← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.

стр. 12146

لنفسهِ، وكأنَّ بعضهم لمَّا قال (١): قال محمَّدٌ، ظنَّ أنَّه البخاريُّ، فأرادَ تعظيمه فكنَّاه فأخطأ؛ لأنَّ محمدًا هو الزُّهريُّ وكنيتُه أبو بكرٍ لا أبو عبد الله. انتهى. (وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الكَلِمِ) الَّتي بُعثَ بها (٢) ﷺ تفسيرها (أَنَّ اللهَ) تعالى (يَجْمَعُ) له (الأُمُورَ الكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الأَمْرِ الوَاحِدِ وَالأَمْرَيْنِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) وحاصله: أنَّه ﷺ كان يتكلَّم بالقولِ الموجز القليلِ اللَّفظِ (٣) الكثيرِ المعاني. وجزم غيرُ الزُّهريِّ بأنَّ (٤) المراد بجوامعِ الكلم: القرآن؛ إذ هو الغايةُ القصوى في إيجاز اللَّفظ، واتِّساع المعاني. وَعَلَى تَفَنُّنِ وَاصِفِيهِ بِحُسْنِهِ … يَفْنَى الزَّمَانُ وَفِيهِ مَا لَمْ يُوصَفِ ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «أُتيتُ مفاتيح خزائن الأرض»، وقد قال أهل التَّعبير: من رأى أنَّ بيده مفاتيح فإنَّه يصيب سلطانًا (٥)، ومن رأى أنَّه فتحَ بابًا بمفتاح فإنَّه يظفرُ بحاجته بمعونةِ من له بأسٌ. والحديث مرَّ في «الجهاد» [خ¦٢٩٧٧]. (٢٣) (باب التَّعْلِيقِ (٦) بِالعُرْوَةِ) الوثقَى (وَالحَلْقَةِ) في المنام.

стр. 12147

٧٠١٤ - وبه قال: (حَدَّثَناَ) ولغير أبي ذرٍّ بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ) بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء بعدها راء، ابن سعدٍ السَّمَّان البصريُّ (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) عبد الله. قال المؤلِّف بالسَّند إليه: (ح) للتَّحويل من سندٍ إلى آخر (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (خَلِيفَةُ) بن خَيَّاط -بالخاء المعجمة المفتوحة والتحتية المشددة- البصريُّ العصفريُّ صاحب «كتاب الطبقات» و «التاريخ» يُقال له: شَبَاب (١) قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذٌ) هو: ابنُ معاوية العنبريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو: ابنُ سيرين أنَّه قال: (حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ) بضم العين وتخفيف الموحدة التَّابعيُّ، وسبقَ ذكره في «مناقبِ عبد الله بن سلَام» بهذا الحديث [خ¦٣٨١٣] وحديث آخر في «تفسيرِ سورة الحجِّ» [خ¦٤٧٤٣] وفي «غزوة بدرٍ» [خ¦٣٩٩٥] وليس له في البخاريِّ سوى هذين الحديثين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ) في المنام (كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ، وَسَطَ الرَّوْضَةِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ووسط الرَّوضة» (عَمُودٌ فِي أَعْلَى العَمُودِ عُرْوَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارْقَهْ) بهاء السَّكت، اصعده (٢) (قُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ) رقيَّه (فَأَتَانِي وَصِيفٌ) خادمٌ (فَرَفَعَ) وفي نسخة: «يرفع» (ثِيَابِي (٣) فَرَقِيتُ) بكسر القاف (فَاسْتَمْسَكْتُ بِالعُرْوَةِ (٤)، فَانْتَبَهْتُ وَأَنَا مُسْتَمْسِكٌ (٥) بِهَا) أي: حال استمسَاكي بالعروةِ، وإلَّا فكيف يستمسِكُ (٦) بعد الانتباهِ، ويحتملُ الحقيقةَ فالقدرةُ صالحة (فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلْكَ الرَّوْضَةُ رَوْضَةُ الإِسْلَامِ، وَذَلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ، وَتِلْكَ العُرْوَةُ عُرْوَةُ الوُثْقَى) المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] (لَا تَزَالُ مُسْتَمْسِكًا (٧) بِالإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بها» بدل قولهِ: «بالإسلام»، وقد قال المعبِّرون: الحلْقة والعروةُ المجهولةُ يدلَّان (٨) لمن تمسَّك

стр. 12148

بهما (١) على قوَّته في دينهِ وإخلاصهِ فيه. (٢٤) (باب) رؤية (عَمُودِ الفُِسْطَاطِ) بضم الفاء وتكسر وسكون المهملة بعدها طاءان مهملتان بينهما ألف، وقد تبدل الطاء الأخيرة سينًا مهملةً، وقد تبدل الطاء تاء (٢) مثنَّاة فوقيَّة فيهما (٣) وفي إحدَاهما (٤)، وقد تدغمُ التاء الأولى في السين المهملة وبالسين (٥) المهملة في آخره لغات تبلغ على هذا اثنتي عشرة، وهو -كما قال الجواليقيُّ-: فارسيٌّ معرَّب، وهو الخيمة العظيمةُ، والعَمود بفتح أوَّله (تَحْتَ وِسَادَتِهِ) في المنام. وعند النَّسَفيِّ: «عند» بدل: «تحت»، ولم يذكر هنا حديثًا، ولعلَّه أشار بهذه التَّرجمة إلى ما أخرجَه يعقوبُ بن سفيان، والطَّبرانيُّ والحاكمُ وصحَّحه (٦) من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاصي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «بينا أنا نائمٌ رأيتُ عَمود الكتابِ احتُمل من تحتِ رأسي، فأتبعتُهُ بصرِي فإذا هو قد عُمِد به إلى الشأمِ، ألا وإن الإيمانَ حين تقع الفتنُ بالشأم»، وزاد يعقوب والطَّبرانيُّ من حديث أبي أمامة بعد قوله: بصري: «فإذا هو نورٌ ساطعٌ حتَّى ظننتُ أنَّه قد هوى به، فعُمِد به إلى الشأم، وإني أوَّلت أنَّ الفتنَ إذا وقعتْ أنَّ الإيمانَ بالشأم» وسنده ضعيفٌ، وعند (٧) أبي الدَّرداء عن النَّبيِّ ﷺ قال: «بينا أنا نائمٌ رأيتُ عمودَ الكتابِ احتُمل من تحتِ رأسِي، فظننْتُ (٨) أنَّه مَذْهوب به، فأتبعتُهُ بصرِي فعُمِد به إلى الشأمِ». رواه أحمدُ ويعقوبُ والطَّبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ. وهذا الحديث -كما قال في «الفتح» -: أقربُ إلى شرطِ البخاريِّ؛ لأنَّه أخرج لرواتهِ إلَّا أنَّ

стр. 12149

فيه اختلافًا على يحيى بنِ حمزة في شيخهِ هل هو ثور بن يزيد (١)، أو زيد بن واقد؟ وهو غيرُ قادحٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما ثقةٌ من شرطه، فلعلَّه كتب التَّرجمة وبيَّض للحديثِ فاخترمتهُ المنيَّة، وعن عبد الله بن حَوَالة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «رأيتُ ليلةَ أُسري بي عَمودًا أبيضَ كأنَّه لواءٌ تحملُه الملائكةُ فقلتُ: ما تحملون؟ قالوا: عَمود الكتابِ أمرنا أن نضعَهُ بالشَّأم». قال: «وبينَا أنا نائمٌ رأيتُ عمودَ الكتابِ اختُلِس من تحتِ وِسَادتي، فظننتُ أنَّ الله تجلَّى على (٢) أهلِ الأرض، فأتبعتُه بصرِي فإذا هو نورٌ ساطعٌ حتَّى وضِعَ بالشَّأم». وللحديثِ طرقٌ أُخرى (٣) يقوِّي بعضها بعضًا، وعَمود الكتابِ: عمود الدِّين. وقال المعبِّرون: مَن رأى في منامهِ عمودًا، فإنَّه يعبر بالدِّين، وأمَّا الفُسطاط فمن رأى أنَّه ضرب عليه فسطاط، فإنَّه ينال سلطانًا بقدَرِه، أو يخاصِمُ ملِكًا فيظفرُ. (٢٥) (باب) رؤية (الإِسْتَبْرَقِ) وهو غليظ الدِّيباج في المنام (وَ) رؤية (دُخُولِ الجَنَّةِ فِي المَنَامِ) أيضًا. ٧٠١٥ - ٧٠١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بفتح اللَّام المشدَّدة، العمِّيُّ البصريُّ أخو بهز بن أسدٍ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، ابنُ خالدٍ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً) بفتحات (مِنْ حَرِيرٍ) وفي التِّرمذيِّ من طريق إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّة عن أيُّوب: «كأنَّما في يدِي قطعة استبرقٍ»، فكأنَّ (٤)

стр. 12150

البخاريَّ أشارَ إلى روايتهِ في التَّرجمة (١) (لَا أَهْوِي) بفتح الهمزةِ، وقال العينيُّ كابن حجرٍ: بضم الهمزة، من الإهواءِ، وثلاثيَّه هَوَى، أي: سَقَط، وقال الأصمعيُّ: أهويت بالشَّيءِ إذا رميت به (٢) (بِهَا) بالسَّرَقة (إِلَى مَكَانٍ فِي الجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ) فكأنَّما لي مثل جناح الطَّير للطَّائر (فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر بنِ الخطَّاب أمِّ المؤمنين. (فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ) لها ﷺ : (إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ -أَوْ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ) أخاك (رَجُلٌ صَالِحٌ-) كذا بالشَّكِّ من الرَّاوي. قال في «الفتح»: وزاد الكُشمِيهنيُّ في روايته عن الفَِرَبْريِّ: «لو كان يصلِّي من اللَّيل» وفي مسلمٍ من رواية عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عن ابن عمر: قال: «نِعْم الفتى -أو قال: نعم الرَّجل- ابن عمر لو كان يصلِّي من اللَّيلِ». قال ابنُ عمر: وكنت إذا نمتُ لم أقمْ (٣) حتَّى أصبح. وحديثُ الباب سبق في (٤) «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٢٢]. (٢٦) (باب) رؤية (القَيْدِ فِي المَنَامِ) إذا رأى شخصٌ أنَّه تقيَّد به فيه ما يكون تعبيرهُ.

стр. 12151

٧٠١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصاد المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف مهملة، العطَّار البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو: ابنُ سليمان قال: (سَمِعْتُ عَوْفًا) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة فاء، ابن أبي جَميل -بفتح الجيم- الأعرابيَّ العبديَّ البصريَّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ) بأن يعتدلَ ليله ونهاره وقت اعتدالِ الطَّبائع الأربع غالبًا، وانفتاق (١) الأزهار، وإدراك الثِّمار (لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا المُؤْمِنِ) لكنَّ التَّقييد بالمؤمن يعكِّر على تأويلِ الاقتراب بالاعتدالِ؛ إذ لا يختصُّ (٢) به المؤمن، وأيضًا الاقتراب يقتضِي التَّفاوتَ، والاعتدال يقتضِي عدمَهُ، فكيف يفسّر الأوَّل بالثَّاني؟ وصوَّب ابن بطَّال: أنَّ المراد باقتراب الزَّمان انتهاء دولته (٣) إذا دنا قيام السَّاعة لما في التِّرمذيِّ من طريق مَعمر عن أيوب في هذا الحديث: «في آخر الزَّمانِ لم تكد (٤) تكذب رؤيا المؤمن، وأصدقُهم رؤيا أصدقُهم حديثًا». قال: فعلى هذا فالمعنى: إذا اقتربت السَّاعة، وقُبض أكثرُ أهل العلم، ودرست معالم الدِّيانة بالهرجِ والفتنة، فكان النَّاس على مثل (٥) الفترةِ محتاجين إلى مذكِّرٍ ومجدِّدٍ لمَا دُرِس من الدِّين، كما كانتِ الأمم تُذَكَّر بالأنبياء، فلمَّا كان نبيُّنا ﷺ خاتم الأنبياء وما بعده من الزَّمان يشبهُ زمن (٦) الفترة عُوِّضوا عن النُّبوَّة بالرُّؤيا الصَّالحة الصَّادقة الَّتي هي جزءٌ من أجزاء النُّبوَّة الآتيةِ بالبشارة والنَّذارةِ. وقيل: المراد بالاقتراب (٧): نقص السَّاعات والأيَّام واللَّيالي بإسراعِ مرورها وذلك قرب السَّاعة. ففي مسلم: «يتقارب الزَّمان حتَّى تكون السَّنة كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالسَّاعة، والسَّاعة كاحتراق السَّعفة». قيل: يريد أنَّ ذلك يكون من خروج المهدي عند بسط العدلِ، وكثرة الأمن، وبسطِ الخير والرِّزق، فإنَّ ذلك الزَّمان يستقصرُ لاستلذاذِهِ، فتتقاربُ أطرافُه، وأشارَ ﵊ بقولهِ: «لم تكدْ تكذب رؤيا المؤمن» إلى غلبة الصِّدق على الرُّؤيا لكنَّ

стр. 12152

الرَّاجح نفي الكذبِ عنها أصلًا؛ لأنَّ حرف النَّفي الدَّاخل على كادَ ينفِي قرب حصوله، والنَّافي لقربِ حصول الشَّيء أدلُّ على نفيهِ نفسه، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، قاله في «شرح المشكاة». ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لم تكدْ رؤيا المؤمن تكذب» بالتَّقديم والتَّأخير (وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ) بواو العطف على المرفوع السَّابق فهو مرفوعٌ أيضًا (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) أي: من علم النُّبوَّة (وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ) وهذا ثابتٌ لأبوي ذرٍّ والوقتِ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ، وظاهر إيرادهِ هنا أنَّه مرفوعٌ، لكن قال (١) في «الفتح»: إنَّ في «بغية النُّقَّاد» لابن المَوَّاق: أنَّ عبدَ الحقِّ أغفلَ التَّنبيه على أنَّ هذه الزِّيادة مدرجةٌ، وأنَّه لا شكَّ في إدراجها، فعلى هذا تكون من قولِ ابن سيرين لا مرفوعة. (قَالَ مُحَمَّدٌ) أي: ابنُ سيرين: (وَأَنَا أَقُولُ هَذِهِ) أي: الأمَّة أيضًا رؤياها صادقةٌ كلُّها صالحها وفاجرها، فيكون من صدق رؤياهم (قَالَ) ابن سيرين -بالسَّند السَّابق-: (وَكَانَ يُقَالُ) القائلُ هو (٢) أبو هريرة: (الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ) وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبة عن قتادةَ عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : «الرُّؤيا ثلاث» (حَدِيثُ النَّفْسِ) وهو ما كان في اليقظةِ، كمن يكون في أمرٍ أو عشقِ صورةٍ فيرى ما يتعلَّق به في اليقظةِ من ذلك الأمر، أو معشوقهِ (٣) في المنام، وهذه (٤) لا اعتبار لها في التَّعبير كاللَّاحقةِ، و (٥) هي المذكورة في قولهِ: (وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ) وهو الحُلمُ المكروهُ بأن يريه ما يحزنُه، وله مكايدُ يُحزن بها بني آدم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] ومن لعب الشَّيطانِ به الاحتلام الموجب للغسلِ (وَبُشْرَى مِنَ اللهِ) يأتيهِ بها ملك الرُّؤيا من نسخةِ أمِّ الكتاب (فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ) في منامهِ (فَلَا يَقُصُّهُ عَلَى أَحَدٍ) بضم الصاد المهملة المشددة (وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ) وفي «باب الحلم من الشيطان»: «فليبصقِ عن يسارهِ، وليستعذْ (٦) باللهِ منه فلن

стр. 12153

يضرَّه» [خ¦٧٠٠٥] قال القرطبيُّ: والصَّلاةُ تجمعُ البصقِ عند المضمضةِ، والتَّعوُّذ قبل القراءة. وعند ابن ماجه بسند حسنٍ عن خبَّاب بن مالك مرفوعًا: «الرُّؤيا ثلاثٌ: منها (١) أهاويلُ من الشَّيطان ليحزُنَ ابنَ آدم، ومنها ما يهتمُّ به الرَّجل في يقظتهِ فيراهُ في منامه، ومنها جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوَّة». (قَالَ) ابن سيرين: (وَكَانَ) أبو هريرة ﵁ (يَكْرَهُ الغُلَّ فِي النَّوْمِ) ولغير أبي ذرٍّ: «يُكره» بضم أوَّله مبنيًّا للمفعولِ: «الغُلُّ» بالرفع مفعولٌ ناب عن فاعله، والغُلُّ -بضم المعجمة- الحديدةُ تجعلُ في العنق، وهو من صفاتِ أهل النَّار قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] (وَكَانَ يُعْجِبُهُمُ القَيْدُ) بلفظ الجمعِ، وبالإفراد في قولهِ: «يَكْره الغلَّ». قال في «شرح المشكاة»: قوله: قال (٢): «وكان يكرهُ الغُلَّ» يحتملُ أن يكون مقولًا (٣) للراوي عن ابن سيرين (٤) فيكون اسم كان ضميرُ ابن سيرين، وأن يكون (٥) مقولًا لابن سيرين فاسمه ضميرُ رسول الله (٦) ﷺ أو أبي هريرة. وقوله: «وكان يعجبُهم» ضميرُ المعبِّرين، وكذا قوله: (وَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «وقال»: (القَيْدُ) يراه الشَّخصُ في رجلهِ (ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ) من أقوالِ المعبِّرين، ولفظ بعضِهم: القيدُ ثباتٌ في الأمرِ الَّذي يراه الرَّائي بحسبِ من يَرى ذلك له. (وَرَوَى (٧) قَتَادَةُ) بن دِعَامة ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ من رواية هشامٍ الدَّستوائيِّ عن أبيه عن قتادة (وَيُونُسُ) بن عُبيد (٨) أحدُ أئمَّة البصرةِ، فيما وصله البزَّار في (٩) «مسنده» (وَهِشَامٌ) هو: ابنُ حسَّان الأزديُّ فيما وصلَه الإمام أحمدُ (وَأَبُو هِلَالٍ) محمَّد بن سُليم -بضم السين- الراسبيُّ، أربعتُهم، أصلَ الحديث (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 12154

وَأَدْرَجَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وأدرج» أي: جعل (بَعْضُهُمْ كُلَّهُ) أي: كلَّ (١) المذكورِ من قولهِ: «الرُّؤيا ثلاث … » إلى: «في الدِّين» (فِي الحَدِيثِ) مرفوعًا. قال البخاريُّ: (وَحَدِيثُ عَوْفٍ) الأعرابيِّ (أَبْيَنُ) أي: أظهرُ حيثُ فصَلَ المرفوع من الموقوفِ، ولا سيَّما تصريحه بقولِ ابن سيرين «وأنا أقول هذه» فإنَّه دالٌّ على الاختصاصِ بخلافِ ما قالَ فيه: وكان يُقال، فإنَّ فيها الاحتمال بخلافِ أوَّل الحديث، فإنَّه صرَّح برفعه. (وَقَالَ يُونُسُ) بن عُبيد: (لَا أَحْسِبُهُ) أي: لا أحسب الَّذي أدرجه بعضُهم (إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي القَيْدِ) يعني: أنَّه شكَّ في رفعهِ. قال القرطبيُّ: هذا الحديثُ وإن اختُلف في رفعهِ ووقفهِ (٢) فإنَّ مَعناه صحيحٌ؛ لأنَّ القيدَ في الرِّجلين تثبيتٌ للمقيَّد في مكانهِ، فإذا رآهُ من هو على (٣) حالةٍ كان ذلك ثبوتًا على تلك الحالةِ، وأمَّا كراهة الغُلِّ فلأنَّ محلَّه الأعناق نكالًا وعقوبةً وقهرًا وإذلالًا، وقد يُسحَب على وجههِ، ويجرُّ على قفاه فهو مذمومٌ شرعًا، وغالبُ رؤيتهِ في العُنق دليلٌ على وقوع حالةٍ (٤) سيِّئة للرَّائي تلازمُه ولا تنفكُّ عنه، وقد يكون ذلكَ في دينهِ كواجباتٍ فرَّط فيها، أو معاصٍ ارتكبَهَا، أو حقوقٍ لازمةٍ له لم يوفها أهلَها مع قدرتهِ، وقد يكونُ في دُنياه لشدَّةٍ تعتريهِ أو تلازمُه. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ ﵀ ردًّا على من قال كأبي عليٍّ القالي (٥) وصاحب «المحكم»: الغُلُّ يجعلُ في العنقِ أو اليد، ويدٌ مغلولةٌ جُعِلت في العُنق: (لَا تَكُونُ الأَغْلَالُ إِلَّا فِي الأَعْنَاقِ) وهذا فيهِ نظرٌ فليُتأمل، و (٦) قول البخاريِّ هذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ. (٢٧) (باب) رؤية (العَيْنِ الجَارِيَةِ فِي المَنَامِ).

стр. 12155

٧٠١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو: لقبُ عبد الله بنِ عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ، الأزديُّ مَولاهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ الفقيه (عَنْ (١) أُمِّ العَلَاءِ) بفتح العين المهملة والهمز، بنت الحارث بنِ ثابت بنِ خارجة، واسمها كنيتها. قال الزُّهريُّ: (وَهْيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي: من نساءِ الأنصار (بَايَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) أنَّها (قَالَتْ: طَارَ لَنَا) أي: وقع في سهمنا (عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بالظاء المعجمة الساكنة (فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتِ الأَنْصَارُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حين أقرعتِ الأنصار» بإسقاط الفوقية بعد القاف (عَلَى سُكْنَى المُهَاجِرِينَ) لمَّا قدموا من مكَّة إلى المدينةِ (فَاشْتَكَى) أي: مرضَ عثمانُ بعد أن أقام مدَّةً (فَمَرَّضْنَاهُ) بتشديد الراء، فقمنَا بأمرهِ في مرضهِ (حَتَّى تُوُفِّي) فغسَّلناه (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ) أي: كفَّناه فيها (فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ) يا (أَبَا السَّائِبِ) وهي كنيةِ ابن مَظْعون (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) أي: لك (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ) أي: أقسِمُ لقد أكرمَك الله (قَالَ) رسولُ الله ﷺ : (وَمَا يُدْرِيكِ؟) بكسر الكاف، أي: من أين علمتِ، زاد في «باب رؤيا النِّساء»: «أنَّ الله أكرمه» [خ¦٧٠٠٣] (قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ. قَالَ) ﷺ : (أَمَّا) بتشديد الميم (هُوَ) أي: عثمان (فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ) أي: الموتُ (إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ مِنَ اللهِ، وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «به» بالهاء بدل التحتية، أي: بعثمان (وَلَا بِكُمْ، قَالَتْ أُمُّ العَلَاءِ) ﵂: (فَوَ اللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «وأُرِيت» بتقديم الهمزة مضمومة على الراء المكسورة (لِعُثْمَانَ) بن مظعون (فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) الَّذي رأيته (لَهُ) ﵊ (فَقَالَ:

стр. 12156

ذَاكِ) بالكسر (عَمَلُهُ) الَّذي كان عمله في حياته كصدقةٍ جارية (يَجْرِي لَهُ) ثوابها بعد موته، وكان عثمان من الأغنياءِ فلا يبعدُ (١) أن يكون له صدقة استمرَّت بعد موتهِ، وقد كان له ولدٌ صالحٌ أيضًا وهو السَّائب. والحديث سبق في «باب رؤيا النساء» [خ¦٧٠٠٣] وغيره [خ¦١٢٤٣] [خ¦٣٩٢٩]. (٢٨) (باب) رؤية (نَزْعِ المَاءِ) استخراجه (مِنَ البِئْرِ) للاستقاءِ (حَتَّى يَرْوَى النَّاسُ) بفتح الواو، ورفع الناس على الفاعليَّة (رَوَاهُ) أي: نزعَ الماء من البئرِ (٢) (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) كما يأتي إن شاء الله تعالى في الباب التَّالي لهذا موصولًا [خ¦٧٠٢١]. ٧٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ) الدَّورقيُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ) بالحاء المهملة والراء الساكنة، المدائنيُّ أبو صالح قال: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) بالصاد المهملة المفتوحة بعدها معجمة ساكنة، وجُويرية -بضم الجيم مصغَّرًا- قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ) أستخرجُ (مِنْهَا) الماء بآلةٍ كالدَّلو (إِذْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرُ) بن الخطَّاب ﵄ (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ، فَنَزَعَ) أي: استخرجَ من البئر (ذَنُوبًا -أَوْ: ذَنُوبَيْنِ-) بفتح الذال المعجمة (٤)، الدَّلو الممتلئ ماءً، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَفِي نَزْعِهِ ضَُعْفٌ) بفتح الضاد المعجمة وتضم، لغتان (فَغَفَرَ اللهُ لَهُ) وليس في

стр. 12157

قولهِ: ضعفٌ، حطٌّ من قدره الرَّفيع، وإنَّما هو إشارةٌ إلى قصرِ مدَّة خلافته، ولأبي ذرٍّ: «يغفر الله (١) له» (ثُمَّ أَخَذَهَا) أي: الدَّلوَ (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ) في قولهِ: «من يد أبي بكر» إشارةٌ إلى أنَّ عمر يلي الخلافةَ من أبي بكرٍ بعهدٍ منه، بخلافِ أبي بكرٍ فلم تكن خلافته بعهدٍ صريحٍ منه ﷺ ، ولهذا (٢) لم يقلْ: من يدِي. نعم، وقعتْ عدَّة إشاراتٍ إلى ذلك فيها ما يقربُ من الصَّريح، وقولهُ: (فَاسْتَحَالَتْ) أي: تحوَّلت الدَّلو (فِي يَدِهِ) في يد عمر ﵁ (غَرْبًا) بفتح الغين وسكون الراء بعدها موحدة، دلوًا عظيمةً متَّخذةً من جلودِ البقر (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح القاف بعدها راء مكسورة فتحتيَّة مشددة، كاملًا حاذقًا في عملهِ (مِنَ النَّاسِ يَفْرِي) بفتح أوله وسكون الفاء بعدها راء مكسورة (فَرِيَّهُ) بفتح الفاء وتشديد التحتية، أي: يعملُ عملًا جيِّدًا صالحًا عجيبًا (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) بفتحتين، أي: رويتْ إبلهم حتَّى بركتْ وأقامتْ في مكانها، والمعنى: أنَّ النَّاس انبسطُوا في ولايةِ عمر وفتحوا البلادَ حتَّى قسموا المسك بالصَّاع. والحديث سبق في «فضائلِ أبي بكر» [خ¦٣٦٦٤] و «عمر» (٣) [خ¦٣٦٨٢] ﵄. (٢٩) (باب) رؤية (نَزْعِ الذَّنُوبِ وَالذَّنُوبَيْنِ مِنَ البِئْرِ) في المنام (بِضَعْفٍ) أي: مع ضعفٍ، وسقط لأبي ذرٍّ «من البئر». ٧٠٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) اليربوعيُّ الكوفيُّ، واسم أبيه عبد الله، ونسبه المؤلِّف لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضم الزاي وفتح الهاء، ابنُ معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف، وثبتَ: «ابن عقبة» لأبي ذرٍّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن

стр. 12158

عمر بن الخطَّاب ﵁ (عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي) ما يتعلَّق بخلافَتَي (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ﵄ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّاسَ) في النَّوم (اجْتَمَعُوا) على بئرٍ (فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ) من ماء البئر (ذَنُوبًا -أَوْ: ذَنُوبَيْنِ-) بالشَّكِّ من الرَّاوي (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ) ليس فيه نقصٌ له ولا إشارةٌ إلى أنَّه وقع منه ذنبٌ، وإنَّما هي كلمةٌ كانوا يقولونها يدعمون بها الكلام ونِعْمَ الدِّعامة (ثُمَّ قَامَ ابْنُ الخَطَّابِ) عمر ﵁ فأخذها من أبي بكرٍ (فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا) أي: انقلبت من (١) الصِّغر إلى الكبر (فَمَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في النَّاس» (يَفْرِي فَرْيَهُ) بسكون الراء وتخفيف التحتية، ولأبي ذرٍّ: «من يفري فرِيَّه» بكسر الراء وتشديد التحتية (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) موضع بروك (٢) الإبل بعد الشُّرب. قال ابن الأنباريِّ: معناه: حتَّى رووا وأرووا (٣) إبلَهم وأبركوهَا وضربوا لها عطنًا. وقال القاضي عياضٌ: ظاهر هذا الحديث أنَّ المراد خلافة عمر، وقيل: بل هو لخلافتهما معًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ جمع شمل المسلمين أوَّلًا بدفعِ أهل الرِّدَّة وابتدأتِ (٤) الفتوح في زمانهِ، ثمَّ عهدَ إلى عُمر فكثُرَ في خلافتهِ الفتوح، واتَّسع أمرُ الإسلامِ واستوتْ قواعدهُ. ٧٠٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (٥) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن المسيَّب (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ)

стр. 12159

بفتح القاف وكسر اللام وبعد التحتية الساكنة موحدة، بئرٌ لم تطو (وَعَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ) بسكون العين المهملة (مِنْهَا) من البئرِ (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ) أبو بكرٍ، واسم أبي قحافة عثمان (فَنَزَعَ مِنْهَا) من البئر (ذَنُوبًا -أَوْ: ذَنُوبَيْنِ-) دلوًا أو دلوين، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ) تحوَّلت الدَّلو (غَرْبًا) دلوًا عظيمًا، كما في «المجمل» و «الصِّحاح» (فَأَخَذَهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا) حاذقًا (مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ) قال بعضهم: العطنُ: ما حول الحوض والبئرِ من مباركِ الإبل للشُّرب عَلَلًا بعد نَهَل، ومعنى: ضربت بعطنٍ: بركت. وقال ابنُ الأعرابيِّ: أصلُ العطنِ: الموضع الَّذي تبركُ فيه الإبلُ قربَ الماء إذا شربتْ لتُعاد إليه إن أرادتْ ذلك. قال (١) النَّوويُّ: قالوا: هذا المنام مثالٌ لما جَرى للخليفتين من ظهورِ آثارهما الصَّالحة وانتفاع النَّاس بهما، وكلُّ ذلك مأخوذٌ من النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه صاحب الأمرِ، فقام به أكمل القيام وقرَّر قواعد الدِّين، ثمَّ خلفه أبو بكرٍ فقاتل أهل الرِّدَّة وقطعَ دابرهم، ثمَّ خلفه (٢) عمر، فطالت مدَّة خلافته عشر سنين، واتَّسع (٣) الإسلام في زمنهِ، فشبَّه أمرَ المسلمين بقليبٍ فيه الماء الَّذي فيه حياتهُم وصلاحُهم، وأميرَهم بالمستقِي لهم منها، وسعته هي (٤) قيامُه بمصالحهم، فكان عبقريًّا لم يُر سيِّد يعملُ عمله. وفيه أنَّ من رأى أنَّه يستخرج ماءً من بئرٍ فإنَّه يلي ولايةً جليلةً، وتكون مدَّة ولايتهِ بقدر ما استقى (٥)، قال ابن الدَّقَّاق في «تعبيره»: ومن رأى أنَّه وقف على بئرٍ واستقى منها ماءً طيِّبًا صافيًا، فإن كان من أهل العلم حصل له بقدرِ ما استقى، وإن كان فقيرًا استغنى، وإن كان عزبًا (٦) تزوَّج، وإن كانت متزوِّجةً (٧) حاملًا أتتْ بولدٍ خصوصًا إذا استقى بدلوٍ، وإلَّا حصلَ له

стр. 12160

سببٌ يستغني به، وإن كان طالب حاجةٍ قضيتْ حوائجه (١). (٣٠) (باب الاِسْتِرَاحَةِ فِي المَنَامِ (٢)). ٧٠٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه، أو هو إسحاق (٣) ابن نصر المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو (٤): ابنُ منبِّه (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ (٥) رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ أَنِّي عَلَى حَوْضٍ) من الأحواض، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «على حوضي» بياء المتكلِّم (أَسْقِي النَّاسَ) في الرِّواية السَّابقة (٦) [خ¦٧٠١٩] «على بئر» وهنا كان على حوضٍ، فقيل في الجمع بينهما: إنَّ الحوض هو الَّذي يجعل بجانب البئر لتشربَ منه الإبل فلا منافاة، وكأنَّه يملأُ من البئر فيسكبُ في الحوض، والنَّاس يتناولون الماء لأنفسِهم ولبهائمهم (فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدِي لِيُرِيحَنِي (٧)) من كدِّ الدُّنيا وتعبها (فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ) بالتَّثنية من غير شكٍّ (وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، فَأَتَى ابْنُ الخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهُ) الدَّلو (فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِعُ) يستخرج الماء من البئر بالدَّلو (حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ) أي: أعرضوا (وَالحَوْضُ) أي: والحال أنَّ الحوض (يَتَفَجَّرُ) يتدفَّق منه الماء ويسيلُ، وقد أوَّلوا الذَّنوبين بالسنتين اللَّتين

стр. 12161

وليهما الصِّدِّيق وأشهر بعدها (١)، وانقضت أيَّامه في قتال أهل الرِّدَّة، ولم يتفرَّغ لافتتاحِ الأمصار وجبايةِ الأموال، فذلك ضَعْف نزعه، وفي قولهِ: «ليريحني» إشارةٌ إلى أنَّ الدُّنيا للصَّالحين دار نصبٍ وتعب، وأنَّ في الموت لأهل الصَّلاح والدِّين راحةً منها، وشبَّه أمرَ المسلمين بالبئرِ لما فيها من الماءِ الَّذي به حياةُ العباد وصلاحُ البلاد، وشبَّه الوالي عليهم والقائم بأمورهِم بالنَّازع الَّذي يَستقي (٢)، وأوَّل بعضُهم الحوض بأنَّه معدنُ العلم وهو القرآن الَّذي يغترفُ النَّاس منه (٣) حتَّى يرووا دون أن ينتقصَ (٤). (٣١) (باب) رؤية (القَصْرِ فِي المَنَامِ). ٧٠٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) هو: سعيدُ بن كثير بن عُفَير -بضم العين المهملة وفتح الفاء- الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال (٥): (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم أيضًا (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) بضم الفوقية، أي: رأيت نفسي (فِي الجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ) اسمها أمُّ سُليمٍ، وكانت إذ ذاك في قيد الحياة (تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ) قال في «المصابيح» عن الخطَّابيِّ: إنَّه محمولٌ على الوضوء

стр. 12162

الشَّرعيِّ، فنسب (١) الرَّاوي إلى الوهم، قال: لأنَّه لا عمل في الجنَّة، وإنَّما هي امرأةٌ شوهاء لكنَّ الكاتب أسقطَ بعضَ حروفها فصارَ: تتوضأ. وأجاب البدر الدَّمامينيُّ فقال: قلت: وهذا تحكُّم في الرِّواية بالرَّأي، ونسبة الصَّحيح منها إلى الغلطِ بمجرَّد خيالٍ مبنيٍّ على أمرٍ غير لازم، وذلك أنَّه بناه على الوضوء المكلَّف به في دار الدُّنيا، ومن أين له ذلك، ولم لا يجوِّز أن يكون من الوضوء اللُّغوي المراد به: الوضاءة، ويكون توضؤها سببًا لازدياد حُسنها وإشراقِ نورها، وليس المراد إزالة درنٍ ولا شيءٍ من الأقذار؟ فإنَّ هذا ممَّا نُزِّهت الجنَّة عنه. انتهى. وفيه: أنَّها من أهل الجنَّة، ويوافقه قول جمهور المعبرين (٢): أنَّ من رأى أنَّه يدخل الجنَّة فإنَّه يدخلها. قال ﷺ : (قُلْتُ) للملائكة: (لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁، وسقط لأبي ذرٍّ «ابن الخطَّاب» زاد في «المشكاة»: «فأردتُ أن أدخله» (فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ) بفتح الغين (فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فولَّيت منها مدبرًا». قال المهلَّب: فيه الحكم لكلِّ رجلٍ بما يعلم من خُلقه، ألا ترى أنَّه ﵊ لم يدخلِ القصر مع علمه بأنَّ عمرَ لا يغار عليه؛ لأنَّه أبو المؤمنين، وكل ما (٣) ناله بنوه من الخيرِ فبسببه (٤)، وتعقَّب مُغْلطاي قوله: أبو (٥) المؤمنين مع أنَّ الله تعالى يقول: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال ﵊: «إنَّما أنا لكم بمنزلةِ الوالد» ولم يقلْ: أنا لكم أبٌ، ولم يأت في ذلك حديثٌ صحيحٌ ولا غيره ممَّا يصلح للدَّلالة. انتهى. وأُجيب بأنَّ معنى الآية، أي: لم يكن أبا رجلٍ منكم حقيقةً حتَّى يثبتَ بينه وبينه ما يثبتُ (٦) بين الأب وولده من حرمةِ المصاهرة وغيرها، ولكن كان رسول الله ﷺ أبا أمَّته فيما يرجع إلى وجوب التَّوقير والتَّعظيم له عليهم، ووجوب الشَّفقة والنَّصيحة لهم عليهِ، لا في سائرِ الأحكام الثَّابتة بين الآباء والأبناء. انتهى من «الكشاف» (٧).

стр. 12163

ولا يثبت له عليه (١) إلا (٢) الأبوَّة المجازية. وقال في «الرَّوضة»: قال بعض أصحابنا: لا يجوز أن يُقال: هو أبو المؤمنين لهذه (٣) الآية. قال: ونصَّ الشَّافعيُّ على أنَّه يجوز أن يُقال: أبو المؤمنين، أي: في الحرمة. انتهى. وقال البغويُّ من أصحابنا: كان النَّبيُّ ﷺ أبا الرِّجال والنِّساء جميعًا. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ بالسَّند السَّابق: (فَبَكَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) لمَّا سمع ذلك سرورًا، أو تشوُّقًا (٤) إليه (ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْكَ) بهمزة الاستفهام، وسقطَتْ لأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ، أفديك (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أَغَارُ؟) قيل: هذا من القلب، والأصل: أعليها (٥) أغارُ منك. قال في «الكواكب»: لفظ «عليك» (٦) ليس متعلقًا بـ «أغارُ»، بل التَّقدير: مستعليًا عليك أغار منها (٧). قال: ودعوى القلب (٨) المذكورة ممنوعة (٩)؛ إذ لا يجوز (١٠) ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه، ويحتملُ أن يكون أطلقَ «على»، وأراد: «من»، كما قيل: إنَّ حروف الجرِّ تتناوبُ. انتهى. وقد جاء «على» بمعنى «من»، كقولهِ تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] وفي وضوء المرأة المذكورة إلى جانبِ قصر عمر إشارةٌ إلى أنَّها تدرك خلافته، وكان كذلك.

стр. 12164

٧٠٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحر بنِ كثيرٍ (١)، أبو حفص الباهليُّ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ (٢) بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طَرْخان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (ابْنُ عُمَرَ) بن حفص بنِ عاصمِ بن عمر بنِ الخطَّاب (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَخَلْتُ الجَنَّةَ) في المنام (فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ) لجبريلَ ومن معه: (لِمَنْ هَذَا) القصر؟ (فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٧٠٢٣] «قالوا: لعمر بن الخطَّاب» (فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْخُلَهُ يَا ابْنَ الخَطَّابِ إِلَّا مَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِكَ) قال صاحب «الكواكب»: علمَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه عمرُ بن الخطَّاب بالوحي أو بالقرائنِ (قَالَ) عمر: (وَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) بواو العطف وهمزة الاستفهام مقدَّرة. قال المعبِّرون: القَصْرُ في المنامِ عملٌ صالحٌ لأهلِ الدِّين، ولغيرهم حبسٌ وضيقٌ، وقد يعبَّر دخول القصر بالتَّزوُّج (٣). (٣٢) (باب) رؤية (الوُضُوءِ فِي المَنَامِ). ٧٠٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكَير القرشيُّ المخزوميُّ، مَولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَِّبِ) بفتح التحتية المشددة أو كسرها لقولهِ: سيَّب الله من سيَّبني: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير

стр. 12165

ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) أي: رأيتُ نفسي (فِي الجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ) هي أمُّ سُلَيم، وكان هذَا في حال حياتها (تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ) للملائكةِ: (لِمَنْ هَذَا القَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ) فأردتُ أن أدخلَه (فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ) بضمير الغائبِ، وفي «النِّكاح»: وهو في المجلس [خ¦٥٢٢٧] (فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى عُمَرُ) سرورًا لما منحَه الله، أو تشوُّقًا إليه (وَقَالَ: عَلَيْكَ) بإسقاطِ الاستفهام (١) (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أَغَارُ؟) جملةٌ معترضة، أي: أنت مفدَّى بأبي وأمِّي، وسقط لفظ «أنت» لأبي ذرٍّ. ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله: «فإذا امرأةٌ تتوضَّأ»، وقد قيل: إنَّه إنَّما ذكر الوضوء إشارة إلى أنَّ الوضوء يوصلُ إلى الجنَّة وإلى ذلك النَّعيمِ المقيم. وقال أهلُ التَّعبير: الوضوء في المنام وسيلةٌ أو عمل، فإن أتمَّه في النَّوم حصلَ مُراده في اليقظةِ، وإن تعذَّر لعزَّة (٢) الماء مثلًا، أو توضَّأ بماءٍ لا يجوزُ فلا، والوضوءُ للخائفِ أمانٌ، ويدلُّ على حصولِ الثَّواب وتكفيرِ الخطايا. (٣٣) (باب الطَّوَافِ) أي: مَن رأى أنَّه يطوف (بِالكَعْبَةِ فِي المَنَامِ). ٧٠٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي

стр. 12166

(أَطُوفُ بِالكَعْبَةِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ) أسمرُ (سَبِْطُ الشَّعَرِ) بسكون الموحدة وكسرها، أي: مسترسلَهُ غير جعدٍ يمشي متمايلًا (بَيْنَ رَجُلَيْنٍ يَنْطُِفُ) بضم الطاء المهملة وكسرها، يقطرُ (رَأْسُهُ مَاءً) بالنصب على التَّمييز (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ) عيسى ﵇ (فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ) اللَّون (جَسِيمٌ جَعْدُ (١) الرَّأْسِ، أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بارزةٌ عن نظائرها (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا) الرَّجل (الدَّجَّالُ، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ) بفتح القاف والطاء آخره نون، عبدُ العزى، واسم جدِّه عمرو (٢) (وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي المُصْطَلِقِ) بسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وبعد اللام المكسورة قاف، ابن سعدٍ (٣) (مِنْ (٤) خُزَاعَةَ) بالخاء والزاي المعجمتين، وفي «باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]» من (٥) «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤١] قال الزُّهريُّ: رجلٌ من خُزَاعة هلكَ في الجاهليَّة. قيل: في الحديث أنَّ الدَّجَّال يدخلُ مكَّة دون المدينة؛ لأنَّ الملائكة الَّذين على أنقابها (٦) يمنعونَه من دُخولها، وردَّه بعضهم بأنَّ الحديث لا دَلالة فيه على ذلك، والنَّفي (٧) الوارد بأنَّه لا يدخلُها محمولٌ على الزَّمن الآتي وقتَ ظهورِ شوكته لا السَّابق. ومطابقةُ الحديثِ في قولهِ: «رأيتني أطوف». قال المعبِّرون: الطَّواف بالبيتِ ينصرف على وجوهٍ، فمن رأى أنَّه يطوفُ به فإنَّه يحجُّ، وعلى التَّزويج، وعلى أمرٍ مطلوب من الإمام (٨)؛ لأنَّ الكعبة إمام الخلقِ كلِّهم، وقد يكون تطهيرًا من الذُّنوب؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وقد يكون لمن يُريد التَّسرِّي أو التَّزوُّج بامرأةٍ حسناء دَليلًا على تمام إرادتهِ. وهذا الحديث سبقَ في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤١].

стр. 12167

(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا) رأى الشَّخص أنَّه (أَعْطَى فَضْلَهُ) من اللَّبن (غَيْرَهُ فِي النَّوْمِ). ٧٠٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ مولاهم، ونسبَه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم أوله، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب المدنيُّ، شقيق سالم (أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﵄ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) بضم الهمزة (بِقَدَحِ لَبَنٍ) بالإضافة، أي: بقدحٍ فيه لبنٌ (فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي) بكسر الهمزة (لأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي) زاد في الرِّاوية السَّابقة قريبًا [خ¦٧٠٠٧] «من أطرافي»، وفي «العلم» [خ¦٨٢] وفي «المغازي» [خ¦٣٦٨١] و «أَرى» بفتح الهمزة، و «الرِّيِّ» بكسر الراء وتشديد التحتية، أي: ما يتروَّى (١) به وهو اللَّبن، أو هو إطلاقٌ على سبيل الاستعارةِ، وإسنادُ الجري إليه قرينة، وقيل: الرِّيُّ اسم من أسماء اللَّبن، قاله في «الكواكب» (ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلَهُ) أي: فضل اللَّبن (عُمَرَ) بن الخطَّاب، وسقط لابنِ عساكرَ لفظ «فضله» (قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ): أوَّلته (العِلْمَُ) قال المهلَّب: رؤية اللَّبن في النَّوم تدلُّ على السُّنَّة والفطرة والعلم والقرآن؛ لأنَّه أوَّل شيءٍ يناله المولودُ من طعام الدُّنيا، وهو الَّذي يفتقُ أمعاءَه، وبه تقومُ حياته كما تقومُ بالعلم (٢) حياة القلوب، فهو يُشاكل العلم من هذا الوجهِ، وقد يدلُّ على الحياة؛ لأنَّها كانت به في الصِّغر، وإنَّما أوَّله الشَّارع في عُمر بالعلم -والله أعلم- لعلمهِ صحَّة فطرتهِ ودينه، والعلم زيادةٌ في الفطرة. انتهى. وقال ابنُ الدَّقاق: اللَّبن يدلُّ على الحملِ، وظهورِ الأسرارِ، والعلم، والتَّوحيد، وعلى الدَّواء للأدواء، واللَّبن الرَّائب همٌّ، والمخيض أشدُّ غلبةً منه، ولبنُ ما لا يؤكلُ لحمه مالٌ حرامٌ

стр. 12168

ودُيون وأمراضٌ ومخاوف (١) على قدرِ جوهر الحيوان. وسبق مزيد لذلك في «باب اللَّبن» [خ¦٧٠٠٦]. (٣٥) (باب) رؤية (الأَمْنِ وَذَهَابِ الرَّوْعِ) بفتح الراء، الخوف (فِي المَنَامِ). ٧٠٢٨ - ٧٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بضم العين في الأوَّل، وكسرها في الثَّاني، أبو قدامة اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) الصَّفَّار البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) بضم الجيم مصغَّرًا، أبو نافع مولى بني تميم، أو بني هلال، قال: (حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ) مولاه (ابْنَ عُمَرَ) عبد الله بن عمر ﵄ (قَالَ: إِنَّ رِجَالًا) لم يسمّوا (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَقُصُّونَهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَقُولُ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من التَّعبير (مَا شَاءَ اللهُ، وَأَنَا غُلَامٌ (٢) حَدِيْثُ السِّنِّ) أي: صغيره، ولأبي ذرٍّ

стр. 12169

عن الكُشمِيهنيِّ: «حدث السِّنِّ» (وَبَيْتِي المَسْجِدُ) آوي إليه (قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَ) أي: أتزوَّج (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ) ولأبي ذرٍّ: «خيرًا» (لَرَأَيْتَ مِثْلَ مَا يَرَى هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا اضْطَجَعْتُ لَيْلَةً) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ذات ليلةٍ». وفي «الفتح» عزو هذه للكُشمِيهنيِّ (قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ) بتشديد التحتية (خَيْرًا فَأَرِنِي) في منامي (رُؤْيَا، فَبَيْنَمَا) بغير ميم (أَنَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ) قال الحافظ ابنُ حجرٍ: لم أقفْ على اسمهما، ويحتملُ أن يكونا أخبراهُ أنَّهما ملكان (فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِقْمَعَةٌ) بكسر الميم الأولى وسكون القاف واحدة المقامعِ، وهي سياطٌ (مِنْ حَدِيدٍ) رؤوسها معوجَّة (يُقْبِلَا بِي) بضم التَّحتية وسكون القاف وكسر الموحدة وبعد اللام ألف فموحدة فتحتية، من الإقبال ضدُّ الإدبار، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «يقبلان بي» (إِلَى جَهَنَّمَ، وَأَنَا بَيْنَهُمَا أَدْعُو اللهَ: اللَّهُمَّ أَعُوذُ) وللأَصيليِّ: «إنِّي أعوذ» (بِكَ مِنْ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أُرَانِي) بضم الهمزة (لَقِيَنِي مَلَكٌ فِي يَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ) لي: (لَنْ تُرَاعَ) نصب بـ «لن»، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم تُرَعْ» جزم بـ: «لم» بالميم، أي: لم (١) تُفْزَعْ، وليس المراد أنَّه لم يقع له فزعٌ بل لمَّا كان الَّذي فزع منه لم يستمرَّ فكأنَّه لم يفزعْ، وعلى الأوَّل فالمراد: أنَّك (٢) لا روعَ عليك بعد ذلك (نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ تُكْثِرُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لو كنتَ تُكثر» (الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقُوا بِي حَتَّى وَقَفُوا بِي عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ) ولأبي ذرٍّ: «حتَّى وقفوا وجهنم مطويَّةٌ» فأسقط: «بي على شفير (٣)» وقوله: «فإذا هي»، وزادوا: «وأقبل جهنَّم» (لَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ «لها» بضميرِ المؤنَّث (قُرُونٌ كَقَرْنِ البِئْرِ) وهي جوانبُها الَّتي تبنى من حجر (٤) تُوضع عليها الخشبةُ الَّتي فيها (٥) البَكَرة، والعادة لكلِّ بئرٍ قرنان (بَيْنَ كُلِّ قَرْنَيْنِ مَلَكٌ بِيَدِهِ مِقْمَعَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَرَى) بفتح الهمزة (فِيهَا) في جهنَّم (رِجَالًا مُعَلَّقِينَ) بفتح اللام المشددة (بِالسَّلَاسِلِ، رُؤُوْسُهُمْ أَسْفَلَهُمْ (٦)) أي: منكَّسين (عَرَفْتُ فِيهَا رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ) قال في «الفتح»: لم أقفْ في

стр. 12170

شيءٍ من الطُّريق على تسمية أحدٍ منهم (فَانْصَرَفُوا) أي: الملائكةُ (بِي عَنْ ذَاتِ اليَمِينِ) أي: عن جهةِ اليمين. (فَقَصَصْتُهَا) بعد أن استيقظتُ من منامي (عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر أمِّ المؤمنين ﵄ (فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ عَبْدَ اللهِ) أي: ابن عمر (رَجُلٌ صَالِحٌ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لو كان يصلِّي من اللَّيل» (فَقَالَ) ولابنِ عساكرَ: «قال» (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (لَمْ) ولأبي ذرٍّ: «فلم» (يَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ) عبد الله بن عمر (يُكْثِرُ الصَّلَاةَ) قال ابن بطَّال: في هذا الحديث أنَّ بعض الرُّؤيا لا يحتاجُ إلى تفسير (١)، وأنَّ ما فُسِّر في النَّوم فهو تفسيرهُ في اليقظةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يزدْ في تفسير قولِ الملك: نعم الرَّجل أنت لو كنت تكثر الصَّلاة. وفيه أنَّ أصل التَّعبير من قبل (٢) الأنبياء، ولذا تمنَّى ابن عمر أن يرى رؤيا فيعبِّرها له النَّبيُّ ﷺ ليكون ذلك عنده أصلًا، وأصل التَّعبير توقيفٌ من قبلِ الأنبياء ﵈، لكن الوارد عنهم في ذلك وإن كان أصلًا فلا يعمُّ جميعَ المرئيّ، فلا بدَّ للحاذقِ في هذا الفنِّ أن يستدلَّ بحُسن نظره، فيردَّ ما لم ينصَّ عليه إلى حكمِ التَّمثيل، ويحكم له بحكم التَّشبيه الصَّحيح، فيجعل أصلًا يلتحقُ (٣) به غيره، كما يفعلُ الفقيه في فروعِ الفقه. انتهى. وقال أبو سهل عيسى بن يحيى المسيحيُّ (٤) الفيلسوفُ العابر: اعلم أنَّ لكلِّ علمٍ أصولًا لا تتغيَّر، وأقيسةً مطَّردةً لا تضطرب إلَّا تعبيرَ الرؤيا، فإنَّه يختلفُ (٥) باختلافِ أحوال النَّاس وهيئاتهم وصناعاتهِم ومراتبهِم ومقاصدهِم ومللهِم وأديانهِم ونحَلهِم ومذاهبهِم وعاداتهِم، وربَّما يؤخذ تعبير الرُّؤيا من الأمثال والأشباهِ والعُكوس والأضدادِ، وكلُّ صاحب صناعةٍ وعلم فإنَّه يستغني بآلاتِ صناعتهِ وأدواتِ علمهِ عن آلات صناعةِ وأسباب علمٍ آخر، إلَّا صاحب التَّعبير فإنَّه ينبغي له أن يكون مطَّلعًا على جميع العلوم عارفًا بالأديان (٦) والمللِ والمواسم

стр. 12171

والعاداتِ المستمرَّة فيما بين الأمم، عارفًا بالأمثالِ (١) والنَّوادر، ويأخذُ باشتقاقِ (٢) الألفاظ، وأن يكون فَطِنًا ذكيًا حسنَ الاستنباطِ خبيرًا بعلم الفراسة، وكيفيَّة الاستدلال من الهيئات الخِلْقيَّة على الصِّفات الخُلُقيَّة (٣)، حافظًا للأمور الَّتي تختلفُ باختلاف تعبير الرُّؤيا، فمن أمثلتهِ بحسب الألفاظ المشتقَّة: أنَّ رجلًا رأى في منامه أنَّه يأكلُ السَّفرجل فقال له المعبِّر: يتَّفق لك سفرةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّ أوَّل جزأي (٤) السَّفرجل هو السَّفر. ورأى رجلٌ أنَّ رجلًا أعطاه غصنًا من أغصان السَّوسن (٥)، فقال له المعبِّر: يصيبك من هذا المعطى سوء (٦) تبقى في ورطتهِ سنة؛ لأنَّ السَّوسن أوَّل جزء منه: سو (٧)، والسُّوء (٨) يدلُّ على الشَّرِّ، والجزءُ الثَّاني: سن (٩)، والسَّنة اسمٌ للعام الَّذي هو اثنا عشر شهرًا، لكن قال المسيحيُّ: إنَّ هذا التَّعبير الَّذي بحسب الاشتقاق للألفاظِ العربيَّة إنَّما يفسِّر به (١٠) العرب ومن في بلادهِم دون غيرهم؛ لأنَّ للسَّفرجل والسَّوسن أسامي أُخر لا تدلُّ على هذا التَّعبير، فالسَّفرجل والسَّوسن لا يدلَّان (١١) على السَّفر والسُّوء في حقِّ من لا يكون من العرب، ولا يتوطَّن (١٢) ديار العربِ، ولكن يجعلُ اشتقاق الألفاظِ وكيفيَّة الاستعمالِ منها على التَّعبير قانونًا ودستورًا مُستعملًا في سائرِ اللُّغات، ويشتقُّ في سائرِ اللُّغات من الألفاظِ والأسماءِ المستعملةِ فيها ما يوافقُ معنى الاشتقاقِ من تلك اللُّغة دون غيرها، كما إذا رأى فارسيٌّ في نومه أنَّه يأكل السَّفرجل، فيدلُّ على صلاحِ شأنهِ وانتظامِ أحوالهِ، ولا يدلُّ على السَّفر في حقِّه؛ لأنَّ اسم

стр. 12172

السَّفرجل في لغة الفرسِ إنَّما هو «بهي» (١) وهذا بعينه اسمٌ للخيريَّة. انتهى. (٣٦) (باب الأَخْذِ عَلَى اليَمِينِ فِي النَّوْمِ) ٧٠٣٠ - ٧٠٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (٢) قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابن راشد الأزديُّ مولاهم البصريُّ، نزيل اليمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمِ بن عبيدِ الله بنِ عبد الله بنِ شهاب بنِ عبد الله بنِ الحارثِ القرشيِّ، أبو بكرٍ الفقيه الحافظُ المتَّفق على جلالتهِ وإتقانهِ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أبيه (٣) ﵄ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا) بفتح العين المهملة والزاي والموحدة، من لا زوجةَ له (فِي عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: «في عهدِ رسول الله» (¬ ﷺ وَكُنْتُ أَبِيتُ فِي المَسْجِدِ) فيه أنَّه لا كراهة في النَّوم في المسجد (وَكَانَ) بواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «فكان» (مَنْ رَأَى مَنَامًا قَصَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَأَرِنِي مَنَامًا يُعَبِّرُهُ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بضم التحتية وفتح العين وتشديد الموحدة المكسورة. يُقال: عبَّر الرُّؤيا يعبِّرها وعبَرها، يخفَّف ويثقَّل (٤) والتَّخفيف أكثر (فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ)

стр. 12173

في منامي (مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي) بالنون (فَانْطَلَقَا بِي) بالموحدة (فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَنْ تُرَاعَ) نصب بـ «لن» أي: لا روع عليك ولا ضررَ، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم تُرَعْ» جزم بـ «لم» أي: لم (١) تفزع (إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ) والصَّالح القائمُ بحقوقِ الله تعالى وحقوقِ العباد (فَانْطَلَقَا بِي) بالموحدة (إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ) بالحجارةِ والآجرِّ (وَإِذَا (٢) فِيهَا) أي: في النارِ (نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُ بَعْضَهُمْ، فَأَخَذَا بِي) بالموحدة الملكان (٣) (ذَاتَ اليَمِينِ) طريق أهل الجنَّة (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ) الَّذي رأيتُه في المنام (لِحَفْصَةَ) بنت عُمر بن الخطَّاب ﵄. (فَزَعَمَتْ حَفْصَةُ أَنَّهَا) أي: قالت: (قَصَّتْهَا) أي: رؤياي (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ) قيل: فيه الوعيدُ على ترك السُّنن، وجوازُ وقوع العذابِ على ذلك، قاله ابن بطَّال، لكن قال في «الفتح»: إنَّه مشروطٌ بالمواظبةِ على التَّرك رغبةً عنها، فالوعيدُ والتَّعذيب إنَّما يقعُ على المحرَّم، وهو التَّرك بقيدِ الإعراضِ. (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ -بالسَّند السَّابق-: (وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فكان» (عَبْدُ اللهِ) بن عمر (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد قوله ﷺ : «إنَّ عبد الله رجلٌ صالحٌ … » إلى آخره، (يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ). والحديث سبق قريبًا في الباب الَّذي قبل [خ¦٧٠٢٨]. (٣٧) هذا (باب) رؤية (القَدَحِ) يعطاه الرَّجل (فِي النَّوْمِ). ٧٠٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ، أبو رجاء البغلانيُّ؛ بفتح الموحدة وسكون

стр. 12174

المعجمة قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ولأبي ذرٍّ: «ليث» (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) بضم الهمزة (بِقَدَحِ لَبَنٍ) بالإضافة، أي: بقدحٍ فيه لبنٌ (فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي) الَّذي من اللَّبن (عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ): أوَّلته (العِلْمَ) لاشتراكهما في كثرة النَّفع، فاللَّبن غذاء الأطفالِ وسببُ صلاحهم وقوَّة الأبدان بعد ذلك، وكذلك العلم سببٌ لصلاح الدُّنيا والآخرة. وسبق الحديث مرارًا [خ¦٨٢] [خ¦٣٦٨١] [خ¦٧٠٠٦]. (٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا طَارَ الشَّيْءُ) الَّذي ليس من شأنهِ أن يطيرَ من الرَّائي (١) (فِي المَنَامِ) يعبر بحسب ما يليقُ به. ٧٠٣٣ - ٧٠٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ الجَرْمِيُّ) بفتح الجيم وسكون الراء الكوفيُّ، وثبت: «أبو عبد الله الجرميُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو: ابنُ كيسان (عَنِ ابْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين، اسمه: عبدُ الله (بْنِ نَشِيطٍ) بفتح النون وكسر المعجمة وبعد التحتية الساكنة طاء مهملة، وللكُشمِيهنيِّ: «عن أبي عُبيدة» بلفظ الكنية. قال في «الفتح»: والصَّواب: ابن (قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبةِ بن مسعود (سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي ذَكَرَ) ولأبي ذرٍّ: «ذُكِر (٢)» مبنيًّا

стр. 12175

للمفعول. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذُكِرَ لِي) بضم أوَّله مبنيًّا للمفعول، وعدمُ ذكر الصَّحابيِّ غير قادحٍ للاتِّفاق على عدالةِ الصَّحابة كلهم، وفي … (١)، وقد ظنَّ (٢) أنَّ المبهم هنا أبو هريرة ولفظه: قال ابن عبَّاس: فأخبرنِي أبو هُريرة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ) وجواب «بينا» قولهُ: (رَأَيْتُ) ولأبي ذرٍّ: «أُريت» بتقديم الهمزة على الراء وضمِّها (أَنَّهُ وُضِعَ) بضم الواو (فِي يَدَيَّ) بالتَّثنية (سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ) ولأبي ذرٍّ: «إسواران» بهمزة مكسورة قبل السين (فَفَُظِعْتُهُمَا) بفاء العطف ثمَّ فاء أخرى مضمومة وتفتح وكسر الظاء المعجمة المشالة، استعظمتُ أمرهما (وَكَرِهْتُهُمَا) لكون الذَّهب من حليةِ النِّساء وممَّا حُرِّم على الرِّجال. وقال بعضهم: من رأى عليه سِوارين من ذهبٍ أصابَه ضيقٌ في ذاتِ يده، فإن كانا من فضَّةٍ فهو خيرٌ من الذَّهب، وليس (٣) يصلحُ للرِّجال في المنامِ من الحليِّ إلَّا التَّاج والقلادة والعقد والخاتم (فَأُذِنَ لِي) بضم الهمزة وكسر المعجمة، أن أنفخ السِّوارين (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ) أي: تظهرُ شوكتهمَا ومحاربتهما (فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بن عبد الله المذكور في السَّند: (أَحَدُهُمَا العَنْسِيُّ) بفتح العين وكسر السين المهملتين بينهما نون ساكنة، واسمُه الأسودُ الصَّنعانيُّ، وكان يُقال له: ذو الحمار؛ لأنَّه علَّم حمارًا إذا قال له: اسجدْ، يخفضُ رأسه، وهو (الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزٌ) الدَّيلميُّ (بِاليَمَنِ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ) الكذَّاب ابن حبيب الحنفيُّ اليماميُّ (٤) وكان صاحب نَيْرنجات (٥)، وفي قولهِ: «فنفختُهما فطارا» إشارةٌ إلى حقارةِ أمرهما؛ لأنَّ شأن الَّذي يُنفخُ فيذهب بالنَّفخ أن يكون في غايةِ الحقارة. وتعقَّبه ابن العربيِّ القاضي أبو بكر بأنَّ أمرهما كان (٦) في غاية الشِّدَّة.

стр. 12176

وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الإشارة إنَّما هي للحقارةِ المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانهما إشارةٌ إلى اضمحلالِ أمرهمَا، ومناسبةِ هذا التَّأويل لهذه الرُّؤيا أنَّ اليدين بمنزلةِ البلدين، والسِّوارين بمنزلة الكذَّابين، وكونهما من ذهبٍ إشارةٌ إلى ما زخرفا (١)، والزُّخرف من أسماءِ الذَّهب، وقد قال المعبِّرون (٢): مَن رأى أنَّه يطير إلى جهةِ السَّماء بغير تعريجٍ فإنَّه ضررٌ، فإن غابَ في السَّماء ولم يرجعْ مات، فإن رجعَ أفاقَ من مرضهِ، فإنْ (٣) طارَ عرضًا سافر ونالَ رفعةً بقدر طيرانهِ. والحديث سبقَ في «قصَّة العنسيِّ»، في «أواخر المغازي» [خ¦٤٣٧٩]. (٣٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (إِذَا رَأَى) شخصٌ في منامه (بَقَرًا تُنْحَرُ). ٧٠٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيب الهمدانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، ابن عبد الله (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ) الحارث أو عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ. قال البخاريُّ أو الرَّاوي عن أبي موسى: (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وقد رواه مسلمٌ وغيره عن أبي كُرَيب محمَّد بن العلاء بالسَّند المذكور بدون قولهِ: «أُراه»، بل جزموا برفعهِ إلى النَّبيِّ ﷺ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ) بضم الهمزة (مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَْلِي) بفتح الواو والهاء أو بسكون الهاء، وَهمي (٤) (إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ) بفتح التحتية وتخفيف الميم، بلاد الجوِّ (٥)

стр. 12177

بين مكة واليمن، سُمِّيت (١) بجاريةٍ زرقاءَ كانت تبصرُ الرَّاكب من مسيرةِ ثلاثة أيامٍ، فقيل: أبصرُ من زرقاءِ اليمامةِ (أَوْ هَجَرٌ) بفتح الهاء والجيم، غير مصروفٍ، قاعدةُ أرضِ البحرين، أو بلد باليمن، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ: «الهجر» بزيادة «أل» (فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ) الشَّريفة الَّتي هي اسمها في الجاهليَّة (يَثْرِبُ) بالمثلَّثة (وَرَأَيْتُ فِيهَا) في الرُّؤيا (بَقَرًا) بفتح القاف، زاد أحمدُ من حديث جابر: «تُنحرُ»، وبهذه الزِّيادة تقع (٢) المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ويتمُّ تأويل الرُّؤيا (وَاللهُ خَيْرٌ) مبتدأ وخبر، أي: ثواب الله للمقتولين خيرٌ لهم من مَقامهم في الدُّنيا، أو صنيعُ الله خيرٌ لهم، قيل: والأولى أن يُقال: إنَّه من جملة الرُّؤيا، وإنَّها كلمةٌ سمعها عند رؤياه (٣) البقر (فَإِذَا هُمُ) أي: البقر (المُؤْمِنُونَ) الَّذين قُتِلوا (يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ) بضم الهمزة والحاء المهملة (وَإِذَا الخَيْرُ مَا) أي: الَّذي (جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ) بمدِّ همزة «آتانا» أي: أعطانا الله (بَعْدَ يَوْمِ) غزوة (بَدْرٍ) من تثبيتِ قلوب المؤمنين؛ لأنَّ النَّاس جمعوا لهم، فزادهُم إيمانًا وتفرَّق العدوُّ منهم هيبةً، أو المراد بالخيرِ: الغنيمة، وبعدُ، أي: بعد الخير، فالثَّوابُ والخيرُ حصلا في يوم بدرٍ، قاله الكِرْمانيُّ. قال في «الفتح»: وفي هذا السِّياق إشعارٌ بأنَّ قولهُ في الخبر: «والله خيرٌ»، من جملة الرُّؤيا، والَّذي يظهر أنَّ لفظه لم يتحرَّر إيراده، وأنَّ رواية ابن إسحاق هي المحرَّرة، وأنَّه رأى بقرًا ورأى خيرًا، فأوَّل البقرَ على من قُتِل من الصَّحابة يوم أُحد، وأوَّل الخيرَ على ما حصلَ لهم من ثوابِ الصِّدق في القتالِ، والصَّبر على الجهادِ يوم بدرٍ، وما بعده إلى فتح مكَّة، والمراد بالبعديَّة (٤) على هذا لا تختصُّ بما بين بدرٍ وأُحد، نبَّه عليه ابن بطَّال، ويحتملُ أن يريد ببدرٍ: بدر الموعد، لا الوقعة المشهورة السَّابقة على أُحد، فإنَّ بدر الموعد كانت بعد أحدٍ ولم يقع فيها قتالٌ، وكان المشركون لمَّا رجعوا من أحدٍ قالوا: موعدُكم العام المقبل بدر، فخرج النَّبيُّ ﷺ ومن انتُدبَ معه إلى بدرٍ ولم يحضرِ المشركون، فسُمِّيت بدر الموعد، فأشارَ بالصِّدق إلى أنَّهم صَدَقوا الموعد (٥) ولم يُخلفوه، فأثابهُم الله على ذلكَ بما فتحَ عليهم بعد ذلكَ من قُرَيظة وخيبرَ وما بعدهما. انتهى.

стр. 12178

وقولهُ: «بعدَ يومِ بدرٍ»، بنصب دال «بعدَ» وجرِّ ميم «يوم» بإضافة يومٍ إلى بعد (١)، كذا في الفرع وغيره. وقال الكِرْمانيُّ: وفي بعضِها: «بعدُ» بالضَّم، أي: بعد أحدٍ، و «يومَ» نصب على الظَّرفيَّة، وعزا هذه (٢) في «المصابيح» لرواية الجمهور. وقال المهلَّبُ: وهذه الرُّؤيا فيها نوعان من التَّأويل فيها الرُّؤيا على حسبِ ما رُئيتْ وهو قولهُ: «أهاجرُ إلى أرضٍ بها نخلٌ» (٣)، وكذا هاجر، فجرى (٤) على ما رأى، وفيها ضربُ المثل؛ لأنَّه رأى بقرًا تُنْحر فكانت البقر أصحابه، فعبَّر ﵊ عن حالة الحرب بالبقر من أجلِ مالها من السِّلاح لشبهِ (٥) القرنين بالرُّمحين؛ لأنَّ طبعَ البقرِ المناطحة والدَّفع عن أنفسِها بقرونها، كما يفعلُه رجالُ الحرب، وشبَّه ﵇ النَّحر بالقتلِ. انتهى. وقال ابنُ أبي طالبٍ (٦) العابر: إذا دخلتِ البقرُ المدينة سِمَانًا فهي سنين رخاءٍ، وإن كانت عِجَافًا كانت شِدَادًا. (٤٠) (باب) رؤية (النَّفْخِ فِي المَنَامِ). ٧٠٣٦ - ٧٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحميريُّ

стр. 12179

مولاهم، أبو بكر (١) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (٢)) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم والموحدة المكسورة، أنَّه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة يوم القيامة، وقد كرَّر البخاريُّ إيراده هذا القدر في بعض الأحاديث الَّتي أخرجها من صحيفة همَّام من رواية مَعمر عنه، وهو أوَّل حديث في النُّسخة وبقيَّة أحاديثها معطوفةٌ عليه، وكان إسحاقُ إذا أراد التَّحديث بشيءٍ منها بدأ بطرفٍ من الحديث الأوَّل وعطفَ عليه ما يريد، كما قال هنا. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ (٣) الأَرْضِ، فَوُضِعَ) بضم الواو مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله (فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ) بالتَّثنية رفع بالألف مفعول ناب عن فاعله، ولأبي ذرٍّ: «فوَضع» بفتح الواو مبنيًّا للفاعل، أي: وضع الآتي بخزائن (٤) الأرضِ «في يديَّ سوارين» نصب بالياء على المفعولية (مِنْ ذَهَبٍ) صفة لـ «لسِّوارين» (فَكَبُرَا عَلَيَّ) بضم الموحدة، وشدّ التحتية من عليَّ، أي: ثقُلا عليَّ (وَأَهَمَّانِي) أي: أقلقَاني وأحزنَاني؛ لأنَّ الذَّهب حرامٌ على الرِّجال ومن حليةِ النِّساء (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) على لسان الملك، أو وَحي إلهامٍ (أَنِ انْفُخْهُمَا) بهمزة وصلٍ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) إشارةً إلى حقارةِ الكذَّابين، وأنَّهما يُمْحقان بأَدْنى ما يُصيبهما (٥) من بأسِ اللهِ حتَّى يصيرا كالشَّيء الَّذي يُنفخ فيه فيطيرُ في الهواء، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «فطارا» (فَأَوَّلْتُهُمَا الكَذَّابَيْنِ (٦) اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ) عَبْهَلة بن كعب العنسيُّ (٧) (وَصَاحِبَ اليَمَامَةِ) مسيلمة الكذَّاب (٨) واسمُه يمامة، ومسيلمة لقبٌ له، وإنَّما أوَّل السِّوارين بذلك لوضعهمَا في غيرِ مَوضعهما؛ لأنَّ الذَّهب ليس من حليةِ الرِّجال، وكذلك الكذَّاب يضعُ الخبرَ في غير موضعهِ.

стр. 12180

وظاهر قولهِ: «اللَّذين أنا بينهمَا» أنَّهما كانا حين قصَّ الرُّؤيا موجودين. قال في «الفتح»: وهو كذلك لكن وقع في رواية ابن عبَّاس: «يخرجان بعدي» [خ¦٣٦٢١] [خ¦٤٣٧٣] والجمعُ بينهما أنَّ المرادَ بخروجهما بعدهُ ظهورُ شوكتهمَا ومحاربتهما ودَعواهما النُّبوَّة، نقله النَّوويُّ عن العلماء، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ذلك كلَّه ظهرَ من (١) الأسود بصنعاء في حياته ﷺ ، فادَّعى النُّبوَّة وعظُمتْ شوكته وحاربَ المسلمين وقتلَ منهم، وآلَ أمرهُ إلى أن قُتِل في زمنه ﷺ ، وأمَّا مسيلمة فادَّعى النُّبوَّة في حياته (٢) ﷺ إلَّا أنَّه لم تعظمْ شوكته إلَّا في عهد أبي بكر ﵁، فإمَّا أن يحملَ ذلك على التَّغليب، وإمَّا أن يكون المراد بقولهِ ﷺ : «بعدي» أي: بعد نبوَّتي. وتعقَّبه العينيُّ فقال: في نظره (٣) نظر؛ لأنَّ كلام ابن عبَّاس يصدقُ على خروج مسيلمة بعدَه ﷺ ، وأمَّا كلامه في حقِّ الأسود فمِن حيث إنَّ أتباعَه ومن لاذَ به (٤) تبعوا مسيلمة وقووا شوكته، فأطلق عليه الخروج من بعد النَّبيِّ ﷺ بهذا الاعتبار. انتهى، فليتأمل. ومطابقة الحديث في قولهِ: «فنفختهما»، والنَّفخ عند أهل التَّعبير يعبَّر بالكلام، وقد أهلكَ الله الكذَّابين المذكورين بكلامهِ ﷺ وأمره بقتلهما. والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٠٣٤]. (٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا رَأَى) الشَّخص في منامه (أَنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ كُوْرَةٍ) بضم الكاف وسكون الواو بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، أي: ناحية، ولأبي ذرٍّ كما في «الفتح»: «من كُوَّة» بحذف الراء وتشديد الواو. قال الجوهريُّ: الكَُوَّة -بالفتح-: نقبُ البيتِ، وقد تضم (٥). قال في «الفتح»: وبالراء هو المعتمدُ (فَأَسْكَنَهُ) أي: ذلك الشَّيء الَّذي أخرجَه (مَوْضِعًا آخَرَ).

стр. 12181

٧٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) التَّيميِّ مولاهم المدنيِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاشٍ -بتحتية ومعجمة- الأسديِّ الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ) في المنام (كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ) شعر (الرَّأْسِ) منتفشتَه، من ثار (١) الشَّيءُ إذا انتشر، وعند أحمدَ من رواية ابن أبي الزِّناد عن موسى ابن عقبة: «ثائرة الشَّعر» والمراد: شعر الرَّأس، وزاد «تَفِلة» بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء بعدها لام، أي: كريهة الرَّائحة (خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ) النَّبويَّة (حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية والعين المهملة بعدها هاء تأنيث، وفسَّرها بقولهِ: (وَهْيَ الجُحْفَةُ) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة بعدها فاء مفتوحة، ميقاتُ أهل مصر. قال في «الفتح»: وأظنُّ قوله: «وهي الجحفة»، مدرجًا (٢) من قول موسى بن عقبة (فَأَوَّلْتُ) ذلك (أَنَّ (٣) وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا) أي: نقل من المدينة إلى الجُحْفة؛ لعدوان أهلها وأذاهم للنَّاس وكانوا يهودًا، وهذه الرُّؤيا -كما قاله المهلَّب-: من قسم الرُّؤيا المعبِّرة، وهي ممَّا ضُرب به المثل، ووجه التَّمثيل أنَّه شُقَّ من اسم السَّوداء (٤) السُّوء والدَّاء، فتأوَّل (٥) خروجَها بما جمعَ اسمها، وتأوَّل ثورانَ شعر رأسِها أنَّ الذي يسوءُ ويثير (٦) الشَّرَّ يخرجُ من المدينة، وقيل: لما كانت الحمَّى مُثيرة للبدن بالاقشعرارِ وارتفاعِ (٧) الشَّعر عبَّر عن حالها في النَّوم بارتفاعِ شعرِ رأسها،

стр. 12182

فكأنَّه قيل: الَّذي يسوءُ ويثيرُ الشَّرَّ يخرج من المدينة. ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قولهِ: «خرجت من المدينة»؛ لأنَّ في رواية ابن أبي الزِّناد: «أُخرجت من المدينة (١)، وأُسكنتْ بالجحفة» بزيادة همزة مضمومة قبل خاء «أُخْرجت» بالبناء لما لم يسمَّ فاعله، وهو الموافقُ للتَّرجمة، وظاهرُ التَّرجمة أنَّ فاعلَ الإخراج النَّبيُّ ﷺ وكأنَّه نسبه إليه؛ لأنَّه دعا به حيثُ قال: «اللَّهمَّ حبِّب إلينا المدينةَ، وانقلْ حُمَّاها إلى الجُحْفة». والحديث أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٤٢) (باب المَرْأَةِ السَّوْدَاءِ) يراها الشَّخص في المنام. ٧٠٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبو بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) البصريُّ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «حَدَّثنا محمَّد بن أبي بكر» بدل قولهِ: «أبو بكر» وهو محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم (٢) المقدميُّ -بالتشديد- الثَّقفيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّمَيريُّ -بالنون المضمومة وفتح الميم- أبو سليمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن عُقبة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيهِ (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينَةِ) قال: (رَأَيْتُ) وسقط لفظ «قال» في الخطِّ، والحديث عند الإسماعيليِّ عن الحسن بن سفيان عن المقدَّميِّ شيخ المؤلِّف فيه بلفظ: «فرؤيا (٣) رسولِ الله ﷺ في المدينة. قال رسول الله ﷺ (٤): رأيت» (امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ) بالمثلثة، منتفشًا شعر رأسها (خَرَجَتْ مِنَ

стр. 12183

المَدِينَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ) ولابنِ عساكرَ: «مهيعة» بإسقاط الموحدة (فَتَأَوَّلْتُهَا (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فأولتها» بإسقاط الفوقية بعد الفاء (أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ) منها (إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهْيَ الجُحْفَةُ) بتقديم الجيم على المهملة. (٤٣) (باب) رؤية (٢) (المَرْأَةِ الثَّائِرَةِ) شعر (الرَّأْسِ) يراها الشَّخصُ في المنام. ٧٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله بنِ المنذر بنِ المغيرة الحزاميُّ -بالزاي- قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: عبدُ الحميد بنُ عبد الله بنِ أبي أويس الأصبحيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (٣) بالجمع (سُلَيْمَانُ) بن بلال (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الأسديِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد (٤) الله بن عمر ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ) في المنام (امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ) وزاد أبو ذرٍّ: «وهي الجحفة» (فَأَوَّلْتُ) ذلك (أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ يُنْقَلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهْيَ الجُحْفَةُ) ولأبي ذرٍّ: «نُقِل إلى الجحفة» ولابنِ عساكرَ: «نُقِل إليها» وثوران الرَّأس -كما قاله بعضهم- مؤوَّلٌ بالحمَّى؛ لأنَّها تثير البدنَ بالاقشعرارِ وبارتفاع الرَّأس. (٤٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا) رأى الشَّخص أنَّه (هَزَّ سَيْفًا فِي المَنَامِ) بماذا يُعبَّر؟

стр. 12184

٧٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (١) (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة مصغَّرًا (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي رُؤْيَا) ولأبي ذرٍّ: «رؤياي» بزيادة تحتية بعد الألف (أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا) هو: ذو الفقار؛ بفتح الهاء والزاي الأولى وسكون الثانية بعدها فوقية (فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ) أي: تأويلهُ (مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من القتل (٢) (يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ) مرَّة (أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ) أي: تأويلهُ (مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ) لمكَّة (وَاجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ) وإصلاح حالهم. قال المهلَّب: هذه الرُّؤيا من ضربِ المثل، ولما كان النبيُّ ﷺ يصول بأصحابه عبَّر عن السَّيف بهم، وبهزِّه عن أمره (٣) لهم بالحربِ، وعن القطع فيه بالقتلِ فيهم، وفي الهزَّة الأخرى لمَّا عاد إلى حالتهِ من الاستواء عبَّر به عن اجتماعهِم (٤) والفتح عليهم. وقد قال المعبِّرون: من تقلَّد سيفًا فإنَّه ينال سلطانَ ولايةٍ أو وديعةً يعطاها، أو زوجةً ينكحُها إن كان عزبًا، أو ولدًا إن كانت زوجتُه حاملًا، وإن جرَّد سيفًا وأرادَ قتل شخصٍ فهو لسانه يجرِّده في خصومةٍ. والحديث سبق في «علاماتِ النُّبوَّة» بأتمَّ من هذا [خ¦٣٦٢٢]. (٤٥) (باب) إثم (مَنْ كَذَبَ فِي حُلُْمِهِ) بضم الحاء واللام، وضبطَه في «الفتح» وغيره بسكون اللام.

стр. 12185

٧٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَحَلَّمَ) بتشديد اللام، من باب التفعيل (١) (بِحُلُْمٍ) بضم اللام وسكونها (٢) (لَمْ يَرَهُ) صفة لقولهِ: «بحلم» (٣)، وجزاء الشَّرط قوله: (كُلِّفَ) بضم الكاف وتشديد اللام المكسورة، وزاد التِّرمذيُّ من حديث عليٍّ: «يوم القيامة» (أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ) تثنيةُ شعيرة (وَلَنْ) يقدر أن (يَفْعَلَ) وذلك لأنَّ إيصالَ إحداهما بالأخرى غير ممكنٍ عادةً، وهو كنايةٌ عن استمرارِ التَّعذيب، ولا دَلالة فيه على جواز التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّه ليس في دار التَّكليف. وعند أحمدَ من رواية عبَّاد بن عبَّاد عن أيوب: «عُذِّب حتَّى يعقدَ بين شعيرتين وليس عاقدًا»، وعنده في رواية همَّام عن قتادة: «من تحلَّم كاذبًا دُفِع إليه شعيرةٌ وعُذِّب حتَّى يعقدَ بين طرفيها وليس بعاقدٍ»، وفي اختصاص الشَّعير بذلك دون غيرهِ لما في المنام من الشُّعور بما دلَّ عليه، فحصلتِ المناسبة بينهما من جهةِ الاشتقاقِ، وإنَّما اشتدَّ الوعيدُ في ذلك مع أنَّ الكذب في اليقظةِ قد يكون أشدَّ مفسدةً منه؛ إذ قد تكون شهادتُه في قتلٍ أو حدٍّ؛ لأنَّ الكذبَ في المنام كذبٌ على الله أنَّه أراه ما لم يرهُ، والكذبُ على الله أشدُّ من الكذب على المخلوقين. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الاية [هود: ١٨] وإنَّما كان كذبًا على الله
следующие страницы →