٦٨٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) ابن دِعامة (قَالَ: سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى) العامريَّ (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا) اسمه: يعلى بن أميَّة (عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) هو أجيرُ يعلى العاضِّ، كما عند النَّسائيِّ مصرَّحًا به من رواية يعلى نفسه، ولم يُسمَّ الأجيرُ (فَنَزَعَ) المعضوضُ (يَدَهُ مِنْ فَمِهِ) من فم العاضِّ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من فيه» بالتحتية بدل الميم، وهو الأكثرُ في اللُّغة، وإن كانت الأولى فاشيةً كثيرةً (فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ) بالفوقية بعد التحتية بالتَّثنية، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «ثناياهُ» بلفظ الجمعِ على رأي من يجيزُ في الاثنين صيغة الجمع، وليس للإنسانِ إلَّا ثنيَّتان (١) (فَاخْتَصَمُوا) بلفظ الجمع؛ لأنَّ لكلِّ مخاصمٍ جماعةٌ يخاصِمون معه، أو لأنَّ ضمير الجمع يقع على المثنَّى كقولهِ تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) يتعلَّق بـ «اختصموا»، وتعدَّى بـ «إلى» وإن كان اختصمَ لا يتعدَّى بـ «إلى»؛ لأنَّه ملموحٌ فيه معنى: تحاكموا (فَقَالَ) ﷺ : (يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ) بحذف همزةِ الاستفهام، والأصل: أيعضُّ على طريق الإنكارِ، وحذفتْ كما حذفت من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] التَّقدير: أو تلك نعمة، والمعنى: أيعضُّ أحدُكم يد أخيهِ (كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟) أي: الذَّكر من الإبل، والكاف نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: أيعضُّ أحدُكم أخاهُ عضًّا مثل ما يعضُّ الفحلُ (لَا دِيَةَ لَكَ) «لا» نافيةٌ، و «ديةٌ» مَبنيٌّ مع «لا»، ومحلُّ «لا» مع اسمها رفعٌ بالابتداء، والخبر في المجرور، أو محذوفٌ على مذهب الأكثرين، فيكون «لك» في محلِّ صفة، والتَّقدير: لا ديةَ كائنةً لك موجودة، وفي روايةِ ابن عساكرَ في نسخة وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «له» بالهاء بدل كاف «لك». قال النَّوويُّ: ولو عُضَّت يده خلَّصها بالأسهلِ من فكِّ لحييهِ وضرب شدقيهِ (٢)، فإن عجز فسلَّها فندرتْ أسنانُه، أي: سقطَتْ، فهدَرٌ، أي: لأنَّ العضَّ لا يجوزُ بحالٍ.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «القِصاص»، وابن ماجه في «الدِّيات» أيضًا.
стр. 11937
٦٨٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكيِّ (عَنْ عَطَاءٍ) هو: ابنُ أبي رباح المكيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يَعلى ابن مُنْيَة -بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية- اسم أمِّه، واسم أبيه: أُمَيَّة -بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية- التَّميميُّ الحنظليُّ ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ) بسكون الزاي بعدها واو، أي: غزوة تبوك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في غزاة» بفتح الزاي بعدها ألف بدل (١) الواو (فَعَضَّ رَجُلٌ) أي: رجلًا (٢) آخر (فَانْتَزَعَ) أي: يدهُ، فابتدرتْ (٣) (ثَنِيَّتَهُ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: حكم أنَّ لا ضمانَ على المعضوضِ بشرط تألُّمه، وأن لا يمكنه تخليصُ يدِه بغير ذلك من ضربٍ، أو فكِّ لحييه ليرسلها، ومهما أمكنَ (٤) التَّخلُّص بدون ذلك فعدلَ عنه (٥) إلى الأثقلِ لم يهدرْ.
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (السِّنّ) تقلعُ (بِالسِّنِّ) وفي نسخة بإضافة الباب لتاليهِ.
٦٨٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ) محمَّدُ بن عبد الله المثنَّى البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة، واسمها: الرُّبَيِّع -بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة- وهو جدُّ أنسٍ (لَطَمَتْ جَارِيَةً) وفي رواية الفزاريِّ السَّابقة في «سورة المائدة» [خ¦٤٦١١] «جاريةً من الأنصار» وفي رواية معتمر عند أبي داود: «امرأة» بدل «جارية» (٦) وفيه: أنَّ المراد بالجارية: المرأة الشَّابَّة لا الأمة الرَّقيقة (فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا) فعرضوا عليهم الأرشَ فأبوا، فطلَبُوا العفوَ فأبوا (فَأَتَوُا) أي: أتى أهلُها
стр. 11938
(النَّبِيَّ ﷺ ¬) يطلبون القِصاص (فَأَمَرَ بِالقِصَاصِ) وهو محمولٌ على أنَّ الكسر كان منضبطًا، وأمكن القِصاص بأن ينشرَ بمنشارٍ بقول أهل الخبرة، وهذا بخلافِ (١) غير السِّنِّ من العظامِ لعدمِ الوثوقِ بالمماثلةِ فيها. قال الشَّافعيُّ: ولأنَّ دون العظم حائلًا (٢) من جلدٍ ولحمٍ وعصبٍ تتعذَّر معه المماثلةُ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة، وقال المالكيَّة بالقودِ (٣) في العظام إلَّا ما (٤) كان مجوَّفًا (٥)، أو كان كالمأمومةِ والمنقِّلَة والهاشمةِ، ففيها الدِّية.
وهذا الحديث العشرون من الثلاثيات.
(٢٠) (باب دِيَةِ الأَصَابِعِ) هل هي مستويةٌ أو مختلفةٌ؟
٦٨٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ) في الدِّية (يَعْنِي: الخِنْصَرَ) بكسر المعجمة وفتح المهملة (وَالإِبْهَامَ) وفي رواية النَّسائيِّ بحذف: «يعني» وعند الإسماعيليِّ من طريق عاصمِ بنِ علي عن شعبة: «دِيتهما سواء»، ولأبي داود من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة (٦): «الأصابع والأسنان سواء، الثَّنية والضِّرس سواء»، ولأبي داود والتِّرمذيِّ: «أصابع اليدين والرِّجلين
стр. 11939
سواء»، ولابن ماجه من حديث عَمرو بن شُعيب عن أبيهِ عن جدِّه رفعه: «الأصابِعُ سواء كلُّهنَّ فيه عَشْرٌ عَشْرٌ من الإبلِ» أي: فلا فضلَ لبعض الأصابعِ على بعضٍ، وأصابع اليد والرِّجل سواءٌ، كما عليه أئمَّة الفتوى، وفي حديث عَمرو بن حزمٍ عند النَّسائيِّ: «وفي كلِّ أصبعٍ من أصابعِ اليدِ والرِّجل عشرٌ (١) من الإبل». قال الخطابيُّ: وهذا أصلٌ في كلِّ جنايةٍ لا تضبط كمِّيتها، فإذا فاتَ ضبطها من جهةِ المعنى اعتبرتْ من حيث الاسم، فتتساوى ديتُها وإن اختَلَفَ كمالُها ومنفعتُها (٢)، فإنَّ للإبهامِ من القوَّة ما ليسَ للخنصرِ، ومع ذلك فديتهمَا سواء ولو اختلفتِ المساحةُ، وكذلك الأسنانُ نفع بعضها أقوى من بعضٍ، وديتُها سواءٌ نظرًا للاسم فقط.
والحديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الدِّيات».
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة، بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمَّد، واسم أبي عديٍّ إبراهيم (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ) فعند ابن ماجه والإسماعيليِّ من رواية ابن أبي عديٍّ المذكورة بلفظ: «الأصابعُ سواء» وكذا أخرجَاه من رواية ابنِ أبي عديٍّ أيضًا، لكن مقرونًا به غُنْدر والقطَّان بلفظ الرِّواية الأولى، لكن بتقديمِ الإبهام على الخنصرِ.
وهذا الحديث الَّذي ساقه المؤلِّف نزل به درجةً لأجلِ وقوع التَّصريح فيه بسماع ابن عبَّاس من النَّبيِّ ﷺ ، وأخرجه ابن ماجه.
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقَبُ) بفتح القاف مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: «يعاقبون (٣)» بلفظ الجمع، وفي أخرى: «يعاقبوا» بحذف النون لغةٌ ضعيفةٌ،
стр. 11940
أي: هل يكافأ الَّذين أصابوهُ ويجازون (١) على فعلِهم، كما وقع في اللُّدود (أَوْ يُقْتَصُّ) بالبناء للمفعول، وفي «اليونينيَّة» (٢) للفاعلِ فيهما (مِنْهُمْ كُلُّهُمْ؟) إذا قتلوهُ أو جرحوهُ، أو يتعيَّن واحدٌ ليقتصَّ منه، ويؤخذُ من الباقين الدِّية، والأوَّل مذهب جمهورِ العلماء، وروي الثَّاني عن عبد الله بن الزُّبير ومعاذ، فلو قتلَه عشرةٌ فله أن يقتلَ واحدًا منهم ويأخذ من التِّسعة تسعةَ أعشارِ الدِّيَة.
(وَقَالَ مُطَرِّفٌ) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء مشددة بعدها فاء، ابنُ طريف، فيما رواه إمامنا الشَّافعيُّ ﵀ عن سفيان بن عُيينة عن مطرِّف: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر (فِي رَجُلَيْنِ) لم يُسمَّيا (شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ) لم يُسمَّ أيضًا (أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ) أي: فقطعَ يده (عَلِيٌّ) ﵁؛ لثبوتِ سرقتهِ عنده بشهادَتهما (ثُمَّ جَاءَا) أي: الشَّاهدان (بِآخَرَ) برجلٍ آخر إلى عليٍّ ﵁ (وَقَالَا) ولأبي ذرٍّ: «فقالا» «بالفاء» بدل: «الواو»، هذا الَّذي سرق وقد (أَخْطَأْنَا) على الأوَّل (فَأَبْطَلَ) عليٌّ ﵁ (شَهَادَتَهُمَا) على الآخر كما في رواية الشَّافعيِّ، وفيه ردٌّ على من حملَ الإبطال في قولهِ: «فأبطلَ شهادَتهما»، على إبطالِ شهادتيهمَا معًا؛ الأولى لإقرارهمَا فيها بالخطأَ، والثَّانية لكونهمَا صارا متَّهمين، فاللَّفظ وإن كان محتملًا، لكن رواية الشَّافعيِّ عيَّنت أحدَ الاحتمالين (وَأُخِذَا) بضم الهمزة وكسر المعجمة بلفظ التَّثنية (بِدِيَةِ) يد الرَّجل (الأَوَّلِ) ولفظ رواية الشَّافعيِّ: وأغرمهما ديةَ الأوَّل (وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا) في شهادتِكما الكذبَ (لَقَطَعْتُكُمَا) أي: لقطعت أيديكما.
٦٨٩٦ - قال البخاريُّ: (وَقَالَ لِي (٣) ابْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، محمَّدٌ المعروف ببُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابنِ عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ غُلَامًا) اسمه: أصيل كما رواه البيهقيُّ (قُتِلَ) بضم القاف مبنيًّا للمفعول (غِيلَةً) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها لام مفتوحة فهاء تأنيث، أي:
стр. 11941
سرًّا أو غفلةً وخديعةً. قال في «المقدمة»: والقاتلُ أربعة: المرأةُ أمُّ الصَّبيِّ وصديقُها وجاريتُها ورجلٌ ساعدَهم، ولم يسمَّوا (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا) أي: في هذه الفعلةِ، أو التَّأنيث على إرادةِ النَّفس، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فِيه» أي: في قتله (أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ) «صنعاء» بالمدِّ (١)، بلدٌ باليمن مَعْروفٌ. قال في «الفتح»: وهذا الأثر موصولٌ إلى عمر بأصحِّ إسنادٍ، وقد أخرجه ابنُ أبي شيبة عن عبدِ الله بنِ نُمير عن يحيى القطَّان من وجهٍ آخر عن نافعٍ بلفظ: أن عمر قتل سبعةً من أهل صنعاء برجل … إلى آخره، وأخرجه «الموطأ» بسند آخر قال: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب (٢): أنَّ عمر قتلَ خمسةً أو ستَّةً برجلٍ قتلوهُ غِيْلة، وقال: لو تمالأَ عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم جميعًا.
(وَقَالَ مُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ) الصَّنعانيُّ (عَنْ أَبِيهِ) حكيم (إِنَّ أَرْبَعَةً) بكسر الهمزة وتشديد النون (٣) (قَتَلُوا صَبِيًّا، فَقَالَ عُمَرُ مِثْلَهُ) مثل قولهِ: «لو اشتركَ فيه أهل صنعاءَ لقتلتُهم»، وهذا مختصرٌ من أثر وصله ابنُ وهب، ومن طريقه قاسمُ بنُ أصبغ والطَّحاويُّ والبيهقيُّ، قال ابنُ وهب: حَدَّثني جريرُ بن حازم أنَّ المغيرةَ بن حكيم الصَّنعانيَّ حَدَّثه عن أبيهِ أنَّ امرأةً بصنعاء غابَ عنها زوجُها، وتركَ في حِجرها ابنًا له من غيرها غلامًا، يقال له: أصيل، فاتَّخذتِ المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إنَّ هذا الغلام يفضحُنا فاقتله، فأبى فامتنعَتْ منه فطاوعَها، فاجتمع (٤) على قتلِ الغلامِ الرَّجل ورجلٌ آخر والمرأة وخادمها، فقتلُوه، ثمَّ قطَّعوهُ أعضاءً، وجعلوه في عَيْبَة -بفتح العين وسكون التحتية بعدها موحدة- وعاء من أدَم، وطرحوهُ في رَكِيَّةٍ -بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية، بئرٌ لم تطو في ناحيةِ القرية ليس فيها ماءٌ-، فأُخذ خليلُها فاعترفَ ثمَّ اعترفَ الباقون، فكتب يعلى وهو يومئذٍ أميرٌ (٥) بشأنهم إلى عمر، فكتب عمرُ بقتلهم جميعًا، وقال: «والله لو أنَّ أهل صنعاءَ اشتركوا (٦) في قتله لقتلتهم أجمعين».
стр. 11942
(وَأَقَادَ) بالقاف (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁، فيما (١) وصلَه ابنُ أبي شيبة (٢) (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، فيما وصلَه ابن أبي شيبة ومسدَّد جميعًا (٣) (وَعَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالبٍ، ممَّا وصلَه ابن أبي شيبة (وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء مشددة بعدها نون، المزنيُّ، ممَّا وصلَه ابنُ أبي شيبة (مِنْ لَطْمَةٍ. وَأَقَادَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ﵁ (مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدال المهملة وتشديد الراء، آلةٌ يُضرب بها (وَأَقَادَ عَلِيٌّ) أي (٤): ابنُ أبي طالبٍ ﵁ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ) أخرجهُ (٥) ابنُ أبي شيبة وسعيدُ بن منصور من طريق فضيلِ بن عَمرو عن عبدِ الله بن معقِل -بكسر القاف- قال: كنتُ عند عليٍّ فجاءه رجلٌ فسارَّه، فقال: يا قَنْبَر -بفتح القاف والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء- اُخْرُجْ فاجلد هذا، فجاء المجلودُ، فقال: إنَّه زاد عليّ ثلاثةِ أسواطٍ، فقال: صدقَ، فقال (٦): خذِ السَّوط فاجلدْه ثلاثةَ أسواطٍ، ثمَّ قال: يا قَنْبر إذا جلدتَ فلا تتعدَّ الحدود (وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة، ابنُ الحارث القاضي (مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ) بضم الخاء المعجمة والميم وبعد الواو معجمة، الخُدُوْش زِنةً ومعنًى، وهذا وصلَه سعيدُ بن منصور في السَّوط، وابنُ أبي شيبة في الخُمُوش.
٦٨٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الهَمْدانيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ
стр. 11943
عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) بدالين مهملتين، جعلنا له دواءً في أحدِ جانبي فمهِ بغيرِ اختيارهِ (فِي مَرَضِهِ) الَّذي توفِّي فيه (وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: لَا تَلُدُّونِي، قَالَ: فَقُلْنَا): نهيهُ هذا ليس للإيجابِ بل كرهه (كَرَاهِيَةَ) ولغير أبي ذرٍّ: «كَراهيةُ» بالرفع، أي: بل هو كراهية (المَرِيضِ بِالدَّوَاءِ) بالموحدة (فَلَمَّا أَفَاقَ) ﷺ (قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنهكُنَّ» بنون جمع الإناث، بدل ميم (١) جمع الذُّكور (أَنْ تَلُدُّونِي) بضم اللام (قَالَ: قُلْنَا كَرَاهِيَةًٌ لِلدَّوَاءِ) بالنَّصب وبالرَّفع منونًا، وللكُشمِيهنيِّ: «كَرَاهية المريضِ للدَّواء» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ) من الرِّجال والنِّساء (إِلَّا لُدَّ) بضم اللام وتشديد المهملة (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا العَبَّاسَ) ﵁ (فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ).
قيل: هذا الحديث لا يُناسب التَّرجمة؛ لأنَّه غيرُ ظاهرٍ في القِصاص؛ لاحتمال أن يكون عقوبةً لهم حيث خالفوا أمرَه ﵊. وقال شارح التَّراجم: أمَّا القِصاص من اللَّطمة والدِّرَّة والأسواط فليس من التَّرجمة؛ لأنَّه من شخصٍ واحدٍ، وقد يُجاب عنه بأنَّه إذا كان القود يؤخذ من هذه المحقِّرات، فكيف لا يُقاد من الجمعِ من الأمورِ العظائمِ، كالقتلِ والقطعِ وما أشبهَ (٢) ذلك.
والحديث سبق قريبًا في «باب القصاص بين الرِّجال والنِّساء» [خ¦٦٨٨٦].
(٢٢) (باب القَسَامَةِ) بفتح القاف، مأخوذةٌ من القَسَمِ وهو اليمين. وقال الأزهريُّ: القَسَامة اسمٌ للأولياء الَّذين يحلفون على استحقاقِ دمِ المقتولِ، وقيل: مأخوذةٌ من القسمةِ لقسمةِ الأيمانِ على الورثةِ، واليمين فيها من جانب المدَّعي؛ لأنَّ الظَّاهر معه بسببِ اللَّوْث المقتضِي لظنِّ صدقِهِ، وفي غير ذلك الظَّاهر مع المدَّعى عليه، فلذا خرج هذا عن الأصل.
стр. 11944
(وَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) بالمثلثة الكنديُّ، ممَّا وصلُه في «الشهادات» [خ¦٢٦٦٩] وغيرها [خ¦٢٥١٥] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداكَ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: المثبت لدعواكَ شاهداكَ، «أو يمينه» عطفٌ عليه (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبدُ الله بن عُبيد الله (١) بن أبي مُلكيةَ -بضم الميم- واسمه: زُهير، ممَّا وصلَه حمَّاد بن سلمةَ في «مصنفه»، ومن طريقهِ (٢) ابن المنذر (لَمْ يُقِدْ) بضم الياء (٣) التحتية وكسر القاف من أقادَ، أي: لم يقتصَّ (بِهَا) بالقسامةِ (مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيان، وتوقَّف ابن بطَّال في ثبوته، فقال: قد صحَّ عن معاوية أنَّه أقادَ بها، ذكر ذلك عنه أبو الزِّناد في احتجاجهِ على أهل العراق، قال في «الفتح»: هو في صحيفةِ عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه، ومن طريقهِ أخرجه البيهقيُّ، وجمع بأنَّ معاوية لم يُقِد بها لمَّا وقعَتْ له، وكان الحكمَ في ذلك، ولمَّا وقعتْ لغيرِه وَكَلَ الأمرَ في ذلك إليهِ، فلفظ البيهقيِّ عن خارجةَ بن زيد بنِ ثابت، قال: قتلَ رجلٌ من الأنصارِ رجلًا من بني العَجْلان ولم يكنْ في ذلك بَيِّنَةٌ ولا لطْخٌ، فأجمعَ رأيُ النَّاس على أن تحلِفَ ولاةَ المقتولِ، ثمَّ يُسلَّم إليهم فيقتلوهُ، فركبْتُ إلى معاويةَ في ذلك، فكتبَ إلى سعيدِ بن العاص إن كان ما ذكرهُ حقًّا فافعلْ ما ذكروه، فدفعتُ الكتاب إلى سعيدٍ فأحلفَنَا خمسين يمينًا ثمَّ أسلمَه إلينا. انتهى.
فنُسب إلى معاوية أنَّه أقاد بها لكونه أذنَ في ذلك، ويحتمل أن يكون معاوية كان يَرى القودَ بها، ثمَّ رجعَ عن ذلك أو بالعكسِ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) رحمه الله تعالى (إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ) بفتح الهمزة والطاء المهملة بينهما راء ساكنة وبعد الألف هاء تأنيث غير منصرفٍ، الفزاريِّ (وَكَانَ) ابن عبد العزيز (أَمَّرَهُ) جعله أميرًا (عَلَى البَصْرَةِ) سنة تسع وتسعين (فِي) أمر (قَتِيلٍ وُجِدَ) بضم الواو وكسر الجيم (عِنْدَ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ السَّمَّانِينَ) الَّذين يبيعون السَّمن: (إِنْ وَجَدَ أَصْحَابُهُ) أي: أصحاب القتيلِ (بَيِّنَةً) يحكم بها (وَإِلَّا) أي: وإن لم يجد أصحابه بيِّنةً (فَلا تَظْلِمِ النَّاسَ) بالحكم في ذلك بغير بيِّنةٍ (فَإنَّ هَذَا لَا يُقْضَىَ) بضم التحتية وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يحكُم (فِيْهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ). قال في «الفتح»: وقد اختلفَ على عمر بن عبد العزيز في القَوَد (٤)
стр. 11945
بالقسامةِ كما اختُلفَ على معاوية، فذكر ابن بطَّال أنَّ في «مصنَّف» حمَّاد بن سلمة، عن ابنِ أبي مُليكة: أنَّ عمرَ بن عبد العزيز أقادَ بالقسامَةِ في إمرتهِ على المدينة، فيُجمع بأنَّه كان يرى ذلك لمَّا كان أميرًا على المدينةِ، ثمَّ رجعَ لمَّا ولي الخلافةَ.
٦٨٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) أبو الهذيل الطَّائيُّ الكوفيُّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضم الموحدة وفتح المعجمة، ويسار بالتحتية وتخفيف المهملة، المدنيِّ أنَّه (زَعَمَ: أَنَّ رَجُلًا) أي: قال: إنَّ رجلًا (مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، وهو -كما قال المزيُّ- سهلُ بن عبد الله بنِ أبي حَثْمة، واسمُ أبي حثمةَ عامرُ بن ساعدةَ الأنصاريُّ، وعند مسلمٍ من طريقِ ابن نُمير عن سعيدِ ابن بشير عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاريِّ أنَّه (أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ) اسم جمعٍ يقعُ على جماعة الرِّجال خاصَّةً من الثَّلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظهِ، والمراد بهم هنا: مُحَيِّصة -بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة- وأخوه (١) حُوَيِّصة -بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة (٢) - ولدا مسعود، وعبد الله وعبد الرَّحمن ولدا سهل (انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ) وفي رواية ابنِ إسحاق عندَ ابنِ أبي عاصم: فخرج عبدُ الله بن سهل في أصحابٍ له يمتارون تمرًا، زاد سليمانُ بن بلال -عند مسلم-: في زمنِ رسولِ الله ﷺ ، وهي يومئذٍ صلحٌ وأهلها يهود … الحديثَ. والمراد: أنَّ ذلك وقعَ بعد فتحها (فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا) بالواو، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فوجدوا» (أَحَدَهُمْ قَتِيلًا) هو: عبدُ الله بن سهل، وفي رواية بشر بن المفضل
стр. 11946
السَّابقة في «الجزية» [خ¦٣١٧٣] فأتى مُحَيِّصة إلى عبد الله بن سهلٍ وهو يتشحَّط في دمهِ قتيلًا فدفنه (وَقَالُوا) أي: النَّفر (لِلَّذِي) أي: لأهل خيبر الَّذين (وُجِدَ) بضم الواو وكسر الجيم (فِيهِمْ) عبد الله بن سهل قتيلًا: (قَتَلْتُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «قَد قتلتُم» (صَاحِبَنَا) وقوله: «للَّذي» بحذف النون، فهو كقولهِ تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩] (قَالُوا (١)) أي: أهلُ خيبر: (مَا قَتَلْنَا) صاحبكم (وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا) له (فَانْطَلَقُوا) أي: عبدُ الرَّحمن بن سهل وحُوَيِّصة ومُحَيِّصة ابنا مسعود (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا) فيها (قَتِيلًا) وفي «الأحكام» [خ¦٧١٩٢] وأقبل -أي: مُحَيِّصة- هو وأخوه حُوَيِّصة وهو أكبرُ منه وعبد الرَّحمن بن سهل فذهب ليتكلَّم، وهو الَّذي كان بخيبر، وفي رواية يحيى بنِ سعيد [خ¦٦١٤٢]: فبدأ عبد الرَّحمن يتكلَّم وكان أصغرَ القوم، وزاد حمَّادُ بن زيد عن يحيى -عند مسلم-: في أمرِ أخيه (فَقَالَ) ﷺ : (الكُبْرَ الكُبْرَ) بضم الكاف وسكون الموحدة والنصب فيهما على الإغراء، وفي رواية اللَّيث -عند مسلمٍ-: فسكتَ وتكلَّم صاحباهُ. وتكريرُ الكبر للتَّأكيد، أي: ليبدأ الأكبرُ بالكلامِ، أو قدِّموا الأكبر إرشادًا إلى الأدب في تقديم الأسنِّ، وحقيقةُ الدَّعوى إنَّما هي لعبد الرَّحمن أخي القتيلِ لا حقَّ فيها لابنَي (٢) عمِّه، وإنَّما أمر ﷺ أن يتكلَّم الأكبرُ وهو حويِّصة؛ لأنَّه لم يكنِ المراد بكلامهِ حقيقة الدَّعوى بل سماع صورة القصَّة، وعند الدَّعوى يدَّعي المستحقُّ، أو المعنى: ليكن الكبير وكيلًا له (فَقَالَ) ﷺ (لَهُمْ) أي: للثَّلاثة: (تَأْتُونَ) بفتح النون من غير تحتية، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «تأتوني» (بِالبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ) وعند النَّسائيِّ من طريق عُبيد الله بن الأخنس عن عَمرو بن شُعيب عن أبيهِ عن جدِّه: أنَّ ابن مُحَيِّصة الأصغر أصبحَ قتيلًا على أبوابِ خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «أقمْ شاهدينَ على قتلِهِ أدفعهُ إليكَ برمَّتِه» قال: يا رسول الله أنّى أُصيبُ شاهدين وإنَّما أصبحَ قتيلًا على أبوابهِم؟ وقولُ بعضِهم: إنَّ ذكر البيِّنة وهمٌ؛ لأنَّه ﷺ قد علم أنَّ خيبر حينئذٍ لم يكن بها أحدٌ من المسلمين. أُجيب عنه بأنَّه وإن سُلِّم أنَّه لم يسكنْ مع اليهود فيها من المسلمينِ أحدٌ لكن في القصَّة: أنَّ جماعةً من المسلمين خرجُوا يمتارونَ تمرًا، فيجوز أن تكون طائفةٌ أخرى خرجوا لمثلِ ذلك، فإن قلتَ:
стр. 11947
كيف عرضت اليمين على الثَّلاثة والوارثُ هو عبد الرَّحمن خاصَّةً واليمين عليه؟ أُجيب بأنَّه إنَّما أطلق الجواب؛ لأنَّه غير ملبسٍ أنَّ المراد به الوارث، فكما (١) سمع كلام الجميعِ في صورةِ القتلِ وكيفيَّتهِ، وكذلك أجابهم الجميع (قَالَ) ﷺ : (فَيَحْلِفُونَ) أي: اليهود أنَّهم ما قتلوهُ، وفي رواية ابنِ عُيينة عن يحيى: «تبرئكُم يهودُ بخمسين يحلفون» أي: يخلِّصُونكم من الأيمانِ بأنْ تحلِّفوهم، فإذا حلفوا انتهتِ الخُصُومة، فلم يجبْ عليهم شيءٌ، وخُلِّصتُم أنتم من الأيمان، وفيه البداءة بالمدَّعى عليهم (قَالُوا): يا رسول الله (لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ اليَهُودِ) وفي رواية يحيى [خ¦٦١٤٢]: «أتحلفُونَ وتستحقُّونَ قاتلكُم أو صاحبَكُم بأيمانِ خمسينَ منكم» فيحتملُ أنَّه ﷺ طلب البيِّنة أوَّلًا فلم يكن لهم بيِّنة، فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرضَ عليهم تحليفَ المدَّعى عليهم فأبوا، وقد سقط من رواية حديث الباب تبدئة المدَّعين باليمين، واشتملتْ رواية يحيى بن سعيد على زيادةٍ من ثقةٍ حافظٍ فوجبَ قَبولها، وهي تقضِي على من لم يعرفْها، وإلى البداءة بالمدَّعين ذهب الشَّافعيُّ وأحمد (٢)، فإن أبوا ردَّت على المدَّعى عليهم، وقال بعكسه أهل الكوفة وكثيرٌ من (٣) البصرة (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ) بضم أوَّله وكسر الطاء، من أبطل، أي: كره أن يُهدر دمه (فَوَدَاهُ) بلا همزٍ مع التخفيف (مِئَةً) وللكُشمِيهنيِّ: «بمئة» (مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) وفي رواية يحيى بن سعيد: «من عنده» [خ¦٣١٧٣] فيحتملُ أن يكون اشتراها من إبلِ الصَّدقة بمالٍ (٤) دفعهُ من عنده، أو المراد بقولهِ: «من عندِه» أي: من بيتِ المالِ المرصد للمصالح، وأُطلق عليه صدقة باعتبارِ الانتفاعِ به مجَّانًا لما في ذلك من قطعِ المنازعة، وإصلاحِ ذات البين. قال أبو العباس القرطبيُّ: ورواية من قال: «من عنده»، أصحُّ من رواية من قال: «من إبل الصَّدقة»، وقد قيل: إنَّها غلطٌ، والأولى أن (٥) لا يُغلط الرَّاوي ما أمكنَ، فيحتملُ أنَّه ﷺ تسلَّف ذلك من إبلِ الصَّدقة؛ ليدفعه من مالِ الفيء.
стр. 11948
وفي الحديث مشروعيَّة القَسَامة، وبه أخذ كافة الأئمَّة والسَّلف من الصَّحابة والتَّابعين وعلماء الأمَّة كمالكٍ والشَّافعيِّ في أحدِ قوليهِ وأحمد، وعن طائفةٍ التَّوقُّف في ذلك، فلم يروا القسامَةَ ولا أثبتوا لها في الشَّرع حكمًا، وإليه نحا البخاريُّ.
قال (١) العينيُّ: ذكر الحديث مطابقًا لما قبله في عدمِ القَوَد في القَسَامة، وأنَّ الحكم فيها مقصورٌ على البيِّنة واليمين، كما في حديثِ الأشعث.
والحديث سبقَ في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٢] و «الجزيةِ» [خ¦٣١٧٣].
стр. 11949
٦٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابنِ عُليَّة اسم أمِّه (الأَسَدِيُّ) بفتح السين المهملة، نسبةً إلى بني أسد بن خُزيمة قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة أو سالم البصريُّ المعروفُ بالصَّوَّاف قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو رَجَاءٍ) سلمان (١) (مِنْ) موالي (آلِ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام، عبدُ الله بن زيد الجَرْميُّ -بفتح الجيم وسكون الراء- قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ في زمن خلافتهِ (أَبْرَزَ) أظهر (سَرِيرَهُ) الَّذي جرت عادة الخلفاءِ بالاختصاص بالجلوسِ عليهِ إلى ظاهر دارهِ (يَوْمًا لِلنَّاسِ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ) في الدُّخول عليه ظاهر داره (فَدَخَلُوا) عليه (فَقَالَ) لهم: (مَا تَقُولُونَ فِي القَسَامَةِ؟
стр. 11950
قَالَ) قائلٌ منهم، كذا في الفرع كأصله (١)، وفي غيرهما «قالوا»: (نَقُولُ: القَسَامَةُ القَوَدُ بِهَا حَقٌّ) أي: واجبٌ (وَقَدْ أَقَادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ) كمعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزُّبير وعبد الملك بن مروان. قال أبو قِلابة (٢): (قَالَ لِي: مَا تَقُولُ (٣) يَا أَبَا قِلَابَةَ) فيها؟ (وَنَصَبَنِي لِلنَّاسِ) أي: أبرزَني لمناظرتهم، أو لكونه كان خلفَ السَّرير فأمرَه أن يظهرَ (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَكَ رُؤُوسُ الأَجْنَادِ) بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها نون، ولابن ماجه وصحَّحه ابن خُزيمة -في غسل الأعقاب-: قال أبو صالح: فقلتُ لأبي عبد الله: مَن حدَّثك (٤)؟ قال: أمراءُ الأجنادِ خالدُ بن الوليد، ويزيدُ بن أبي سفيان، وشُرَحبيلُ بن حسنة، وعَمرو بن العاص. والجندُ في الأصل: الأنصارُ والأعوان، ثمَّ اشتُهر في المقاتلةِ، وكان عمرُ قسَّم الشَّام بعد موتِ أبي عُبيدةَ ومعاذ على أربعةِ أمراءَ مع كلِّ أميرٍ جُنْد (وَأَشْرَافُ العَرَبِ) أي: رؤساؤهم (أَرَأَيْتَ) أي: أَخْبرني (لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مُحْصَنٍ) بفتح الصاد، وكان (٥) (بِدِمَشْقَ أنَّه قَدْ زَنَى، لَمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولم» (يَرَوْهُ أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِحِمْصَ أنَّه سَرَقَ أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَوَاللهِ مَا قَتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ) بالرفع مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله (قَتَلَ) بفتحات متلبسًا (٦) (بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ) بفتح الجيم، أي: بما يجرُّه (٧) إلى نفسهِ من الذَّنب، أو من الجنايةِ؛ أي (٨): فقُتل ظُلمًا (فَقُتِلَ) قصاصًا، بضم القاف وكسر الفوقية، بالبناء (٩) للمفعول (أَوْ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ) وكذا امرأة (أَوْ رَجُلٌ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ،
стр. 11951
وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ. فَقَالَ القَوْمُ: أَوَلَيْسَ قَدْ حَدَّثَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) وعند مسلمٍ من طريق ابنِ عون، فقال عنبسةُ بن سعيد: قد حَدَّثنا أنس (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ فِي السَّرَقِ) بفتح السين والراء، جمع سارق، أو مصدر (وَسَمَرَ) بالتَّخفيف، كحل (الأَعْيُنَ) بالمساميرِ المحمَّاة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ بالتشديد. قال القاضِي عياض: والتَّخفيف أوجه (ثُمَّ نَبَذَهُمْ) بالذال المعجمة، طرحهُم (فِي الشَّمْسِ؟) قال أبو قِلابةَ: (فَقُلْتُ: أَنَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسٌ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ) بضم العين المهملة وسكون الكاف (ثَمَانِيَةً) نصب بدلًا من «نفرًا» (قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ) أرض (١) المدينة فلم توافقهم وكرهوهَا لسُقْم أجسامِهِم (فَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ) بكسر القاف وفتح السين قبلها (فَشَكَوْا ذَلِكَ) السُّقم وعدم موافقةِ أرض المدينة لهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) فلمَّا شكوا (قَالَ) لهم: (أَفَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا) يسار النُّوبيِّ (فِي إِبِلِهِ) الَّتي يرعاها لنا (فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، قَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَصَحُّوا) بتشديد الحاء (فَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) يسارًا (وَأَطْرَدُوا) بهمزة مفتوحة وسكون الطاء، وفي «آل ملك»: بتشديد الطاء (٢) أي: ساقوا (النَّعَمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمْ) شبابًا من الأنصارِ قريبًا من عشرين، وكان أميرُهم كُرْز بن جابر في السَّنة السَّادسة (فَأُدْرِكُوا) بضم الهمزة (فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ) ﷺ (بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) بتشديد الطاء في الفرع (وَسَمَرَ) بالتخفيف، ولأبي ذرٍّ بالتشديد، كحل (أَعْيُنَهُمْ) وفي مسلم: فاقتصَّ منهم بمثل ما فعلوا.
وقال الشَّافعيُّ: إنَّه منسوخٌ، وتقرير ذلك (٣) أنَّه ﷺ لمَّا فعلَ ذلك بالعُرَنيين كان بحكمِ الله وحيًا، أو باجتهادٍ مُصيب، فنزلتْ آيةُ المحاربة (٤): ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية ناسخةً لذلك (ثُمَّ نَبَذَهُمْ) طرحَهم (فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا) قال أبو
стр. 11952
قِلابة: (قُلْتُ (١): وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا) الرَّاعي يسارًا (وَسَرَقُوا) النَّعم (فَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الموحدة سين مهملة، الأمويُّ أخو عَمرو بن سعيد الأشدق: (وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ كَاليَوْمِ قَطُّ) بكسر الهمزة وتخفيف النون، بمعنى «ما» النَّافية والمفعول محذوفٌ؛ أي (٢): ما سمعتُ قبل اليومِ مثلَ ما سمعتُ منك اليوم. قال أبو قِلابةَ: (فَقُلْتُ: أَتَرُدُّ عَلَيَّ) بتشديد الياء (حَدِيثِي يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لَا) أردُّ عليك (وَلَكِنْ جِئْتَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ، وَاللهِ لَا يَزَالُ هَذَا الجُنْدُ) أي: أهل الشَّأم (بِخَيْرٍ مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخُ) أبو قِلابة (بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ). قال أبو قِلابة: (قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا) قال في «الكواكب»: أي: في مثله (سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وهي أنَّه لم يحلِّف المدَّعي للدَّم بل حلَّف المدَّعى عليه أوَّلًا (٣) (دَخَلَ عَلَيْهِ) ﷺ (نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ) يحتمل أنَّهم عبدُ الله بن سهل ومحيِّصة وأخوه (٤) (فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) إلى خيبرَ (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) هو: عبد الله بن سهل (فَقُتِلَ) بها (فَخَرَجُوا بَعْدَهُ) إلى خيبرَ (فَإِذَا هُمْ بِصَاحِبِهِمْ) عبد الله بن سهل (يَتَشَحَّطُ) بفتح التحتية والفوقية والشين المعجمة والحاء المشددة بعدها طاء مهملة أيضًا، يضطربُ (فِي الدَّمِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في دمهِ» (فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَاحِبُنَا) عبد الله بن سهل الَّذِي (كَانَ يتَحَدَّثُ) والَّذي في «اليونينيَّة» «تحدَّث» (مَعَنَا) عندكَ (فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا) إلى خيبرَ (فَإِذَا نَحْنُ بِهِ) عندها (يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من بيته أو من مسجدهِ إليهم (فَقَالَ) لهم: (بِمَنْ تَظُنُّونَ -أَوْ: تَرَوْنَ-) بفتح الفوقية أو بضمها، وهو بمعنى تظنُّون، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ: «أو من ترونَ» (قَتَلَهُ؟ قَالُوا: نَرَى) بفتح النون أو بضمها، أي: نظنُّ (أَنَّ اليَهُودَ قَتَلَتْهُ) بتاء التأنيث. قال العينيُّ: كذا في رواية المُستملي، وفي رواية غيره «قتله» بدونها بلفظ الماضي. قال: وقوله في «فتح الباري»: وفي رواية المُستملي: «قتلنه» بصيغة المسند إلى الجمع المستفادِ من لفظ اليهود؛ لأنَّ المراد: قتلوه، غلطٌ فاحشٌ؛ لأنَّه مفردٌ مؤنَّثٌ، ولا يصحُّ أن نقول (٥):
стр. 11953
قتلنه، بالنون بعد اللام؛ لأنَّه صيغة جمع المؤنث (فَأَرْسَلَ) ﷺ (إِلَى اليَهُودِ فَدَعَاهُمْ. فَقَالَ) لهم مستفهمًا: (آنْتُمْ) بمدِّ الهمزة (قَتَلْتُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ) ﵊ للمدَّعين: (أَتَرْضَوْنَ نَفَْلَ) بفتح النون والفاء، مصحَّحًا (١) عليها في الفرع كأصله. وقال في «الفتح» بسكونها. وقال الكِرْمانيُّ: بالفتح والسكون، الحلِفُ، وأصله النَّفي، وسُمِّي اليمينُ في القسامة نفلًا؛ لأنَّ القصاصَ ينفى بها، أي: أترضون بحلفِ (خَمْسِينَ) رجلًا (مِنَ اليَهُودِ) أنَّهم (مَا قَتَلُوهُ؟ فَقَالُوا): إنَّهم (مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ، ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الفاء، وفي نسخة «يُنْفِلُون» بضم التحتية، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يُنَفِّلُونَ» بضم التحتية وفتح النون وتشديد الفاء مكسورة، أي: يحلِفُون (قَالَ) ﷺ للمدَّعين: (أَفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ) بهمزة الاستفهام (بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟) بالإضافة (قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ) بالنصب، أي: لأن (٢) نحلف (فَوَدَاهُ) النَّبيُّ ﷺ (مِنْ عِنْدِهِ) وفي رواية سعيد (٣) بن عبيد [خ¦٦٨٩٨] فوداه مئةً مِن إبلِ الصَّدقة. وسبقَ أنَّه جمع بينهما باحتمالِ أن يكون اشتراها من إبلِ الصَّدقة بمالٍ دفعه من عنده. وفي الحديث: أنَّ اليمين تُوجَّه أولًا على المدَّعى عليه لا على المدَّعي كما في قصَّة النَّفر الأنصاريِّين.
واستدلَّ بإطلاق قوله: «خمسين منكم» على أنَّ من يحلف في القَسَامة لا يشترط أن يكون رجلًا ولا بالغًا، وبه قال أحمد، وقال مالكٌ: لا تدخل النِّساء في القسامة، وقال إمامنا الشَّافعيُّ: لا يحلفُ في القسامة إلَّا الوارثُ البالغ؛ لأنَّها يمينٌ في دعوى حكميَّة، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرِّجال والنِّساء، وقد نبَّه ابن المُنَيِّر في «الحاشية» على النُّكتة في كون البخاريِّ لم يوردْ في هذا الباب الطَّريق الدَّالَّة على تحليف المدَّعي، وهي مما تخالفُ فيه القسامة بقيَّة الحقوق، وقال: مذهبُ البخاريِّ تضعيفُ القَسَامة، فلهذا صدَّر الباب بالأحاديث الدَّالَّة على أنَّ اليمين في جانب المدَّعى عليه، وأورد طريق سعيد بن عُبيد، وهو جارٍ على القواعد، وإلزام المدَّعى عليه البيِّنة ليس من خصوصِ القَسَامة في شيءٍ، ثمَّ ذكر حديث القَسَامة الدَّالِّ
стр. 11954
على خروجها عن القواعدِ بطريق العرضِ في كتاب «الموادعة والجزية» فرارًا من أن يذكرها هنا، فيغلط المستدلُّ بها على اعتقاد البخاريِّ.
قال الحافظ ابنُ حجرٍ -بعد أن نقل ذلك-: والَّذي يظهرُ لي (١) أن البخاريَّ لا يُضعِّف القَسَامة من حيثُ هي، بل يوافق الشَّافعيَّ في أنَّه لا قَوَد فيها، ويخالفُه في أنَّ الَّذي يحلفُ فيها هو المدَّعي، بل يرى أنَّ الرِّوايات اختلفت في ذلك في قصَّة الأنصار ويهود خيبر، فيردُّ المختلفَ إلى المتَّفق عليه من أنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه، فمِن ثمَّ أوردَ رواية سعيدِ بن عُبيد [خ¦٦٨٩٨] في «باب القَسَامة»، وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر [خ¦٦١٤٢] وليس في شيءٍ من ذلك تضعيف أصل القَسَامة. وقال القرطبيُّ: الأصل في الدَّعاوى أنَّ اليمين على المدَّعى عليه، وحكم القَسَامة أصل بنفسه؛ لتعذُّر إقامة البيِّنة على القتل فيها غالبًا، فإنَّ القاصد للقتلِ يقصدُ الخلوة ويترصَّدُ الغفلة، وتأيَّدت بذلك الرِّواية الصَّحيحة المتَّفق عليها وبقي ما عدا القسامة على الأصلِ، ثمَّ ليس ذلك خروجًا عن الأصل (٢) بالكلِّية، بل (٣) لأنَّ المدَّعى عليه إنَّما كان القول قوله؛ لقوَّة جانبه بشهادةِ الأصل له بالبراءةِ ممَّا ادُّعي عليه، وهو موجودٌ (٤) في القسامة في جانب المدَّعي لقوة جانبهِ باللَّوْث الَّذي يقوِّي دعواه.
قال أبو قِلابة -بالسَّند (٥) -: (قُلْتُ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ) بالذال المعجمة القبيلةُ المشهورةُ المنسوبةُ إلى هذيل بنِ مُدْركة بنِ إلياس بنِ مضر (خَلَعُوا خَلِيعًا لَهُمْ (٦) فِي الجَاهِلِيَّةِ) بفتح الخاء (٧) المعجمة فيهما وكسر اللَّام في الثَّاني، فعيلًا بمعنى: مفعول.
قال في «المقدمة»: ولم أقفْ على أسماء (٨) هؤلاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حَليفًا»
стр. 11955
بالحاء المهملة والفاء بدل المعجمة والعين. قال في «الصِّحاح»: يقال: تخالعَ القومُ إذا نقضوا الحلفَ بينهم. انتهى. وقد كانت العربُ يتعاهدون على النُّصرة وأن يؤخذ كلٌّ منهم بالآخرِ، فإذا أرادوا أن يتبرَّؤوا من الَّذي (١) حَالفوه أظهروا ذلك للنَّاس، وسمُّوا ذلك الفعلَ خَلعًا، والمبرأ منه خليعًا، أي: مخلوعًا، فيؤخذون بجنايتهِ ولا يؤخذ (٢) بجنايتهِم فكأنَّهم قد خلعوا اليمين الَّتي كانت قد التمسوها معه، ومنه سُمِّي الأميرُ إذا عُزِل (٣) خليعًا ومخلوعًا مجازًا واتِّساعًا، ولم يكنْ ذلك في الجاهليَّة يختصُّ بالحليفِ بل كانوا ربَّما خلعوا الواحدَ من القبيلة ولو كان من صَميمها إذا صدرتْ منه جنايةٌ تقتضي ذلك، وهذا ممَّا أبطلَه الإسلامُ من حكم الجاهليَّة، ومن ثمَّ قيَّده في الخبر بقولهِ: في «الجاهليَّة».
قال في «الفتح»: ولم أقفْ على اسم الخليع المذكور، ولا على اسم أحدٍ ممَّن ذكِر في القصَّة.
(فَطَرَقَ) الخليعُ (أَهْلَ بَيْتٍ) وفي نسخة: «فَطُرِق» بضم الطاء وكسر الراء مبنيًّا للمفعول، «أهلُ بيتٍ» (مِنَ اليَمَنِ بِالبَطْحَاءِ (٤)) وادِي مكَّة، أي: هجمَ عليهم ليلًا في خفيةٍ ليسرق منهم (فَانْتَبَهَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ) من أهل البيتِ (فَحَذَفَهُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة، رماه (بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَتْ هُذَيْلٌ فَأَخَذُوا) الرَّجل (اليَمَانِيَ) بالتخفيف، وفي «الملكيَّة» بالتَّشديد، الَّذي قتلَ الخليع (فَرَفَعُوهُ إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (بِالمَوْسِمِ) الَّذي يجتمع فيه الحاجُّ كلَّ سنة (وَقَالُوا: قَتَلَ صَاحِبَنَا، فَقَالَ) القاتل: إنَّه لصٌّ و (إِنَّهُمْ) يعني: قومه (قَدْ خَلَعُوهُ) وفي نسخة: «قد خلعوا» بحذف الهاء (فَقَالَ) عمر ﵁: (يُقْسِمُ) بضم أوَّله، أي: يحلفُ (خَمْسُونَ مِنْ هُذَيْلٍ) أنَّهم (مَا خَلَعُوهُ) وفي نسخةٍ بحذف الهاء (قَالَ: فَأَقْسَمَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا) كاذبين أنَّهم ما خلعوه (٥) (وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) أي: من هُذيل (مِنَ الشَّأْمِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقْسِمَ) كقسمهم (فَافْتَدَى يَمِينَهُ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدْخَلُوا) بفتح الهمزة (مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ، فَدَفَعَهُ
стр. 11956
إِلَى أَخِي المَقْتُولِ فَقُرِنَتْ) بضم القاف (يَدُهُ بِيَدِهِ، قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قال: قالوا»: (فَانْطَلَقْنَا) نحن (وَالخَمْسُونَ) والَّذي في «اليونينيَّة» «فانطلقا (١) والخمسون» (الَّذِينَ أَقْسَمُوا) أنَّهم ما خلعوهُ، وهو من إطلاقِ الكلِّ وإرادةِ الجزء؛ إذ الَّذين أقسمُوا إنَّما هم تسعةٌ وأربعون (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَخْلَةَ) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، موضعٌ على ليلةٍ من مكَّة لا ينصرفُ (أَخَذَتْهُمُ السَّمَاءُ) أي: المطر (فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي الجَبَلِ، فَانْهَجَمَ) بسكون النون وفتح الهاء والجيم، أي: سقطَ، وللأَصيليِّ «فانهدمَ» (الغَارُ عَلَى الخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا، وَأُفْلِتَ) بضم الهمزة، والَّذي في «اليونينيَّة» بفتحها (القَرِينَانِ) أخو المقتولِ والرَّجل الَّذي جعلوهُ مكان الرَّجل الشَّاميِّ -بالميم (٢) -، أي: تخلَّصا (وَاتَّبَعَهُمَا) بتشديد الفوقية بعد همزة الوصل وبالموحدة (حَجَرٌ) وقع عليهما بعد أن تخلَّصا وخرجا من الغار (فَكَسَرَ رِجْلَ أَخِي المَقْتُولِ، فَعَاشَ حَوْلًا ثُمَّ مَاتَ) وغرضُ المؤلِّف من هذه القصَّة أنَّ الحلفِ توجَّه أولًا على المدَّعى عليه لأجلِ المدَّعي، كقصَّة النَّفر من الأنصار.
قال أبو قِلابة -بالسَّند السَّابق موصولًا؛ لأنَّه أدرك ذلك-: (قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَقَادَ رَجُلًا) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمه (٣) (بِالقَسَامَةِ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ مَا صَنَعَ، فَأَمَرَ بِالخَمْسِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا) من بابِ إطلاق الكلِّ على البعضِ، كما مرَّ (فَمُحُوا) بضم الميم والحاء المهملة (مِنَ الدِّيوَانِ) بفتح الدال وكسرها، الدَّفتر الَّذي يكتبُ فيه أسماء الجيش وأصل العطاء، فارسيٌّ معرَّب، وأوَّل من دوَّن الدَّواوين عمر ﵁ (وَسَيَّرَهُمْ) أي: نفاهُم (إِلَى الشَّأْمِ) وفي رواية أحمدَ بن حرب عند أبي نُعيم في «مستخرجه»: من الشَّام، بدل: إلى. قال في «الفتح»: وهذه أولى؛ لأنَّ إقامةَ عبد الملك كانت بالشَّام، ويحتملُ أن يكون ذلك وقع بالعراقِ عند محاربتهِ مصعب بن الزُّبير، ويكونوا من أهل العراقِ فنفاهم إلى الشَّام. انتهى.
وقد تعجَّب القابسيُّ -بالقاف والموحدة- من عمرَ بن عبد العزيز كيف أبطلَ حُكم القَسَامة
стр. 11957
الثَّابت بحكمِ رسول الله ﷺ وعمل الخلفاء الرَّاشدين بقول أبي قِلابة وهو من بُلْه (١) التَّابعين، وسمع منه في ذلك قولًا مرسلًا غير مسندٍ مع أنَّه انقلبَ عليه قصَّة الأنصار إلى قصَّة خيبر، فركبَ إحداهما (٢) مع الأخرى لقلَّة حفظهِ، وكذا سمعَ حكاية مُرسلة مع أنَّها لا تعلُّق لها بالقَسَامة؛ إذ الخلعُ ليس قسامةً، وكذا محو عبد الملك لا حجَّة فيه.
(٢٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ) بغير إذنهم (فَفَقَؤوا عَيْنَهُ) أي: شقّوها (فَلَا دِيَةَ لَهُ).
٦٩٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بنُ نافع، ولأبوي الوقتِ وذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أبو النُّعْمان» أي: محمد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا) قال في «فتح الباري»: وهذا الرَّجل لم أعرف اسمه صريحًا، لكن نقلَ ابنُ بَشْكوال عن أبي الحسن بن الغيث (٣) أنَّه الحكم بنُ أبي العاص (٤) بن أميَّة والدُ مروان، ولم يذكرْ لذلك مستندًا، وذكر الفاكهيُّ في «كتاب مكة» من طريق أبي سفيان عن الزُّهريِّ وعطاء الخراسانيِّ: أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ دخلوا عليه وهو يلعنُ الحكم بن أبي العاص، ويقول: «اطَّلع عليَّ وأنا مع زوجتِي فلانة فكلَحَ في وجهِي»، وهذا ليس صريحًا في المقصود هنا، وفي «سنن أبي داود» من طريق هُذَيل بن شُرَحبيل قال: جاء سعدٌ فوقفَ على باب النَّبيِّ ﷺ فقامَ يستأذنُ على الباب (٥)، ولم ينسبْ هذا في رواية أبي داود، وفي الطَّبرانيِّ: أنَّه سعدُ بن عبادة (اطَّلَعَ) بتشديد الطاء، نظرَ (مِنْ جُحْرٍ) بضم الجيم
стр. 11958
وسكون الحاء المهملة (فِي حُجَرِ (١) النَّبِيِّ) بضم الحاء المهملة ثمَّ الجيم المفتوحة، وسقط لغير أبي ذرٍّ «من جُحر» وثبت لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في بعض حُجَرِ النَّبيِّ» (¬ ﷺ ¬) أي: بعض منازله (فَقَامَ إِلَيْهِ) ﷺ (بِمِشْقَصٍ) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة بعدها قاف مفتوحة فصاد مهملة، نصلٌ عريضٌ (-أَوْ: بِمَشَاقِصَ-) جمع: مشقصٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ: «أو مشاقص» بحذف الموحدة (وَجَعَلَ) ﷺ (يَخْتِلُهُ) بفتح التحتية وكسر الفوقية بينهما خاء معجمة ساكنة وبعد اللام هاء، يستغفلهُ (٢) ويأتيه من حيثُ لا يراه (لِيَطْعُنَهُ) بضم العين المهملة في الفرع كأصله.
ولم يصرِّح في هذا الحديثِ بأن لا ديَة له فلا مطابقةَ. نعم في بعض طرقه التَّصريح بذلك، فحصلتِ المطابقةُ كما هي عادة المؤلِّف في كثيرٍ من ذلك.
٦٩٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو: ابنُ سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما (السَّاعِدِيَّ) ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ) بجيم مضمومة فحاء مهملة ساكنة (فِي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من جحر من» (بَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِدْرًى) بكسر الميم وسكون الدال المهملة بعدها راء منوَّنة، حديدة يسوَّى بها شعرُ الرَّأس المتلبِّد كالخِلَال لها رأسٌ محدَّد، وقيل: هو شبيهٌ بالمشطِ له أسنانٌ من حديدٍ، وقال في الأولى: مِشْقصٌ، وفسِّر (٣) بالنَّصل العريض، فيحتمل التَّعدد، أو أنَّ رأس المدرى كان محدَّدًا فأشبه النَّصل (يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنْ) بالتَّخفيف (تَنْتَظِرَنِي) ولأبي ذرٍّ
стр. 11959
عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنَّك» بتشديد النون بعدها كاف «تنتظرني» أي: تنظُرني (لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ) بالتَّثنية، وللكُشمِيهنيِّ: «في عينك» بالإفرادِ، يعني: وإنَّما لم أطعنْك لأنِّي كنت متردِّدًا بين نظرك وبين (١) وقوفكَ غير ناظرٍ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ) أي: الاستئذانُ في دخول الدَّار (مِنْ قِبَلِ البَصَرِ) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة البصر؛ لئلَّا يطَّلع على عورةِ أهلها ولولاهُ لما (٢) شرع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «من قبل النظر» بالنون والظاء المعجمة بدل الموحدة والصاد. وقال في «شرح المشكاة» قولهُ: «لو أعلمُ أنَّك تنتظرُني» بعد قولهِ: «اطَّلع» يدلُّ على أنَّ الاطلاع مع غير قصدِ النَّظر لا يترتَّب هذا الحكم عليه، فلو قصدَ النَّظر ورماهُ صاحب الدَّار بنحو حصاةٍ فأصابتْ عينَه فعميَ، أو سرتْ إلى نفسِه فتلفَ فهدَر.
والحديث مرَّ في «باب الاستئذانِ» [خ¦٦٢٤١] وغيره [خ¦٥٩٢٤].
٦٩٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط (٣) «ابن عبد الله» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هِرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ) بتشديد الطاء، من (٤) منزلكَ (بِغَيْرِ إِذْنٍ) منكَ له (فَخَذَفْتَهُ) بالخاء والذال المعجمتين، أي: رميتهُ (بِحَصَاةٍ) بين إصبعيك (فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ) شققتها (٥) (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ) أي: حرجٌ، وعند ابنِ أبي عاصمٍ من وجهٍ آخر عن ابن عُيينة بلفظ: «ما كانَ عليكَ من حرجٍ»، وفي مسلمٍ من وجهٍ آخرَ عن أبي هُريرة: «من اطَّلع في بيتِ قومٍ بغيرِ إذنهِم، فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينَه».
стр. 11960
قال في «فتح الباري»: فيه ردٌّ على من حملَ الجُناحَ هنا على الإثمِ، ورتَّب على ذلك وجوبَ الدِّيَة؛ إذ لا يلزمُ من رفعِ الإثمِ رفعها؛ لأنَّ وجوب الدِّيَة من خطاب الوضع، ووجه الدَّلالة أنَّ إثبات الحلِّ يمنع ثبوتَ القصاص والدِّيَة، وعند الإمام أحمدَ وابنِ أبي عاصم والنَّسائيِّ وصحَّحه ابن حبَّان والبيهقيِّ كلّهم من رواية بشيرِ بن نَهِيك عن أبي هريرة ﵁: «مَن اطَّلع في بيتِ قومٍ بغيرِ إذنهم ففقؤوا عينَه فلا ديَة ولا قِصاص»، وهذا صريحٌ في ذلك.
وفي هذا الحديث فوائد كثيرةٌ، واستُدلَّ به على جواز رمي من يتجسَّس، فلو لم يندفعْ بالشَّيء الخفيف جازَ بالثَّقيل، وأنَّه إن أُصيبتْ (١) نفسُه أو بعضه فهو هدرٌ، وقال المالكيَّة بالقِصاص، وأنَّه لا يجوزُ قصدُ العين ولا غيرها، واعتلُّوا بأنَّ المعصيةَ لا تُدفع بالمعصيةِ. وأَجاب الجمهورُ بأنَّ المأذون فيه إذا ثبتَ الإذنُ لا يسمَّى معصيةً، وإن كان الفعل لو تجرَّد عن هذا السَّبب يعدُّ معصيةً، وقد اتُّفق على جواز دفعِ الصَّائل، ولو أتى على نفسِ المدفوع وهو بغير السَّبب المذكورِ معصية، فهذا يلتحقُ (٢) به مع ثبوتِ النَّصِّ فيه، وأجابوا عن الحديث بأنَّه وردَ على سبيلِ التَّغليظ والإرهاب، وهل يُشترط الإنذارُ قبل الرَّمي؟ الأصحُّ (٣) عند الشَّافعيَّة لا، وفي حكم التَّطلُّع من خَلَل الباب النَّاظرُ (٤) من كَوَّة من الدَّار، وكذا من وقفَ في الشَّارع فنظرَ إلى حريمِ غيرِه، ولو رماهُ بحجرٍ ثقيلٍ أو سهمٍ مثلًا (٥) تعلَّق به القصاص، وفي وجهٍ لا ضمان مطلقًا ولو لم يندفعْ إلَّا بذلك جازَ.
والحديث سبق في «كتاب بدء السَّلام» [خ¦٦٨٨٨].
(٢٤) (باب العَاقِلَةِ) بكسر القاف، جمع: عاقل، وعاقلة الرَّجل: قراباتُه من قبل الأبِ وهم عصبته، وسُمُّوا عاقلةً لِعَقْلِهم الإبلَ بفناءِ دار المستَحِقِّ، ويُقال: لتحمُّلِهم عن الجَاني العَقْل، أي: الدِّيَة، ويُقال: لمنعِهم عنه، والعقلُ المنعُ، ومنه سُمِّي العقلُ عقلًا لمنعهِ من الفواحش،
стр. 11961
وتحمُّل العاقلة الدِّيَة ثابتٌ بالسُّنَّة، وأجمع عليه أهل العلم، وهو مخالفٌ لظاهر قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لكنَّه خُصَّ من عمومها ذلك لما فيه من المصلحةِ؛ لأنَّ القاتل لو أُخذَ بالدِّيَة لأوشكَ أن يأتي على جميعِ مالهِ؛ لأنَّ تتابعَ الخطأ منه لا يؤمنُ، ولو تُركَ بغير تغريمٍ لأهدِرَ دمُ المقتول.
٦٩٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان الهلاليُّ مولاهم الكوفيُّ، أحدُ الأعلام، قال: (حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة بعدها فاء، ابن طريف الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) عامرَ بنَ شَرَاحيل (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبعد التحتية ساكنة فاء فهاء تأنيث، وهب بن عبد الله السَّوائيَّ (قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا) هو ابنُ أبي طالب (¬﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ) أهل البيت النَّبويِّ، أو الميم للتَّعظيم (شَيْءٌ مَا) ولأبي ذرٍّ: «ممَّا» (لَيْسَ فِي القُرْآنِ؟ -وَقَالَ) أي: سفيان: (مَرَّةً: مَا لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ-) خصَّكم به النَّبيُّ ﷺ (فَقَالَ) عليٌّ ﵁: (وَ) الله (الَّذِي فَلَقَ الحَبَّ) ولأبي ذرٍّ: «الحبَّة» أي: شقَّها (وَبَرَأَ النَّسَمَةَ) خلق الإنسان (مَا عِنْدَنَا) شيءٌ (إِلَّا مَا فِي القُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى) بضم التحتية وفتح الطاء (رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ) تعالى، والاستثناءُ منقطعٌ، أي: لكنَّ الفهم عندنا هو الَّذي أُعطيه الرَّجل في القرآن، والفهْم -بسكون الهاء- ما يُفهم من فَحوى كلامه تعالى، ويستدركُه من باطنِ معانيهِ الَّتي هي (١) الظَّاهر من نصِّه، وفي رواية الحميديِّ: إلَّا أن يعطيَ اللهُ عبدًا فهمًا في كتابهِ (وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ) وفي «كتاب العلم»: وما في هذه الصَّحيفَة [خ¦١١١] وقد سبقَ فيه أنَّها كانت معلَّقةً في قبضةِ سيفهِ، وعند النَّسائيِّ: فأخرج (٢) كتابًا من قِرابِ سيفه. قال أبو جُحَيفة: (قُلْتُ) لعليٍّ ﵁: (وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ ﵁: فيها (العَقْلُ) أي: الدِّيَة ومقاديرها وأصنافها (٣)
стр. 11962
وأسنانها (وَفَِكَاكُ الأَسِيرِ) بفتح الفاء وتكسر، ما يحصل به خلاصه (وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) وبه قال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمدُ في آخرين، وقال أبو حنيفة وصاحباهُ ﵏: يقتلُ المسلم بالكافرِ، وحملوا قوله: «لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ (١)»، على غيرِ ذي عهدٍ. انتهى. وظاهر قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وإن كان عامًّا في قتل المسلم بالكافر، لكنَّه خُصَّ بالسُّنَّة. والحديث سبق في «باب (٢) كتابة العلم» من «كتاب العلم» [خ¦١١١].
(٢٥) (باب جَنِينِ المَرْأَةِ) بفتح الجيم، بوزن عَظِيم، حمل المرأة ما دام في بطنها، سُمِّي بذلك لاستتارهِ.
٦٩٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام، وقال البخاريُّ أيضًا: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) في «مسند أحمد»: الرَّامية هي أمُّ عفيف بنتُ مسروح، والآخرى مُلَيكة بنتُ عُويمر (٣)، وفي رواية البيهقيِّ وأبي نُعيم في «المعرفة» عن ابن عبَّاس: أنَّ المرأةَ الأُخرى أمُّ عطيف، وهاتان المرأتان كانتا ضرَّتين وكانتا عند حَمَل بن النَّابغة الهُذَليِّ كما عند الطَّبرانيِّ من طريق عمران بن عُويمر (٤)، قال: كانتْ أُختي مُلَيكة وامرأةٌ منَّا يقال لها: أمُّ عفيفٍ بنتُ مَسْرُوح تحتَ حَمَل بن النَّابغة، فضربتْ أمُّ عفيفٍ مُلَيكة، وحَمَل -بفتح الحاء المهملة
стр. 11963
والميم-، وفي رواية الباب التالي لهذا [خ¦٦٩١٠] فرمَتْ إِحداهُما الأُخرى بحجرٍ. وزاد عبد الرَّحمن [خ¦٥٧٥٨]: فأصابَ بطنَها وهي حاملٌ (فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا) ميِّتًا فاختصموا إلى رسول الله ﷺ (فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) بالجرِّ بدلًا من الغرَّة، وروي بإضافة غرَّة لتاليهِ.
قال عياض: والتَّنوين أوجه؛ لأنَّه بيانٌ للغُرَّة ما هي، وعلى الإضافة تكون من إضافة الشَّيءِ إلى نفسهِ، ولا يجوزُ إلَّا بتأويل «أو» للتَّنويع على الرَّاجح، والغُرَّة بضم الغين المعجمة وتشديد الراء مفتوحة مع تنوين التاء، وهي في الأصل بياضٌ في الوجهِ، واستعمل هنا في العبدِ والأمةِ ولو كانا أسودينِ، واشترط الشَّافعيَّة كونهما مُمَيِّزين بلا عيبٍ؛ لأنَّ الغرَّة الخيار وغير المميِّز والمعيب ليسا من الخيار، وأن لا يكونا هرمين، وأن تبلغ قيمتهما عشر ديَة الأمِّ.
والحديث مرَّ في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٥٩].
٦٩٠٥ - ٦٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ، ويُقال له: التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابن خالد قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ أنَّه اسْتَشَارَهُمْ) أي: الصَّحابةَ، ولمسلم: استشار النَّاس، أي: طلب ما عندهم من العلمِ في ذلك، وهل سمع أحدٌ منهم من رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا كما صرَّح بذلك في بعض الطُّرق، ولا يُعارض هذا ما في بعض الطُّرق أنَّه استشارَ بعض أصحابه وفسِّر بأنَّه عبد الرَّحمن بن عوف، فيكون من إطلاقِ النَّاس عليه كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فإنَّه أريدَ به نُعيم بن مسعود الأشجعيُّ، أو أربعة كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الرِّسالة»، أو أنَّه استشار النَّاس عمومًا واستشار عبد الرَّحمن خصوصًا (فِي إِمْلَاصِ المَرْأَةِ) بكسر الهمزة وسكون الميم آخره صاد مهملة، مصدر أملصَ، يأتي متعدِّيًا كأملصتُ الشَّيءَ، أي: أزلقتُه فسقط، ويأتي قاصرًا (١) كأملصَ الشَّيء إذا تزلَّق وسقط. يُقال: أملصَتِ المرأةُ ولدها، وأزلقتْه (٢)
стр. 11964
بمعنى: وضعتْهُ قبل أوانهِ، فالمصدر هنا مضاف (١) إلى فاعلهِ، والمفعول به محذوفٌ، يعني (٢): فيما يجبُ على الجاني في إجهاض المرأةِ الجنين، أو بالجنينِ على تقديرَي التَّعدِّي واللُّزوم، ونسب الفعل إليها؛ لأنَّ (٣) بالجناية عليها كأنَّها الفاعلةُ لذلك (فَقَالَ المُغِيرَةُ) بنُ شعبة، وفيه تجريدٌ؛ إذ الأصل أن يقولَ: فقلتُ، كما هو في رواية المصنِّف في «الاعتصام» من طريق أبي معاوية [خ¦٧٣١٧] (قَضَى) أي: حكمَ (النَّبِيُّ ﷺ ¬) ويحتملُ أن يكون المراد: الإخبارَ عن حكمِ الله والإفتاء به (بِالغُرَّةِ) في الجنين (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) بالجرِّ فيهما على البدليَّة بدل كلٍّ من كلٍّ، والغُرَّة: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء. قال الجوهريُّ في «صحاحه»: عبَّر النَّبيُّ ﷺ عن الجسم كلِّه بالغرَّة. قال أبو عَمرو ابن العلاء: المراد: الأبيضُ لا الأسود، ولولا أنَّه ﷺ أراد بالغرَّة معنًى زائدًا على شخصِ العبد والأمة لما ذكرها. قال النَّوويُّ: وهو خلافُ ما اتَّفق عليه الفقهاء من إجزاء الغُرَّة السَّوداء أو البيضاء. قال أهل اللُّغة: الغرَّة عند العرب أنفس الشَّيءِ، وأطلقت (٤) هنا على الإنسان؛ لأنَّ الله تعالى خلقهُ في أحسنِ تقويمٍ، فهو من أنفسِ المخلوقاتِ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
(قَالَ: ائْتِ مَنْ) (٥) وعند الإسماعيليِّ من طريق سفيان بن عُيينة: «فقال عُمر: من» (يَشْهَدُ مَعَكَ) وفي رواية وكيع -عند مسلم-: فقال: ائتِنِي بمن يشهدُ مَعَك (٦) (فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) الخزرجيُّ البدريُّ ﵁ (أَنَّهُ شَهِدَ) أي: حضرَ (النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِهِ) ولفظ الشَّهادة في قولهِ: «فشهد» المراد به: الرُّؤية، وقد شرط (٧) الفقهاءُ في وجوب الغرَّة انفصالَ الجنين ميِّتًا بسبب الجنايةِ، وإن (٨) انفصل حيًّا فإن مات عقبَ انفصاله أو دام ألمهُ ومات فديَة؛ لأنَّا تيقنَّا حياتهُ وقد
стр. 11965
مات بالجنايةِ، وإنْ بقيَ زمنًا (١) ولا ألم به ثمَّ مات فلا ضمان فيه؛ لأنَّا لم نتحقَّق موته بالجنايةِ.
والحديث أخرجه أبو داود في «الدِّيَات» أيضًا.
٦٩٠٧ - ٦٩٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ مُوسَى) أبو محمد العبسيُّ الحافظ، أحدُ الأعلام على تشيُّعه (٢) وبدعتهِ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (أَنْ عُمَرَ) بن الخطَّابِ ﵁ (نَشَدَ النَّاسَ) بفتح الشين المعجمة، استحلف الصَّحابة (مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي السَُِّقْطِ؟) بتثليث السين، والضم رواية أبي ذرٍّ (وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فقال» (المُغِيرَةُ) بن شعبة: (أَنَا سَمِعْتُهُ) ﷺ (قَضَى فِيهِ) في السَّقط (٣) (بِغُرَّةٍ) بالتَّنوين (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) بالجرِّ فيهما بدل كلٍّ من كلٍّ، ونكرةٍ من نكرةٍ. (قَالَ: ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا) الَّذي ذكرتَه، و «ائت» بهمزة ساكنةٍ فعلُ أمر من الإتيان، وحذفت الموحدة من «بمَن» في الفرع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «آنْت» بهمزة الاستفهام ثمَّ نون ساكنة فمثناة فوقية، استفهامًا على إرادة الاستئناف للمخاطبِ، أي: أأنت (٤) تشهد، ثمَّ استفهمه ثانيًا فقال: (مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقالَ مُحَمَدُ بنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَبيِّ بِمِثلِ) ما شهدَ (هَذَا) أي: المغيرة.
قال في «الفتح»: وهذا الحديث في حكم الثُّلاثيات؛ لأنَّ هشامًا تابعيٌّ، وقولهُ: «عن أبيه أنَّ عمر»، صورتُه صورة (٥) الإرسالِ؛ لأنَّ عروة لم يسمعْ عمر، لكن تبيَّن من الرِّواية السَّابقة
стр. 11966
واللَّاحقة أنَّ عروة حملَه عن المغيرة، وإن لم يصرِّح به في (١) هذه الرِّواية.
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ) هو: محمَّدُ بن يحيى ابن عبد الله الذُّهليُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ) الفارسيُّ البغداديُّ، روى عنه البخاريُّ بغير واسطةٍ في «باب الوصايا» فقط [خ¦٢٧٨١] قال: (حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قُدامة بضم القاف، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أنَّه سَمِعَ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ (٢) يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ) بن الخطَّابِ ﵁ (أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ) أي: الصَّحابة (فِي إِمْلَاصِ المَرْأَةِ، مِثْلَهُ) أي: مثل رواية وهيبٍ المذكورة في هذا الباب. قال ابنُ دقيق العيد: واستشارةُ عمر في ذلك أصلٌ في سؤال الإمامِ عن الحُكم إذا كان لا يعلمه، أو كان عندَه شكٌّ، أو أراد الاستثباتَ، وفيه أنَّ الوقائع الخاصَّة قد تخفى على الأكابرِ ويعلمُها من هو دُونهم.
(٢٦) (باب) بيان حكم (جَنِينِ المَرْأَةِ، وَ) بيان (أَنَّ العَقْلَ) أي: ديَة المرأةِ المقتولة (عَلَى الوَالِدِ) أي: والد القاتلة (وَ) على (عَصَبَةِ الوَالِدِ لَا عَلَى الوَلَدِ) إذا (٣) لم يكن من عصبتِها؛ لأنَّ العقلَ على العصبةِ دون ذوي الأرحام، ولذا لا (٤) يعقلُ الأخوَّة من الأمِّ.
٦٩٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ، الإمام أبي محمد المخزوميِّ، أحدِ الأعلامِ، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى
стр. 11967
فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَِحْيَانَ) بكسر اللام وفتحها، بطنٌ من هذيل، والمرأة قيل: اسمها مُلَيكة بنت عُويمر، ضربتْها امرأةٌ يقال لها: أمُّ عفيفٍ بنتُ مَسْرُوح (١) بحجرٍ فسقط جنينها ميِّتًا (بِغُرَّةٍ) بالتَّنوين (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) بالجرِّ على البدل، كما مرَّ في الباب السَّابق (ثُمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا) ﷺ (بِالغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا) بتحتية ساكنة بعد النون المكسورة (وَزَوْجِهَا) فله الرُّبع ولبَنِيْها ما بقي، فهذا شخصٌ يورثُ ولا يرث، ولا يُعرفُ له نظيرٌ إلَّا من بعضُه حرٌّ وبعضُه رقيق، فإنَّه لا يرثُ عندنا ولكن يُورث على الأصحِّ (وَ) قضى ﵊ (أَنَّ العَقْلَ) أي: الدِّيَة (عَلَى عَصَبَتِهَا) أي: عصبةِ المرأة المتوفَّاة حتفَ أنفها الَّتي قضى عليها بالغرَّة؛ لأنَّ الإجهاضَ كان منها خطأ أو شبه عمدٍ، واتَّفقوا على أنَّ ديَة الجنين هي الغرَّة سواءٌ كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وسواءٌ كان كاملَ الخلقةِ أو ناقصها إذا تصوَّر فيها خلقُ آدمي، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الجنين قد يخفى فيكثرُ فيه النِّزاع، فضبطَه الشَّرع بما يقطع النِّزاع، فإن كان ذكرًا وجبَ مئة بعيرٍ، وإن كان أُنثى فخمسون، وليس في الحديثِ هنا إيجابُ العقلِ على الوالد، فلا مُطابقة. وأُجيب بأنَّه ورد في بعض طُرق القصَّة بلفظ: الوالد، كما جرت (٢) عادة المؤلِّف بمثل ذلك؛ ليحضَّ الطالبَ على البحثِ على جميع الطُّرق.
والحديث سبق في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٠].
٦٩١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر المصريُّ، يُعرف بابن الطَّبرانيِّ، كان أبوه من أهل (٣) طبرستان قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرني» بالتَّوحيد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ)
стр. 11968
سعيد (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ) التاء في «اقتتلتْ» لتأنيثِ الفاعل، ولو قال: اقتتل امرأتان جاز (١) (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَتْهَا) ولأبي ذرٍّ: «فقتلتها» بفاء العطف (وَمَا فِي بَطْنِهَا) عطف على ضمير المفعول، و «ما» موصول وصلتها في المجرور وبالاستقرار يتعلَّق حرف الجرِّ، أو الواو في «وما» بمعنى: مع، أي: قتلتها مع ما في بطنها، وهو الجنين (٢)، فتكون الصِّلة والموصول في محلِّ نصبٍ (فَاخْتَصَمُوا) أي: أهل المقتولةِ مع القاتلة وأهلها (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ) رفع خبر «أنَّ» بالتَّنوين (عَبْدٌ) رفع بدل من غرَّة (أَوْ وَلِيدَةٌ) عطف عليه، أي: أمة، و «أنَّ» في قولهِ: «أنَّ ديَة» في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على الخلاف في الاسم بعد حذف حرف الجرِّ، و «أو» للتَّنويع لا للشَّكِّ (وَقَضَى) ﵊ (دِيَةَ المَرْأَةِ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ ديةَ المرأة» (عَلَى عَاقِلَتِهَا) أي: على عاقلةِ القاتلةِ، وهي عصبتها.
(٢٧) (باب مَنِ اسْتَعَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا) بالنون في «استعان»، وللنَّسفيِّ والإسماعيليِّ: «استعارَ» «بالراء» بدل: «النون»، فهلك في الاستعمالِ وجبت ديَة الحُرِّ وقيمةُ العبد، فإن استعار (٣) حرًّا بالغًا متطوِّعًا أو بإجارة وأصابه شيءٌ، فلا ضمانَ عليه عند الجميعِ إن كان ذلك العملُ لا غررَ فيه.
(وَيُذْكَرُ) مبنيًّا (٤) للمفعول (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) والدة أنسٍ، ولأبي ذرٍّ: «أنَّ أمَّ سلمةَ هند زَوج النَّبيِّ ﷺ » (بَعَثَتْ إِلَى مُعَلِّمِ الكُتَّابِ) بكسر اللام المشددة، وللنَّسفيِّ: «إلى معلِّم كُتَّابٍ» بضم الكاف وتشديد الفوقية فيهما. قال الجوهريُّ: الكُتَّاب: الكتبة (٥) (ابْعَثْ إِلَيَّ) بتشديد الياء (غِلْمَانًا) لم يبلغوا الحلم (يَنْفُشُونَ صُوفًا) بضم الفاء والشين المعجمة (وَلَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حُرًّا) بتشديد الياء
стр. 11969
أيضًا. قال في «الكواكب»: لعلَّ غرضَها من منع بعث (١) الحرِّ التزام الجبرِ وإيصال العِوض؛ لأنَّه على تقديرِ هلاكه في ذلك (٢) العملِ لا تضمنه بخلافِ العبدِ فإنَّ الضَّمان عليها لو هلكَ به. وفي «الفتح»: وإنَّما خصَّت أمُّ سلمة العبيد (٣)؛ لأنَّ العُرْفَ جرى برضا السَّادة باستخدامِ عبيدهم في الأمر اليسيرِ (٤) الَّذي لا مشقَّة فيه بخلافِ الأحرار. وهذا الأثرُ وصله (٥) الثَّوريُّ في «جامعه» وعبد الرَّزَّاق في «مصنفه» عنه عن محمد بن المنكدرِ عن أمِّ سلمة. قال في «الفتح»: وكأنَّه منقطعٌ بين ابنِ المنكدر وأمِّ سلمة، ولذلك لم يجزمْ به البخاريُّ فذكره بصيغةِ التَّمريض.
٦٩١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين في الأول، وضم الزاي بعدها راءان بينهما ألف آخره هاء تأنيث في الثاني، النَّيسابوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابنُ عُليَّة (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صُهيب (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (٦) (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ) من مكَّة مهاجرًا وليس له خادمٌ يخدمهُ (أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ) زيدُ بن سهلٍ الأنصاريُّ زوج أمِّ سُلَيم والدة أنسٍ (بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ) أي: عاقلٌ (فَلْيَخْدُمْكَ) بسكون اللام والجزم على الطَّلب (قَالَ) أنس: (فَخَدَمْتُهُ) ﷺ (فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَاللهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا) أي: لم
стр. 11970
يعترض عليه لا في فعلٍ ولا في (١) تركٍ، ففيه حسنُ خلقه ﷺ إنَّه (٢) لعلى خلقٍ عظيمٍ، واعلم أنَّ تركَ اعتراضه ﷺ على أنسٍ ﵁ إنَّما هو فيما يتعلَّق بالخدمةِ والآداب لا فيما يتعلَّق بالتَّكاليف الشَّرعيَّة، فإنَّه لا يجوز تركُ الاعتراض فيها.
ومطابقة ذلك للتَّرجمة من جهة أنَّ الخدمة مستلزمةٌ للاستعانةِ، أو اعتمدَ على ما في سائرِ الرِّوايات أنَّه ﷺ قال له: «التَمِس لي غلامًا يخدمُني» وقد كان أنسٌ في كفالة أمِّه، فأحضرتْه إلى النَّبيِّ ﷺ وكان زوجها معها، فنسب الإحضار إليها تارةً وإليه أُخرى، وهذا صدر من أمِّ سُليم أوَّل قدومه ﷺ المدينة، وكانت لأبي طلحةَ في إحضارِه أنسًا قصَّةٌ أخرى، وذلك عند إرادته ﷺ الخروجَ إلى خيبر، كما سبقَ في «المغازي» [خ¦٢٨٩٣].
(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة.
٦٩١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ) بضم جيم «جُرحها» في الفرع. وقال في «الفتح»: بفتحها لا غير، كما نقله في «النهاية» عن الأزهريِّ، والعَجْماء -بفتح العين المهملة وسكون الجيم ممدودًا- البهيمة، سُمِّيت عجماء؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وجُبَار هَدَرٌ، والجملة مبتدأٌ وخبرٌ، أي: جرحُ العجماءِ هدَرٌ لا شيءَ فيه، وسقط في رواية لفظ «جُرحها» وحينئذٍ فالمراد: أنَّ البهيمة إذا أتلفتْ شيئًا ولم يكن معها قائدٌ ولا سائقٌ وكان نهارًا فلا ضمان، فإن كان معها أحدٌ ولو
стр. 11971
مُستأجِرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا ضمن ما أتلفتْه نفسًا ومالًا، ليلًا أو نهارًا، سواء كان سائقها أمْ راكبها (١) أم قائدها؛ لأنَّها في يدِه وعليه تعهُّدُها وحفظُها، نعم، لو أركبَها أجنبيٌّ بغيرِ إذن الوليِّ صبيًّا أو مجنونًا لا يضبطُها مثلهما، أو نخسها إنسانٌ بغير إذنٍ من صحبها، أو غلبتْه فاستقبلَها إنسانٌ فردَّها فأتلفتْ شيئًا في انصرافِها، فالضَّمان على الأجنبيِّ والنَّاخس والرَّادِّ.
وقال الحنفيَّة: لا ضمان مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، واللَّيل والنَّهار، معها أحدٌ أو (٢) لا، إلا أن يحملَها الَّذي معها على الإتلافِ، أو يقصدَه (٣) فيضمنُ لتعدِّيه.
(وَالبِئْرُ) بكسر الموحدة بعدها ياء ساكنةٌ مهموزةٌ، وتسهَّلُ وهي مؤنَّثة وتذكَّر على معنى القَليب، والجمع أَبْؤر وأبْآر -بالمدِّ والتَّخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة- إذا حفرها إنسانٌ في مُلكه أو في مَوات، فوقع فيها إنسانٌ أو غيره فتلفَ فهو (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه، وكذا لو استأجرَ إنسانًا ليحفرَها (٤) فانهارتْ عليه. نعم، لو حفرَها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بلا إذنٍ منه فتلفَ بها إنسانٌ (٥) فإنَّه يجبُ ضمانه على عاقلةِ الحافرِ والكفَّارة في مالهِ، وإن تلفَ بها غيرُ آدميٍّ وجبَ ضمانه في مالِ الحافرِ، ويلتحقُ (٦) بالبئر كلُّ حفرةٍ على التَّفصيل المذكور.
(وَالمَعْدِنُ) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين، المكانُ من الأرض يخرجُ منه شيءٌ من الجواهرِ والأجسادِ كالذَّهب والفضَّة والحديدِ والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغيرها، مِن عَدَن بالمكان إذا أقام به يَعْدِن -بالكسر- عُدُونًا، وسمِّي به لِعُدُون ما أنبتَه الله فيه -كما قال الأزهريُّ- إذا انهارَ على من حفرَ فيه فهلكَ فدَمُه (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه كالبئرِ (وَفِي الرِّكَازِ) بكسر الراء آخره زاي، بمعنى مرَكْوز ككِتَاب بمعنى (٧) مَكْتوب، وهو دفينُ الجاهليَّة ممَّا تجبُ فيه الزَّكاة (٨) من ذهبٍ أو فضَّة إذا بلغ النِّصاب (الخُمُسُ) والقول بأنَّ الرِّكاز دَفين
стр. 11972
الجاهليَّة هو قول مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وهو حجَّة على أبي حنيفة وغيره من العراقيين حيث قالوا: الرِّكاز هو المعدنُ وجعلوهما (١) لفظين مُتَرادفين، وقد عطفَ ﷺ أحدهما على الآخرِ، وذكر لهذا حكمًا غيرَ حكمِ الأوَّل، والعطفُ يقتضِي التَّغاير. وقال الأزهريُّ: يُطلق على الأمرين. قال: وقيل: إنَّ الرِّكاز قطَعُ الفضَّة تخرج من المعدن، وقيل: من الذَّهب أيضًا.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن» الأربعة.
(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد ممَّا وصلَه سعيدُ ابن منصورٍ: (كَانُوا) أي: علماءُ الصَّحابة أو التَّابعين (٢) (لَا يُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم (مِنَ النَّفْحَةِ) بفتح النون وسكون الفاء بعدها حاء مهملة، من الضَّربة الصَّادرة من الدَّابَّة برجلِها (وَيُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم أيضًا (مِنْ رَدِّ العِنَانِ) بكسر العين المهملة وتخفيف النون، وهو ما وضعُ (٣) في فمِ الدَّابَّة؛ ليصرفها الرَّاكب لما يختارُه، يعني: أنَّ الدَّابَّة إذا كانت مركوبةً فلفتَ الرَّاكب عِنَانها، فأصابتْ برجلها شيئًا ضمنَه الرَّاكب.
(وَقَالَ حَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي (٤) سليمان مسلم الأشعريُّ، فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ) بالحاء المهملة، رفعُ نائب عن الفاعلِ (إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) مثلثة الخاء المعجمة (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) بعودٍ ونحوه فيضمنُ.
(وَقَالَ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، ابن الحارث الكنديُّ
стр. 11973
القاضي المشهور، ممَّا وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا: (لَا تُضْمَنُ) بضم الفوقية أو التحتية مبنيًّا للمفعول (مَا عَاقَبَتْ (١)) أي: الدَّابَّة. وقال في «الكواكب»: بلفظ الغيبة لا يضمنُ ما كان على سبيلِ المكافأةِ منها (أَنْ يَضْرِبَهَا) أي: بأنْ يَضربها فهو مجرورٌ بمقدَّر، أو وهو أنْ يَضربها فمرفوعٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وإسناد الضمان إلى الدَّابَّة من بابِ المجاز، أو المراد: ضاربُها، وهذا كالتَّفسير للمُعَاقبة (فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا) بنصب «فتضربَ» عطفًا على المنصوب السَّابق، ولفظ ابن أبي شيبة: لا يَضْمَن السَّائقُ والرَّاكبُ، ولا يَضْمن الدَّابَّةَ إذا عاقبَتْ. قلت: وما عاقبَتْ؟ قال: إذا ضَرَبها رجلٌ فأصابَتْهُ.
(وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- أحدُ فقهاءِ الكوفة (وَحَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي سليمان أحدُ فقهاءِ الكوفة أيضًا: (إِذَا سَاقَ المُكَارِي) بكسر الراء في الفرع كأصله (حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، أي: تسقطُ (لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لا ضمانَ على المُكارِي.
(وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامرُ بنُ شَرَاحيل الكوفيُّ فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا) -من الإتعابِ- (فَهْوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ) أي: الدَّابَّة (وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا) وراءها (مُتَرَسِّلًا) بضم الميم وتشديد السين المهملة، منصوبٌ خبرُ «كان»، متسهِّلًا في السَّير لا يسوقُها ولا يتعِبُها (لَمْ يَضْمَنْ) شيئًا ممَّا أصابتْهُ.
٦٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الأزديُّ القصَّاب قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الجمحيِّ البصريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: العَجْمَاءُ) قال الجوهريُّ: سُمِّيت عجماءُ؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وكلُّ ما (٢) لا يتكلَّم أصلًا فهو أعجَمُ مُسْتعجَمٌ، والأعجمُ الَّذي لا يُفصِحُ ولا يُبيِّن كلامَه وإن كان من العربِ، ويُقال: أعجمُ وإنْ أفصَحَ، إذا كان في لسانهِ عُجْمة. وقال ابنُ دقيق العيد: العجماءُ: الحيوان البَهِيم. وقال التِّرمذيُّ: فسَّر بعضُ أهلِ العلم، قالوا: العجماءُ: الدَّابَّةُ المُنْفَلِتَة من صاحبِها، فما أصابتْ في انفلاتِها فلا غُرْم على
стр. 11974
صاحبِها. وقال أبو داود: العجماءُ الَّتي (١) تكون مُنْفَلتة ولا يكون معها أحدٌ ويكون بالنَّهار ولا يكون باللَّيل. وعندَ ابن ماجه في آخر حديثِ عُبادة بن الصَّامت: والعجماءُ البهيمةُ من الأنعامِ.
(عَقْلُهَا) أي: ديَّتها (جُبَارٌ) لا ديَة فيما أهلكتْه، وفي رواية الأسودِ بن العلاء -عند مسلم-: «العجمَاءُ جُرْحها جُبَارٌ» (وَالبِئْرُ) حيثُ جازَ حفرها وسقطَ فيها أحدٌ، أو انهدمَتْ على من استؤجرَ فهلكَ (جُبَارٌ) هدَرٌ أيضًا (٢) (وَالمَعْدِنُ) إذا انهارَ على حافرِه فقتله (جُبَارٌ) هدرٌ أيضًا (٣) لا قودَ فيه ولا ديَة (وَفِي الرِّكَازِ) دفينِ الجاهليَّة (الخُمُسُ) زكاةٌ إذا بلغ النِّصاب.
(٣٠) (باب إِثْمِ (٤) مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا) يهوديًّا أو نصرانيًّا (بِغَيْرِ جُرْمٍ) بضم الجيم وسكون الراء بعدها ميم، أي: بغير حقٍّ.
٦٩١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ) أبو محمد الدَّارميُّ البصريُّ من أفرادِ المؤلِّف، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) بفتح الحاء، ابن عَمرو -بفتح العين- الفُقَيميُّ -بضم الفاء وفتح القاف- التَّميميُّ، وهو أخو فُضيل بن عَمرو، توفِّي في خلافةِ أبي جعفرٍ، وقال خليفةُ: توفِّي سنة اثنتين وأربعين ومئة بالكوفةِ قاله ابنُ طاهر، وقال الحافظُ أبو محمد عبدُ الغني المقدسيُّ: قال ابنُ مَعين: ثقةٌ حجَّةٌ، وقال يحيى بنُ سعيد (٥) القطان -وقد سُئل عنه، وعن الحسنِ بن عبد الله- فقال: هو أثبتهما (٦) قال: (حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر
стр. 11975
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين ﵄. قال في «الفتح»: كذا في جميع الطُّرق بالعنعنة، ووقع في رواية مروان بنِ معاوية عن الحسنِ بنِ عمرو عن مجاهدٍ عن جُنادَةَ بنِ أبي أميَّة عن عبدِ الله بنِ عَمرو. فزادَ فيه رجلًا بين مجاهدٍ وعبد الله، أخرجه النَّسائيُّ وابنُ أبي عاصمٍ من طريقهِ، وجزمَ أبو بكرٍ البرديجيُّ (١) في كتابه في بيان المرسل أنَّ مجاهدًا لم يسمعْ من عبدِ الله بن عَمرو. نعم ثبتَ أنَّ مجاهدًا ليس مدلِّسًا، وأنَّه سمعَ من عبد الله بن عَمرو فرجِّحتْ رواية عبد الواحد؛ لأنَّه توبعَ وانفرد مروان (٢) بالزِّيادة (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا) بفتح الهاء، له عهدٌ مع المسلمين بعقد جزيةٍ أو هدنةٍ من سلطانٍ، أو أمانٍ من مسلمٍ، وفي حديثِ أبي هُريرة (٣) عند التِّرمذيِّ: «من قتلَ نفسًا مُعَاهدًا له ذمَّة الله وذمَّة رسولهِ» (لَمْ يَرَِحْ) بفتح التحتية والراء وتكسر، لم يشمَّ (رَائِحَةَ الجَنَّةِ) وعموم هذا النَّفي مخصوصٌ بزمانٍ ما؛ للأدلَّة الدَّالة على أنَّ من مات مسلمًا وكان من أهلِ الكبائرِ غير مخلَّدٍ في النَّار، ومآله إلى الجنَّة (وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليوجدُ» بزيادة اللَّام (مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) وعند الإسماعيليِّ «سبعين عامًا» وفي «الأوسط» للطَّبرانيِّ من طريق محمَّدِ بن سيرين، عن أبي هريرة: «من مسيرةِ مئة عامٍ».
قال في «الفتح»: والَّذي يظهرُ لي (٤) في الجمعِ أنَّ الأربعين أقلُّ زمنٍ يُدْرَك به ريحُ الجنَّة (٥) في الموقف، والسَّبعين فوق ذلك، أو ذُكرتْ للمبالغةِ، والخمس مئة والألف أكثر من ذلك، ويختلفُ ذلك باختلافِ الأشخاصِ والأعمال، فمَن أدركَه من المسافةِ البُعدى، أفضلُ ممَّن أدركَه من المسافةِ القُرْبى، وبَيْنَ ذلك، والحاصلُ: أنَّ ذلك يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ بتفاوتِ منازلهم ودرجاتهِم. وقال ابنُ العربيِّ: ريح الجنَّة لا يُدْرك بطبيعةٍ ولا عادةٍ، وإنَّما يُدركُ بما خلقَ اللهُ من إدراكهِ، فتارةً يُدركه من شاء الله من مسيرة سبعين، وتارةً من مَسيرة خمس مئة (٦).
والحديث سبقَ في «الجزية» [خ¦٣١٦٦] والله الموفِّق.