← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12181–12220 · переход к 12186.

стр. 12181

٧٠٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي عَبْدُ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) التَّيميِّ مولاهم المدنيِّ (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاشٍ -بتحتية ومعجمة- الأسديِّ الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ) في المنام (كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ) شعر (الرَّأْسِ) منتفشتَه، من ثار (١) الشَّيءُ إذا انتشر، وعند أحمدَ من رواية ابن أبي الزِّناد عن موسى ابن عقبة: «ثائرة الشَّعر» والمراد: شعر الرَّأس، وزاد «تَفِلة» بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء بعدها لام، أي: كريهة الرَّائحة (خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ) النَّبويَّة (حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية والعين المهملة بعدها هاء تأنيث، وفسَّرها بقولهِ: (وَهْيَ الجُحْفَةُ) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة بعدها فاء مفتوحة، ميقاتُ أهل مصر. قال في «الفتح»: وأظنُّ قوله: «وهي الجحفة»، مدرجًا (٢) من قول موسى بن عقبة (فَأَوَّلْتُ) ذلك (أَنَّ (٣) وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا) أي: نقل من المدينة إلى الجُحْفة؛ لعدوان أهلها وأذاهم للنَّاس وكانوا يهودًا، وهذه الرُّؤيا -كما قاله المهلَّب-: من قسم الرُّؤيا المعبِّرة، وهي ممَّا ضُرب به المثل، ووجه التَّمثيل أنَّه شُقَّ من اسم السَّوداء (٤) السُّوء والدَّاء، فتأوَّل (٥) خروجَها بما جمعَ اسمها، وتأوَّل ثورانَ شعر رأسِها أنَّ الذي يسوءُ ويثير (٦) الشَّرَّ يخرجُ من المدينة، وقيل: لما كانت الحمَّى مُثيرة للبدن بالاقشعرارِ وارتفاعِ (٧) الشَّعر عبَّر عن حالها في النَّوم بارتفاعِ شعرِ رأسها،

стр. 12182

فكأنَّه قيل: الَّذي يسوءُ ويثيرُ الشَّرَّ يخرج من المدينة. ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قولهِ: «خرجت من المدينة»؛ لأنَّ في رواية ابن أبي الزِّناد: «أُخرجت من المدينة (١)، وأُسكنتْ بالجحفة» بزيادة همزة مضمومة قبل خاء «أُخْرجت» بالبناء لما لم يسمَّ فاعله، وهو الموافقُ للتَّرجمة، وظاهرُ التَّرجمة أنَّ فاعلَ الإخراج النَّبيُّ ﷺ وكأنَّه نسبه إليه؛ لأنَّه دعا به حيثُ قال: «اللَّهمَّ حبِّب إلينا المدينةَ، وانقلْ حُمَّاها إلى الجُحْفة». والحديث أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٤٢) (باب المَرْأَةِ السَّوْدَاءِ) يراها الشَّخص في المنام. ٧٠٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبو بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) البصريُّ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «حَدَّثنا محمَّد بن أبي بكر» بدل قولهِ: «أبو بكر» وهو محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم (٢) المقدميُّ -بالتشديد- الثَّقفيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّمَيريُّ -بالنون المضمومة وفتح الميم- أبو سليمان البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن عُقبة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ) أبيهِ (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينَةِ) قال: (رَأَيْتُ) وسقط لفظ «قال» في الخطِّ، والحديث عند الإسماعيليِّ عن الحسن بن سفيان عن المقدَّميِّ شيخ المؤلِّف فيه بلفظ: «فرؤيا (٣) رسولِ الله ﷺ في المدينة. قال رسول الله ﷺ (٤): رأيت» (امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ) بالمثلثة، منتفشًا شعر رأسها (خَرَجَتْ مِنَ

стр. 12183

المَدِينَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ) ولابنِ عساكرَ: «مهيعة» بإسقاط الموحدة (فَتَأَوَّلْتُهَا (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فأولتها» بإسقاط الفوقية بعد الفاء (أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ) منها (إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهْيَ الجُحْفَةُ) بتقديم الجيم على المهملة. (٤٣) (باب) رؤية (٢) (المَرْأَةِ الثَّائِرَةِ) شعر (الرَّأْسِ) يراها الشَّخصُ في المنام. ٧٠٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله بنِ المنذر بنِ المغيرة الحزاميُّ -بالزاي- قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: عبدُ الحميد بنُ عبد الله بنِ أبي أويس الأصبحيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (٣) بالجمع (سُلَيْمَانُ) بن بلال (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الأسديِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد (٤) الله بن عمر ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ) في المنام (امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ) وزاد أبو ذرٍّ: «وهي الجحفة» (فَأَوَّلْتُ) ذلك (أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ يُنْقَلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهْيَ الجُحْفَةُ) ولأبي ذرٍّ: «نُقِل إلى الجحفة» ولابنِ عساكرَ: «نُقِل إليها» وثوران الرَّأس -كما قاله بعضهم- مؤوَّلٌ بالحمَّى؛ لأنَّها تثير البدنَ بالاقشعرارِ وبارتفاع الرَّأس. (٤٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا) رأى الشَّخص أنَّه (هَزَّ سَيْفًا فِي المَنَامِ) بماذا يُعبَّر؟

стр. 12184

٧٠٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (١) (عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضم الموحدة مصغَّرًا (بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ فِي رُؤْيَا) ولأبي ذرٍّ: «رؤياي» بزيادة تحتية بعد الألف (أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا) هو: ذو الفقار؛ بفتح الهاء والزاي الأولى وسكون الثانية بعدها فوقية (فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ) أي: تأويلهُ (مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) من القتل (٢) (يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ) مرَّة (أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ) أي: تأويلهُ (مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الفَتْحِ) لمكَّة (وَاجْتِمَاعِ المُؤْمِنِينَ) وإصلاح حالهم. قال المهلَّب: هذه الرُّؤيا من ضربِ المثل، ولما كان النبيُّ ﷺ يصول بأصحابه عبَّر عن السَّيف بهم، وبهزِّه عن أمره (٣) لهم بالحربِ، وعن القطع فيه بالقتلِ فيهم، وفي الهزَّة الأخرى لمَّا عاد إلى حالتهِ من الاستواء عبَّر به عن اجتماعهِم (٤) والفتح عليهم. وقد قال المعبِّرون: من تقلَّد سيفًا فإنَّه ينال سلطانَ ولايةٍ أو وديعةً يعطاها، أو زوجةً ينكحُها إن كان عزبًا، أو ولدًا إن كانت زوجتُه حاملًا، وإن جرَّد سيفًا وأرادَ قتل شخصٍ فهو لسانه يجرِّده في خصومةٍ. والحديث سبق في «علاماتِ النُّبوَّة» بأتمَّ من هذا [خ¦٣٦٢٢]. (٤٥) (باب) إثم (مَنْ كَذَبَ فِي حُلُْمِهِ) بضم الحاء واللام، وضبطَه في «الفتح» وغيره بسكون اللام.

стр. 12185

٧٠٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ تَحَلَّمَ) بتشديد اللام، من باب التفعيل (١) (بِحُلُْمٍ) بضم اللام وسكونها (٢) (لَمْ يَرَهُ) صفة لقولهِ: «بحلم» (٣)، وجزاء الشَّرط قوله: (كُلِّفَ) بضم الكاف وتشديد اللام المكسورة، وزاد التِّرمذيُّ من حديث عليٍّ: «يوم القيامة» (أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ) تثنيةُ شعيرة (وَلَنْ) يقدر أن (يَفْعَلَ) وذلك لأنَّ إيصالَ إحداهما بالأخرى غير ممكنٍ عادةً، وهو كنايةٌ عن استمرارِ التَّعذيب، ولا دَلالة فيه على جواز التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّه ليس في دار التَّكليف. وعند أحمدَ من رواية عبَّاد بن عبَّاد عن أيوب: «عُذِّب حتَّى يعقدَ بين شعيرتين وليس عاقدًا»، وعنده في رواية همَّام عن قتادة: «من تحلَّم كاذبًا دُفِع إليه شعيرةٌ وعُذِّب حتَّى يعقدَ بين طرفيها وليس بعاقدٍ»، وفي اختصاص الشَّعير بذلك دون غيرهِ لما في المنام من الشُّعور بما دلَّ عليه، فحصلتِ المناسبة بينهما من جهةِ الاشتقاقِ، وإنَّما اشتدَّ الوعيدُ في ذلك مع أنَّ الكذب في اليقظةِ قد يكون أشدَّ مفسدةً منه؛ إذ قد تكون شهادتُه في قتلٍ أو حدٍّ؛ لأنَّ الكذبَ في المنام كذبٌ على الله أنَّه أراه ما لم يرهُ، والكذبُ على الله أشدُّ من الكذب على المخلوقين. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ الاية [هود: ١٨] وإنَّما كان كذبًا على الله

стр. 12186

لحديث: «الرُّؤيا جزءٌ من النُّبوَّة» وما كان من أجزاء النُّبوَّة فهو من قِبَل الله، قاله الطَّبريُّ فيما نقله عنه في «الفتح» (وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ) لمن استمع (كَارِهُونَ) لا يريدون استماعهُ (أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وعند أحمد من رواية عبَّاد بن عبَّاد (١): «وهم يفرُّون» ولم يشكَّ (صُبَّ) بضم المهملة وتشديد الموحدة (فِي أُذُنِهِ الآنُكُ) بفتح الهمزة الممدودة وضم النون بعدها كاف (٢)، الرَّصاص المُذاب (يَوْمَ القِيَامَةِ) جزاءٌ من جنسِ عمله (وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً) حيوانيَّةً (عُذِّبِ وَ (٣) كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا) الرُّوح (وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) أي: وليس بقادرٍ على النَّفخ فتعذيبهِ يستمرُّ؛ لأنَّه نازعَ الخالق في قدرتهِ. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (وَصَلَهُ) أي: الحديثَ المذكورَ (لَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانِيُّ المذكور. (وَقَالَ قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَوْلَهُ) أي: قولَ أبي هريرة: (مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ) وهذا وصلَه في نسخة قتيبةَ عن أبي عَوَانة رواية النَّسائيِّ عنه من طريقِ عليِّ بن محمدٍ الفارسيِّ عن محمد بنِ عبد الله ابنِ زكريَّا بن حَيَّوْيَه (٤) عن النَّسائيِّ بلفظه عن أبي هريرة قال: «من كذَب في رؤياه (٥) كُلِّف أن يعقِدَ بين طَرَفي شَعِيرة، ومَن استمعَ … -الحديث- ومن صوَّر … » الحديث (٦) ووصلَه أيضًا أبو نُعيم في «المستخرج» (٧) من طريق خلفِ بن هشام عن أبي عَوَانة بهذا السَّند كذلك موقوفًا. (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق عبيد الله بن معاذٍ العنبريِّ عن أبيه عن شعبة (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) بألف بعد الهاء يحيى بن دينار، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن أبي هشام» بألف بعد الشين. قال في «الفتح»: وهو غلط (الرُّمَّانِيِّ) بضم الراء وفتح الميم المشددة وبعد الألف نون، كان ينزلُ قصر الرُّمَّان بواسط (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) يقول:

стр. 12187

(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (قَوْلَهُ: مَنْ صَوَّرَ) زاد أبو ذرٍّ: «صورة» (وَمَنْ تَحَلَّمَ) أي: كاذبًا، كُلِّف أن يعقدَ (١) شعيرة (وَمَنِ اسْتَمَعَ) أي: إلى حديث قومٍ … إلى آخره. وبه قال: (حَدَّثَناَ إِسْحَاقُ) هو: ابنُ شاهين بن الحارث الواسطيُّ أبو بشر قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو: ابنُ عبد الله الطَّحَّان (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: مَنِ اسْتَمَعَ، وَمَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنْ صَوَّرَ نَحْوَهُ) أي: نحو الحديثِ السَّابق، وقد أخرجه الإسماعيليُّ من طريق وهبِ بن منبِّه عن خالدِ بن عبد الله، فذكره بهذا السَّند إلى ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ فرفعَه، ولفظه: «مَن استمَعَ إلى حديثِ قومٍ وهُمْ له كارهونَ صُبَّ في أُذُنه الآنُك، ومن تحلَّم كُلِّف أن يعقدَ شعيرةً يعذَّب بها وليس بفاعلٍ، ومن صوَّر صورةً عُذِّب حتَّى يعقدَ بين شَعِرتين وليس عاقدًا» (تَابَعَهُ) أي: تابعَ خالدًا الحذَّاء (هِشَامٌ) هو: ابنُ حسان القُرْدوسيُّ -بضم القاف والمهملة بينهما راء ساكنة وبعد الواو سين مهملة- (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ) أي: من قولهِ موقوفًا عليه، وهذه المتابعةُ الموقوفة لم يرها الحافظ ابن حجرٍ، كما قاله في «المقدمة». والمطابقةُ في قوله: «ومن تحلَّم»، لكنه قال في الترجمة: من كذب في حلمه، إشارة لما ورد في بعض طرقهِ عند التِّرمذيِّ عن عليٍّ رفعه: «مَن كذَبَ في حُلُمه كُلِّف يوم القيامة عقْدَ شَعِيرة» (٢). والحديث أخرجَه أبو داود في «الأدب». ٧٠٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ) الطُّوسيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ) صدوقٌ يُخْطئ، ولم يخرِّج له البخاريُّ شيئًا إلَّا وله فيه مُتَابع أو شاهدٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بنِ دينارٍ العدويِّ مَولاهم المدنيِّ الثِّقة (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مِنْ) ولأبي ذرٍّ

стр. 12188

وابنِ عساكرَ: «إنَّ من» (أَفْرَى الفِرَى) بفاء ساكنة بعد همزة مفتوحة في الأولى وكسرها في الثانية مع القصر، جمع: فِرْية، الكذبة العظيمةُ الَّتي يُعجب منها، أي: أعظم الكذبِ (أَنْ يُرِيَ) الشَّخص، بضم التحتية وكسر الراء (عَيْنَيْهِ) بالتَّثنية منصوب بالياء، مفعول «يرى» (مَا لَمْ تَرَ (١)) ولابنِ عساكرَ: «ما لم تره (٢)» أي: ينسب إلى عينيهِ أنَّهما رأيا ويخبرُ عنهما بذلك. والحديثُ من أفراده. (٤٦) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا رَأَى) الشَّخص في منامهِ (مَا يَكْرَهُ فَلَا يُخْبِرْ بِهَا) بالرُّؤيا أحدًا (وَلَا يَذْكُرْهَا) لأحدٍ. ٧٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) الهرويُّ نسبة لبيعِ الثِّياب الهرويَّة، البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا) ولابنِ عساكرَ: «أرى، يعني (٤): الرُّؤيا» (فَتُمْرِضُنِي) بضم الفوقية وسكون الميم وكسر الراء وضم الضاد المعجمة (حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث، وقيل: النُّعمان، وقيل: عمر الأنصاريَّ (يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى) باللام، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشمِيهنيِّ: «أرى» (الرُّؤْيَا) في منامي (تُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ (٥) ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا

стр. 12189

الحَسَنَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ) في منامهِ (مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ) لأنَّ الحبيب إن عرف خيرًا قاله، وإن جهل أو شكَّ سكتَ، بخلاف غيره فإنَّه يعبِّرها له بغير ما يحبُّ بغضًا وحسدًا، فربَّما وقع ما فسَّر به؛ إذ الرُّؤيا لأوَّلِ عابرٍ. وفي التِّرمذيِّ: «لا يُحدِّث بها إلَّا لبيبًا أو حبيبًا» (وَإِذَا رَأَى) فيه (مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا) أي: الرُّؤيا (وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ) لأنَّه الَّذي يخيل فيها (وَلْيَتْفُلْ) بضم الفاء، ولغير أبي ذرٍّ بكسرها، أي: عن يسارهِ (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّات استقذارًا للشيطانِ واحتقارًا له كما يفعلُ الإنسان عند الشَّيءِ القذرِ يراه أو يذكرهُ، ولا شيءَ أقذرُ من الشَّيطان، فأمر بالتَّفل عند ذكره، وكونه ثلاثًا مبالغة في إخسائهِ (١) (وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا) أي: الرُّؤيا المكروهة (لَنْ تَضُرَّهُ) لأنَّ ما ذكر من التَّعوُّذ وغيره سبب للسَّلامة من ذلك. ٧٠٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، ابن عمر بنِ حمزة بنِ مصعب ابنِ الزُّبير بن العوَّام، أبو إسحاق القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمَّد (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي زيادة: «ابن عبد الله بنِ أسامة بنِ الهاد اللَّيثيِّ» بالمثلثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) بالدال المهملة ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّهَا مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا) على الرُّؤيا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليه» أي: على (٢) المرئيّ (وَلْيُحَدِّثْ بِهَا) أي: من يحبّه (وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ) بفتح

стр. 12190

التحتية وسكون الكاف (فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ) أي: من طبعهِ وعلى وفق رضاه (فَلْيَسْتَعِذْ) أي: بالله (مِنْ شَرِّهَا، وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ) نصب بـ «لن»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا تضره». قال الدَّاوديُّ: يريد ما كان من الشَّيطان، وأمَّا ما كان من خيرٍ أو شرٍّ فهو واقعٌ لا محالة، كرؤيا النَّبيِّ ﷺ البقرَ والسَّيفَ. قال: وقوله: «ولا يذكرها لأحدٍ» يدلُّ على أنَّها إن ذكرتْ فربما أضرَّت. فإن قلت: قد مرَّ أنَّ الرُّؤيا قد تكون منذِرةً ومنبِّهة للمرءِ على استعداد البلاءِ قبل وقوعه رفقًا من الله بعباده؛ لئلَّا يقعَ على غِرَّة، فإذا وقعَ على مقدمة وتوطين كان أَقوى للنَّفس، وأبعد لها من أذى البغتةِ، فما وجه كتمانها؟ أُجيب بأنَّه إذا أخبر بالرُّؤيا المكروهةِ يسوء (١) حالُه؛ لأنَّه لم يأمن أن تفسَّر له بالمكروه، فيستعجلُ الهمَّ ويتعذَّب بها ويترقَّب وقوعَ المكروه، فيسوءُ حاله ويغلبُ عليه اليأس من الخلاصِ من شرِّها، ويجعلُ ذلك نصب عينيهِ، وقد كان ﷺ داواه من هذا البلاء الَّذي عجَّله لنفسهِ بما أمرهُ به من كتمانهِ (٢) والتَّعوُّذ بالله من شرِّها، وإذا لم تفسَّر له بالمكروهِ بقي بين الطَّمع والرَّجاء فلا يجزع؛ لأنَّها من قبلِ الشَّيطان أو لأنَّ لها تأويلًا آخر محبوبًا، فأرادَ ﷺ أن لا تتعذَّب أمَّته بانتظارهم خروجهَا بالمكروهِ، فلو أخبر بذلك كلّه لم ينفكّ (٣) دهره دائمًا من الاهتمام بما لا يؤذيه أكثره، وهذه حكمةٌ بالغةٌ، فجزاه الله عنَّا ما هو أهله. والحديث سبق في «باب الرُّؤيا من الله» [خ¦٦٩٨٥]. (٤٧) (باب مَنْ لَمْ يَرَ الرُّؤْيَا لأَوَّلِ عَابِرٍ إِذَا لَمْ يُصِبْ) في العبارة؛ إذ المدار على إصابة الصَّواب، فحديث: «الرُّؤيا لأوَّل عابرٍ» المرويِّ عن أنسٍ مرفوعًا معناه: إذا كان العابر الأوَّل عالمًا فعبَّر

стр. 12191

وأصاب وجه التَّعبير وإلَّا فهي لمن أصاب بعدَه، لكن يُعارضه حديث أبي رزين: أنَّ الرُّؤيا إذا (١) عُبِّرت وقعت، إلَّا أن يُدَّعى تخصيص عُبِّرت بأن يكون عابرها عالمًا مُصيبًا، ويعكِّر عليه قوله في الرُّؤيا المكروهةِ: «ولا يُحدِّث بها أحدًا»، فقيلَ في حكمةِ النَّهي: أنَّه ربَّما فسَّرها تفسيرًا مكروهًا على ظاهرِها مع احتمالِ أن تكون محبوبةً في الباطن، فتقعُ على ما فُسِّر. وأُجيب باحتمالِ أن تكون تتعلَّق بالرَّائي، فله إذا قصَّها على أحدٍ ففسَّرها له على المكروهِ أن (٢) يبادرَ غيره ممَّن يصيبُ فيسأله، فإن قصَّر الرَّائي فلم يسألِ الثَّاني وقعتْ على ما فسَّر الأوَّل. ٧٠٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَناَ يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بن بُكير المخزوميُّ مولاهم المصريُّ -بالميم- ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقفْ على اسمه (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) وفي مسلم من طريق سليمان بن كثير عن الزُّهريِّ: أنَّ رسول الله ﷺ

стр. 12192

كان (١) ممَّا يقول لأصحابه: «مَن رأى منكُم رؤيا فليقصَّها أعبُرها» فجاء رجل. وعنده أيضًا من رواية (٢) سفيان بن عُيينة: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ مُنْصَرَفه من أُحُدٍ (فَقَالَ): يا رسولَ الله (إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي المَنَامِ ظُلَّةً) بضم الظاء المعجمة وتشديد اللام، سحابةً لأنَّها تظلُّ ما تحتها، وزاد الدَّارميُّ من طريق سليمان بن كثير وابنُ ماجه من طريق سفيان بن عُيينة: بين السَّماء والأرض (تَنْطُِفُ) بسكون النون وضم الطاء المهملة وكسرها، تقطرُ (السَّمْنَ وَالعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ) أي: يأخذونُ بأكفِّهم (مِنْهَا فَالمُسْتَكْثِرُ) أي: فمنهم المستكثرُ في الأخذ (وَ) منهم (المُسْتَقِلُّ) فيه، أي: منهم الآخذُ كثيرًا والآخذُ قليلًا (وَإِذَا سَبَبٌ) أي: حبلٌ (وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَرَاكَ) يا رسولَ الله (أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ) وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة: فأعلاكَ الله (ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) أي: بالسبب، ولابنِ عساكرَ: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) ولابنِ عساكرَ أيضًا: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ) ولابنِ عساكرَ أيضًا: «ثمَّ أخذه» (رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ، ثُمَّ وُصِلَ) بضم الواو وكسر الصاد (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (وَاللهِ لَتَدَعَنِّي) بفتح اللام للتَّأكيد، والدال والعين وكسر النون المشدَّدة، لَتَتركنِّي (فَأَعْبُرَهَا) بضم الموحدة وفتح الراء، وزاد سليمان في روايته: وكان من أعبر النَّاس للرُّؤيا بعد رسولِ الله ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (اعْبُرْ) ولأبي ذرٍّ: «اعبرها» بالضَّمير (٣) المنصوب (قَالَ) أبو بكر: (أَمَّا الظُّلَّةُ فَالإِسْلَامُ) لأنَّ الظُّلة نعمةٌ من نعمِ الله على أهلِ الجنَّة، وكذلك كانتْ على بني إسرائيل، وكذلك كان ﷺ تظلُّه الغمامةُ قبل نبوَّته، وكذلك الإسلامُ يقي الأذى ويَنْعم به المؤمن في الدُّنيا والآخرة (وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُِفُ مِنَ العَسَلِ وَالسَّمْنِ فَالقُرْآنُ (٤) حَلَاوَتُهُ تَنْطُِفُ) قال تعالى في العسل: ﴿شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وفي القرآن: ﴿شِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ولا ريبَ أنَّ تلاوة القرآن تحلو في الأسماعِ كحلاوة العسلِ في المذَاقِ بل أحلى (فَالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَالمُسْتَقِلُّ) منه (وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللهُ) أي: يرفعكُ به (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ

стр. 12193

رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ) فسِّر بالصِّدِّيق ﵁؛ لأنَّه يقوم بالحقِّ بعده ﷺ في أمَّته (ثُمَّ يَأْخُذُ رَجُلٌ) ولأبي ذرٍّ: «يأخذُ به رجلٌ» (آخَرُ) هو عمرُ بن الخطَّاب ﵁ (فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ (١)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «ثمَّ يأخذُ به» (رَجُلٌ آخَرُ) هو: عثمانُ بن عفَّان ﵁ (فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوْصَلُ) بالتَّخفيف، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ثمَّ يُوَصَّل» بالتَّشديد (٢) (لَهُ فَيَعْلُو بِهِ (٣)) يعني: أنَّ عثمان كاد أن ينقطع عن اللَّحاق بصاحبيهِ بسبب ما وقعَ له من تلك القضايا الَّتي أنكروهَا، فعبَّر عنها بانقطاعِ الحبل، ثمَّ وقعتْ له الشَّهادة فاتَّصل فالتَحق بهم (فَأَخْبِرْنِي) بكسر الموحدة وسكون الراء (يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ) مفدَّى (أَصَبْتُ) في هذا التَّعبير (أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) له: (أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا) قيل: خطؤه في التَّعبير؛ لكونه عبَّر بحضورهِ ﷺ ؛ إذ كان ﷺ أحقَّ بتعبيرها (٤)، وقيل: أخطأَ لمبادرتِهِ (٥) تعبيرَها قبلَ أن يأمرَه به. وتعقِّب بأنَّه ﵊ أذنَ له في ذلك، وقال: «اعبرْهَا». وأُجيب بأنَّه لم يأذنْ له ابتداء بل بادرَ هو بالسُّؤال أن يأذنَ له في تعبيرها فأذنَ له، وقال: أخطأتَ في مبادرتك للسُّؤال أن تتولَّى تعبيرهَا، لكن في إطلاقِ الخطأ على ذلك نظرٌ، فالظَّاهر أنَّه أراد الخطأَ في التَّعبير لا لكونهِ التمسَ التَّعبير. وقال ابنُ هُبَيرة: إنَّما أخطأَ لكونه أقسمَ ليعبرنَّها بحضرتهِ ﷺ ، ولو كان أخطأَ في التَّعبير لم يقرَّه عليه، وقيل: أخطأَ؛ لكونه عبَّر السَّمن والعسل بالقرآن فقط وهما شيئان، وكان من حقِّه أن يعبِّرهما بالقرآن والسُّنة؛ لأنَّها بيانٌ للكتاب المنزَّل عليه وبهما (٦) تتمُّ الأحكامُ كتمام اللَّذة بهما، وقيل: وجه الخطأ أنَّ الصَّواب في التَّعبير أنَّ الرَّسول ﷺ هو الظُّلَّة، والسَّمن والعسل هو (٧) القرآن والسُّنة، وقيل: يحتملُ أن يكون السَّمنُ والعسلُ العلمَ

стр. 12194

والعملَ، وقيل: الفهم والحفظ. وتعقَّب ذلك في «المصابيح» فقال: لا يكادُ ينقضي العجب من هؤلاء الَّذين تعرَّضوا إلى تبيين الخطأ في هذه الواقعةِ مع سكوتِ النَّبيِّ ﷺ عن ذلك، وامتناعهِ منه بعد سؤالِ أبي بكرٍ له في ذلك حيثُ (قَالَ: فَوَاللهِ يَا رَسُوْلَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ) فيه، وثبت قولهُ: «يا رسولَ الله» لأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ (قَالَ) ﷺ : (لَا تُقْسِمْ) فكيف لا يسع هؤلاء من السُّكوت ما وسعَ النَّبيَّ ﷺ ، وماذا يترتَّب على ذلك من الفائدةِ، فالسُّكوت عن ذلك هو المتعيَّن. انتهى. وحكى ابنُ العربيِّ: أنَّ بعضَهم سُئِل عن بيان الوجه الَّذي أخطأَ فيه أبو بكر، فقال: من الَّذي يعرفُه؟ ولئن كان تَقَدُّم أبي بكرٍ بين يدي النَّبيِّ (١) ﷺ للتَّعبير خطأٌ، فالتَّقدُّم بين يدي أبي بكرٍ لتعيين خطئهِ أعظم وأعظم، فالَّذي يقتضيهِ الدِّين (٢) الكفُّ عن ذلك. وأجاب في «الكواكب» بأنَّهم إنَّما أقدموا على تبيينِ ذلك مع أنَّه ﷺ لم يبيِّنه؛ لأنَّ هذه الاحتمالات لا جزمَ فيها، أو لأنَّه (٣) كان يلزم في بيانهِ مفاسد للنَّاس، واليوم زالَ ذلك إرشادًا. قال الحافظ ابن حجرٍ -أثابه الله-: جميعُ ما ذكر من لفظِ الخطأ ونحوه إنَّما أحكيهِ عن قائليهِ ولست راضيًا بإطلاقهِ في حقِّ الصِّدِّيق ﵁. انتهى. وقولهُ ﵊: «لا تُقْسم» بعد إقسامِ أبي بكر ﵁، أي: لا تكرِّر يمينكَ. قال النَّوويُّ: قيل: إنَّما لم يبرَّ النَّبيُّ ﷺ قسمَ أبي بكرٍ؛ لأنَّ إبرارَ القسم مخصوصٌ بما إذا لم يكن هناك مفسدةٌ ولا مشقَّةٌ ظاهرةٌ. قال: ولعلَّ المفسدة في ذلك ما علمه من (٤) انقطاع السَّبب بعثمان وهو قتله، وتلك الحروب والفتن المريبة، فكره (٥) ذكرهَا خوفَ شيوعها (٦). والحديث أخرجه مسلمٌ في «التَّعبير» وأبو داود في «الأيمان والنُّذور» والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الرُّؤيا».

стр. 12195

(٤٨) (باب) جواز (تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) قبلَ طلوع الشَّمس، أو استحبابها لحفظِ صاحبهَا لها؛ لقربِ عهدِه بها ومعرفتهِ ما يستبشرُ به من الخيرِ، أو يحذر (١) من الشَّرِّ، ولحضورِ ذهنِ العابرِ، وقلَّة شغله بالتَّفكُّر في معاشه، قاله المهلَّب.

стр. 12196

٧٠٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ أَبُو هِشَامٍ) بألف بعد الشين فيهما، وعند أبي (١) ذرٍّ: «أبو هاشم» وقال: صوابه: أبو هشام، أي: بألف بعد الشين، بموافقة كنيته لاسم أبيه (٢)، ومؤمَّل -بفتح الميم الثانية، بوزن محمد- اليشكريُّ البصريُّ، ختنُ إسماعيل ابن عُلَيَّة، روى عنه البخاريُّ هنا، وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٤٩] و «الحجِّ» [خ¦١٦٥٢] و «التَّهجُّد» [خ¦١١٤٣] و «بدء الخلق» [خ¦٣٣٥٤] و «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٤] قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور

стр. 12197

بابن عُلَيَّة أمِّه قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ قال: (حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَُبٍ) بضم الدال وفتحها (¬﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمَّا يُكْثِرُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعني (١): ممَّا يُكثر» (أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟) قال في «شرح المشكاة» ممَّا قرأتُه فيه: «ممَّا» خبر «كان»، و «ما» موصولةٌ، و «يكثر» صلته، والضَّمير الرَّاجع إلى «ما» فاعل «يقول»، و «أن يقول» فاعل «يكثر»، و «هل رأى أحدٌ منكم» هو المقول، أي: رسول الله ﷺ كائنًا من النَّفر الَّذين كَثُر منهم هذا القول، فوضعَ «ما» مَوضع «من» تفخيمًا وتعظيمًا لجانبهِ، كقولهِ تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وسبحان ما سخَّركنَّ لنا، وتحريرُه: كان رسولُ الله ﷺ ممَّن يجيدُ تعبير الرُّؤيا، وكان له مشاركٌ في ذلك (٢) منهم؛ لأنَّ الإكثار من هذا القولِ لا يصدرُ إلَّا ممَّن تدرَّب فيه، ووثقَ (٣) بإصابتهِ، كقولك: كان زيدٌ من العلماء بالنَّحو، ومنه قول صاحبي السِّجن ليوسف ﵇: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: المجيدين في عبارة الرُّؤيا، وعلمَا ذلك ممَّا رأياهُ منه؛ إذ (٤) يقصُّ عليه بعضُ أهل السِّجن (٥) هذا من حيث البيان، وأمَّا من طريقِ النَّحو فيحتملُ أن يكون قوله: «هلْ رأى أحدٌ منكمْ من رؤيا؟» مبتدأً، والخبرُ مقدَّم عليه على تأويلِ هذا القول: ممَّا يكثر رسول الله ﷺ أن يقوله، ولكن أين الثُّريَّا من الثرى! انتهى. فأشار بقولهِ: ولكن أين الثُّريَّا -كما قال في «الفتح» -: إلى ترجيح الوجه السَّابق، والمتبادر هو الثَّاني، وهو الَّذي اتَّفق عليه أكثر الشَّارحين. (قَالَ) سَمُرةُ بن جندب: (فَيَقُصُّ عَلَيْهِ) ﷺ (مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُصَّ) بفتح الياء وضم القاف فيهما، كذا في رواية النَّسفيِّ: «مَن» بالنون، ولغيره: «ما» وهي للمقصوصِ و «مَن» للقاصِّ (وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا) لفظ: «لنا» ثابتٌ في بعضِ الأصولِ المعتمدةِ، ساقطٌ من «اليونينيَّة» (ذَاتَ غَدَاةٍ) لفظ الذَّات مقحمٌ، أو هو من إضافةِ المسمَّى إلى اسمه (إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) بمدِّ

стр. 12198

الهمزة وكسر الفوقية، وفي حديث عليٍّ -عند ابنِ أبي حاتم-: «ملكان»، وفي «الجنائز» من رواية جرير أنَّهما جبريل وميكائيل [خ¦١٣٨٦] (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) بموحدة ساكنة وفوقية فعين مهملة فمثلَّثة وبعد الألف نون، أرسلاني، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «انبعثا بي» بنون فموحدة وبعد الألف موحدة (وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ) بكسر اللام (١) مرَّة واحدة (وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) معطوفٌ على قولهِ: «وإنَّهما قالا لي» (٢) أي: حصل منهما القول ومنِّي الانطلاق، وزاد جرير بن حازمٍ في روايته: «إلى الأرض المقدَّسة»، وفي حديث عليٍّ: «فانطلقا بي إلى السَّماء» (وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ) وفي رواية جرير [خ¦١٣٨٦] «مستلقٍ على قفاه». قال الطِّيبيُّ: وذكر ﵊ «إنَّ» المؤكّدة أربع مرَّات تحقيقًا لما رآه وتقريرًا لقولهِ: «الرُّؤيا الصَّالحة جزءٌ من ستَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة» (وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي) بفتح الياء وكسر الواو بينهما هاء ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «يُهوي» بضم أوله من الرُّباعي (بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ) بفتح التحتية وسكون المثلثة وبعد اللام المفتوحة غين معجمة، أي: فيشدخُ (رَأْسَهُ) والشَّدخُ كسر الشَّيء الأجوف (فَيَتَهَدْهَدُ) بتحتية ففوقية فهاء مفتوحات فدالين مهملتين الأولى منهما ساكنة بينهما هاء مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فَيَتَدَهْدَأ» بزيادة همزة آخره، وفي الفرع كأصله علامة ابنِ عساكرَ فوق الهمزة لكنَّه ضبَّب على العلامة المذكورة، وللكُشمِيهنيِّ: «فيتدادا» بدالين بينهما ألف وآخره ألف أخرى من غير همز ولا هاء، وله ممَّا في «الفتح»: «فيتدأْدأ» بهمزتين الأولى ساكنة والهمزة تبدل من الهاء كثيرًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فَيَتَدَهْده» بدالين بينهما هاء ساكنة وآخره هاء أخرى، فيتدحرج (الحَجَرُ) ويندفع (٣) من علو إلى سفل (هَهُنَا) أي: إلى جهةِ الضَّارب (فَيَتْبَعُ) بالتخفيف الرَّجلُ القائم (الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ) ليصنعَ به كما صنع أوَّلًا (٤) (فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ) إلى الَّذي ثُلغ رأسهُ (حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) الرَّجل (عَلَيْهِ) على المضطجعِ (فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ (٥) المَرَّةَ الأُولَى) ولأبي ذرٍّ: «مرَّة الأولى» (قَالَ) ﷺ : (قُلْتُ لَهُمَا) أي: للملكين: (سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؟ (قَالَ) ﵇: (قَالَا) أي:

стр. 12199

الملكان (لِي: انْطَلِق انْطَلِقْ) بالتِّكرار مرَّتين (١) لأبي ذرٍّ في الفرع كأصله، وفي الأوَّل (٢) بغير تكرارٍ. وقال في «الفتح»: بالتَّكرار في المواضعِ كلِّها، وسقطَ في بعضها التَّكرار لبعضِهم (قَالَ) ﵇: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا) رجلٌ (آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ) بفتح الكاف وتضم وضم اللام المشددة، له شعبٌ يعلق بها اللَّحم (وَإِذَا هُوَ) أي: الرَّجل القائم (يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ) أي: وجهِ المستلقِي لقفاه (فَيُشَرْشِرُ) بمعجمتين وراءين. قال صاحب «العين»: فيشرشر، أي: فيقطِّعُ (شِدْقَهُ) بكسر المعجمة والإفراد، جانبَ فمه (إِلَى قَفَاهُ وَ) يقطعُ (مَنْخِرَهُ) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة (إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ) بإفراد العين كالمنْخر (قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ: (فَيَشُقُّ) بدل: فيُشَرْشر (قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ) شقِّ (٣) (ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ (٤) ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ) الرَّجل (عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ) به (مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى. قَالَ: قُلْتُ) لهما: (سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ) الرَّجلان؟ أي: ما شأنهما؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِق انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين لأبي ذرٍّ، وكذا في (٥) نسخة لابنِ عساكرَ (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ) بفتح الفوقية وتشديد النون المضمومة، الَّذي يُخبزُ فيه، وفي رواية جرير في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «فانطلقنَا إلى ثَقْبٍ (٦) مثلِ التَّنُّور أعلاه ضيِّقٌ وأسفلُه واسعٌ يتوقَّدُ تحتَهُ نارًا». قال الدَّاوديُّ: ولعلَّ ذلك التَّنُّور على جهنَّم (قَالَ: فَأَحْسِبُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأحسب» (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ) بالمعجمة ثمَّ المهملة، جلبَةٌ وصيحةٌ لا يُفهم معناها (وَأَصْوَاتٌ، قَالَ: فَاطَّلَعْنَا فِيهِ) في الثَّقب (فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ) بفتح الهاء، وهو لسان النَّار، أو شدَّةُ اشتعالها (مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا) بضادين معجمتين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره واو أخرى ساكنة أيضًا بلا همز بلفظ الماضي، صاحوا (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا) ولأبي ذرٍّ: «لهم»: (مَا هَؤُلَاءِ) الرِّجال والنِّساء العراة؟

стр. 12200

(قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ حَسِبْتُ أنَّه كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ) عائمٌ يعوم (وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ) بصيغة المضارع فيهما، وفي «الفتح»: بفتحتين وتخفيف الموحدة في الثَّاني (ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ) الرَّجل (الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ) بتحتية مفتوحة ففاء ساكنة فغين معجمة مفتوحة، فيفتحُ (لَهُ فَاهُ) فمه (فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا) بضم التَّحتية (فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ) في النَّهر (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «كما» (رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ) فتح (لَهُ فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا) شأن (هَذَانِ) الرَّجلان؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ المَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الراء (١) وهمزة ممدودة ثمَّ هاء تأنيث، أي: كريه المنظرِ (كَأَكْرَهِ) بفتح الهاء وكسرها (مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلًا مَرْآةً) بفتح الميم (وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا) بحاء مهملة وشين معجمة مشددة مضمومتين، يحرِّكها ويُوقدها، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «نارٌ له يحشُّها» (وَيَسْعَى حَوْلَهَا، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرَّجل؟ (قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) بالتَّكرار مرَّتين (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ) بضم الميم وسكون العين المهملة بعدها فوقية فميم مشدَّدة مفتوحتين آخره هاء تأنيث طويلة النَّبات، وقيل: غطَّاها الخصبُ والكلأ كالعمامة على الرَّأس، وضبطها بعضُهم بكسر الفوقية وتخفيف الميم. قال السَّفاقِسيُّ: ولا يظهرُ له وجهٌ. وأجاب في «المصابيح» فقال: يلوح لي فيه وجه مقبولٌ، وذلك أنَّ خضرة الزَّرع إذا اشتدَّت وصفتْ بما يقتضِي السَّواد، كقولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى. فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥] وقد ذهب الزَّجَّاج: إلى أنَّ ﴿أَحْوَى﴾ حالٌ من ﴿الْمَرْعَى﴾ أخر عن الجملةِ المعطوفة، وأنَّ المراد وصفه بالسَّواد لأجل خضرتهِ، فكذلك تقول: وصفت الرَّوضة بشدة خضرتها بالسَّواد، فقيل: معتمة من قولك: أعتم اللَّيل إذا أظلمَ، فتأمَّله. انتهى. وبه قال الحافظُ ابن حجرٍ ولفظه: الَّذي يظهرُ لي أنَّه من العتمة، وهي (٢) شدَّة الظَّلام، فوصفَها بشدَّة الخضرةِ، كقولهِ: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (فِيهَا) في الرَّوضة (مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ) بفتح النون، أي: زهره، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من كلِّ لون الرَّبيع» (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ

стр. 12201

الرَّوْضَةِ) بفتح الراء وكسر التحتية، تثنيةُ ظهر، أي: وسطها (رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ) بنصب «طولًا» على التَّمييز (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ) قال في «شرح المشكاة»: أصلُ التركيب: وإذا حول الرَّجل ولدانٌ ما رأيتُ ولدانًا قطُّ أكثر منهم، ولما كان هذا التَّركيب متضمِّنًا معنى النَّفي جازَ زيادة «مِن» و «قَطّ» الَّتي تختصُّ بالماضِي المنفي (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) الرَّجل الطَّويل؟ (مَا هَؤُلَاءِ) الولدان؟ قال الطِّيبيُّ: ومن حقِّ الظَّاهر أن يقول: من هذا؟ فكأنَّه ﷺ لمَّا رأى حالَه من الطُّول المفرطِ (١) خفِي عليه أنَّه من أيِّ جنسٍ هو أبشرٌ أم ملكٌ أم غير ذلك؟ وسقط لأبي ذرٍّ «ما هذا» (قَالَ: قَالَا لِي (٢): انْطَلِقِ انْطَلِقْ) مرَّتين (قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ) وعند الإمام أحمد والنَّسائيِّ: «إلى دوحةٍ (٣)» بدل: «روضة»، وهي الشَّجرة الكبيرة (قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا) أي: في الشَّجرة (قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا) وفي رواية الإمام أحمد والنَّسائيِّ: «فصعدا بي في الشَّجرة» (فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ) بكسر الموحدة وفتح اللَّام مِن «بِلَبن ذهبٍ» (وَلَبِنِ فِضَّةٍ) جمع: لَبِنَة، وأصلها: ما يبنى به من طينٍ (فَأَتَيْنَا بَابَ المَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا) ها (فَفُتِحَ لَنَا) بضم الفاء مبنيًّا للمفعول (فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) نصف (مِنْ خَلْقِهِمْ) بفتح الخاء وسكون اللام بعدها قاف، هيئتهم (كَأَحْسَنِ) خبر قوله: «شطرٌ»، والكاف زائدة (مَا أَنْتَ رَاءٍ) بهمزة منوَّنة، ولأبي ذرٍّ: «رائي» بتحتية ساكنة بعد الهمزة، والجملة صفة «رجالٍ» (وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) ولأبي ذرٍّ: «رائي» ويحتملُ أن يكون بعضُهم موصوفين بأنَّ خلقتهم حسنةٌ وبعضهم قبيحةٌ، وأن يكون كلُّ واحدٍ منهم بعضه حسنٌ وبعضه قبيحٌ (قَالَ: قَالَا) أي: الملكان (لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) لتغسل تلك الصِّفة القبيحة بهذا الماءِ الخالص (قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي) عرضًا (كَأَنَّ مَاءَهُ المَحْضُ) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، اللَّبن الخالصُ (٤) (فِي البَيَاضِ فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ) في النَّهر (ثُمَّ

стр. 12202

رَجَعُوا إِلَيْنَا) حالَ كونهم (قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ) وهو القبحُ (فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ) ﵊: (قَالَا لِي: هَذهِ) المدينة (جَنَّةُ عَدْنٍ) أي: إقامة (وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَسَمَا) بفتح المهملة والميم مخففة، أي: نظرَ (بَصَرِي صُعُدًا) بضم المهملتين وتنوين الدال المهملة، ارتفعَ كثيرًا (فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ) بفتح الراء والموحدتين بينهما ألف، السَّحابة (البَيْضَاءِ قَالَ: قَالَا لِي: هَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي) بفتح المعجمة والراء المخففة، اتركَاني (فَأَدْخُلَْهُ) جواب الأمر منصوبٌ بتقدير «أنْ»، أو مجزومٌ على الجوابِ (قَالَا: أَمَّا الآنَ فَلَا وَأَنْتَ دَاخِلُهُ) في الأخرى، وفي رواية جريرٍ في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «قالا: إنَّه بقِيَ لك عمرٌ لم تستكملْه فلو استكملتَ أتيتَ منزلكَ»، وقد قيل: إنَّه ﷺ رفع بعد موتهِ إلى الجنَّة، وعورضَ بقولهِ ﷺ : «أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرضُ» فإنَّه يشعر (١) بأنَّه في قبرهِ الشَّريف. وأُجيب باحتمال أنَّ لروحه الشَّريفة انتقالاتٍ من مكانٍ إلى آخر، وتصرُّفاتٍ في الكونِ كيف شاء الله. (قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا) سقط «قد» لأبي ذرٍّ (فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: قَالَا لِي: أَمَا) بفتح الهمزة والميم المخففة (إِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (سَنُخْبِرُكَ) عنه: (أَمَّا) بالتَّشديد (الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُِضُهُ) بضم الفاء الثانية وكسرها يتركه (وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ) جعلت (٢) العقوبةُ في رأسه لنومهِ عن الصَّلاة، والنَّومُ موضعُه الرَّأس (وَأَمَّا الرَّجُلُ (٣) الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ) بفتح الشينين (شِدْقُهُ) بكسر الشين (إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو) بالغين المعجمة، يخرجُ (مِنْ بَيْتِهِ) مبكِّرًا (فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ) بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة (تَبْلُغُ الآفَاقَ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٣٨٦] «فيُصنع به إلى يوم القيامة»، وإنَّما استحقَّ التَّعذيبَ لما ينشأُ عن تلك الكَذْبة من المفاسدِ، وهو فيها غير مكره. وقال ابنُ العربيِّ: شَرْشرة شِدْق الكاذبِ إنزالُ العقوبةِ بمحلِّ المعصية. وقال ابنُ هُبيرة:

стр. 12203

لما كان الكاذبُ يساعد أنفُه وعينُه لسانَه على الكذبِ بترويجِ باطلهِ (١) وقعتِ المشاركةُ بينهم في العقوبة (وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ، فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) ومناسبة العُري؛ لأنَّ عادتهم التَّستُّر بالخلوةِ، فعوقبوا بالهتكِ، ولمَّا كانت جنايتُهم من أعضائهِم السُّفلى ناسبَ أن يكون عذابهم من تحتِهم (وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الحَجَرَ) بضم التحتية وفتح القاف، «والحجرَ» نصبٌ مفعولٌ ثانٍ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «الحجارة» بالجمع (فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا) بمدِّ همزة «آكِل» وكسر كافها، وفي إلقامهِ الحجر إشارةٌ إلى أنَّه لا يغني عنه شيئًا كما أنَّ المرابي يتخيَّل أنَّ مالهُ يزدادُ والله يمحقُه (وَأَمَّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المَرْآةِ) بفتح الميم وسكون الراء وبالمدّ (الَّذِي عِنْدَ النَّارِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «عنده النار» بزيادةِ الضَّمير والرَّفع (يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ) وإنَّما كان كريهَ المنظر؛ لأنَّ فيه زيادة في عذابِ أهل النَّار (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﷺ ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة. (قَالَ) سَمُرةُ: (فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ) قال في «الفتح»: لم أقفْ على اسمه: (يَا رَسُولَ اللهِ وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ) الَّذين ماتوا على الفطرةِ داخلون في زُمرةِ هؤلاء الولدانِ؟ سقطَتْ الواو الأولى من قولهِ «وأولاد» لابنِ عساكرَ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مجيبًا: (وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ) منهم (٢)، وظاهره: الحكمُ لهم بالجنَّة، ولا يعارضُه قوله: «إنَّهم مع (٣) آبائهم»؛ لأنَّ ذلك في الدُّنيا (وَأَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا) ولأبي ذرٍّ: «شطرًا منهم حسنٌ» بنصب الأول ورفع الثَّاني، وللأَصيليِّ وابنِ عساكرَ برفع «شطر» و «حسن» (وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا) ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ بنصب الأول ورفع الثَّاني، وفي نسخة أبي ذرٍّ: والصَّواب: شطرٌ … وشطرٌ بالرفع. كذا رأيتُه في حاشية الفرع منسوبًا لـ «اليونينيَّة»، ثمَّ رأيتُه فيها كذلك، وللنَّسفيِّ والإسماعيليِّ بالرَّفع في الجميعِ على أن «كان» تامَّة، والجملة حاليَّة (فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا) بتخفيف اللام (عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ).

стр. 12204

خاتمة: ومن آداب المعبِّر ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن عمر: أنَّه كتب إلى أبي موسى: إذا رأى أحدُكم رؤيا فقصَّها على أخيهِ فليقل: خيرٌ لنا وشرٌّ لأعدائنا. ورجاله ثقاتٌ، لكن سندهُ منقطعٌ، وعند الطَّبرانيِّ والبيهقيِّ في «الدَّلائل» من حديث ابن زِمْل الجهنيِّ -وهو بكسر الزاي وسكون الميم بعدها لام- قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا صلَّى الصُّبح قال: «هلْ رَأى أحدٌ منكُم شيئًا؟» قال ابن زِمْل: فقلتُ: أنا يا رسولَ الله. قال: «خيرًا تلقاهُ، وشرًا تتوقَّاه، وخيرٌ لنا وشرٌّ على أعدائنا، والحمد لله ربِّ العالمين، اقصصْ رؤياكَ … » الحديثَ. وسندُه ضعيفٌ جدًّا. وينبغي أن يكون العابرُ (١) ديِّنًا، حافظًا، تقيًّا، ذا علمٍ (٢) وصيانةٍ، كاتمًا لأسرارِ النَّاس في رُؤياهم، وأن يستغرقَ السُّؤال من السَّائل بأجمعهِ، وأن يردَّ الجوابَ على قدرِ السُّؤال للشريفِ والوضيعِ، ولا يعبِّر عند طلوعِ الشَّمس، ولا عند غروبها، ولا عند الزَّوال، ولا في اللَّيل. ومن آداب (٣) الرَّائي أن يكون صادق اللَّهجة، وأن ينامَ على وضوءٍ على جنبهِ الأيمن، وأن يقرأَ (٤) عنده: و ﴿وَالشَّمْسِ﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ﴾ و ﴿وَالتِّينِ﴾ وسورتَي الإخلاص والمعوِّذتين، ويقول: اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من سَيِّئ الأحلامِ، وأستجيرُ بك من تلاعبِ الشَّيطان في اليقظةِ والمنام، اللَّهم إنِّي أسألكَ رؤيا صالحة صادقةً نافعةً حافظةً غير منسيَّةٍ، اللَّهمَّ أَرني في منامِي ما أحبُّ، ومن آدابهِ أن لا يُقصَّها على امرأةٍ، ولا على (٥) عدوٍّ، ولا على جاهلٍ. وهذا (٦) آخر «كتاب التَّعبير»، فرغ منه يوم الاثنين، العشرين من شعبان (٧) سنة ٩١٥ (٨).

стр. 12205

((٩٢)) (كتاب الفِتَن) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة، جمع: فتنة؛ وهي المحنة والعذاب والشِّدَّة، وكلُّ مكروهٍ وآيلٍ (١) إليه؛ كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومةٌ، فقد ذمَّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الاية [البروج: ١٠]. (بسم الله الرحمن الرحيم) قالَ في «الفتح»: كذا في رواية الأَصيليِّ وكريمة تأخير البسملة، ولغيرهما تقديمُها، والذي في الفرع كأصله (٢) رقم عليه (٣) علامة أبي ذرٍّ بعد التصحيح، وعلامة التَّقديم والتَّأخير عليهما لابن عساكر. (١) (مَا جَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ ما جاء» (فِي) بيان (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]) أي: اتَّقوا ذنبًا يعمُّكم أثره؛ كإقرار المُنْكِر بين أظهركم، والمُدَاهَنَة في الأمر بالمعروف، وافتراقِ الكلمة، وظهورِ البدع، والتَّكاسل في الجهاد (٤) على أنَّ قولَه: ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ﴾ إمَّا جوابُ الأمر على معنى: إن أصابتكم لا تصيب الظَّالمين منكم، وفيه: أنَّ جوابَ الشَّرط متردَّدٌ، فلا تليق به النُّون المؤكِّدة، لكنَّه لمَّا تضمَّن معنى النَّهي ساغ فيه

стр. 12206

كقوله: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ [النمل: ١٨] وإمَّا صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾ و ﴿لاَّ﴾ للنَّفي، وفيه شذوذٌ؛ لأنَّ النُّون لا تدخل النَّفي (١) في غير القَسَم، أو للنَّهي على إرادة القول كقوله: حتَّى إذا جنَّ الظَّلام واختلط جاؤوا بمذقٍ هل رأيت الذِّئب قط وإمَّا جوابُ قسمٍ محذوفٍ؛ كقراءة من قرأ: (لَتصيبنَّ) وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتِّقاء الذَّنب عنِ التَّعرُّض للظُّلم، فإنَّ وباله يُصيب الظَّالم خاصَّةً ويعود عليه، و «مِنْ» في ﴿مِنكُمْ﴾ على الوجه الأوَّل: للتَّبعيض (٢)، وعلى الأخيرين (٣): للتَّبيين (٤)، وفائدته: التَّنبيه على أنَّ الظُّلم منكم أقبحُ من غيركم، قاله في «أسرار التَّنزيل» (٥)، وروى أحمد والبزَّار من طريق مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير قال: قلنا للزُّبير -يعني: في قصَّة الجمل-: يا أبا عبد الله؛ ما جاء بكم؟ ضيَّعتم الخليفة الذي قُتِل -يعني: عثمان- بالمدينة، ثم جئتم تطلبون بدمه -يعني: بالبصرة! - فقال الزُّبير: إنَّا قرأنا على عهد رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتَّى وقعت منَّا حيث وقعت، وعند أحمد بسندٍ حسنٍ من حديث عديِّ بن عميرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله لا يُعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتَّى يرَوا المُنْكَر بين ظهرانَيهم، وهم قادرون على أن يُنكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك؛ عذَّب الله الخاصَّة والعامَّة» (وَ) بيان (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَذِّرُ) بتشديد المعجمة (مِنَ الفِتَنِ) في أحاديث الباب وغيره المتضمِّنة للوعيد على التَّبديل والإحداث؛ لأنَّ الفتن غالبًا إنَّما تنشأ عن (٦) ذلك.

стр. 12207

٧٠٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، و «السَّرِيُّ» -بفتح السِّين (١) المهملة وكسر الرَّاء (٢) وتشديد التَّحتيَّة- البصريُّ سكن مكَّة، وكان يلقَّب بالأفوه قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ) بن عبد الله القرشيُّ المكِّيُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله، واسم أبي مليكة زهيرٌ، أنَّه (قَالَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَنَا عَلَى حَوْضِي) يوم القيامة (أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: من يحضرُني لِيشْرَبَ (فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي) أي: بالقرب منِّي (فَأَقُولُ: أُمَّتِي) وفي: «باب الحوض» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥٩٣] فأقول: «يا ربِّ؛ منِّي ومن أمَّتي» (فَيَقُولُ) أي: فيقول الله، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «فيُقَال» (لَا تَدْرِي) يا محمَّد (٣) (مَشَوْا عَلَى القَهْقَرَى) بفتح القافين بينهما هاءٌ ساكنةٌ مقصورة، الرُّجوع إلى خلفٍ، أي: رجعوا الرُّجوعَ المعروف بالقهقرى، أي: ارتدُّوا عمَّا كانوا عليه. (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بالسَّند السَّابق: (اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ) أي: نرتدَّ (عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ) زاد في: «باب الحوض» [خ¦٦٥٩٣] «عن ديننا». ٧٠٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ -بكسر الميم وسكون النُّون وفتح القاف- أبو سلمة التَّبُوْذَكيُّ؛ بفتح المثناة وضمِّ المُوَحَّدة وسكون الواو وفتح المعجمة، مشهورٌ بكنيته واسمه، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ مُغِيرَةَ) بن المِقْسَم -بكسر الميم- الضَّبِّيِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمةَ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :

стр. 12208

أَنَا فَرَطُكُمْ) بفتح الفاء والرَّاء وبالطَّاء المهملة، أي: أنا أتقدَّمكم (عَلَى الحَوْضِ) لأهيِّئه لكم (لَيُرْفَعَنَّ) أي: لَيظهرنَّ، ولأبي ذرٍّ: «فَلَيُرْفَعَنَّ» (إِلَيَّ) بتشديد الياء (رِجَالٌ مِنْكُمْ) لأراهم (حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ) مِلْتُ (لأُنَاوِلَهُمُ؛ اخْتُلِجُوا) بسكون الخاء المعجمة وضمِّ الفوقيَّة وكسر اللَّام وضمِّ الجيم: اجتُذِبوا واقتُطِعوا (دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ؛ أَصْحَابِي) أي: أُمَّتي (فيَقُولُ) الله تعالى: إنَّك (لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا) من الارتداد عن الإسلام (١) أو من المعاصي الكبيرة البدنيَّة أو الاعتقاديَّة (بَعْدَكَ). ٧٠٥٠ - ٧٠٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ، ونسبُه لجدِّه، واسمُ أبيه: عبدُ الله قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (٢) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) القاريُّ بتشديد التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بنِ دينارٍ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديَّ الأنصاريَّ ﵁ (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ) بفتح الفاء والرَّاء، أي: أتقدَّمكم، فَعَلٌ بمعنى فاعِل، وفي الدُّعاء للطِّفل الميِّت (٣): اللَّهمَّ اجعله لنا فَرَطًا، أي: أجرًا يتقدَّمنا حتَّى نَرِدَ عليه (مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «فمن» (وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ) بلفظ الماضي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يشرب» بلفظ المضارع (وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ) أي: لم يعطش (بَعْدَهُ أَبَدًا) وسقط لفظ «بعده» لأبي ذرٍّ (لَيَرِدُ) ولأبي ذرٍّ: «ليَردنَّ» (عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي) ولأبي ذرٍّ: «ويعرفونني» بنونين (ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ).

стр. 12209

(قَالَ أَبُو حَازِمٍ) سلمة بالسَّند السَّابق: (فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) بالتَّحتيَّة والشِّين المعجمة، الزُّرقيُّ (وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا) الحديث (فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا) السَّاعديَّ؟ وتاء «سمعتَ» مفتوحةٌ، وهو استفهامٌ حُذِفَتْ أداته، قال أبو حازمٍ: (فَقُلْتُ: نَعَمْ) سمعتُه (قَالَ) النُّعمان: (وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ، قَالَ: إِنَّهُمْ) أي: الذين (١) يُحال بيني (٢) وبينهم (مِنِّي) من أمَّتي (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا) كذا لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ، ولغيره: «ما بدَّلوا» (بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا) بُعْدًا بُعْدًا (لِمَنْ بَدَّلَ) دينه (بَعْدِي) أي: أبعده الله، وليس فيه دلالةٌ على أنَّه لا يشفع لهم بعدُ؛ لأنَّ الله تعالى قد يُلقي لهم ذلك في قلبه وقتًا؛ ليعاقبهم بما شاء إلى وقت يشاء، ثم يعطِّف قلبه عليهم، فيشفع لهم، ففي الحديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي» أي: ما عدا الشِّرك. والحديث أخرجه مسلم في «فضل (٣) النَّبيِّ ﷺ ». (٢) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) للأنصار: (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن عاصمٍ العاصميُّ ممَّا وصلَه المؤلِّفُ في «كتاب المغازي» في «غزوة حنين» [خ¦٤٣٣٠] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) للأنصار: (اصْبِرُوا) على ما تلقَون بعدي من الأثرة (حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ). ٧٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ) ثبت:

стр. 12210

«القطَّان» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) أبو سليمانَ الهَمْدانيُّ الجهنيُّ الكوفيُّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ، لم يُصِبْ من قال: في حديثه خللٌ، قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) بن مسعود بن غافلٍ الهذليَّ ﵁ (قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ) من أمراء (بَعْدِي أَُثَْرَةً) بفتح الهمزة والمثلَّثة والرَّاء، أو بضمِّ الهمزة وسكون المثلَّثة؛ استئثارًا واختصاصًا بحظوظ ٍدنيويَّةٍ تُؤثرون بها غيركم (وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا) من أمور الدِّين، وسقطت الواو الأولى من «أمورًا» لابن عساكر، وحينئذٍ فقوله: «أمورًا» بدلٌ من «أثرةً» (قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ) أن نفعل إذا وقع ذلك؟ (قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ) أي: إلى الأمراء (حَقَّهُمْ) الذي لهم المُطَالَبَةُ به، وفي رواية الثَّوريِّ عن الأعمش في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٣] «تؤدُّون الحقوق التي (١) عليكم» أي: بذل المال الواجب في الزَّكاة والنَّفس، والخروج إلى الجهاد عند التَّعيين ونحوه (وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ) وفي رواية الثَّوريِّ: «وتسألون اللهَ الذي لكم» أي: بأن يُلهمهم إنصافكم، أو يُبدلَكم خيرًا منهم، وقال الدَّاوديُّ: سَلُوا الله أن يأخذ لكم حقَّكم، ويقيِّض لكم من يؤدِّيه إليكم، وقيل: تسألون الله سرًّا؛ لأنَّهم إن سألوه جهرًا؛ أدَّى إلى الفتنة، وظاهرُ هذا الحديثِ العمومُ في المخاطبين؛ كما قاله في «الفتح»، قال: ونقل السَّفاقسيُّ عن الدَّاوديِّ أنَّه خاصٌّ بالأنصار، وكأنَّه أخذه من حديث عبد الله بن زيدٍ الذي قبله، ولا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختصَّ بهم، فقد ورد ما يدلُّ على التَّعميم، وفي حديث عمر في «مسنده» للإسماعيليِّ من طريق أبي مسلمٍ الخولانيِّ عن أبي عبيدة بن الجرَّاح عن عمر (٢) رفعه قال: «أتاني جبريل فقال: إن أمَّتك مُفتَتنةٌ من بعدك، فقلت: من أين؟ قال (٣): من قِبَلِ أُمرائهم وقُرَّائهم؛ يمنع الأمراءُ النَّاسَ الحقوقَ، فيطلبون حقوقهم فيُفْتَنون، ويتبع القرَّاءُ أهواءَ الأمراءِ فيُفْتَنون، قلت: فكيف يسلم مَنْ يسلم منهم؟ قال: بالكفِّ والصَّبر؛ إن أُعطُوا الذي لهم أَخذوه، وإن مُنِعوه تركوه». وحديث الباب سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٣].

стр. 12211

٧٠٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أبو الحسن الأسديُّ البصريُّ ابن مُسَرْهَدٍ (١) بن مسربل بن مغربل (عَنْ عَبْدِ الوَارِثِ) بن سعيدٍ، ولابن عساكر: «حدَّثنا عبد الوارث» (عَنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة، أبي (٢) عثمان الصيرفيِّ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) عمران العطارديِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا) من أمر الدِّين (فَلْيَصْبِرْ) على ذلك المكروه، ولا يخرج عن طاعة السُّلطان (فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ) أي: من طاعته (شِبْرًا) أي: قدر شبرٍ؛ كناية عن معصية السُّلطان ولو بأدنى شيءٍ (مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) بكسر الميم كالجِلسة: بيانٌ لهيئة الموت وحالته التي يكون عليها، أي: كما (٣) يموت أهل الجاهليَّة من الضَّلالة (٤) والفرقة، وليس لهم إمامٌ يُطَاع، وليس المراد أنَّه يموت كافرًا بل عاصيًا، وفي الحديث: أنَّ السُّلطان لا ينعزل بالفِسق؛ إذ في عزله سببٌ للفتنة، وإراقة الدِّماء، وتفريق ذات البَيْنِ، فالمَفسدة في عزله أكثرُ منها في بقائه. والحديث أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» أيضًا [خ¦٧١٤٣]، ومسلمٌ في «المغازي». ٧٠٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الحاء المهملة والميم المشدَّدة، ابنِ درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ (عَنِ الجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ) بن دينار اليَشْكُريِّ -بتحتيَّة مفتوحةٍ فشينٍ معجمةٍ ساكنةٍ فكافٍ مضمومةٍ- الصَّيرفيِّ البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو رَجَاءٍ) ابن مِلْحَانَ؛ بكسر الميم وسكون اللام بعدها

стр. 12212

حاء مهملة (العُطَارِدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُه فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ) فإنَّ الشَّأن (مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ) أي: جماعة الإسلام، وخرج عن طاعة الإمام (شِبْرًا) أي: ولو بأدنى شيءٍ (فَمَاتَ؛ إِلَّا (١) مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) أي: فمات على هيئةٍ كان يموت عليها أهل الجاهليَّة؛ لأنَّهم كانوا لا يرجعون إلى طاعة أميرٍ، ولا يتبعون هدى إمامٍ، بل كانوا مستنكفين عن ذلك، مستبدِّين بالأمور، و «مَنْ» استفهامية، والاستفهام إنكاريٌّ، فحكمه حكم النَّفي، فكأنَّه يقول: ما فارق أحدٌ الجماعة شبرًا إلَّا مات مِيتةً جاهليَّةً، أو حذف «ما» النَّافية؛ فهي مقدَّرة، أو «إلَّا» زائدةٌ، أو عاطفةٌ على رأي الكوفيين. وفي هذه الأحاديث حجَّة في ترك الخروج على أئمَّة الجَور، ولزوم السَّمع والطَّاعة لهم، وقد أجمع الفقهاء على أنَّ الإمام المتغلِّب تلزم طاعته ما أقام الجماعات والجهاد إلَّا إذا وقع منه كفرٌ صريحٌ، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدتُه لمن قدر. ٧٠٥٥ - ٧٠٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله المصريُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن الحارث (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة مصغَّرًا، ابن عبد الله ابن الأشجِّ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين، و «بُسْر» بضمِّ الموحَّدة وسكون السين المهملة، مولى الحضرميِّ (عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) بضمِّ الجيم وتخفيف النُّون، السَّدوسيِّ، واسم أبي أميَّة: كثيرٌ، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مَرِيضٌ) (فقُلْنَا) له: (أَصْلَحَكَ اللهُ) في جسمك؛ لتُعافَى من مرضك، أو أعمّ (حَدِّثْنا بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) ليلة العقبة (فَبَايَعَنَا) -بفتح العين- ﷺ ، ورُوِيَ: «فبايَعْنَا» بإسكانها، أي: فبايَعْنَا نحن النَّبيَّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فبايَعنَاه» بإثبات ضمير المفعول.

стр. 12213

(فَقَالَ) ﷺ : (فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا) أي: فيما اشترط علينا (أَنْ بَايَعَنَا) بفتح الهمزة والعين، مفسِّرة (عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) له (فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا) بفتح الميم فيهما وبالمعجمة بعد النُّون السَّاكنة في الأوَّل، وسكون الكاف في الثَّاني، مصدران ميميَّان، أي: في حالة نشاطنا، والحالة (١) التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نُؤمر به (وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَُثَْرَةٍ عَلَيْنَا) بفَتَحَات، أو بضمِّ الهمزة وسكون المثلَّثة، أي: إيثار الأمراء بحظوظهم واختصاصهم إيَّاها بأنفسهم (وَأَن لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ) أي: المُلْكَ (أَهْلَهُ) قال في «شرح المشكاة»: هو كالبيان لسابقه؛ لأنَّ معنى عدم المنازعة هو الصَّبر على الأثرة، وزاد أحمد من طريق عمير بن هانئ، عن عبادة: «وإن رأيت أنَّ لك» أي: وإنِ اعتقدت أنَّ لك في الأمر حقًّا؛ فلا تعمل بذلك الرَّأي، بل اسمعْ وأطعْ إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطَّاعة، وعند ابن حبَّان وأحمد من طريق أبي النَّضر عن جنادة: «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك» (إِلَّا أَنْ تَرَوْا) فإن قلت: كان المناسب أن يُقال: إلَّا أن نرى؛ بنون المتكلِّم؛ أُجِيب بأنَّ التَّقدير: بايَعَنا قائلًا: إلَّا أن تروا (كُفْرًا بَوَاحًا) بفتح الموحَّدة والواو والحاء المهملة، ظاهرًا يُجهر ويُصرَّح به (عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) نصٌّ من قرآنٍ أو خبرٍ صحيحٍ لا يحتمل التَّأويل، فلا يجوز الخروج على الإمام ما دام فعله يحتمل التَّأويل. والحديث أخرجه مسلمٌ (٢) في «المغازي». ٧٠٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) القرشيُّ البصريُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ) بضمِّ الهمزة، وضمِّ الحاء المهملة وفتح الضَّاد المعجمة، مصغَّرين، ابن سِمَاك بن عتيكٍ أبي عبيدٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ: (أَنَّ رَجُلًا) هو أُسيدٌ الرَّاوي (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا) هو عمرو

стр. 12214

بن العاص (وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي؟ قَالَ) ﵊ مجيبًا للسُّؤال (١): (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة (بَعْدِي أُثْرَةً) بضمِّ الهمزة وسكون المثلَّثة، أي: استئثارًا للحظِّ الدُّنيويِّ (فَاصْبِرُوا) إذا وقع لكم ذلك (حَتَّى تَلْقَوْنِي) وإنَّما أجاب بقوله: «إنَّكم سترون» إشارةً إلى أنَّ استعمال فلانٍ المذكور ليس لمصلحةٍ خاصَّةٍ به، بل لك ولجميع المسلمين. والحديث سبق في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٩٢]. (٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ) بالتَّثنية (أُغَيْلِمَةٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة وكسر اللام وفتح الميم بعدها (٢) هاء تأنيثٍ: صبيانٍ أو (٣) الضُّعفاءِ العقولِ والتَّدبيرِ والدِّين ولو كانوا بَاْلِغِيْن، زاد في بعض النُّسخ عن أبي ذرٍّ: «من قريشٍ» (سُفَهَاءَ). ٧٠٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين (بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بكسر عين «سعيدٍ» فيهما وفتح (٤) عين «عمرٍو»، وسقط لابن عساكر «ابن عمرو بن سعيدٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَدِّي) (٥) سعيد بن عمرو بن سعيد بن

стр. 12215

العاص الأمويُّ المدنيُّ ثمَّ ّالدِّمشقيُّ ثمَّ الكوفيُّ (١) (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ) زمن معاوية ﵁ (وَمَعَنَا مَرْوَانُ) بن الحكم بن أبي العاص ابن أميَّة، الذي وُلِّي الخلافة بعد ذلك (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ الصَّادِقَ) في نفسه (المَصْدُوقَ) عند الله (٢)، ﷺ (يَقُولُ: هَلَكَةُ (٣) أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ) بفتح الدال تثنية يد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «أيدي» بزيادة همزة بصيغة الجمع (غِلْمَةٍ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام (مِنْ قُرَيْشٍ) وعند أحمد والنَّسائيِّ (٤) من رواية سِمَاكٍ عن أبي ظالمٍ عن أبي هريرةَ: «إنَّ فساد أمَّتي على يدي غِلْمةٍ سفهاء من قريشٍ»، وبزيادة: «سفهاء» تقع المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وعند ابن أبي شيبةَ من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ رفعه: «أعوذ بالله من إمارة الصِّبيان، قالوا: وما إمارة الصِّبيان (٥)؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم -أي: في دينكم-، وإن عصيتموهم أهلكوكم» أي: في دنياكم، بإزهاق النَّفس، أو بإذهاب المال، أو بهما، وعند ابن أبي شيبة: أنَّ أبا هريرة كان يمشي في السُّوق يقول: اللَّهم؛ لا تدركني سنة ستِّين ولا إمارة الصِّبيان، قالوا: وما إمارة الصِّبيان (٦)؟ وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة، قال في «الفتح»: وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ أوَّل الأغيلمة كان في سنة ستِّين، وهو كذلك؛ فإنَّ يزيد بن معاوية استُخلف فيها، وبقي إلى سنة أربعٍ وستين فمات، ثمَّ ولي ولدُه (٧) معاوية ومات بعد أشهر. (فَقَالَ مَرْوَانُ) بن الحكم المذكور: (لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً) بالنَّصب على الاختصاص (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ لَفَعَلْتُ) وكأنَّ أبا هريرة كان

стр. 12216

يعرف أسماءهم، وكان ذلك من الجِرَاب الذي لم يبثَّه، فلم يبيِّن أسامي أمراء الجَور وأحوالهم. نعم؛ كان يكنِّي عن بعضه ولا يصرِّح به؛ خوفًا على نفسه، وقد وردت أحاديث في لعن الحَكَم والد مروان وما ولد، أخرجها الطَّبراني وغيره (١) غالبُها فيه (٢) مقالٌ، وبعضها جيِّدٌ، قال عمرو بن يحيى: (فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي) سعيد بن عمرٍو (إِلَى بَنِي مَرْوَانَ) بن الحكم (حِينَ مَلَكُوا) وُلُّوا الخلافةَ (بِالشَّأْمِ) وغيرها، ولأبي ذرٍّ: «حين مُلِّكُوا» بضمِّ الميم وكسر اللام مشدَّدةً (فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا) جمع حَدَثٍ، أي: شُبَّانًا (٣) وأوَّلهم يزيدُ، ولابن عساكر: «غِلمان أحداث» (قَالَ لَنَا: عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ) فقال أولاده وأتباعه ممَّن سمع (٤) منه (٥) ذلك: (قُلْنَا) له: (أَنْتَ أَعْلَمُ) وإنَّما تردَّد عمرو في أنَّهم المراد بحديث أبي هريرة من جهة كون أبي هريرة لم يُفصِحْ بأسمائهم. تنبيه: قال التَّفتازانيُّ: وقد اختلفوا في جواز لعن يزيدَ بن معاويةَ، فقال في «الخلاصة» وغيرها: إنَّه لا ينبغي اللَّعن عليه ولا على الحجَّاج؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن لعن المصلِّين ومن كان من أهل القِبْلة، وأمَّا ما نُقِلَ عنه ﷺ من اللَّعن لبعض أهل القِبلة؛ فَلِمَا أنَّه (٦) يعلم من أحوال النَّاس ما لا يعلمه غيره، وبعضُهم أطلق اللَّعن عليه لما أنَّه (٧) كفر حين أَمر بقتل الحسين ﵁، واتَّفقوا على جواز اللَّعن على من قتله، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، والحقُّ أنَّ رضا يزيدَ بقتل الحسين ﵁ وإهانته أهلَ البيت النَّبويِّ ممَّا تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحادًا، فنحن لا نتوقَّف في شأنه (٨)، بل في إيمانه، لعنةُ الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى (٩). والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٥]، وأخرجه مسلمٌ.

стр. 12217

(٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ). ٧٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنتِ أبي سفيانَ أمِّ المؤمنين (عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ) أمِّ المؤمنين (¬﵅¬) ولأبي ذرٍّ: «بنت جحشٍ» (أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ) حال كونه (مُحْمَرًّا وَجْهُهُ) وفي آخر «الفتن» [خ¦٧١٣٥] من طريق ابن شهابٍ عن عروةَ: أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا فزعًا، فيحتمل أنَّه دخل عليها بعد أنِ استيقظ من نومه فزعًا، وكانت حمرةُ وجهه من ذلك الفزع، وعند أبي عَوانةَ من طريق سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ: فزعًا محمرًّا وجهُه، أي: حال كونه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ) كلمةٌ تُقَال لمن وقع في هلكةٍ (لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) أراد به الاختلافَ الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمانَ ﵁، وما وقع بين عليٍّ ومعاويةَ ﵄، وخصَّ العربَ بالذِّكر؛ لأنَّهم أوَّلُ من دخل في الإسلام، وللإنذار بأنَّ الفتن إذا وقعت كان الهلاكُ إليهم أسرعَ (فُتِحَ اليَوْمَ) بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول، ونصب «اليومَ» على الظَّرفيَّة (مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ) من سدِّهما الذي بناه ذو القرنين بيننا وبينهم (مِثْلُ هَذِهِ) بالرَّفع، مفعولٌ ناب عن فاعله (وَعَقَدَ سُفْيَانُ) بن عيينة (تِسْعِينَ) بأن جعل طرفَ إصبعه السَّبَّابة اليمنى في أصلها، وضمَّها ضمًّا محكمًا، بحيثُ انطوت عُقدتاها حتَّى صارت كالحيَّة المطويّة (١) (أَوْ) عَقدَ (مِئَةً) بأنْ عقد التِّسعين، لكنْ بالخنصر اليسرى، وعلى هذا فالتِّسعون والمئة متقاربان؛ ولذا وقع فيهما الشَّكُّ (قِيلَ) وفي آخر «الفتن» [خ¦٧١٣٥]:

стр. 12218

قالت زينبُ: فقلت: يا رسولَ الله (أَنَهْلِكُ) بكسر اللَّام (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟! قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ؛ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ) بفتح المعجمة والموحَّدة بعدَها مثلَّثة، أي: الزِّنا، أو أولاد الزِّنا، أو الفُسوق والفجور، وفي «الفتح»: ترجيحُ الأخير، قال: لأنَّه قابله بالصَّلاح، وفي الحديث ثلاثُ صحابيَّات: زينب بنت أمِّ سلمة ربيبةُ النَّبيِّ ﷺ ، وأمُّ حبيبةَ رملةُ زوجة النَّبيِّ ﷺ ، وأمُّ المؤمنين زينبُ بنت جحشٍ، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق الحُميديِّ، فقال في روايته: عن حبيبة بنت (١) أمِّ حبيبة، عن أمِّها أمِّ حبيبة، وقال في آخره: قال الحميديُّ: قال سفيانُ: أحفظ في (٢) هذا الحديث (٣)، عن الزُّهريِّ: أربع نسوةٍ قد رأيْنَ النَّبيَّ ﷺ ؛ ثنتين من أزواجه؛ أمَّ حبيبة وزينبَ بنت جحش، وثِنْتَين: ربيبتَيْه زينب بنت أمِّ سلمة وحبيبة بنت أمِّ حبيبة، أبوها عبد الله بن جحشٍ، فزاد حبيبة، كالنَّسائي وابن ماجه. وحديث الباب سبق في أحاديث «الأنبياء» [خ¦٣٣٤٦] و «علامات النبوة» [خ¦٣٥٩٨]، وأخرجه بقيَّةُ الأئمَّة إلَّا أبا داود. ٧٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، وسقط «عن عروة» لغير ابن عساكر، قال المُؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافعٍ الحافظُ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ الأزديُّ مَولاهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسول الله ﷺ وابن حِبِّه (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ:

стр. 12219

أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: اطَّلع من عُلوٍّ (عَلَى أُطُمٍ) بضمَّتين: حِصنٍ أو قصرٍ (مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ) بمدِّ الهمزة والطَّاء المهملة فيهما (فَقَالَ) ﵊: (هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ قَالُوا: لَا) يا رسول الله (قَالَ: فَإِنِّي لأَرَى (١) الفِتَنَ) أي: ببصري، أي: بأنْ كُشِفَ لي فأبصرت ذلك عيناي (٢) حال كونها (تَقَعُ خِلَالَ) بكسر الخاء المعجمة: أوساط (بُيُوتِكُمْ) أو «تقع» مفعولٌ ثانٍ (كَوَقْعِ القَطْرِ) بسكون قاف «كَوقْع»، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن المُستملي: «المطر» «بالميم» بدل: «القاف»، وهما بمعنًى، وفيه إشارةٌ إلى قتل عثمان ﵁ بالمدينة، وانتشارِ الفتن في غيرها، فما وقع من القتال بصفِّين والجمل؛ كان بسبب قتل عثمانَ بالمدينة (٣)، والقتال بالنَّهروان كان بسبب التَّحكيم بصفِّين، فكلُّ قتالٍ وقع في ذلك العصر إنَّما تَولَّد عن شيءٍ من ذلك، أو عن شيءٍ تولَّد عنه. والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٨] و «المظالم» [خ¦٢٤٦٧] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن» عن أبي بكر بن أبي شيبة (٤). (٥) (باب ظُهُورِ الفِتَنِ). ٧٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بتشديد التَّحتيَّة آخره معجمةٌ، الرَّقَّام البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٥) عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ -بالسِّين المهملة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 12220

مَعْمَرٌ) بفتح الميمَين، ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن المسيَّبِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) بأنْ يعتدلَ اللَّيل والنَّهارُ، أو يدنوَ قيامُ السَّاعة، أو تقصرَ الأيَّام واللَّيالي، أو يتقاربَ في الشرِّ والفساد حتَّى لا يبقى من يقول: الله الله، أو المراد بتقاربه: تسارعُ الدُّول في الانقضاء، والقرون إلى الانقراض، فيتقاربُ زمانُهم، وتتدانى أيَّامُهم، أو تتقارب أحواله في أهله في قلَّة الدِّين، حتَّى لا يكونَ فيهم من يأمرُ بمعروفٍ، وينهى عن منكرٍ؛ لغلبة الفسق وظهور أهله، أو المراد: قِصَرُ الأعمار بالنِّسبة إلى كلِّ طبقةٍ، فالطَّبقةُ الأخيرة أقصرُ أعمارًا من الطَّبقة الأخيرةِ (١) التي قبلها، وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا تقوم السَّاعةُ حتَّى يتقاربَ الزَّمانُ، فتكونَ السَّنةُ كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالسَّاعة، وتكون السَّاعة كاحتراق السَّعْفة»، وما تضمَّنه هذا الحديث قد وُجِدَ في هذا الزَّمان، فإنَّا نجد من سرعة الأيَّام ما لم نكنْ نجدُه في العصر الذي قبله، والحقُّ أنَّ المراد: نزعُ البركة من كلِّ شيءٍ حتَّى من الزَّمان، وهذا من علامات قرب السَّاعة، وقال النَّوويُّ: والمرادُ بقِصَرِه: عدمُ البركة فيه، وأنَّ اليوم مثلًا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالسَّاعة الواحدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «يتقارب الزَّمن» بإسقاط الألف بعد الميم، وهي لغةٌ فيه شاذَّةٌ؛ لأنَّ فَعَلًا (٣) بالفتح لا يُجْمَعُ على أَفْعُل (٤) إلَّا حروفًا يسيرةً: زَمَن وأزمُن، وجَبَل وأجبُل، وعَصَب وأعصُب (وَيَنْقُصُ العَمَلُ) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فَنونٍ ساكنةٍ فقافٍ مضمومةٍ فصادٍ مهملةٍ، و «العمل»: بالعين والميم بعدها لامٌ، ولأبي (٥) ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ ممَّا هو في فرع (٦)
следующие страницы →