واستُنبِط من الحديث: ندب غسل ذَكر الجنب عند النَّوم والوضوء (١).
(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، في بيان (٢) حكم (إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ) من الرَّجل والمرأة، والمُراد: تلاقي موضع القطع من الذَّكر مع موضعه من فرج الأنثى.
٢٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ. (ح) للتَّحويل: (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (عَنْ هِشَامٍ) هو الدَّستوائيُّ السَّابق (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة المفسِّر (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) نُفَيْعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا جَلَسَ) الرَّجل (بَيْنَ شُعَبِهَا) أي: شعب المرأة (الأَرْبَعِ) بضمِّ الشِّين المُعجَمَة وفتح العين المُهمَلة، جمع: شعبةٍ، وهي القطعة من الشَّيء، والمُراد هنا على ما قِيل: اليدان والرِّجلان، وهو الأقرب للحقيقة، واختاره ابن دقيق العيد، أو الرِّجلان والفخذان، أو الشُّفران
стр. 1227
والرِّجلان (١)، أو الفخذان والإِسْكَتان (٢)، وهما ناحيتا الفرج أو نواحي فرجها الأربع، ورجَّحه عياضٌ (ثُمَّ جَهَدَهَا) بفتح الجيم والهاء، أي: بلغ جهده، وهو كنايةٌ عن مُعالَجة الإيلاج، أوِ الجهد: الجماع، أي: جامَعَها، وإنَّما كَنَّىَ بذلك للتَّنزُّه عمَّا يفحش ذِكْره صريحًا، ولأبي داود: «إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان» أي: موضع الختان بالختان (٣)، ولمسلمٍ من حديث عائشة: «ومسَّ الختان الختان» وللبيهقيِّ مُختَصرًا: «إذا التقى الختانان» (فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ) بفتح الغَيْن المُعجَمة في «اليونينية» ليس إلَّا، أي (٤): على الرَّجل وعلى (٥) المرأة وإن لم يحصل إنزالٌ، فالموجب (٦) غيبوبة الحشفة، هذا الذي انعقد عليه الإجماع، وحديث: «إنَّما الماء من الماء» منسوخٌ، قال الشَّافعيُّ وجماعةٌ، أي: كان لا يجب الغسل إلَّا بالإنزال، ثمَّ صار يجب الغسل بدونه، لكن قال ابن عبَّاسٍ: إنَّه ليس بمنسوخٍ بلِ المُراد به: نفيُ وجوب الغسل بالرُّؤية في النَّوم إذا (٧) لم ينزل، وهذا الحكم باقٍ، وليس المُراد بالمسِّ في حديث مسلمٍ السَّابق حقيقته لأنَّ ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذَّكر، ولا يمسُّه الذَّكر في الجماع، فالمُراد: تغييب حشفة الذَّكر، وقد أجمعوا على أنَّه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولج لا يجب الغسل، فالمُراد: المُحاذاة. وهذا هو المُراد أيضًا بالتقاء الختانين، ويدلُّ له رواية التِّرمذيِّ بلفظ: «إذا جاوز»، ومُطابَقة الحديث للتَّرجمة من جهة قوله: «ثمَّ جهدها» المُفسَّر عند الخطَّابيِّ بالجماع المقتضي لالتقاء الختانين على ما مرَّ من المراد المُصرَّح (٨) به في رواية البيهقيِّ السَّابقة، ولعلَّ المؤلِّف أشار في التّبويب إلى هذه الرِّواية كعادته في التَّبويب بلفظ إحدى روايات الباب.
стр. 1228
ورواة هذا الحديث السَّبعة كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه كلُّهم في «الطَّهارة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع هشامًا (عَمْرُو) بالواو، أي: «ابن مرزوقٍ» كما صرَّح به في رواية كريمة، البصريُّ الباهليُّ، وفي «اليونينية»: سقوطه عند الأربعة (١) ممَّا (٢) وصله عثمان بن أحمد السَّمَّاك (عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث الباب، ولفظة: «مثله» ساقطةٌ عند الأَصيليِّ وابن عساكر.
(وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ شيخ المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ: «أخبرنا» (أَبَانُ) بن يزيد العطَّار (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (أَخْبَرَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (مِثْلَهُ) صرَّح بتحديث الحسن لقتادة لينفي (٣) تدليس قتادة؛ إذ ربَّما يحصل لبسٌ بعنعنته السَّابقة، وإنَّما قال هنا: «وقال»، وهناك: «تابعه» لأنَّ المُتابَعة أقوى؛ لأنَّ القول أعمُّ من نقله روايةً وعلى سبيل المذاكرة.
(٢٩) (بابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ) الرجل (مِنْ) رطوبة (فَرْجِ المَرْأَةِ).
стр. 1229
٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمروٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) ابن سعيدٍ (عَنِ الحُسَيْنِ) بن ذكوان، ولأبي ذَرٍّ زيادة: «المعلِّم» قال الحسين: (قَالَ: يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، ولفظة (١) «قال» الأولى تُحذَف في الخطِّ اصطلاحًا كما حُذِفت هنا (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، بالإفراد، وأتى بالواو إشعارًا بأنَّه حدَّثه بغير ذلك أيضًا، وأنَّ هذا من جملته، فالعطف على مُقدَّرٍ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة (أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ) بضمِّ الجيم وفتح الهاء وبالنُّون، نسبةً إلى جُهَيْنةَ بن زيدٍ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ مستفتيًا له (٢) (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال له أرأيت» أي: أَخبِرني (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) أي: أو أَمَته (فَلَمْ يُمْنِ؟) بضمِّ أوَّله وسكون الميم، أي: لم ينزلِ المنيَّ (قَالَ عُثْمَانُ) ﵁: (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) ممَّا أصابه من رطوبة فرج المرأة من غير غسلٍ (قَالَ) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ: «وقال» (عُثْمَانُ) ﵁: (سَمِعْتُهُ) أي: الذي أُفتِي به من الوضوء (٣) وغسل الذَّكر (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قال: زيد بن خالدٍ المذكور (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) أي: الذي أفتاني به عثمان (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵃ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ) أي: بغسل الذَّكر والوضوء، وللإسماعيليِّ: «فقالوا مثل ذلك عن النبيِّ ﷺ »، فصرَّح بالرَّفع، بخلاف الذي أورده المؤلِّف هنا، لكن قال الإسماعيليُّ: لم يقل ذلك غيرُ الحِمَّانيِّ، وليس هو من شرط هذا الكتاب. نعم رُوِي عن عثمان وعليٍّ وأُبيٍّ أنَّهم أفتَوا بخلافه، ومن ثمَّ قال ابن المدينيِّ: إنَّ حديث زيدٍ شاذٌّ، وقال أحمد: فيه علَّةٌ، وأُجيب بأنَّ كونهم أفتَوا بخلافه لا يقدح في صحَّة الحديث، فكم من حديثٍ منسوخٍ وهو صحيحٌ، فلا مُنافاة بينهما. انتهى. فقد
стр. 1230
كانتِ الفتيا في أوَّل الإسلام كذلك، ثمَّ جاءت السُّنَّة بوجوب الغسل، ثمَّ أجمعوا عليه بعد ذلك، وعلَّله الطَّحاويُّ بأنَّه مفسدٌ للصَّوم وموجبٌ للحدِّ والمهر وإن لم يُنزِل، فكذلك الغسل. انتهى. والضَّمير المرفوع في قوله: «فأمروه» للصَّحابة الأربعة المذكورين، والمنصوب للمجامع الذي يدلُّ عليه قوله أوَّلًا: «إذا جامع الرَّجل امرأته»، وإذا تقرَّر هذا فليُتأمَّل قوله في «فتح الباري»: «فأمروه» أنَّ فيه التفاتًا؛ لأنَّ (١) الأصل أن يقول: «فأمروني». انتهى.
(قَالَ يَحْيَى) بن أبي كثير: (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) بالإفراد، وهو معطوفٌ على الإسناد الأوَّل وليس مُعلَّقًا، ولأبي ذَرٍّ بإسقاط: «قال يحيى» كما في «الفتح» وغيره، وهو في الفرع مُضبَّبٌ عليه مع علامة الإسقاط للأَصيليِّ وابن عساكر (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ) الأنصاريَّ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ) أي: غسل الذَّكر والوضوء (مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) انتقد الدَّارقُطنيُّ هذا بأنَّ أبا أيُّوب لم يسمعه من رسول الله ﷺ ، وإنَّما سمعه من أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ كما في رواية هشامٍ عن أبيه عروة عن أبي أيُّوب عن أبيِّ بن كعبٍ، الآتية قريبًا -إن شاء الله تعالى- وأُجيب بأنَّ الحديث رُوِيَ من وجهٍ آخر عند الدَّارميِّ وابن ماجه عن أبي أيُّوب عن النَّبيِّ ﷺ ، وهو مُثبِتٌ مُقدَّمٌ على المنفيِّ، وبأنَّ أبا سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ أكبر قَدْرًا وسنًّا وعلمًا من هشام بن عروة. انتهى.
ورواة إسناد هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ.
стр. 1231
٢٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، بالمُهمَلة (١) فيهما، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة َقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد في الثَّلاثة (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٩٢] أنَّ أبا أيُّوب سمعه من رسول الله ﷺ بلا واسطةٍ، وذلك لاختلاف الحديثين لفظًا ومعنًى، وإن توافقا في بعضٍ فيكون سمعه من النبي ﷺ مرَّةً ومن أُبيِّ بن كعب (٢) مرَّة، فذكره -أي: أُبيًّا- للتَّقوية أو لغرضٍ (٣) غيره (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «امرأته» (فَلَمْ يُنْزِلْ؟) في السَّابقة: «فلم يُمْنِ» وهما بمعنًى واحدٍ (قَالَ) ﵊: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ) أي: يغسل الرَّجل (٤) المذكور العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، ففي «مسَّ» ضميرٌ، وهو فاعله يعود إلى كلمة: «ما»، وموضعها نصبٌ مفعولٌ (٥) لـ «يغسل» (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) وضوءه للصَّلاة كما زاد فيه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن هشام، وفيه التَّصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) هو (٦) أصرح في الدَّلالة على ترك الغسل من الحديث السَّابق.
стр. 1232
والحديث سداسيُّ الإسناد، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والإفراد والعنعنة.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف، وقائل ذلك هو الرَّاوي عنه: (الغُسْلُ) بضمِّ الغين، أي: الاغتسال من الإيلاج وإن لم يُنزِل، وفي الفرع: «الغَسل» بفتح الغين، ليس إلَّا (أَحْوَطُ) أي: أكثر احتياطًا في أمر الدِّين من الاكتفاء بغسل الفرج، والوضوء المذكور في الحديث السَّابق وفتوى من ذكر من الصَّحابة، أي: على تقدير عدم ثبوت النَّاسخ وظهور التَّرجيح (وَذَاكَ الأخِيرُ) بالمُثنَّاة من غير مدٍّ، ولغير أبي ذَرٍّ: «الآخِر» بالمدِّ من غير مُثنَّاةٍ، أي: آخر الأمرين من فعل الشَّارع، وهو يشير إلى أنَّ حديث الباب غير منسوخٍ، بل ناسخٌ لما قبله، وضبطه البدر ابن (١) الدَّمامينيِّ كابن التَّين: «الآخَر» بفتح الخاء، أي: ذاك الوجه الآخر أو (٢) الحديث الآخر الدَّال على عدم الغسل (إِنَّمَا) ولابن عساكر: «وإنَّما» بالواو، والأليق حذفها، وهو يناسب رواية: فتح خاء «الآخر» (بَيَّنَّا) وللأَصيليِّ: «بينَّاه» (لاِخْتِلَافِهِمْ) أي: إنَّما ذكرناه لأجل بيان اختلاف الصَّحابة في الوجوب وعدمه، ولاختلاف المحدِّثين في صحَّته وعدمها، ولكريمة وابن عساكر: «و (٣) إنما بيَّنَّا اختلافهم»، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: «إنَّما بيَّنَّا الحديث الآخر لاختلافهم والماء أنقى» وقال (٤) البدر بن الدَّمامينيِّ كالسَّفاقسيِّ: فيه جنوحٌ لمذهب داود، وتعقَّب هذا القول البرماويُّ بأنَّه إنَّما يكون ميلًا لمذهب داود إذا فتحت خاء «آخَر»، أمَّا «بالكسر» فيكون جزمًا بالنَّسخ، والجمهور على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصَّواب.
стр. 1233
ولمَّا فرغ المؤلِّف من الغسل وأحكامه شَرَعَ في الكلام على الحيض والنِّفاس والاستحاضة، فقال (١):
((٦)) (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في الفرع بإثباتها، مع رقم علامة إسقاطها عند ابن عساكر والأَصيليِّ.
هذا (كِتَابُ) بيان أحكام (الحَيْضِ) وما يُذكَر معه من الاستحاضة والنَّفاس، ولأبي ذَرٍّ: تقديم «كتاب» على «البسملة»، وفي روايةٍ: «باب» بدل «كتاب»، والتَّعبير بـ «الكتاب» أَوْلى كما لايخفى، وترجم بالحيض لكثرة وقوعه، وله أسماءٌ عشرةٌ: الحيض، والطَّمث، والضَّحك، والإكبار، والإعصار، والدِّراس (٢)، والعِرَاك، والفِرَاك -بالفاء- والطَّمس، والنِّفاس، ومنه قوله ﵊ لعائشة: «أنَُفِسْتِ؟»، والحيض في اللُّغة: السَّيلان، يُقال: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشَّجرة (٣) إذا سال صمغها، وفي الشَّرع: دمٌ يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقاتٍ
стр. 1234
معتادةٍ، والاستحاضة: الدَّم الخارج في غير أوقاته ويسيل من عرقٍ فمه في أدنىالرَّحم، اسمه: العاذل -بالذَّال المُعجَمة- قاله الأزهريُّ (١)، وحكى ابن سِيْدَهإهمالها، والجوهريُّبدل اللَّام راءٌ.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: « » (٢) بالجرِّ عطفًا على قوله: «الحيض»، المجرور بإضافة «كتابٍ» إليه، وفي روايةٍ: «قولُ الله» بالرَّفع: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) مصدرٌ كالمجيء والمبيت، أي: الحيض، أي: عن حكمه، وروى الطَّبريُّ عن السُّدِّيِّ: أنَّ الذي سأل أوَّلًا عن ذلك: أبو (٣) الدَّحْدَاح، وسبب نزول الآية ما روى (٤) مسلمٌ عن أنسٍ: أنَّ اليهود كانوا (٥) إذا حاضت المرأةفيهم (٦) أخرجوها من البيوت، فسأل الصَّحابةُ رسولَ الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، وقال النَّبيُّ ﷺ : «افعلوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاح» (﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾) أي: الحيض، مُستقذَرٌ يؤذي من يقربه لنتنهونجاسته (﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾) فاجتنبوا مجامعتهنَّ في نفس الدَّم، أي: حال سيلانه أو زمن الحيض أو الفرج، والأوَّل هو الأصحُّ، وهو اقتصادٌ بين
стр. 1235
إفراط اليهود الآخذين في ذلك بإخراجهنَّ من البيوت، وتفريط النَّصارى؛ فإنَّهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض، وإنَّما وصفه بأنَّه أذًى، ورتَّب الحكم عليه بالفاء؛ إشعارًا بأنَّه العلَّة (﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾) تأكيدٌ للحكم وبيانٌ لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدلُّ عليه صريحًا قراءة: «يطَّهرن» بالتَّشديد، بمعنى: يغتسلن، والتزامًا (١) قوله: (﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾) فإنَّه يقتضي تأخُّر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأكثر الحيض، جاز قربانها قبل الغسل (﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ﴾) أي: المأتَى الذي أمركم الله به، وحلَّله لكم (﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾) مِنَ الذُّنوب (﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]) المتنزِّهين عنِ الفواحش والأقذار كمُجامعة الحائض، والإتيان في غير المأتيِّ، كذا ذُكِرتِ الآية كلُّها في رواية ابن عساكر، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «﴿فَاعْتَزِلُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» وللأَصيليِّ كذلك: «إلى قوله: ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيةَ».
(١) هذا (بابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ) أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين «بابٍ» بالقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة لتاليه (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بجرِّ «قول» ورفعه على ما لا يخفى: (هَذَا) أي: الحيض (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) لأنَّه من أصل خلقتهنَّ الذي فيه صلاحهنَّ، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] المُفسَّر بأصلحناها للولادة بردِّ الحيض إليها بعد عقرها، وقد روى الحاكم بإسنادٍ صحيحٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: إنَّ ابتداء الحيض كان على حوَّاء ﵍
стр. 1236
بعد أن أُهبِطت (١) مِنَ الجنَّة، قال في «الفتح»: وهذا التَّعليق المذكور وصله المؤلِّف بلفظ: «شيءٌ»، في (٢) طريقٍ أخرى بعد خمسة أبوابٍ. انتهى. يعني: في «باب تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف بالبيت» [خ¦٣٠٥] وتعقَّبه البرماويُّ فقال: ليس في الباب المذكور: «شيءٌ»، بل هو الحديث الذي أورده البخاريُّ في هذا الباب، فلا حاجة لادِّعاء وصله بموضعٍ (٣) آخر. نعم لفظه هناك (٤): «أمرٌ» بدل «شيءٌ»، فـ «شيء» إمَّا رواية بالمعنى، وإما أنَّه مرويٌّ أيضًا. انتهى. والصَّواب: ما قاله ابن حجرٍ، فإنَّه في الباب المذكور كذلك. نعم قال فيه: «فإنَّ ذلك شيءٌ»، بدل قوله هنا (٥): «هذا شيءٌ» (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبد الله بن مسعودٍ وعائشة: (كَانَ أَوَّلُ) بالرَّفع: اسم كان (مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحيض: نائبٌ عنِ الفاعل (عَلَى) نساء (بَنِي إِسْرَائِيلَ) خبر كان، وكأنَّه يشير إلى حديث عبد الرَّزَّاق عن ابن مسعودٍ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان الرِّجال والنِّساء في بني إسرائيل يصلُّون جميعًا، فكانت المرأة تتشوَّف (٦) للرَّجل، فألقى الله عليهنَّ الحيض، ومنعهنَّ المساجد، وعنده عن (٧) عائشة نحوه.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) البخاريُّ (٨)، وسقط لغير أبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (٩) «قال أبو عبد الله»: (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّ هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم (أَكْثَرُ) بالمُثلَّثة، أي: أشمل من قول بعضهم السَّابق لأنَّه يتناول بنات (١٠) بني إسرائيل وغيرهنَّ، وقال الدَّاوديُّ:
стр. 1237
ليس بينهما مخالفةٌ، فإنَّ نساء بني إسرائيل من بنات آدم. انتهى. والمُخالَفة -كما ترى- ظاهرةٌ، فإنَّ هذا القول يلزم منه أنَّ غير نساء بني إسرائيل لم يُرسَل عليهنَّ الحيض، والحديث ظاهرٌ في أنَّ جميع بنات آدم كتب الله عليهنَّ الحيض، إسرائيليَّاتٍ كنَّ أو غيرهنَّ، وأجاب الحافظ ابن حجرٍبأنَّه يمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتَّعميم بأنَّ الذي أُرسِل على نساء (١) بني إسرائيل طول مكثه بهنَّ، عقوبةً لهنَّ، لا ابتداء وجوده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يقول: لا ابتداء وجوده، والخبر فيه: أوَّل ما أرسل، وبينه وبين كلامه منافاةٌ، وأيضًا من (٢) أين ورد أنَّ الحيض طال مكثه في (٣) نساء (٤) بني إسرائيل؟ ومن نقل هذا؟ ثمَّ أجاببأنَّه يمكن أنَّ الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبةً لهنَّ ولأزواجهنَّ (٥)، لكثرة عنادهم ومضت على ذلك مُدَّةٌ، ثمَّ إنَّ الله رحمهم وأعاد حيض نسائهم الذي جعله سببًا لوجود النَّسل، فلمَّا أعاده عليهنَّ كان ذلك أوَّل الحيض بالنَّسبة إلى مدَّة الانقطاع، فأطلق الأوَّليَّة عليه بهذا الاعتبار لأنَّها من الأمور النِّسبيَّة، وأجاب في «المصابيح» بالحمل على أنَّ المرادَ بإرسال الحيض إرسالُ حكمه بمعنى: أنَّ كون الحيض مانعًا (٦) ابتُدِئ بالإسرائيليَّات، وحمل الحديث على قضاء الله على بنات آدم بوجود (٧) الحيض، كما هو الظَّاهر منه. انتهى.
فائدة: الذي يحيض من الحيوانات: المرأة والضَّبع والخفَّاش والأرنب والحوت (٨)، ويقال: إنَّ الكلبة أيضًا كذلك، وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمروٍ (٩) مرفوعًا: «الأرنب تحيض» وزاد بعضهم: النَّاقة والوزغة.
стр. 1238
(١ م) (بابُ الأَمْرِ للنِّسَاءِ إِذَا نَفِسْنَ) بفتح النُّون، وكسر الفاء، وسكون السِّين آخره نونٌ، أي: حِضْنَ، وقد تُضَمُّ النُّون، وقِيلَ: إنَّها تُضَمُّ في الولادة، وبالفتح في الحيض، وهذه التَّرجمة لفظ (١) رواية أبوي الوقت وذَرٍّ كما في الفرع، وفي غيره: «بابُ الأمرِ بالنُّفَساء إذا نُفِسْنَ» والضَّمير الذي فيه يرجع إلى النُّفَساء، وتذكيره باعتبار الشَّخص، أو لعدم الإلباس لاختصاص الحيض بالنِّساء، والجمع باعتبار الجنس، والباء في: «بالنُّفَساء» زائدةٌ لأنَّ النُّفَساء مأمورةٌ لا مأمورٌ بها، وفي أكثر الرِّوايات (٢): الباب والتَّرجمة ساقطان.
٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ولابن عساكر: «عليّ، يعني: ابن عبد الله» أي: المَدِينيُّ، بفتح الميم وكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (القَاسِمَ) «بن محمَّدٍ» كما زِيد (٣) في رواية الأَصيليِّ، ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﵂ حال كونها (تَقُولُ: خَرَجْنَا) حال كوننا (لَا نُرَى) بضمِّ النُّون، أي: لا نظنُّ، وفي الفرع: «لا نَرى» بفتحها (إِلَّا الحَجَّ) إلَّاقصده؛ لأنَّهم كانوا يظنُّون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ، فأخبرت عنِ اعتقادها، أو عنِ الغالب عن (٤) حال النَّاس، أو حال الشَّارع (فَلَمَّا كُنَّا) وللكُشْمِيْهَنِيِّوالأَصيليِّ: «فلمَّا كنتُ» (بِسَرِفَ) بفتح السِّين المُهمَلة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ، موضعٌ على عشرة أميالٍأو تسعةٍ أو سبعةٍ أو ستَّةٍ من مكَّة، غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، وقد يُصرَف باعتبار إرادة المكان (حِضْتُ) بكسر الحاء (فَدَخَلَ
стр. 1239
عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال»: (مَا لَكِ) بكسر الكاف (أَنَُفِسْتِ؟) بهمزة الاستفهام وضمِّ النُّون في فرع «اليونينية»، لكنَّه مُضبَّبٌ (١) عليها، قال النَّوويُّ: الضَّمُّ في الولادة أكثر من الفتح، والفتح في الحيض أكثر من الضَّمِّ، وقال الهرويُّ: الضَّمُّ والفتح في الولادة، وأمَّا الحيض فبالفتح لا غير (قُلْتُ: نَعَمْ) نَُفِسْتُ (قَالَ) ﵊: (إِنَّ هَذَا) الحيض (أَمْرٌ) أي: شأنٌ (كَتَبَهُ اللَّهُ) (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) امتحنهنَّ به، وتعبدهنَّ بالصَّبر عليه (فَاقْضِي مَا يَقْضِي) بإثبات الياء في «اقضي» لأنَّه خطابٌ لعائشة، أي: أدِّي الذي يؤدِّيه (الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ) أي: غير أن تطوفي، فـ «لا» زائدةٌ (٢)، وإلَّا فغير عدم الطَّواف هو نفس الطَّواف، أو «تطوفي» مجزومٌ بـ «لا» أي: لا تطوفي ما دمتِ حائضًا، وزاد في الرِّواية الآتية [خ¦٣٠٥]: «حتَّى تطهري» و «أن» مُخفَّفةٌ مِنَ الثَّقيلة، وفيها ضمير الشَّأن (٣) (قَالَتْ) عائشة: (وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ) التِّسع ﵅ بإذنهنَّ (بِالبَقَرِ) ولأبي ذَرٍّ والحَمُّويي (٤) والمُستملي (٥): «بالبقرة» أي: عن سبعٍ منهنَّ، ويُفهَم منه: جواز التَّضحية ببقرةٍ واحدةٍ عنِ النِّساء،
стр. 1240
واشتراط الطَّهارة في الطَّواف، ويأتي تمام البحث فيه في «الحجِّ» [خ¦١٥١٦] إن شاء الله تعالى.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأضاحي» [خ¦٥٥٤٨]، ومسلمٌ (١) وابن ماجه في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الطَّهارة».
(٢) (بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ) بالجيم والجرِّ عطفًا على «غسل» المجرور بالإضافة، أي: تسريح شعر رأسه وتنظيفه وتحسينه.
٢٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليُّ وابن عساكر: «أخبرنا» (مَالِكٌ) بن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ) بضمِّ الهمزة وتشديد الجيم، أمشِّط (رَأْسَ) أي: شعر رأس (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وأرسله، فهو من مجاز الحذف؛ لأنَّ التَّرجيل للشَّعر لا للرَّأس، أو من إطلاق المحلِّ على الحالِّ مجازًا (وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ.
ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فهو (٢) تِنِّيسيٌّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٢٥]، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الاعتكاف».
стр. 1241
٢٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ (١) الرَّازي الفرَّاء، يُعرَف بالصَّغير (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ من أبناء الفرس أكبر اليمانيِّين وأحفظهم وأتقنهم، المُتوفَّى سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء، نُسِب لجدِّه لشهرته به، واسمه: عبد الملك بن عبد العزيز، المكيَّ القرشيَّ الموصليَّ، أصله روميٌّ، أحد العلماء المشهورين، قِيلَ: هو أوَّل من صنَّف في الإسلام، المُتوفَّى في سنة خمسين ومئةٍ (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامٌ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «هشام بن عروة» (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ) أي: عروة (سُئِلَ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو) أي: تقرب (مِنِّي المَرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟) يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث والواحد والجمع؛ لأنَّه كما قال جار الله: اسمٌ جرى مجرى المصدر، الذي هو الإجناب (٢)، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ (٣) (فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ) أي: الخدمة والدُّنوُّ (عَلَيَّ هَيِّنٌ) بتشديد المُثنَّاة وقد تُخفَّف، أي: سهلٌ، ولابن عساكر: «كلُّ ذلك هيِّنٌ» (وَكُلُّ ذَلِكَ) أي: الحائض والجنب، و «كلُّ» رُفِعَ بالابتداء أو منصوبٌ على الظَّرفيَّة، وجازت الإشارة بذلك إلى اثنين كقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ) أي أنا وغيري (فِي ذَلِكَ بَأْسٌ) أي: حرجٌ (أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ) ﵂ (أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَسُولِ اللهِ) أي: شعر رأسه، وفي
стр. 1242
رواية غير (١) أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «تعني: رأس رسول الله» (¬ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ) بالهمز، والجملة حاليَّةٌ، ولم يقل: حائضةٌ -بالتَّاء- لعدم الإلباس؛ لاختصاصالحيض بالنِّساء (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ) أي: حين التَّرجيل (مُجَاوِرٌ) أي (٢): معتكفٌ (فِي المَسْجِدِ) المدنيِّ (٣) (يُدْنِي) بضمِّ أوَّله، أي: يقرِّب (لَهَا) أي: لعائشة (رَأْسَهُ) الشَّريف (وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا) بضمِّ الحاء المُهمَلة، جملةٌ حاليَّةٌ (فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ) أي: فترجِّل شعر رأسه والحال أنَّها حائضٌ.
واستُنبِط منه: أنَّ إخراج المعتكف جزءًا منه كَيَدِه ورأسه غير مبطلٍ لاعتكافه، كعدم الحنث في إدخال بعضه دارًا حلف لا يدخلها، وجوازُ مُباشَرة الحائض، وأمَّا النَّهيُ في آية ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فعنى (٤) الوطء أو ما دونه من دواعي اللَّذَّة لا المسِّ، وألحق عروة الجنابة بالحيض قياسًا بجامع الحدث الأكبر، بل هو قياسٌ جَلِيٌّ لأنَّ الاستقذار بالحائض أكثر من الجنب.
ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وصنعانيٍّ ومكيٍّ ومدنيٍّ (٥)، وفيه: التَّحديث والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول.
(٣) (بابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ) حال كونه متَّكئًا (فِي) أي: على (حَِجْرِ امْرَأَتِهِ) بفتح الحاء المُهمَلة (٦)
стр. 1243
وكسرها، وسكون الجيم (وَهْي) أي: والحال أنَّها (حَائِضٌ) وفي رواية عط (١): «باب قراءة القرآن في حجر امرأته (٢)» (وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ) بالهمز (٣)، شقيق بن سلمة، التَّابعيُّ المشهور، المُتوفَّى في خلافة عمر بن عبد العزيز، فيما قاله الواقديُّ ممَّا وصله ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ (يُرْسِلُ خَادِمَهُ) اسمٌ لمن يخدم غيره، أي: جاريته بدليل تأنيثه في قوله: (وَهْيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، مسعود بن مالكٍ الأسديِّ، مولى أبي وائلٍ، الكوفيِّ التَّابعيِّ (فَتَأْتِيهِ) وفي رواية أبوي الوقت وذَرٍّ: «لتأتيَه» (بِالمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ) بكسر العين، أي: الخيط الذي يربط به كيسه، وغرض المؤلِّف ﵀ الاستدلال على جواز حمل الحائض والجنب المصحف، لكن (٤) من غير مسِّه لحديث [خ¦٢٨٥]: «إنَّ المؤمن لا ينجس»، ولكتابه ﷺ إلى هِرَقْلَ وفيه من القرآن مع علمه أنَّهم يمسُّونه وهم أنجاسٌ [خ¦٧]، ومنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أي: من الآدميين، و ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ مجزوم بلا النِّاهية وضمُّ السِّين لأجل الضَّمير كما صرَّح به جماعةٌ وقالوا: إنَّه مذهب البصريِّين، بل قال في «الدُّرِّ»: إنَّ سيبويه لم يحفظ في نحوه إلَّا الضَّمَّ، والحمل أبلغ من المسِّ، ولو حمله مع أمتعةٍ وتفسيرٍ حلَّ تبعًا لها؛ لأنَّها المقصودة، فلو قصده ولو معها أو كان أكثر من التَّفسير حَرُم.
стр. 1244
٢٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) بالدَّال المهملة، أنَّه (سَمِعَ زُهَيْرًا) أي: ابن معاوية بن حُدَيجٍ (١) الجعفيَّ (عَنْ مَنْصُورٍ ابْنِ صَفِيَّةَ) هي أمُّه اشتُهِر (٢) بها، وأبوه عبد الرَّحمن، الحجبيِّالعبدريِّ (أَنَّ أُمَّهُ) صفيَّة بنت شيبة (حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (حَدَّثَتْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ) بالهمز (فِي) أي: على (حَِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من ياء المتكلِّم في «حجري» (ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ) في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٩]: «كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائضٌ»، وحينئذٍ فالمُراد بالاتِّكاء: وضع رأسه في حجرها، وقِيلَ: مناسبة أثر أبي وائلٍ للحديث من جهة أنَّ ثيابها بمنزلة العلاقة، والنَّبيُّ ﷺ بمنزلة المصحف لأنَّه (٣) في جوفه وحامله (٤) إذ غرضُ المؤلِّف بهذا الباب الدَّلالةُ على جواز حمل الحائض المصحف، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته، وتُعقِّببأنَّه ليس في الحديث إشارةٌ إلى الحمل، وإنَّما فيه الاتِّكاء وهو غير الحمل، وكون الرَّجل في حجر الحائض لا يدلُّ على جواز الحمل، وإنَّما مُراده الدَّلالة على جواز القراءة بقرب موضع النَّجاسة، لا على جواز حمل الحائض المصحف.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومكيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٩]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».
стр. 1245
(٤) (بابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا) واعتُرِض عليه بالذي في الحديث الآتي [خ¦٢٩٨]: «أَنَُفِسْتِ؟» أي: أحضتِ؟ فأطلق على الحيض النِّفاس، فكان حقّه أن يقول من سمَّى الحيض نفاسًا، وأُجيببأنَّه أراد التَّنبيه على تساويهما في حكم تحريم الصَّلاة كغيرها (١)، وعُورِضبأنَّ التَّرجمة في التَّسمية لا في الحكم، أو مُراده من أطلق لفظ النِّفاس على الحيض، وبذلك تقع المُطابقة بين ما في الحديث والتَّرجمة، زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «والحيض نفاسًا».
٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) وللأَصيليِّ: «مكيُّ» (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشيرٍ (٢) البلخيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ ولمسلمٍ: «قال: حدَّثني أبو سلمة»: (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بنت» (أُمِّ سَلَمَةَ) ﵄ (حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) أمَّ المؤمنين (٣) هند بنت أبي أميَّة (حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) حال كوني (مُضْطَجِعَةً) أصله: مضتجعةٌ، بالتَّاء من «باب الافتعال»، فقُلِبتِ التَّاء طاءً، ويجوز رفعه على الخبريَّة (فِي خَمِيصَةٍ) بفتح الخاء وكسر الميم: كساءٌ أسودُ مُربَّعٌ، له عَلَمان، يكون من صوفٍ وغيره (إِذْ حِضْتُ) جواب «بينا»، وقد عُلِمَ أنَّ الأفصح في جواب «بينا» ألَّا يكون فيه «إذا» ولا «إذ» (فَانْسَلَلْتُ) ذهبت في خفيةٍ، تقذَّرت (٤) نفسها أن تضاجعه وهي كذلك، أو خشيت أن يصيبه من
стр. 1246
دمها، أو أن (١) يطلب منها استمتاعًا (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء، كما في الفرع، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح المشهور. انتهى. وبه جزم الخطَّابيُّ، وبفتحها ورجَّحه (٢) القرطبيُّ، وبهما رويناه، فمعنى الأولى: أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض، ومعنى الثَّانية: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض لأنَّالحَيضة -بالفتح- هي: الحيض، ووقع في بعض الأصول: «حيضي» بغير تاءٍ، وهو يؤيِّد وجه رواية الفتح (قَالَ) ﷺ ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال»: (أَنَُفِسْتِ؟) بضمِّ النون، كذا في الفرع لا غير، وبفتحها، قال النَّوويُّ: وهو الصَّحيح في اللُّغة بمعنى (٣): حضت، والضَّمُّ: الأكثر في الولادة، وبالوجهين (٤) رواه ابن حجرٍ ورويناه، قالت أمُّ سلمة ﵂: (قُلْتُ: نَعَمْ) نَُفِسْت (فَدَعَانِي) ﵊ (فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ) باللَّام بدل الصَّاد، وهيالقطيفة ذات الخمل-وهوالهُدْبُ (٥) الذي يُنسَج ويَفْضُل له فضولٌ- أو هي: ثوبٌ من صوفٍ له خملٌ من أيِّ نوعٍ كان، أوِ الأسود من الثِّياب.
واستُنبِط من الحديث: استحباب اتِّخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة، وجواز النَّوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع في لحافٍ واحدٍ، ورواته السِّتَّة ما بين بلخيٍّ وبصريٍّ (٦) ومدنيٍّ ويمانيٍّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ وصحابيَّةٍ (٧) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٢٩] و «الطَّهارة» [خ¦٣٢٢]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ فيه أيضًا.
(٥) (بابُ مُبَاشَرَةِ) الرجل لزوجته (٨) (الحَائِضِ) أي: التقاء بشرتيهما (٩) لا الجماع.
стр. 1247
٢٩٩ - ٣٠٠ - ٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المُهمَلة، ابن عقبة الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ) بالرَّفع عطفًا على الضميرالمرفوع في: «كنت»، والنَّصب على أنَّ الواو بمعنى: «مع» أي: مصاحبةً للنَّبيِّ (¬ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) حالة كون (١) (كِلَانَا جُنُبٌ) بالتَّوحيد أفصح من التَّثنية.
(وَكَانَ) ﵊، وللأَصيليِّ: «فكان» (يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ) بفتح الهمزة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وأنكره أكثر النُّحاة (٢) وأصله: فائتزر، بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الهمزة المفتوحة ثمَّ المُثنَّاة الفوقيَّة (٣)، بوزن «افتعل»، قال ابن هشامٍ: وعوامُّ المحدِّثين يحرِّفونه فيقرؤونه بألفٍ وتاءٍ مُشدَّدةٍ، ولا وجه له لأنَّه «افتعل» ففاؤه همزةٌ ساكنةٌ بعد همزة المضارعة المفتوحة، وقطع الزَّمخشريُّ بخطأ الإدغام، وقد حاول ابن مالكٍ جوازه، وقال: إنَّه مقصورٌ على السَّماع كـ «اتَّكل»، ومنه قراءة ابن محيصنٍ: (فليؤدِّ الذي اتَّمن) بألف (٤) وصلٍ وتاءٍ مُشدَّدةٍ، وعلى تقدير أن يكون خطأً فهو من الرُّواة عن عائشة، فإن صحَّ عنها كان حجَّةً في الجواز؛ لأنَّها من فصحاء العرب، وحينئذٍ فلا خطأ، نعم
стр. 1248
نقل بعضهم أنَّه مذهب الكوفيِّين، وحكاه الصَّغَّانيُّ في «مجمع البحرين» (فَيُبَاشِرُنِي) ﵊، أي: تلامس بشرته بشرتي (وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ، وليس المُراد بالمُباشَرة هنا الجماع؛ إذ هو حرامٌ بالإجماع، فمن اعتقد حِلَّه كفر.
قالت عائشة: (وَكَانَ) ﵊ (يُخْرِجُ رَأْسَهُ) من المسجد (إِلَيَّ) أي: وهي في حجرتها (وَهُوَ مُعْتَكِفٌ) في المسجد، جملةٌ حاليَّةٌ (فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ أيضًا.
ورواة هذا الحديث كلُّهم إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وأخرجه المؤلِّف في آخر (١) «الصَّوم» [خ¦٢٠٢٨]، ومسلمٌ في «الطَّهارة» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «الخليل» باللَّام لِلَمْح الصِّفة كالحارث والعبَّاس، الكوفيُّ الخزَّاز -بالخاء والزَّايين المُعجَمات (٢) وأُولى الزَّايين مُشدَّدةٌ- قال البخاريُّ: جاءنا نعيه سنة خمسٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضمِّ الميم وسكون السِّين المُهمَلة وكسر الهاء آخره راءٌ،
стр. 1249
القرشيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثمانين ومئةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) سليمان بن فيروزٍ التَّابعيُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وأربعين ومئةٍ (هُوَ الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشِّين المُعجَمة، وإنَّما قال: «هو» لينبِّه على (١) أنَّه من قوله لا من قول الرَّاوي عن أبي إسحاق (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِبْنِ الأَسْوَدِ) التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا) أي: إحدى زوجاته (٢) ﵊ (إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا) بملاقاة البشرة للبشرة من غير جماعٍ (أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أن تأتزر» بهمزةٍ ساكنةٍ، وهي أفصح، وقال في «المصابيح»: على القياس (فِي فَوْرِ) بفتح الفاء، وسكون الواو، آخره راءٌ، أي: في ابتداء (حَيْضَتِهَا) قبل أن يطول زمنها، وفي «سنن أبي داود»: «فوح» بالحاء المُهمَلة (ثُمَّ يُبَاشِرُهَا) بملامسة بشرته لبشرتها (قَالَتْ) عائشة: (وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ) بكسر الهمزة وسكون الرَّاء ثمَّ مُوحَّدةٍ، ورواه أبو ذَرٍّ (٣) -فيما حكاه في «اللَّامع» -بفتح الهمزة والرَّاء، وصوَّبه الخطَّابيُّ
стр. 1250
والنَّحَّاس، وعَزَاه ابن الأثير لرواية أكثر المحدِّثين، ومعناه: أضبطكم لشهوته أو عضوه الذي يستمتع به (كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ) فلا يُخشَى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، وكان (١) يباشر فوق الإزار؛ تشريعًا لغيره ممَّن ليس بمعصومٍ، وبه استدلَّ الجمهور على تحريم الاستمتاع بما بين سرَّتها وركبتها بوطءٍ أو (٢) غيره، وفي «التِّرمذيِّ» وحسَّنه: أنَّه سُئِل عمَّا يحلُّ من الحائض فقال: «ما وراء الإزار»، وهو الجاري على قاعدة المالكيَّة في سدِّ الذَّرائع، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ الممنوع هو الوطء دون غيره، واختاره النَّوويُّ في «التَّحقيق» وغيره، وقال به (٣) محمَّد بن الحسن من الحنفيَّة، ورجَّحه الطَّحاويُّ، واختاره أصبغ من المالكيَّة لخبر مسلمٍ: «اصنعوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاح»، فجعلوه مُخصِّصًا (٤) لحديث التِّرمذي السَّابق، وحملوا الحديث (٥) المذكور في (٦) الباب وشبهه على الاستحباب جمعًا بين الأدلَّة، وعند أبي داود بإسنادٍ قويٍّ حديث: أنَّه ﵊ كان إذا أراد من الحائض ألقى على فرجها ثوبًا، واستحسن في «المجموع» وجهًا ثالثًا: أنَّه إن وثق بترك الوطء لورعٍ أو قلَّة شهوةٍ جاز الاستمتاع، وإلَّا فلا، قال في «التَّحقيق» وغيره: فلو (٧) وطئ عامدًا (٨) عالمًا بالتَّحريم أو الحيضمختارًا فقد ارتكب كبيرةً فيتوب، والجديد: لا غرم (٩)، ويُندَب ما أوجبه القديم، وهو دينارٌ، إن وطئ في قوَّة الدَّم، وإلَّا فنصفه، وأمَّا المُباشَرة فوق السُّرَّة وتحت الرُّكبة فجائزٌاتِّفاقًا، وهل يحلُّ الاستمتاع بالسُّرَّة والرُّكبة؟ قال في «المجموع»: لم أرَ فيه نقلًا، والمختار الجزم بالحلِّ، ويحتمل أن يخرج على الخلاف في
стр. 1251
كونهما (١) عورةً، قال في «المهمَّات»: وقد نصَّ في «الأمِّ» على الحلِّ في السُّرَّة.
ورواة الحديث السِّتَّة إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٢) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الطَّهارة».
(تَابَعَهُ) أي: تابع عليَّ بن مُسْهِرٍ في رواية (٣) هذا الحديث (خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطيُّ ممَّا وصله أبو القاسم التَّنوخيُّ في «فوائده» من طريق وهب بن بقيَّة (٤) عنه (وَ) تابعه (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد ممَّا وصله أبو داود والإسماعيليُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق المذكور، أي: عن عبد الرَّحمن إلى آخر الحديث.
٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، المعروف بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بتشديد الدَّال، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) أمَّ المؤمنين ﵂ (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ: «سمعت ميمونة أمَّ المؤمنين ﵂ تقول: كان» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت: كان النَّبيُّ» (¬ ﷺ (٥) إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ) ﵅ (أَمَرَهَا) بالاتِّزار (فَاتَّزَرَتْ) كما في فرع «اليونينيَّة»، وقال ابن حجرٍ: في روايتنا
стр. 1252
بإثبات الهمزة على اللُّغة الفصحى (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «يباشر» على الظَّاهر، أو من مفعول «أمر»، أو من فاعل «اتَّزرت»، وقال الكِرمانيُّ: يحتمل أنَّه حالٌ مِنَ الثَّلاثة جميعًا.
ورواة الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (١) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «النِّكاح» وابن ماجه.
(رَوَاهُ) أي: الحديث، وللأَصيليِّ وكريمة (٢): «ورواه» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا (٣) وصله أحمد في «مُسنَده» (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق وعبَّر بقوله: «رواه» دون تابعه لأنَّ الرِّواية أعمُّ من المُتابَعة، فلعلَّه لم يروِه مُتابَعةً، وقِيلَ: المُراد بسفيان هنا: ابن عُيَيْنة، وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يضرُّ إبهامه لأنَّهما على شرطه، لكن جزم بالأوَّل ابن حجرٍ وغيره كما عند أحمد -كما مرَّ- فافهم.
(٦) (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ) في أيَّام حيضها.
стр. 1253
٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالمٍ المصريُّ الجمحيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ، أخو إسماعيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ) المدنيُّ، وسقط «هو ابن أسلم» عند ابن عساكر والأَصيليِّ (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) هو ابن أبي سرحٍ العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من بيته أو مسجده (فِي) يوم (أَضْحًى) بفتح الهمزة وسكون الضَّاد، جمع: أَضْحَاةٍ، إحدى أربع لغاتٍ في اسمها، وأُضْحِيَةٌ بضمِّ الهمزة وكسرها، وضَحيَّةٌ بفتح الضَّاد وتشديد الياء، والأضحى تُذَكَّر وتُؤنَّث، وهو منصرفٌ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تُفعَل في الضُّحى؛ وهوارتفاع النَّهار (أَوْ) في يوم (فِطْرٍ) شكٌ مِنَ الرَّاوي، أو من أبي سعيدٍ (إِلَى المُصَلَّى) فوعظ النَّاس وأمرهم بالصَّدقة فقال: «يا أيَّها النَّاس، تصدَّقوا» (فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) المعشر: كلُّ جماعةٍ أمرُهم واحدٌ، وهو يَرُدُّ على ثعلبٍ حيث خصَّه بالرِّجال، إلَّا إن كان مراده بالتَّخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث (تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: في ليلة
стр. 1254
الإسراء (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) نعم وقع في حديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- في «صلاة الكسوف» [خ¦١٠٥٢]: أنَّ الرُّؤية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف، و «الفاء» في قوله: «فإنِّي» للتَّعليل، و «أكثرَ» بالنَّصب مفعول: «أُرِيتُكُنَّ» الثَّالث، أو على الحال إذا قلنابأنَّ «أفعل» لا يتعرَّف بالإضافة كما صار (١) إليه الفارسيُّ وغيره (فَقُلْنَ) ولأبى ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قلن» (وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال ابن حجرٍ: «الواو» استئنافيَّةٌ، و «الباء» تعليليَّةٌ، و «الميم» أصلها «ما» الاستفهاميَّة، فحُذِفت منها الألف تخفيفًا، وقال العينيُّ: الواو للعطف على مُقدَّرٍ تقديره: ما ذنبنا؟ و «بِمَ»: «الباء» سببيَّةٌ (٢)، وكلمة «ما» استفهاميَّةٌ، فإذا جُرَّت «ما» الاستفهاميَّة، وجب حذف ألفها وإبقاء الفتحة دليلًا عليها، نحو: إلامَ وعلامَ، وعلَّة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر نحو: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] وأمَّا قراءة عكرمة نحو: (عمَّا يتساءلون) فنادرٌ (قَالَ) ﷺ : «لأنَّكنَّ» (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) المُتَّفَق على تحريم الدعاء به على من لا تعرف خاتمة أمرِه بالقطع، أمَّا من عُرِف خاتمة أمره بنصٍّ، فيجوز كأبي جهلٍ. نعم لَعْنُ صاحبِ وصفٍ بلا تعيينٍ كالظَّالمين والكافرين جائزٌ (وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ) أي: تجحدن نعمة الزَّوج وتستقللن ما كان منه، والخطاب عامٌّ غلبت فيه الحاضرات على الغُيَّب، واستُنبِط من التَّوعُّد
стр. 1255
بالنَّارعلى كفران العشير وكثرة اللَّعن أنَّهما من الكبائر، ثمَّ قال ﵊: (مَا رَأَيْتُ) أحدًا (مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) «أذهب»: من «الإذهاب» على مذهب سيبويه حيث جوَّز بناء «أفعل» التَّفضيل مِنَ الثُّلاثيِّ المزيد فيه، وكان القياس فيه «أشدَّ إذهابًا»، و «اللُّبُّ» -بضمِّ اللَّام وتشديد المُوحَّدة-: العقل الخالص من الشَّوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبٍّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لبًّا، و «الحازم» -بالحاء المُهمَلة والزَّايِ- أي: الضَّابط لأمره، وهو على سبيل المُبالَغة في وصفهنَّ بذلك لأنَّه إذا كان الضَّابط لأمره (١) ينقاد لهنَّ، فغيره أَوْلى (قُلْنَ) مستفهماتٍ (٢) عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ لخفائه عليهنَّ: (وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ﷺ مجيبًا لهنَّ بلطفٍ وإرشادٍ من غير تعنيفٍ (٣) ولا لومٍ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَِ (٤) مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا) بكسر الكاف؛ خطابًا للواحدة التي تولَّت خطابه ﵇، فإن قلت: إنَّما هو خطابٌ للإناث والمعهود فيه: فذلكنَّ، أُجيببأنَّه قد عُهِدَ في خطاب المُذكَّر الاستغناء بـ «ذلك» عن «ذلكم» قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فهذا مثله في المُؤنَّث، على أنَّ بعض النُّحاة نقل لغةً بأنَّه يُكتفَى بكافٍ مكسورةٍ مُفرَدةٍ لكلِّ مُؤنَّثٍ، أو الخطاب لغير مُعيَّنٍ مِنَ النِّساء ليعمَّ الخطاب كلًّا منهنَّ على سبيل البدل، إشارةً إلى أن حالتهنَّ في النَّقص تناهت في الظُّهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختصُّ (٥) به واحدةٌ دون أخرى، فلا تختصُّ حينئذٍ بهذا الخطاب مُخاطَبةٌ دون مُخاطَبةٍ، قاله في «المصابيح»، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العامِّ. واستُنبِط من ذلك: أن لا يواجه بذلك الشَّخص المُعيَّن، فإنَّ في الشُّمول تسليةً وتسهيلًا، وأشار بقوله: «مثل نصف شهادة الرَّجل» إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّ الاستظهار
стр. 1256
بأخرى يُؤذِن (١) بقلَّة ضبطها، وهو يشعر بنقص عقلها.
ثم قال ﵇: (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) أي: لِمَا قام بها من مانع الحيض (قُلْنَ: بَلَى، قَالَ) ﵊: (فَذَلِكَِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) بكسر الكاف وفتحها كالسَّابق، قِيلَ: وهذا العموم فيهنَّ يعارضه حديث: «كمل من الرِّجال كثيرٌ ولم يكمل مِنَ النِّساء إلَّا مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحمٍ»، وفي رواية التِّرمذيِّ وأحمد: «أربعٌ: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلدٍ، وفاطمة بنت محمَّدٍ»، وأُجِيببأنَّ الحكم على الكلِّ بشيءٍ لا يستلزم الحكم على كلِّ فردٍ من أفراده بذلك الشيء، فإن قلت: لِمَ خصَّ بالذِّكر في التَّرجمة الصَّوم دون الصَّلاة وهما مذكوران في الحديث؟ أُجيببأنَّ تركها للصَّلاة واضحٌ لافتقارها إلى الطَّهارة بخلاف الصَّوم، فتركها له مع الحيض تعبُّدٌ محضٌ، فاحتِيج إلى التَّنصيص عليه بخلاف الصَّلاة، وليس المُراد بذكر نقص العقل والدِّين في النِّساء لومَهنَّ عليه؛ لأنَّه من أصل الخلقة، ولكن التَّنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهنَّ، ولهذا رتَّب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النَّقص؛ وليس نقص الدِّين منحصرًا فيما يحصل من الإثم، بل في أعمَّ من ذلك، قاله النَّوويُّ؛ لأنَّه أمرٌ نسبيٌّ، فالكامل مثلًا ناقصٌ عن الأكمل، ومن ذلك: الحائض لا تأثم بترك الصَّلاة زمن الحيض، لكنَّها ناقصةٌ عنِ المصلِّي، وهل تُثاب على هذا التَّرك لكونها مُكلَّفة به كما يُثاب المريض على ترك (٢) النَّوافل التي كان يفعلها في صحَّته وشُغِل عنها بمرضه؟ قال النَّوويُّ: الظَّاهر لا؛ لأنَّ ظاهر الحديث أنَّها لا تُثاب لأنَّه ينوي أنَّه يفعل لو كان
стр. 1257
سالمًا مع أهليَّته وهي ليست بأهلٍ، ولا يمكن أن تنويَ؛ لأنَّها حرامٌ عليها.
ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم مدنيُّون إلَّا ابن أبي مريم فمصريٌّ (١)، وفيه: التَّحديث بصيغة الجمع والإخبار بالإفراد وبالجمع أيضًا (٢) والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة»، و «الصَّوم» (٣) [خ¦١٩٥١] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٢] مُقطعًا، وفي «العيدين» [خ¦٩٦٤] بطوله (٤)، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه، والله أعلم.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي) أي: تؤدِّي (الحَائِضُ) المتلبِّسة بالإحرام (المَنَاسِكَ كُلَّهَا) المتعلِّقة بالحجِّ أوِ العمرة كالتَّلبية (إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) لكونه (٥) صلاةً مخصوصةً (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا (٦) وصله الدَّارميُّ: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (أَنْ تَقْرَأَ) الحائض
стр. 1258
(الآيَةَ) من القرآن، ورُوِي نحوُه عن مالكٍ والجوازُ مُطلَقًا والتَّخصيص بالحائض دون الجنب، ومذهبنا كالحنفيَّة والحنابلة التَّحريم، ولو بعض آيةٍ؛ لحديث التَّرمذيِّ: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» وهو حجَّةٌ على المالكيَّة في قولهم (١): إنَّها تقرأ القرآن ولا يقرأ الجنب، وعُلِّل بطول أمد (٢) الحيض المستلزم نسيان القرآن بخلاف الجنب، وهو بإطلاقه يتناول الآية فما دونها، فيكون حجَّةً على النَّخعيِّ وعلى الطَّحاويِّ في إباحة (٣) بعض الآية، لكنَّ الحديث ضعيفٌ من جميع طرقه، نعم يحلُّ له قراءة الفاتحة في الصَّلاة إذا فقد الطَّهورين، بل يجب كما صحَّحه النَّوويُّ لأنَّه نادرٌ، وصحَّح الرَّافعيُّ حرمتها لعجزه عنها شرعًا، وكذا تحلُّ أذكاره لا بقصد قراءة القرآن (٤) كقوله عند الرُّكوب: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] فإن قصد القرآن وحده أو مع الذِّكر حَرُم، وإن أطلق فلا، كما اقتضاه كلام «المنهاج» خلافًا لما في «المحرَّر»، وقال في «شرح (٥) المُهذَّب»: أشار العراقيُّون إلى التَّحريم (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (بِالقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِبَأْسًا) روى ابن المنذر بإسناده عنه: أنَّه كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنبٌ، فقِيلَ له في ذلك (٦)، فقال: ما في جوفي أكثر منه (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ) بالقرآن وغيره (عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي: أزمانه فدخل فيه (٧) حين الجنابة، وبه قال الطَّبريُّ وابن المنذر وداود، و (٨) هذا التَّعليق وصله مسلمٌ من حديث عائشة.
(وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٧١] بلفظ: (كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ)
стр. 1259
بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، يوم العيد (١) حتَّى تخرج البِكْر من خدرها وحتى تخرج (٢) (الحُيَّضُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن نُخْرِج» بنونٍ مضمومةٍ وكسر الرَّاء «الحُيَّضَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، فيكنَّ خلف النَّاس (فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ) بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يدعين» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بدل الواو، وردَّها العينيُّ لمخالفتها لقواعد (٣) التَّصريف لأنَّ هذه الصِّيغة مُعتلَّة اللَّام من ذوات الواو، يستوي فيها لفظ جماعة الذُّكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعًا، وفي التَّقدير يختلف، فوزن الجمع المُذكَّر «يفعون»، والمُؤنَّث «يَفْعُلْن» (٤).
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ ممَّا (٥) وصله المؤلِّف في «بدء الوحي» [خ¦٧]: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) بن حربٍ (أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَرَأَهُ (٦) فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) (وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) بزيادة الواوِ للقابسيِّ والنَّسفيِّ وعُبدوسٍ، وسقطت لأبي
ذَرٍّوالأَصيليِّ
стр. 1260
(﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ … ﴾ الاية [آل عمران: ٦٤]) استدلَّ به: على جواز القراءة للجنب لأنَّ الكفَّار جنبٌ، وإنَّما كتب لهم ليقرؤوه، وذلك يستلزم جواز القراءة بالنَّصِّ لا بالاستنباط، وأُجيببأنَّ الكتاب اشتمل على غير الآيتين، فهو كما لو ذُكِرَ بعض القرآن في التَّفسير، فإنَّه لا يُمنَع قراءته ولا مسُّه عند الجمهور لأنَّه لا يُقصَد منه التَّلاوة.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب قوله ﵇: لو استقبلت من أمري ما استدبرت» من «كتاب الأحكام» [خ¦٧٣٦٧] أنَّه قال: (حَاضَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (فَنَسَكَتِ) بفتح النُّون، أي: أقامت (المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي) ولفظة: «كلِّها» ثابتةٌ عند الأَصيليِّ دون غيره (١) كما في الفرع.
(وَقَالَ الحَكَمُ) بفتح الحاء المُهمَلة والكاف، ابن عُتَيْبَة -بضمِّ العين المُهمَلة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة بينهما تحتيَّةٌ- الكوفيُّ مما وصله البغويُّ في «الجعديات»: (إِنِّي لأَذْبَحُ) الذَّبيحة (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (جُنُبٌ وَ) الذَّبح يستلزم ذكر الله تعالى، و (قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]) إذِ المُراد به: «لا تذبحوا» بإجماع المفسِّرين،
стр. 1261
وظاهره تحريم متروك التَّسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود، وعن أحمد مثله، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ بخلافه لقوله ﵇: «ذبيحة المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسم الله عليها (١)»، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان وأوَّلوه بالميتة، أو بما ذُكِرَ غير اسم الله عليه، وقد نُوزِع في جميع ما استدلَّ به المؤلِّف ممَّا يطول ذكره.
٣٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ ¬) من المدينة في حجَّة الوداع (لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) لأنَّهم كانوا يعتقدون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ (فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين، وكسر الرَّاء (طَمِثْتُ) بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ وميم مكسورةٍ، ويجوز فتحها، أي: حِضْتُ (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وللأربعة: «فدخل النَّبيُّ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ بالواو (فَقَالَ) ﵊: (مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ:
стр. 1262
لَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى، وهو جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم التَّالي (١) وهو قوله: (وَاللهِ) تأكيدٌ له (أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ) أي: لم أقصدِ الحجَّ هذه السَّنة لأنَّ قولها ذلك كان قبل شيءٍ من الحجِّ (قَالَ) ﵇: (لَعَلَّكِ) بكسر الكاف (نَُفِسْتِ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: حضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) نفستُ (قَالَ) ﵇: (فَإِنَّ ذَلِكِ) باللَّام وكسر الكاف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فإنَّ ذاك» (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) ليس هو خاصًّا بك، قاله تسليةً لها وتخفيفًا لهمِّها (فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) طهارةً كاملةً بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث: «الطَّواف بالبيت صلاةٌ»، فيُشتَرط له ما يُشترَط (٢) لها. نعم تعلَّق بهذه الغاية الحنفيَّة في صحَّة الطَّواف بالانقطاع وإن لم تغتسل، لكنَّ الأصحَّ عندهم وجوبه لأنَّه يجب بتركه الجابر، فلو طافت بعد الانقطاع قبل الغسل وجب عليها بَدَنة، وكذلك النُّفَساء والجنب كما رُوِي عنِ ابن عبَّاسٍ، وهذا الحديث تقدَّم في أوَّل «كتاب الحيض» [خ¦٢٩٤].
(٨) (بابُ) حكم (الاِسْتِحَاضَةِ) وهي: أن يجاوز الدَّم أكثر الحيض ويستمرَّ؛ وهي أربعة أقسامٍ، مُبتدَأةٌ أوَّل ما ابتدأها الدَّم، ومعتادةٌ سبق لها حيضٌ وطهرٌ، وكلاهما مميِّزة (٣)، وهي التي دمها نوعان: قويٌّ وضعيفٌ، وهذه (٤) تُرَدُّ إلى التَّمييز فيكون حيضها الأقوى إن لم ينقص عن
стр. 1263
أقلِّ الحيض، وهو قدر يومٍ وليلةٍ متَّصلًا، ولم يعبر أكثره وهو خمسة عشر يومًا بلياليها وإن تفرَّق دمها ولم ينقص الضَّعيف المتَّصل بعضه ببعضٍ عن أقلِّ الطُّهر بين الحيضتين وهو خمسة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره، وأمَّا غير المميِّزة فإن رأتِ الدَّم بصفةٍ أو أكثر لكن فقدت شرطًا من شروط التَّمييز السَّابقة؛ فإن كانت مُبتدأَةً عارفةً بوقت ابتداء دمها رُدَّت لأقلِّ الحيض في الطُّهر لأنَّه المُتيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه، وإن كانت معتادةً رُدَّت لعادتها قدرًا ووقتًا إن كانت حافظةً لذلك، فإن نسيت عادتها بأن لم تعلم قدرها -وتُسمَّى: المتحيِّرة-فكالمُبتدأَة غير المميِّزة بجامع فقْدِ العادة والتَّمييز، فيكون حيضها يومًا وليلةً، وطهرها بقيَّة الشَّهر، والمشهور أنَّها ليست كالمُبتدَأة لاحتمال كلِّ زمنٍ يمرُّ عليها للحيض والطُّهر، فيجب الاحتياط فتكون في العبادة فرضها ونفلها كطاهرةٍ (١)، وفي الوطء ومسِّ المصحف والقراءة خارج الصَّلاة كحائض، وتغتسل لكلِّ فريضةٍ بعد دخول وقتها عند احتمال الانقطاع، قال في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب: فإن علمت وقت انقطاعه كعند (٢) غروب الشَّمس لزمها الغسل كلَّ يومٍ عقب (٣) الغروب، وتصلِّي به المغرب وتتوضَّأ لباقي الصَّلوات لاحتمال الانقطاع عند الغروب دون ما سواه.
٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) سقط لابن عساكر «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ
стр. 1264
فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، ابن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ) أي: بسبب أنِّي أُستحاض، وظنَّت أنَّ طهارة الحائض إنَّما هي بالانقطاع، فكنَّتْ بعدم الطُّهر عنِ اتِّصال الدَّم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، وظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدَّم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬): «لا تدعيها» (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) يُسمَّى: العاذل -بالمُعجَمة- يخرج منه (وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطَّابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحال، لكنَّ الفتح هنا أظهر، وقال النَّوويُّ: وهو متعيّنٌ، أو قريبٌ مِنَ المتعيّن لأنَّه ﷺ أراد إثبات (٢) الاستحاضة ونفيَ الحيض. انتهى. والذي في فرع «اليونينيَّة» الكسر بعد كشط الفتح: (فَإِذَا أقبَلَتِ الحَيْضَةُ) بالفتح في الفرع، قال ابن حجرٍ: والذي في روايتنا بالفتح في الموضعين، وجوَّز النَّوويُّ في هذه الأخيرة: الكسر أيضًا (فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي: قدر الحيضة (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما صرَّح به في باب إذا «حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ» [خ¦٣٢٥] وزاد في رواية أبي معاوية في «بابغسل الدَّم»: «توضَّئي لكلِّ صلاةٍ» [خ¦٢٢٨] أي: مكتوبةٍ، فلا تصلِّي -عند الشَّافعيَّة- أكثر من فريضةٍ واحدةٍ مُؤدَّاة أو مقضيَّةٍ، وقال الحنفيَّة: تتوضَّأ المستحاضة لوقت كلِّ صلاةٍ، فتصلِّي بذلك الوضوء في الوقت ما شاءت من الفرائض الحاضر والفائت (٣) والنَّوافل، لنا: أنَّ اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها، وقال المالكيَّة: يُستحَبُّ لها الوضوء لكلِّ صلاةٍ ولا يجب إلَّا بحدثٍ آخر، بناءً على أنَّ دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء.
стр. 1265
(٩) (بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ) بالميم، ولأبي الوقت وابن عساكر: «الحيض»، وفي روايةٍ: «الحائض» وسبق في «كتاب الوضوء»، «باب غسل الدَّم» [خ¦٢٢٧] وهذه التَّرجمة أخصُّ منها على ما لا يخفى.
٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ هِشَامٍ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عروة» (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العَّوام (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) «الصِّدِّيق» كما صرَّح به في رواية الأَصيليِّ، وهي جدَّة فاطمة (أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ) هي أسماء بنت الصِّدِّيق، أبهمت اسمها (١) لغرضٍ من الأغراض (٢) صحيحٍ (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) استفهامٌ بمعنى الأمر لاشتراكهما في الطَّلب، أي: أَخبِرني (إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ) فيه؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كالسَّابقة [خ¦٣٠٦] (فَلْتَقْرُصْهُ) بالقاف والرَّاء المضمومة والصَّاد المُهمَلة (٣) السَّاكنة، أي: تقلعه بظفرها أو أصابعها (٤) (ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ) بكسر الضَّاد وفتحها، أي: تغسله (بِمَاءٍ) بأن تصبَّه شيئًا فشيئًا حتَّى يزول أثره، والحكمة في القرص تسهيل الغسل (ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ).
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف.