← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

من ثيابٍ ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها. والحديث من أفراده. (٢١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه (إِذَا قَالَ) أحدٌ (عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ). ٧١١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختِيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنَّه (قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) وكان ابن عمر لمَّا مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته، وكان السَّبب في خلعه ما ذكره الطَّبريُّ: أنَّ يزيد بن معاوية كان أمَّر على المدينة ابن عمِّه عمَّار (١) بن محمَّد بن أبي سفيان، فأوفد إلى يزيد جماعةً من أهل المدينة؛ منهم: عبد الله بن (٢) غسيلِ الملائكة، وعبد الله بن أبي عمرٍو المخزوميُّ في آخرين، فأكرمهم وأجازهم، فرجعوا فأظهروا عيبه، ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثمَّ وثبوا على عمَّارٍ (٣) فأخرجوه، وخلعوا يزيد، فلمَّا وقع ذلك (جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ) بالمهملة ثمَّ المعجمة المفتوحتين: جماعته الملازمين لخدمته؛ خشيةَ أن ينكثوا مع أهل المدينة حين نكثوا بيعة يزيد (٤) (وَوَلَدَهُ، فَقَالَ) لهم: (إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يُنْصَبُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد المهملة بعدها مُوحَّدةٌ (لِكُلِّ غَادِرٍ) بالغين المعجمة والدَّال المهملة، من الغدر (لِوَاءٌ) بالرَّفع مفعولٌ ناب عن فاعل، أي: رايةٌ يُشْهَر (٥) بها على

стр. 12287

رؤوس الأشهاد (يَوْمَ القِيَامَةِ) بقدر غدرته (وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ) يزيد بن معاوية (عَلَى بَيْعِ (١) اللهِ وَرَسُولِهِ) أي: على شرط ما أمرا به من بيعة الإمام؛ وذلك أنَّ من بايع أميرًا؛ فقد أعطاه الطَّاعة، وأخذ منه العطيَّة، فكان كمن باع سلعةً وأخذ ثمنها (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ عُذْرًا) بضمِّ العين المهملة وسكون الذَّال المعجمة في الفرع مُصلحًا، وفي «اليونينيَّة» وغيرها: «غَدْرًا» بفتح الغين المعجمة وسكون الدَّال المهملة (أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ) بفتح التَّحتيَّة قبل العين (رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ القِتَالُ) وفي رواية صخر بن جُويريَة عن نافعٍ عند (٢) أحمد: «وإنَّ من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع الرَّجل رجلًا على بيع الله، ثمَّ ينكُث بيعته» (وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ) أي: خلع يزيد (وَلَا بَايَعَ) أحدًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تابع» بالفوقيَّة والموحَّدة، بدل الموحَّدة والتَّحتيَّة (فِي هَذَا الأَمْرِ إِلَّا كَانَتِ الفَيْصَلَ) بالفاء المفتوحة بعدها (٣) تحتيَّةٌ ساكنةٌ وصادٌ مهملةٌ مفتوحةٌ فلامٌ: القاطعة (٤) (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) وفيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار، وأنَّه لا ينخلع بالفسق، ولمَّا بلغ يزيد أنَّ أهل المدينة خلعوه؛ جهَّز لهم جيشًا مع مسلم بن عقبة المرِّيِّ (٥)، وأمره أن يدعوهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا؛ فيقاتلهم وأنَّه إذا ظهر؛ يبيح المدينة للجيش ثلاثًا، ثمَّ يكفُّ عنهم، فتوجَّه إليهم، فوصل في ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وستِّين (٦)، فحاربوه، وكانوا (٧) قد اتَّخذوا خندقًا، وانهزم أهل المدينة، وقُتِلَ حنظلة، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثًا فقُتِلَ جماعةٌ من بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التَّابعين وهم ألفٌ وسبع مئة، وقُتِلَ من أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان، وقُتِلَ بها جماعةٌ من حَمَلة القرآن، وقُتِلَ جماعةٌ صبرًا؛ منهم: معقل بن سنان، ومحمَّد بن أبي الجهم بن حذيفة، وجالت (٨) الخيل في

стр. 12288

مسجد رسول الله ﷺ ، وبايع الباقين كرهًا على أنَّهم خَوَلٌ ليزيد، وأخرج يعقوب بن سفيان في «تاريخه» بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: جاء تأويل هذه الآية على رأس ستِّين سنةً: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني: إدخال بني حارثة أهل الشَّام على أهل المدينة في وقعة الحرَّة، قال يعقوب: وكانت وقعة الحرَّة في ذي القعدة سنة ثلاثٍ وستِّين، وذكر: أنَّ المدينة خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي من الطَّير (١) والسِّباع؛ كما قال ﵊، ثمَّ تراجع النَّاس إليها. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ في القول في الغيبة بخلاف الحضور نوع غدرٍ، وحديث الباب سبق في «الجزية» [خ¦٣١٨٨]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي». ٧١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه بن نافعٍ الحنَّاط؛ بالمهملة (٢) والنُّون (عَنْ عَوْفٍ) بفتح العين المهملة، آخره فاءٌ، الأعرابيِّ (عَنْ أَبِي المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون، سيَّار بن سلامة أنَّه (قَالَ: لَمَّا) بتشديد الميم (كَانَ ابْنُ زِيَادٍ) هو عبيد (٣) الله بن زِيَادٍ -بكسر الزَّاي وفتح (٤) التَّحتيَّة المخفَّفة- ابن أبي سفيان الأمويُّ (وَمَرْوَانُ) بن الحكم بن أبي العاص ابن عمِّ عثمان (بِالشَّأْمِ)

стр. 12289

وقد كان ابن زيادٍ أميرًا بالبصرة ليزيد بن معاوية، فلمَّا بلغه وفاته، ورضي أهل البصرة بابن زيادٍ (١) أن يستمرَّ (٢) أميرًا عليهم حتَّى يجتمع النَّاس على خليفةٍ، فمكث قليلًا ثم أُخرِج من البصرةِ وتوجَّه إلى الشَّأم؛ وثب (٣) مروان بها على الخلافة (وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله على الخلافة أيضًا (بِمَكَّةَ) (٤) وسقطت الواو الأولى من «ووثب» لأبي ذرٍّ، وإثباتها أوجه، وإلَّا فيصير ظاهره: أنَّ وثوب ابن الزُّبير وقع بعد قيام ابن زيادٍ ومروان بالشَّأم، وليس كذلك؛ وإنَّما وقع في الكلام حذفٌ يبيِّنه ما عند الإسماعيليِّ من طريق يزيد بن زُرَيعٍ عن عوفٍ قال: حدَّثنا أبو المِنْهال قال: «لمَّا كان زمن إخراج ابن زيادٍ -يعني: من البصرة- وثب مروان بالشَّام، ووثب ابن الزُّبير بمكَّة» (وَوَثَبَ) عليها أيضًا (القُرَّاءُ) وهم الخوارج (بِالبَصْرَةِ) وجواب قوله: «لمَّا» من قوله: «لمَّا كان ابن (٥) زياد» قوله (٦): «وثب» على رواية (٧) حذف الواو، وأمَّا على رواية إثباتها؛ فقول أبي المِنْهال: (فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي) سلامة الرِّياحيِّ (إِلَى أَبِي بَرْزَةَ) بفتح الموحَّدة والزَّاي بينهما راءٌ ساكنةٌ: نَضْلَة؛ بالنُّون المفتوحة والضَّاد المعجمة السَّاكنة (الأَسْلَمِيِّ) الصَّحابيِّ (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُِلِّيَّةٍ) بضمِّ العين وكسرها، وتشديد اللَّام مكسورةً والتَّحتيَّة: غرفةٍ (لَهُ مِنْ قَصَبٍ) زاد الإسماعيليُّ من طريق يزيد بن زُرَيعٍ: «في يوم حارٍّ شديد الحرِّ» (فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الحَدِيثَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بالحديث» أي: يستفتح الحديث، ويطلب منه التَّحديث (فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ؛ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ؟) ولأبي ذرٍّ: «النَّاسُ فيه» (فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ: أنِّي) بفتح الهمزة، وفي «اليونينيَّة» بكسرها (احْتَسَبْتُ) (٨) بفتح السِّين المهملة آخره فوقيَّةٌ بعد الموحَّدة السَّاكنة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أحتسِب» بكسر السِّين

стр. 12290

وإسقاط الفوقيَّة، أي: أنِّي أطلب (عند الله أنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إذ» (أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ) أي: على قبائلهم (إِنَّكُمْ -يَا مَعْشَرَ العَرَبِ- كُنْتُمْ عَلَى الحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ، وَإِنَّ اللهَ أَنْقَذَكُمْ) -بالقاف والذَّال المعجمة- من ذلك (بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ) من العزَّة والكثرة والهداية (وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ) يعني: مروان بن الحكم (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون (يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا، وإنَّ) بتشديد النُّون (هؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ) وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ: «إنَّ الذين حولكم يزعمون أنَّهم قُرَّاؤكم» (وَاللهِ إنْ يُقاتِلُونَ إلَّا علَى الدُّنيا، وإنَّ ذاكَ الَّذي بِمَكَّة) يعني: عبد الله بن الزُّبير (واللهِ إنْ يُقاتِلُ إلَّا علَى الدُّنْيا) وقوله: «وإنَّ هؤلاء … » إلى آخره ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ ساقطٌ لغيره، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الذين عابهم أبو بَرْزة كانوا يُظهِرون أنَّهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدِّين ونصر الحقِّ، وكانوا في الباطن إنَّما يقاتلون لأجل الدُّنيا. ٧١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أبو الحسن العسقلانيُّ، الخراسانيُّ (١) الأصل قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ) بن حيَّان الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ) واسم اليمان (٢): حُسَيلٌ -بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين آخره لامٌ- العبسيِّ -بالموحَّدة- ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنَّ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ) الكفر، فلا يتعدَّى شرُّهم إلى غيرهم (وَاليَوْمَ يَجْهَرُونَ) به، فيخرجون على الأئمَّة، ويوقعون الشَّرَّ بين الفِرَق (٣)، فيتعدَّى شرُّهم لغيرهم، وعند البزَّار من طريق عاصمٍ عن أبي وائلٍ: قلت لحذيفة: النِّفاق اليوم شرٌّ أم على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: فضرب يده على جبهته، وقال: أوَّه! هو اليوم ظاهرٌ، وإنَّهم كانوا

стр. 12291

يستخفون على عهد رسول الله ﷺ … الحديث، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ جهرهم بالنِّفاق وشَهْر السِّلاح على النَّاس هو القول، بخلاف ما بذلوه من الطَّاعة حين (١) بايعوا أوَّلًا مَن خرجوا عليه آخرًا، قاله ابن بطَّالٍ. والحديث أخرجه النَّسانيُّ في «التَّفسير». ٧١١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَلاَّدٌ) بفتح المعجمة وتشديد اللَّام، ابن يحيى بن صفوان، أبو محمَّدٍ السُّلَمِيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين، ابن كِدَامٍ الكوفيُّ (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) بالحاء المهملة المفتوحة، واسم أبي ثابتٍ: قيس بن دينارٍ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها مثلَّثةٌ، فهمزةٌ ممدودًا (٢)، سُلَيمٍ -بضمِّ السين- ابن أسود المُحاربيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ) موجودًا (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (٣) ﷺ ، فَأَمَّا اليَوْمَ) بالنَّصب (فَإِنَّمَا هُوَ الكُفْرُ بَعْدَ الإِيْمَانِ) وفي روايةٍ: «فإنَّما هو الكفر أو الإيمان»، وحكى الحميديُّ في «جمعه» أنَّهما روايتان، قال السَّفاقِسيُّ: كان المنافقون على عهده ﷺ آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وأمَّا من جاء بعدهم؛ فإنَّه وُلِدَ في الإسلام وعلى فطرته، فمن كفر منهم فهو مرتدٌّ. انتهى. ومراد حذيفة نفي اتِّفاق الحكم، لا نفي الوقوع؛ إذ وقوعه ممكنٌ في كلِّ عصر، وإنَّما اختلف الحكمُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يتألَّفهم، فيقبل ما أظهروه من الإسلام، بخلاف الحكم بعده، وقيل: إنَّ المراد: أنَّ التَّخلُّف عن بيعة الإمام جاهليَّةٌ، ولا جاهليَّة في الإسلام. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المنافق في هذه الأزمان قال بكلمة الإسلام بعد أن وُلِدَ فيه، ثمَّ أظهر الكفر، فصار مرتدًّا، فدخل في التَّرجمة من جهة قوليه المختلفين، والله أعلم (٤).

стр. 12292

(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذْكَر فيه: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الغين المعجمة وفتح الموحَّدة والطَّاء مهملةً؛ والغِبْطة: تمنِّي حال المغبوط مع بقائها له. ٧١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس بن مالكٍ الأصبحيُّ، أبو عبد الله المدنيُّ، إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ الكوفيِّ (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) أي (٢): كنت ميِّتًا، وذلك عند ظهور الفتن وخوف ذهاب الدِّين؛ لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي، أو لما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيءٌ يتعلَّق بدينه، وعند مسلمٍ من طريق أبي حازمٍ عن أبي هريرة: «لا تذهب الدُّنيا حتَّى يمرَّ الرَّجل على القبر، فيتمرَّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت (٣) مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلَّا البلاء … » الحديث، وعن ابن مسعودٍ قال: سيأتي عليكم زمانٌ لو وجد أحدُكم الموتَ يباع لاشتراه، وعليه قول الشاعر: وهذا العيشُ ما لا خيرَ فيه … ألَّا موتٌ يباعُ فأشتريهِ وسبب ذلك أنَّه يقع البلاء والشِّدَّة حتَّى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء؛ فيتمنَّى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر «الرَّجل» في الحديث للغالب، وإلَّا فالمرأة يمكن (٤) أن تتمنَّى الموت لذلك أيضًا، نسأل الله العافية، والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن».

стр. 12293

(٢٣) (باب تَغْيِيرِ الزَّمَانِ) عن حاله الأوَّل (حَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ) بإسقاط النُّون لغير جازمٍ لغةً (١)، وفي «الفرع»: «حتَّى يَعبُدَ» بالتَّحتيَّة المفتوحة وضمِّ الموحَّدة ونصب الدَّال، وإسقاط الواو، وليست هذه في «اليونينيَّة»، ولأبي ذرٍّ: «تُعبَدَ» بضمِّ الفوقيَّة وفتح الموحَّدة مبنيًّا للمفعول: «الأوثانُ» رفعٌ؛ جمع: «وثن»، وهو معروفٌ. ٧١١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أنَّ أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (٢)»: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ): تتحرَّك (أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ) بفتح المهملة وسكون الواو بعدها سينٌ مهملةٌ: قبيلة أبي هريرة المشهورة (٣)، و «أليات» (٤): بفتح الهمزة واللَّام بعدها والتَّحتيَّة (٥)؛ جمع أَلْية؛ وهي العَجِيزة (عَلَى ذِي الخَلَصَةِ) قال ابن دِحْية: بضمِّ الخاء المعجمة واللَّام في قول أهل اللُّغة والسِّير، وبفتحهما قيَّدناه في «الصَّحيحين»، وكذا قال ابن هشامٍ، وقيَّده أبو الوليد الوقشيُّ (٦) بفتح (٧) الخاء المعجمة وسكون اللَّام، أي: لا تقوم السَّاعة حتَّى تتحرَّك أعجاز نساء دوسٍ من الطَّواف حول ذي الخلصة، أي: يكفرن ويرجعن إلى عبادة

стр. 12294

الأصنام، وعند الحاكم عن ابن عمر: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تُدافع مناكب نساء بني عامرٍ على ذي الخلصة» (وَذُو الخَلَصَةَ) هي أو فيها (طَاغِيَةُ دَوْسٍ) بالطَّاء المهملة والغين المعجمة، أي: أنَّ ذا الخلصة هي طاغية دوس، أي: صنمها، لكن سبق في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٥٧] أنَّ ذا الخلصة (١) موضعٌ ببلاد دوسٍ، فيه صنمٌ اسمه: الخلصة، وحينئذٍ فليس ذو الخلصة الطَّاغية نفسَها، وحينئذٍ فيقدَّر هنا «فيها» بعد قوله: «وذو (٢) الخلصة» أي: فيها طاغية دوسٍ، فهما اثنان أو واحدٌ (الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ) من دون الله (فِي الجَاهِلِيَّةِ) قال ابن بطَّال: وهذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به: أنَّ الدِّين ينقطع كلُّه في جميع الأرض حتَّى لا يبقى منه شيءٌ (٣)؛ لأنَّه ثبت أنَّ الإسلام يبقى إلى قيام السَّاعة إلَّا أنَّه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ. والحديث من أفراده. ٧١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُوَيْسيُّ (٤) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ ثَوْرٍ) بفتح المثلَّثة وسكون الواو بعدها راءٌ، ابن زيدٍ الدَّيليِّ (٥) (عَنْ أَبِي الغَيْثِ) بالغين المعجمة والمثلَّثة آخره، سالمٍ مولى عبد الله بن مطيعٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بعصًا» وقَحْطَان: بفتح القاف والطَّاء المهملة بينهما حاءٌ مهملةٌ ساكنةٌ، قال في «التَّذكرة»: ولعلَّ هذا الرَّجل القحطانيَّ هو الرَّجل الذي يُقال له: «الجهجاه» المذكور في الحديث الآخر (٦) عند مسلمٍ، وأصل الجهجهة: الصِّياح بالسَّبُع، يُقال:

стр. 12295

جهجهت بالسَّبُعِ، أي: زجرته بالصِّياح، وهذه الصِّفة توافق ذكر العصا (١)، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّ إطلاق كونه من قحطان ظاهره: أنَّه من الأحرار، وتقييده بأنَّ الجهجاه من الموالي يردُّ ذلك، وقوله: «يسوق النَّاس بعصاه» كنايةٌ عن انقيادهم إليه، ولم يُرِدْ نفس «العصا»، وإنَّما ضربها مثلًا لطاعتهم له واستيلائه عليهم، إلَّا أنَّ في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم وعسفه بهم، وقد قيل: إنَّه يسوقهم بعصاه كما تُساق الإبل والماشية؛ وذلك لشدَّة عنفه وعدوانه، وسبق في: «باب ذكر قحطان» من «مناقب قريش» [خ¦٣٥١٧] ما رواه نُعيم بن حمادٍ في «الفتن» من طريق أَرْطَاة بن المنذر أحد التَّابعين من أهل الشَّام: أنَّ القحطانيَّ يخرج بعد المهديِّ ويسير على سيرة المهديِّ، وأخرج أيضًا من طريق عبد الرَّحمن بن قيس بن جابرٍ الصدفيِّ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «يكون بعد المهديِّ القحطانيُّ، والذي بعثني بالحقِّ ما هو دونه»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا الثَّاني -مع كونه مرفوعًا- ضعيفُ الإسناد، والأوَّل -مع كونه موقوفًا- أصلحُ إسنادًا منه، فإن ثبت ذلك؛ فهو في زمن عيسى ابن مريم؛ لأنَّ عيسى إذا نزل يجد المهديَّ إمام المسلمين، وفي رواية أرطاة بن المنذر: أنَّ القحطانيَّ يعيش في الملك عشرين سنةً، واستُشكِل ذلك بأنَّه كيف يكون في زمن عيسى يسوق النَّاس بعصاه، والأمر إنَّما هو لعيسى؟ وأجيب بجواز أن يُقيمه عيسى نائبًا عنه في أمورٍ مهمَّةٍ عامَّةٍ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ سوق القحطانيِّ النَّاس إنَّما هو في تغيُّر الزَّمان، وتبدُّل أحوال الإسلام؛ لأنَّ هذا الرَّجل ليس من قريشٍ الذين فيهم الخلافة؛ فهو من فتن الزَّمان وتبديل (٢) الأحكام. والحديث سبق في «مناقب قريشٍ» [خ¦٣٥١٧]، وأخرجه مسلمٌ في «الفتن» (٣). (٢٤) (باب خُرُوجِ النَّارِ) من أرض الحجاز.

стр. 12296

(وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) بفتح الهمزة علامات قيامها، وانتهاء الدُّنيا وانقضائها (نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ) وهذا سبق موصولًا في إسلام عبد الله بن سَلَامٍ من طريق حُميدٍ في أواخر: «باب الهجرة» [خ¦٣٩٣٨]. ٧١١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة، ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) المخزوميُّ، أحد الأعلام الأثبات الفقهاء الكبار: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ) أي: تتفجَّر من أرض الحجاز (تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء مقصورًا، ونصب «أعناقَ» مفعول «تضيء» على أنَّه متعدٍّ (١)، والفاعل «النَّار» أي: تجعل على أعناق الإبل ضوءًا، «وبصرى»: مدينةٌ معروفةٌ بالشَّام، وهي مدينة حوران، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، وفي «كامل ابن عديٍّ» من طريق عمر بن سعيدٍ التَّنوخيِّ عن ابن شهابٍ عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ عن أبيه عن عمر بن الخطَّاب رفعه: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يسيل وادٍ من أودية الحجاز بالنَّار تُضيء له أعناق الإبل ببصرى»، قال في «الفتح»: «وعمر» ذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» وليَّنه ابن عديٍّ والدَّارقطنيُّ، وهذا ينطبق على النَّار المذكورة التي ظهرت بالمدينة في المئة السَّابعة (٢)، وتقدَّمتها (٣) -كما قال القطب القسطلانيُّ ﵀ في كتابه: «جمل (٤) الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز» - زلزلةٌ اضطرب النَّاقلون في تحقيق اليوم الذي ابتدأت فيه، فالأكثرون (٥) أنَّ ابتداءها كان يوم الأحد مُستَهَلَّ جمادى الآخرة من سنة أربعٍ وخمسين وستِّ مئةٍ، وقيل: ابتدأت

стр. 12297

ثالث الشَّهر، وجُمِعَ بأنَّ القائل بالأوَّل قال: كانت خفيفةً إلى ليلة الثُّلاثاء بيومها، ثمَّ ظهرت ظهورًا اشترك فيه الخاصُّ والعامُّ، واشتدَّت حركتها، وعظمت رجفتها، وارتَّجتِ الأرض بمَن عليها، وعجَّت الأصوات لباريها، تتوَّسل أن ينظر إليها، ودامت حركةً بعد حركة، حتَّى أيقن أهل المدينة بالهلكة، وزُلزِلوا زلزالًا شديدًا، فلمَّا كان يوم الجمعة في (١) نصف النَّهار؛ ثار في الجوِّ دخانٌ متراكم، أمره متفاقمٌ، ثمَّ شاع شعاع النَّار، وعلا حتَّى غشَّى الأبصار، وقال القرطبيُّ في «تذكرته»: كان بدؤها زلزلةً عظيمةً ليلة الأربعاء ثالث جُمادى الآخرة سنة أربعٍ وخمسين وستِّ مئةٍ إلى ضحى النَّهار يوم الجمعة، فسكنت (٢) بقريظة عند قاع التَّنعيم بطرف الحرَّة تُرَى (٣) في صورة البلد العظيم، عليها سورٌ محيطٌ بها، عليه شراريف كشراريف الحصون، وأبراجٌ ومآذن، ويُرَى رجالٌ يقودونها، لا تمرُّ على جبلٍ إلَّا دكَّته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك نهرٌ أحمر، ونهرٌ أزرق، له دويٌّ كدويِّ الرَّعد يأخذ الصُّخور والجبال بين يديه، وينتهي إلى محطِّ الرَّكب العراقيِّ، فاجتمع من ذلك ردمٌ صار كالجبل العظيم، وانتهتِ النَّار إلى قرب المدينة، وكان يأتي المدينة ببركة النَّبيِّ ﷺ نسيمٌ باردٌ، ويُشاهد من هذه النَّار غليانٌ كغليان البحر، وانتهت إلى قريةٍ من قرى اليمن فأحرقتها، وقال لي (٤) بعض أصحابنا: لقد رأيتها صاعدةً في الهواء من نحو خمسة أيَّامٍ من المدينة، وسمعت أنَّها رُئيَتْ (٥) من مكَّة ومن جبال بصرى. وقال أبو شامة: وردت كتبٌ من المدينة؛ في بعضها أنَّه ظهر نارٌ بالمدينة انفجرت من الأرض، وسال منها وادٍ من نارٍ حتَّى حاذى جبل أُحُدٍ، وفي (٦) أُخَر سَال منها وادٍ يكون (٧) مقداره أربعة (٨) فراسخ، وعرضه أربعة أميالٍ، يجري على وجه الأرض، يخرج منه (٩) مهادٌ وجبالٌ صغارٌ، وقال في «جمل الإيجاز»: وحكى

стр. 12298

لي جمعٌ ممَّن حضر: أنَّ النُّفوس سكرت من حلول الوجل، وفنيت (١) من ارتقاب نزول الأجل، وعجَّ المجاورون في الجؤار بالاستغفار، وعزموا على الإقلاع عن الإصرار، والتَّوبة عمَّا اجترحوا من الأوزار، وفزعوا إلى الصَّدقة بالأموال، فصُرِفَت عنهم النَّار ذات اليمين وذات الشِّمال، وظهر حسن بركة نبيِّنا ﷺ في أمَّته، ويُمْن طلعته في رفقته بعد فرقته؛ فقد ظهر أنَّ النَّار المذكورة في حديث الباب هي النَّار التي ظهرت بنواحي المدينة؛ كما فهمه القرطبيُّ وغيره، ويبقى النَّظر؛ هل هي من داخلٍ كالتنفُّس أو من خارجٍ؛ كصاعقةٍ نزلت؟ والظَّاهر الأوَّل، ولعلَّ التَّنفُّس حصل من الأرض لمَّا تزلزلت، وتزايلت عن مركزها الأوَّل وتخلخلت (٢)، وقد تضمَّن الحديث في ذكر النَّار ثلاثة أمورٍ: خروجها من الحجاز، وسيلان وادٍ منه بالنَّار، وقد وُجِدَا (٣)، وأمَّا الثَّالث -وهو إضاءة أعناق الإبل ببصرى- فقد جاء من أخبر به، فإذا ثبت هذا؛ فقد صحَّتِ الأمارات، وتمَّت العلامات (٤)، وإن لم يثبت؛ فتحمل إضاءة أعناق الإبل ببصرى على وجه المبالغة، وذلك في لغة العرب سائغٌ، وفي باب التَّشبيه في البلاغة بالغٌ، وللعرب في التَّصرُّف في المجاز ما يقضي (٥) للغتها بالسَّبق في الإعجاز، وعلى هذا يكون القصد بذلك التَّعظيم لشأنها، والتَّفخيم لمكانها، والتَّحذير من فورانها وغليانها، وقد وُجِدَ ذلك على وفق ما أخبر، وقد جاء من أخبر أنَّه أبصرها من تيماء وبصرى على مثل ما هي من المدينة في البعد، فتعيَّن أنَّها المراد، وارتفع الشَّكُّ والعناد، وأمَّا النَّار التي تحشر النَّاس؛ فنارٌ أخرى. وحديث الباب من أفراده.

стр. 12299

٧١١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ) بكسر الكاف وسكون النُّون، أبو سعيدٍ الأشجُّ، معروفٌ بكُنْيته وصفته قال: (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ) الكوفيُّ (١) الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب العمريُّ (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الموحَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ أخرى، ابن خبيب بن يسافٍ الأنصاريِّ (عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب، والضَّمير لعبيد الله بن عمر، لا لشيخه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُوشِكُ) -بكسر المعجمة- يقرب (الفُرَاتِ): النَّهر المشهور، وتاؤه مجرورةٌ على المشهور (أَنْ يَحْسِرَ) -بفتح التَّحتيَّة وسكون الحاء وكسر السِّين المهملتين، آخره راءٌ- يَكشِف (عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا) بجزم «فلا يأخذْ» على النَّهي (٢)، وإنَّما نهى عن الأخذ منه؛ لما ينشأ عن أخذه (٣) من الفتنة والقتال عليه، وفي مسلمٍ: «يحسر الفرات عن جبلٍ من ذهبٍ، فَيُقْتَل (٤) عليه النَّاس فيقتل من المئة تسعةٌ وتسعون، ويقول كلُّ رجل منهم: لعلِّي أكون أنا الذي أنجو»، والأصل أن يقول: أنا الذي أفوز به، فعدل إلى قوله: أنجو؛ لأنَّه إذا نجا من القتل؛ تفرَّد بالمال وملكه. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن»، وأبو داود في «الملاحم»، والتِّرمذيُّ في «صفة الجنَّة». (قَالَ عُقْبَةُ) بن خالد السَّكوني (٥) بالسَّند المذكور: (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين، العمريُّ المذكور قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ مِثْلَهُ) مثل الحديث السَّابق (إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَحْسِرُ) أي:

стр. 12300

الفرات (عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ) بدل قوله: «عن كنز»، وأشار به أيضًا إلى أنَّ لعبيد (١) الله العمريِّ فيه إسنادين. (٢٥) (بابٌ) -بالتَّنوين- بلا ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه. ٧١٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ شُعْبَةَ) ابن الحجَّاج أنَّه قال: (حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ) بفتح الميم والموحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن خالدٍ القاصُّ قال: (سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) بالحاء المهملة والمثلَّثة، الخزاعيَّ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا؛ فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ) وللكشميهنيِّ: «يمشي الرَّجل بصدقته» (فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا) زاد في: «باب الصَّدقة قبل الرَّدِّ» من «الزَّكاة» [خ¦١٤١١]: «يقول الرَّجل: لو جئتَ بها بالأمس لقبلتُها، فأمَّا اليوم فلا حاجة لي بها»، وهذا إنَّما يكون في الوقت الذي يستغني النَّاس فيه عن المال؛ لاشتغالهم بأنفسهم عند الفتنة، وهذا في زمن المسيح (٢) الدَّجَّال، أو يكون ذلك لفرط الأمن والعدل البالغ؛ بحيث يستغني كلُّ أحدٍ بما عنده عمَّا عند غيره، وهذا يكون في زمن المهديِّ وعيسى، أمَّا عند خروج النَّار التي تسوقهم إلى المحشر؛ فلا يلتفت أحدٌ إلى شيءٍ، بل يقصد نجاة نفسه ومن استطاع من أهله وولده، ويُحتمَل أن يكون «يمشي بصدقته … » إلى آخره، وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، فلا يكون من أشراط السَّاعة، وفي «تاريخ يعقوب بن سفيان» من طريق يحيى بن أسيد (٣) بن عبد الرَّحمن بن زيد بن الخطَّاب بسندٍ جيِّدٍ قال: لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتَّى جعل

стр. 12301

الرَّجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترَون في الفقراء، فما (١) يَبْرح حتَّى يرجع بماله، فيتذكَّر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع به، قد أغنى عمر بن عبد العزيز النَّاس؛ وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدلَ وإيصال الحقوق كلِّها (٢) لأهلها (٣) حتَّى استغنَوا (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُسَدَّدٌ) المذكور (حَارِثَةُ) بن وهبٍ (أَخُو عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عُمَرَ لأُمِّهِ) ﵁؛ هي أمُّ كلثوم بنت جَرْول بن مالك بن المسيِّب بن ربيعة بن أصرم الخزاعيَّة، ذكرها ابن سعدٍ قال: وكان الإسلام فرَّق بينها وبين عمر (قَالَهُ) أي: قول مسدَّدٍ هذا (أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ نفسه، وهذا -أي: قوله: «قاله (٤) أبو عبد الله» - ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي. ٧١٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ) تقدَّم [خ¦٦٩٣٥] أنَّ

стр. 12302

المراد بهما: عليٌّ ومن معه، ومعاوية ومن معه (١) (تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ) ذكر ابن أبي خيثمة: أنَّ الذي قُتِلَ من الفريقين سبعون ألفًا، وقيل: أكثر (دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ) كلُّ واحدةٍ منهما تدعو إلى الإسلام، وتتأوَّل كلُّ فرقةٍ أنَّها مُحِقَّةٌ، ويُؤخَذ منه الرَّدُّ على الخوارج ومَن معهم في تكفيرهم كُلًّا من الطَّائفتين، وفي روايةٍ: «دعواهما واحدةٌ» أي: دينهما واحدٌ، فالكلُّ مسلمون يدعون (٢) بدعوة الإسلام عند الحرب؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمَّدًا رسول الله ﷺ ، وكان سبب تقاتل الطَّائفتين ما أخرجه يعقوب بن سفيان بسندٍ جيِّدٍ عن الزُّهريِّ قال: لمَّا بلغ معاوية غلبة عليٍّ على أهل الجمل؛ دعا إلى الطَّلب بدم عثمان ﵁، فأجابه أهل الشَّام، فسار إليه عليٌّ ﵁، فالتقيا بصفِّين، وذكر يحيى بن سليمان الجعفيُّ أحد شيوخ البخاريِّ في «كتاب صفِّين» من تأليفه بسندٍ جيِّدٍ عن أبي مسلمٍ الخولانيِّ أنَّه قال لمعاوية: أأنت تُنازع عليًّا في الخلافة؟ أَوَ أنت مثله؟ قال: لا؛ وإنِّي لأعلم أنَّه أفضل منِّي وأحقُّ بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أنَّ عثمان ﵁ قُتِلَ مظلومًا؟ وأنا ابن عمِّه ووليُّه أطلب بدمه، فائتوا عليًّا، فقولوا له: يدفع لنا قتلة عثمان، فأتَوه فكلَّموه، فقال: يدخل في البيعة، ويحاكمهم إليَّ، فامتنع معاوية ﵁، فسار عليٌّ والجيوش من العراق حتَّى نزلوا (٣) صفِّين، وسار معاوية حتَّى نزل هناك، وذلك في ذي (٤) الحجَّة سنة ستٍّ وثلاثين، فتراسلوا، فلم يتمَّ لهم أمرٌ، فوقع القتال إلى أن قُتِلَ من الفريقين من قتل (٥)، وعند ابن سعدٍ: أنَّهم اقتتلوا في غرَّة صفرٍ، فلمَّا كاد أهل الشام أن يغلبوا؛ رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، ودعَوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين، فجرى ما جرى من اختلافهما، واستبداد معاوية بملك الشَّام، واشتغال عليٍّ بالخوارج (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُبْعَثَ) يظهر (دَجَّالُونَ) بفتح الدَّال المهملة والجيم المشدَّدة، جمع «دجَّال»، يُقال: دجل فلانٌ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ومنه أُخِذَ الدَّجَّال، ودجله: سحره، وقيل: سُمِّي الدَّجَّال دجَّالًا؛ لتمويهه على النَّاس وتلبيسه، يقال: دجل؛ إذا موَّه ولبَّس،

стр. 12303

والدَّجَّال يُطلَق (١) في اللُّغة على أوجهٍ كثيرةٍ؛ منها: الكذَّاب كما قال هنا: دجَّالون (كَذَّابُونَ) ولا يُجمَع ما كان على «فَعَّال» جمع تكسيرٍ عند جماهير النُّحاة؛ لئلَّا يذهب بناء المبالغة منه، فلا يُقال إلَّا: دجَّالون؛ كما قال ﵊، وإن كان قد جاء مكسَّرًا؛ فهو شاذٌّ؛ كما قال مالك بن أنسٍ ﵀ في محمَّد بن إسحاق: إنَّما هو دجَّالٌ (٢) من الدَّجاجلة (٣)، قال عبد الله بن إدريس الأَوديُّ: وما علمت أنَّ دجَّالًا يُجمع على «دجاجلة» حتَّى سمعتها من مالك بن أنسٍ ﵁، وهؤلاء الكذَّابون عددهم (قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ) وفي حديث حذيفة ﵁ عند أبي نعيمٍ -وقال: حديثٌ غريبٌ تفرَّد به معاوية بن هشامٍ-: «يكون في أمَّتي دجَّالون كذَّابون سبعةٌ وعشرون؛ منهم أربع نسوةٍ»، وأخرجه أحمد بسندٍ جيِّدٍ، وفي حديث ثوبان عند أبي داود والتِّرمذيِّ، وصحَّحه ابن حِبَّان والحاكم (٤): «وأنَّه سيكون في أمَّتي كذَّابون ثلاثون» (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ) زاد ثوبان: «وأنا خاتم النَّبيِّين لا نبيَّ بعدي»، ولأحمد وأبي يَعلى عن ابن عمر: «وثلاثون كذَّابون أو أكثر»، وعنه عند الطَّبرانيِّ (٥): «لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج سبعون كذَّابًا»، وسندهما ضعيفٌ، وعلى تقدير الثُّبوت فيُحمَل على المبالغة في الكثرة لا التَّحديد، وأمَّا رواية الثَّلاثين بالنِّسبة لرواية سبع وعشرين؛ فعلى طريق جبر الكسر، وقد ظهر ما في هذا الحديث، فلو عُدَّ من ادَّعى النُّبوَّة من زمنه ﷺ ممَّن اشتُهِر بذلك واتَّبعه جماعةٌ على ضلاله؛ لوُجِدَ هذا العدد، ومن طالع كتب الأخبار والتَّواريخ وجد ذلك، والفرق بين هؤلاء وبين الدَّجَّال الأكبر أنَّهم يدَّعون النُّبوَّة، وذلك يدَّعي الإلهيَّة، مع اشتراك الكلِّ في التَّمويه وادِّعاء الباطل العظيم (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ) بقبض العلماء، وقد وقع ذلك فلم يبق إلَّا رسمه (وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ) وقد كثر ذلك في البلاد الشَّمالية والشَّرقية والغربيَّة (٦)، حتَّى قيل: إنَّها استمرَّت في بلدةٍ من بلاد الرُّوم التي للمسلمين ثلاثة عشر شهرًا، وفي حديث سلمة بن نُفَيلٍ عند أحمد:

стр. 12304

«وبين يدي السَّاعة سنوات الزَّلازل» (وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ) عند زمان المهديِّ؛ لوقوع الأمن في الأرض، فيُستَلذُّ العيش عند ذلك؛ لانبساط عدله، فتُستَقصَر مدَّته؛ لأنَّهم يستقصرون مدَّة أيَّام الرَّخاء وإن طالت، ويستطيلون مدَّة (١) أيَّام الشِّدَّة وإن قصرت، أو المراد: يتقارب أهل الزَّمان في الجهل، فيكونون كلُّهم جهلاء، أو المراد: الحقيقة، بأن يعتدل اللَّيل والنَّهار دائمًا بأن تنطبق منطقة البروج على معدَّل النَّهار (٢) (وَتَظْهَرَ الفِتَنُ) أي: تكثر وتشتهر، فلا تُكتَم (وَيَكْثُرَ الهَرْجُ) بفتح الهاء وسكون الرَّاء بعدها جيمٌ (وَهْوَ القَتْلُ) في رواية ابن أبي شيبة: قالوا: يا رسول الله؛ وما الهرج؟ قال: «القتل»، وهو صريحٌ في أنَّ تفسير «الهرج» مرفوعٌ، ولا يعارضه كونه جاء موقوفًا في غير هذه الرِّواية، ولا كونه (٣) بلسان الحبشة (وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ، فَيَفِيضَ) بالنَّصب عطفًا على سابقه، أي: يكثر حتَّى يسيل (حَتَّى يُهِمَّ) -بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الهاء (٤) وتشديد الميم-: يُحزِنَ (رَبَّ المَالِ) مالكه (مَنْ) أي (٥): الذي (يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ) -فـ «ربَّ» مفعولٌ بـ «يهمَّ» - والموصول مع صلته فاعله (وَحَتَّى يَعْرِضَهُ) قال الطِّيبيُّ (٦): معطوفٌ على مقدَّرٍ؛ المعنى: حتَّى يُهِمَّ طلبُ من يقبل الصَّدقة صاحبَ المال في طلبه؛ حتَّى يجده وحتَّى يعرضه (فَيَقُولَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «حتى (٧) يعرضه عليه، فيقول» (الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ) أي: لا حاجةَ (لِي بِهِ) قال القرطبيُّ في «تذكرته»: هذا ممَّا لم يقع، بل

стр. 12305

يكون فيما يأتي، وقال في «الفتح»: التَّقييد بقوله: «فيكم» يُشعِر بأنَّه في زمن الصَّحابة، فهو إشارةٌ إلى ما فتح لهم من الفتوح، واقتسامهم أموال الفرس والرُّوم، وقوله: «فيفيض … » إلى آخره إشارةٌ إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز أنَّ الرَّجل كان لا يجد من يقبل صدقته كما مرَّ، وقوله: «حتَّى يعرضه … » إلى آخره إشارةٌ إلى ما سيقع زمن عيسى، فيكون فيه إشارةٌ إلى ثلاثة أحوالٍ: الأولى: كثرة المال فقط في زمن الصَّحابة، الثَّانية: فَيْضُه؛ بحيث يكثر فيحصل استغناء كلِّ أحدٍ عن أخذ مال غيره، ووقع ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، الثَّالثة: كثرته وحصول الاستغناء عنه حتَّى يُهِمَّ صاحب المال؛ لكونه لا يجد من يقبل صدقته، ويزداد (١) بأنَّه يعرضه على غيره ولو كان يستحقُّ الصَّدَقة، فيأبى أخذه، وهذا في زمن عيسى ﵇، ويحتمل أن يكون هذا الأخير عند خروج النَّار واشتغال النَّاس بالمحشر (٢) (وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي البُنْيَانِ) بأنَّ كلًا ممَّن يبني يريد (٣) أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، أو المراد: المباهاة به في الزِّينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازديادٍ (وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) لما يرى من عظيم البلاء، ورياسة (٤) الجهلاء، وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم، واستحلال الحرام، والتحكُّم بغير حقٍّ في الأموال والأعراض والأبدان كما في هذه الأزمان، فقد علا الباطل على الحقَّ، وتغلب العبيد على الأحرار من سادات الخلق، فباعوا الأحكام ورضي بذلك منهم الحكام، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلَّا إليه (وَ) لا تقوم السَّاعة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ) يعني (٥) (آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]) وفي هذه الآية بحوثٌ حسنةٌ تتعلَّق بعلم العربيَّة، وعليها تنبني مسائل من أصول الدِّين، وذلك أنَّ المعتزليَّ يقول: مجرَّد الإيمان الصَّحيح لا يكفي، بل لا بدَّ من انضمام عملٍ يقترن به

стр. 12306

ويصدِّقه، واستدلَّ بظاهر هذه الآية -كما قال في «الكشَّاف» - ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صفةٌ لقوله: ﴿نَفْسًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ﴾ والمعنى: أنَّ أشراط (١) السَّاعة إذا جاءت وهي آياتٌ ملجئةٌ مضطرَّةٌ ذهب أوانُ (٢) التَّكليف عندها، فلم ينفعِ الإيمان حينئذٍ نفسًا غير مقدِّمةٍ إيمانها قبل ظهور الآيات، أو مقدِّمةً إيمانها غير كاسبةٍ خيرًا في إيمانها، فلم يفرِّق -كما ترى- بين النَّفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النَّفس التي آمنت في وقتها (٣) ولم تكسب خيرًا؛ ليُعلم أنَّ قوله: ﴿الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفكَّ إحداهما عن (٤) الأخرى حتَّى يفوز صاحبهما (٥) ويسعد، وإلَّا فالشَّقوة والهلاك. انتهى. وقد أُجيب عن هذا الظَّاهر بأنَّ المعنيَّ بالآية الكريمة: أنَّه إذا أتى بعض الآيات؛ لا ينفع نفسًا كافرةً إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك، ولا ينفع نفسًا سبق إيمانها وما كسبت فيه خيرًا، فقد علَّق نفي الإيمان بأحد وصفين؛ إمَّا نفي سبق الإيمان فقط، وإمَّا سبقه مع نفي كسب الخير، ومفهومه: أنَّه ينفع الإيمان السَّابق وحده، أو السَّابق ومعه الخير، ومفهوم الصِّفة قويٌّ، فيُستَدلُّ بالآية لمذهب أهل السُّنَّة؛ فقد قلبوا دليلهم عليهم، وقال ابن المُنَيِّر ناصر الدِّين: هو يروم الاستدلال على أنَّ الكافر والعاصي في الخلود سواءٌ؛ حيث سوَّى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات، ولا يتمُّ ذلك؛ فإنَّ هذا الكلام في البلاغة يلقَّب باللَّفِّ، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنةً قبل إيمانها بعدُ، ولا نفسًا لم تكسب خيرًا قبلُ ما تكسبه من الخير بعدُ، فلفَّ الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا إيجازًا وبلاغةً، ويظهر بذلك أنَّها لا تخالف مذهب الحقِّ، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدِّم من الخلود؛ فهي بالرَّدِّ على مذهبه أَولى من أن تدلَّ له، وعند ابن مردويه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتينَّ على النَّاس ليلةٌ تعدل ثلاث ليالٍ من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك؛ يعرفها المتنفِّلون،

стр. 12307

يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم فيقرأ حزبه، ثمَّ ينام، ثمَّ يقوم (١)، فبينما هم كذلك؛ صاح (٢) النَّاس بعضهم في بعضٍ (٣) فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد: فإذا هم بالشَّمس قد طلعت من مغربها، فيضجُّ (٤) النَّاس ضجَّةً (٥) واحدةً (٦) حتَّى إذا صارت في وسط السَّماء؛ رجعت وطلعت من (٧) مطلعها، قال: حينئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها»، قال ابن كثيرٍ: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وليس هو في شيءٍ من الكتب السِّتَّة (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا) بغير تحتيَّةٍ بعد الموحَّدة في «ثوبهما» ليتبايعاه (فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ) وعند الحاكم من حديث عقبة بن عامرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «تطلع (٨) عليكم قبل السَّاعة سحابةٌ سوداء من قبل المغرب مثل التُّرس، فما تزال ترتفع حتَّى تملأ السَّماء، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أيُّها النَّاس -ثلاثًا- يقول في الثَّالثة: أتى أمر الله، قال: والذي نفسي بيده؛ إنَّ الرَّجلين لينشران الثَّوب بينهما فما يطويانه … » الحديث، (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ) بكسر اللَّام وسكون القاف بعدها حاءٌ مهملةٌ، واللِّقحة: اللَّبون من النُّوق (فَلَا يَطْعَمُهُ) أي: فلا يشربه (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهْوَ يُلِيْطُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر اللَّام بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ، أي: يُصلِح بالطِّين (حَوْضَهُ) فيسدّ شقوقه؛ ليملأه ويسقي منه دوابَّه (فَلَا يَسْقِي فِيهِ (٩)) أي: تقوم

стр. 12308

القيامة (١) قبل أن يسقي فيه (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ) بضمِّ الهمزة لقمته (إِلَى فِيهِ) إلى فمه (فَلَا يَطْعَمُهَا) أي: تقوم السَّاعة قبل أن يضع لقمته في فِيْه أو قبل أن يمضغها أو يبتلعها، وعند البيهقيِّ عن أبي هريرة رفعه: «تقوم السَّاعة على رجلٍ أُكْلَته في فِيه يلوكها، فلا يسيغها (٢) ولا يلفظها»، وهذا كلُّه إشارةٌ إلى أنَّ القيامة (٣) تقوم بغتةً، وأسرعها رفع اللُّقمة إلى الفم. والحديث من أفراده. (٢٦) (باب ذِكْرِ الدَّجَّالِ) بتشديد الجيم «فعَّال» من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتَّلبيس، وهو الذي يظهر في آخر الزَّمان يدَّعي الإلهيَّة، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مخلوقاته؛ كإحياء الميِّت الذي يقتله، وإمطار السَّماء، وإنبات الأرض بأمره، ثمَّ يُعجِزه الله بعد ذلك، فلا يقدر على شيءٍ، ثمَّ يقتله عيسى ﵇، وفتنته عظيمةٌ جدًّا تُدْهِش العقول، وتحيِّر الألباب. ٧١٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسٌ) هو ابن أبي حازمٍ (قَالَ: قَالَ لِي المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) ﵁: (مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: «أكثر ما سألته» (وَإِنَّهُ) ﷺ (قَالَ لِي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟) أي: من الدَّجَّال (قُلْتُ): يا رسول الله؛ الخشية منه (لأَنَّهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أنَّهم» (يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الموحَّدة بعدها زايٌ، أي: معه من الخبز قدر الجبل، وعند مسلمٍ من رواية هشيمٍ: «جبال خبزٍ ولحمٍ» (وَنَهَْرَ مَاءٍ) بفتح النُّون والهاء وتسكَّن (قَالَ) ﷺ (٤): (هُوَ أَهْوَنُ

стр. 12309

عَلَى اللهِ) من أن يجعل شيئًا (مِنْ ذَلِكَ) آيةً على صدقه، لا سيَّما وقد جعل الله فيه آيةً ظاهرةً في كذبه وكفره يقرؤها من قرأ ومن لم يقرأ؛ زيادةً على شواهد كذبه من حدثه ونقصه بالعور، وليس المراد ظاهره وأنَّه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك، بل هو على التَّأويل المذكور. والحديث أخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الفتن». ٧١٢٤ - ٧١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الطَّلْحيُّ مولاهم، أبو محمَّد الكوفيُّ، وزيادة التَّحتيَّة بعد العين تحريفٌ، قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بالشِّين المعجمة المفتوحة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ فألفٌ فنونٌ، ابن عبد الرَّحمن النَّحْويُّ المؤدِّب التَّميميُّ مولاهم البصريُّ، أبو معاوية (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ) عمِّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَجِيءُ الدَّجَّالُ) من أرضٍ بالمشرق يُقال لها: خراسان (حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ المَدِينَةِ) ولابن ماجه: «نزل (١) عند الطَّريق الأحمر عند منقطع السَّبخة» (ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ) بفتح الجيم (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ) قيل: والمراد بالكافر: غُلاة الرَّوافض؛ لأنَّهم كَفَرةٌ. والحديث من أفراده. وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (٢) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ): «المسيح»

стр. 12310

بالحاء المهملة لا بالمعجمة، وقال صاحب «القاموس»: إنَّه اجتمع له من الأقوال في سبب تسمية المسيح خمسون قولًا (١) (وَلَهَا) أي: المدينة (يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ) زاد الحاكم من رواية الزُّهريِّ عن طلحة بن عبيد الله بن عوفٍ عن عياض بن مسافعٍ عن أبي بَكْرة: «يذبَّان عنه رعب المسيح». وهذا الحديث ثابتٌ هنا في رواية أبي الوقت وأبي ذرٍّ عن المُستملي وحده، ساقطٌ لغيرهما. ٧١٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذَكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄، قال البخاريُّ (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة: أظنُّه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط قوله «أُراه … » إلى آخره للمُستملي وأبي زيدٍ المروزيِّ وأبي أحمد الجرجانيِّ، فيصير موقوفًا، لكنَّه في الأصل مرفوعٌ؛ كما في «مسلمٍ» (قَالَ): إنَّ الدَّجَّال (أَعْوَرُ عَيْنِ اليُمْنَى) من إضافة الموصوف إلى الصِّفة على رأي الكوفيِّين، أو مؤوَّلٌ على الحذف، أي: أعور عين الجهة اليمنى (كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بلا همزٍ ناتئةٌ، ولم يذكر الموصوف بذلك، ومثله عند الإسماعيليِّ، لكنَّه قال في آخره: «يعني: الدَّجَّال». وهذا الحديث ساقطٌ هنا من رواية الحَمُّويي. ٧١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بالموحَّدة

стр. 12311

المكسورة والمعجمة السَّاكنة، العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتين (١) آخره راءٌ، ابن كِدَامٍ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ) الدَّجَّال (لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لكلِّ بابٍ» (مَلَكَانِ) يحرسونها منه. وهذا الحديث ثبت للمُستملي وحده. (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّدٌ صاحب «المغازي»، ممَّا وصله الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من رواية محمَّد بن سلمة الحرَّانيِّ عنه (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ البَصْرَةَ، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفيعٌ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ … بِهَذَا) أي: أصل الحديث السَّابق، وتمامه -كما في الطَّبرانيِّ- بعد قوله: فلقيت أبا بَكْرة فقال: أشهد أنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلُّ قريةٍ يدخلها فزع الدَّجَّال إلَّا المدينة، يأتيها ليدخلها، فيجد على بابها مَلَكًا مُصَلتًا بالسَّيف، فيُرَدُّ عنها»، قال الطَّبرانيُّ: لم يروِه عن (٢) صالحٍ إلَّا ابن إسحاق، وأراد المؤلِّف بذكر هذا هنا: ثبوت لقاء إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ لأبي بَكْرة؛ لأنَّ إبراهيم مدنيٌّ، وقد تُستَنكَر روايته عن أبي بكرة؛ لأنَّه نزل البصرة من عهد عمر إلى أن مات. وهذا التَّعليق ثابتٌ في رواية المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ. ٧١٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأُويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه

стр. 12312

(عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ) بضمِّ الهمزة وكسر المعجمة (وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ) تحذيرًا لهم من فتنته، وفي حديث أبي عبيدة بن الجرَّاح عند أبي داود وحسَّنه التِّرمذيُّ: «لم يكن نبيٌّ بعد نوحٍ إلَّا وقد أنذر قومه الدَّجَّال»، وعند أحمد من وجهٍ آخر عن ابن عمر: «لقد أنذره (١) نوحٌ أمَّته، والنَّبيُّون من بعده»، وإنَّما أنذر نوحٌ وغيره أمَّته به -وإن كان إنَّما يخرج بعد وقائع وأنَّ عيسى يقتله- لأنَّهم أنذروا به إنذارًا غير معيَّنٍ بوقت خروجه؛ فحذَّروا قومهم فتنته، ويدلُّ له قول نبيِّنا ﷺ في بعض طرق الحديث: «إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه (٢)»، فقد حملوه على أنَّه كان قبل أن يعلم وقت خروجه وعلاماته، فكان ﷺ يجوز أن يكون (٣) خروجه في حياته ﷺ ، ثمَّ أعلمه الله بعد ذلك، فأخبر به أمَّته، وخصَّ نوحًا (٤) بالذِّكر؛ لأنَّه مقدَّم المشاهير من الأنبياء؛ كما خُصَّ بالتَّقديم في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] (وَلَكِنِّي) وللكشميهنيِّ: «ولكنْ» (سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ (٥)) والسِّرُّ في تخصيصه ﵊ بذلك؛ لأنَّ الدَّجَّال إنَّما يخرج في أمَّته دون غيرها من الأمم: (إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) يُحتَمَل أنَّ أحدًا من الأنبياء غير نبيِّنا ﷺ لم يُخبَر بأنَّه أعور، أو أُخبِر ولم يُقدَّر له أن يُخبِر به؛ كرامةً لنبيِّنا ﷺ ؛ حتَّى يكون هو الذي يبيِّن بهذا الوصف دحوض حجَّته الدَّاحضة، ويبصِّر بأمره جُهَّال العوامِّ فضلًا عن ذوي الألباب والأفهام.

стр. 12313

٧١٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكيرٍ، المخزوميُّ مولاهم (١) المصريُّ (٢)، ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام الفقيه الفهْميُّ، أبو الحارث المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح العين- الأَيْلِيِّ؛ بفتح الهمزة وسكون التَّحتيَّة وكسر اللَّام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ) زاد في «التَّعبير» [خ¦٦٩٩٩] «رأيتني أطوف» (بِالكَعْبَةِ؛ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ) بمدِّ الهمزة أسمر (سَبْطُ الشَّعَرِ) بفتح المهملة وسكون الموحَّدة وتُكسر: مُستَرسِله، غير جعدٍ (يَنْطُفُ) بضمِّ الطَّاء المهملة في الفرع وفي «الفتح» بكسرها: يَقْطُر (أَوْ) قال: (يُهَرَاقُ) بفتح الهاء بعد ضمِّ التَّحتيَّة، والشَّكِّ من الرَّاوي (رَأْسُهُ مَاءً) وفي رواية مالكٍ: «له لِمَّة قد رجَّلها، فهي تقطر ماءً» واللِّمَّةُ بكسر اللَّام: شعر الرَّأس، وكأنَّه يقطر من الذي سرَّحه به، أو أنَّ المراد الاستعارة، وكنِّي بذلك عن مزيد النَّظافة والنَّضارة (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ) عيسى ﵉ (ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ) اللَّون (جَعْدُ) شعر (الرَّأْسِ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة (أَعْوَرُ العَيْنِ، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بارزة، وهي غير الممسوحة، وهي بغير همزٍ على الرَّاجح، ولبعضهم بالهمز، أي: ذهب ضوءُها، قال القاضي عياضٌ: رويناه عن الأكثر بغير همزٍ، وهو الذي صحَّحه الجمهور، وجزم به الأخفش؛ ومعناه: أنَّها ناتئةٌ نتوء حبَّة العنب من بين أخواتها، وضبطه بعضهم بالهمز (٣) وأنكره بعضهم، ولا وجه لإنكاره؛ فقد جاء في آخر (٤) أنَّه ممسوح العين، مطموسةٌ، وليست حَجْراء (٥) ولا ناتئةً، رواه أبو داود، وهذه صفة حبَّة العنب إذا سال ماؤها، وقال في «الفتح»: والصَّواب أنَّه بغير همزٍ؛ لأنَّه قيَّده في رواية الباب بأنَّها اليمنى، وصرَّح في حديث ابن مغفَّلٍ وسَمُرة بأنَّ اليسرى ممسوحةٌ، والطَّافية البارزة، قال: والعجب ممَّن يجوِّز الهمز وعدمه مع تضادِّ المعنى في حديثٍ واحدٍ، فلو كان ذلك في حديثين؛ لسهُل

стр. 12314

الأمر، وزاد في رواية حنظلة: اليمنى، وكذا في رواية شعيبٍ عند المؤلِّف في «التَّعبير» [خ¦٦٩٩٩]، وفي «مسلمٍ» عن حذيفة: أعور عين اليسرى، ومقتضاه: أنَّ كلًّا من عينيه عوراء، وفي حديث حذيفة (١) أيضًا: مطموس العين، عليها ظُفَرةٌ غليظةٌ، وفي حديث سعيدٍ عند أحمد والطَّبرانيِّ: «أعور عينه اليسرى، بعينه اليمنى ظفرةٌ (٢) غليظةٌ»؛ والظَّفَرة (٣): تغشى العين، إذا لم تُقطع عميت العين، وفي حديث عبد الله بن مغفَّلٍ عند الطَّبرانيِّ: «ممسوح العين»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند أحمد: «وعينه (٤) اليمنى عوراء جاحظةٌ كأنَّها نخاعةٌ في أصل حائطٍ مجصَّصٍ، وعينه اليسرى كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ»، فوصف عينيه معًا، والمراد بوصفها بـ «الكوكب» شدَّة اتِّقادها، وعند أحمد والطَّبرانيِّ من حديث أُبَيِّ بن كعبٍ: «إحدى عينيه (٥) كأنَّها زجاجةٌ خضراء»، وهو يوافق وصفها بالكوكب، وظاهر هذه الرِّوايات التَّضادُّ، ولكنَّ وصف اليمنى بالعَوَر أرجح؛ لاتِّفاق الشَّيخين عليه من حديث ابن عمر [خ¦٣٤٣٩] ويُحتَمل أن يكون كلٌّ من عينيه عوراء، فإحداهما بما أصابها من (٦) الظَّفرة الغليظة المُذهبة للإدراك، والأخرى من أصل الخِلقة، فيكون الدَّجَّال أعمى (٧) أو قريبًا منه، لكنَّ وصف إحداهما بالكوكب الدُّرِّيِّ يردُّ هذا الاحتمال، فالأقرب أنَّ الذي ذهب ضوءُها هي المطموسة الممسوحة، والأخرى معيبةٌ (٨) بارزةٌ معها بقاء ضوءٍ؛ فلا تنافي؛ لأنَّ كثيرًا ممَّن يحدث له النُّتوء يبقى معه الإدراك، فيكون الدَّجَّال من هذا القبيل، وعند الطَّبرانيِّ من حديث عبد الله بن مُغفَّلٍ: أنَّه آدمُ، فيجمع بينه وبين وصفه هنا بأنَّه أحمر بأنَّ (٩) أدمته صافيةٌ، ولا ينافي أن يوصف

стр. 12315

مع ذلك بالحمرة؛ لأنَّ كثيرًا من الأدم قد تحمرُّ وجنته (قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ) قال في «الفتح»: لم أقف على اسم القائل مُعيَّنًا (أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا) بفتح المعجمة والموحَّدة (ابْنُ قَطَنٍ) بفتح القاف والطَّاء المهملة بعدها نونٌ، اسمه: عبد العزَّى بن قطن بن عمرو بن جندب بن سعيد (١) بن عائذ بن مالك بن المصطلق، واسم أمِّه: هالة بنت خويلدٍ (٢) قاله الدِّمياطيُّ، والمحفوظ أنَّه هلك في الجاهليَّة، كما قاله الزُّهريُّ (رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ). والحديث سبق في «التَّعبير» [خ¦٦٩٩٩]. ٧١٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى بن عمرو بن أويسٍ (٣) الأُويسيُّ (٤) المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) -بسكون العين- القرشيُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ) بالله تعالى (فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) تعليمًا لأمَّته؛ إذ لا فتنة أعظم من فتنته. والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣٢]. ٧١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة، العتكيُّ مولاهم، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنِي (٥)) بالإفراد (أَبِي) عثمان (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عمير

стр. 12316

الكوفيِّ (١) (عَنْ رِبْعِيٍّ) بكسر الرَّاء وسكون الموحَّدة، ابن حِراشٍ؛ بكسر الحاء المهملة، آخره شينٌ معجمةٌ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ فِي) شأن (الدَّجَّالِ: إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا فَنَارُهُ) التي (٢) يراها الرَّائي نارًا (مَاءٌ بَارِدٌ) في نفس الأمر (وَمَاؤُهُ) الذي يراه ماءً (نَارٌ) في نفس الأمر، فذلك راجعٌ إلى اختلاف المرئيِّ بالنسبة إلى الرائي، فيُحتمَل أن يكون الدَّجَّال ساحرًا، فيُخيِّل الشَّيء بصورة عكسه، قال في «الكواكب»: فإن قلت: النَّار كيف تكون (٣) ماءً وهما حقيقتان مختلفتان؟ وأجاب بأنَّ المعنى (٤): ما صورته نعمةٌ ورحمةٌ، فهو في الحقيقة (٥) -لمن مال إليها (٦) - نقمةٌ، وبالعكس (٧)، وفي رواية أبي مالك الأشجعيِّ عن رِبعيٍّ عند «مسلمٍ»: «فإمَّا أَدْرَكَنَّ أحدًا؛ فليأت النَّهر الذي يراه نارًا وليغمِّصن (٨) ثمَّ ليطأطئ رأسه، فيشرب منه؛ فإنَّه ماءٌ باردٌ»، وفي رواية شعيب بن صفوان عن عبد الملك عن رِبعيٍّ عن عقبة بن عمرٍو أبي مسعودٍ الأنصاريِّ عند «مسلمٍ»: «فمن أدرك ذلك منكم؛ فليقع في الذي يراه نارًا، فإنَّه ماءٌ عذبٌ طيِّبٌ»، وفي «مسلمٍ» أيضًا عن أبي هريرة ﵁: «وإنه يجيء معه مثل الجنَّة والنَّار، فالتي يقول: إنَّها جنَّةٌ هي النَّار»؛ وهذا من فتنته التي امتحن الله بها عباده، فيُحقُّ الحقَّ ويُبطل الباطل، ثم يفضحه ويظهر للنَّاس عجزه (قَالَ ابن مَسْعُودٍ) عبد الله: (أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) كذا في الفرع: «ابن» بالنُّون بعد الموحَّدة، مصلَّحةً على كشطٍ، والذي في «اليونينيَّة» وغيرها: «أبو مسعود» «بواوٍ» بدل: «النُّون»؛ وهو عقبة بن عمرٍو (٩) البدريُّ الأنصاريُّ وهذا هو الصَّواب، فقد رواه مسلمٌ عن رِبعيٍّ، عن (١٠) عقبة بن عمرٍو أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال:

стр. 12317

«انطلقت معه (١) إلى حذيفة، فقال له عقبة: حدِّثني ما (٢) سمعتَ من رسول الله ﷺ في الدَّجَّال» الحديث، وفي آخره: قال عقبة: وأنا قد سمعته من رسول الله ﷺ ؛ تصديقًا لحذيفة، وعنده أيضًا عن ربعيٍّ قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا بما مع الدَّجَّال أعلم منه، الحديث، ثمَّ قال في آخره: قال أبو مسعود: هكذا سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول. ٧١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ) بضمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ حرف تنبيهٍ (إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) إنَّما اقتصر على وصف الدَّجَّال بالعور مع أنَّ أدلَّة الحدوث (٣) كثيرةٌ ظاهرةٌ؛ لأنَّ العَوَر أثرٌ محسوسٌ يُدركه كلُّ أحدٍ، فدعواه الرُّبوبيَّة مع نقص خلقته علم كذبه؛ لأنَّ الإله يتعالى عن النَّقص (وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) برفع «مكتوبٌ»، فاسم «إنَّ» محذوف؛ وهو ضمير نصبٍ إمَّا ضمير الشَّأن، أو عائدٌ على الدَّجَّال، و «بين عينيه مكتوبٌ» جملةٌ هي الخبر، و «كافرٌ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: بين عينيه شيءٌ مكتوبٌ، وذلك الشَّيء هو كلمة كافرٍ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مكتوبًا» بالنَّصب، قال في «المصابيح»: فالظَّاهر جعله اسم «إنَّ»، و «كافرٌ» على ما سبق، ولا يحتاج مع هذا إلى أن يرتكب حذف اسم «إنَّ» مع كونه ضميرًا؛ فإنَّه ضعيفٌ أو قليلٌ. انتهى. وقوله في «الفتح»: وإمَّا حالٌ، قال العينيُّ: ليس صحيحًا، بل قوله: «كافرٌ» عمل فيه «مكتوبٌ»، وزاد أبو أمامة عند ابن ماجه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ»، وهذا إخبارٌ بالحقيقة؛ لأنَّ الإدراك في البصر (٤) يخلقه الله للعبد (٥) كيف شاء، ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن

стр. 12318

بعين بَصَره ولو (١) كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة (فِيهِ) أي: في الباب (أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ) أي: يدخل فيه حديثهما (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فأمَّا حديث أبي هريرة، فسبق في «ترجمة نوحٍ» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٨] وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ فـ «في صفة موسى» [خ¦٣٢٣٩] وقد وصف ﷺ (٢) الدَّجَّال وصفًا لم يبق معه لذي لبٍّ إشكالٌ، وتلك الأوصاف كلُّها ذميمةٌ تبيِّن لكلِّ ذي حاسَّةٍ سليمةٍ كذبه فيما يدَّعيه، وإنَّ الإيمان به حقٌّ، وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافًا لمن أنكر ذلك من الخوارج وبعض المعتزلة، ووافقنا على إثباته بعض الجهميَّة وغيرهم، لكن زعموا أنَّ ما عنده مخاريق (٣) وحيلٌ؛ لأنَّها لو كانت أمورًا صحيحةً؛ لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصَّادق، وحينئذٍ لا يكون فرقٌ بين النَّبيِّ والمتنبِّي، وهذا هذيان لا يُلتفَت إليه ولا يُعرَّج عليه؛ فإن هذا (٤) إنَّما كان يلزم لو أنَّ الدَّجَّال يدَّعي النُّبوَّة وليس كذلك، فإنَّه إنَّما يدَّعي الإلهيَّة، ولهذا قال ﵊: «إنَّ الله ليس بأعور» تنبيهًا للعقول على حدوثه (٥) ونقصه (٦)، وأمَّا الفرق بين النَّبيِّ والمتنبِّي؛ فالمعجزة لا تظهر على يد المتنبيِّ (٧)، لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصِّدق دليل الكذب وهو محالٌ (٨)، وقوله: إنَّ الذي يأتي (٩) به الدَّجَّال حيلٌ ومخاريق، فقول معزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبيُّ ﷺ من تلك الأمور حقائق، والعقل لا يحيل شيئًا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها. انتهى. ملخَّصًا من «التَّذكرة». (٢٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر (١٠) فيه: (لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة.

стр. 12319

٧١٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ قال (١): (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريّ ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (٢) (¬ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِي الدَّجَّالُ) إلى ظاهر المدينة (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ) بكسر النُّون، جمع «نَقْبٍ» بفتحها وسكون القاف؛ مثل «حبلٍ وحبال» و «كلبٍ وكلابٍ»: طريقٌ بين الجبلين أو بقعةٌ بعينها (فَيَنْزِلُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ينزل» (بَعْضَ السِّبَاخِ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف الموحَّدة وبعد الألف (٣) خاءٌ معجمةٌ، جمع سبخةٍ: أرضٌ لا تُنبت شيئًا لملوحتها، خارج المدينة من غير جهة الحرَّة؛ وهي (الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ) من قبل (٤) الشَّام (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ) من المدينة (يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَ (٥) هْوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ (٦) النَّاسِ) قيل: هو الخضر (فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَهُ) وفي رواية عطيَّة عن أبي سعيدٍ عند أبي يَعلى والبزَّار: فيقول: «أنت الدَّجَّال الكهَّان (٧) الذي أنذرَناه

стр. 12320

رسول الله (١) ﷺ »، وزاد: «فيقول له الدَّجَّال: لتطيعني فيما آمرك به أو لأشقنَّك شقَّتين، فينادي: يا أيُّها النَّاس؛ هذا المسيح الكذَّاب» (فَيَقُولُ الدَّجَّالُ) أي: لأوليائه كما في رواية عطيَّة: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا) الرَّجل، أي: الذي خرج إليه (ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ؛ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟) أي: الذي يدَّعيه من الإلهيَّة (فَيَقُولُونَ) أي: أولياؤه من أتباعه: (لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ) وفي حديث عطيَّة: فيأمر به فتُمدُّ رجلاه (٢)، ثمَّ يأمر بحديدةٍ، فتوضع على عجب ذنبه، ثمَّ يشقُّه شقَّين (٣)، ثمَّ قال الدَّجَّال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت لكم هذا، ألستم تعلمون أنِّي ربُّكم؟ فيقولون: نعم، فأخذ عصاه فضرب إحدى شقّيه (٤)، فاستوى قائمًا، فلمَّا رأى ذلك أولياؤه؛ صدَّقوه وأيقنوا بذلك أنَّه ربُّهم، وعطيَّة ضعيفٌ، وفي حديث عبد الله بن مُعتَمرٍ بسندٍ ضعيفٍ جدًّا: ثمَّ يدعو برجلٍ فيما يَرون، فيأمر به فيُقتَل، ثمَّ تُقطَّع أعضاؤه كلُّ عضوٍ على حدةٍ، فيُفرَّق بينها حتَّى يراه النَّاس، ثمَّ يجمعها، ثمَّ يضرب بعصاه، فإذا هو قائمٌ، فيقول: أنا الله (٥) الذي أميت وأُحيي، قال: وذلك كلُّه سحرٌ يُسحِر (٦) أعين النَّاس ليس يعمل من ذلك شيئًا، وفي رواية أبي الودَّاك (٧) عن أبي سعيد عند مسلم: «فيأمر به الدَّجَّال فَيُشْبَح فيقول: خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضربًا قال: فيقول: أما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه (٨) حتَّى يُفرَّق بين رجليه، قال: ثمَّ يمشي الدَّجَّال بين القطعتين، ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا، ثمَّ يقول له: أتؤمن بي؟» (فَيَقُولُ) الرَّجل: (وَاللهِ

стр. 12321

مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ) لأنَّ رسول الله ﷺ أخبر أنَّ ذلك (١) من جملة علاماته، وفي رواية أبي الودَّاك: «ما ازددت فيك إلَّا بصيرةً، ثمَّ يقول: يا أيُّها النَّاس؛ إنه لا يفعل بعدي بأحدٍ من النَّاس»، وفي رواية عطيَّة: فيقول له الرَّجل (٢): أنا الآن أشدُّ بصيرةً فيك منِّي، ثمَّ ينادي: يا أيُّها النَّاس؛ هذا المسيح الكذَّاب (٣) من أطاعه فهو في النَّار، ومن عصاه فهو في الجنَّة (فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ) و (٤) في رواية أبي الودَّاك: «فيأخذه الدَّجَّال ليذبحه، فيُجعَل ما بين رقبته إلى ترقوته (٥) نحاس فلا يستطيع إليه سبيلًا»، وفي «صحيح مسلم» عقب رواية عبيد (٦) الله بن عبد الله بن عتبة: قال أبو إسحاق يُقال: إنَّ هذا الرَّجل هو الخضر، وأبو إسحاق هو إبراهيم بن محمَّد بن سفيان الزَّاهد راوي «صحيح مسلم» عنه، لا السَّبيعيّ كما ظنَّه القرطبيُّ، قال في «الفتح»: ولعلَّ مستنده في ذلك ما في «جامع معمرٍ» بعد ذكر هذا الحديث، قال معمرٌ: بلغني أنَّ الذي يقتله الدَّجَّال هو الخضر؛ وكذا أخرجه ابن حبَّان من طريق عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ قال: كانوا يَرون أنَّه الخضر، وقال ابن العربيِّ: سمعت من يقول: إنَّ الذي يقتله (٧) الدَّجَّال هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها، قال الحافظ ابن حجرٍ: قد يتمسَّك من قاله بما أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي عبيدة بن الجرَّاح (٨) رفعه في «ذكر الدَّجَّال»: «لعلَّه (٩) يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي» الحديث، ويُعكِّر عليه قوله في روايةٍ لمسلمٍ: «شابٌّ ممتلئٌ شبابًا»، ويمكن أن يجاب بأنَّ من جملة خصائص الخضر أن (١٠) لا يزال شابًّا ويحتاج إلى دليلٍ. انتهى. وقول الخطَّابيِّ: وقد يُسأل عن هذا، فيقال: كيف يجوز

стр. 12322

أن يُجري الله آياته على أيدي أعدائه؟ وإحياء الموتى آيةٌ عظيمةٌ، فكيف يمكَّن منها (١) الدَّجَّال وهو كذَّاب مفترٍ على الله؟ والجواب: أنَّه جائزٌ على جهة المحنة لعباده، إذا كان معه ما يدلُّ على أنَّه مبطلٌ غير محقٍّ في دعواه، وهو أنَّه أعور مكتوبٌ على جبهته (٢) كافرٌ يراه كلُّ مسلمٍ، فدعواه داحضةٌ، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا السُّؤال ساقطٌ، وجوابه كذلك: أمَّا السُّؤال؛ فلأنَّ (٣) الدَّجَّال لم يدَّعِ النُّبوَّة ولا حام (٤) حول حماها حتَّى تكون تلك الآية دليلًا على صدقه، وإنَّما ادَّعى الألوهيَّة، وإثباتها لمن هو متَّسمٌ بسمات الحدوث (٥)، وهو من جملة المخلوقين لا يمكن ولو أقام ما لا يُحصَر من الآيات؛ إذ حدوثه قاطعٌ ببطلان ألوهيَّته، فما تغنيه الآيات والخوارق؟ وأمَّا الجواب؛ فلأنَّه (٦) جعل المبطل لدعواه كونه أعور مكتوبًا بين عينيه كافرٌ، ونحن نقول ببطلان دعواه مطلقًا سواءٌ كان هذا معه أم لم يكن؛ لما قررناه. انتهى. والحديث سبق في آخر: «باب الحج» [خ¦١٨٨٢]. ٧١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ أبو (٧) عبد الرَّحمن القعنبيُّ الحارثيُّ المدنيُّ، سكن البصرة (عَنْ) إمام دار الهجرة والأئمَّة (مَالِكٍ) الأصبحيِّ (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ النُّون وفتح العين المهملة (المُجْمِرِ) بضمِّ الميم وسكون الجيم بعدها ميمٌ ثانيةٌ مكسورةٌ فراءٌ، صفة «نُعيمٍ» لا أبيه (٨)، وكان عبد الله يبخِّر المسجد النَّبويَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (٩) (قَالَ: قَالَ

стр. 12323

رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ): طيبة؛ بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون النُّون: طرقها، والأنقاب جمع قلَّةٍ، والنِّقاب جمع كثرةٍ (١) (مَلَائِكَةٌ) يحرسونها (لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ) المسيح، وقد عُدَّ عدم دخول الطَّاعون من خصائصها؛ وهو مِن لازم دعائه ﷺ لها بالصِّحَّة. والحديث سبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣١]. ٧١٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربِّه المشهور بختّ؛ بالخاء المعجمة والفوقيَّة قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان (٢) السُّلَمِيُّ مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: المَدِينَةُ) طابةُ (يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ) ليدخلها (فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ) أي: على أنقابها (يَحْرُسُونَهَا، فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ، إِنْ شَاءَ اللهُ) ، وهذا الاستثناء قيل (٣) للتَّبرُّك فيشملهما، وقيل: للتَّعليق، وإنَّه يختصُّ بالطَّاعون، وإنَّه يجوز دخول الطَّاعون المدينة، وسبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣١] مبحث ذلك، والله الموفِّق (٤). (٢٨) (باب) ذكر (يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بغير همزٍ، وبه قرأ السَّبعة إلَّا عاصمًا فبهمزةٍ ساكنةٍ: اسمان مشتقَّان من أجيج النَّار، أي: ضوءها، ووزنهما «يفعول (٥)» و «مفعول» مُنِعَا من الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة: اسما قبيلتين، وعلى تركه (٦) فأعجميَّان؛ مُنِعَا من الصَّرف؛ للعجمة والعلميَّة،

стр. 12324

ووزنهما «فاعول» كـ «طالوت» (١) و «جالوت»، أو عربيَّان مشتقَّان خُفِّفا بالإبدال، وهما من نسل آدم ﵇ كما في «الصَّحيح»، والقول بأنَّهم خُلِقوا من منيِّ آدم المختلط بالتُّراب، وليسوا من حوَّاء؛ غريبٌ جدًّا، لا دليل عليه، ولا يعتمد عليه؛ ككثيرٍ ممَّا يحكيه بعض أهل الكتاب لما (٢) عندهم من الأحاديث المُفتعَلة؛ كما قاله ابن كثيرٍ، وروى ابن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعًا: «يأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، لا يموت أحدهم حتَّى يرى ألف رجلٍ من صلبه كلُّهم قد حمل السَّلاح، لا يمرُّون على شيءٍ إذا خرجوا إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم»، وفي «التِّيجان» لابن هشامٍ: أنَّ أمةً منهم آمنوا بالله، فتركهم ذو القرنين لمَّا بنى السَّدَّ بأرمينية؛ فسمُّوا التُّرك لذلك، وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق عبد الله بن عمرٍو قال: الجنُّ والإنس عشرة أجزاءٍ، فتسعة أجزاءٍ يأجوج ومأجوج، وجزء سائر النَّاس، وعن كعبٍ قال: هم ثلاثة أصنافٍ: جنس أجسادهم كالأَرْز، وهو شجرٌ كِبارٌ جدًّا، وصنف أربعة أذرعٍ في أربعة أذرعٍ، وصنفٌ يفترشون آذانهم ويلتحفون (٣) الأخرى، وعند الحاكم عن ابن عبَّاسٍ: يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا وشبرين شبرين (٤) وأطولهم ثلاثة أشبارٍ، قال الحافظ ابن كثيرٍ: روى (٥) ابن أبي حاتمٍ أحاديث غريبةً في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم، لا تصحُّ (٦) أسانيدها.

стр. 12325

٧١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. (ح) لتحويل السَّند (١) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (٢) (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوج النَّبيِّ ﷺ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) الأسديَّة أمِّ المؤمنين ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا) بعد أن استيقظ من نومه (فَزِعًا) بكسر الزَّاي خائفًا حال كونه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) خصَّ العرب بالذِّكر للإنذار بأنَّ الفتن إذا وقعت؛ كان الإهلاك إليهم أسرع، وأشار به إلى ما وقع بعده من قتل عثمان، ثمَّ توالتِ الفتن حتَّى صارت (٣) العرب بين الأمم؛ كالقصعة بين الأَكَلَةِ (فُتِحَ اليَوْمَ) بضمِّ الفاء (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) أي: الذي بناه ذو القرنين بِزُبَرِ الحديد؛ وهي القطعة منه؛ كاللَّبنة، ويُقال: إنَّ كلَّ لبنةٍ زنة (٤) قنطارٍ بالدِّمشقيِّ أو تزيد عليه، وقوله: (مِثْلُ هَذِهِ) بالرَّفع (وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) وسبق أوائل «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٥٩] و «عند سفيان: تسعين أو مئةٍ»، وسبق ما فيه ثَمَّ، وعند التِّرمذيِّ وحسَّنه وابن حبَّان وصحَّحه عن أبي هريرة رفعه: «في السَّدِّ يحفرونه (٥) كلَّ يوم حتَّى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا، فيعيده الله كأشدِّ ما كان، حتَّى إذا بلغ مدَّتهم وأراد الله أن يبعثهم على النَّاس؛ قال الذي عليه: ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله، واستثنى، قال: فيرجعون فيجدونه؛ كهيئته حين تركوه فيخرقونه، فيخرجون على النَّاس» (قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَنَهْلِكُ) بكسر اللَّام (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ؛ إِذَا كَثُرَ الخَُبَْثُ) بفتح الخاء والموحَّدة، والذي في «اليونينيَّة» بضمٍّ فسكونٍ؛ وهو الفسق أو الزِّنا.
следующие страницы →