يعرف أسماءهم، وكان ذلك من الجِرَاب الذي لم يبثَّه، فلم يبيِّن أسامي أمراء الجَور وأحوالهم. نعم؛ كان يكنِّي عن بعضه ولا يصرِّح به؛ خوفًا على نفسه، وقد وردت أحاديث في لعن الحَكَم والد مروان وما ولد، أخرجها الطَّبراني وغيره (١) غالبُها فيه (٢) مقالٌ، وبعضها جيِّدٌ، قال عمرو بن يحيى: (فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي) سعيد بن عمرٍو (إِلَى بَنِي مَرْوَانَ) بن الحكم (حِينَ مَلَكُوا) وُلُّوا الخلافةَ (بِالشَّأْمِ) وغيرها، ولأبي ذرٍّ: «حين مُلِّكُوا» بضمِّ الميم وكسر اللام مشدَّدةً (فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا) جمع حَدَثٍ، أي: شُبَّانًا (٣) وأوَّلهم يزيدُ، ولابن عساكر: «غِلمان أحداث» (قَالَ لَنَا: عَسَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ) فقال أولاده وأتباعه ممَّن سمع (٤) منه (٥) ذلك: (قُلْنَا) له: (أَنْتَ أَعْلَمُ) وإنَّما تردَّد عمرو في أنَّهم المراد بحديث أبي هريرة من جهة كون أبي هريرة لم يُفصِحْ بأسمائهم.
تنبيه: قال التَّفتازانيُّ: وقد اختلفوا في جواز لعن يزيدَ بن معاويةَ، فقال في «الخلاصة» وغيرها: إنَّه لا ينبغي اللَّعن عليه ولا على الحجَّاج؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن لعن المصلِّين ومن كان من أهل القِبْلة، وأمَّا ما نُقِلَ عنه ﷺ من اللَّعن لبعض أهل القِبلة؛ فَلِمَا أنَّه (٦) يعلم من أحوال النَّاس ما لا يعلمه غيره، وبعضُهم أطلق اللَّعن عليه لما أنَّه (٧) كفر حين أَمر بقتل الحسين ﵁، واتَّفقوا على جواز اللَّعن على من قتله، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، والحقُّ أنَّ رضا يزيدَ بقتل الحسين ﵁ وإهانته أهلَ البيت النَّبويِّ ممَّا تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحادًا، فنحن لا نتوقَّف في شأنه (٨)، بل في إيمانه، لعنةُ الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه. انتهى (٩).
والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٥]، وأخرجه مسلمٌ.
стр. 12217
(٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ).
٧٠٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن زياد بن درهمٍ أبو غسَّان النَّهديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان: (أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملةَ بنتِ أبي سفيانَ أمِّ المؤمنين (عَنْ زَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ) أمِّ المؤمنين (¬﵅¬) ولأبي ذرٍّ: «بنت جحشٍ» (أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ) حال كونه (مُحْمَرًّا وَجْهُهُ) وفي آخر «الفتن» [خ¦٧١٣٥] من طريق ابن شهابٍ عن عروةَ: أنَّ رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا فزعًا، فيحتمل أنَّه دخل عليها بعد أنِ استيقظ من نومه فزعًا، وكانت حمرةُ وجهه من ذلك الفزع، وعند أبي عَوانةَ من طريق سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ: فزعًا محمرًّا وجهُه، أي: حال كونه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ) كلمةٌ تُقَال لمن وقع في هلكةٍ (لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) أراد به الاختلافَ الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمانَ ﵁، وما وقع بين عليٍّ ومعاويةَ ﵄، وخصَّ العربَ بالذِّكر؛ لأنَّهم أوَّلُ من دخل في الإسلام، وللإنذار بأنَّ الفتن إذا وقعت كان الهلاكُ إليهم أسرعَ (فُتِحَ اليَوْمَ) بضمِّ الفاء مبنيًّا للمفعول، ونصب «اليومَ» على الظَّرفيَّة (مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ) من سدِّهما الذي بناه ذو القرنين بيننا وبينهم (مِثْلُ هَذِهِ) بالرَّفع، مفعولٌ ناب عن فاعله (وَعَقَدَ سُفْيَانُ) بن عيينة (تِسْعِينَ) بأن جعل طرفَ إصبعه السَّبَّابة اليمنى في أصلها، وضمَّها ضمًّا محكمًا، بحيثُ انطوت عُقدتاها حتَّى صارت كالحيَّة المطويّة (١) (أَوْ) عَقدَ (مِئَةً) بأنْ عقد التِّسعين، لكنْ بالخنصر اليسرى، وعلى هذا فالتِّسعون والمئة متقاربان؛ ولذا وقع فيهما الشَّكُّ (قِيلَ) وفي آخر «الفتن» [خ¦٧١٣٥]:
стр. 12218
قالت زينبُ: فقلت: يا رسولَ الله (أَنَهْلِكُ) بكسر اللَّام (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟! قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ؛ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ) بفتح المعجمة والموحَّدة بعدَها مثلَّثة، أي: الزِّنا، أو أولاد الزِّنا، أو الفُسوق والفجور، وفي «الفتح»: ترجيحُ الأخير، قال: لأنَّه قابله بالصَّلاح، وفي الحديث ثلاثُ صحابيَّات: زينب بنت أمِّ سلمة ربيبةُ النَّبيِّ ﷺ ، وأمُّ حبيبةَ رملةُ زوجة النَّبيِّ ﷺ ، وأمُّ المؤمنين زينبُ بنت جحشٍ، وأخرجه أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من طريق الحُميديِّ، فقال في روايته: عن حبيبة بنت (١) أمِّ حبيبة، عن أمِّها أمِّ حبيبة، وقال في آخره: قال الحميديُّ: قال سفيانُ: أحفظ في (٢) هذا الحديث (٣)، عن الزُّهريِّ: أربع نسوةٍ قد رأيْنَ النَّبيَّ ﷺ ؛ ثنتين من أزواجه؛ أمَّ حبيبة وزينبَ بنت جحش، وثِنْتَين: ربيبتَيْه زينب بنت أمِّ سلمة وحبيبة بنت أمِّ حبيبة، أبوها عبد الله بن جحشٍ، فزاد حبيبة، كالنَّسائي وابن ماجه.
وحديث الباب سبق في أحاديث «الأنبياء» [خ¦٣٣٤٦] و «علامات النبوة» [خ¦٣٥٩٨]، وأخرجه بقيَّةُ الأئمَّة إلَّا أبا داود.
٧٠٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيانُ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، وسقط «عن عروة» لغير ابن عساكر، قال المُؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام بن نافعٍ الحافظُ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ الأزديُّ مَولاهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) حِبِّ رسول الله ﷺ وابن حِبِّه (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ:
стр. 12219
أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أي: اطَّلع من عُلوٍّ (عَلَى أُطُمٍ) بضمَّتين: حِصنٍ أو قصرٍ (مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ) بمدِّ الهمزة والطَّاء المهملة فيهما (فَقَالَ) ﵊: (هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ قَالُوا: لَا) يا رسول الله (قَالَ: فَإِنِّي لأَرَى (١) الفِتَنَ) أي: ببصري، أي: بأنْ كُشِفَ لي فأبصرت ذلك عيناي (٢) حال كونها (تَقَعُ خِلَالَ) بكسر الخاء المعجمة: أوساط (بُيُوتِكُمْ) أو «تقع» مفعولٌ ثانٍ (كَوَقْعِ القَطْرِ) بسكون قاف «كَوقْع»، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن المُستملي: «المطر» «بالميم» بدل: «القاف»، وهما بمعنًى، وفيه إشارةٌ إلى قتل عثمان ﵁ بالمدينة، وانتشارِ الفتن في غيرها، فما وقع من القتال بصفِّين والجمل؛ كان بسبب قتل عثمانَ بالمدينة (٣)، والقتال بالنَّهروان كان بسبب التَّحكيم بصفِّين، فكلُّ قتالٍ وقع في ذلك العصر إنَّما تَولَّد عن شيءٍ من ذلك، أو عن شيءٍ تولَّد عنه.
والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٨] و «المظالم» [خ¦٢٤٦٧] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن» عن أبي بكر بن أبي شيبة (٤).
(٥) (باب ظُهُورِ الفِتَنِ).
٧٠٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بتشديد التَّحتيَّة آخره معجمةٌ، الرَّقَّام البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٥) عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ -بالسِّين المهملة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 12220
مَعْمَرٌ) بفتح الميمَين، ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين، ابن المسيَّبِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) بأنْ يعتدلَ اللَّيل والنَّهارُ، أو يدنوَ قيامُ السَّاعة، أو تقصرَ الأيَّام واللَّيالي، أو يتقاربَ في الشرِّ والفساد حتَّى لا يبقى من يقول: الله الله، أو المراد بتقاربه: تسارعُ الدُّول في الانقضاء، والقرون إلى الانقراض، فيتقاربُ زمانُهم، وتتدانى أيَّامُهم، أو تتقارب أحواله في أهله في قلَّة الدِّين، حتَّى لا يكونَ فيهم من يأمرُ بمعروفٍ، وينهى عن منكرٍ؛ لغلبة الفسق وظهور أهله، أو المراد: قِصَرُ الأعمار بالنِّسبة إلى كلِّ طبقةٍ، فالطَّبقةُ الأخيرة أقصرُ أعمارًا من الطَّبقة الأخيرةِ (١) التي قبلها، وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا تقوم السَّاعةُ حتَّى يتقاربَ الزَّمانُ، فتكونَ السَّنةُ كالشَّهر، والشَّهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالسَّاعة، وتكون السَّاعة كاحتراق السَّعْفة»، وما تضمَّنه هذا الحديث قد وُجِدَ في هذا الزَّمان، فإنَّا نجد من سرعة الأيَّام ما لم نكنْ نجدُه في العصر الذي قبله، والحقُّ أنَّ المراد: نزعُ البركة من كلِّ شيءٍ حتَّى من الزَّمان، وهذا من علامات قرب السَّاعة، وقال النَّوويُّ: والمرادُ بقِصَرِه: عدمُ البركة فيه، وأنَّ اليوم مثلًا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالسَّاعة الواحدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢) والمُستملي: «يتقارب الزَّمن» بإسقاط الألف بعد الميم، وهي لغةٌ فيه شاذَّةٌ؛ لأنَّ فَعَلًا (٣) بالفتح لا يُجْمَعُ على أَفْعُل (٤) إلَّا حروفًا يسيرةً: زَمَن وأزمُن، وجَبَل وأجبُل، وعَصَب وأعصُب (وَيَنْقُصُ العَمَلُ) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فَنونٍ ساكنةٍ فقافٍ مضمومةٍ فصادٍ مهملةٍ، و «العمل»: بالعين والميم بعدها لامٌ، ولأبي (٥) ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ ممَّا هو في فرع (٦)
стр. 12221
«اليونينيَّة» كأصلها: «ويُقْبَضُ العلمُ» بضمِّ التَّحتيَّة بعدها قافٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ فضادٌ معجمةٌ، و «العلم»: بتقديم اللَّام على الميم، وقال في «فتح الباري»: قوله: «ويَنْقُصُ العلم» يعني: بالنُّون والصَّاد المهملة كذا للأكثر، وفي رواية المُستملي والسَّرخسيِّ: «العمل» يعني: بدل «العلم»، قال: ومثله في رواية شُعيبٍ عن الزُّهريِّ عن حُمَيد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرةَ عند مسلمِ. انتهى. وقد قيل: إنَّ نقصان العمل الحسيِّ ينشأ عن نقص الدِّين ضرورةً، وأمَّا المعنويُّ، فبسبب ما يدخل من الخلل بسبب سوء المَطْعَم، وقلَّة المساعد على العمل، والنَّفس ميَّالةٌ إلى الرَّاحة وتحِنُّ إلى جنسها، ولكثرة شياطين الإنس الذين هم أضرُّ من شياطين الجنِّ (١) (وَيُلْقَى الشَُِّحُّ) بتثليث الشِّين؛ وهو البُخلُ في قلوب النَّاس على اختلاف أحوالهم، حتَّى يبخلَ العالِم بعلمه، فيتركَ التَّعليم والفتوى، ويبخلَ الصَّانع بصناعته حتَّى يتركَ تعليمَ غيره، ويبخل الغنيُّ بماله حتَّى يهلك الفقيرُ، وليس المراد أصل الشُّحِّ؛ لأنَّه لم يزلْ موجودًا، فالمراد: غلبته وكثرته، وليس بينه وبين قوله في «كتاب الأنبياء» [خ¦٣٤٤٨] «ويفيض المال حتَّى لا يقبله أحد» تعارض؛ إذ كلٌّ منهما في زمانٍ غير زمان الآخر، وقوله: «ويُلْقَى» بضمٍّ فسكون ففتحٍ، وقال الحميديُّ: لم يضبطِ الرُّواة هذا الحرف، ويُحْتَمَلُ أن يكون بتشديد القاف بمعنى: يُتَلقَّى، ويُتَعلَّم، ويُتَواصَى به، ويدَعى إليه، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ (٢) [القصص: ٨٠] أي: لا (٣) يُعلَّمُها ويُنبَّه عليها، ولو قيل: «يُلْقَى» بتخفيف القاف؛ لكان أبعد؛ لأنَّه لو أُلْقِي لَتُرِكَ، ولم يكن موجودًا. انتهى. قال في «المصابيح»: وهذا غير لازمٍ؛ إذ يمكن أنَّ (٤) المراد: يُلْقَى الشُّحُّ في القلوب، أي: يُطرَح فيها، فيكون حينئذٍ موجودًا لا معدومًا (وَتَظْهَرُ الفِتَنُ) أي: كثرتُها، وهذا موضع التَّرجمة (وَيَكْثُرُ الهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الرَّاء بعدها جيمٌ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّمَ) بفتح الهمزة وتشديد التَّحتيَّة وفتح الميم مُخفَّفةً، أي: أيُّ شيءٍ (هُوَ؟) أي: الهَرْج، والأكثر على حذف (٥) الألف
стр. 12222
بعد ميمها (١) تخفيفًا، ولأبي ذرٍّ: «أيُّما» بضمِّ التَّحتيَّة وبعد الميم ألفٌ، وضبطَه بعضُهم بتخفيف التَّحتيَّة، أي: بحذف الياء الثَّانية؛ كما قالوا: «أيش» في موضع «أيُّ شيءٍ»، وفي رواية عَنْبَسةَ بنِ خالدٍ عن يونسَ عند أبي داود: قيل: يا رسول الله؛ أيش هو؟ (قَالَ): هو (القَتْلُ القَتْلُ) بالتِّكرار مرَّتين.
(وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة ممَّا وصله المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦٠٣٧] (وَيُونُسُ) بنُ يزيدَ ممَّا وصله مسلمٌ في «صحيحه» بلفظ: «ويقبض العلم»، وقدَّمَ «وتظهر الفتنُ» على «ويُلْقى الشُّحُّ»، وقالوا: وما الهرجُ؟ قال: «القتل»، ولم يكرِّر لفظَ «القتل» (وَاللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ فيما (٢) وصله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بنِ مسلمٍ ممَّا وصله في «الأوسط» أيضًا؛ أربعتُهم: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مُسْلمٍ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، ابنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) يعني: أنَّ هؤلاء الأَربعةَ خالفوا مَعْمَرًا في قوله في الحديث السَّابق: عن الزُّهْريِّ عن سعيدٍ، فجعلوا شيخَ الزُّهرِيِّ (٣) حُمَيدًا لا سعيدًا، وصنيعُ المؤلِّف ﵀ يقتضي أنَّ الطَّريقَين صحيحان، فإنَّه وصلَ طريقَ مَعْمرٍ هنا، ووصل طريق شُعَيبٍ في «الأدب» [خ¦٦٠٣٧] كما مرَّ، ولعلَّه رأى أنَّ ذلك غيرُ قادحٍ؛ لأنَّ الزُّهريَّ صاحبُ حديثٍ، فيكونُ الحديث عنده عن شيخَين، ولا يلزم من (٤) ذلك اطِّراده في كلِّ مَنِ اختُلِفَ عليه في شيخه إلَّا أن يكون مثلَ الزُّهريِّ في كثرة حديثه وشيوخه، قال ابن بطَّالٍ: وجميعُ ما تضمَّنه هذا الحديثُ من الأشراط قد رأيناها عِيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وأُلْقِيَ الشُّحُّ في القلوب، وعمَّتِ الفتنُ، وكثُر القتل، قال في «الفتح»: الذي يظهرُ أنَّ الذي شاهده كان منه الكثيرُ مع وجود مقابله، والمُرادُ من الحديث: استحكامُ ذلك حتَّى لا يبقى ممَّا يقابله إلَّا النَّادرُ، والواقعُ أنَّ الصِّفاتِ المذكورةَ وُجِدَتْ مَباديها من عهد الصَّحابة، ثمَّ صارت تكثُر في بعض الأماكن دونَ بعضٍ، وكلَّما مضت طبقةٌ؛ ظهر البعضُ الكثيرُ في التي تليها، ويشير إليه قولُه في حديث الباب التَّالي: «لا يأتي زمانٌ إلَّا والذي بعده شرٌّ منه» [خ¦٧٠٦٨].
стр. 12223
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القدر»، وابن ماجه في «الفتن».
٧٠٦٢ - ٧٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين، أبو محمَّدٍ العبسيُّ الحافظُ، أحدُ الأعلام، وفي نسخةٍ مُعتَمدةٍ كما في «الفتح» (١): «حدَّثنا مُسَدَّدٌ: حدَّثنا عُبيدُ الله بن موسى»، وسقط في غيرها، وقال عياضٌ: ثبت للقابسيِّ عن أبي زيدٍّ المروزيِّ، وسقط «مُسَدَّدٌ» للباقين، وهو الصَّواب، قال الحافظُ ابن حجرٍ: وعليه اقتصر أصحابُ الأطراف. انتهى. وفي هامش الفرع ممَّا عزاه للأَصيليِّ (٢) في نسخة أبي ذرٍّ: «حدَّثنا مُسَدَّدٌ صحّ»، قال في الحاشية: سقطَ ذكرُ مُسَدَّدٍ في نسخةٍ، وإسقاطُه صوابٌ، وهو في نسخةٍ عند الأَصيليِّ. انتهى. قلت: وكذا رأيتهُ في «اليُونينيَّة»، وعُبيدُ الله يَروي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهرانَ (عَنْ شَقِيقٍ) بفتح المعجمة، أبي (٣) وائلِ بنِ سلمةَ أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵄ (فَقَالَا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ) بموتِ العلماء، فكلَّما مات عالمٌ؛ نقص (٤) العلمُ بالنَّسبة إلى فقدِ حامله، وينشأ عن ذلك الجهلُ بما كان ذلك العالم ينفردُ به عن بقيَّة العلماء (وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالهَرْجُ) هو (القَتْلُ).
стр. 12224
٧٠٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائلٍ (قَالَ: جَلَسَ عَبْدُ اللهِ) بنُ مسعودٍ (وَأَبُو مُوسَى) الأشْعرِيُّ (فَتَحَدَّثَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) أي: قبلَها على قُربٍ منها (أَيَّامًا) والتَّنوينُ للتَّقليل، وللحَمُّويي والمُستملي: «لأيَّامًا» بزيادة اللَّام (يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ) بموتِ العلماء (وَيَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ) بظهور الحوادث المُقْتضِية لترك الاشتغال بالعلم (وَيَكْثُرُ فِيهَا (١) الهَرْجُ، وَالهَرْجُ: القَتْلُ) يُحْتَمَلُ أنْ يكون مرفوعًا، وهو الظَّاهر، وأن يكون من تفسير الرَّاوي، وظاهرُه: أنَّ القائلَ هو أبو موسى وحدَه، بخلاف الرِّوايةِ السَّابقة؛ فإنَّها صريحةٌ في أنَّ أبا موسى وابنَ مسعود قالاه.
٧٠٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابنُ عبدِ الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بن سلمةَ أنَّه (قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ (٢) مَعَ عَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (¬﵄، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ … مِثْلَهُ) أي: مثل الحديثِ السَّابق (وَالهَرْجُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «بلسان الحَبَش» (القَتْلُ) قال القاضي عياضُ: هذا وهمٌ من بعض الرُّواة؛ فإنَّها عربيَّةٌ صحيحةٌ. انتهى. ويأتي ما فيه في الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وأصلُ «الهرج» في اللُّغة العربيَّة: الاختلاطُ، يُقَالُ: هرج النَّاس اختلطوا واختلفوا، وقولُه: «والهرج … » إلى آخره إدراجٌ من أبي موسى، كما صرَّحَ به في الحديث التَّالي.
стр. 12225
٧٠٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «ابنُ بشَّارٍ» بالمُوحَّدَةِ والمعجمة المشدَّدة، وهو المُلقَّبُ ببُندارٍ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاجِ (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حيَّان -بالحاء المُهْملةِ المفتوحة والتَّحتيَّة (١) المُشَدَّدةِ- الكُوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقِ بنِ سلمةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁، قال أبو وائلٍ: (وَأَحْسِبُهُ) أي: أحسِبُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ (رَفَعَهُ) رفعَ الحديثَ إلى النَّبيِّ ﷺ (قَالَ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الهَرْجِ) بإضافة «أيَّام» لتاليها (يَزُولُ العِلْمُ) بزوال أهله، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «يَزُول فيها» أي: في أيَّام الهَرْج: «العلم» (وَيَظْهَرُ فِيهَا الجَهْلُ) لذهاب العلماء، والاشتغال بالفتن عن العلم (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ: (وَالهَرْجُ: القَتْلُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ) قال في «الفتح»: أخطأَ من قال: إن (٢) الهرج القتل (٣) بلسان العربيَّة وَهَمٌ من بعض الرُّواةِ، ووجهُ الخطأ أنَّها لا تُستَعملُ في اللُّغةِ العربيَّة بمعنى: القتل إلَّا على طريق المجاز؛ لكونِ الاختلاطِ مع الاختلاف يُفْضِي كثيرًا إلى القتل، وكثيرًا ما يُسمُّون الشَّيءَ باسم ما يَؤول إليه، واستعمالُها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبشةِ، فكيف يُدَّعَى على مثلِ (٤) أبي موسى الأشعريِّ الوَهَمُ في تفسير لفظةٍ لغويَّةٍ؟! بل الصَّواب معه، واستعمالُ العربِ الهَرْجَ بمعنى: القتل (٥) لا يمنع (٦) كونها لغة الحبشة.
٧٠٦٧ - (وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليَشْكُرِيُّ: (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن أبي النَّجود، أحدُ القرَّاءِ السَّبعة المشهورين (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شَقيقٍ (عَنِ الأَشْعَرِيِّ) أبي موسى ﵁ (أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ) بنِ مسعودٍ ﵁: (تَعْلَمُ الأَيَّامَ الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَيَّامَ الهَرْجِ؟ نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث المذكور «بينَ يَديِ السَّاعةِ أيَّام الهْرج» (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله بالسَّند السَّابق: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مِنْ شِرَارِ (٧) النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ
стр. 12226
أَحْيَاءٌ) وعند مسلمٍ من حديث ابنِ مسعودٍ أيضًا مرفوعًا: «لا تقوم الساعة إلَّا على شِرار النَّاس»، ورُوِيَ أيضًا من حَديث أبي هريرةَ رفَعه: «إنَّ الله يبعث ريحًا من اليمن ألينَ من الحرير، فلا تَدَعُ أحدًا في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ إلَّا قبضته»، وله أيضًا: «لا تقومُ السَّاعةُ على أحدٍ يقول: لا إله إلَّا الله»، فإن قلت: قوله ﷺ : «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ حتَّى تقومَ السَّاعةُ» ظاهرُه: أنَّها تقوم على قومٍ صالحين، أُجِيبَ بحملِ الغاية فيه على وقتِ هبوب الرِّيح الطَّيِّبة التي تقبضُ روحَ كلِّ مؤمنٍ ومسلمٍ، فلا يبقى إلَّا الشِّرارُ، فتَهْجمُ السَّاعة عليهم بغتةً.
(٦) (بابٌ) بالتَّنوين، يُذْكرُ فيه (لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ).
٧٠٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّورِيُّ (عَنِ الزُّبَيْرِ) بضمِّ الزَّاي (بْنِ عَدِيٍّ) بفتح العَيْن وكسر الدَّال المُهملَتَين، الكُوفيِّ الهَمْدانيِّ -بسكُون الميم- من صِغَار التَّابعين، ليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث، أنَّه (قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (فَشَكَوْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فَشَكَوا» (إِلَيْهِ مَا نَلْقَى) وللأَصيليِّ: «ما يَلْقَوا» ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكر: «ما يَلْقَون» (مِنَ الحَجَّاجِ) بن يوسفَ الثَّقفيِّ الأميرِ المشهورِ، من ظلمه وتعدِّيه، وفي قوله: «فشكونا إليه ما يَلْقون» التفاتٌ (٢) (فَقَالَ) أنسٌ: (اصْبِرُوا) عليه (فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ) أي: حتَّى تموتوا، وعند الطَّبرَانيِّ بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ مسعودٍ قال: أمس خيرٌ من اليوم، واليومُ خيرٌ من غدٍ، وكذلك حتَّى تقومَ
стр. 12227
السَّاعة، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكر: «أشرُّ منه» بوزن أَفْعَل على الأصل؛ لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ، لكنَّ مجيئه كذلك قليلٌ، وعند الإسماعيليِّ من روايةِ محمَّد بن القاسم الأسديِّ عن الثَّوريِّ ومالكِ بنِ مِغْوَلٍ ومِسْعَرٍ وأبي سِنانٍ الشَّيبانِيِّ؛ أربعتُهم عن الزُّبير بنِ عَديٍّ بلفظ: «لا يأتي على النَّاس زمانٌ إلَّا شرٌّ من الزَّمان الذي كان قبله» (سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ ¬) واستُشكِل هذا الإطلاق بأنَّ بعضَ الأزمنةِ قد يكونُ فيه الشَّرُّ أقلَّ من سابقِه ولو لم يكن إلَّا زمنَ عمرَ بنِ عبدِ العزيز، وهو بعدَ زمنِ الحجَّاج بيسيرٍ، وأجاب الحسنُ البصريُّ بأنَّه لا بدَّ للنَّاس من تَنفُّسٍ، فحمله على الأكثرِ الأغلب، وأجاب غيرُه بأنَّ المرادَ بالتَّفضيل: تفضيلُ مجموعِ العصرِ على مَجْموع العصر؛ فإنَّ عصر الحجَّاج كان فيه كثيرٌ من الصَّحابة في الأحياء، وفي زمن عمرَ بن عبد العزيز انقرضُوا، والزَّمان الذي فيه الصَّحابة خيرٌ من الزَّمان الذي بعده؛ لقوله ﷺ المرويِّ في «الصَّحيحين»: «خير القرون قَرْني» [خ¦٢٦٥٢].
وحديثُ الباب أخرجه التِّرمذي في «الفتن».
٧٠٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمِ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ. (ح) لتحويلِ السَّند: قال البُخاريُّ:
(وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) أبو بكرٍ عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) ولأبي ذرٍّ زيادةُ: «ابن بلالٍ» (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عَتيقٍ محمَّد بن عبد الرَّحمن بنِ أبي بكرٍ التَّيْميُّ المَدَنِيُّ، نسبُه لجدِّه (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةِ) بكسر الفاء وبالسِّين المهملة، نسبةً إلى بني فراسٍ، بطنٍ من كِنانة، وهم إخوة قريشٍ، قِيْل: إنَّ لهندٍ هذه صحبةً (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتِ:
стр. 12228
اسْتَيْقَظَ) انتبه (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من نومه، وليستِ السِّين في «استيقظ» للطَّلب (لَيْلَةً) نُصِبَ على الظَّرفيَّة حال كونِه (فَزِعًا) بفتح الفاء وكسر الزَّاي، أي: خائفًا حال كونه (يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الخَزَائِنِ؟!) كخزائن فارس والرُّوم ممَّا فُتِحَ على الصَّحابة، وقوله: «سبحان الله! ماذا»: استفهامٌ متضمِّنٌ معنى التَّعجُّب، ولابنِ عساكر إسقاطُ: «ليلة»، واسم الجلالة الشَّريفة من قوله: «أنزل الله»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أُنْزِلَ» بضمِّ الهمزة وكسر الزَّاي «الليلةَ من الخزائن»: جمع خزانة؛ وهو ما يُحفْظ فيه الشَّيءُ (وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟!) بضمِّ الهمزة (مَنْ يُوقِظُ) أي: من ينتدِبُ فيوقِظ (صَوَاحِبَ الحُجَرَاتِ؟) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الجيم، والذي في «اليُونينيَّة» بضمِّ الجيم أيضًا (يُرِيدُ) ﷺ (أَزْوَاجَهُ) ﵅ (لِكَيْ يُصَلِّينَ) ويستعذْنَ ممَّا أراه الله من الفتن النَّازلة؛ كي (١) يوافِقْنَ المَرْجُوَّ فيه الإجابة، وخصَّهُنَّ الحاضرات حينئذٍ (رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا) بالثِّياب؛ لوجود الغِنى (عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ) من الثَّواب؛ لعدم العمل في الدُّنيا، أو كاسيةٍ بالثِّياب الشَّفَّافة التي لا تستر العورةَ، عاريةٍ في الآخرة؛ جزاءً على ذلك، أو كاسيةٍ من نعمِ الله عاريةٍ من الشُّكرِ الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثَّواب، أو كاسيةٍ من خلعةِ (٢) التَّزوُّج (٣) بالرَّجل الصَّالحِ، عاريةٍ في الآخرةِ من العمل لا ينفعها صلاح زوجِها، وهذا وإن ورد في أمَّهاتِ المؤمنين؛ فالعِبرةُ بعموم اللَّفظ، وفيه إشارةٌ إلى تقديمِ المرءِ ما يُفْتَحُ عليه من خزائنِ الدُّنيا للآخرة يوم يُحْشَر النَّاس (٤) عُراةً، فلا يُكْسى إلَّا الأوَّلُ فالأول في الطَّاعة والصَّدقة والإنفاقِ في سبيل الله.
والحديث سبق في: «باب العلم والعظة بالليل» من «كتاب العلم» [خ¦١١٥].
(٧) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ) وهو ما أُعِدَّ للحرب من آلة الحديد (فَلَيْسَ مِنَّا).
стр. 12229
٧٠٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمَّد الدِّمشقيُّ، ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الأصبحيُّ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) الفقيهِ مَوْلى ابنِ عمرَ من أئمَّةِ التَّابعين وأعلامهم (عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) وسقط لابنِ عساكر لفظُ «عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ) مستحلًّا لذلك (فَلَيْسَ مِنَّا) بل هو كافرٌ بما فعلَه من استحلالِ ما هو مقطوعٌ بتحريمه، ويُحتمَل أنْ يكونَ غيرَ مُسْتَحِلٍّ؛ فيكون المرادُ بقوله: «فليس منَّا» أي: ليس على طريقتِنا؛ كقوله ﵊: «ليس منَّا من شَقَّ الجيوب» وما أشبَهَه.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «المحاربة».
٧٠٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُرَيبٍ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، مشهورٌ بكنيتِه أبي كُرَيبٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء، عامرٍ أو الحارثِ (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ) لقتالنا -معشرَ المسلمين- بغير حقٍّ، ولمسلمٍ من حديث سلمةَ بن الأَكْوع: «من سلَّ علينا السَّيف»، وعند البزَّار من حديث أبي بَكْرَةَ، ومن حديث سَمُرة، ومن حديث عمرو بنِ عوفٍ: «من شَهَرَ علينا السِّلاح»، وفي سندِ كلٍّ منها (١) لينٌ، لكنَّها يعضُد بعضُها بعضًا، وفي حديث أبي هريرة عند أحمدَ: «من رمانا بالنَّبْل» بالنُّون والموحَّدة (فَلَيْسَ مِنَّا) لما في ذلك من تخويف المسلمين وإدْخال الرُّعب عليهم، وكأنَّه كنَّى بالحمل عن المقاتلة أو القتل؛ للمُلازمة الغالبة، ومن حقِّ المسلم على المسلم أن ينصره، ويقاتل دونه، لا أنْ يُرعبه بحمل السِّلاح عليه؛ لإرادة قتاله أو قتله، والفقهاء مُجمِعون على أنَّ الخوارجَ من جملةِ المؤمنين، وأنَّ الإيمانَ لا يُزِيلهُ إلَّا الشِّركُ بالله
стр. 12230
وبرسله (١). نعم؛ الوعيد المذكور في هذا الحديث لا يتناول من قاتل البُغاة من أهل الحقِّ؛ فيُحمَل على البُغاة ومن بدأ بالقتال ظالمًا (٢)، والأَوْلى عند كثيرٍ من السَّلف إطلاقُ لفظ الخبر من غير تعرُّضٍ لتأويله؛ ليكونَ أبلغَ في الزَّجر، كما حكاه في «الفتح» وغيره.
وهذا الحديث -أعني: حديثَ محمَّد بن العلاء- عندَ ابن عساكر في نسخةٍ وليس في الأصل، وقد أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه في «الحدود».
٧٠٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، فجزم الحاكم -فيما ذكره الجيَّانيُّ- بأنَّه محمَّد بن يحيى الذُّهليُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: يُحْتَمَلُ أن يكون هو ابن رافعٍ؛ فإنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديثَ عن محمَّدِ بن رافعٍ عن عبد الرَّزَّاق، وتعقَّبه العَينِيُّ فقال: هذا الاحتمال بعيدٌ، فإنَّ إخراج مسلمٍ عن محمَّد بن رافعٍ عن عبد الرَّزَّاق لا يستلزمُ إخراج البخاريِّ كذلك (٣) قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أبو بكرِ (٤) بن همام بن نافعٍ الصَّنعانيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمَيْن، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء وتشديد الميمِ بعدَها، ابن مُنَبِّهٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ) بإثبات التَّحتيَّةِ بعد المعجمةِ من قوله: «لا يشير» نفيٌ بمعنى النَّهي، ولبعضهم بإسقاطها بلفظ النَّهي، قال في «الفتح»: وكلاهما جائزٌ (٥) (فَإِنَّهُ) أي: الذي يشير (لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الزَّاي بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره عينٌ مهمَلة، أي: يقلعه من يده فيُصيب به الآخر، أو يَشُدُّ يدَه فيصيبه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ينزَغُ» بفتح الزَّاي بعدها غينٌ معجمةٌ، أي: يحمل بعضهم على بعضٍ بالفساد (٦) (فَيَقَعُ) في معصيةٍ تُفضِي
стр. 12231
به إلى أن يقع (فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) يوم القيامة، وفيه النَّهيُ عمَّا يُفضي إلى المحذورِ وإنْ لم يكُنِ المحذورُ محقَّقًا، سواءٌ كان ذلك في جدٍّ أو هزْلٍ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأدب».
٧٠٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنُ المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَة (قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو) هو ابن دينارٍ: (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؛ سَمِعْتَ) بفتح التَّاء (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ) لم أعرفِ اسمه (بِسِهَامٍ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمْسِكْ) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر السِّين (بِنِصَالِهَا؟) جمعُ نَصْلٍ وهو حديد السَّهم، ويُجْمع أيضًا على: نُصُولٍ (قَالَ) عمرو بن دينارٍ جوابًا لسؤال سفيان بن عُيَيْنة (١): (نَعَمْ) سمعته يقول ذلك، وسقط قوله «نعم» في: «باب يأخذ بنصول النَّبْل إذا مرَّ في المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٥١] وقولُ ابن بطَّالٍ: حديث جابرٍ لا يظهر فيه الإسناد؛ لأنَّ سفيانَ لم يقلْ: إنَّ عَمْرًا قال له: نعم، فبَان بقوله: «نعم» في الرِّواية الأخرى إسنادُ الحديث، قال في «الفتح»: هذا مَبنيٌّ على المذهبِ المرجوح في اشتراط قول الشَّيخ: نعم، إذا قال له القارئُ مثلًا: أَحَدَّثك فلانٌ؟ والمذهب الرَّاجح الذي عليه أكثر المحقِّقين أنَّ ذلك لا يُشتَرط، بل يُكْتفى بسكوت الشَّيخ إذا كان مُتيقِّظًا.
٧٠٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الإمامُ أبو إسماعيل الأَزْدِيُّ الأزرقي (٢) أحدُ الأعلام (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أبي (٣) محمَّد الجُمَحِيِّ مولاهم المَكِّيِّ (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (أَنَّ رَجُلًا مَرَّ فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (بِأَسْهُمٍ) جمع سهمٍ في القِلَّة، وفيهِ دلالةٌ على أنَّ قولَه في الأوَّلِ: «بسهامٍ» أنَّها سهامٌ قليلةٌ (قَدْ أَبْدَى) أي: أظهرَ
стр. 12232
(نُصُولَهَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بدا نُصولها» (فَأَمَرَ) ﷺ الرَّجلَ (أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا (١)) أي: يَقبِض عليها بكفِّه، كما في الرِّواية اللَّاحقة (٢) [خ¦٧٠٧٥] وفي نسخةٍ: «فأُمِرَ» بضمِّ الهمزة (لَا يَخْدِشُ مُسْلِمًا) بفتح التَّحتيَّة (٣) وسكون الخاء المعجمة، من خدَش يخدِش، أي: لا يقشرُ جلدَ مسلمٍ، والخَدْشُ: أَوَّلُ الجِراح، وهذا تعليلٌ للأمر بالإمساك على النِّصال.
٧٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) أبو كُريبٍ الهَمْدانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة، ابنِ عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ) أبيه (٤) (أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ) بفتح النُّون وسكونِ الموحَّدة: السِّهامُ العربيَّة، لا واحدَ لها من لفظها، و «أو» للتَّنويعِ، لا للشَّكِّ، والواو في قوله: «ومعه» للحال (فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا) عدَّاه بـ «على» للمبالغة، وإلَّا؛ فالأصلُ: فلْيُمسِكْ بنصالها (أَوْ قَالَ) ﷺ : (فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ) عليها، وليس المرادُ خصوصَ ذلكِ بل يحرِصُ (٥) على ألَّا يُصيبَ مسلمًا بوجهٍ من الوجوه؛ كما دلَّ عليه التَّعليل بقوله: (أَنْ يُصِيبَ) بفتح الهمزة، أي: كراهية أن يصيب، ولمُسلمِ: «لِئلَّا يُصيب بها» (أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ
стр. 12233
مِنْهَا شَيْءٌ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بشيءٍ» بزيادةِ حرفِ الجرِّ.
(٨) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ).
٧٠٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهرانَ قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمةَ (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سِبَابُ المُسْلِمِ) بكسر السِّين وتخفيف الموحَّدةِ: مصدرٌ مضافٌ للمفعول، يُقال: سبَّ يسُبُّ سبًّا وسِبَابًا، قال إبراهيمُ الحَرْبِيُّ: السِّباب أشدُّ من السَّبِّ؛ وهو أن يقولَ في الرَّجلِ ما فيه وما ليس فيه يُرِيد بذلك عيبَه، وقال غيره: السِّباب هنا مثل: القتال، فيقتضي المفاعلة، ولأحمد عن غُنْدَرٍ عن شُعْبة: «سِباب المؤمن» (فُسُوقٌ) وهو في اللُّغة: الخروج، وفي الشَّرع الخروج عن طاعة الله ورسوله، وهو في الشَّرع: أشدُّ العصيان، قال تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] ففيه تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكمُ على منْ سبَّه بغير حقٍّ بالفسقِ (١) (وَقِتَالُهُ) ومقاتلَتُه (كُفْرٌ) ظاهرُه غيرُ مُرادٍ؛ فلا مُتَمسَّك (٢) به للخوارج؛ لأنَّه لمَّا كان القتالُ أشدَّ من السِّباب؛ لأنَّه مُفْضٍ إلى إزْهاقِ الرُّوح؛ عبَّر عنه بلفظٍ أشدَّ من لفظ الفسق (٣) وهو الكفر، ولم يُرد حقيقة الكفر التي هي
стр. 12234
الخروجُ عن المِلَّة، بل أَطلق عليه الكُفْر مبالغةً في التَّحذير، معتمِدًا على ما تقرَّر من القواعد، أو (١) المعنى: إذا كان مُستحلًّا، أو أنَّ قتال المؤمن من شأن الكافر، أو المرادُ: الكفرُ اللُّغويُّ الذي هو التَّغطية؛ لأنَّ حقَّ المسلمِ على المسلم أن يُعينه وينصره ويكفَّ عنه أذاه، فلمَّا قاتله؛ كان كأنَّه غطَّى هذا الحقَّ.
والحديث سبق في «الإيمان» [خ¦٤٨].
٧٠٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم، الأَنْماطِيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ابن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (وَاقِدٌ) بالقاف، ولأبي ذرٍّ: «واقدُ بنُ محمَّدٍ» أي: العمريّ (عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) في حجَّة الوداعِ عند جمرة العقبة: (لَا تَرْجِعُوا) بصيغة النَّهي، أي: لا تصيروا، ولأبي ذرٍّ ممَّا في «الفتح»: «لا ترجعون» (بَعْدِي كُفَّارًا) بصيغة الخبر (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب» في الفرع كأصله، قيل: وهو الذي رواه المتقدِّمون والمتأخِّرون، وفيه وجوه: أن تكونَ جملةً صفةً لـ «كفارًا» أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا متَّصفين بهذه الصِّفة القبيحة؛ يعني: ضرب بعضكم رقابَ بعضٍ، وأن تكون حالًا من ضميرِ «لا ترجعوا» أي: لا ترجعوا بعدي كفَّارًا حال ضربِ بعضكم رقابَ بعضٍ، وأن تكون (٢) جملةً استئنافيَّةً، كأنَّه قيل: كيف يكون الرُّجوع كفَّارًا؟ فقال: يضرب بعضُكم رقابَ بعض، فعلى الأوَّل: يجوز أن يكون معناه: لا ترجعوا عن الدِّين بعدي، فتصيروا مرتدِّين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض (٣) بغير حقٍّ على وجه التَّحقيق، وأن يكون: لا ترجعوا كالكفَّار المُقاتِل بعضُهم بعضًا على وجه التَّشبيه بحذف أداته، وعلى الثَّاني: يجوز أن يكون معناه: لا تكفروا حال ضرب بعضِكم رقابَ بعضٍ لأمرٍ يعرِضُ بينكم باستحلال القتل بغير حقٍّ، وأن يكون: لا ترجعوا حالَ المقاتلةِ لذلك كالكفَّار في الانهماك في تهييج الشَّرِّ وإثارة الفتن بغير
стр. 12235
إشفاقٍ منكم بعضِكم على بعضٍ في ضرب الرِّقاب، وعلى الثَّالث: يجوز أن يكون معناه: لا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ بغير حقٍّ؛ فإنَّه فعل الكُفَّار، وأن يكون: لا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ؛ كفعل الكُفَّار على ما مرَّ، ورُوِيَ بالجزم بدلًا (١) من «لا ترجعوا»، وأن يكون جزاء الشَّرط (٢) مقدَّرًا (٣) على مذهبِ الكِسائيِّ، أي: فإنْ ترجعوا؛ يضربْ بعضكم.
والحديث سبق في أوائل «الدِّيات» [خ¦٦٨٦٨].
٧٠٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء المشدَّدة، السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع -بضمِّ النون وفتح الفاء- ابن الحارث الثَّقفيِّ، وسقط لابن عساكر «عن أبي بكرة» (وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ) هو حُمَيد بن عبد الرَّحمن كما في «كتاب الحجِّ» في: «باب الخطبة أيام منًى» [خ¦١٧٤١] قال الكِرمانيُّ: هو ابن عوفٍ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هو الحِمْيريُّ؛ وكلاهما سمع من أبي بَكْرة، وسمع منه محمَّد بن سيرين، وَ (هُوَ) أي: حُمَيدٌ (أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) لأنَّه دخل في
стр. 12236
الولايات، وكان حُمَيدٌ هذا (١) زاهدًا (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ) يوم النَّحر بمنًى (فَقَالَ: أَلَا تَدْرُونَ) بتخفيف اللَّام (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَتَّى ظَنَنَّا) وفي باب: «الخطبة أيَّام منًى» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٧٤١] فسكت حتَّى ظنَّنا (أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ) بالموحَّدة قبل التَّحتية في «يوم» (قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟) بالتَّذكير (أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ؟) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي زيادة: «الحرام» بتأنيث البلدة، وتذكير الحرام الذي هو صفتها، وذلك أنَّ لفظ «الحرام» اضمحلَّ منه معنى الوصفيَّة وصار اسمًا، والبلدة اسمٌ خاصٌّ بمكَّة، وهي المراد بقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١] وخصَّها (٢) من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها؛ لأنَّها أحبُّ بلاده إليه وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة تعظيمٍ لها دالًّا على أنَّها موطن بيته، ومهبط وحيه (قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ﷺ : (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) جمع عِرْضٍ؛ بكسر العين، وهو موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في (٣) سَلَفه (وَأَبْشَارَكُمْ) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة بعدها معجمةٌ: ظاهر جلد الإنسان، والمعنى: فإنَّ انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) إذا كان بغير حقٍّ (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة، وشبَّه الدِّماء والأموال والأعراض والأبشار في الحرمة باليوم وبالشَّهر والبلد؛ لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإلَّا فالمشبَّه إنَّما يكون دون المشبَّه به، ولهذا (٤) قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها؛ لأنَّ تحريمها أثبت في نفوسهم؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه الشَّيء بما هو أعلى منه، باعتبار ما هو مُقرَّر عندهم.
وهذا وإن كان سبق في موضعين «العلم» [خ¦٦٧] و «الحج» [خ¦١٧٤١] فذكره هنا لبعد العهد به، وقال في «اللَّامع» كـ «الكواكب»: لم يذكر في هذه الرِّواية؛ أيَّ شهر؟ مع أنَّه قال بعد: «في شهركم هذا». كأنَّه لِتَقرُّر ذلك عندهم، وحرمة البلد وإن كانت مُتقرِّرة أيضًا؛ لكنَّ الخطبة
стр. 12237
كانت بمنًى، وربَّما قصد به دفع وهم من يتوهَّم أنَّها خارجةٌ عن (١) الحرم، أو من يتوهَّم أنَّ البلدة (٢) لم تبق حرامًا؛ لقتاله ﷺ فيها يوم الفتح، واختصره الرَّاوي؛ اعتمادًا على سائر الرِّوايات، مع أنَّه لا يلزم ذكره في صحَّة التَّشبيه. انتهى. وسقط لابن عساكر لفظ «هذا» من قوله: «يومكم هذا»، ثمَّ قال ﷺ : (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، يا قوم (هَلْ بَلَّغْتُ) ما أمرني به الله تعالى (٣)؟ (قُلْنَا: نَعَمْ) بلَّغت (قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي: الحاضر هذا المجلس (الغَائِبَ) عنه، وهو نصب مفعول سابقه (فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللَّام المشدَّدة، بلغه كلامي بواسطة (يُبَلِّغُهُ) غيره بكسرها، كذا في الفرع بفتحٍ ثمَّ كسرٍ، وعليه جرى في «الفتح»، وقال في «الكواكب»: بكسرهما، وصوَّبه العينيُّ متعقِّبًا لابن حجرٍ، قلت: وكذا هو في «اليونينيَّة» بكسر اللَّام فيهما، والضَّمير الرَّاجع (٤) إلى «الحديث» مفعولٌ أوَّل له (٥) (مَنْ) بفتح الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لمن» (هُوَ أَوْعَى) أحفظ (لَهُ) ممَّن بلَّغه، مفعولٌ ثانٍ، فقال محمَّد بن سيرين: (فَكَانَ كَذَلِكَ) أي: وقع التَّبليغ كثيرًا (٦) من الحافظ إلى الأحفظ، والذي يتعلَّق به «رُبَّ» محذوفٌ، تقديره: يوجد أو يكون (قَالَ) ﷺ بالسَّند السَّابق من رواية محمَّد (٧) بن سيرين عن عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرةَ عن أبي بَكْرة: (لَا تَرْجِعُوا) لا تصيروا (بَعْدِي) بعد موقفي أو بعد موتي (كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضرب»، ومرَّ ما فيه قريبًا [خ¦٧٠٧٧] قال عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرة: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حُرِّقَ) بضمِّ الحاء المهملة (ابْنُ الحَضْرَمِيِّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضَّاد المعجمة وفتح الرَّاء، عبد الله بن عمرٍو، وقول الدِّمياطيِّ: إنَّ الصَّواب أُحرِق بالهمزة المضمومة؛ تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ أهل اللُّغة جزموا بأنَّهما لغتان: أحرقه وحرَّقه، والتَّشديد للتَّكثير، وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا كلام من لا يذوق من معاني التَّراكيب شيئًا، وتصويب الدِّمياطيِّ «باب الإفعال»؛ لكون المقصود حصول
стр. 12238
الإحراق، وليس المراد المبالغة فيه حتَّى يذكر باب التَّفعيل (حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ) بالجيم والتَّحتيَّة، وقُدَامة -بضمِّ القاف- ابن مالك بن زهير بن الحصين التَّميميُّ السَّعديُّ، وكان السَّبب في ذلك أنَّ معاوية كان وجَّه ابن الحضرميِّ إلى البصرة يستنفرهم (١) على قتال عليٍّ ﵁، فوجَّه عليٌّ جارية بن قدامة فحصره، فتحصَّن منه ابن الحضرميِّ في دارٍ، فأحرقها جارية عليه، ذكره العسكريُّ، وقال الطَّبريُّ في حوادث سنة ثمانٍ وثلاثين من طريق أبي الحسن المداينيِّ، وكذا أخرجه عنه (٢) ابن شَبَّة (٣) في «أخبار البصرة»: أنَّ عبد الله بن عبَّاسٍ خرج من البصرة -وكان عاملها لعليٍّ- واستخلف زياد بن سميَّة على البصرة، فأرسل معاوية عبد الله بن عمرو بن الحضرميِّ ليأخذ له البصرة، فنزل في بني تميم ٍ، وانضمَّت إليه العثمانيَّة، فكتب زيادٌ إلى عليٍّ يستنجده، فأرسل إليه أعين بن ضُبيعة المجاشعيَّ فقُتِل غيلة، فبعث عليٌّ بعده جارية بن قدامة، فحصر ابن الحضرميِّ؛ في الدَّار التي نزل فيها، ثمَّ أحرق الدَّار عليه وعلى من معه، وكانوا سبعين رجلًا أو أربعين، وجواب «فلمَّا» قوله: (قَالَ) جارية لجيشه: (أَشْرِفُوا) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء بعدها فاءٌ (عَلَى أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيعٍ، فانظروا: هل هو على الاستسلام والانقياد أم لا؟ (فَقَالُوا) له: (هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ) وما صنعت بابن الحضرميِّ، وربَّما أنكر عليك بكلامٍ أو بسلاحٍ.
(قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن أبي بَكْرة بالسَّند السَّابق: (فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي) هالة بنت غُلَيظٍ العجليَّة، كما ذكره خليفة بن خيَّاط، وقال ابن سعدٍ: اسمها: هولة (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ (أَنَّهُ قَالَ) لمَّا سمع قولهم: ربَّما أنكر عليك بسلاحٍ أو كلامٍ، وكان في عِلِّيَّةٍ له: (لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ) داري (مَا بَهَشْتُ) بفتح الموحَّدة والهاء وسكون الشِّين المعجمة بعدها فوقيَّةٌ، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما بَهِشْتُ» بكسر الهاء لغتان، أي: ما دافعتهم (بِقَصَبَةٍ) كأنَّه قال: ما مددت يدي إلى قصبةٍ ولا تناولتها لأدافع بها عنِّي؛ لأنِّي لا أرى قتال المسلمين، فكيف أقاتلهم بسلاحٍ؟!
والحديث مرَّ في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١].
стр. 12239
٧٠٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابٍ) بكسر الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وبعد الألف موحَّدةٌ، مصروفٌ، الصَّفَّار الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة (عَنْ أَبِيهِ) فُضَيل بن غَزْوان؛ بفتح الغين وسكون الزَّاي المعجمتين (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَرْتَدُّوا) وفي «الحجِّ» [خ¦١٧٣٩] من وجهٍ آخر عن فُضَيلٍ: «لا ترجعوا» (بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) من جزم «يضربْ» أوَّلَهُ على الكفر الحقيقيِّ الذي فيه ضرب الأعناق ويحتاج إلى التَّأويل بالمستحلِّ مثلًا، ومن رفعها فكأنَّه أراد الحال أوِ الاستئناف؛ فلا يكون متعلِّقًا بما قبله، ويُحتمَل -كما قاله في «الفتح» - أن يكون متعلِّقًا به، وجوابه ما تقدَّم.
والحديث تقدَّم من وجهٍ آخر بأتمِّ من هذا في «الحجِّ» [خ¦١٧٣٩].
٧٠٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ البصريُّ، قاضي مكَّة قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) بضمِّ الميم وكسر الرَّاء بينهما مهملةٌ ساكنةٌ، النَّخعيِّ الكوفيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ) هَرمًا (١) بفتح الهاء (بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، ابن عبد الله البجليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) عند جمرة العقبة واجتماع النَّاس للرَّمي وغيره: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ بعد أن أنصتوا: (لَا تَرْجِعُوا) ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا ترجعُنَّ» بنونٍ مثقَّلةٍ (٢) بعد العين المضمومة (بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُْ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) أي: لا تكن أعمالكم شبيهةً بأعمال (٣) الكفَّار في ضرب رقاب
стр. 12240
المسلمين، ومرَّ ما قيل غير ذلك [خ¦٧٠٧٧] وقال المظهريُّ: يعني: إذا فارقتُ الدُّنيا؛ فاثبُتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتَّقوى، ولا تظلموا أحدًا، ولا تحاربوا المسلمين.
والحديث سبق في «العلم» [خ¦١٢١].
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (تَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ).
٧٠٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيدٍ (١)، مولى عثمان بن عفان الأمويُّ، أبو ثابتٍ، القرشيُّ المدنيُّ الفقيه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ) عمِّه (أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) سقط لابن عساكر لفظ «سعيدٍ» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (٢) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَتَكُونُ فِتَنٌ) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة بصيغة الجمع، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فتنةٌ» بالإفراد (القَاعِدُ فِيهَا) أي: القاعد في زمن الفتن (٣) أو الفتنة (٤) عنها (خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا (٥) خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ
стр. 12241
مِنَ السَّاعِي) والمراد مَن يكون مُباشِرًا لها في الأحوال كلِّها؛ يعني أنَّ بعضهم في ذلك أشدُّ من بعضٍ، فأعلاهم السَّاعي فيها؛ بحيث يكون سببًا لإثارتها، ثمَّ من يكون قائمًا بأسبابها؛ وهو الماشي، ثمَّ من يكون مباشرًا لها؛ وهو القائم، ثمَّ من يكون مع (١) النَّظَّارة ولا يقاتل؛ وهو القاعد؛ كذا قرَّره الدَّاوديُّ (مَنْ تَشَرَّفَ) بفتح الفوقيَّة والمعجمة والرَّاء المشدَّدة بعدها فاءٌ، أي: تطلَّع (لَهَا) بأن يتصدَّى ويتعرَّض لها، ولا يعرض عنها (تَسْتَشْرِفْهُ) بالجزم: تهلكْه بأن يُشرف منها على الهلاك، يُقال: أشرف المريض إذا أشفى (٢) على الموت (فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «منها» (مَلْجَأً) بفتح الميم والجيم بينهما لامٌ ساكنةٌ آخره همزٌ (٣): موضعًا يلتجئ إليه من شرِّها (أَوْ مَعَاذًا) بفتح الميم وبالذَّال المعجمة، وضبطه السَّفاقِسيُّ بضمِّ الميم، وهو بمعنى: الملجأ (فَلْيَعُذْ بِهِ) أي: ليعتزل فيه؛ ليسلم من الفتنة، وهذا الحديث أورده المصنِّف هنا من رواية سعد (٤) بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سلمة، ومن رواية ابن شهاب ٍعن ابن المسيب (٥)، ولم يذكر لفظ رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة، وذكرها مسلمٌ من طريق أبي داود الطَّيالسيِّ عن إبراهيم بن سعدٍ، وفي أوَّله: «تكون فتنة النَّائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خيرٌ من القاعد» (٦).
٧٠٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ
стр. 12242
الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (١) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَتَكُونُ فِتَنٌ (٢) القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ المَاشِي) في الرِّواية الأولى: «والقائم فيها» [خ¦٧٠٨١] (وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) وزاد الإسماعيليُّ من طريق الحسن بن إسماعيل الكلبيِّ عن إبراهيم بن سعدٍ في أوَّله: «النَّائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان فيها خيرٌ من القاعد»، والحسن بن إسماعيل وثَّقه النَّسائيُّ، وهو من شيوخه، وعند أحمد وأبي داود من حديث ابن مسعودٍ: «النَّائم فيها خيرٌ من المضطجع»، وهو المراد «باليقظان» في الرِّواية السَّابقة، وفيه: «والماشي فيها خيرٌ من الرَّاكب»، والمراد بالأفضليَّة في هذه الخيريَّة: مَن يكون أقلَّ شرًّا ممَّن فوقه على التَّفصيل السَّابق (مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ) قال التُّوربشتيُّ: أي: من تطلَّع لها؛ دعته (٣) إلى الوقوع فيها، والتَّشرُّف: التَّطلُّع، واستُعير هنا للإصابة بشرِّها، أو أريد به (٤): أنَّها تدعوه إلى زيادة النَّظر إليها، وقيل: إنَّه من استشرفت الشَّيء، أي: علوته؛ يريد: من انتصب لها؛ صرعته، وقيل: هو من المخاطرة والإشفاء على الهلاك، أي: من خاطر بنفسه فيها (٥) أهلكته، قال الطِّيبيُّ: ولعلَّ الوجه الثَّالث أولى؛ لما يظهر من معنى اللَّام في «لها»، وعليه كلام «الفائق»، وهو قوله: أي: من غالبها غالبَتْهُ (٦) (فَمَنْ وَجَدَ مَلْجأً أَوْ مَعَاذًا؛ فَلْيَعُذْ بِهِ) بفتح الميمَين، ومعناهما واحدٌ كما مرَّ، وفيه التَّحذير من الفتن، وأنَّ شرَّها يكون بسبب (٧) الدُّخول فيها، والمراد بالفتن جميعها، أوِ المراد: ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك؛ حيث لا يُعْلَمُ المُحِقُّ من المُبطِل، وعلى الأوَّل: فقالت طائفةٌ بلزوم البيوت، وقال آخرون بالتَّحوُّل عن بلد الفتنة أصلًا، ثمَّ اختلفوا، فمنهم من قال: إذا هجم عليه في شيءٍ من ذلك؛ يكفُّ يدَه ولو قُتِلَ، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وماله وأهله، وهو معذورٌ
стр. 12243
إن قَتل أو قُتِل، والله أعلم (١).
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) فالقاتل والمقتول في النَّار.
٧٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّد الحَجَبِيُّ -بفتح الحاء المهملة والجيم والموحَّدة المكسورة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة والميم المشدَّدة، ابن زيد بن درهمٍ الإمام، أبو إسماعيل، الأزديُّ الأزرقُ (عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ) حمَّادٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: هو عمرو بن عبيدٍ شيخ المعتزلة، وكان سيِّئ الضَّبط، هكذا جزم المزِّيُّ في «التَّهذيب» بأنَّه المبهم في هذا الموضع، وجوَّز غيره -كمغلطاي- أن يكون هو هشام بن حسَّان، أي: القردوسيّ، وفيه بعدٌ. انتهى. (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ) التي وقعت بين عليٍّ وعائشة، وهي وقعة الجمل ووقعة صفِّين (فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثَّقفيُّ، سقط هنا: الأحنف بن قيسٍ بين الحسن وأبي بكرة، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (فَقَالَ) لي: (أَيْنَ تُرِيدُ؟) زاد مسلمٌ: يا أحنف (قُلْتُ) له: (أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) يعني: عليًّا ﵁ (قَالَ) أبو بَكْرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬)
стр. 12244
ولمسلمٍ (١): فقال لي: يا أحنف؛ ارجع، فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بفتح الفاء بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: ضرب كلٌّ منهما وجه الآخر، أي: ذاته (فَكِلَاهُمَا) القاتل والمقتول (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي: يستحقَّانها، وقد يعفو الله عنهما، أو ذلك محمولٌ على من استَحلَّ ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في النَّار» (قِيلَ: فَهَذَا القَاتِلُ) يستحقُّ النَّار (فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟) فما ذنبه حتَّى يدخلها؟ والقائل ذلك هو أبو بَكْرة (قَالَ) ﷺ : (إِنَّهُ أَرَادَ) ولأبي الوقت: «قد أراد» (قَتْلَ صَاحِبِهِ) وفي «الإيمان» [خ¦٣١] «إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه» أي: جازمًا بذلك مصمِّمًا عليه، وبه استدلَّ من قال بالمؤاخذة بالعزم (٢) وإن لم يقعِ الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك: أنَّ في هذا فعلًا، وهو المواجهة بالسِّلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتِل والمقتول في النَّار أن يكونا في مرتبةٍ واحدةٍ؛ فالقاتل يُعَذَّبُ على القتال والقتل، والمقتول يُعَذَّبُ على القتال فقط، فلم يقعِ التَّعذيب على العزم المجرَّد، وبالسَّند السَّابق هنا: (قَالَ حَمَّادُ (٣) بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لأَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، ابن دينارٍ القيسيِّ البصريِّ (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ: الحَسَنُ) البصريُّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النُّون بعدها فاءٌ (بْنِ قَيْسٍ) السَّعديِّ التَّميميِّ البصريِّ، واسمه: الضَّحَّاك، والأحنف لقبه وشُهِرَ به (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ؛ يعني: أنَّ (٤) عمرو (٥) بن عبيدٍ الرَّجل الذي لم يُسَمَّ في السَّند السَّابق أخطأ؛ حيث أسقط الأحنف بين الحسن وأبي بَكْرة. نعم؛ وافقه قتادة؛ -كما عند النَّسائيِّ- من وجهين عنه عن الحسن، عن أبي بَكْرة إلَّا أنَّه اقتصر على الحديث دون القصَّة، قال في «الفتح»: فكأنَّ الحسن كان يُرسِله عن أبي بَكْرة، فإذا ذكر القصَّة أسنده، وسقط قوله «الحديث» من قوله: «هذا الحديث» لابن عساكر.
стр. 12245
وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن حربٍ الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي (١): ابن زيد بن درهمٍ (بِهَذَا) الحديث المذكور على الموافقة لرواية حمَّاد بن زيد، عن أيَّوب ويونس بن عبيدٍ (وَقَالَ مُؤَمَّلٌ) بالهمزة وفتح الميم الثَّانية المشدَّدة، قال العينيُّ كالكِرمانيِّ: هو ابن هشامٍ، أي: اليشكريّ -بتحتيَّةٍ ومعجمةٍ- أبو هشامٍ البصريُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة» و «الشَّرح»: هو ابن إسماعيل أبو عبد الرَّحمن البصريُّ نزيل مكَّة، أدركه البخاريُّ ولم يلقَه؛ لأنَّه مات سنة ستٍّ ومئتين، وذلك قبل أن يرحل البخاريُّ، ولم يُخرِّج عنه إلَّا تعليقًا، وهو صدوقٌ كثيرُ الخطأ، قاله أبو حاتم الرَّازيُّ، قال: وقد وصل هذه الطَّريق الإسماعيليُّ من طريق أبي موسى محمَّد بن المثنَّى قال: حدَّثنا مُؤمَّل بن إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) السَّابق قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (وَيُونُسُ) بن عبيدٍ (وَهِشَامٌ) هو ابن حسَّان الأزديُّ، مولاهم الحافظ (وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، القرشيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بن قيسٍ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وأخرجه الإمام أحمدُ عن مُؤمَّلٍ عن حمَّادٍ، عن الأربعة، فكأنَّ البخاريَّ أشار إلى هذه الطريق، قاله في «الفتح».
(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ والإسماعيليُّ بلفظِ: عن أيُّوب عن الحسن عن الأحنف بن قيسٍ عن أبي بَكْرة: سمعت رسول الله ﷺ … فذكر الحديث دون القصَّة، (وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بَكْرة، وليس له ولا لابنه (٢) بكَّارٍ في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ، ووصله الطَّبرانيُّ بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٣): «إنَّ فتنةً كائنةٌ القاتل والمقتول في النَّار، إنَّ المقتول قد أراد قتل القاتل» (وَقَالَ غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعْتَمِر (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، آخره شينٌ معجمةٌ، والرَّاء مخفَّفةٌ، الأعور الغطفانيِّ التَّابعي المشهور، وسقط «ابن حِراشٍ» لابن عساكر (عَنْ أَبِي
стр. 12246
بَكْرَةَ) نُفيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ووصله الإمام أحمد مرفوعًا بلفظ: «إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السِّلاح؛ فهما على جرف (١) جهنَّم، فإذا قتله وقعا فيها جميعًا» (وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المُعتمِر بالسَّند المذكور إلى النَّبيِّ ﷺ ، ووصله النَّسائيُّ بلفظ: قال: «إذا حمل (٢) الرَّجلان المسلمان السِّلاح أحدهما على الآخر؛ فهما على جرف جهنَّم، فإذا قتل أحدهما الآخر؛ فهما في النَّار»، ولا يلزم من ذلك استمرار البقاء في النَّار، وهذا الوعيد المذكور محمولٌ على من قاتل بغير تأويلٍ سائغ، بل لمجرَّد (٣) طلب الملك، وعند البزَّار في حديث: «القاتل والمقتول في النَّار» زيادةٌ؛ وهي: «إذا اقتتلتم على الدُّنيا؛ فالقاتل والمقتول في النَّار».
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ) تُوجد (جَمَاعَةٌ) مجتمعون على خليفةٍ؟
стр. 12247
٧٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الحافظُ أبو العباس، عالم أهل الشَّام قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ) عبد الرحمن بن يزيد (١) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ الموحَّدة وسكون السِّين المهملة وضمِّ العين (الحَضْرَمِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الضَّاد المعجمة: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ) عائذ الله (الخَوْلَانِيَّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو (أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ) قال في «شرح المشكاة»: أي: الفتنة، ووهن عُرى الإسلام، واستيلاء الضَّلال، وفشوِّ البدعة (مَخَافَةَ) أي: لأجل مخافة (أَنْ يُدْرِكَنِي) وكلمة «أن» مصدريَّةٌ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ) من كفرٍ وقتلٍ ونهبٍ وإتيان فواحش (فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيْرِ) ببعثك وتشييد مباني الإسلام، وهدم قواعد الكفر والضَّلال (فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ) الذي نحن فيه (مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ) قال حذيفة: (قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ) بفتح المهملة والمعجمة بعدها نونٌ، مصدر دخنت النَّار تدخَن؛ إذا أُلقي عليها حطبٌ رطبٌ؛ فإنَّه يكثر (٢) دخانها وتفسد، أي: فسادٌ واختلافٌ، وفيه إشارةٌ إلى كدر (٣) الحال، وأنَّ الخير الذي يكون بعد الشَّرِّ ليس خالصًا، بل فيه كدرٌ، قال حذيفة: (قُلْتُ): يا رسول الله (وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ) بفتح أوَّله (بِغَيْرِ هَدْيٍ) بتحتيَّةٍ واحدةٍ منوَّنةٍ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هديي» بزيادة ياء (٤) الإضافة بعد الأخرى، أي: بغير سنَّتي وطريقتي (تَعْرِفُ مِنْهُمْ) (٥) الخير؛ فتقبل، والشَّرَّ (وَتُنْكِرُ) وهو من المقابلة المعنويَّة، قال القاضي عياضٌ: المراد بالشَّرِّ الأوَّل: الفتن التي وقعت بعد عثمان، وبالخير (٦) الذي بعده: ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، وبالذين تعرف منهم وتُنكر: الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسَّك بالسُّنَّة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور، ويُحْتَملُ أن يُراد بالشَّرِّ: زمان قتل عثمان، وبالخير بعده؛
стр. 12248
زمان خلافة عليٍّ ﵁، والدَّخَن: الخوارج ونحوهم، والشَّرُّ بعده؛ زمان الذي يلعنونه على المنابر، وقيل: «وتنكر» خبرٌ بمعنى الأمر، أي: أنكروا عليهم صدور المُنكَر عنهم (١)، قال حذيفة: (قُلْتُ): يا رسول الله (فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ (٢)؛ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ) بضمِّ الدَّال من «دعاة» أي: جماعةٌ يدعون النَّاس إلى الضَّلالة، ويصدُّونهم عن الهدى بأنواعٍ من التَّلبيس، وأُطلِق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم؛ كما يُقال لمن أمر بفعلٍ محرَّمٍ: وقف على شفير جهنَّم (مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ) بالذَّال المعجمة (فِيهَا) في النَّار، قال حذيفة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا) بكسر الجيم وسكون اللَّام: من أنفسنا وعشيرتنا (وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) أي: من العرب، وقيل: من بني آدم، وقيل: إنَّهم في الظَّاهر على ملَّتنا، وفي الباطن مخالفون (قُلْتُ): يا رسول الله (فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ) ﵊: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) بكسر الهمزة: أميرهم، أي: وإن جَارَ، وعند مسلمٍ من طريق أبي الأسود (٣) عن حذيفة: «تسمع وتطيع وإن ضُرِب ظهرك، وأُخِذَ مالك»، وعند الطَّبرانيِّ من رواية خالد بن سُبيعٍ: «فإن رأيت خليفةً؛ فالزمه وإن ضرب ظهرك» (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ) بفتح الفوقيَّة والعين المهملة والضَّاد المعجمة المشدَّدة، قال التُّوربشتيُّ: أي: تمسك بما يصبِّرك وتقوِّي به عزيمتك على اعتزالهم ولو بما لا يكاد يصحُّ أن يكون مُتمسَّكًا، وقال الطِّيبيُّ: هذا شرط تُعُقِّب (٤) به الكلام؛ تتميمًا ومبالغةً، أي: اعتزلِ النَّاس اعتزالًا لا غاية بعده ولو قنعت فيه بعضِّ الشَّجرة (٥) افعل؛ فإنَّه خيرٌ لك (حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) العضِّ، وهو كنايةٌ عن شدَّة المشقَّة؛ كقولهم: فلانٌ يعضُّ على الحجارة من شدَّة الألم، أو المراد: اللُّزوم؛ كقوله في الحديث الآخر: «عضُّوا عليها بالنَّواجذ»، والمراد -كما قال الطَّبريُّ-: من الخير لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا
стр. 12249
على تأميره، فمن نكث بيعته؛ خرج عن الجماعة، فإن لم يكن ثَّمَ إمامٌ وافترق النَّاس فِرَقًا؛ فليعتزلِ الجميع إن استطاع؛ خشية الوقوع في الشَّرِّ، وهل الأمر للنَّدب أو الإيجاب الذي لا يجوز لأحدٍ من المسلمين خلافه؟ لحديث ابن ماجه عن أنسٍ مرفوعًا: «إنَّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقةً، وإنَّ أمَّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّها في النَّار إلَّا واحدةً؛ وهي الجماعة»، والجماعة التي أمر الشَّارع بلزومها جماعة أئمَّة العلماء؛ لأنَّ الله تعالى جعلهم حجَّةً على خلْقه، وإليهم تفزع العامَّة في أمر (١) دينها، وهم المعنيُّون بقوله: «إنَّ الله لن يجمع أمَّتي على ضلالةٍ»، وقال آخرون: هم جماعة الصَّحابة الذين قاموا بالدِّين وقوَّموا (٢) عماده، وثبَّتوا أوتاده، وقال آخرون: هم جماعة أهل الإسلام ما كانوا مجتمعين على أمرٍ واجبٍ على أهل المِلل اتِّباعه، فإذا كان فيهم مخالفٌ منهم؛ فليسوا مجتمعين.
والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن»، وكذا ابن ماجه.
(١٢) (بابُ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ) بتشديد المثلَّثة (سَوَادَ) أي: أشخاص أهل (الفِتَنِ وَ) أشخاص أهل (الظُّلْمِ).
٧٠٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ التَّجِيبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، ابن شريح (وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن
стр. 12250
عبد الرَّحمن الأسديُّ، يتيم عروة (١)، وأمَّا المبهم في قوله: «وغيره»؛ فقال (٢) في «الفتح»: كأنَّه يريد ابنَ لهيعة؛ فإنَّه رواه عن أبي الأسود (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام: (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ) أي: أبو (٣) الأسود: (قُطِعَ) بضمِّ القاف وكسر الطَّاء المهملة، أي: أفرد (عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ) بفتح الموحَّدة وسكون العين المهملة: جيشٌ منهم ومن (٤) غيرهم للغزو؛ ليقاتلوا أهل الشَّام في خلافة عبد الله بن الزُّبير على مكَّة (فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ) في البعث، و «اكْتُتِبْتُ» بضمِّ الفوقيَّة، مبنيًّا للمفعول (فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (فَأَخْبَرْتُهُ): أنِّي اكتتبت في ذلك البعث (فَنَهَانِي) عن ذلك (أَشَدَّ النَّهْيِ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ أُنَاسًا) بالهمزة (مِنَ المُسْلِمِينَ) منهم عمرو بن أميَّة بن خلفٍ، والحارث بن زَمْعة (٥) وغيرهما ممَّا ذكرته في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] (كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى) -بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الميم- به، قيل: هو من المقلوب، أي: فيُرمى بالسَّهم فيأتي، ويُحتَمل أن تكون الفاء الثَّانية زائدةً؛ كما في «سورة النِّساء» [خ¦٤٥٦٩] فيأتي السَّهم يُرمَى به (فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ) وقوله: «أو يضربه» عطفٌ على «فيأتي»، لا على «فيصيب»، والمعنى: يقتل إمَّا بالسَّهم، وإمَّا بضرب السَّيف ظالمًا؛ بسبب تكثيره سواد الكفَّار، وإنَّما كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين، بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين؛ فلذا حصلت لهم المؤاخذة، فرأى عكرمة أنَّ من خرج في جيشٍ يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل، ولا نوى ذلك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]) بخروجهم (٦) مع المشركين، وتكثير (٧) سوادهم حتَّى قُتِلوا معهم، وهذا الحديث -كما قاله مغلطاي المصريُّ فيما نقله في «الكواكب» - مرفوعٌ؛ لأنَّ تفسير
стр. 12251
الصَّحابيِّ إذا كان مُسنَدًا إلى نزول آيةٍ؛ فهو مرفوعٌ اصطلاحًا، وعند أبي يَعلى من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ من عمل به»، فمن جالس أهل الفسق مثلًا كارهًا لهم ولعملهم، ولم يستطع مفارقتهم؛ خوفًا على نفسه أو لعذر منعه؛ فيُرجَى له النَّجاة من إثم ذلك بذلك.
والحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٦]، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» أيضًا.
(١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا بَقِيَ) المسلم (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) بضمِّ الحاء المهملة بعدها مثلَّثةٌ خفيفةٌ فألفٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ: الذين (١) لا خير فيهم، وجواب «إذا» محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟
٧٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، الجهنيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا) (٢) ﷺ : (أَنَّ
стр. 12252
الأَمَانَةَ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان، أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلَّف، أو المراد بها: التَّكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الذي أخذه (١) عليهم (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذَّال المعجمة بعدها راءٌ: في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفةً، بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا بإعادة «ثُمَّ»؛ يعني: أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنَّة (وَحَدَّثَنَا) صلوات الله وسلامه عليه (عَنْ رَفْعِهَا) عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يُوصَف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثَّاني الذي ذكر حذيفة أنَّه ينتظره (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وفتح الموحَّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظَّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: سوادٌ في اللَّون، يقال: وكت البُسْر؛ إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي: الأمانة من قلبه (فَيَبْقَى فِيهَا) وسقط قوله «فيها» لابن عساكر (أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجَْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تُفْتَح، بعدها لامٌ: غلظ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النُّون المفتوحة (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة: مُنتفِخًا (٢) (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) وقال: «فنَفِطَ» بالتَّذكير، ولم يقل: فنفطت؛ باعتبار العضو (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) السِّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم (٣) من الآخر (فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) لأنَّ من كان موصوفًا بالأمانة؛ سُلِبها حتَّى صار خائنًا (فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ!) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ!) بالظَّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ!) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ (٤) حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمةٌ له، لا أنَّ (٥) الأمانة هي الإيمان.
стр. 12253
قال حذيفة ﵁: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ؟) أي: بعت واشتريت (١) غير مُبالٍ بحاله (لَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (كَانَ مُسْلِمًا؛ رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامُ) بتشديد التَّحتيَّة من «عليَّ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إسلامه» فلا يخونني (٢)، بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا واثقٌ (٣) بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) الذي أُقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويَستخرج منه حقِّي (وَأَمَّا اليَوْمَ) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة، فلست أثق بأحدٍ في بيعٍ ولا شراءٍ (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثق بهم (٤)، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو جلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حال الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة أوَّل (٥) سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان بقليلٍ، فأدرك بعض الزَّمن الذي وقع فيه التَّغيير.
وهذا الحديث سبق بعينه سندًا ومتنًا في: «باب رفع الأمانة» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧].
(١٤) (باب التَّعَرُّبِ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، بعدها مُوحَّدةٌ: الإقامة بالبادية، والتَّكلُّف في صيرورته أعرابيًّا، ولأبي ذرٍّ: «التَّغرُّب» بالغين المعجمة (فِي الفِتْنَةِ) ولكريمة: «التَّعزُّب» بالعين المهملة والزَّاي؛ ومعناه: يعزب عن الجماعات والجهات، ويسكن البادية، قال صاحب «المطالع»: وجدته بخطِّي في «البخاريِّ» بالزَّاي، وأخشى أن يكون وهمًا.
стр. 12254
٧٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقيَّةٌ مكسورةٌ، ابن إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميِّ (١): (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ لمَّا وُلِيَ إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزُّبير سنة أربعٍ وسبعين (فَقَالَ) له: (يَا بْنَ الأَكْوَعِ؛ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟) بالعين المهملة والرَّاء، أي: تكلَّفت في صيرورتك أعرابيًّا، وقوله: «على عَقِبيك» بلفظ التَّثنية مجازٌ عن الارتداد؛ يريد: أنَّك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من (٢) المدينة فتستحقُّ القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذرٍ يجعلونه كالمرتدّ، وأخرج النَّسائيُّ من (٣) حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لعن الله آكل الرِّبا ومُوكِله … » الحديث، وفيه: «المرتدُّ بعد هجرته أعرابيًّا» قال بعضهم: وكان ذلك من جفاء الحجَّاج؛ حيث خاطب (٤) هذا الصَّحابيَّ الجليل ﵁ بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، وقيل: أراد قتله؛ فبيَّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل (٥) بها (قَالَ) ابن الأكوع مُجيبًا للحجَّاج: (لَا) لم (٦) أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي) في الإقامة (فِي البَدْوِ) وعند الإسماعيليِّ من طريق حمَّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيدٍ عن سلمة: أنَّه استأذن رسول الله ﷺ في البداوة، فأذن له (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) ﵁ (خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) ﵁ من المدينة (إِلَى الرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والموحَّدة والمعجمة: موضعٌ بالبادية (٧) بين مكَّة والمدينة (وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ
стр. 12255
لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا) بالرَّبذة، وللكشميهنيِّ (١): «هناك بها (٢)» (حَتَّى أقْبَلَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ المَدِينَةَ) وسقطت الفاء من «فنزل» في (٣) رواية المُستملي والسَّرخسيِّ، وفي روايةٍ: «حتَّى قَبْل أن يموت» بإسقاط «أقبل»، وهو الذي في «اليونينيَّة»، وفيه حذف «كان» بعد «حتَّى» وقبل قوله: «قبل»، وهي مقدَّرةٌ، وهو استعمالٌ صحيحٌ، وفيه: أنَّ سلمة لم يمت بالبادية، بل بالمدينة، ويُستفاد منه -كما في «الفتح» - أنَّ مُدَّة سكنى سلمة بالبادية نحوُ الأربعين سنةً؛ لأنَّ قتل عثمان ﵁ كان في ذي الحجَّة سنة خمسٍ وثلاثين، وموت سلمة سنة أربعٍ وسبعين على الصَّحيح.
والحديث أخرجه مسلم في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة».
٧٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمام الأئمَّة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) عمرو بن زيد ابن عوفٍ، الأنصاريِّ ثمَّ المازنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عبد الرَّحمن (٤) بن أبي الحارث بن أبي صعصعة، وسقط «ابن أبي (٥) الحارث» هنا من الرِّواية (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُوشَِكُ) بكسر الشِّين المعجمة وفتحها، قال الجوهريُّ: لغةٌ رديئةٌ، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ) نكرةٌ موصوفةٌ مرفوعةٌ على الأشهر في الرِّواية، اسم «يكون» مؤخَّرًا، «وخير مال المسلم» خبرها مقدَّمًا، وفائدة تقديم الخبر الاهتمام؛ إذِ المطلوب حينئذٍ الاعتزالُ، وليس الكلام في الغنم؛ فلذا أخَّرها (يَتْبَعُ بِهَا) بسكون الفوقيَّة، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ الجِبَالِ) بفتح الشِّين المعجمة والعين المهملة والفاء: رؤوسها؛