقتول الدِّية من القاتلِ (بِمَعْرُوفٍ) ولأبي ذرٍّ: «أن يُطلَب» بضم التحتية وفتح اللام مبنيًّا للمفعول (وَيُؤَدِّيَ) القاتل الدِّية (بِإِحْسَانٍ) وذكر الطَّبريُّ عن الشَّعبيِّ: أنَّ هذه الآية نزلتْ في حيَّين من العربِ كان لأحدهما طَوْلٌ على الآخرِ في الشَّرف، فكانوا يتزوَّجون من نسائِهم بغير (١) مهرٍ، وإذا قُتل منهم عبدٌ قتلوا به حرًّا، أو امرأةً قتلوا بها رجلًا. تنبيه: قال في «الفتح»: قوله: «فقال الله لهذه الأمَة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾» كذا وقع في روايةِ قتيبة، ووقع هنا عند أبي ذرٍّ والأكثر، ووقع هنا في رواية النَّسفيِّ والقابسيِّ: «إلى قولهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾» ووقع في روايةِ ابن أبي (٢) عمر في «مسنده» ومن طريقه أبو (٣) نُعيم في «المستخرج»: «إلى قوله في هذه الآية» وبهذا يظهرُ المراد، وإلَّا فالأوَّل يُوهم أن قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ في آيةٍ تلي الآية المبدوء بها، وليس كذلك. انتهى. (٩) (باب) حكمِ (مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ (٤) بِغَيْرِ حَقٍّ). ٦٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا (٥) شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حَمْزة (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حُسين -بضم الحاء المهملة- النَّوفليِّ، نسبه إلى جدِّه، قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابنِ مطعم القرشيُّ

стр. 11922

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ) أبغضُ أفعل التَّفضيل بمعنى المفعول، من البغض، وهو شاذٌّ، ومثلُه أَعْدَم من العَدَمِ؛ إذا افتقرَ، وإنَّما يُقال أفعلُ من كذا للمُفاضلةِ في الفعل الثَّلاثي. وقال في «الصِّحاح»: وقولهم: ما أبغضه لي، شاذٌّ لا يُقاس عليه، والبغضُ من الله إرادةُ إيصال المكروهِ، والمراد بالناس: المسلمون (ثَلَاثَةٌ) امرؤ (مُلْحِدٌ) بضم الميم وسكون اللام وكسر الحاء بعدها دال مهملتين، مائلٌ عن القصد (فِي الحَرَمِ) المكيِّ. قال سفيان الثَّوريُّ في «تفسيرهِ» عن السُّديِّ عن مُرَّة عن عبد الله -يعني: ابنَ مسعود-: وما مِن رجلٍ يهمُّ بسيِّئةٍ فتكتب عليه، ولو أنَّ رجلًا بعدَنِ أَبْين همَّ أنْ يقتلَ رجلًا بهَذَا البيتِ لأذاقَهُ (١) اللهُ من عذابٍ أليم. وفي «تفسير ابن أبي حاتم»: حَدَّثنا أحمدُ بنُ سنان: حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون: أَخبرنا شعبة عن السُّديِّ أنَّه سمع مُرَّة يحدِّث عن عبد الله -يعني: ابن مسعود- في قولهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] قال (٢): لو أنَّ رجلًا أراد فيه بإلحادٍ بظُلْمٍ وهو بعدَنِ أَبْين لأذاقَهُ الله من العذابِ الأليمِ. قال شعبة: هو رفعَه لنا وأنا لا أرفعهُ لكم. قال يزيد: هو قد رفعهُ. ورواهُ أحمد عن يزيد بنِ هارون به. قال الحافظُ ابنُ كثير: هذا الإسنادُ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ووقفُه أشبَه من رفعهِ، ولهذا صمَّم شعبة على وقفهِ من كلامِ ابن مسعودٍ، وكذا رواه أسباطُ وسفيان الثَّوريُّ، عن السُّديِّ، عن مُرَّة عن ابنِ مسعود. انتهى. واستُشكلَ: فإنَّ ظاهره: أنَّ فعل الصَّغيرة في الحرم المكيِّ أشدُّ من فعلِ الكبيرة في غيرهِ. وأُجيب بأنَّ الإلحاد في العُرْف مستعملٌ (٣) في الخارج عن الدِّين، فإذا وصفَ به من ارتكبَ معصيةً كان في ذلك إشارةً إلى عِظمها، وقد يؤخذُ ذلك من سياق قولهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فإنَّ الإتيان بالجملةِ الاسميَّة يفيدُ ثبوت الإلحادِ

стр. 11923

ودوامه، والتَّنوين للتَّعظيم، فيكون إشارةً إلى عظم الذَّنب. وقال ابنُ كثير: أي: يهمُّ فيه بأمرٍ فظيعٍ من المعاصي الكبار. وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنَّه ظلمٌ ليس بمتأوِّلٍ. وقال ابن عبَّاس -فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة-: ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشركٍ. وقال مجاهد: أن يعبدَ غير الله، وهذا من خصوصياتِ الحرم، فإنَّه يعاقب النَّاوي فيه الشَّرَّ إذا كان عازمًا عليه ولو لم يُوقعه (وَ) (١) ثاني الثَّلاثة الَّذين هم أبغضُ النَّاس إلى الله: (مُبْتَغٍ) بضم الميم وسكون الموحدة وبعد الفوقية غين معجمة، طالب (فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ) اسم جنسٍ يعمُّ جميع ما كان عليه أهل الجاهليَّة من الطِّيرة والكهانةِ والنَّوح وأخذِ الجار بجاره، وأن يكون له حقٌّ (٢) عند شخصٍ فيطلبهُ من غيره (وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) بضم الميم وتشديد الطاء وكسر اللام بعدها موحدة، مفتعلٌ من الطَّلب، أي: متطلِّب، فأبدلت التاء طاء وأدغمتْ في الطاء، أي: المتكلِّف للطَّلب المبالغ فيه (لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) بضم التحتية وفتح الهاء وتسكن، وخرج بقولهِ: «بغير حقٍّ»، من طلبَ بحقٍّ (٣) كالقصاص مثلًا. وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: الإهراقُ هو المحظور المستحقُّ لمثل هذا الوعيد لا مجرَّد الطَّلب. وأجاب بأنَّ المراد الطَّلب المترتِّب عليه المطلوب، أو ذكر الطَّلب ليلزم في الإهراق بالطَّريق (٤) الأولى، ففيه مبالغةٌ. والحديث من أفرادهِ. (١٠) (باب العَفْوِ) من وليِّ المقتول عن القاتلِ (فِي) القتلِ (الخَطَأ) بأن لم يقصدْ كأن زلقَ فوقع عليه (بعْدَ المَوْتِ) يتعلَّق بـ «العفو» أي: بعد موتِ المقتولِ، وليس المراد عفو المقتولِ؛ إذ هو محالٌ كما لا يخفى.

стр. 11924

٦٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فروةُ بنُ أبي المَغْرَاء» -بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا-، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد الهاء المكسورة راء، أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂، أنَّها قالت: (هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ) بضم الهاء وكسر الزاي، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ من قولهِ «عن أبيه … » إلى آخره، ولفظ عليِّ بن مُسْهِر سبق (١) في «باب من حنثَ ناسيًا»، من «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٨]. وحوَّل المصنِّف السَّند فقال: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الواسطيُّ النِّشائيُّ -بالنون المكسورة والشين المعجمة بعدها مدَّة- كان يبيعُ النِّشاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا) وزاد ابنُ عساكرَ وأبو ذرٍّ عن المُستملي: «يعني: الواسطي» واللَّفظ له لا لعليِّ بن مُسْهر (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ) بفتح الصاد المهملة والراء المخففة بعدها معجمة (يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ فِي النَّاسِ) الَّذين يقاتلون: (يَا عِبَادَ اللهِ) احذروا، أو اقتلوا (أُخْرَاكُمْ) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ) بضم الهمزة فيها (حَتَّى قَتَلُوا اليَمَانِ) بفتح التحتية والميم المخففة وبعد الألف نون مكسورة، مصحَّحٌ عليها في الفرع، وفي غيرهِ (٣) بفتحها مصحَّح (٤) عليها أيضًا، أي: قتل المسلمون اليمانَ والد حذيفة (فَقَالَ حُذَيْفَةُ): هذا (أَبِي أَبِي) مرَّتين لا تقتلوهُ، فلم يسمعوا منه (فَقَتَلُوهُ) خطأ ظانِّين أنَّه من المشركين (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) قال في «الكواكب»: فدعا لهم وتصدَّق بديتهِ على المسلمين (قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ) أي: من المشركين (قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ) البلد المشهور.

стр. 11925

والحديث سبقَ في «باب صفة إبليس»، من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٠]. (١١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾) وما صحَّ له ولا (١) استقامَ وليس من شأنهِ (﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾) ابتداءً بغير حقٍّ (﴿إِلاَّ خَطَئًا﴾) صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلًا خطأ، أو على الحال، أي: لا يقتلهُ في شيءٍ من الأحوالِ إلَّا حال الخطأ، أو مفعول له، أي: لا يقتله لعلَّة إلَّا للخطأ (﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾) قتلًا (﴿خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: فعليه تحريرُ رقبةٍ، أي: عتقها، والرَّقبة: النَّسمة (﴿مُّؤْمِنَةٍ﴾) محكوم بإسلامها، قيل: لما أخرج نفسًا مؤمنةً من جملة الأحياء لزمَه أن يُدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأنَّ إطلاقَها من قيد الرِّقِّ كإحيائها من قبل أنَّ الرَّقيق ملحقٌ بالأموات؛ إذ الرِّقُّ أثرٌ من آثار الكفر، والكفرُ موتٌ حكمًا ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وإنَّما وجب عليه ذلك لما ارتكبه من الذَّنب العظيم وإن كان خطأً (﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾) مؤدَّاة إلى ورثتهِ عوضًا عمَّا فاتَهُم من قريبهِم يقتسمونها كما يقتسمون الميراثَ لا فرق بينها وبين سائر التَّرِكات، فيقضى منها الدَّين وتنفَّذ الوصية … إلى آخره، وإنَّما تجب على عاقلةِ القاتلِ لا في ماله (﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾) أي: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، أي: يعفوا عنه فلا تجب (﴿فَإِن كَانَ﴾) المقتول خطأً (﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾) أعداءً لكم، أي: كفرةً محاربين والعدوُّ يُطلق على الجمع (﴿وَهُوَ﴾) أي: المقتولُ (﴿مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾) فعلى قاتلهِ الكفَّارة دون الدِّية لأهله؛ إذ لا وراثةَ بينه وبينهم؛ لأنَّهم محاربون (﴿وَإِن كَانَ﴾) أي: المقتول (﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾) بين المسلمين (﴿وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾) عهد ذمَّةٍ أو هدنةٍ (﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾) كالمسلم ولعلَّه فيما إذا كان المقتولُ معاهدًا، أو كان له وارثٌ مسلم (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) رقبةً بأن لم (٢) يملكْها ولا ما يتوصَّل به إليها (﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾) فعليه صيام شهرين (﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾) لا إفطارَ بينهما، بل يسردُ صومَهما

стр. 11926

إلى آخرهمَا، فإن أفطرَ من غيرِ عذرٍ من مرضٍ، أو حيضٍ، أو نفاسٍ استأنف (١) (﴿تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ﴾) أي: قبولًا من الله ورحمةً منه، من تابَ الله عليه إذا قَبِل توبتَهُ، يعني: شرعَ ذلك توبةً منه (٢)، أو فليتبْ توبةً، فهو نصب على المصدر (﴿وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا﴾) بما أمر (﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]) فيما قدَّرَ، وسقط لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ من قولهِ «﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾» إلى «﴿حَكِيمًا﴾»، وقالا (٣) بعد قولهِ: ﴿إِلاَّ خَطَئًا﴾: «الآيةَ» وهذه الآية أصلٌ في الدِّيات، فذكر فيها ديتين وثلاث كفَّارات؛ ذكر: الدِّية والكفَّارة بقتل المؤمن في دارِ الإسلام، والكفَّارة دون الدِّية في قتلِ المؤمن في دار الحربِ في صفِّ المشركين إذا حضر معهم الصَّف فقتله مسلمٌ، وذكر الدِّية والكفَّارة في قتل الذِّميِّ في دار الإسلامِ، ولم يذكرِ المؤلِّف في هذا الباب حديثًا عند الأكثرِ. (١٢) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا أَقَرَّ) شخصٌ (بِالقَتْلِ مَرَّةً) واحدةً (قُتِلَ بِهِ) أي: بذلك الإقرارِ، وسقط لفظ «باب» للنَّسفيِّ، وقال بعد قوله: ﴿خَطَئًا﴾: «الآية. وإذَا أَقَرَّ … » إلى آخره، ثمَّ ذكر الحديث كغيره، وحينئذٍ فيحتاجُ إلى مناسبةٍ بين الآية والحديثِ ولم تظهرْ أصلًا، فالصَّواب -كما في «الفتح» - إثبات الباب كما في رواية غير النَّسفيِّ. ٦٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) غير منسوب. قال أبو عليٍّ الجيانيُّ: يشبه أن يكون ابن منصور، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (حَبَّانُ) وقال الحافظ ابن حجرٍ: ولا يبعدُ أن يكون إسحاق هذا ابنَ رَاهُوْيَه، فإنَّه كثير الرِّواية عن حَبَّان، أي: بفتح

стр. 11927

الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ابن هلالٍ الباهليُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى بن دينار البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، ولأبي ذرٍّ: «عن قتادة» أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ) دقَّ رأسها (بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا) مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، والقائمُ مَقام الفاعلِ ضمير المصدرِ (١)، أي: قيل قول، فقال النَّبيُّ ﷺ لهَا: (مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟) استفهام ليعرف المتَّهم من غيره فيطالب، فإن اعترف أُقِيم عليه الحكم (٢) (أَفُلَانٌ أَفُلَانٌ) فعل بك ذلك؟ (حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ) بضم السين مبنيًّا للمفعول، واليهوديُّ: رفع نائب الفاعل (فَأَوْمَأَتْ) بالهمزِ بعد الميم (بِرَأْسِهَا) أن (٣) نعم (فَجِيءَ بِاليَهُودِيِّ) فسُئل (فَاعْتَرَفَ) بذلك، «فاعترفَ» معطوف على محذوفٍ (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالحِجَارَةِ) بضم الراء مِن «فَرُضَّ» (٤)، مبنيًّا للمفعول، والحجارةُ بالجمع (وَقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ) بالتَّثنية. ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة مأخوذةٌ من إطلاق قولهِ: «فجيءَ باليهوديِّ فاعترفَ»، فإنَّه لم يذكر فيه عددًا، والأصل عدمُه. والحديث سبقَ في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٣] و «الوصايا» [خ¦٢٧٤٦] و «الدِّيات»، في «باب من أقاد بالحجر» [خ¦٦٨٧٩]، وأخرجه بقيَّة الجماعة، والله الموفِّق (٥). (١٣) (باب قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ). ٦٨٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح

стр. 11928

الراء آخره مهملة مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابنُ أبي عَرُوبة (١) (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ) بسببِهَا (٢) (قَتَلَهَا عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا) بفتح الهمزة وسكون الواو وبعدها ضاد معجمة فألف فحاء مهملة، حليٌّ من الدَّراهم الصِّحاح، قالهُ الجوهريُّ، وسُمِّي به؛ لأنَّه من الفضَّة وهي بيضاء، والوضحُ البياضُ، وصرَّح في رواية: «بالحلي» بدل: الأوضاح. ومطابقة الحديث للتَّرجمة واضحةٌ، وفيه دليلٌ على أنَّ القتلَ بالحجر والمثقَّل الَّذي يحصلُ به القتل غالبًا يوجبُ القصاص، وهو قولُ أكثر أهل العلم كمالكٍ والشَّافعيِّ، ولم ير بعضُهم القصاص إذا كان القتل بالمثقَّل، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. (١٤) (باب القِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الجِرَاحَاتِ. وَقَالَ أَهْلُ العِلْمِ) أي: جمهورهم: (يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ. وَيُذْكَرُ) بضم أوَّله (عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (تُقَادُ المَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ) بضم الفوقية بعدها قاف، أي: يقتصُّ منها إذا قتلت الرَّجل (فِي كُلِّ) قتلٍ (عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَه) نفس الرَّجل (فَمَا دُونَهَا) دون النَّفس (مِنَ الجِرَاحِ) في كلِّ عضوٍ من أعضائهَا عند قطعِهَا من أعضائهِ، وهذا وصلَهُ سعيدُ بن منصورٍ من طريق النَّخعيِّ. قال: كان فيما جاءَ به عروةُ البارقيُّ إلى شُرَيح من عند عمر قال: جُرْح الرِّجال والنِّساء سواءٌ، وسندُه صحيحٌ، لكن (٣) لم يصحَّ سماع النَّخعيِّ من شُريح، فلذا ذكر المؤلِّف أثر عمر بصيغة التَّمريض (وَبِهِ) أي: بما رواه عمر ﵁ (قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ. أخرج ابن أبي شيبة من طريق الثَّوريِّ، عن جعفر بن بُرْقان عن عمر بن عبد العزيز عن مُغيرة عن إبراهيم النَّخعيِّ قال: القِصاص بين الرَّجل

стр. 11929

والمرأة في العَمْد سواء (١) (وَأَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنْ أَصْحَابِهِ) كعبد الرَّحمن بن هُرْمز الأعرج، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزُّبير. أخرج البيهقيُّ من طريقِ عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه قال: وكلُّ من أدركتُ من فقهائنا، وذكر السَّبعة في مشيخةٍ سواهم أهل فقهٍ وفضلٍ ودينٍ أنَّهم كانوا (٢) يقولون: المرأةُ تُقَاد بالرَّجل عينًا بعينٍ وأذنًا بأذنٍ، وكلُّ شيءٍ من الجراح (٣) على ذلك، وإن قتلها قُتِل بها (وَجَرَحَتْ) بالجيم المفتوحة (أُخْتُ الرُّبَيِّعِ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة بعدها عين مهملة، بنت النَّضْر -بنون مفتوحة فمعجمة ساكنة- (إِنْسَانًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : القِصَاصُ) بالرفع في الفرع، وفي غيره بالنَّصب على الإغراء، وللنَّسفيِّ (٤): «كتاب الله القصاص» وهذا طرفٌ من حديث أخرجه مسلمٌ من طريق حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ أخت الرُّبيِّع أمَّ حارثة جرحتْ إنسانًا. قال أبو ذرٍّ: كذا وقع هنا، والصَّواب: الرُّبيِّع بنت النَّضر عمَّة أنسٍ، وقيل: الصَّواب: وجرحتْ الرُّبيِّع، بحذف لفظ أخت، وهو موافق لما في «البقرة» من وجه آخر عن أنس (٥): أنَّ الرُّبيِّع بنت النَّضر عمَّته كسرتْ ثنيَّة جارية [خ¦٤٥٠٠] وقد جزمَ ابن حزمٍ بأنَّهما قضيَّتان (٦) صحيحتان وقعتا لامرأةٍ واحدةٍ إحداهما أنَّها جرحت إنسانًا فقضي عليها بالضَّمان، والأخرى أنَّها كسرت ثنيَّة جاريةٍ فقضي عليها بالقصاصِ. ٦٨٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابن بحر» الباهليُّ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ)

стр. 11930

بن عتبة بن مسعود (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: لَدَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ ¬) بفتح اللام والدال المهملة بعدها (١) أخرى ساكنة ثمَّ نون من اللُّدُود، أي: جعلنا في أحدِ شقَّي فمه بغير اختيارهِ دواء (فِي مَرَضِهِ) الَّذي توفِّي فيه (فَقَالَ) ﷺ : (لَا تَلُدُّونِي) بضم اللام (فَقُلْنَا): امتناعه (كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) فرفع (٢) «كراهيةُ» خبر مبتدأ محذوفٍ، ولأبي ذرٍّ: «كراهيةَ» بالنَّصب مفعولًا (٣) له، أي: نهانا لكراهته (٤) الدَّواء، أي: لم يَنْهَنَا نهي تحريمٍ، بل كرهه كراهية المريض للدَّواء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الدَّواء» بالألف واللام بدل: لام الجرِّ (فَلَمَّا أَفَاقَ) ﷺ (قَالَ: لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا لُدَّ) قصاصًا لفعلهم وعقوبةً لهم؛ لتركهم امتثالَ نهيه عن ذلك، وفيه إشارةٌ إلى (٥) مشروعيَّة القِصاص (٦) من المرأة بما جنتْه على الرَّجل؛ لأنَّ الَّذين لدُّوه كانوا رجالًا ونساء، وقد ورد التَّصريح في بعض طرقهِ بأنَّهم لدُّوا ميمونة وهي صائمةٌ من أجل عمومِ الأمر (غَيْرَ العَبَّاسِ) بنصب «غير»، ولأبي ذرٍّ بالرفع، فلا تلُدُّوه (فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) لم يحضرْكم حالة اللُّدود. وفي الحديث أَخْذُ الجماعة بالواحدِ، وسبقَ في «باب مرض النَّبيِّ ﷺ ووفاته» [خ¦٤٤٥٨]. (١٥) (باب مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ) من جهةِ غريمهِ (أَوِ اقْتَصَّ) منه في نفسٍ أو طرفٍ (دُونَ السُّلْطَانِ).

стр. 11931

٦٨٨٧ - ٦٨٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (أَنَّ الأَعْرَجَ) عبد الرَّحمن بن هُرْمز (١) (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) وزادَ (٢) أبو ذرٍّ: «يومَ القيامة». (وَبِإِسْنَادِهِ) أي: الحديث السَّابق إلى النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال (٣): (لَوِ اطَّلَعَ) بتشديد الطاء (فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ) أن يطَّلع فيه (خَذَفْتَهُ (٤)) بالخاء والذال المعجمتين المفتوحتين ففاء، رميتهُ (بِحَصَاةٍ) أي: بأن جعلَها بين إبهامهِ وسبَّابته (فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ) فقلعتَها، أو أطفأتَ ضوءها، ولأبي ذرٍّ: «حذفته» بالحاء «المهملة» بدل: «المعجمة». قال القرطبيُّ: الرِّواية بالمهملة خطأ؛ لأنَّ في نفس الخبر أنَّه الرَّمي بالحصاة، وهو بالمعجمة جزمًا (مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) بضم الجيم، من إثمٍ ولا مؤاخذة. وفي رواية صحَّحها ابن حبَّان والبيهقيُّ: «فلا قَوَدَ ولا دِيَة» وهذا مذهبُ الشَّافعيَّة، وعبارة النَّوويِّ: ومن نظرَ إلى حُرَمهِ في دارهِ من كوَّةٍ أو ثقبٍ، فرماهُ بخفيفٍ -كحصاةٍ- فأعماهُ، أو أصاب قربَ عينه فجرحهُ، فمات فهدرٌ بشرط عدم محرمٍ وزوجة للنَّاظر. انتهى. والمعنى فيه المنع من النَّظر، وإن كانت حُرَمُه مستورةً أو في منعطفٍ (٥) لعموم الأخبارِ، ولأنَّه لا يدري مَتى تستترُ وتنكشفُ، فيحسمُ باب النَّظر، وخرج بالدَّار المسجد والشَّارع ونحوهما، وبالثُّقب الباب والكوَّة الواسعة، والشُّباك الواسعُ العيون، وبقُرب عينه ما لو أصابَ موضعًا بعيدًا عنها، فلا يهدرُ في الجميع. وقال المالكيَّة: الحديثُ خرج مخرجَ التَّغليظ، وقوله في الحديث: «ولم يأذنْ له» احترازٌ عمَّن اطَّلع بإذن.

стр. 11932

٦٨٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّ رَجُلًا) هو: الحكمُ بن أبي (١) العاص (اطَّلَعَ) بتشديد الطاء (فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَدَّدَ) بالسين المهملة وتشديد الدال المهملة الأولى، كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ، أي: صوَّب (إِلَيْهِ) النَّبيُّ ﷺ (٢) (مِشْقَصًا) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة بعدها قاف مفتوحة فصاد مهملة، منصوب على المفعوليَّة، النَّصل العريض، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والباقين: «فشدَّد» بالشين المعجمة. قال عياض: هو وهمٌ. قال يحيى: (فَقُلْتُ) لحُمَيدٍ: (مَنْ حَدَّثَكَ بهذا) الحديث؟ (قَالَ): حَدَّثني به (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁. وهذا الحديث صُوْرته في الأوَّل مرسل؛ لأنَّ حُمَيدًا لم يدرك القصَّة، وقوله: «فقلت: من حدَّثك بهذا؟ قال: أنس»، يدلُّ على أنَّه مسندٌ موصولٌ. (١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا مَاتَ) شخصٌ (فِي الزِّحَامِ أَوْ قُتِلَ) ولابن بطَّال زيادة: به، أي: بالزِّحام. ٦٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حَدَّثنا» ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسجُ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (قَالَ: هِشَامٌ أَخْبَرَنَا) هو من تقديمِ اسم الرَّاوي على الصِّيغة وهو جائزٌ، أي: قال أبو أسامة: أخبرنا هشام (عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ) بضم الهاء وكسر الزاي مبنيًّا للمفعول (فَصَاحَ إِبْلِيسُ) في المسلمين: (أَيْ عِبَادَ اللهِ) قاتلوا (أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ) لأجلِ قتال أُخراهم، ظانِّين أنَّهم من

стр. 11933

المشركين (فَاجْتَلَدَتْ) بالجيم الساكنة فالفوقية فاللام فالدال المهملة المفتوحات ففوقية، فاقتتلتْ (هِيَ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ) يقتله المسلمون يظنُّونه من المشركين (فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ (١)) هذا (أَبِي) هذا (أَبِي) لا تقتلوه (قَالَتْ) عائشة: (فَوَاللهِ مَا احْتَجَزُوا) بالحاء المهملة الساكنة ثم الفوقية والجيم المفتوحتين والزاي، أي: ما انفصلوا، أو ما انكفُّوا عنه، أو ما تركوهُ (حَتَّى قَتَلُوهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ) معتذرًا عنهم؛ لكونهم قتلوه ظانِّين أنَّه من المشركين: (غَفَرَ اللهُ لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ) بالسَّند المذكور: (فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ) أي: من ذلك الفعل وهو العفو، أو من قتلهم لأبيه (بَقِيَّةٌ) أي: من حزنٍ على أبيه، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بقيَّة خير» أي: من دعاءٍ واستغفارٍ لقاتل أبيه (حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ) . وعند السَّراج في «تاريخه» من طريق عكرمة: أنَّ والد حذيفة قتلَ يوم أحدٍ قتلَه بعضُ المسلمين وهو يظن أنَّه من المشركين، فودَاه رسولُ الله ﷺ . ورجاله ثقاتٌ مع إرساله، وفي المسألة مذاهب، فقيل: تجب ديتُه في بيت المال؛ لأنَّه مات بفعل قومٍ من المسلمين، فوجبت ديتُه في بيت مالِ المسلمين، وقيل: تجب على جميعِ من حضرَ؛ لأنَّه مات بفعلِهم، فلا يتعدَّاهم إلى غيرِهم، وقال الشَّافعيُّ: يُقال لوليِّه: ادَّعِ على من شئتَ واحلف فإن حلفتَ استحقَّيت الدِّية، وإن نكلْتَ حلفَ المدَّعى عليه على النَّفي، وسقطَتِ المطالبةُ، وتوجيهه أنَّ الدَّم لا يجبُ إلَّا بالطَّلب، وقال مالكٌ: دمه هدرٌ؛ لأنَّه إذا لم يُعلم قاتلهُ بعينهِ استحالَ أن يؤخذَ به أحدٌ. (١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا قَتَلَ) شخصٌ (نَفْسَهُ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ). قال الإسماعيليُّ: ولا إذا قتلَها عمدًا، أي: فلا مفهومَ لقولهِ: «خطأ». قال في «الفتح»: والَّذي يظهرُ أنَّ البخاريَّ إنَّما قيَّد بالخطأ؛ لأنَّه محلُّ الخلاف.

стр. 11934

٦٨٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البلخيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ) مولاه (سَلَمَةَ) بن الأكوع أبي مسلم، واسم الأكوع سنان بن عبد الله (١) ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ) قرية كانت لليهودِ على نحو أربع مراحلَ من المدينة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) هو: أسيدُ بن حُضير: (أَسْمِعْنَا) بكسر الميم (يَا عَامِرُ) هو: ابنُ سنان، عمُّ سلمة بن الأكوع (٢) (مِنْ هُنَيْهَاتِكَ) بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية بعدها هاء فألف ففوقية فكاف، أراجيزكَ، ولابن عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من هنيَّاتك» بتحتية مشددة بدل الهاء الثانية، تصغير هناتك، واحدة: هناة، وتقلبُ الياء هاء كما في الرِّواية الأولى (فَحَدَا) عامرٌ (بِهِمْ) أي: ساقَهم منشدًا للأراجيز، يقول: اللَّهمَّ لولا أنتَ ما اهتدينَا، إلى آخر الأبيات. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنِ السَّائِقُ؟ قَالُوا): هو (عَامِرٌ، فَقَالَ) ﷺ : ﵀، فَقَالُوا (٣): يَا رَسُولَ اللهِ هَلَّا أَمْتَعْتَنَا بِهِ؟) بهمزة مفتوحة وسكون الميم، بحياة عامر قبل إسراعِ الموت له؛ لأنَّه ﷺ ما قال مثلَ ذلك لأحدٍ ولا استغفرَ لإنسانٍ قطُّ يخصُّه بالاستغفارِ عند القتال إلَّا استشهد، وفي غزوة خيبر [خ¦٤١٩٦]: قال رجلٌ من القومِ: وجبتْ يا نبيَّ الله لولا أمتعتنَا به، ووقع في مسلم: أنَّ هذا الرَّجل هو عمر بن الخطَّاب (فَأُصِيبَ) عامر (صَبِيحَةَ لَيْلَتِهِ) تلك، وذلك أنَّ سيفه كان قصيرًا فتناول به يهوديًا ليضربه، فرجع ذبابه فأصابَ ركبتَه، ولم يذكرْ في هذه الطَّريق كيفيَّة قتله على عادته ﵀ في ذكر التَّرجمة بالحكم، ويكون قد أوردَ ما يدلُّ على ذلك صريحًا في مكانٍ آخر حرصًا على عدم التِّكرار بغير فائدةٍ، وليبعث الطَّالب على تتبُّع طرقِ الحديث، والاستكثارِ منها ليتمكَّن من الاستنباط (فَقَالَ القَوْمُ) ومنهم أسيدُ بن حُضير، كما عند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٤٨]

стр. 11935

(حَبِطَ عَمَلُهُ) بكسر الموحدة، أي: بطل؛ لأنَّه (قَتَلَ نَفْسَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ). قال سلمة: (فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «يا رسول الله» (فَدَاكَ) بفتح الفاء (أَبِي وَأُمِّي، زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ) ﷺ (كَذَبَ مَنْ قَالَها) أي: كلمة: حبط عملهُ (إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ) أجر الجهد في الطَّاعة، وأجر الجهاد في سبيلِ الله، واللام في «لأجرين» للتَّأكيد (اثْنَيْنِ) تأكيدٌ «لأجرين» (إِنَّهُ لَجَاهِدٌ) مرتكبٌ للمشقَّة في الخير (مُجَاهِدٌ) في سبيل الله (وَأَيُّ قَتْلٍ) بفتح القاف وسكون الفوقية (يَزِيدُهُ عَلَيْهِ) أي: يزيدُ الأجرَ على أجرهِ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وأيُّ قتيلٍ» بكسر الفوقية وزيادةِ تحتيَّة ساكنة «يزيدُ عليه» بإسقاط الهاء من يزيده، وللأَصيليِّ: «وأيُّ قتيلٍ يزيدهُ». وهذا الحديث حجَّةٌ للجمهور أنَّ من قتل نفسه لا يجبُ فيه شيءٌ؛ إذ لم ينقلْ أنَّه ﷺ أوجبَ في هذه القصَّةِ شيئًا. وقال الكِرْمانيُّ: والظَّاهر أنَّ قوله -أي: في التَّرجمة-: «فلا ديةَ له»، لا وجهَ له، وموضعُه اللَّائق به التَّرجمة السَّابقة، أي: إذا ماتَ في الزِّحام فلا دية له على المزاحمين؛ لظهور أنَّ قاتل نفسهِ لا ديةَ له، ولعلَّه من تصرُّفات النَّقلة عن نسخةِ الأصل. وهذا الحديثُ هو التَّاسع عشر من ثلاثيات البخاريِّ، وسبقَ في «المغازي» [خ¦٤١٩٦] و «الأدب» [خ¦٦١٤٨] و «المظالم» [خ¦٢٤٧٧] و «الذَّبائح» [خ¦٥٤٩٧] و «الدَّعوات» (١) [خ¦٦٣٣١]، وأخرجه مسلمٌ وابن ماجه. (١٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا عَضَّ) رجلٌ (رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ) ثنايا العاضِّ.

стр. 11936

٦٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) العامريَّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) اسمه: يعلى بن أميَّة (عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) هو أجيرُ يعلى العاضِّ، كما عند النَّسائيِّ مصرَّحًا به من رواية يعلى نفسه، ولم يُسمَّ الأجيرُ (فَنَزَعَ) المعضوضُ (يَدَهُ مِنْ فَمِهِ) من فم العاضِّ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من فيه» بالتحتية بدل الميم، وهو الأكثرُ في اللُّغة، وإن كانت الأولى فاشيةً كثيرةً (فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ) بالفوقية بعد التحتية بالتَّثنية، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «ثناياهُ» بلفظ الجمعِ على رأي من يجيزُ في الاثنين صيغة الجمع، وليس للإنسانِ إلَّا ثنيَّتان (١) (فَاخْتَصَمُوا) بلفظ الجمع؛ لأنَّ لكلِّ مخاصمٍ جماعةٌ يخاصِمون معه، أو لأنَّ ضمير الجمع يقع على المثنَّى كقولهِ تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) يتعلَّق بـ «اختصموا»، وتعدَّى بـ «إلى» وإن كان اختصمَ لا يتعدَّى بـ «إلى»؛ لأنَّه ملموحٌ فيه معنى: تحاكموا (فَقَالَ) ﷺ : (يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) بحذف همزةِ الاستفهام، والأصل: أيعضُّ على طريق الإنكارِ، وحذفتْ كما حذفت من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] التَّقدير: أو تلك نعمة، والمعنى: أيعضُّ أحدُكم يد أخيهِ (كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟) أي: الذَّكر من الإبل، والكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: أيعضُّ أحدُكم أخاهُ عضًّا مثل ما يعضُّ الفحلُ (لَا دِيَةَ لَكَ) «لا» نافيةٌ، و «ديةٌ» مَبنيٌّ مع «لا»، ومحلُّ «لا» مع اسمها رفعٌ بالابتداء، والخبر في المجرور، أو محذوفٌ على مذهب الأكثرين، فيكون «لك» في محلِّ صفة، والتَّقدير: لا ديةَ كائنةً لك موجودة، وفي روايةِ ابن عساكرَ في نسخة وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» بالهاء بدل كاف «لك». قال النَّوويُّ: ولو عُضَّت يده خلَّصها بالأسهلِ من فكِّ لحييهِ وضرب شدقيهِ (٢)، فإن عجز فسلَّها فندرتْ أسنانُه، أي: سقطَتْ، فهدَرٌ، أي: لأنَّ العضَّ لا يجوزُ بحالٍ. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «القِصاص»، وابن ماجه في «الدِّيات» أيضًا.

стр. 11937

٦٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو: ابنُ أبي رباح المكيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يَعلى ابن مُنْيَة -بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية- اسم أمِّه، واسم أبيه: أُمَيَّة -بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية- التَّميميُّ الحنظليُّ ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ) بسكون الزاي بعدها واو، أي: غزوة تبوك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في غزاة» بفتح الزاي بعدها ألف بدل (١) الواو (فَعَضَّ رَجُلٌ) أي: رجلًا (٢) آخر (فَانْتَزَعَ) أي: يدهُ، فابتدرتْ (٣) (ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: حكم أنَّ لا ضمانَ على المعضوضِ بشرط تألُّمه، وأن لا يمكنه تخليصُ يدِه بغير ذلك من ضربٍ، أو فكِّ لحييه ليرسلها، ومهما أمكنَ (٤) التَّخلُّص بدون ذلك فعدلَ عنه (٥) إلى الأثقلِ لم يهدرْ. (١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (السِّنّ) تقلعُ (بِالسِّنِّ) وفي نسخة بإضافة الباب لتاليهِ. ٦٨٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ) محمَّدُ بن عبد الله المثنَّى البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، واسمها: الرُّبَيِّع -بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة- وهو جدُّ أنسٍ (لَطَمَتْ جَارِيَةً) وفي رواية الفزاريِّ السَّابقة في «سورة المائدة» [خ¦٤٦١١] «جاريةً من الأنصار» وفي رواية معتمر عند أبي داود: «امرأة» بدل «جارية» (٦) وفيه: أنَّ المراد بالجارية: المرأة الشَّابَّة لا الأمة الرَّقيقة (فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا) فعرضوا عليهم الأرشَ فأبوا، فطلَبُوا العفوَ فأبوا (فَأَتَوُا) أي: أتى أهلُها

стр. 11938

(النَّبِيَّ ﷺ ¬) يطلبون القِصاص (فَأَمَرَ بِالقِصَاصِ) وهو محمولٌ على أنَّ الكسر كان منضبطًا، وأمكن القِصاص بأن ينشرَ بمنشارٍ بقول أهل الخبرة، وهذا بخلافِ (١) غير السِّنِّ من العظامِ لعدمِ الوثوقِ بالمماثلةِ فيها. قال الشَّافعيُّ: ولأنَّ دون العظم حائلًا (٢) من جلدٍ ولحمٍ وعصبٍ تتعذَّر معه المماثلةُ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة، وقال المالكيَّة بالقودِ (٣) في العظام إلَّا ما (٤) كان مجوَّفًا (٥)، أو كان كالمأمومةِ والمنقِّلَة والهاشمةِ، ففيها الدِّية. وهذا الحديث العشرون من الثلاثيات. (٢٠) (باب دِيَةِ الأَصَابِعِ) هل هي مستويةٌ أو مختلفةٌ؟ ٦٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ) في الدِّية (يَعْنِي: الخِنْصَرَ) بكسر المعجمة وفتح المهملة (وَالإِبْهَامَ) وفي رواية النَّسائيِّ بحذف: «يعني» وعند الإسماعيليِّ من طريق عاصمِ بنِ علي عن شعبة: «دِيتهما سواء»، ولأبي داود من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة (٦): «الأصابع والأسنان سواء، الثَّنية والضِّرس سواء»، ولأبي داود والتِّرمذيِّ: «أصابع اليدين والرِّجلين

стр. 11939

سواء»، ولابن ماجه من حديث عَمرو بن شُعيب عن أبيهِ عن جدِّه رفعه: «الأصابِعُ سواء كلُّهنَّ فيه عَشْرٌ عَشْرٌ من الإبلِ» أي: فلا فضلَ لبعض الأصابعِ على بعضٍ، وأصابع اليد والرِّجل سواءٌ، كما عليه أئمَّة الفتوى، وفي حديث عَمرو بن حزمٍ عند النَّسائيِّ: «وفي كلِّ أصبعٍ من أصابعِ اليدِ والرِّجل عشرٌ (١) من الإبل». قال الخطابيُّ: وهذا أصلٌ في كلِّ جنايةٍ لا تضبط كمِّيتها، فإذا فاتَ ضبطها من جهةِ المعنى اعتبرتْ من حيث الاسم، فتتساوى ديتُها وإن اختَلَفَ كمالُها ومنفعتُها (٢)، فإنَّ للإبهامِ من القوَّة ما ليسَ للخنصرِ، ومع ذلك فديتهمَا سواء ولو اختلفتِ المساحةُ، وكذلك الأسنانُ نفع بعضها أقوى من بعضٍ، وديتُها سواءٌ نظرًا للاسم فقط. والحديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الدِّيات». وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد، واسم أبي عديٍّ إبراهيم (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) فعند ابن ماجه والإسماعيليِّ من رواية ابن أبي عديٍّ المذكورة بلفظ: «الأصابعُ سواء» وكذا أخرجَاه من رواية ابنِ أبي عديٍّ أيضًا، لكن مقرونًا به غُنْدر والقطَّان بلفظ الرِّواية الأولى، لكن بتقديمِ الإبهام على الخنصرِ. وهذا الحديث الَّذي ساقه المؤلِّف نزل به درجةً لأجلِ وقوع التَّصريح فيه بسماع ابن عبَّاس من النَّبيِّ ﷺ ، وأخرجه ابن ماجه. (٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقَبُ) بفتح القاف مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: «يعاقبون (٣)» بلفظ الجمع، وفي أخرى: «يعاقبوا» بحذف النون لغةٌ ضعيفةٌ،

стр. 11940

أي: هل يكافأ الَّذين أصابوهُ ويجازون (١) على فعلِهم، كما وقع في اللُّدود (أَوْ يُقْتَصُّ) بالبناء للمفعول، وفي «اليونينيَّة» (٢) للفاعلِ فيهما (مِنْهُمْ كُلُّهُمْ؟) إذا قتلوهُ أو جرحوهُ، أو يتعيَّن واحدٌ ليقتصَّ منه، ويؤخذُ من الباقين الدِّية، والأوَّل مذهب جمهورِ العلماء، وروي الثَّاني عن عبد الله بن الزُّبير ومعاذ، فلو قتلَه عشرةٌ فله أن يقتلَ واحدًا منهم ويأخذ من التِّسعة تسعةَ أعشارِ الدِّيَة. (وَقَالَ مُطَرِّفٌ) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء مشددة بعدها فاء، ابنُ طريف، فيما رواه إمامنا الشَّافعيُّ ﵀ عن سفيان بن عُيينة عن مطرِّف: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (فِي رَجُلَيْنِ) لم يُسمَّيا (شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ) لم يُسمَّ أيضًا (أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ) أي: فقطعَ يده (عَلِيٌّ) ﵁؛ لثبوتِ سرقتهِ عنده بشهادَتهما (ثُمَّ جَاءَا) أي: الشَّاهدان (بِآخَرَ) برجلٍ آخر إلى عليٍّ ﵁ (وَقَالَا) ولأبي ذرٍّ: «فقالا» «بالفاء» بدل: «الواو»، هذا الَّذي سرق وقد (أَخْطَأْنَا) على الأوَّل (فَأَبْطَلَ) عليٌّ ﵁ (شَهَادَتَهُمَا) على الآخر كما في رواية الشَّافعيِّ، وفيه ردٌّ على من حملَ الإبطال في قولهِ: «فأبطلَ شهادَتهما»، على إبطالِ شهادتيهمَا معًا؛ الأولى لإقرارهمَا فيها بالخطأَ، والثَّانية لكونهمَا صارا متَّهمين، فاللَّفظ وإن كان محتملًا، لكن رواية الشَّافعيِّ عيَّنت أحدَ الاحتمالين (وَأُخِذَا) بضم الهمزة وكسر المعجمة بلفظ التَّثنية (بِدِيَةِ) يد الرَّجل (الأَوَّلِ) ولفظ رواية الشَّافعيِّ: وأغرمهما ديةَ الأوَّل (وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا) في شهادتِكما الكذبَ (لَقَطَعْتُكُمَا) أي: لقطعت أيديكما. ٦٨٩٦ - قال البخاريُّ: (وَقَالَ لِي (٣) ابْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، محمَّدٌ المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ غُلَامًا) اسمه: أصيل كما رواه البيهقيُّ (قُتِلَ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (غِيلَةً) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها لام مفتوحة فهاء تأنيث، أي:
следующие страницы →