← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

لكن في (١) الرِّواية السَّابقة في أوَّل «الغسل» [خ¦٢٤٨]: «على جلده (٢) كلِّه»، فيحتمل أن يُقال: إنَّ «سائر» هنا بمعنى الجميع. (وَقَالَتْ) عائشة ﵂، بواو العطف على السَّابق، فهو موصول الإسناد: (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا والنَّبِيّ ﷺ ¬) «أنا» تأكيدٌ لاسم «كان»، مصحِّحٌ للعطف على الضَّمير المرفوع المُسْتَكِن، ويجوز فيه النَّصب على أنَّه مفعولٌ معه، أي: مع رسول الله ﷺ ، والأكثرون على أنَّ هذا العطف وما كان مثله من باب عطف المُفرَدات، وزعم بعضُهم أنَّه من باب عطف الجمل، وتقديره في قوله تعالى: ﴿لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ﴾ [طه: ٥٨]: ولا تخلفه أنت، و ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] تقديره: وليسكن زوجك، وكذا هذا (٣): كنت أغتسل أنا، ويغتسل رسول الله ﷺ (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) حال كوننا (نَغْرِفُ) بالنُّون والغَيْن المُعجَمة السَّاكنة (مِنْهُ جَمِيعًا) وصاحب الحال فاعل «أَغْتَسِلُ» وما عُطِفَ عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] فقِيلَ (٤): هو حالٌ من ضمير «مريم»، ومِنَ الضَّمير المجرور ضمير (٥) عيسى ﵊ لأنَّ الجملة اشتملت على ضميرها

стр. 1192

وضميره، وقِيلَ: من ضميرها، وقِيلَ: من ضميره، ويحتمل أن يكون في محلِّ الصِّفة لـ «إناءٍ» صفةً مُقدَّرةً بعد الصِّفة الظَّاهرة المذكورة، أو بدلًا من «أغتسل»، ويُقال: جاؤوا جميعًا، أي: كلّهم، قاله العينيُّ كالكِرمانيِّ، وتعقَّبه البرماويُّ فقال: إنَّه وَهِمَ في ذلك، واختار أنَّها حالٌ، أي: نغرف منه حال كوننا جميعًا، قال: والجمع ضدُّ التَّفريق، ويحتمل هنا أن يُراد جميع المغروف أو جميع الغارفين، وقال ابن فرحون: و «جميعًا» يرادف (١) «كلًّا» في العموم، ولا يفيد الاجتماع في الزَّمان بخلاف «معًا»، وعدَّها ابن مالكٍ من ألفاظ التَّوكيد، قال: وأغفلها النَّحويُّون، وقد نبَّه سيبويه على (٢) أنَّها بمنزلة: «كلٍّ» معنًى واستعمالًا، ولم يذكر (٣) لها (٤) شاهدًا

стр. 1193

من كلام العرب، وقد ظفرت بشاهدٍ له، وهو قول امرأةٍ من العرب ترقِّص ابنًا لها: فِدَاكَ حَيُّ خَولان … جَميعهُم وهَمْدان وهكذا قَحْطَان … والأكرمون عَدنَان (١) (١٦) (بابُ مَنْ تَوَضَّأَ فِي) غسل (الجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ) أي: باقي (جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ) بضمِّ الياء من الإعادة (غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى) كذا في رواية أبي ذَرٍّ: «منه» ولغيره: بإسقاطها. ٢٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) بن يعقوب المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللهرويِّ وأبي الوقت: «حدَّثنا» (الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيُّ (٢) (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن أبي الجعد، رافع الأشجعيّ مولاهم، الكوفيّ (عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (قَالَتْ: وَضَعَ) بفتح الواو مبنيًّا للفاعل (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بالرَّفع فاعلٌ (وَضُوءًا لِلجَنَابَةِ) بفتح الواوِ والتَّنوين، والنَّصب على

стр. 1194

المفعوليَّة، و «للجنابة» في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ بلامين، ولكريمة وأبوي ذَرٍّ والوقت: «وَضوءًا» بالتَّنوين أيضًا، «لجنابةٍ» بلامٍ واحدةٍ، وللأكثر: «وضوء الجنابة» بالإضافة، وإنَّما أُضيف مع أنَّ الوَضوء -بالفتح- هو (١): الماء المُعَدُّ للوضوء؛ لأنَّه صار اسمًا له، ولوِ استُعمِل في غير الوضوء فهو من إطلاق المُقيَّد وإرادة المُطلَق، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ، وقال ابن فرحون: قوله: «وضوء الجنابة» يقع على الماء وعلى الإناء، فإن (٢) كان المُراد الماء كان التَّقدير وضع رسول الله ﷺ الماء المُعدَّ للجنابة، ولا بدَّ من تقدير ٍفي تَوْرٍ أو طستٍ، وإن كان المُراد الإناء كان هو الموضوع، وأُضيف إلى الجنابة بمعنى أنَّه مُعَدٌّ لغسل الجنابة إضافة تخصيصٍ، وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «وُضِع» بضمِّ الواوِ مبنيًّا للمفعول «لرسول الله ﷺ » بزيادة اللَّام، أي: لأجله وضوءٌ، بالرَّفع والتَّنوين (فأَكْفَأَ) ولأبي ذَرٍّ: «فكفأ (٣)» أي: قلب (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ) وللمُستملي وكريمة: «على شماله» (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) جعل الأرض أو الحائط آلة الضَّرب، والشَّكُّ مِنَ الرَّاوي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ضرب بيده الأرض» فيحتمل أن تكون الأولى من باب القلب، كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، أي: أدخلت رأسي في القلنسوة، ويحتمل أن يكون الفعل مضمَّنًا (٤) غير معناه لأنَّ المُراد: تعفير اليد بالتُّراب، فكأنَّه قال: فعفَّر يده بالأرض (ثُمَّ مَضْمَضَ) وللهرويِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «تمضمض» (وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) أي: ساعديه مع مرفقيه (ثُمَّ أَفَاضَ) أي:

стр. 1195

أفرغ (عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ) أي: ما بقي منه بعد ما تقَّدم، قال ابن المُنَيِّر: قرينة الحال والعرف من سياق الكلام تخصُّ أعضاء الوضوء، وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المُعيَّنة، يفهم منه عرفًا بقيَّة الجسد لا جملته لأنَّ الأصل عدم التِّكرار (١) (ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قَالَتْ) أي: ميمونة، وللأَصيليِّ: «عائشة»، ولا يخفى غلطه: (فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ) أي: ليتنشَّف بها (فَلَمْ يُرِدْهَا) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الرَّاء وسكون الدَّال، مِنَ الإرادة، وعند ابن السَّكن: مِنَ الرَّدِّ، بالتَّشديد، وهو وهمٌ كما قاله صاحب «المطالع»، ويدلُّ له الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- فلم يأخذها (فَجَعَلَ يَنْفُضُ) زاد الهرويُّ: «الماء» (بِيَدِهِ) بباء (٢) الجرِّ، وللأَصيليِّ: «يده». ورواة هذا الحديث سبعةٌ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة. (١٧) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا ذَكَرَ) أي: تذكَّر الرَّجل وهو (فِي المَسْجِدِ) قاله الحافظ ابن

стр. 1196

حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «ذَكَرَ» هنا من الباب الذي مصدره الذُّكر -بضمِّ الذَّال- لا مِنَ الذِّكر -بكسرها- قال: وهذه دقَّةٌ لا يفهمها إلَّا من له ذوقٌ بنكات الكلام، قال (١): ولو ذاق ما ذكرنا ما احتاج إلى تفسير «فَعَل» بـ «تَفَعَّل» (أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «خرج» (كَمَا هُوَ) أي: على هيئته وحاله جنبًا (وَلَا يَتَيَمَّمُ) عملًا بما نُقِل عنِ الثَّوريِّ وإسحاق وبعض المالكيَّة، فيمن نام في المسجد فاحتلم يتيمَّم قبل أن يخرج، ولأبي حنيفة: أنَّ الجنب المسافر يمرُّ على مسجدٍ فيه عين ماءٍ يتيمَّم ويدخل المسجد، فيستقي ثمَّ يخرج الماء من المسجد. ٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المُسنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ

стр. 1197

أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ) أي: سُوِّيت (الصُّفُوفُ قِيَامًا) جمع: قائمٍ، منصوبٌ على الحال من مُقدَّرٍ، أي: وعدَّل القوم الصُّفوف حال كونهم قائمين، أو منصوبٌ (١) على التَّمييز لأنَّه مُفسِّرٌ لما في قوله: «وعُدِّلت الصُّفوف» من الإبهام (٢)، أي: سُوِّيت الصُّفوف من حيث القيام (فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ) بضمِّ الميم، أي: في موضع صلاته (ذَكَرَ) بقلبه قبل أن يكبِّر ويدخل في الصَّلاة (أَنَّهُ جُنُبٌ) وإنِّما فهم أبو هريرة ذلك بالقرائن لأنَّ الذِّكر باطنيٌّ لا يُطَّلَع عليه (فَقَالَ) ﵊ (لَنَا) وفي رواية الإسماعيليِّ: «فأشار بيده»، فيحتمل أن يكون جمع بينهما: (مَكَانَكُمْ) بالنَّصب، أي: الزموه (ثُمَّ رَجَعَ) إلى الحجرة (فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ) أي: والحال أنَّ رأسه (يَقْطُرُ) من ماء الغسل، و (٣) نسبة القطر إلى الرَّأس مجازٌ من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ (فَكَبَّرَ) مكتفيًا بالإقامة السَّابقة، كما هو ظاهرٌ من تعقيبه بالفاء، وهو حجَّةٌ لقول الجمهور: إنَّ الفصل جائزٌ بينها وبين الصَّلاة بالكلام مُطلَقًا، وبالفعل إذا كان لمصلحة

стр. 1198

الصَّلاة، وقِيلَ: يمتنع، فيُؤوَّل «فكبَّر» أي: مع رعاية ما هو وظيفةٌ للصَّلاة كالإقامة، أو يُؤوَّل قوله أوَّلًا: «أقيمت» بغير الإقامة الاصطلاحيَّة (فَصَلَّيْنَا مَعَهُ). ورواة هذا الحديث السِّتَّة (١) ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا ومسلمٌ في «الصَّلاة» [خ¦٦٤٠]، وأبو داود في «الطَّهارَّة» و «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة». (تَابَعَهُ) الضَّمير لعثمان، أي: تابع عثمانَ بنَ عمر السَّابق قريبًا (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهمَلة- البصريُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) ابنُ رَاشدٍ، بفتح الميم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد ابن مسلمٍ، وهذه مُتابعةٌ (٢) ناقصةٌ لكن وصلها أحمد عن (٣) عبد الأعلى (وَرَوَاهُ) أي: الحديثَ، عبد الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، مما وصله المؤلِّف في أواخر أبواب «الأذان» [خ¦٦٤٠] ولم يقل: المؤلِّف، وتابعه الأوزاعيُّ لأنَّه لم ينقل لفظ الحديث بعينه، وإنَّما رواه بمعناه؛ لأنَّ المفهوم من المُتابَعة الإتيان بمثله من غير تفاوتٍ، والرِّواية أعمُّ، أو هو من التَّفنُّن في العبارة، وجزم به الحافظ ابن حجرٍ وردَّ الأوَّل. (١٨) (بابُ نَفْضِ اليَدَيْنِ مِنَ الغُسْلِ عَنِ الجَنَابَةِ) كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ عنِ (٤)

стр. 1199

الحَمُّويي والمُستملي: «من الجنابة»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «من (١) غسل الجنابة» أي: من ماء غسلها. ٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو حَمْزَةَ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ (٢) المروزيُّ السُّكريُّ، سُمِّيَ به لحلاوة كلامه، أو لأنَّه كان يحمل السُّكَّر في كُمِّه (قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ) سليمان بن مِهْران (عَنْ سَالِمٍ) أي: «ابن أبي الجعد» بسكون العَيْن، كما في رواية ابن عساكر (عَنْ كُرَيْبٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ) ﵂: (وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا) أي: ماءً يغتسل به (فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ) أي: غطَّيت رأسه، فأراد ﵊ الغسل، فكشف رأسه، فأخذ الماء (وَصَبَّ) الماء بالواو، وفي السَّابقة [خ¦٢٦٦] بالفاء (عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا) بها (ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ (٣): «فتمضمض» (وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) مع مرفقيه (ثُمَّ

стр. 1200

صَبَّ) الماء (عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ) الماء (عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى) من مكانه (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) قالت ميمونة: (فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا) لينشِّف به جسده من أثر الماء (فَلَمْ يَأْخُذْهُ فَانْطَلَقَ) أي: ذهب (وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ (١)) من الماء، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، واستُدِلَّ به على إباحة نفض اليد: في الوضوء والغسل، ورجَّحه في «الرَّوضة» و «شرح المُهذَّب» إذ لم يثبت في النَّهيِ عنه شيءٌ، والأشهر تركه؛ لأنَّ النَّفض كالتَّبرِّي من العبادة، فهو خلاف الأَوْلى، وهذا ما رجَّحه في «التَّحقيق»، وجزم به في «المنهاج»، وفي «المهمَّات» أنَّ به الفتوى، فقد نقله ابن كجٍّ عن نصِّ الشَّافعيِّ، وقِيلَ: فعله مكروهٌ، وصحَّحه الرَّافعيُّ. ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف قبل هذا في ستَّة مواضع [خ¦٢٤٩] [خ¦٢٥٧] [خ¦٢٥٩] [خ¦٢٦٠] [خ¦٢٦٥] [خ¦٢٦٦] [خ¦٢٧٤] وفي ثامنٍ (٢) من هذا الباب [خ¦٢٨١] يأتي إن شاء الله تعالى. (١٩) (بابُ مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ) بكسر الشِّين المُعجَمة، أي: بجانب (٣) (رَأْسِهِ الأَيْمَنِ فِي الغُسْلِ). ٢٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بتشديد اللَّام، ابن صفوان الكوفيُّ السُّلميُّ، سكن مكَّة،

стр. 1201

وتُوفِّي سنة سبع عشْرة ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) المخزوميُّ الكوفيُّ (عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ) بن يَنَّاق -بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد النُّون وبالقاف- المكيِّ (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) بن عثمان الحجبيِّ القرشيِّ العبدريِّ، وهي وأبوها من الصَّحابة، لكنَّها من صغارهم، وللإسماعيليِّ: «أنَّه سمع صفيَّة» (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَ) ولكريمة: «أصابت» (إِحْدَانَا) أي: من أزواج النَّبيِّ ﷺ (جَنَابَةٌ أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا) الماء، فصبَّته (ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا) ولكريمة والأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي (١): «بيدها» بالإفراد (ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا) وفي بعض الأصول: «يدها» بدون حرف الجرِّ، فيُنصَب بنزع الخافض، أو يجرُّ بتقدير مضافٍ، أي: أخذت ملء يديها (٢) فتصبُّه (عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ وَ) تأخذ (بِيَدِهَا الأُخْرَى) فتصبُّه (عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ) أي: مِنَ الرَّأس فيهما لا الأيمن (٣) من الشَّخص، وهذا من محاسن استنباطات المؤلِّف، وبه تحصل المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة، وقال الحافظ (٤) ابن حجرٍ: والذي يظهر أنَّه حمل الثَّلاث في الرَّأس على التَّوزيع، وظاهره أنَّ الصَّبَّ بكلِّ يدٍ على شِقٍّ في حالةٍ واحدةٍ، لكنَّ العادة إنَّما هي الصَّبُّ باليدين معًا، فتُحمَل اليد على الجنس الصَّادق عليهما، وعلى هذا فالمُغايَرة بين الأمرين بحسب الصِّفة؛ وهو أخذ الماء أوَّلًا وأخذه ثانيًا وإن لم تدلَّ على التَّرتيب، فلفظ: «أخرى» يدلُّ على سبق أُولى وهي اليمنى، وللحديث حكم الرَّفع، لأنَّ الصَّحابيَّ إذا قال: كنَّا نفعل، أو كانوا يفعلون، فالظَّاهر اطِّلاع النَّبيِّ ﷺ على ذلك وتقريره، سواءٌ صرَّح الصَّحابيُّ بإضافته إلى الزَّمن النَّبويِّ أم لا. ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم (٥) مكيُّون، وخلَّاد سكنها، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية صحابيَّةٍ عن صحابيَّةٍ، وأخرجه أبو داود.

стр. 1202

(٢٠) «بسم الله الرحمن الرحيم» كذا (١) لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره، كما في الفرع. (بابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا) حال كونه (وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «في خلوةٍ» أي: مِنَ النَّاس، وهي تأكيدٌ لقوله: «وحده»، واللَّفظان متلازمان بحسب المعنى (وَمَنْ تَسَتَّرَ) عُطِفَ على: «منِ اغتسل» السَّابق، وللحَمُّويي والمُستملي: «ومن يستتر» (فَالتَّسَتُّرُ) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «والتَّستُّر» (أَفْضَلُ) بلا خلافٍ، ويُفهَم منه جواز الكشف للحاجة كالاغتسال (٢)، كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لابن أبي ليلى لحديث أبي داود مرفوعًا: «إذا اغتسل أحدكم فليستتر» قاله لرجلٍ رآه يغتسل عريانًا وحده، وفي «مراسيله» حديث: «لا تغتسلوا في

стр. 1203

الصَّحراء إلَّا أن تجدوا مُتوارى، فإن لم تجدوا متوارى (١) فليخطَّ أحدكم كالدَّائرة فليسمِّ الله تعالى ويغتسل (٢) فيه»، وهذا حكاه الماورديُّ وجهًا لأصحابنا، فيما إذا نزل عريانًا في الماء بغير مئزرٍ لحديث: «لا تدخلوا الماء إلَّا بمئزرٍ فإنَّ للماء عامرًا» وضُعِّف، فإن لم تكن (٣) حاجةٌ للكشف فالأصحُّ عند الشَّافعيَّة التَّحريم. (وَقَالَ بَهْزٌ) بفتح المُوحَّدة وسكون الهاء وبالزَّاي المُعجَمة، زاد الأَصيليُّ (٤): «ابن حكيمٍ» (عَنْ أَبِيهِ) حَكِيمٍ بفتح الحاء المُهمَلة وكسر الكاف، التَّابعيِّ الثِّقة (٥) (عَنْ جَدِّهِ) معاوية الصَّحابيِّ -فيما قاله في «الكمال»، وأشعر به كلام المؤلِّف- ابن حَيْدة -بفتح الحاء المُهمَلة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة- ابن معاوية القشيريِّ، قال البغويُّ: نزل البصرة، وقال ابن الكلبيِّ: أخبرني أبي أنَّه أدركه بخراسان ومات بها، وقال ابن سعدٍ: له وفادةٌ وصحبةٌ، علَّق له البخاريُّ في «الطَّهارة» وفي «الغسل» [خ¦٥/ ٢٠ - ٤٦٩] ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) يتعلَّق (٦) بـ «أحقُّ»، وللسَّرخسيِّ: الله أحقُّ أن «يُستتَر» منه، بدل «أن يُستحيَا منه»، وهذا التَّعليق قطعةٌ من حديثٍ وصله أحمد والأربعة، من طرقٍ عن بَهْزٍ، وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكم،

стр. 1204

ولفظ رواية ابن أبي شيبة: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلَّا من زوجتك وما ملكت يمينك» قلت: يا رسول الله، أحدنا إذا كان خاليًا قال: «الله أحقُّ أن يُستحيَا (١) منه من النَّاس»، وفُهِمَ من قوله: «إلَّا من زوجتك» جواز نظرها ذلك منه، وقياسه جواز نظره لذلك منها إلَّا حلقة الدُّبر، كما قاله الدَّارميُّ من أصحابنا، وبَهْزٌ وأبوه ليسا من شرط المؤلِّف، قال الحاكم: بَهْزٌ كان مِنَ الثِّقات ممَّن يُحتَجُّ بحديثه، وإنَّما لا (٢) تُعَدُّ (٣) من الصَّحيح روايته عن أبيه عن جدِّه لأنَّها شاذَّةٌ لا متابع له فيها. نعم، الإسناد إلى بَهْزٍ صحيحٌ، ومن ثمَّ عُرِفَ أنَّ مُجرَّد جزمه بالتَّعليق، لا يدلُّ على صحَّة الإسناد إلَّا إلى من عُلِّق عنه، بخلاف ما فوقه.

стр. 1205

٢٧٨ - ٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه هنا: إلى جدِّه، وفي غيره: إلى أبيه إبراهيم، وقد مرَّ ذكره في «باب فضل من تعلَّم وعلَّم» [خ¦٣/ ٢٠ - ١٤٤] (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ (١) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) أي: ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام، وأُنِّثَ «كانت» على رأي من يؤنِّث الجموع مُطلقًا ولو كان الجمع سالمًا لمُذكَّرٍ كما هنا، وإنَّ «بنو» جمع سلامةٍ أصله: بَنُون، لكنَّه على خلاف القياس، لتغيُّر مُفرَده، وأمَّا على قول من يقول: كلُّ جمعٍ مُؤنَّثٌ إلَّا جمع السَّلامة المُذكَّر؛ فإمَّا لتأويله بالقبيلة، وإمَّا لأنَّه جاء على خلاف القياس لتغيُّر مُفردِه (يَغْتَسِلُونَ) حال كونهم (عُرَاةً) (٢) حال كونهم (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) لكونه كان جائزًا في شرعهم، وإلَّا لَمَا أقرَّهم موسى على ذلك، أو كان حرامًا عندهم، لكنَّهم كانوا يتساهلون في ذلك، وهذا الثَّاني هو الظَّاهر لأنَّ الأوَّل لا ينهض أن يكون دليلًا، لجواز مُخالَفتهم له في ذلك، ويؤيِّده قول القرطبيِّ: كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندةً

стр. 1206

للشَّرع ومخالفةً لموسى ﵊، وهذا من جملة عتوِّهم وقلَّة مبالاتهم باتِّباع شرعه (١) (وَكَانَ مُوسَى) زاد الأَصيليُّ: « ﷺ » (يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ) يختار الخلوة سرًّا تنزُّهًا واستحبابًا وحياءً ومروءةً، أو لحرمة التَّعرِّي (فَقَالُوا) أي: بنو إسرائيل (وَاللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ) بالمدِّ وتخفيف الرَّاء؛ كآدم، أو على وزن «فَعَلٍ» (٢) أي: عظيم الخصيتين؛ أي (٣): منتفخهما (فَذَهَبَ مَرَّةً) حال كونه (يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) قال سعيد بن جبيرٍ: هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيتفجَّر منه الماء (فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَخَرَجَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت (٤) وابن عساكر: «فجَمَحَ» (مُوسَى) أي: ذهب يجري جريًا عاليًا (فِي إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وفي بعض الأصول بفتحهما، قال في «القاموس»: خرج في أَثَره وإِثْره: بعده، حال كونه (يَقُولُ) ردَّ أو أعطني (ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ ثَوْبِيَ يَا حَجَرُ) مرَّتين، ونُصِب «ثوبي» (٥) بفعلٍ محذوفٍ كما قرَّرناه (٦)، ويحتمل أن يكون مرفوعًا بمُبتدأٍ محذوفٍ تقديره: هذا ثوبي، وعلى هذا الثَّاني: المعنى استعظام كونه يأخذ ثوبه، فعامله مُعامَلة من

стр. 1207

لا يعلم كونه ثوبه كي يرجع عن فعله ويردَّ له ثوبه (١)، وقوله: «ثوبي يا حجر» الثَّانية ثابتةٌ للأربعة، و (٢) إنَّما خاطبه لأنَّه أجراه مجرى من يعقل لفعله فعله؛ إذِ المتحرِّك يمكن أن يسمع ويجيب، ولغير الأربعة: «ثوبي حجر» (٣) (حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى) ﵊، وفيه ردٌّ على القول بأنَّ ستر العورة كان واجبًا، وفيه إباحة النَّظر إلى العورة عند الضَّرورة الدَّاعية إلى ذلك، من مداواةٍ أو براءةٍ ممَّا رُمِيَ به من العيوب كالبرص وغيره، لكنَّ الأوَّل أظهر، ومُجرَّد تستُّر موسى لا يدلُّ على وجوبه لمَا تقرَّر في الأصول أنَّ الفعل لا يدلُّ بمُجرَّده على الوجوب، وليس في الحديث أنَّ موسى صلوات الله وسلامه عليه أمرهم بالتَّستُّر، ولا أنكر عليهم التَّكشُّف، وأمَّا إباحة النَّظر إلى العورة للبراءة ممَّا رُمِيَ به من العيوب فإنَّما هو حيث يترتَّب على الفعل (٤) حكمٌ كفسخ النِّكاح، وأمَّا قصَّة (٥) موسى ﵊ فليس فيها أمرٌ شرعيٌّ ملزمٌ يترتَّب على ذلك، فلولا إباحة النَّظر إلى العورة، لَمَا أمكنهم موسى ﵊ من ذلك، ولا خرج مارًّا على مجالسهم وهو كذلك، وأمَّا اغتساله خاليًا فكان يأخذ في حقِّ نفسه بالأكمل والأفضل، ويدلُّ على الإباحة ما وقع لنبيِّنا ﷺ وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفه بإشارة العبَّاس عليه (٦) بذلك ليكون أرفق به في نقل الحجارة، ولولا إباحته لمَا فعله، لكنَّه ألزم بالأكمل والأفضل لعلوِّ مرتبته ﷺ (٧) (فَقَالُوا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «و (٨) قالوا»: (وَاللهِ مَا) أي: ليس (بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ) اسم «ما»، وحرف الجرِّ زائدٌ (وَأَخَذَ) ﵊ (ثَوْبَهُ فَطَفِقَ) بكسر الفاء الثَّانية وفتحها،

стр. 1208

وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وطفق» أي: شرع يضربُ (الحَجَرَ ضَرْبًا) كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي، وللأكثر: «فطفق بالحجر» بزيادة المُوحَّدة، أي: جعل يضربه ضربًا لمَّا ناداه ولم يطعه (فَقَالَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال» (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ ممَّا هو من تتمَّة مقول هَمَّامٍ فيكون مُسنَدًا، أو مقول أبي هريرة فيكون تعليقًا، وبالأوَّل جزم في «فتح الباري»: (وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ) بالنُّون والدَّال المُهمَلة (١) المفتوحتين آخره مُوحَّدةٌ، أي: أثرٌ (بِالحَجَرِ سِتَّةٌ) بالرَّفع على البدليَّة، أي: ستَّة آثارٍ، أو بتقدير هي، أو بالنَّصب على الحال مِنَ الضَّمير المستكن في قوله: «بالحجر»، فإنَّه ظرفٌ مستقرٌّ لـ «نَدَبٌ»، أي: إنَّه لَنَدَبٌ (٢) استقرَّ بالحجر، حال كونه ستَّة آثارٍ (أَوْ سَبْعَةٌ) شَكٌّ (٣) مِنَ الرَّاوي (ضَرْبًا بِالحَجَرِ) بنصب «ضربًا» على التَّمييز، أراد ﵊ إظهار المعجزة لقومه بأثر الضَّرب في الحجر، ولعلَّه كان (٤) أُوحِي إليه أن يضربه، ومشيُ الحجر بالثَّوب معجزةٌ أخرى، ودلالة الحديث على التَّرجمة من حيث اغتسال موسى ﵊ عريانًا وحده خاليًا عنِ (٥) النَّاس، وهو مبنيٌّ على أنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا.

стр. 1209

ورواة هذا الحديث خمسة، وأخرجه مسلمٌ في «أحاديث الأنبياء» وفي موضع آخر. وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف (قَالَ) حال كونه عاطفًا على هذا السَّند السَّابق قوله: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بألفٍ من غير ميمٍ (أَيُّوبُ) النَّبيُّ، ابن العيص بن رزاح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، أو ابن رزاح بن روم بن عيص، وأمُّه بنت لوطٍ، وكان أعبدَ أهل زمانه، وعاش ثلاثًا وستيِّن أو تسعين سنةً (١)، ومدَّة بلائه سبع سنين، واسمه أعجميٌّ مبتدأٌ، خبره: (يَغْتَسِلُ) حال كونه (عُرْيَانًا) والجملة أُضيف إليها الظَّرف وهو: «بينا»، وإنَّما لم يُؤتَ في جواب «بينا» بـ «إذ» أو (٢) بـ «إذا» الفجائيَّة لأنَّ الفاء تقوم مقامها في جزاء الشَّرط، كعكسه في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] أو العامل في «بينا» (٣) قوله: (فَخَرَّ عَلَيْهِ) وما قِيلَ: إنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها (٤) لأنَّ فيه معنى الجزائيَّة؛ إذ «بينا» متضمِّنةٌ للشَّرط فجوابه لا نسلِّم عدم عمله لا (٥) سيَّما في الظَّرف إذ فيه توسُّعٌ، وفاعل «خرَّ» قوله: (جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ) سُمِّي به لأنَّه يَجْرُد الأرض فيأكل ما عليها، وهل كان جرادًا

стр. 1210

حقيقةً ذا روحٍ إلَّا أنَّ جسمه (١) ذهبٌ، أو كان على شكل الجراد، وليس فيه روحٌ؟ قال في «شرح التَّقريب»: الأظهر الثَّاني وليس الجراد مُذكَّر الجرادة، وإنَّما هو اسم جنسٍ، كالبقرة والبقر، فحقُّ مُذكَّره ألَّا يكون مُؤنَّثه من لفظه لئلَّا يلتبس الواحد المُذكَّر بالجمع (٢) (فَجَعَلَ أَيُّوبُ) ﵊ (يَحْتَثِي) بإسكان المُهمَلة وفتح المُثنَّاة بعدها مُثلَّثةٌ على وزن «يَفْتَعِل» من حثى، أي (٣): يأخذ بيده ويرمي (فِي ثَوْبِهِ) وفي رواية ابن عساكر (٤) والقابسيِّ عن أبي زيدٍ: «يَحْتَثِنُ» (٥)، بنونٍ في آخره بدل الياء، لكن قال العينيُّ: إنَّه أمعن النَّظر في كتب اللُّغة، فلم يجد لهذه الرِّواية الأخيرة معنًى (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) تعالى (يَا أَيُّوبُ) بأن كلَّمه كموسى أو بواسطة المَلَك (أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) بفتح الهمزة (عَمَّا تَرَى) من جراد الذَّهب؟ (قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ) أغنيتني، ولم يقل:

стр. 1211

«نعم»، كآية ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لعدم جوازه، بل يكون كفرًا لأنَّ «بلى» مُختَصَّةٌ بإيجاب النَّفي، و «نعم»: مُقرِّرةٌ لِمَا سبقها، قال في «القاموس»: «بلى»: جواب استفهامٍ، معقودٌ بالجحد يوجب ما يُقال لك، و «نَعَم» -بفتحتين وقد تُكسَر العين- كلمةٌ كـ «بلى»، إلَّا أنَّه في جواب الواجب. انتهى. وإنَّما لم يفرِّق الفقهاء بينهما في الأقارير لأنَّها مبنيَّةٌ على العرف، ولا فرق بينهما فيه، ولا يُحمَل هذا على المُعاتَبة كما فهمه بعضهم، وإنَّما هو استنطاقٌ بالحجَّة (وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) أي: خيرك، و «غِنى» بكسر الغَيْن والقصر من غير تنوينٍ، على أنَّ «لا» لنفيِ الجنس، ورويناه بالتَّنوين والرَّفع على أنَّ «لا» بمعنى: ليس، ومعناهما واحدٌ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تفيد العموم، وخبر «لا» يحتمل أن يكون: «بي» (١) أو «عن بركتك»، فالمعنى صحيحٌ على التَّقديرين، واستُنبِط منه فضل الغنى؛ لأنَّه سمَّاه بركةً، ومحالٌ أن يكون أيُّوب صلوات الله عليه وسلامه أخذ هذا المال حبًّا للدُّنيا، وإنَّما أخذه كما أخبر هو عن نفسه لأنَّه بركةٌ من ربِّه تعالى؛ لأنَّه قريب العهد بتكوين الله ، أو أنَّه نعمةٌ جديدةٌ خارقةٌ للعادة، فينبغي تلقّيها بالقبول، ففي ذلك شكرٌ لها وتعظيمٌ لشأنها، وفي الإعراض عنها كفرٌ بها (٢)، وفيه (٣): جواز الاغتسال عريانًا، لأنَّ الله تعالى عاتبه على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانًا. (وَرَوَاهُ) أي: هذا الحديث المذكور (إِبْرَاهِيمُ) بن طَهمان -بفتح الطَّاء المُهمَلة- أبو سعيدٍ الخراسانيُّ، المُتوفَّى بمكَّة سنة ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ فيما وصله النَّسائيُّ بهذا الإسناد (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف وفتح المُوحَّدة، التَّابعيِّ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيم) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام، التَّابعيِّ المدنيِّ (٤)، قِيلَ: إنَّه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنةً،

стр. 1212

وقال أحمد: يُستَنزَل بذِكْره القَطْرُ، وتُوفِّي بالمدينة سنة اثنتين أو ثلاثٍ ومئةٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (١) (أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا … ) الحديث إلى آخره، وأخَّر الإسناد عن المتن ليفيدَ أنَّ له طريقًا آخر غير هذا، وتركه وذكره تعليقًا لغرضٍ من أغراض التَّعليقات، ثمَّ قال: ورواه إبراهيم إشعارًا بهذا الطَّريق الآخر، وهو تعليقٌ أيضًا لأنَّ البخاريَّ لم يدرك إبراهيم، وسقط هذا التَّعليق للأَصيليِّ (٢). وفي هذا الحديث: العنعنة، ورواية (٣) تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ. (٢١) (بابُ التَّسَتُّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ) وفي روايةٍ: «عنِ» (النَّاسِ). ٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام، زاد ابن عساكر: «ابن قَعْنَبٍ» بفتح القاف وسكون العين (٤) (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أميَّة (مَوْلَى عُمَرَ) بضمِّ العين (بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، التَّابعيِّ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) بالهمزة المُنوَّنة بعد النُّون، وفي غير رواية الأَصيليِّ زيادة: «بنت أبي طالب» هو ابن عبد المُطَّلب بن هاشمٍ الهاشميَّة، ابنة عمِّ محمَّدٍ ﷺ ، قِيلَ: اسمها فاختة، وقِيلَ: فاطمة، وقيل: هندٌ، والأوَّل أشهر، وروت أحاديث في الكتب السِّتَّة، ولها في «البخاري» حديثان (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ) ﵂ حال كونها (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتْحِ) أي: فتح مكَّة في

стр. 1213

رمضان سنة ثمانٍ (فَوَجَدْتُهُ) ﵊ (يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ) ابنته ﷺ ورضي الله عنها (تَسْتُرُهُ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟) يدلُّ على أنَّ السِّتر كان كثيفًا، وعرف أنَّها امرأةٌ لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرِّجال (فَقُلْتُ) ولابن عساكر: «قلت»: (أَنَا أُمُّ هَانِئٍ) فيه جواز الغسل بحضرة المحرم إذا حال بينهما ساترٌ من ثوبٍ أو غيره. ورواة الحديث الخمسة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والإخبار بالإفراد والسَّماع والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ (١)، وأخرجه المؤلِّف أيضًا (٢) في «الأدب» [خ¦٦١٥٨] و «الصَّلاة» [خ¦٣٥٧] و «الجزية» [خ¦٣١٧١]، ومسلمٌ في «الطَّهارة» و «الطَّلاق»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان» و «السِّيَر» (٣)، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «السِّيَر»، وابن ماجه في «الطَّهارة». ٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) بسكون العَيْن (عَنْ كُرَيْبٍ) بالتَّصغير، مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ) أمِّ المؤمنين ﵃ (قَالَتْ: سَتَرْتُ النَّبِيَّ) وفي روايةٍ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) بثوبٍ (وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ) الجملة في موضع الحال (فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ) من رطوبة فرج المرأة والبول وغيرهما (ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ) ولأبي ذَرِّ: «بيده الحائط» (ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ (٤) رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى) من مكانه (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ).

стр. 1214

(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيان (أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ في الرِّواية عن الأعمش، وسبقت (١) هذه المُتابَعة موصولةً عند المؤلِّف في «باب من أفرغ بيمينه» [خ¦٢٦٦] (وَ) تابع سفيان أيضًا (ابْنُ فُضَيْلٍ) محمَّدٌ في الرِّواية عنِ الأعمش فيما وصله أبو عَوانة الإسفراينيُّ في «صحيحه» كلاهما (فِي السَّتْرِ) المذكور، لا في بقيَّة الحديث، وللأَصيليِّ: «في التَّستُّر» وسبقت مباحث الحديث. (٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ) قيَّد بها ردًّا على من مَنَعَ منه في حقِّها، وتنبيهًا على أنَّ حكمها كحكم الرَّجل، قال ﵊ في جواب سؤال (٢) أمِّ سليمٍ: المرأة ترى (٣) ذلك أعليها الغسل؟: «نعم، النِّساء شقائق الرِّجال» رواه أبو داود، أي: نظائر الرِّجال وأمثالهم في الأخلاق والطِّباع، كأنَّهنَّ (٤) شُقِقْنَ منهم. ٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي: عروة بن (٥) الزُّبير بن العوام (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميِّ، ونسبها المؤلِّف في «باب الحياء في العلم» [خ¦١٣٠] إلى أمِّها أمِّ سلمة، وهي: هند بنت أبي أميَّة (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، سهلة أو رُمَيْلة أو رميثة بنت ملحان الخزرجية والدة أنس بن مالكٍ، وكانت

стр. 1215

أسلمت مع السَّابقين إلى الإسلام من الأنصار، وكان النَّبيُّ ﷺ يزورها فتتحفه بالشِّيء تصنعه (١) له، ولها في «البخاريِّ» حديثان، وهي (امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرامٍ الأنصاريِّ البدريِّ (٢) (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللَّهَ) (لَا يَسْتَحْيِي (٣) مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، أو (٤) لا يمنع من ذكره، وقالت ذلك قبل اللَّاحق تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يُستحيَا منه (هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) أي: هل على المرأة غسلٌ، فحرف الجرِّ زائدٌ، وقد سقط عند المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٩١] (إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟) ولأحمد من حديث أُمِّ سلمة ﵂: «أنَّها قالت: يا رسول الله، إذا رأتِ المرأة أنَّ زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَمْ) يجب عليها الغسل (إِذَا رَأَتِ المَاءَ) أي: المنيَّ بعد استيقاظها مِنَ النَّوم، فالرُّؤية بصريَّةٌ فتتعدَّى لواحدٍ، ويحتمل أن تكون علميَّةً فتتعدَّى إلى مفعولين (٥) الثَّاني مُقَدَّرٌ، أي: إذا رأت الماء موجودًا أو غير ذلك، قال أبو حيَّان ﵀: وحذفُ أحدِ مفعولي رأى (٦) وأخواتها عزيزٌ، وقد قِيلَ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي: البخلَ خيرًا لهم، وأمَّا

стр. 1216

حذفهما جميعًا فجائزٌ اختصارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥] والظَّاهر أنَّها هنا بصريَّةٌ، وينبني على ذلك أنَّ المرأة إذا علمت أنَّها أنزلت ولم ترَه أنَّه لا غسل عليها، ولمسلمٍ من حديث أنسٍ: «أنَّ أمَّ سليمٍ حدَّثت أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ وعائشة عنده فقالت: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرَّجل في المنام، فترى من (١) نفسها ما يرى الرَّجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أمَّ سُليمٍ فضحتِ النِّساء»، وعند ابن أبي شيبة: فقال: «هل تجد شهوةً؟» قالت: لعلَّه، قال: «هل تجد بللًا؟» قالت: لعلَّه، فقال: «فلتغتسل»، فلقيتها النِّسوة فقلن: فضحتِنَا عند رسول الله ﷺ ، فقالت: واللهِ ما كنتُ لأنتهيَ حتَّى أعلم في حلٍّ أنا أم في حرامٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ كتمان ذلك من عادتهنَّ لأنَّه يدلُّ على شدَّة شهوتهنَّ، وإنَّما أنكرت أمُّ سلمة (٢) على أمِّ سليمٍ لكونها واجهت به النَّبيَّ ﷺ ، واستدلَّ به ابن بطَّالٍ: على أنَّ كلَّ النِّساء يحتلمن، وعَكَسه غيره، وقال: فيه دليلٌ على أنَّ بعض النِّساء لا يحتلمن، قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والظَّاهر أنَّ مُراد ابن بطَّالٍ الجواز لا الوقوع، أي: فيهنَّ قابليَّةُ ذلك. ورواة حديث الباب السِّتَّة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وثلاث صحابيَّاتٍ، وأخرجه السِّتَّة واتَّفق الشَّيخان على إخراجه من طرقٍ (٣) عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة (٤) عن أمِّ سلمة، وقد جاء عن جماعةٍ من الصَّحابيَّات: أنَّهنَّ سألن كسؤال (٥) أمِّ سلمة، منهنَّ: خولة بنت حكيمٍ كما عند النَّسائيِّ وأحمد وابن ماجه، وسهلة بنت سهيلٍ كما عند الطَّبرانيِّ، وبُسْرَة بنت صفوان كما عند ابن أبي شيبة.

стр. 1217

(٢٣) (بابُ عَرَقِ الجُنُبِ وَأَنَّ المُسْلِمَ) طاهرٌ (لَا يَنْجُسُ) ولو أجنب، ومِنْ لازمِ طهارته طهارة عرقه، وكذا عرق الكافر عند الجمهور. ٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء، الطَّويل التَّابعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ) بفتح المُوحَّدة، ابن عبد الله بن عمرو بن هلالٍ، المزنيُّ البصريُّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نفيعٍ -بضمِّ النُّون وفتح الفاء- الصَّائغ -بالغَيْن المُعجَمة- البصريِّ، تحوَّل (١) إليها من المدينة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ) بالإفراد، ولكريمة: «في بعض طرق المدينة» (وَهْوَ جُنُبٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ مِنَ الضَّمير المنصوب في: «لقيه»، قال أبو هريرة: (فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ) بنونٍ ثمَّ مُعجَمةٍ ثمَّ نونٍ فمُهمَلةٍ، أي: تأخَّرت وانقبضت ورجعت، وفي روايةٍ: «فانخنس» ولابن السَّكن والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فانبجست» بالمُوحَّدة والجيم، أي: اندفعت، وللمُستملي: «فانتجست» بنونٍ فمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ فجيمٍ، مِنَ النَّجاسة من «باب الافتعال» أي: اعتقدت نفسي نجسًا (فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ) بمُوحَّدةٍ بلفظ الغَيبة من باب النَّقل عنِ الرَّاوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة من باب التَّجريد، وهو أنَّه جرَّد من نفسه شخصًا وأخبر عنه، وهو المناسب لرواية: «فانخنس»، وفي روايةٍ: «فذهبت فاغتسلت»، وهو المناسب لسابقه، وكان سبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النَّسائيُّ وابن حبَّان من حديث حذيفة: أنَّه

стр. 1218

ﷺ كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، فلمَّا ظنَّ أبو هريرة ﵁ أنَّ الجنب ينجس بالجنابة خشي أن يماسَّه النَّبيُّ ﷺ كعادته، فبادر إلى الاغتسال (ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ) ﵊: (أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا) أي: ذا جنابةٍ؛ لأنَّه اسمٌ جرى مجرى المصدر، وهو الإجناب (فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ مِنَ الضَّمير المرفوع في «أجالسك»، وفرَّق السُّهيليُّ بين قوله: «أن أجالسك» وبين «كرهت مجالستك»، فالأوَّل: يكون المكروه وقوع الفعل وهو المُجالَسة، وعلى الثَّاني: المكروه مجالستك (١) (فَقَالَ) بالفاء قبل القاف، وسقطت في كلام أبي هريرة على الأفصح، في الجمل المُفتتَحة بالقول، كما قِيلَ في قوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ. قَالَ … ﴾ [الشعراء: ١٠ - ١٢] وما بعدها (٢)، وأمَّا القول مع ضمير النَّبيِّ ﷺ فالفاء سببيَّةٌ رابطةٌ فاجتُلِبت لذلك، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «قال» (٣): (سُبْحَانَ اللهِ!) نُصِبَ بفعلٍ لازمٍ الحذف، وأتى به هنا للتَّعجُّب والاستعظام، أي: كيف يخفى مثل هذا الظَّاهر عليك (إِنَّ المُؤْمِنَ) وفي روايةٍ مُضبَّبٍ عليها بفرع «اليونينيَّة»: «إنَّ المسلم» (لَا يَنْجُسُ) أي: في ذاته حيًّا ولا ميتًا، ولذا (٤) يُغسَّل إذا مات. نعم يتنجَّس بما يعتريه من ترك التَّحفُّظ مِنَ النَّجاسات والأقذار، وحكم الكافر في ذلك كالمسلم، وأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد بها (٥): نجاسة اعتقادهم، أو لأنَّه يجب أن يتجنَّب عنهم، كما يتجنَّب عن الأنجاس، أو لأنَّهم لا يتطهَّرون

стр. 1219

ولا يتجنَّبون (١) عنِ النَّجاسات، فهم ملابسون لها غالبًا، وعنِ ابن عبَّاسٍ: إنَّ أعيانهم نجسةٌ كالكلاب، وبه قال ابن حزمٍ، وعُورِض بحِلِّ نكاح الكتابيَّات للمسلم، ولا تسلم مضاجعتهنَّ من عرقهنَّ، ومع ذلك لم يجب من غسلهنَّ إلَّا مثل ما يجب من غسل المسلمات، فدلَّ على أنَّ الآدميَّ ليس بنجس العين إذ لا فرق بين الرِّجال والنِّساء، بل يتنجَّس بما يعرض له من خارجٍ، ويأتي البحث إن شاء الله تعالى في الاختلاف في الميت في «باب الجنائز» [خ¦٢٣/ ٨ - ١٩٧٦]. ورواة هذا الحديث السِّتَّة بصريُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٢) عن صحابيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة» وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة». (٢٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الجُنُبُ يَخْرُجُ) من بيته (وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ) يجوز له (٣) ذلك عند الجمهور خلافًا لما حكاه ابن أبي شيبة عن عليٍّ وعائشة وابن عُمر وأبيه (٤) وشدَّاد بن أوسٍ وسعيد بن المُسَيَّب ومجاهدٍ وابن سيرين والزُّهريِّ ومحمَّد بن عليٍّ والنَّخعيِّ، وحكاه البيهقيُّ وزاد: سعد بن أبي وقَّاصٍ وعبد الله بن عمروٍ وابن عبَّاس وعطاءٍ والحسن: أنَّهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرجون ولا يأكلون حتَّى يتوضَّؤوا، والواو في قوله: «ويمشي» عطفًا على «يخرج»، وفي «غيره» عطفًا على سابقه، أي: وفي غير السُّوق، وجوَّز ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ: الرَّفع على أنَّه مُبتدَأٌ، أي: وغيره نحوه، أي: فينام ويأكل كما يخرج، فهو عطفٌ عليه من جهة المعنى، لكن تعقَّبه البرماويُّ والعينيُّ (٥) بأنَّه تكلُّفٌ بلا ضرورةٍ.

стр. 1220

(وَقَالَ عَطَاءٌ) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (يَحْتَجِمُ الجُنُبُ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ) زاد عبد الرَّزَّاق: ويطلي بالنُّورة. ٢٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) وللأَصيليِّ بإسقاط (١): «ابن حمَّادٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بزايٍ فراءٍ، مُصغَّر زَرْعٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة، وللأَصيليِّ: «شعبةُ» بدل: «سعيدٌ»، قال الغسَّانيُّ: وليس صوابًا (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ) وفي روايةٍ: «حدَّثه (٢)» (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ) كذا لكريمة، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «أنَّ النَّبيَّ» (¬ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ) أي: وله حينئذٍ إذ لا يوم لذلك مُعيَّنٌ، ولفظة: «كان» تدلُّ على التَّكرار والاستمرار، وسبق بيان مباحث الحديث في «باب إذا جامع ثمَّ عاد» [خ¦٢٦٨] ومُطابَقته لهذه التَّرجمة تُفهَم من قوله: «كان يطوف على نسائه» لأنَّ نساءه كان لهنَّ حُجَرٌ متقاربةٌ، فبالضَّرورة أنَّه كان يخرج من حجرةٍ إلى حجرةٍ قبل الغسل.

стр. 1221

٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ وشينٍ مُعجَمةٍ، ابن الوليد الرَّقَّام (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهمَلة- قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ بَكْرٍ) المزنيِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي) وفي بعض الأصول: «بيميني» (فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَد فَانْسَلَلْتُ) أي: خرجت أو ذهبت في خفيةٍ، ولابن عساكر: «فانسللت منه» (فَأَتَيْتُ) وفي روايةٍ: «وأتيت» (الرَّحْلَ) بالحاء المُهمَلة السَّاكنة، أي: الذي آوي إليه (فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ) ﷺ (قَاعِدٌ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ) كان واسمها، والخبر الظَّرف، أو هي تامَّةٌ فلا تحتاج لخبرٍ (١) (يَا أَبَا هُرَيرَة؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا أبا هرٍّ» بالترخيم، قال أبو هريرة: (فَقُلْتُ لَهُ) الذي فعلته من المجيء للرَّحل والاغتسال (فَقَالَ) ﵊ متعجِّبًا منه: (سُبْحَانَ اللهِ يَا أَبَا هُرَيرَة!) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «يا أبا هرٍّ» (إِنَّ المُؤْمِنَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «سبحان الله! إنَّ المؤمن» (لَا يَنْجُسُ) بضمِّ الجيم. وقد سبق الكلام على مباحث هذا الحديث قريبًا [خ¦٢٨٣] ومُطابقته للتَّرجمة في (٢) قوله: «فمشيت معه»، واستُنبِط منه: جواز أخذ العالم بيد تلميذه ومشيه معه معتمدًا عليه ومرتفقًا به، وغير ذلك ممَّا لا يخفى.

стр. 1222

(٢٥) (بابُ) جواز (كَيْنُونَةِ الجُنُبِ) أي: استقراره (فِي البَيْتِ إِذَا تَوَضَّأَ) زاد أبو الوقت وكريمة: «قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ» وليس في رواية الحَمُّويي والمُستملي: «إذا توضَّأ قبل أن يغتسل». ٢٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (وَشَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ المؤدِّب، كلاهما (عَنْ يَحْيَى) زاد ابن عساكر: «ابن أبي كثيرٍ» (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ) يرقد (وَيَتَوَضَّأُ) الواو لا تقتضي التَّرتيب، فالمُراد: أنَّه كان (١) يجمع بين الوضوء والرُّقاد، فكأنَّها قالت: إذا أراد النَّوم يقوم ويتوضَّأ ثمَّ يرقد، ويدلُّ له رواية مسلمٍ: «كان إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ، يتوضَّأ وضوءه للصَّلاة». ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسُّؤال. وقد زاد في رواية كريمة هنا: «باب نوم الجنب»، وهو (٢) ساقطٌ في رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وهو أَوْلى؛ لحصول الاستغناء عنه باللَّاحق.

стр. 1223

٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، ولابن عساكر (١): «عنِ اللَّيث» (عَنْ نَافِعٍ) مولى عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيَرْقُدُ) ولغير ابن عساكر والأَصيليِّ: «قال: أيرقد» (٢) (أَحَدُنَا) أي: أيجوز الرُّقاد (٣) لأحدنا لأنَّ السُّؤال إنَّما هو عن حكمه لا عن تعيين وقوعه (وَهْوَ جُنُبٌ؟) جملةٌ حاليَّةٌ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ) أي: إذا أراد الرُّقاد فليرقد بعد التَّوضُّؤ (وَهُوَ جُنُبٌ) وهذا مذهب الأوزاعيِّ وأبي حنيفة ومحمَّدٍ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وإسحاق وابنِ المُبارَك وغيرهم، والحكمة في ذلك (٤) تخفيف الحدث، لا سيَّما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصَّحيح، ولابن أبي شيبة بسندٍ رجاله ثقاتٌ عن شدَّاد بن أوسٍ قال: «إذا أجنب أحدكم من اللَّيل ثمَّ أراد أن ينام فليتوضَّأ فإنَّه نصف غسل الجنابة»، وذهب آخرون إلى أنَّ الوضوء المأمور به هو غسل الأذى وغسل ذَكره ويديه، وهو التَّنظيف، وأوجبه ابن حبيبٍ من المالكيَّة، وهو مذهب داود. ومُطابَقة الحديث للتَّرجمة من جهة: أنَّ جواز رقاد الجنب في البيت يقتضي جواز استقراره فيه. (٢٧) (بابُ الجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ).

стр. 1224

٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، نسبةً (١) إلى جدِّه وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي (٢) جَعْفَرٍ) الفقيه المصريِّ، وعُبَيد بضمِّ العين (٣) (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي (٤) الأسود المدنيِّ، يتيم عروة بن الزُّبير، كان أبوه أوصى به إليه (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (غَسَلَ فَرْجَهُ) ممَّا أصابه من الأذى (وَتَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا، كما يتوضَّأ (لِلصَّلَاةِ) وليس المُراد: أنَّه يصلِّي به لأنَّ الصَّلاة تُمنَع (٥) قبل الغسل، واستُنبط منه: أنَّ غسل الجنابة ليس على الفور، بل إنَّما يتضيَّق عند القيام إلى الصَّلاة. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ثلاثةٌ مصريُّون وثلاثةٌ مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول. ٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بالجيم والرَّاء مُصغَّرًا، واسم أبيه: أسماء بن عبيدٍ الضُّبعيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ)

стр. 1225

وللأَصيليِّ وابن عساكر (١): «عن ابن عمر» (قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ) بن الخطَّاب (النَّبِيَّ) أي: طلب الفتوى من النَّبيِّ (¬ ﷺ ¬) وصورة الاستفتاء قوله: (أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟) جملةٌ حاليَّةٌ (قَالَ) ﷺ ، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «فقال»: (نَعَمْ) ينام (إِذَا تَوَضَّأَ). ٢٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) ووقع في رواية ابن السَّكن كما حكاه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ: «عن نافعٍ» بدل: «عبد الله بن دينارٍ»، والحديث محفوظٌ لمالكٍ عنهما، نعم اتَّفق رواة «المُوطَّأ» على روايته (٢) عنِ الأوَّل (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «بأنَّه» أي: ابن عمر (تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ) وفي رواية النَّسائيِّ من طريق ابن عونٍ (٣) عن نافعٍ قال: أصاب ابنَ عمر جنابةٌ فأتى عمرَ فذكر ذلك له، فأتى عمرُ النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «فقال رسول الله»: (¬ ﷺ ¬) مخاطبًا لابن عمر: (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) أي: اجمع بينهما، فالواو لا تدلُّ على التَّرتيب، وفي رواية ابن نوحٍ عن مالكٍ: «اغسل ذكرك ثمَّ توضَّأ» (ثُمَّ نَمْ) فيه من البديع تجنيس التَّصحيف، ويحتمل أن يكون الخطاب لعمر في غيبة (٤) ابنه جوابًا لاستفتائه، ولكنَّه يرجع إلى ابنه لأنَّ الاستفتاء من عمر إنَّما هو لأجل ابنه، وقوله: «توضَّأ» أظهر من الأوَّل في إيجاب وضوء الجنب عند النَّوم،

стр. 1226

واستُنبِط من الحديث: ندب غسل ذَكر الجنب عند النَّوم والوضوء (١). (٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، في بيان (٢) حكم (إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ) من الرَّجل والمرأة، والمُراد: تلاقي موضع القطع من الذَّكر مع موضعه من فرج الأنثى. ٢٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ. (ح) للتَّحويل: (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (عَنْ هِشَامٍ) هو الدَّستوائيُّ السَّابق (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة المفسِّر (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا جَلَسَ) الرَّجل (بَيْنَ شُعَبِهَا) أي: شعب المرأة (الأَرْبَعِ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة وفتح العين المُهمَلة، جمع: شعبةٍ، وهي القطعة من الشَّيء، والمُراد هنا على ما قِيل: اليدان والرِّجلان، وهو الأقرب للحقيقة، واختاره ابن دقيق العيد، أو الرِّجلان والفخذان، أو الشُّفران

стр. 1227

والرِّجلان (١)، أو الفخذان والإِسْكَتان (٢)، وهما ناحيتا الفرج أو نواحي فرجها الأربع، ورجَّحه عياضٌ (ثُمَّ جَهَدَهَا) بفتح الجيم والهاء، أي: بلغ جهده، وهو كنايةٌ عن مُعالَجة الإيلاج، أوِ الجهد: الجماع، أي: جامَعَها، وإنَّما كَنَّىَ بذلك للتَّنزُّه عمَّا يفحش ذِكْره صريحًا، ولأبي داود: «إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان» أي: موضع الختان بالختان (٣)، ولمسلمٍ من حديث عائشة: «ومسَّ الختان الختان» وللبيهقيِّ مُختَصرًا: «إذا التقى الختانان» (فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ) بفتح الغَيْن المُعجَمة في «اليونينية» ليس إلَّا، أي (٤): على الرَّجل وعلى (٥) المرأة وإن لم يحصل إنزالٌ، فالموجب (٦) غيبوبة الحشفة، هذا الذي انعقد عليه الإجماع، وحديث: «إنَّما الماء من الماء» منسوخٌ، قال الشَّافعيُّ وجماعةٌ، أي: كان لا يجب الغسل إلَّا بالإنزال، ثمَّ صار يجب الغسل بدونه، لكن قال ابن عبَّاسٍ: إنَّه ليس بمنسوخٍ بلِ المُراد به: نفيُ وجوب الغسل بالرُّؤية في النَّوم إذا (٧) لم ينزل، وهذا الحكم باقٍ، وليس المُراد بالمسِّ في حديث مسلمٍ السَّابق حقيقته لأنَّ ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذَّكر، ولا يمسُّه الذَّكر في الجماع، فالمُراد: تغييب حشفة الذَّكر، وقد أجمعوا على أنَّه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولج لا يجب الغسل، فالمُراد: المُحاذاة. وهذا هو المُراد أيضًا بالتقاء الختانين، ويدلُّ له رواية التِّرمذيِّ بلفظ: «إذا جاوز»، ومُطابَقة الحديث للتَّرجمة من جهة قوله: «ثمَّ جهدها» المُفسَّر عند الخطَّابيِّ بالجماع المقتضي لالتقاء الختانين على ما مرَّ من المراد المُصرَّح (٨) به في رواية البيهقيِّ السَّابقة، ولعلَّ المؤلِّف أشار في التّبويب إلى هذه الرِّواية كعادته في التَّبويب بلفظ إحدى روايات الباب.

стр. 1228

ورواة هذا الحديث السَّبعة كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه كلُّهم في «الطَّهارة». (تَابَعَهُ) أي: تابع هشامًا (عَمْرُو) بالواو، أي: «ابن مرزوقٍ» كما صرَّح به في رواية كريمة، البصريُّ الباهليُّ، وفي «اليونينية»: سقوطه عند الأربعة (١) ممَّا (٢) وصله عثمان بن أحمد السَّمَّاك (عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث الباب، ولفظة: «مثله» ساقطةٌ عند الأَصيليِّ وابن عساكر. (وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ شيخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (أَبَانُ) بن يزيد العطَّار (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (أَخْبَرَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (مِثْلَهُ) صرَّح بتحديث الحسن لقتادة لينفي (٣) تدليس قتادة؛ إذ ربَّما يحصل لبسٌ بعنعنته السَّابقة، وإنَّما قال هنا: «وقال»، وهناك: «تابعه» لأنَّ المُتابَعة أقوى؛ لأنَّ القول أعمُّ من نقله روايةً وعلى سبيل المذاكرة. (٢٩) (بابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ) الرجل (مِنْ) رطوبة (فَرْجِ المَرْأَةِ).

стр. 1229

٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمروٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيدٍ (عَنِ الحُسَيْنِ) بن ذكوان، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «المعلِّم» قال الحسين: (قَالَ: يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، ولفظة (١) «قال» الأولى تُحذَف في الخطِّ اصطلاحًا كما حُذِفت هنا (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، بالإفراد، وأتى بالواو إشعارًا بأنَّه حدَّثه بغير ذلك أيضًا، وأنَّ هذا من جملته، فالعطف على مُقدَّرٍ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة (أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ) بضمِّ الجيم وفتح الهاء وبالنُّون، نسبةً إلى جُهَيْنةَ بن زيدٍ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ مستفتيًا له (٢) (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال له أرأيت» أي: أَخبِرني (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) أي: أو أَمَته (فَلَمْ يُمْنِ؟) بضمِّ أوَّله وسكون الميم، أي: لم ينزلِ المنيَّ (قَالَ عُثْمَانُ) ﵁: (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) ممَّا أصابه من رطوبة فرج المرأة من غير غسلٍ (قَالَ) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «وقال» (عُثْمَانُ) ﵁: (سَمِعْتُهُ) أي: الذي أُفتِي به من الوضوء (٣) وغسل الذَّكر (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال: زيد بن خالدٍ المذكور (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) أي: الذي أفتاني به عثمان (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ) أي: بغسل الذَّكر والوضوء، وللإسماعيليِّ: «فقالوا مثل ذلك عن النبيِّ ﷺ »، فصرَّح بالرَّفع، بخلاف الذي أورده المؤلِّف هنا، لكن قال الإسماعيليُّ: لم يقل ذلك غيرُ الحِمَّانيِّ، وليس هو من شرط هذا الكتاب. نعم رُوِي عن عثمان وعليٍّ وأُبيٍّ أنَّهم أفتَوا بخلافه، ومن ثمَّ قال ابن المدينيِّ: إنَّ حديث زيدٍ شاذٌّ، وقال أحمد: فيه علَّةٌ، وأُجيب بأنَّ كونهم أفتَوا بخلافه لا يقدح في صحَّة الحديث، فكم من حديثٍ منسوخٍ وهو صحيحٌ، فلا مُنافاة بينهما. انتهى. فقد

стр. 1230

كانتِ الفتيا في أوَّل الإسلام كذلك، ثمَّ جاءت السُّنَّة بوجوب الغسل، ثمَّ أجمعوا عليه بعد ذلك، وعلَّله الطَّحاويُّ بأنَّه مفسدٌ للصَّوم وموجبٌ للحدِّ والمهر وإن لم يُنزِل، فكذلك الغسل. انتهى. والضَّمير المرفوع في قوله: «فأمروه» للصَّحابة الأربعة المذكورين، والمنصوب للمجامع الذي يدلُّ عليه قوله أوَّلًا: «إذا جامع الرَّجل امرأته»، وإذا تقرَّر هذا فليُتأمَّل قوله في «فتح الباري»: «فأمروه» أنَّ فيه التفاتًا؛ لأنَّ (١) الأصل أن يقول: «فأمروني». انتهى. (قَالَ يَحْيَى) بن أبي كثير: (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بالإفراد، وهو معطوفٌ على الإسناد الأوَّل وليس مُعلَّقًا، ولأبي ذَرٍّ بإسقاط: «قال يحيى» كما في «الفتح» وغيره، وهو في الفرع مُضبَّبٌ عليه مع علامة الإسقاط للأَصيليِّ وابن عساكر (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ) الأنصاريَّ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ) أي: غسل الذَّكر والوضوء (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) انتقد الدَّارقُطنيُّ هذا بأنَّ أبا أيُّوب لم يسمعه من رسول الله ﷺ ، وإنَّما سمعه من أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ كما في رواية هشامٍ عن أبيه عروة عن أبي أيُّوب عن أبيِّ بن كعبٍ، الآتية قريبًا -إن شاء الله تعالى- وأُجيب بأنَّ الحديث رُوِيَ من وجهٍ آخر عند الدَّارميِّ وابن ماجه عن أبي أيُّوب عن النَّبيِّ ﷺ ، وهو مُثبِتٌ مُقدَّمٌ على المنفيِّ، وبأنَّ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ أكبر قَدْرًا وسنًّا وعلمًا من هشام بن عروة. انتهى. ورواة إسناد هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ.
следующие страницы →