← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

الصَّحابيِّ إذا كان مُسنَدًا إلى نزول آيةٍ؛ فهو مرفوعٌ اصطلاحًا، وعند أبي يَعلى من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن رضي عمل قومٍ كان شريكَ من عمل به»، فمن جالس أهل الفسق مثلًا كارهًا لهم ولعملهم، ولم يستطع مفارقتهم؛ خوفًا على نفسه أو لعذر منعه؛ فيُرجَى له النَّجاة من إثم ذلك بذلك. والحديث مرَّ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٩٦]، وأخرجه النَّسائيُّ في «التَّفسير» أيضًا. (١٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا بَقِيَ) المسلم (فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ) بضمِّ الحاء المهملة بعدها مثلَّثةٌ خفيفةٌ فألفٌ فلامٌ فهاء تأنيثٍ: الذين (١) لا خير فيهم، وجواب «إذا» محذوفٌ، أي: ماذا يصنع؟ ٧٠٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان الكوفيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) بفتح الواو وسكون الهاء، الجهنيِّ قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بن اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر الأمانة ورفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا) (٢) ﷺ : (أَنَّ

стр. 12252

الأَمَانَةَ) المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهي عين الإيمان، أو كلُّ ما يخفى ولا يعلمه إلَّا الله من المكلَّف، أو المراد بها: التَّكليف الذي كلَّف الله تعالى به عباده، أو العهد الذي أخذه (١) عليهم (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها لغتان، وسكون الذَّال المعجمة بعدها راءٌ: في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ) بفتح العين وكسر اللَّام مخفَّفةً، بعد نزولها في أصل قلوبهم (ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) كذا بإعادة «ثُمَّ»؛ يعني: أنَّ الأمانة لهم بحسب الفطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلَّمون القرآن قبل أن يتعلَّموا السُّنَّة (وَحَدَّثَنَا) صلوات الله وسلامه عليه (عَنْ رَفْعِهَا) عن ذهابها أصلًا حتَّى لا يبقى من يُوصَف بالأمانة، وهذا هو الحديث الثَّاني الذي ذكر حذيفة أنَّه ينتظره (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وفتح الموحَّدة (فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالظَّاء المعجمة (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ: سوادٌ في اللَّون، يقال: وكت البُسْر؛ إذا بدت فيه نقطة الإرطاب (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) أي: الأمانة من قلبه (فَيَبْقَى فِيهَا) وسقط قوله «فيها» لابن عساكر (أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجَْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم وقد تُفْتَح، بعدها لامٌ: غلظ الجلد من أثر العمل (كَجَمْرٍ) بالجيم المفتوحة والميم السَّاكنة (دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء بعد النُّون المفتوحة (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضمِّ الميم وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة: مُنتفِخًا (٢) (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) وقال: «فنَفِطَ» بالتَّذكير، ولم يقل: فنفطت؛ باعتبار العضو (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ) السِّلع ونحوها بأن يشتريها أحدهم (٣) من الآخر (فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ) لأنَّ من كان موصوفًا بالأمانة؛ سُلِبها حتَّى صار خائنًا (فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ!) بالعين المهملة والقاف (وَمَا أَظْرَفَهُ!) بالظَّاء المعجمة (وَمَا أَجْلَدَهُ!) بالجيم (وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ (٤) حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) وإنَّما ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمةٌ له، لا أنَّ (٥) الأمانة هي الإيمان.

стр. 12253

قال حذيفة ﵁: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ) بتشديد الياء (زَمَانٌ) كنت أعلم فيه أنَّ الأمانة موجودةٌ في النَّاس (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ؟) أي: بعت واشتريت (١) غير مُبالٍ بحاله (لَئِنْ) بفتح اللَّام وكسر الهمزة (كَانَ مُسْلِمًا؛ رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامُ) بتشديد التَّحتيَّة من «عليَّ»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إسلامه» فلا يخونني (٢)، بل يحمله إسلامه على أداء الأمانة، فأنا واثقٌ (٣) بأمانته (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا) أو يهوديًّا (رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) الذي أُقيم عليه؛ فهو يقوم بولايته، ويَستخرج منه حقِّي (وَأَمَّا اليَوْمَ) فقد ذهبت الأمانة، وظهرت الخيانة، فلست أثق بأحدٍ في بيعٍ ولا شراءٍ (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل ممَّن أثق بهم (٤)، فكان يثق بالمسلم لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه؛ وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلِّ عملٍ قلَّ أو جلَّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه وتخليصه حقَّه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حال الأمانة أخذ في النَّقص من ذلك الزَّمان، وكانت وفاة حذيفة أوَّل (٥) سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان بقليلٍ، فأدرك بعض الزَّمن الذي وقع فيه التَّغيير. وهذا الحديث سبق بعينه سندًا ومتنًا في: «باب رفع الأمانة» من «كتاب الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧]. (١٤) (باب التَّعَرُّبِ) بفتح العين المهملة وضمِّ الرَّاء المشدَّدة، بعدها مُوحَّدةٌ: الإقامة بالبادية، والتَّكلُّف في صيرورته أعرابيًّا، ولأبي ذرٍّ: «التَّغرُّب» بالغين المعجمة (فِي الفِتْنَةِ) ولكريمة: «التَّعزُّب» بالعين المهملة والزَّاي؛ ومعناه: يعزب عن الجماعات والجهات، ويسكن البادية، قال صاحب «المطالع»: وجدته بخطِّي في «البخاريِّ» بالزَّاي، وأخشى أن يكون وهمًا.

стр. 12254

٧٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقيَّةٌ مكسورةٌ، ابن إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميِّ (١): (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ لمَّا وُلِيَ إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزُّبير سنة أربعٍ وسبعين (فَقَالَ) له: (يَا بْنَ الأَكْوَعِ؛ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟) بالعين المهملة والرَّاء، أي: تكلَّفت في صيرورتك أعرابيًّا، وقوله: «على عَقِبيك» بلفظ التَّثنية مجازٌ عن الارتداد؛ يريد: أنَّك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من (٢) المدينة فتستحقُّ القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذرٍ يجعلونه كالمرتدّ، وأخرج النَّسائيُّ من (٣) حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لعن الله آكل الرِّبا ومُوكِله … » الحديث، وفيه: «المرتدُّ بعد هجرته أعرابيًّا» قال بعضهم: وكان ذلك من جفاء الحجَّاج؛ حيث خاطب (٤) هذا الصَّحابيَّ الجليل ﵁ بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، وقيل: أراد قتله؛ فبيَّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل (٥) بها (قَالَ) ابن الأكوع مُجيبًا للحجَّاج: (لَا) لم (٦) أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي) في الإقامة (فِي البَدْوِ) وعند الإسماعيليِّ من طريق حمَّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيدٍ عن سلمة: أنَّه استأذن رسول الله ﷺ في البداوة، فأذن له (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) ﵁ (خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) ﵁ من المدينة (إِلَى الرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والموحَّدة والمعجمة: موضعٌ بالبادية (٧) بين مكَّة والمدينة (وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ

стр. 12255

لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا) بالرَّبذة، وللكشميهنيِّ (١): «هناك بها (٢)» (حَتَّى أقْبَلَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ المَدِينَةَ) وسقطت الفاء من «فنزل» في (٣) رواية المُستملي والسَّرخسيِّ، وفي روايةٍ: «حتَّى قَبْل أن يموت» بإسقاط «أقبل»، وهو الذي في «اليونينيَّة»، وفيه حذف «كان» بعد «حتَّى» وقبل قوله: «قبل»، وهي مقدَّرةٌ، وهو استعمالٌ صحيحٌ، وفيه: أنَّ سلمة لم يمت بالبادية، بل بالمدينة، ويُستفاد منه -كما في «الفتح» - أنَّ مُدَّة سكنى سلمة بالبادية نحوُ الأربعين سنةً؛ لأنَّ قتل عثمان ﵁ كان في ذي الحجَّة سنة خمسٍ وثلاثين، وموت سلمة سنة أربعٍ وسبعين على الصَّحيح. والحديث أخرجه مسلم في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة». ٧٠٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظُ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمام الأئمَّة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) عمرو بن زيد ابن عوفٍ، الأنصاريِّ ثمَّ المازنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عبد الرَّحمن (٤) بن أبي الحارث بن أبي صعصعة، وسقط «ابن أبي (٥) الحارث» هنا من الرِّواية (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُوشَِكُ) بكسر الشِّين المعجمة وفتحها، قال الجوهريُّ: لغةٌ رديئةٌ، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ) نكرةٌ موصوفةٌ مرفوعةٌ على الأشهر في الرِّواية، اسم «يكون» مؤخَّرًا، «وخير مال المسلم» خبرها مقدَّمًا، وفائدة تقديم الخبر الاهتمام؛ إذِ المطلوب حينئذٍ الاعتزالُ، وليس الكلام في الغنم؛ فلذا أخَّرها (يَتْبَعُ بِهَا) بسكون الفوقيَّة، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ الجِبَالِ) بفتح الشِّين المعجمة والعين المهملة والفاء: رؤوسها؛

стр. 12256

للمرعى والماء (وَمَوَاقِعَ) نزول (القَطْرِ) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصَّحارى، أي: العشب والكلأ، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: بسبب دينه (مِنَ الفِتَنِ) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، فإن لم يكن؛ فالجمهور على أنَّ الاختلاط أولى؛ لاكتساب الفضائل الدِّينيَّة والجمعة والجماعات وغيرها؛ كإعانةٍ وإغاثةٍ وعيادةٍ (١)، وقال قومٌ: العزلة أفضل؛ لتحقُّق السَّلامة بشرط معرفة ما يتعيَّن، واختار النَّوويُّ الخلطة لمن لا يغلب على ظنِّه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة، وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. والحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة». (١٥) (باب: التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ). ٧٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى

стр. 12257

أَحْفَوْهُ بِالمَسْأَلَةِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو، أي: ألحُّوا عليه في السُّؤال وبالغوا (فَصَعِدَ) بكسر العين (النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ) ولأبي ذرٍّ: «على المنبر» (فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) أي: اليوم كما في الرِّواية الأخرى في «كتاب الدُّعاء» [خ¦٦٣٦٢] (عَنْ شَيْءٍ) من الغيب (إِلَّا بَيَّنْتُـ) هـ (لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إلى الصَّحابة (يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ منهم (رَأْسُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لافٌّ رأسَه» بألف بعد اللَّام وتشديد الفاء، ونصب «رأسه» (فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ) بدأ بالكلام (١) (كَانَ إِذَا لَاحَى) بفتح الحاء المهملة: جادل وخاصم أحدًا (يُدْعَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الدَّال وفتح العين المهملتين: يُنسَبُ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) ﵊: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الذَّال المعجمة وبعد الألف فاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: ابنَ قيسٍ، واسم الرَّجل قيل: قيس بن حذافة، وقيل: خارجة، وقيل: عبد الله، قال في «الفتح»: وهو المعروف، قلت: وصرَّح به البخاريُّ في: «باب ما يُكْرَه من كثرة السُّؤال» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٤] (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمَّا رأى ما بوجه (٢) النَّبيِّ ﷺ من الغضب (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) ﷺ (رَسُولًا) أي: رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنَّة رسول الله (٣) ﷺ ، واكتفينا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بضمِّ السِّين المهملة بعدها واوٌ ساكنةٌ فهمزةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من شرِّ الفتن» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ، إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ (دُونَ الحَائِطِ) أي: بيني وبين الحائط؛ وهو حائط محرابه ﷺ ، وسقط قوله «لي» في رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة بالسَّند السَّابق: (يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (هَذَا الحَدِيثُ) رفعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكان قتادة يَذْكُرُ هذا الحديثَ» بفتح الياء من «يَذْكُر» وضمِّ الكاف و «الحديثَ» نُصِبَ على المفعوليَّة (عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية، أي: لا تسألوا رسول الله ﷺ عن

стр. 12258

أشياء إن تظهرْ لكم؛ تغمّكم، وإن تسألوا عنها في زمن الوحي؛ تظهر لكم، وهما كمقدِّمتين يُنتجِان ما يمنع السُّؤال؛ وهو أنَّه ممَّا يغمُّهم، والعاقل لا يفعل ما يغمُّه. ٧٠٩٠ - (وَقَالَ عَبَّاسٌ) بالمُوحَّدة والمهملة، ابن الوليد بن نصرٍ الباهليُّ (النَّرْسِيُّ) بالنُّون المفتوحة والرَّاء السَّاكنة والسِّين المهملة المكسورة؛ ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة: (أَنَّ أَنَسًا) ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ … بِهَذَا) الحديث السَّابق (١) (وَقَالَ) أنسٌ: (كُلُّ رَجُلٍ) كان هناك حال كونه (لَافًّا) بالفاء (رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي) خوفًا من عقوبة الله؛ لكثرة سؤالهم له ﷺ ، وتعنُّتهم عليه، ففيه زيادة قوله: «لافًّا رأسه»، فدلَّ على أنَّ زيادتها في الأوَّل وهمٌ من الكُشْمِيهَنيِّ، قاله في «الفتح» (وَقَالَ) كلُّ رجل ٍمنهم: (عَائِذًا بِاللهِ) أي: حال كونه مُستعيذًا بالله (مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بالسِّين المهملة والواو، ثمَّ الهمزة، ولابن عساكر: «من شرِّ الفتن» بالشِّين المعجمة والرَّاء (أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بضمِّ السِّين وسكون الواو، ولأبي ذَرٍّ: «من سَوْأَى الفتن» بفتح المهملة وبعد الواو السَّاكنة همزةٌ مفتوحةٌ ممدودةٌ، قال في «فتح الباري»: بيَّن أنَّه في رواية سعيدٍ بالشَّكِّ في «سُوء» و «سَوْأى». ٧٠٩١ - قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ في المذاكرة: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابن أبي عَروبة (وَمُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة: (أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … ) الحديث، (وَقَالَ: عَائِذًا بِاللهِ مِنْ شَرِّ الفِتَنِ) بالشِّين المعجمة والرَّاء المشدَّدة، واستعاذتُه ﷺ من الفتن تعليمٌ لأمَّته، وفيه منقبةٌ لعمر بن الخطَّاب ﵁. (١٦) (باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : الفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: من جهة المشرق.

стр. 12259

٧٠٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمَين، هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ المِنْبَرِ) وفي التِّرمذيِّ من طريق عبد الرَّزَّاق عن مَعْمرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قام على المنبر (فَقَالَ: الفِتْنَةُ هَهُنَا، الفِتْنَةُ هَهُنَا) بالتَّكرار مرَّتين (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) بضمِّ اللَّام من «يطلُع»، ولمسلمٍ من طريق فُضَيل بن غزوان عن سالمٍ بلفظ: «إنَّ الفتنة تجيء من ههنا» -وأومأ بيده نحو المشرق- «من حيث يطلُعُ قرنا الشَّيطان» بالتَّثنية، وقد قيل: إنَّ له قرنين على الحقيقة، وقيل: إنَّ قرنيه ناحيتا رأسه، أو هو مَثَلٌ، أي: حينئذٍ يتحرَّك الشَّيطان ويتسلَّط، أو قرنه أهل حزبه (أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ (١)) أي: أعلاها، وقيل: إنَّ الشَّيطان يقرن رأسه بالشَّمس عند طلوعها؛ لتقع سجدة عَبَدتها له. والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الفتن». ٧٠٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاءٍ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: «المشرق» بالجرِّ (يَقُولُ: أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (إِنَّ الفِتْنَةَ هَهُنَا) مرَّةً واحدةً من غير تكرارٍ (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) من غير شكٍّ بخلاف الأولى، وإنَّما أشار ﵊ إلى المشرق؛ لأنَّ أهله يومئذٍ أهل كفرٍ؛ فأخبر أنَّ الفتنة تكون من تلك النَّاحية؛ وكذا وقع فكان (٢) وقعة الجمل ووقعة صفِّين، ثم ظهور الخوارج (٣) في أرض نجدٍ والعراق (٤) وما وراءها من المشرق، وكان أصل ذلك كلِّه وسببه قتلَ عثمان بن عفَّان ﵁، وهذا علمٌ من أعلام نبوَّته ﷺ وشرَّف وكرَّم.

стр. 12260

٧٠٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ) بفتح الهمزة والهاء بينهما زايٌ ساكنةٌ، آخرُه راءٌ، و «سعدٌ» بسكون العين، السَّمَّان (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح المهملة وسكون الواو بعدها نونٌ، عبد الله، واسم جدِّه: أَرْطَبان البصريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الذَّال المعجمة والكاف: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا) بهمزةٍ ساكنةٍ (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي) ولأبي ذرٍّ: «قالوا: يا رسول الله؛ وفي» (نَجْدِنَا؟) بفتح النُّون وسكون الجيم، قال الخطَّابيُّ: نجدٌ من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة؛ كان نجده (١) بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النَّجد: ما ارتفع من الأرض، وبهذا يُعْلَمُ ضعف ما قاله الدَّاوديُّ: إنَّ نجدًا من ناحية العراق، فإنَّه يوهم أنَّ نجدًا موضعٌ مخصوصٌ، وليس كذلك، بل كلُّ شيءٍ ارتفع بالنِّسبة إلى ما يليه يُسمَّى المرتفع نجدًا، والمنخفض غورًا (قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا) بتكرير «اللَّهم» أربعًا (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَفِي نَجْدِنَا؟) قال ابن عمر: (فَأَظُنُّهُ) ﷺ (قَالَ فِي الثَّالِثَةَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ الشَّيْطَانِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يطلع قرن الشيطان» فيبدأ (٢) من المشرق، ومن ناحيتها يخرج يأجوج ومأجوج والدَّجَّال، وبها الدَّاء العضال؛ وهو الهلاك في الدِّين، وإنَّما ترك الدُّعاء لأهل المشرق؛ ليضعُفوا عن الشَّرِّ الذي هو موضوعٌ في جهتهم؛ لاستيلاء الشَّيطان بالفتن. والحديث سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٧]، وأخرجه التِّرمذيُّ في «المناقب»، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

стр. 12261

٧٠٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ) ولابن عساكر: «إسحاق بن شاهين الواسطيُّ» قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) كذا للأربعة (١) في «اليونينية»، وهو ابن عبد الله الطَّحَّان، وفي نسخةٍ فيها (٢): «خلفٌ» قال العينيُّ: وما أظنُّ صحَّته (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحَّدة والتَّحتيَّة المخفَّفة وبعد الألف نون، ابن بِشْرٍ -بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة- الأحمسيِّ (عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح الواو والموحَّدة والرَّاء، الحارثيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) وسقط «عبد الله» لابن عساكر (فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا) يشتمل على ذكر الرَّحمة والرُّخصة (قَالَ: فَبَادَرَنَا) بفتح الرَّاء، فعلٌ ومفعولٌ (إِلَيْهِ رَجُلٌ) اسمه: حكيمٌ (فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هي كنية ابن عمر (حَدِّثْنَا) بكسر الدَّال وسكون المثلَّثة (عَنِ القِتَالِ فِي الفِتْنَةِ، وَاللهُ) تعالى (يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]) ساقها للاحتجاج على مشروعيَّة القتال في الفتنة، وردًّا على من ترك ذلك؛ كابن عمر، فإنَّه كان يرى ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أنَّ إحدى الطَّائفتين مُحِقَّةٌ والأخرى مُبطِلةٌ (فَقَالَ) أي: ابن عمر: (هَلْ تَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ ثَكِلَتْكَ) بفتح المثلَّثة وكسر الكاف، أي: عدمتك (أُمُّكَ) فظاهره الدُّعاء، وقد يرد للزَّجر كما هنا (إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ) يعني: أنَّ الضَّمير في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ للكفَّار، فأمر المؤمنين بقتال الكفَّار حتَّى لا يبقى أحدٌ يُفْتَن عن دين الإسلام، ويَرتَدُّ إلى الكفر (وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً) سبق في «سورة الأنفال» [خ¦٤٦٥١] (٣) من رواية زهير بن معاوية عن بيانٍ (٤): «فكان الرَّجل يُفْتَن عن دينه، إمَّا يقتلونه، وإمَّا يعذِّبونه، حتَّى

стр. 12262

كَثُر الإسلام، فلم تكن فتنة» أي: فلم تبق فتنةٌ من أحدٍ من الكفَّار لأحدٍ من المؤمنين (وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «بقتالكم» (عَلَى المُلْكِ) بضمِّ الميم وسكون اللَّام، أي: في طلب الملك؛ كما وقع بين مروان ثمَّ ابنه عبد الملك وبين ابن الزُّبير وما أشبه ذلك، وإنَّما (١) كان قتالًا على الدِّين. والحديث سبق في «التَّفسير» [خ¦٤٦٥١]. (١٧) (باب: الفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ). (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان؛ ممَّا وصله البخاريُّ في «تاريخه الصَّغير» عن عبد الله بن محمَّد المسنَديِّ: حدَّثنا سفيان بن عيينة (عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ) بفتح المهملة والمعجمة بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره موحَّدةٌ بوزن جعفرٍ، أدرك خلفٌ بعض الصَّحابة، ولم تُعْلَم له روايةٌ عن أحدٍ منهم، وهو من أهل الكوفة، ووثَّقه العجليُّ، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الموضع: (كَانُوا) أي: السَّلف (يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ) نزول (الفِتَنِ، قَالَ امْرُؤُ القَيْسِ) بن عابسٍ (٢) الكنديُّ، كان في زمن النَّبيِّ ﷺ ؛ كذا في رواية أبي ذرٍّ: «قال امرؤ القيس»، والمحفوظ أنَّ الأبيات المذكورة لعَمرو بن معديكرب، بفتح عين «عَمرٍو»، وجزم به أبو العبَّاس المبرِّدُ في «الكامل»، والسُّهيليُّ في «روضه»، والأبيات هي: (الحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ) «الحرب»: مؤنَّثة، قال الخليل: تصغيرها حُرَيبٌ؛ بلا هاءٍ، قال

стр. 12263

المازنيُّ: لأنَّه في الأصل مصدرٌ، وقال المبرِّد: قد يُذكَّر الحرب (١) (فَتِيَّةً) بفتح الفاء وكسر الفوقيَّة وفتح التَّحتيَّة مشدَّدةً، قال في «المصابيح»: ويروى: «فُتيَّةً» بضمِّ الفاء مصغَّرًا، أي: شابَّةً، ويجوز فيه أربعة أوجهٍ: الأوَّل: رفع «أوَّل»، ونصب «فتيَّةً» (٢)، وهو الذي في الفرع؛ مثل: زيدٌ أخطب ما يكون يوم الجمعة (٣)، فـ «الحرب»: مبتدأٌ أوَّل، وقوله: «أوَّل ما تكون» مبتدأٌ ثانٍ، و «فتيَّةً» حالٌ سادَّةٌ مسدَّ الخبر (٤)، والجملة المركَّبة من المبتدأ الثَّاني وخبره خبرٌ عن المبتدأ الأوَّل؛ والمعنى: الحرب أوَّل أكوانها (٥) إذا كانت فتيَّةً. الثَّاني: نصب «أوَّل» ورفع «فتيَّةً»، عكس الأوَّل، ووجهه ظاهرٌ (٦)؛ وهو أن يكون «الحربُ» مبتدأ «وفتيَّة» خبره (٧)، و «أوَّل ما تكون» ظرفٌ عامله الخبر و «تكون» ناقصةٌ، أي: الحرب في أوَّل أحوالها فتيَّةٌ. الثَّالث: رفع «أوَّل» و «فتيَّة» على أنَّ الحرب مبتدأٌ، و «أوَّل» بدلٌ منه، و «فتيَّة» خبرٌ، و «ما» مصدريَّةٌ، و «تكون» تامَّةٌ، أو «أوَّل» مبتدأٌ ثانٍ، و «فتيَّة» خبره، وأنَّث الخبر مع أنَّ المبتدأ الذي هو «أوَّل» مذكَّرٌ؛ لأنَّه مضافٌ إلى الأكوان.

стр. 12264

الرَّابع: نصبهما جميعًا على أنَّ «أوَّل» ظرفٌ، وهو خبر المبتدأ الذي هو «الحرب» و «تكون» ناقصةٌ، و «فتيَّةً» منصوبٌ على الحال من الضَّمير المستكنِّ في الظَّرف المستقرِّ، أي: الحرب موجودةٌ في أوَّل أكوانها على هذه الحالة، والخبر عنها قوله: (تَسْعَى) أي: الحرب في حال ما هي فتيَّةٌ -أي: في وقت وقوعها- تغرُّ من لم يجرِّبها حتَّى يدخل فيها؛ فتُهلِكه (بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ) بكسر الزَّاي وسكون التَّحتيَّة بعدها نونٌ ففوقيَّةٌ، ورواه سيبويه بموحَّدتين، فزايٍ مشدَّدةٍ مفتوحةٍ ففوقيَّةٍ (١)، والبزَّة: اللِّباس الجيِّد (حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ) بالشِّين المعجمة والعين المهملة، أي: هاجت، و «إذا» شرطيَّةٌ، وجوابها «ولَّت» أو محذوفٌ؛ كما في «المصابيح»، ويجوز أن تكون ظرفيَّةً (وَشَبَّ) بفتح المعجمة والموحَّدة المشددة (ضِرَامُهَا) بكسر الضَّاد المعجمة، بعدها راءٌ فألفٌ فميمٌ: اتَّقد وارتفع اشتعالها (وَلَّتْ) حال كونها (عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ) بالحاء المهملة، أي: لا يرغب أحدٌ في تزوُّجها (٢)، و (٣) يُرْوى بالخاء المعجمة (شَمْطَاءَ) بالنَّصب، نعتٌ لـ «عجوزًا»، والشَّمط -بفتح الشِّين المعجمة-: اختلاط الشَّعر الأبيض بالشَّعر الأسود (يُنْكَرُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (لَوْنُهَا) ولأبي ذرٍّ: «تُنكَر» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة، أي: تبدَّلت بحسنها قبحًا (وَتَغَيَّرَتْ) حال كونها (مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ) لأنَّها في هذه الحالة مظنَّةٌ للبخر، فوصفها به؛ مبالغة في التَّنفير منها، والمراد: أنَّهم يتمثَّلون بهذه الأبيات؛ ليستحضروا ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة؛ فإنَّهم يتذكَّرون بإنشادها ذلك، فيصدُّهم عن الدُّخول فيها حتَّى لا يغترُّوا بظاهر أمرها أوَّلًا.

стр. 12265

٧٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة قال: (سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (إذ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ) حذيفة: قلت: هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦] من طريق شعبة عن الأعمش: قال رسول الله ﷺ : «فتنة الرَّجل» (فِي أَهْلِهِ) بالميل، يأتي بسببهنَّ بما لا يحلُّ له (وَ) فتنته في (مَالِهِ) بأن يأخذ من غير حلِّه، ويصرفه في غير حلِّه (وَ) في (وَلَدِهِ) لفرط محبَّته له، والشُّغُل به عن كثيرٍ من الخيرات (وَ) في (جَارِهِ) بالحسد والمفاخرة، وكلُّها (تُكَفِّرُهَا (١) الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) أي: تكفِّر الصَّغائر فقط؛ لحديث: «الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارةٌ لما بينهما ما اجتُنبتِ الكبائر»، ويُحْتَملُ أن يكون كلُّ واحدٍ من الصَّلاة وما بعدها مكفِّرًا للمذكورات كلِّها، لا لكلِّ واحدٍ منها، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنَّشر بأنَّ الصَّلاة مثلًا كفَّارةٌ للفتنة (٢) في الأهل؛ وهكذا … إلى آخره، وخُصَّ الرجل بالذِّكر؛ لأنَّه في الغالب صاحب الحُكْمِ في داره وأهله، وإلَّا فالنِّساء شقائق الرِّجال في الحكم (قَالَ) عمر ﵁ لحذيفة: (لَيْسَ عَنْ هَذَا) الذي ذكرت (أَسْأَلُكَ (٣)، وَلَكِنِ) التي أسألك عنها الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ) تضطرب كاضطرابه عند هيجانه، كنايةً عن شدَّة المخاصمة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة، وفيه دليلٌ على جواز إطلاق اللَّفظ العامِّ وإرادة الخاصِّ؛ إذ تبيَّن أنَّ عمر لم يسأل إلَّا عن فتنةٍ مخصوصةٍ، وفي رواية ربعيِّ بن حراشٍ عن حذيفة عند الطَّبرانيِّ: فقال حذيفة: سمعته يقول: «يأتي (٤) بعدي فِتَنٌ كموج البحر يدفع بعضها بعضًا»، ويُؤخَذ منها -كما في «الفتح» - جهة التَّشبيه بالموج، وأنَّه ليس المراد منه الكثرة فقط (فَقَالَ) حذيفة لعمر ﵄: (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ

стр. 12266

يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) بضمِّ الميم وسكون المعجمة وفتح اللَّام، بالنَّصب صفةُ لـ «بابًا»، أي: لا يخرج شيءٌ منها في حياتك، قال ابن المُنَيِّر: آثر حذيفة الحرص على حفظ السِّرِّ، فلم يُصرِّح لعمر ﵁ بما سأل عنه، وإنَّما كنَّى عنه كنايةً، وكأنَّه كان مأذونًا له في مثل ذلك، وقال ابن بطَّال: وإنَّما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصَّة (١)؛ لِئلَّا يغمَّه ويشغل باله، ومن ثَمَّ قال له: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا، ولم يقل له: أنت الباب، وهو يعلم أنَّه الباب، فعرَّض له بما أفهمه (٢) ولم يصرِّح (٣)؛ وذلك من حسن أدبه (قَالَ عُمَرُ) ﵁ مستفهمًا لحذيفة: (أَيُكْسَرُ البَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (بَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا بل» (يُكْسَرُ، قَالَ عُمَرُ: إِذًا) بالتَّنوين، أي: إنِ انكسر (لَا يُغْلَقَ) نُصِبَ بـ «إذًا» (٤) (أَبَدًا) وفي «الصِّيام» [خ¦١٨٩٥] «ذاك أجدر ألَّا يُغْلَق إلى يوم القيامة»، ويُحتَمَلُ أن يكون كنَّى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر، قال حذيفة: (قُلْتُ: أَجَلْ) بالجيم واللَّام المخفَّفة: نعم، قال شقيقٌ: (قُلْنَا (٥) لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ) حذيفة: (نَعَمْ) كان (٦) يعلمه (كَمَا أَعْلَمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٧): «يعلم» (٨) (أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً (٩)) أي: أعلمه علمًا ضروريًّا مثل هذا (وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ): جمع أغلوطة -بالغين المعجمة والطَّاء المهملة- ما يُغالط به (١٠)، أي: حدَّثته حديثًا صدقًا محقَّقًا من حديثه ﷺ ، لا عن اجتهادٍ ولا عن (١١) رأيٍ، قال

стр. 12267

شقيقٌ: (فَهِبْنَا) فخِفْنا (أَنْ نَسْأَلَهُ) أي (١): أن نسأل حذيفة: (مَنِ البَابُ؟) أي: من هو الباب؟ (فَأَمَرْنَا) بسكون الرَّاء (مَسْرُوقًا) هو ابن الأجدع أن يسأله (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) أي: مسروقٌ لحذيفة: (مَنِ البَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ) ﵁. والحديث سبق في: «باب المواقيت» من (٢) «الصَّلاة» [خ¦٥٢٥] وفي «الزَّكاة» [خ¦١٤٣٥] و «الصَّوم» [خ¦١٨٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦]. ٧٠٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم بن أبي مريم، الجمحيُّ بالولاء قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) واسم جدِّه: ابن أبي كثيرٍ المدنيُّ (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي نمرٍ (٣) المدنيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ الإمام، أبي محمَّدٍ

стр. 12268

المخزوميِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى) ولأبي ذرٍّ: «يومًا إلى» (حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ المَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ) هو بستان أَرِيْسٍَ؛ بهمزة مفتوحة، فراءٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فسينٍ مهملةٍ، يجوز فيه الصَّرف وعدمه، وهو قريبٌ من قباء، وفي بئره سقط خاتم النَّبيِّ ﷺ من إصبع عثمان ﵁ (وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الحَائِطَ) أي: البستان المذكور (جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ؛ وَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ اليَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَأْمُرْنِي) بأن أكون بوَّابًا، لكن سبق في «مناقب عثمان» [خ¦٣٦٩٥] أنَّه ﷺ أمره بذلك، فيُحْتَمَلُ أنَّه لمَّا (١) حدَّث نفسه بذلك؛ صادف أمره ﷺ بذلك (فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَضَى حَاجَتَهُ، وَجَلَسَ عَلَى) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في» (قُفِّ البِئْرِ) بضمِّ القاف وتشديد الفاء: حافتها، أو الدَّكَّة التي حولها (فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي البِئْرِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ حال كونه (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه (لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ) له: اثبُتْ وقفْ (كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ) النَّبيَّ ﷺ (فَوَقَفَ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ (٢) اللهِ؛ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ) في الدُّخول (عَلَيْكَ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ) زاد في «المناقب» [خ¦٣٦٧٤] فأقبلت (٣) حتَّى قلت لأبي بكرٍ: ادخل ورسول الله ﷺ يبشِّرك بالجنَّة (فَدَخَلَ فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فجلس» (عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي البِئْرِ) موافقةً له ﵊، وليكون أبلغ في بقائه ﵇ على حالته وراحته، بخلاف ما إذا لم يفعل ذلك، فربَّما استحيا منه، فرفع رجليه (فَجَاءَ عُمَرُ) ﵁، أي: يستأذن أيضًا (فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ) فاستأذنت (٤) له (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ، فَجَاءَ) عمر ﵁، وجلس (عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلَّاهُمَا فِي البِئْرِ، فَامْتَلأَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وامتلأ» (القُفُّ) به ﷺ وصاحبيه (فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ) ﵁ (فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ) فاستأذنت (٥) (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ، مَعَهَا بَلَاءٌ

стр. 12269

يُصِيبُهُ) وهو قتله في الدَّار، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما خُصَّ عثمان بذكر البلاء مع أنَّ عمر أيضًا قُتِلَ؛ لأنَّ عمر لم يُمْتَحَنْ بمثل ما امتُحِنَ به (١) عثمان من (٢) تسليط (٣) القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة؛ بسبب ما نسبوه إليه من الجور مع تنصُّله من ذلك، واعتذاره من كلِّ ما نسبوه إليه، ثمَّ هجمهم (٤) عليه داره، وهتكهم ستر أهله، فكان ذلك زيادةً على قتله، وفي رواية أحمد بإسنادٍ صحيحٍ من طريق كُلَيب بن وائلٍ عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فمرَّ رجلٌ فقال: «يُقْتَلُ فيها هذا يومئذٍ ظلمًا»، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان (فَدَخَلَ) ﵁ (فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا؛ فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ البِئْرِ) بفتح الشِّين المعجمة والفاء المخفَّفة (فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَّاهُمَا فِي البِئْرِ) قال أبو موسى: (فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي) هو أبو بردة عامرٌ، أو أبو رهمٍ (وَأَدْعُو اللهَ أَنْ يَأْتِيَ. قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ (فَتَأَوَّلْتُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فأوَّلتُ»: فتفرَّست (ذَلِكَ) أي: اجتماع الصَّاحبين معه ﷺ وانفراد عثمان (قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هَهُنَا، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ) عنهم في البقيع، والمراد بالاجتماع (٥) مطلقه، لا خصوص كون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله كما كانوا على البئر، وفيه أن التَّمثيل لا يستلزم التَّسوية. نعم؛ أخرج أبو نُعيمٍ عن عائشة في صفة القبور الثَّلاثة: أبو بكرٍ عن يمينه، وعمر عن يساره، ففيه التَّصريح بتمام التَّشبيه، لكنَّ سنده ضعيفٌ، وعارضه ما هو أوضح منه، وعند أبي داود والحاكم من طريق القاسم بن محمَّدٍ قال: قلت لعائشة: يا أمَّتاه (٦)؛ اكشفي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفته لي … الحديث، وفيه: فرأيت رسول الله ﷺ ، فإذا أبو بكرٍ رأسه بين كتفيه، وعمر رأسه عند رجلي النَّبيِّ ﷺ . وحديث الباب سبق في «فضل أبي بكر» [خ¦٣٦٧٤]، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل».

стр. 12270

٧٠٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، اليشكريُّ قال: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الهذليُّ مولاهم البصريُّ الحافظُ، غُنْدَرٌ (عَنْ) زوج أمِّه (شُعْبَةَ) بن الحجَّاج الحافظ (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ) بن زيدٍ حبِّ رسول الله ﷺ ﵁: (أَلَا) بالتَّخفيف (تُكَلِّمُ هَذَا؟) أي: عثمان بن عفَّان ﵁ فيما أنكر النَّاس عليه من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتُهِر، وقال المهلَّب: في شأن أخيه لأمِّه الوليد بن عقبة، وما ظهر عليه من شربه الخمر (قَالَ) أسامة: (قَدْ كَلَّمْتُهُ) في ذلك سرًّا (مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا) من أبواب الإنكار عليه (١) (أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ) بصيغة المضارع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فتحَه»، بل كلَّمته على سبيل المصلحة والأدب؛ إذِ الإعلان بالإنكار على الأئمَّة ربَّما أدَّى إلى افتراق الكلمة؛ كما وقع ذلك من تفرُّق الكلمة بمواجهة (٢) عثمان بالنَّكير، فالتَّلطُّف والنَّصيحة سرًّا أجدر بالقبول، وقول المهلَّب: «إنَّ المراد الوليد بن عقبة»، تبعه (٣) فيه العينيُّ، بل صرَّح بأنَّه في «مسلمٍ»، ولفظه وقد بيَّنه في رواية مسلمٍ: قيل له: ألا تدخل على عثمان وتكلِّمه في شأن الوليد بن عقبة وما ظهر منه من شرب الخمر؟ انتهى. وقد رأيت الحديث في: «باب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ومخالفته»، وليس فيه ما قاله العينيُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ متعقِّبًا المهلَّب: جزمه بأنَّ المراد الوليد بن عقبة ما عرفت مستنده فيه، وسياق مسلمٍ من طريق جريرٍ عن الأعمش يدفعه، ولفظه عن أبي وائلٍ: كنَّا عند أسامة بن زيدٍ، فقال له رجلٌ: ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلِّمه فيما يصنع؟ قال … ؛ وساق الحديث بمثله. انتهى. قلت:

стр. 12271

وقوله: «بمثله» أي: بمثل الحديث الذي ساقه أوَّل الباب من طريق أبي معاوية، عن الأعمش بلفظ: قيل له: ألا تدخل على عثمان، فتكلِّمه؟ فقال: أترون أنِّي لا أكلِّمه إلَّا ما (١) أُسمِعُكم؟ والله لقد كلَّمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرًا … الحديث، ثمَّ عرَّفهم أسامة بأنَّه لا يُداهن أحدًا ولو كان أميرًا؛ بل ينصحه في السِّرِّ جهده، فقال: (وَمَا أَنَا بِالَّذِي (٢) أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ: أَنْتَ خَيْرٌ) من النَّاس، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «اِيْتِ» بهمزةِ مكسورةٍ فتحتيَّة ساكنةٍ، فعل أمرٍ من «الإتيان» (٣)، «خيرًا» نصبٌ على المفعوليَّة (بَعْدَ مَا) أي: بعد الذي (سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يُجَاءُ) بضمِّ الياء (بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ، فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الحِمَارِ بِرَحَاهُ) بفتح الياء من «فيَطحن»، قال في «الفتح»: وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «كَمَا يُطْحَنُ»؛ كذا رأيته في نسخةٍ معتمدةٍ: بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول، وفتحها أوجه، ففي رواية سفيان وأبي معاوية: «فتندلق أقتابه، فيدور كما يدور الحمار» [خ¦٢٢٦٧] والأقتاب: الأمعاء، واندلاقها: خروجها بسرعة. انتهى. والذي رأيته في فرع «اليونينيَّة» كأصله عن أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «كَمَا يَطْحَنُ» بفتح الياء، مبنيًّا للفاعل «الحمار برحاه» (فَيُطِيفُ بِهِ (٤) أَهْلُ النَّارِ) يجتمعون حوله (فَيَقُولُونَ) له: (أَيْ فُلَانُ) ما شأنك؟ (أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ) لهم: (إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ) وقول المهلَّب: «إنَّ السَّبب في تحديث أسامة بذلك ليتبرَّأ ممَّا ظنُّوا به من سكوته عن عثمان في أخيه الوليد بن عقبة» تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه ليس واضحًا، بل الذي يظهر أنَّ أسامة كان يخشى على من وُلِّيَ ولايةً ولو صغرت أنَّه لا بدَّ له من (٥) أن يأمر الرَّعيَّة بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ثمَّ لا يأمن أن يقع منه تقصيرٌ، فكان أسامة يرى أنَّه لا يتأمَّر على أحدٍ، وإلى ذلك أشار بقوله: لا أقول (٦) للأمير: إنَّه خير النَّاس، أي: بل غايته أن ينجو كَفَافًا.

стр. 12272

والحديث سبق في «صفة النَّار» [خ¦٣٢٦٧]، وأخرجه مسلمٌ في «باب الأمر بالمعروف» كما سبق. (١٨) (بابٌ) بالتنوين بغير ترجمة. ٧٠٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) مؤذِّن البصرة قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بفتح العين وبعد الواو السَّاكنة فاءٌ، الأعرابيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللهُ) (بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ) وقعة (الجَمَلِ) بالجيم، التي كانت بين عليٍّ وعائشة بالبصرة، وكانت عائشة ﵂ (١) على جملٍ؛ فنُسِبَتِ الوقعة إليه (لَمَّا) بتشديد الميم (بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِسًا) بالصَّرف في جميع النُّسخ؛ نسخ الحفَّاظ (٢)؛ أبي محمَّدٍ الأَصيليِّ، وأبي ذرٍّ الهرويِّ والأصل المسموع على أبي الوقت، وفي أصل أبي القاسم الدِّمشقيِّ: غير مصروفٍ، وقال ابن مالكٍ: كذا وقع مصروفًا، والصَّواب عدم صرفه، وقال في «الكواكب»: يُطْلَقُ على الفرس وعلى بلادهم، فعلى الأوَّل: يجب الصَّرف إلَّا أن يُقال: المراد القبيلة، وعلى الثَّاني: يجوز الأمران كسائر البلاد (مَلَّكُوا ابْنَةَ كَِسْرَى) شيرويه بن أبرويز بن هرمز، وقال الكِرمانيُّ: «كَِسرى» -بفتح الكاف وكسرها- ابن قُبَاذٍ -بضمِّ القاف وتخفيف الموحَّدة- واسم ابنته: بُوْرَان؛ بضمِّ الموحَّدة وسكون الواو وبعدها راءٌ فألفٌ فنونٌ، وكانت مدَّة ولايتها سنةً وستَّة أشهرٍ (قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) واحتجَّ به من منع قضاء المرأة، وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: تقضي فيما يجوز فيه شهادتُهنَّ، وزاد الإسماعيليُّ من طريق النَّضر بن شُمَيلٍ عن عوفٍ في آخره: «قال أبو بَكْرة: فعرفت أنَّ أصحاب الجمل لن يفلحوا». والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٤٢٥].

стр. 12273

٧١٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالتَّحتيَّة المشدَّدة والشِّين المعجمة، راوي عاصمٍ المقرئ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين، عثمان بن عاصمٍ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِيُّ) بفتح الهمزة والمهملة (قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ) بن عبيد الله (وَالزُّبَيْرُ) بن العوام (وَعَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين ﵃ (إِلَى البَصْرَةِ) وكانت عائشة بمكَّة، فبلغها قتل عثمان ﵁، فحضَّتِ النَّاس على القيام بطلب دم عثمان، وكان النَّاس قد بايعوا عليًّا بالخلافة، وممَّن بايعه طلحة والزُّبير، واستأذنا عليًّا في العمرة، فخرجا إلى مكَّة، فلقيا عائشة، فاتَّفقا معها على طلب دم عثمان حتَّى يقتلوا قتلته، فسارت عائشة على جملٍ اسمه: عسكر -اشتراه لها يَعلى بن أميَّة من رجلٍ من عرينة بمئتي دينارٍ- في ثلاثة آلاف رجلٍ من مكَّة والمدينة، ومعها طلحة والزُّبير، فلمَّا نزلت ببعض (١) مياه بني عامر؛ نبحت عليها الكلاب، فقالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: الحَوْأَب؛ بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزةٌ مفتوحةٌ فموحَّدةٌ، فقالت: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لنا ذات يوم: «كيف بإحداكنَّ تنبح (٢) عليها كلاب الحَوْأَب؟» وعند البزَّار من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّه ﷺ قال لنسائه: «أيَّتكنَّ صاحبة الجمل الأَدْبَبِ» -بهمزةٍ مفتوحةٍ، ودالٍ مهملةٍ ساكنةٍ فموحَّدتين- «تخرج حتَّى تنبحها (٣) كلاب الحَوْأَب، يُقْتَل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرةٌ، وتنجو بعدما كادت»، وخرج عليٌّ ﵁ من المدينة لمَّا بلغه ذلك خوف الفتنة في آخر شهر ربيعٍ الأوَّل سنة ستٍّ وثلاثين في تسع مئة

стр. 12274

راكبٍ، ولمَّا قدم البصرة؛ قال له قيس بن عبَّاد وعبد الله بن الكَوَّاء: أَخْبِرْنا عن مسيرك، فذكر كلامًا طويلًا، ثمَّ ذكر طلحة والزُّبير، فقال: بايعاني بالمدينة، وخالفاني بالبصرة، وكان قد (بَعَثَ عَلِيٌّ) ﵁ (عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ) أي: ابن فاطمة، يستنفران النَّاس (فَقَدِمَا عَلَيْنَا الكُوفَةَ) فدخلا المسجد (فَصَعِدَا المِنْبَرَ، فَكَانَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ المِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ) (١) لأنَّه ابن الخليفة وابن بنت رسول الله ﷺ ، ولأنَّه كان الأمير على من أرسلهم عليٌّ وإن كان في عمَّارٍ ما يقتضي رجحانه، فضلًا عن مساواته، أو فعله عمَّارٌ تواضعًا معه، وإكرامًا لجدِّه ﵊ (وَقَامَ عَمَّارٌ) على المنبر (أَسْفَلَ مِنَ الحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ) قال أبو مريم (٢): (فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى البَصْرَةِ، وَوَاللهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ ﵎ ابْتَلَاكُمْ) بها (لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ) تعالى (تُطِيعُونَ أَمْ) تطيعون (هِيَ) ﵂؟ وقيل: الضَّمير في «إيَّاه» لعليٍّ، والمناسب أن يقول: «أو إيَّاها» (٣)، لا «هي»، وقال في «المصابيح»: فيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ «أم» فيه متَّصلةٌ، فقضيَّة (٤) المعادلة بين المتعاطفين بها أن يُقَال: أم إيَّاها؟ انتهى. وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ الضَّمائر يقوم بعضها مقام بعضٍ، قال في «الفتح»: وهو على بعض الآراء، وقوله: «ليَعْلَم» بفتح الياء مبنيًّا للفاعل في الفرع، قال في «الكواكب»: والمراد به: العلم الوقوعيُّ، أو (٥) تعلُّق العلم، أو (٦) إطلاقه على سبيل المجاز عن التَّمييز؛ لأنَّ التَّمييز لازمٌ للعلم، وإلَّا فالله تعالى عالمٌ أزلًا وأبدًا ما كان وما يكون (٧)، وعند الإسماعيليِّ من وجهٍ آخر عن أبي بكر بن عيَّاشٍ: صعد عمَّارٌ المنبر، فحضَّ النَّاس في الخروج إلى قتال عائشة، وفي رواية ابن أبي ليلى في القصَّة المذكورة (٨) فقال الحسن: إنَّ عليًّا

стр. 12275

يقول: إنِّي أُذكِّر اللهَ رجلًا رعى الله حقًّا ألَّا نَفَرَ، فإن كنت مظلومًا؛ أعانني، وإن كنت ظالمًا؛ أخذلني (١)، والله إنَّ طلحة والزُّبير لأَوَّل من بايعني، ثم نكثا، ولم أستأثر بمالٍ، ولا بدَّلت حكمًا، قال: فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل، وعند ابن أبي شيبة (٢) من طريق شِمر بن عطيَّة عن عبد الله بن زيادٍ قال: قال عمَّارٌ: إنَّ أمَّنا سارت مسيرها (٣) هذا، وإنَّها -والله- زوج محمَّدٍ ﷺ في الدُّنيا والآخرة، ولكنَّ الله تعالى ابتلانا؛ ليعلم إيَّاه نطيع أو إيَّاها؟ ومراد عمَّارٍ بذلك: أنَّ الصواب في تلك القصَّة كان مع عليٍّ، وأنَّ عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام، ولا ألَّا تكون زوجة النَّبيِّ ﷺ في الجنَّة، وكان ذلك يُعَدُّ من إنصاف عمَّارٍ، وشدَّة ورعه، وتحرِّيه قول الحقِّ، وقال ابن هبيرة في هذا الحديث: إنَّ عمَّارًا كان صادق اللَّهجة، وكان لا تستخفُّه الخصومة إلى تنقيص خصمه؛ فإنَّه شهد لعائشة بالفضل التَّامِّ مع ما بينهما من الحرب. (١٨ م) (بابٌ) بالتَّنوين بلا ترجمةٍ، وسقط في (٤) رواية أبي ذرٍّ، وهو المناسب؛ إذِ الحديث اللَّاحق طرفٌ من سابقه وإن كان في الباب زيادةٌ ساقه تقويةً له؛ لأنَّ (٥) أبا (٦) مريم ممَّا انفرد به عنه أبو حَصِينٍ. ٧١٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ) بفتح الغين المعجمة

стр. 12276

وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، عبد الملك بن حُميدٍ الكوفيُّ، أصله من أصبهان (١)، وليس له في «الجامع» إلَّا هذا، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن أبي غَنيَّة» (عَنِ الحَكَمِ) بفتح المهملة والكاف، ابن عُتَيبة؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفوقيَّة مُصغَّرًا (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه قال: (قَامَ عَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ (عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ) ﵂ (وَذَكَرَ مَسِيرَهَا) ومن معها إلى البصرة (وَقَالَ: إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ) مبنيٌّ (٢) للمفعول: امْتُحِنْتُم بها (٣). ٧١٠٢ - ٧١٠٣ - ٧١٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ) بفتح الموحَّدة والدَّال بعدها لامٌ مخفَّفًا، والمُحَبَّر: بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة والموحَّدة المشدَّدة بعدها راءٌ، اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن مرَّة قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق ابن سلمة (يَقُولُ: دَخَلَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ (وَأَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٤) البدريُّ الأنصاريُّ (عَلَى عَمَّارٍ) هو ابن ياسرٍ ﵁ (حَيْثُ) بالمثلَّثة، وللكشميهنيِّ: «حين» (بَعَثَهُ عَلِيٌّ) ﵁ (إِلَى أَهْلِ الكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ) يطلب منهم الخروج إلى البصرة لعليٍّ على (٥) عائشة ﵄ (٦) (فَقَالَا) أي: أبو موسى وأبو مسعودٍ لعمَّارٍ: (مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ) قال ابن بطَّالٍ: فيما دار بينهم دلالةٌ على أنَّ كلًّا من الطَّائفتين كان

стр. 12277

مجتهدًا، ويرى أنَّ الصَّواب معه (وَكَسَاهُمَا) أي: أبو مسعودٍ؛ كما صُرِّحَ به في الرِّواية اللَّاحقة لهذه [خ¦٧١٠٥] (حُلَّةً حُلَّةً) و «الحلَّة»: اسمٌ لثوبَين (ثُمَّ رَاحُوا إِلَى المَسْجِدِ) وعند الإسماعيليِّ: «ثمَّ خرجوا إلى الصَّلاة يوم الجمعة»، وإنَّما كسا عمَّارًا تلك الحلَّة؛ ليشهد بها الجمعة؛ لأنَّه كان في ثياب السَّفر وهيئة الحرب، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثِّياب، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى، فكساه أيضًا، قاله ابن بطَّالٍ. ٧١٠٥ - ٧١٠٦ - ٧١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي روَّادٍ العتكيُّ المروزيُّ الحافظ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريِّ (١)، محدِّث مَرْو (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (وَعَمَّارٍ) هو ابن ياسرٍ ﵃ (فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) لعمَّارٍ (٣): (مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ (٤) فِيهِ غَيْرَكَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وبعد التَّحتيَّة المفتوحة موحَّدةٌ، «أفعل» تفضيل ٍمن العيب، وفيه ردٌّ على القائل: إنَّ «أفعل» التَّفضيل من الألوان والعيوب لا يُسْتعمَلُ من لفظه (مِنِ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ) وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه رأى رأي أبي موسى في الكفِّ عن القتال؛ تمسُّكًا بالأحاديث الواردة فيه، وما في حمل السِّلاح على المسلم من الوعيد (قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ؛ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ

стр. 12278

هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ) لِمَا في الإبطاء من مخالفة الإمام، وترك امتثالِ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] فكان عمَّار على رأي عليٍّ في قتال الباغين والنَّاكثين والتَّمسُّك بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ و (١) حَمَلَ الوعيد الوارد في القتال على من كان متعدِّيًا على صاحبه، فكلٌّ جعل الإبطاء والإسراع عيبًا بالنِّسبة لِمَا يعتقده (فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ مُوسِرًا: يَا غُلَامُ؛ هَاتِ) بكسر الفوقيَّة (حُلَّتَيْنِ، فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا) بيَّن في هذه أنَّ فاعل «كسا» في الرِّواية السَّابقة [خ¦٧١٠٢] هو أبو مسعودٍ كما مرَّ (وَقَالَ) لهما: (رُوحَا فِيهِ) بالتَّذكير مصحَّحًا عليه في الفرع (إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ) وذكر عمر بن شبَّة بسنده: أنَّ وقعة الجمل كانت في النِّصف من جُمادى الآخرة، سنة ستٍّ وثلاثين، وذكر أيضًا من رواية المدائنيِّ عن العلاء أبي محمَّدٍ عن أبيه قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ وهو بالزَّاوية، فقال: علامَ تقاتل هؤلاء؟ قال: على الحقِّ، قال: فإنَّهم يقولون: إنَّهم على الحقِّ، قال: أقاتلهم على الخروج عن الجماعة ونكث البيعة (٢)، وعند الطَّبريِّ (٣): إنَّ أوَّل ما وقعت الحرب أنَّ صبيان العسكَرين تسابُّوا، ثمَّ ترامَوا، ثمَّ تبعهم العبيد، ثمَّ السُّفهاء، فنشبت (٤) الحرب، وكانوا خندقوا على البصرة، فقُتِل قومٌ، وجرح (٥) آخرون، وغلب أصحاب عليٍّ، ونادى مناديه: لا تتَّبعوا مُدبِرًا، ولا تُجهِزوا (٦) جريحًا، ولا تدخلوا دار أحدٍ، ثمَّ جمع النَّاس وبايعهم، واستعمل ابن عبَّاس على البصرة، ورجع إلى الكوفة، وعند ابن أبي شيبة بسندٍ جيِّدٍ عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بُديل (٧) بن ورقاء الخزاعيُّ إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج، فقال: يا أمَّ المؤمنين؛ أتعلمين أنِّي أتيتك عندما قُتِلَ عثمان، فقلت: ما تأمريني، فقلتِ: الزم عليًّا، فسكتت، فقال (٨): اعقروا الجمل،

стр. 12279

فعقروه، فنزلتُ أنا وأخوها محمَّدٌ، فاحتملنا هودجها، فوضعناه بين يدي عليٍّ، فأَمَر بها، فأُدخلت بيتًا، وعند ابن أبي شيبة والطَّبريِّ (١) من طريق عمر بن جاوان عن الأحنف: فكان أوَّل قتيلٍ طلحة، ورجع الزُّبير فقُتل، وقال الزُّهري: ما شوهدت وقعةٌ مثلها؛ فني فيها الكماة من فرسان مضرَ، فهرب الزُّبير، فقُتِل (٢) بوادي السِّباع، وجاء طلحةَ سهم غربٍ، فحملوه إلى البصرة ومات، وحكى سيفٌ (٣): كان قتلى الجمل عشرة آلافٍ؛ نصفهم من أصحاب عليٍّ، ونصفهم من أصحاب عائشة، وقيل: قُتِلَ من أصحاب عائشة ثمانية آلافٍ، وقيل: ثلاثة عشر ألفًا، ومن أصحاب عليٍّ ألفٌ، وقيل (٤): من أهل البصرة عشرة آلافٍ، ومن أهل الكوفة خمسة آلافٍ. (١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) لم يذكر جواب «إذا»؛ اكتفاءً بما في الحديث. ٧١٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ) الملقَّب عبدان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزَّاي: (أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) أي: عقوبةً لهم على سيِّئ أعمالهم (أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) ممَّن ليس هو على منهاجهم، و «مَن» مِن صيغ العموم؛ فالمعنى: أنَّ العذاب يُصيب حتَّى الصَّالحين منهم، وعند الإسماعيليِّ من طريق أبي النُّعمان عن ابن المبارك: «أصاب به مَنْ بين أظهرهم» (ثُمَّ بُعِثُوا) بضمِّ الموحَّدة (عَلَى) حسب

стр. 12280

(أَعْمَالِهِمْ) إن كانت صالحةً؛ فعقباهم صالحةٌ، وإلَّا فسيِّئةٌ، فذلك العذاب طُهْرةٌ للصَّالح، ونقمةٌ على الفاسق، وعن عائشة مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصَّالحون؛ قُبِضُوا معهم، ثمَّ بُعِثُوا على نيَّاتهم وأعمالهم» صحَّحه ابن حبَّان، وأخرجه البيهقيُّ في «شُعَبه»، فلا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثَّواب أو العقاب، بل يُجازى كلُّ أحدٍ بعمله على حسب نيَّته، وهذا من الحكم العدل؛ لأنَّ أعمالهم الصَّالحة إنَّما يُجازَون بها في الآخرة، وأمَّا في الدُّنيا؛ فمهما أصابهم من بلاءٍ؛ كان تكفيرًا لما قدَّموه من عملٍ سيِّئٍ؛ كترك الأمر بالمعروف، وفي «السُّنن الأربعة» من حديث أبي بكر الصِّدِّيق ﵁: سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ النَّاس إذا رأَوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهم الله بعذابٍ»، وكذا رواه ابن حِبَّان وصحَّحه، فكان العذاب المرسل في الدُّنيا على الذين ظلموا يتناول مَن كان معهم ولم ينكِر عليهم؛ فكان ذلك جزاءً لهم على مداهنتهم، ثمَّ يوم القيامة يُبْعَثُ كلٌّ منهم فيُجازى بعمله (١)، فأمَّا من أمرَ ونَهَى، فلا يُرسِل الله عليهم العذاب، بل يدفع الله بهم العذاب، ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] ويدلُّ على التَّعميم لمَنْ لم ينه عن المنكر وإن كان لا يتعاطاه قولُه: ﴿فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ (٢) حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ويُستفاد منه (٣) مشروعيَّة الهرب (٤) من الظَّلَمة؛ لأنَّ الإقامة معهم من إلقاء النَّفس إلى الهلكة (٥)، قاله في «بهجة النُّفوس» قال: وفي الحديث تحذيرٌ عظيمٌ لمن سكت عن النَّهي، فكيف بمن داهن؟! فكيف بمن رضي؟ فكيف بمن أعان؟ نسأل الله العافية والسَّلامة، وعند ابن أبي الدُّنيا في «كتاب الأمر بالمعروف» عن إبراهيم بن عمرٍو الصَّنعانيِّ قال: أوحى الله إلى يوشع بن نونٍ أنِّي مهلكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستِّين ألفًا من شرارهم، قال: يا ربِّ؛ هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فقال: إنَّهم (٦) لم يغضبوا

стр. 12281

لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم (١)، وقال مالك بن دينارٍ: أوحى الله تعالى إلى ملَكٍ من الملائكة أنِ اقلِب مدينة كذا وكذا على أهلها، قال: يا ربُّ؛ إنَّ فيهم عبدك فلانًا، ولم يعصكِ طرفة عينٍ، فقال: اقلبها عليه وعليهم؛ فإنَّ وجهه لم يتمعَّر فيَّ ساعةً قطُّ، ورواه الطَّبرانيُّ وغيره من حديث جابرٍ مرفوعًا، والمحفوظ -كما قال البيهقيُّ- ما ذُكِر، واعلم: أنَّه قد تقوم كثرة رؤية المُنْكَرات مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التَّمييز والإنكار؛ لأنَّ المنكراتِ إذا كثُر (٢) على القلب ورودُها، وتكرَّر في العين شهودها؛ ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا إلى أن يراها الإنسان، فلا يخطر بباله أنَّها منكَراتٌ، ولا يمرُّ بفكره أنَّها معاصٍ؛ لما أحدث تكرارها من تألُّف القلوب (٣) بها، وفي «القوت» لأبي طالب المكِّيِّ عن بعضهم: أنَّه مرَّ يومًا في السُّوق، فرأى بدعةً، فبال الدَّمَ من شدَّة إنكاره لها بقلبه، وتغيَّر مزاجه لرؤيتها، فلمَّا كان اليوم الثَّاني؛ مرَّ فرآها، فبال دمًا صافيًا، فلمَّا كان اليوم الثَّالث؛ مرَّ فرآها، فبال بوله المعتاد؛ لأنَّ حدَّة الإنكار التي أثَّرت في بدنه ذلك الأثر ذهبت، فعاد المزاج إلى حاله الأوَّل، وصارت البدعة كأنَّها مألوفةٌ عنده معروفة، وهذا أمرٌ مستقِرٌّ (٤) لا يمكن جحوده، والله تعالى أعلم. وحديث الباب أخرجه مسلمٌ. (٢٠) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) ﵄: (إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ) بلام التَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «سيِّدٌ» بإسقاطها (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ).

стр. 12282

٧١٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنة قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن موسى (أَبُو مُوسَى) البصريُّ نزيل الهند، وهو (١) ممَّن وافقت (٢) كنيته اسم أبيه، قال سفيان: (وَلَقِيتُهُ بِالكُوفَةِ) والجملة حاليَّةٌ (٣) (جَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «وجاء» (إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمِّ المعجمة والرَّاء بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ، عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفرٍ المنصور (فَقَالَ) له: (أَدْخِلْنِي عَلَى عِيسَى) بن موسى بن محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ ابن أخي المنصور، وكان أميرًا على الكوفة إذ ذاك (فَأَعِظَهُ) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة ونصب الظَّاء المعجمة المشالة، من الوعظ (فَكَأَنَّ) بالهمزة وتشديد النُّون (ابْنَ شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ) على إسرائيل من بطش عيسى؛ لأنَّ إسرائيل كان يصدع بالحقِّ، فربَّما لا يتلطَّف في الوعظ بعيسى، فيبطش به؛ لما عنده من حدَّة الشَّباب وعزَّة الملك (فَلَمْ يَفْعَلْ، قَالَ) إسرائيل: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: لَمَّا سَارَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ إِلَى مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (بِالكَتَائِبِ) بفتح الكاف والمثنَّاة الفوقيَّة وبالهمزة المكسورة بعدها موحَّدةٌ: جمع كتيبةٍ؛ بوزن (٤) عظيمةٍ، «فعيلة» بمعنى: «مفعولة»؛ وهي طائفةٌ (٥) من الجيش تُجْمَع، وسُمِّيت بذلك (٦)؛ لأنَّ أمير الجيش إذا رتَّبهم وجعل كلَّ طائفةٍ على حِدةٍ؛ كتبهم في ديوانه، وكان ذلك بعد قتل عليٍّ ﵁ واستِخلاف الحسن، وعند الطَّبريِّ بسندٍ صحيحٍ عن يونس بن يزيد عن الزُّهريِّ: أنَّ عليًّا جعل على مقدِّمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة، وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت،

стр. 12283

فلمَّا قُتِلَ عليٌّ؛ بايعوا الحسن ابنه بالخلافة (١)، وكان لا يحبُّ القتال، ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه، فعرف أنَّ قيس بن سعدٍ لا يطاوعه على الصُّلح، فنزعه، وعند الطَّبرانيِّ: بعث الحسنُ قيسَ بن سعدٍ على مقدِّمته في اثني عشر ألفًا؛ يعني: من الأربعين، فسار قيسٌ إلى جهة الشَّام، وكان معاوية لمَّا بلغه قتل عليٍّ خرج في عساكره من الشَّام، وخرج الحسن حتَّى نزل المدائن ((٢) قَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي) بتشديد اللَّام المكسورة: لا تدبر (حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا) التي تقابلها (٣)؛ وهي التي لخصومهم، أو الكتيبة الأخيرة التي لأنفسهم ومن ورائهم، أي: لا ينهزمون؛ إذ عند الانهزام يرجع الآخر أوَّلًا، قاله في «الكواكب»، وقال في «المصابيح»: «تُدْبِر» فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ للفاعل، من الإدبار، أي: حتَّى تجعل أخراها مَنْ تقدَّمها دبرًا لها، أي: تخلفها وتقوم مقامها، وفي «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٤] إنِّي لأرى كتائب لا تُولِّي حتَّى تقتل أقرانها (قَالَ مُعَاوِيَةُ) لعمرٍو: (مَنْ لِذَرَارِيِّ المُسْلِمِينَ؟) بالذَّال المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، أي: من يَكفَلُهم إن قُتِلَ آباؤهم؟ (فَقَالَ: أَنَا) أكفلهم، قال في «الفتح»: ظاهر قوله: «أنا» يوهم (٤) أنَّ المجيب عمرو بن العاص، ولم أرَ في طرق الحديث ما يدلُّ على ذلك، فإن كانت محفوظةً؛ فلعلَّها كانت: «فقال: أنَّىَ؟» بتشديد النُّون المفتوحة؛ قالها عمرو على سبيل الاستبعاد (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ) واسم جدِّه: كريزٌ العبشميُّ (٥) (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) وكلاهما من قريشٍ من بني عبد شمسٍ: (نَلْقَاهُ) بالقاف، أي: نجد معاوية (فَنَقُولُ لَهُ: الصُّلْحَ) أي: نحن نطلب الصُّلحَ، وفي «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٧٠٤] أنَّ معاوية هو الذي أرسلهما إلى الحسن يطلب منه الصُّلح، فيُحتَمل أنَّهما عرضا أنفسهما، فوافقهما. (قَالَ الحَسَنُ) البصريُّ بالسَّند السَّابق: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) نُفيعًا ﵁ (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ؛ جَاءَ الحَسَنُ) بن عليٍّ ﵄، زاد البيهقيُّ في «دلائله» من رواية عليِّ

стр. 12284

ابن زيدٍ عن الحسن: فصعِد المنبر (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١): ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) فأُطلق الابن على ابن البنت (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ): طائفة الحسن وطائفة معاوية ﵄، واستعمل «لعلَّ» استعمال «عسى»؛ لاشتراكهما في الرَّجاء، والأشهر في خبر «لعلَّ» بغير «أن»؛ كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ﴾ [الطلاق: ١] وفيه: أنَّ السِّيادة إنَّما يستحقُّها من ينتفع به النَّاس؛ لكونه علَّق السِّيادة بالإصلاح، وفيه عَلَمٌ من أعلام نبيِّنا ﷺ ؛ فقد ترك الحسن المُلك؛ ورعًا ورغبةً فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلَّةٍ ولا لقلَّةٍ (٢) ولا لذلَّةٍ، بل صالَح معاوية رعايةً للدِّين وتسكينًا للفتنة وحقن دماء المسلمين، ورُوِيَ: أنَّ أصحاب الحسن قالوا له (٣): يا عار المؤمنين! فقال (٤) ﵁: العار خيرٌ من النَّار، وفي الحديث أيضًا دلالةٌ على رأفة معاوية بالرَّعيَّة، وشفقته على المسلمين، وقوَّة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب. وحديث الحسن سبق في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٤] بأتمَّ من هذا. ٧١١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينارٍ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن الحسين بن عليٍّ أبو (٥) جعفرٍ الباقرُ: (أَنَّ حَرْمَلَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء (مَوْلَى أُسَامَةَ) بن زيدٍ، وهو مولى زيد بن ثابتٍ، ومنهم من فرَّق بينهما (أَخْبَرَهُ -قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (وَقَدْ رَأَيْتُ حَرْمَلَةَ-) المذكور،

стр. 12285

أي: وكان يُمكنني الأخذ عنه، لكن (١) لم أسمع منه هذا (قَالَ) أي: حَرْملة: (أَرْسَلَنِي أُسَامَةُ) بن زيدٍ من المدينة (إِلَى عَلِيٍّ) ﵁ بالكوفة؛ يسأله شيئًا من المال (وَقَالَ) أسامة: (إِنَّهُ) أي: عليًّا ﵁ (سَيَسْأَلُكَ (٢) الآنَ، فَيَقُولُ: مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ) أسامة عن مساعدتي في وقعة الجمل وصفِّين؟ وعُلِمَ أنَّ عليًّا كان يُنكر على من تخلَّف عنه، لا سيَّما أسامة الذي هو من أهل البيت (فَقُلْ لَهُ) أي: لعليٍّ، وفي الفرع مصلَّحًا على كشطٍ مصحَّحًا عليه: «فقلت له»، والذي في «اليونينيَّة» مصلّحٌ على كشطٍ: «فقل له»: (يَقُولُ لَكَ) أسامة: (لَوْ كُنْتَ) بتاء الخطاب (فِي شَِدْقِ الأَسَدِ) بكسر الشِّين المعجمة وقد تُفْتَح، وسكون الدَّال المهملة بعدها قافٌ، أي: جانب فمه من داخلٍ (لأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ) كنايةً عن الموافقة في حالة الموت؛ لأنَّ الذي يفترسه الأسد بحيث يجعله في شِدقه في عداد مَن هَلَكَ، ومع ذلك فقال: لو وصلت إلى هذا المقام؛ لأحببت أن أكون معك فيه؛ مواسيًا لك بنفسي (وَلَكِنَّ هَذَا) أي: قتال المسلمين (أَمْرٌ لَمْ أَرَهُ) لأنَّه لمَّا قَتَلَ مِرداسًا، ولامه النَّبيُّ ﷺ على ذلك آلى على نفسه ألَّا يقاتل مسلمًا أبدًا، قال حَرْملة: فذهبت إلى عليٍّ، فبلَّغته ذلك، وعند الإسماعيليِّ من رواية ابن أبي عمر عن سفيان: فجئت بها، أي: بالمقالة فأخبرته (فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا) وفي هامش «اليونينيَّة»: صوابه: «فلم يغني (٣) شيئًا»، قال السَّفاقسيُّ: إنَّما لم يعطهِ؛ لأنَّه لعلَّه سأله شيئًا من مال الله؛ فلم يرَ أن يعطيه (٤) لتخلُّفه عن القتال معه، قال حَرْملة (٥): (فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ) هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالبٍ (فَأَوْقَرُوا) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح القاف بعدها راءٌ، أي: حملوا (لِي رَاحِلَتِي) ما أطاقت حمله (٦)؛ لأنَّهم لمَّا علموا أنَّ عليًّا لم يعطِه شيئًا، وأنَّهم كانوا يَرونه واحدًا منهم؛ لأنَّه ﷺ كان يُجلسه على فخذه، ويجلس الحسن على الفخذ الأخرى ويقول: «اللَّهمَّ؛ إنِّي أحبُّهما»، عوَّضوه من أموالهم (٧)

стр. 12286

من ثيابٍ ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها. والحديث من أفراده. (٢١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه (إِذَا قَالَ) أحدٌ (عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ). ٧١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختِيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) وكان ابن عمر لمَّا مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته، وكان السَّبب في خلعه ما ذكره الطَّبريُّ: أنَّ يزيد بن معاوية كان أمَّر على المدينة ابن عمِّه عمَّار (١) بن محمَّد بن أبي سفيان، فأوفد إلى يزيد جماعةً من أهل المدينة؛ منهم: عبد الله بن (٢) غسيلِ الملائكة، وعبد الله بن أبي عمرٍو المخزوميُّ في آخرين، فأكرمهم وأجازهم، فرجعوا فأظهروا عيبه، ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثمَّ وثبوا على عمَّارٍ (٣) فأخرجوه، وخلعوا يزيد، فلمَّا وقع ذلك (جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ) بالمهملة ثمَّ المعجمة المفتوحتين: جماعته الملازمين لخدمته؛ خشيةَ أن ينكثوا مع أهل المدينة حين نكثوا بيعة يزيد (٤) (وَوَلَدَهُ، فَقَالَ) لهم: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُنْصَبُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد المهملة بعدها مُوحَّدةٌ (لِكُلِّ غَادِرٍ) بالغين المعجمة والدَّال المهملة، من الغدر (لِوَاءٌ) بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعل، أي: رايةٌ يُشْهَر (٥) بها على

стр. 12287

رؤوس الأشهاد (يَوْمَ القِيَامَةِ) بقدر غدرته (وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ) يزيد بن معاوية (عَلَى بَيْعِ (١) اللهِ وَرَسُولِهِ) أي: على شرط ما أمرا به من بيعة الإمام؛ وذلك أنَّ من بايع أميرًا؛ فقد أعطاه الطَّاعة، وأخذ منه العطيَّة، فكان كمن باع سلعةً وأخذ ثمنها (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ عُذْرًا) بضمِّ العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة في الفرع مُصلحًا، وفي «اليونينيَّة» وغيرها: «غَدْرًا» بفتح الغين المعجمة وسكون الدَّال المهملة (أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ) بفتح التَّحتيَّة قبل العين (رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ) وفي رواية صخر بن جُويريَة عن نافعٍ عند (٢) أحمد: «وإنَّ من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع الرَّجل رجلًا على بيع الله، ثمَّ ينكُث بيعته» (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ) أي: خلع يزيد (وَلَا بَايَعَ) أحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تابع» بالفوقيَّة والموحَّدة، بدل الموحَّدة والتَّحتيَّة (فِي هَذَا الأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ) بالفاء المفتوحة بعدها (٣) تحتيَّةٌ ساكنةٌ وصادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فلامٌ: القاطعة (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) وفيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار، وأنَّه لا ينخلع بالفسق، ولمَّا بلغ يزيد أنَّ أهل المدينة خلعوه؛ جهَّز لهم جيشًا مع مسلم بن عقبة المرِّيِّ (٥)، وأمره أن يدعوهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا؛ فيقاتلهم وأنَّه إذا ظهر؛ يبيح المدينة للجيش ثلاثًا، ثمَّ يكفُّ عنهم، فتوجَّه إليهم، فوصل في ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وستِّين (٦)، فحاربوه، وكانوا (٧) قد اتَّخذوا خندقًا، وانهزم أهل المدينة، وقُتِلَ حنظلة، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثًا فقُتِلَ جماعةٌ من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التَّابعين وهم ألفٌ وسبع مئة، وقُتِلَ من أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان، وقُتِلَ بها جماعةٌ من حَمَلة القرآن، وقُتِلَ جماعةٌ صبرًا؛ منهم: معقل بن سنان، ومحمَّد بن أبي الجهم بن حذيفة، وجالت (٨) الخيل في

стр. 12288

مسجد رسول الله ﷺ ، وبايع الباقين كرهًا على أنَّهم خَوَلٌ ليزيد، وأخرج يعقوب بن سفيان في «تاريخه» بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستِّين سنةً: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني: إدخال بني حارثة أهل الشَّام على أهل المدينة في وقعة الحرَّة، قال يعقوب: وكانت وقعة الحرَّة في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وستِّين، وذكر: أنَّ المدينة خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي من الطَّير (١) والسِّباع؛ كما قال ﵊، ثمَّ تراجع النَّاس إليها. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ في القول في الغيبة بخلاف الحضور نوع غدرٍ، وحديث الباب سبق في «الجزية» [خ¦٣١٨٨]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي». ٧١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحنَّاط؛ بالمهملة (٢) والنُّون (عَنْ عَوْفٍ) بفتح العين المهملة، آخره فاءٌ، الأعرابيِّ (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون، سيَّار بن سلامة أنَّه (قَالَ: لَمَّا) بتشديد الميم (كَانَ ابْنُ زِيَادٍ) هو عبيد (٣) الله بن زِيَادٍ -بكسر الزَّاي وفتح (٤) التَّحتيَّة المخفَّفة- ابن أبي سفيان الأمويُّ (وَمَرْوَانُ) بن الحكم بن أبي العاص ابن عمِّ عثمان (بِالشَّأْمِ)

стр. 12289

وقد كان ابن زيادٍ أميرًا بالبصرة ليزيد بن معاوية، فلمَّا بلغه وفاته، ورضي أهل البصرة بابن زيادٍ (١) أن يستمرَّ (٢) أميرًا عليهم حتَّى يجتمع النَّاس على خليفةٍ، فمكث قليلًا ثم أُخرِج من البصرةِ وتوجَّه إلى الشَّأم؛ وثب (٣) مروان بها على الخلافة (وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله على الخلافة أيضًا (بِمَكَّةَ) (٤) وسقطت الواو الأولى من «ووثب» لأبي ذرٍّ، وإثباتها أوجه، وإلَّا فيصير ظاهره: أنَّ وثوب ابن الزُّبير وقع بعد قيام ابن زيادٍ ومروان بالشَّأم، وليس كذلك؛ وإنَّما وقع في الكلام حذفٌ يبيِّنه ما عند الإسماعيليِّ من طريق يزيد بن زُرَيعٍ عن عوفٍ قال: حدَّثنا أبو المِنْهال قال: «لمَّا كان زمن إخراج ابن زيادٍ -يعني: من البصرة- وثب مروان بالشَّام، ووثب ابن الزُّبير بمكَّة» (وَوَثَبَ) عليها أيضًا (القُرَّاءُ) وهم الخوارج (بِالبَصْرَةِ) وجواب قوله: «لمَّا» من قوله: «لمَّا كان ابن (٥) زياد» قوله (٦): «وثب» على رواية (٧) حذف الواو، وأمَّا على رواية إثباتها؛ فقول أبي المِنْهال: (فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي) سلامة الرِّياحيِّ (إِلَى أَبِي بَرْزَةَ) بفتح الموحَّدة والزَّاي بينهما راءٌ ساكنةٌ: نَضْلَة؛ بالنُّون المفتوحة والضَّاد المعجمة السَّاكنة (الأَسْلَمِيِّ) الصَّحابيِّ (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُِلِّيَّةٍ) بضمِّ العين وكسرها، وتشديد اللَّام مكسورةً والتَّحتيَّة: غرفةٍ (لَهُ مِنْ قَصَبٍ) زاد الإسماعيليُّ من طريق يزيد بن زُرَيعٍ: «في يوم حارٍّ شديد الحرِّ» (فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الحَدِيثَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بالحديث» أي: يستفتح الحديث، ويطلب منه التَّحديث (فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ؛ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ؟) ولأبي ذرٍّ: «النَّاسُ فيه» (فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ: أنِّي) بفتح الهمزة، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (احْتَسَبْتُ) (٨) بفتح السِّين المهملة آخره فوقيَّةٌ بعد الموحَّدة السَّاكنة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أحتسِب» بكسر السِّين

стр. 12290

وإسقاط الفوقيَّة، أي: أنِّي أطلب (عند الله أنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إذ» (أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ) أي: على قبائلهم (إِنَّكُمْ -يَا مَعْشَرَ العَرَبِ- كُنْتُمْ عَلَى الحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ، وَإِنَّ اللهَ أَنْقَذَكُمْ) -بالقاف والذَّال المعجمة- من ذلك (بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ) من العزَّة والكثرة والهداية (وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ) يعني: مروان بن الحكم (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون (يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا، وإنَّ) بتشديد النُّون (هؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ) وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ: «إنَّ الذين حولكم يزعمون أنَّهم قُرَّاؤكم» (وَاللهِ إنْ يُقاتِلُونَ إلَّا علَى الدُّنيا، وإنَّ ذاكَ الَّذي بِمَكَّة) يعني: عبد الله بن الزُّبير (واللهِ إنْ يُقاتِلُ إلَّا علَى الدُّنْيا) وقوله: «وإنَّ هؤلاء … » إلى آخره ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ ساقطٌ لغيره، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الذين عابهم أبو بَرْزة كانوا يُظهِرون أنَّهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدِّين ونصر الحقِّ، وكانوا في الباطن إنَّما يقاتلون لأجل الدُّنيا. ٧١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أبو الحسن العسقلانيُّ، الخراسانيُّ (١) الأصل قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ) بن حيَّان الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ) واسم اليمان (٢): حُسَيلٌ -بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين آخره لامٌ- العبسيِّ -بالموحَّدة- ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنَّ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ) الكفر، فلا يتعدَّى شرُّهم إلى غيرهم (وَاليَوْمَ يَجْهَرُونَ) به، فيخرجون على الأئمَّة، ويوقعون الشَّرَّ بين الفِرَق (٣)، فيتعدَّى شرُّهم لغيرهم، وعند البزَّار من طريق عاصمٍ عن أبي وائلٍ: قلت لحذيفة: النِّفاق اليوم شرٌّ أم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: فضرب يده على جبهته، وقال: أوَّه! هو اليوم ظاهرٌ، وإنَّهم كانوا
следующие страницы →