← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ) لأنَّ رسول الله ﷺ أخبر أنَّ ذلك (١) من جملة علاماته، وفي رواية أبي الودَّاك: «ما ازددت فيك إلَّا بصيرةً، ثمَّ يقول: يا أيُّها النَّاس؛ إنه لا يفعل بعدي بأحدٍ من النَّاس»، وفي رواية عطيَّة: فيقول له الرَّجل (٢): أنا الآن أشدُّ بصيرةً فيك منِّي، ثمَّ ينادي: يا أيُّها النَّاس؛ هذا المسيح الكذَّاب (٣) من أطاعه فهو في النَّار، ومن عصاه فهو في الجنَّة (فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ) و (٤) في رواية أبي الودَّاك: «فيأخذه الدَّجَّال ليذبحه، فيُجعَل ما بين رقبته إلى ترقوته (٥) نحاس فلا يستطيع إليه سبيلًا»، وفي «صحيح مسلم» عقب رواية عبيد (٦) الله بن عبد الله بن عتبة: قال أبو إسحاق يُقال: إنَّ هذا الرَّجل هو الخضر، وأبو إسحاق هو إبراهيم بن محمَّد بن سفيان الزَّاهد راوي «صحيح مسلم» عنه، لا السَّبيعيّ كما ظنَّه القرطبيُّ، قال في «الفتح»: ولعلَّ مستنده في ذلك ما في «جامع معمرٍ» بعد ذكر هذا الحديث، قال معمرٌ: بلغني أنَّ الذي يقتله الدَّجَّال هو الخضر؛ وكذا أخرجه ابن حبَّان من طريق عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ قال: كانوا يَرون أنَّه الخضر، وقال ابن العربيِّ: سمعت من يقول: إنَّ الذي يقتله (٧) الدَّجَّال هو الخضر، وهذه دعوى لا برهان لها، قال الحافظ ابن حجرٍ: قد يتمسَّك من قاله بما أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي عبيدة بن الجرَّاح (٨) رفعه في «ذكر الدَّجَّال»: «لعلَّه (٩) يدركه بعض من رآني أو سمع كلامي» الحديث، ويُعكِّر عليه قوله في روايةٍ لمسلمٍ: «شابٌّ ممتلئٌ شبابًا»، ويمكن أن يجاب بأنَّ من جملة خصائص الخضر أن (١٠) لا يزال شابًّا ويحتاج إلى دليلٍ. انتهى. وقول الخطَّابيِّ: وقد يُسأل عن هذا، فيقال: كيف يجوز

стр. 12322

أن يُجري الله آياته على أيدي أعدائه؟ وإحياء الموتى آيةٌ عظيمةٌ، فكيف يمكَّن منها (١) الدَّجَّال وهو كذَّاب مفترٍ على الله؟ والجواب: أنَّه جائزٌ على جهة المحنة لعباده، إذا كان معه ما يدلُّ على أنَّه مبطلٌ غير محقٍّ في دعواه، وهو أنَّه أعور مكتوبٌ على جبهته (٢) كافرٌ يراه كلُّ مسلمٍ، فدعواه داحضةٌ، تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا السُّؤال ساقطٌ، وجوابه كذلك: أمَّا السُّؤال؛ فلأنَّ (٣) الدَّجَّال لم يدَّعِ النُّبوَّة ولا حام (٤) حول حماها حتَّى تكون تلك الآية دليلًا على صدقه، وإنَّما ادَّعى الألوهيَّة، وإثباتها لمن هو متَّسمٌ بسمات الحدوث (٥)، وهو من جملة المخلوقين لا يمكن ولو أقام ما لا يُحصَر من الآيات؛ إذ حدوثه قاطعٌ ببطلان ألوهيَّته، فما تغنيه الآيات والخوارق؟ وأمَّا الجواب؛ فلأنَّه (٦) جعل المبطل لدعواه كونه أعور مكتوبًا بين عينيه كافرٌ، ونحن نقول ببطلان دعواه مطلقًا سواءٌ كان هذا معه أم لم يكن؛ لما قررناه. انتهى. والحديث سبق في آخر: «باب الحج» [خ¦١٨٨٢]. ٧١٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ أبو (٧) عبد الرَّحمن القعنبيُّ الحارثيُّ المدنيُّ، سكن البصرة (عَنْ) إمام دار الهجرة والأئمَّة (مَالِكٍ) الأصبحيِّ (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ النُّون وفتح العين المهملة (المُجْمِرِ) بضمِّ الميم وسكون الجيم بعدها ميمٌ ثانيةٌ مكسورةٌ فراءٌ، صفة «نُعيمٍ» لا أبيه (٨)، وكان عبد الله يبخِّر المسجد النَّبويَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (٩) (قَالَ: قَالَ

стр. 12323

رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ): طيبة؛ بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون النُّون: طرقها، والأنقاب جمع قلَّةٍ، والنِّقاب جمع كثرةٍ (١) (مَلَائِكَةٌ) يحرسونها (لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ) المسيح، وقد عُدَّ عدم دخول الطَّاعون من خصائصها؛ وهو مِن لازم دعائه ﷺ لها بالصِّحَّة. والحديث سبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣١]. ٧١٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربِّه المشهور بختّ؛ بالخاء المعجمة والفوقيَّة قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان (٢) السُّلَمِيُّ مولاهم، أبو خالدٍ الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنه (قَالَ: المَدِينَةُ) طابةُ (يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ) ليدخلها (فَيَجِدُ المَلَائِكَةَ) أي: على أنقابها (يَحْرُسُونَهَا، فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ، إِنْ شَاءَ اللهُ) ، وهذا الاستثناء قيل (٣) للتَّبرُّك فيشملهما، وقيل: للتَّعليق، وإنَّه يختصُّ بالطَّاعون، وإنَّه يجوز دخول الطَّاعون المدينة، وسبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣١] مبحث ذلك، والله الموفِّق (٤). (٢٨) (باب) ذكر (يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بغير همزٍ، وبه قرأ السَّبعة إلَّا عاصمًا فبهمزةٍ ساكنةٍ: اسمان مشتقَّان من أجيج النَّار، أي: ضوءها، ووزنهما «يفعول (٥)» و «مفعول» مُنِعَا من الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة: اسما قبيلتين، وعلى تركه (٦) فأعجميَّان؛ مُنِعَا من الصَّرف؛ للعجمة والعلميَّة،

стр. 12324

ووزنهما «فاعول» كـ «طالوت» (١) و «جالوت»، أو عربيَّان مشتقَّان خُفِّفا بالإبدال، وهما من نسل آدم ﵇ كما في «الصَّحيح»، والقول بأنَّهم خُلِقوا من منيِّ آدم المختلط بالتُّراب، وليسوا من حوَّاء؛ غريبٌ جدًّا، لا دليل عليه، ولا يعتمد عليه؛ ككثيرٍ ممَّا يحكيه بعض أهل الكتاب لما (٢) عندهم من الأحاديث المُفتعَلة؛ كما قاله ابن كثيرٍ، وروى ابن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعًا: «يأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، لا يموت أحدهم حتَّى يرى ألف رجلٍ من صلبه كلُّهم قد حمل السَّلاح، لا يمرُّون على شيءٍ إذا خرجوا إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم»، وفي «التِّيجان» لابن هشامٍ: أنَّ أمةً منهم آمنوا بالله، فتركهم ذو القرنين لمَّا بنى السَّدَّ بأرمينية؛ فسمُّوا التُّرك لذلك، وعند ابن أبي حاتمٍ من طريق عبد الله بن عمرٍو قال: الجنُّ والإنس عشرة أجزاءٍ، فتسعة أجزاءٍ يأجوج ومأجوج، وجزء سائر النَّاس، وعن كعبٍ قال: هم ثلاثة أصنافٍ: جنس أجسادهم كالأَرْز، وهو شجرٌ كِبارٌ جدًّا، وصنف أربعة أذرعٍ في أربعة أذرعٍ، وصنفٌ يفترشون آذانهم ويلتحفون (٣) الأخرى، وعند الحاكم عن ابن عبَّاسٍ: يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا وشبرين شبرين (٤) وأطولهم ثلاثة أشبارٍ، قال الحافظ ابن كثيرٍ: روى (٥) ابن أبي حاتمٍ أحاديث غريبةً في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم، لا تصحُّ (٦) أسانيدها.

стр. 12325

٧١٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ. (ح) لتحويل السَّند (١) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) عبد الحميد (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلالٍ (٢) (عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عتيق محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوج النَّبيِّ ﷺ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) الأسديَّة أمِّ المؤمنين ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا) بعد أن استيقظ من نومه (فَزِعًا) بكسر الزَّاي خائفًا حال كونه (يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ) خصَّ العرب بالذِّكر للإنذار بأنَّ الفتن إذا وقعت؛ كان الإهلاك إليهم أسرع، وأشار به إلى ما وقع بعده من قتل عثمان، ثمَّ توالتِ الفتن حتَّى صارت (٣) العرب بين الأمم؛ كالقصعة بين الأَكَلَةِ (فُتِحَ اليَوْمَ) بضمِّ الفاء (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) أي: الذي بناه ذو القرنين بِزُبَرِ الحديد؛ وهي القطعة منه؛ كاللَّبنة، ويُقال: إنَّ كلَّ لبنةٍ زنة (٤) قنطارٍ بالدِّمشقيِّ أو تزيد عليه، وقوله: (مِثْلُ هَذِهِ) بالرَّفع (وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) وسبق أوائل «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٥٩] و «عند سفيان: تسعين أو مئةٍ»، وسبق ما فيه ثَمَّ، وعند التِّرمذيِّ وحسَّنه وابن حبَّان وصحَّحه عن أبي هريرة رفعه: «في السَّدِّ يحفرونه (٥) كلَّ يوم حتَّى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا، فيعيده الله كأشدِّ ما كان، حتَّى إذا بلغ مدَّتهم وأراد الله أن يبعثهم على النَّاس؛ قال الذي عليه: ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله، واستثنى، قال: فيرجعون فيجدونه؛ كهيئته حين تركوه فيخرقونه، فيخرجون على النَّاس» (قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (جَحْشٍ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَنَهْلِكُ) بكسر اللَّام (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ؛ إِذَا كَثُرَ الخَُبَْثُ) بفتح الخاء والموحَّدة، والذي في «اليونينيَّة» بضمٍّ فسكونٍ؛ وهو الفسق أو الزِّنا.

стр. 12326

وهذا الحديث رجال إسناده مدنيٌّون، وهو أنزل من الذي قبله بدرجتين، ويقال: إنَّه أطول سندٍ في البخاريِّ؛ فإنَّه تساعيٌّ، وفيه ثلاث صحابياتٍ لا أربعةٌ. ٧١٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يُفْتَحُ الرَّدْمُ) بالرَّفع نائبٌ عن (١) الفاعل (رَدْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ، وَعَقَدَ وُهَيْبٌ) هو ابن خالدٍ المذكور (تِسْعِينَ) بأن جعل طرف ظهر (٢) الإبهام بين عقدتي السَّبَّابة من باطنها، وطرف السَّبَّابة عليها مثل ناقد الدِّينار عند النَّقد، وفي حديث النَّوَّاس بن سمعان عند الإمام أحمد بعد (٣) ذكر الدَّجَّال وقتله على يد عيسى عند باب لُدٍّ الشَّرقي قال: «فبينما هم كذلك؛ إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ إنِّي قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يَدَانِ لك بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطُّور، فيبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى: ﴿مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فيفزع عيسى وأصحابه إلى الله ، فيرسل عليهم نَغَفًا في رقابهم فيصبحون موتى (٤)؛ كموت نفسٍ واحدةٍ، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلَّا قد ملأه زهمهم ونتنهم (٥)، فيفزع (٦) عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم طيرًا؛ كأعناق البخت فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثمَّ يرسل الله مطرًا لا يكن منه مدرٌ ولا وبرٌ، فيغسل الأرض حتَّى يتركها كالزَّلفة، ثم يقال (٧) للأرض: أنبتي ثمرتك وردِّي بركتك، قال: فيومئذٍ يأكل النَّفر من الرُّمَّانة ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرِّسْلِ حتَّى إنَّ اللِّقحة من الإبل لتكفي الفئام من النَّاس، واللِّقحة من

стр. 12327

البقر تكفي الفخذ، والشَّاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحًا طيِّبة تحت آباطهم، فتقبض روح كلِّ مسلمٍ، ويبقى شرار النَّاس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم السَّاعة»، انفرد بإخراجه مسلمٌ دون البخاريِّ وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعند مسلمٍ: «فيمرُّ أوائلهم على بحيرة طبريَّة، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد (١) كان بهذه مرَّةً ماءٌ»، وعند أحمد عن ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لا يأتون على شيءٍ إلَّا أهلكوه ولا على ماءٍ إلَّا شربوه» ورواه ابن ماجه، وفي «مسلمٍ»: فيقولون: لقد قتلنا مَنْ في الأرض، هلمَّ (٢)؛ فلنقتل مَن في السَّماء، فيرمون نشابهم إلى السَّماء، فيردُّها الله عليهم مخضوبةً دمًا، وعند ابن جريرٍ وابن أبي حاتمٍ عن كعبٍ: «ويفرُّ النَّاس منهم، فلا يقوم لهم شيءٌ، ثمَّ يرمون بسهامهم إلى السَّماء، فترجع مخضَّبةً بالدِّماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السَّماء (٣) … » الحديث، وفي «تذكرة» القرطبيِّ: وروي أنَّهم كانوا (٤) يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيَّات والعقارب وكل ذي روحٍ ممَّا خُلِقَ في الأرض، وفي خبرٍ آخر: لا يمرُّون بفيلٍ ولا خنزيرٍ إلَّا أكلوه، ويأكلون من مات منهم، مقدِّمتهم بالشَّام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبريَّة، فيمنعهم الله من مكَّة والمدينة وبيت المقدس. وهذا آخر «كتاب الفتن»، والله أعلم (٥).

стр. 12328

((٩٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الأَحْكَامِ) بفتح الهمزة، جمع «حُكْمٍ» وهو عند الأصوليِّين خطاب الله، وهو كلامه النَّفسيُّ الأزليُّ المسمَّى في الأزل خطابًا (١)، المتعلِّق بأفعال المكلَّفين؛ وهم البالغون العاقلون من حيث إنَّهم مُكلَّفون، وخرج بفعل المكلَّفين خطاب الله (٢) المتعلِّق بذاته وصفاته، وذوات المكلفين والجمادات؛ كمدلول الله ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ (٣) الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧] ولا يتعلَّق الخطاب إلَّا (٤) بفعل كلِّ بالغٍ عاقلٍ؛ لامتناع تكليف (٥) الغافل والمُلْجأ والمُكْرَه، وإذا تقرَّر أنَّ الحكم خطاب الله فلا حكم إلَّا لله خلافًا للمعتزلة القائلين بتحكيم العقل. (١) ((٦) قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «باب قول (٧) الله تعالى»: (﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]) الولاة والأمراء، أو العلماء الذين يعلِّمون النَّاس دينهم؛ لأنَّ أمرهم ينفذ على الأمراء، وهذا قول الحسن والضَّحَّاك ومجاهدٍ، ورواه مُحيي السُّنَّة عن ابن عبَّاسٍ ودليله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقيل: فإن تنازعتم، أي: أنتم

стр. 12329

وأولو الأمر منكم في شيءٍ من أمور الدِّين، وهذا يؤيِّد أنَّ المراد بـ «أولي الأمر»: أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلِّد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلَّا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة (١) الالتفات، أي: تنازعتم في شيءٍ فيردُّه العلماء إلى الكتاب والسُّنَّة، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر؛ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول، ودلَّت الآية على أنَّ طاعة الأمراء واجبةٌ إذا وافقوا الحقَّ، فإذا خالفوه؛ فلا طاعة لهم لقوله ﵊: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق». وسقط الباب لغير أبي ذرٍّ، فالتَّالي رفعٌ. ٧١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله بن عثمان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ (٢) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنِّي لا آمر إلَّا بما (٣) أمر الله به، فمن فعل ما آمره به؛ فإنَّما أطاع من أمرني أن آمره (وَمَنْ عَصَانِي) فيما أمرته به أو نهيته (فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي) وقال الخطَّابيُّ: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلمَّا كان الإسلام ووُلِّي (٤) عليهم الأمراء؛ أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطَّاعة، فأعلمهم ﷺ بأنَّ طاعتهم مربوطةٌ بطاعته؛ ليطيعوا من أمَّره ﵊ عليهم (٥) ولا يستَعْصُوا عليه؛ لئلَّا تتفرَّق الكلمة. والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٢٩٥٧].

стр. 12330

٧١٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) قال محيي السُّنَّة: الرَّاعي الحافظ المُؤتَمن على ما يليه، فأمره ﷺ بالنَّصيحة فيما يلزمه، وحذَّره الخيانة فيه بإخباره أنَّه مسؤولٌ عنه (فَالإِمَامُ) الأعظم (الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ) يحفظهم ويحيط من ورائهم، ويقيم فيهم الحدود والأحكام (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) يقوم عليهم بالحقِّ في النَّفقة وحسن العشرة (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا) بحسن التَّدبير في أمر بيته، والتَّعهُّد لخدمته وأضيافه (٢) (وَوَلَدِهِ) بحسن تربيته وتعهُّده (وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ) أي: بيت زوجها وولده، وغلَّب العقلاء فيه على غيرهم (وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ) بحفظه والقيام بشغله (وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا) بالتَّخفيف (فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) فجعل رسول الله (٣) ﷺ كلَّ ناظرٍ في حقِّ غيره راعيًا له، فإذا تقدَّم لرعاية (٤) غيره ممَّن (٥) يأكله؛ فهو في الهلاك قال: وراعي الشَّاة يحمي الذِّئب عنها … فكيف إذا الذِّئاب لها رعاءُ وقال في «شرح المشكاة»: قوله: «ألا فكلُّكم راعٍ» تشبيه مضمر الأداة، أي: كلُّكم مثل الرَّاعي، وقوله: «وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته» حالٌ عمل فيه معنى التَّشبيه وهذا مطَّرِد في التَّفصيل، ووجه

стр. 12331

التَّشبيه حفظ الشَّيء وحسن التَّعهُّد لما استُحفِظ؛ وهو القدر المشترك في التَّفصيل، وفيه: أنَّ الرَّاعي ليس بمطلوبٍ لذاته، وإنَّما أُقيم بحفظ (١) ما استرعاه المالك (٢)، فعلى السُّلطان حفظ الرَّعيَّة فيما يتعيَّن عليه من حفظ شرائعهم والذَّبِّ عنها لإدخال داخلةٍ (٣) فيها، أو تحريفٍ لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، وترك حماية من جار عليهم ومجاهدة عدوِّهم، فلا يتصرَّف في الرَّعيَّة إلَّا بإذن الله ورسوله، ولا يطلب أجره إلَّا من الله، وهذا تمثيلٌ لا يُرَى في الباب ألطف منه ولا أجمع ولا أبلغ منه، ولذلك أجمل أوَّلًا، ثمَّ فصَّل، ثمَّ أتى بحرف التَّنبيه وبالفذلكة؛ كالخاتمة، فالفاء في قوله: «ألا فكلُّكم راعٍ» جواب شرطٍ محذوفٍ، والفذلكة هي التي يأتي بها الحاسب بعد التَّفصيل ويقول: فذلك (٤) كذا وكذا؛ ضبطًا للحساب، وتوقِّيًا عن الزِّيادة والنُّقصان فيما فصَّله. انتهى. وقال بعضهم: يدخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوجةَ له ولا خادمَ، فإنَّه يصدق عليه أنَّه راعٍ على جوارحه حتَّى يعمل المأمورات، ويجتنب المنهيَّات، فعلًا ونطقًا واعتقادًا؛ فجوارحه وقواه وحواسُّه رعيَّتُه، ولا يلزم من الاتِّصاف بكونه راعيًا ألَّا يكون مرعيًّا باعتبارٍ آخر. والحديث سبق في «باب الجمعة في القرى والمدن» من «كتاب الجمعة» [خ¦٨٩٣]. (٢) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (الأُمَرَاءُ) كائنون (مِنْ قُرَيْشٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «الأمر أمر قريشٍ» قال في «الفتح»: والأوَّل هو المعروف.

стр. 12332

٧١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (١) بن شهابٍ أنَّه (قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمِّ الميم وكسر العين بينهما طاءٌ مهملةٌ ساكنةٌ، القرشيُّ (يُحَدِّثُ: أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (وَهْوَ عِنْدَهُ) أي: والحال أنَّ محمَّد بن جبيرٍ عند معاوية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وهم عنده» بالميم بدل الواو (فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ) أي: محمَّد بن جبيرٍ ومن كان معه من الوفد الذين أرسلهم أهل المدينة إلى معاوية ليبايعوه، وذلك حين بويع له بالخلافة لمَّا سلَّم له الحسن بن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵄، قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسم الذي بلَّغه ولا على اسم (٢) الوفد (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص، وهو في موضع رفع (٣) فاعل «بلغ»، وقوله: (يُحَدِّثُ: أَنَّهُ) أي: الشَّأن (سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ) معاوية من ذلك (فَقَامَ) خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يَتَحدَّثون» بزيادة فوقيَّةٍ بعد التَّحتيَّة المفتوحة (أَحَادِيثَ) جمع حديث على غير قياسٍ، قال الفرَّاء: نرى أنَّ واحد الأحاديث أُحدوثة، ثمَّ جعلوه جمعًا للحديث (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَا تُؤْثَرُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول: ولا تُنْقَل (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) والمراد بكتاب الله: القرآن وهو كذلك؛ فليس فيه تنصيصٌ على أنَّ شخصًا بعينه أو بوصفه يتولَّى الملك في هذه الأمَّة المحمَّديَّة، ولم يصرِّح بذكر ابن عمرٍو، بل قال: بلغني أنَّ رجالًا منكم على الإبهام، ومراده: عبد الله بن عمرٍو ومن وقع منه التَّحديث بذلك؛ مراعاةً لخاطر عمرٍو (وَأُولَئِكَ) الذين يتحدَّثون بأمور الغيب من غير استنادٍ إلى الكتاب والسُّنَّة (جُهَّالُكُمْ) بضمِّ الجيم وتشديد الهاء، جمع جاهل (فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ) بتشديد التَّحتيَّة

стр. 12333

وتُخفَّف (١): احذروا الأمانيَّ (الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا) -بضمِّ الفوقيَّة وكسر الضَّاد المعجمة، و «أهلها» نصبٌ على المفعوليَّة- صفةٌ للأمانيِّ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ) أي: الخلافة (فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ (٢) عَلَى وَجْهِهِ) أي: ألقاه، ولأبي ذرٍّ: «في النَّار على وجهه» أي: ألقاه فيها، وهو من الغرائب؛ إذ «أكبَّ» لازمٌ و «كبَّ» متعدٍّ، عكس المشهور؛ والمعنى: لا ينازعهم في أمر الخلافة أحدٌ إلَّا كان مقهورًا في الدُّنيا، معذَّبًا في الآخرة (مَا أَقَامُوا الدِّينَ) «ما» مصدريَّةٌ، والوقت مقدَّرٌ، وهو متعلِّقٌ بقوله: «كبَّه الله» أي: مدَّة إقامتهم أمور الدِّين، فإذا لم يقيموه؛ خرج الأمر عنهم، هذا مفهومه، وذكر محمَّد بن إسحاق في كتابه الكبير قصَّة سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر، وفيها: فقال أبو بكرٍ: وإنَّ هذا الأمر في قريشٍ ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره، ومن ثَمَّ لما استخفَّ الخلفاء بأمر الدِّين؛ تلاشت أحوالهم؛ بحيث لم يبقَ لهم من الخلافة إلَّا الاسم، فلا حول ولا وقوَّة إلَّا بالله، وقول السَّفاقسيِّ: «أجمعوا أنَّ الخليفة إذا دعا إلى كفرٍ أو (٣) بدعةٍ؛ يقام عليه» تُعُقِّب بأنَّ المأمون والمعتصم والواثق كلٌّ منهم دعا إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء بسبب ذلك بالضَّرب والقتل والحبس وغيرها (٤)، ولم يقل أحدٌ (٥) بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك. تنبيه: سبق في «باب تغيير (٦) الزَّمان حتَّى يعبدوا (٧) الأوثان» [خ¦٧١١٧] حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه»، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مُلْكَ القحطانيِّ يقع في آخر الزَّمان عند قبض أهل (٨) الإيمان، فإن كان حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا موافقًا لحديث أبي هريرة؛ فلا معنى لإنكاره أصلًا، وإن كان لم يرفعه، وكان فيه قدرٌ زائدٌ يُشعِر بأنَّ القحطانيَّ يكون في أوائل الإسلام؛ فهو معذورٌ في إنكاره،

стр. 12334

وقد يكون معناه: أنَّ قحطانيًّا يخرج (١) في ناحيةٍ من النَّواحي، فلا يعارض حديث معاوية، قاله في «فتح الباري». (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ (عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ) عبد الله (عَنْ مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وهذه المتابعة وصلها الطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير» و «الأوسط» مثل (٢) رواية شعيبٍ إلَّا أنَّه قال بعد قوله: «فغضب»: فقال: «سمعت»، ولم يذكر ما قبل «سمعت»، وقال: في روايةٍ: «كُبَّ على وجهه» بضمِّ الكاف؛ وإنَّما ذكرها البخاريُّ ﵀ تقويةً لصحَّة رواية الزُّهريِّ عن محمَّد بن جبيرٍ؛ حيث قال: «كان محمَّد بن جبيرٍ»، فقد قال صالح جَزَرة الحافظ: لم يقل أحدٌ في روايته عنِ الزُّهريِّ عن محمَّد بن جبيرٍ إلَّا ما وقع في رواية نُعيم بن (٣) حمَّادٍ عن عبد الله بن المبارك، قال صالحٌ: ولا أصل له من حديث ابن المبارك، وكانت عادة الزُّهريِّ إذا لم يسمعِ الحديث يقول: كان فلانٌ يحدِّثُ، وتعقَّبه البيهقيُّ بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان عن حجَّاج بن أبي منيعٍ (٤) الرُّصافيِّ عن جدِّه عن الزُّهريِّ عن محمَّد بن جبير بن مُطعِمٍ، وأخرجه الحسن بن رُشَيقٍ في «فوائده» من طريق عبد الله بن وهبٍ عن ابن (٥) لهيعة عن عُقيلٍ عن الزُّهريِّ عن محمَّد بن جبيرٍ، قاله في «الفتح». ٧١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) قال: (سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (يَقُولُ: قَالَ) جدِّي (ابْنُ عُمَرَ) ﵁: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ) أي: الخلافة (فِي قُرَيْشٍ) يَلُونها (مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ) قال النَّوويُّ: في الحديث أنَّ الخلافة مختصَّةٌ بقريشٍ،

стр. 12335

لا يجوز عقدها لغيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصَّحابة ومن بعدهم، ومن خالف في ذلك من أهل البدع؛ فهو محجوجٌ بإجماع الصَّحابة، قال ابن المُنَيِّر: وجه الدَّلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريشٍ بالذِّكر، فإنَّه يكون مفهوم اللَّقب لا (١) حجَّة فيه عند المحقِّقين، وإنَّما الحجَّة (٢) وقوع المبتدأ معرَّفًا باللَّام الجنسيَّة؛ لأنَّ المبتدأ بالحقيقة ههنا هو «الأمر» الواقع صفةً لهذا و «هذا» لا يُوصف إلَّا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريشٍ، فكأنَّه (٣) قال: لا أمر إلَّا في قريشٍ؛ وهو كقوله: «الشُّفعة فيما لم يُقسَم»، والحديث وإن كان بلفظ الخبر؛ فهو بمعنى الأمر، كأنَّه قال: ائتمُّوا بقريشٍ خاصَّةً، وقوله: «ما بقي منهم اثنان» ليس المراد به حقيقة العدد، وإنَّما المرادُ به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريشٍ، وهذا الحكمُ مستمرٌّ إلى يوم القيامة ما بقي من النَّاس اثنان، وقد ظهر ما قاله رسول الله (٤) ﷺ ، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريشٍ من غير مزاحمةٍ لهم على ذلك، ومن تغلَّب على الملك بطريق الشَّوكة لا يُنكِر أنَّ الخلافة في قريشٍ، وإنَّما يدَّعي أنَّ ذلك بطريق النِّيابة عنهم. انتهى. ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعضٍ، فإنَّ في البلاد اليمنيَّة طائفةً من ذُرِّيَّة الحسن بن عليٍّ لم تزل مملَكَةُ (٥) اليمن (٦) معهم من أواخر المئة الثَّالثة، وأمراء مكَّة من ذُرِّيَّة الحسن بن عليٍّ، والينبع والمدينة من ذُرِّيَّة الحسين بن عليٍّ، وإن كانوا من صميم (٧) قريشٍ، لكنَّهم تحت حكم غيرهم من ملوك مصر، قال الحافظ (٨) ابن حجرٍ: ولا شكَّ في كون الخليفة بمصر قرشيًّا من ذُرِّيَّة العبَّاس، ولو فُقِدَ قرشيٌّ فكنانيٌّ، ثمَّ رجلٌ من بني إسماعيل، ثمَّ عجميٌّ على ما في «التَّهذيب»، أو جرهميٌّ على ما في «التَّتمَّة»، ثم رجلٌ من بني إسحاق، وأن يكون شجاعًا؛ ليغزو بنفسه، ويعالج الجيوش، ويقوى على فتح البلاد،

стр. 12336

ويحمي البيضة، وأن يكون أهلًا للقضاء بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حرًّا عدلًا ذَكَرًا مجتهدًا ذا رأي وسمعٍ وبصرٍ ونطقٍ، وتنعقد الإمامة ببيعة أهل العقد والحلِّ من العلماء ووجوه النَّاس المتيسِّر اجتماعهم، وباستخلاف الإمام من يعيِّنه في حياته، ويشترط القبول في حياته؛ ليكون خليفةً بعد موته، وباستيلاء متغلِّبٍ على الإمامة ولو غير أهلٍ لها؛ كصبيٍّ وامرأةٍ بأن قهر النَّاسَ بشوكته وجنده؛ وذلك لينتظم شمل المسلمين. والحديث سبق في «المناقب (١)» [خ¦٣٥٠١]، وأخرجه مسلمٌ (٢) في «المغازي». (٣) (باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالحِكْمَةِ) وسقط لفظ «أجر» لأبي زيد المروزيِّ، أي: من قضى بحكم الله تعالى، فلو قضى بغير حكم الله تعالى فسق (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]) الخارجون عن طاعة الله، وقال أبو منصورٍ ﵀: يجوز أن يُحمَل على الجحود في الثَّلاثة؛ يعني قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فَأُوْلَئِكَ (٣) هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فيكون ظالمًا كافرًا فاسقًا؛ لأنَّ الفاسق المطلقَ والظَّالم المطلَق هو الكافر، وقيل: التَّعريف فيه للعهد، قال ابن بطَّالٍ: مفهوم الآية: أنَّ مَن حكم بما أنزل الله؛ استحقَّ جزيل الأجر. ٧١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، الرُّؤاسيُّ القيسيُّ العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن عبد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ القيسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁

стр. 12337

أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا حَسَدَ): لا غِبْطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين (رَجُلٌ) بالرَّفع على الاستئناف (آتَاهُ) أي: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحاتٍ: إهلاكه، أي: إنفاقه (فِي الحَقِّ، وَ) رجلٌ (آخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً) بكسر الحاء وسكون الكاف: علمًا يمنعه عن (١) الجهل، ويزجره عن القبح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة بين النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وفيه التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال، وتعليم (٢) العلم، وقيل: إنَّ فيه تخصيصًا لإباحة نوعٍ من الحسد وإن كانت جملته محظورةً، وإنَّما رخَّص فيها؛ لما يتضمَّن مصلحة الدِّين، قال أبو تمَّامٍ (٣): ............................ … وما حاسدٌ في المكرمات بحاسدٍ وقيل: معناه: لا يحسن الحسد في موضعٍ إلَّا في هذين الموضعين، وقال الطِّيبيُّ: أثبت الحسد في الحديث؛ لإرادة المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين؛ يعني: ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم؛ فينبغي أن يُتَحرَّى ويُجتَهد في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودة؟ وكيف لا وكلُّ واحدةٍ من الخصلتين بلغت غايةً (٤) لا أمد فوقها؟ وإذا اجتمعتا (٥) في امرئٍ؛ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ، قال ابن المُنَيِّر: ليس المراد بالنَّفي (٦) حقيقته، وإلَّا لزم الخُلْف؛ لأنَّ النَّاس حَسَدوا في غير هاتين الخصلتين، وغبطوا من فيه سواهما، فليس هو خبرًا، والمراد به: الحكم، ومعناه: حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين، فكأنَّه قال: هما آكد القُربات التي يُغبَط بها، وفيه التَّرغيب في ولاية القضاء لمن جمع شروطه، وقوي (٧) على أعمال الحقِّ، ووجد له (٨) أعوانًا لما فيه من الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحقِّ لمستحقِّه وكفِّ يد الظَّالم، والإصلاح بين النَّاس، وذلك كلُّه من القُرُبات، وهو من مرتبته ﷺ ، وعند ابن المنذر

стр. 12338

عن ابن أبي أوفى مرفوعًا: «الله مع القاضي ما لم يَجُر، فإذا جار؛ تخلَّى عنه ولزمه الشَّيطان». وحديث الباب سبق في «العلم» [خ¦٧٣] و «الزكاة» [خ¦١٤٠٩]. (٤) (باب) وجوب (السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ) الأعظم ونائبه (مَا لَمْ تَكُنْ) تلك الطَّاعة (مَعْصِيَةً) إذ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. ٧١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بضمِّ الميم وفتح المهملة بعدها مهملتان (١)، ابن (٢) مُسَرْهَدٍ بن مسربلٍ الأسديُّ البصريُّ الحافظ أبو الحسن قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ) القطَّان، وسقط «ابن سعيدٍ» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بالفوقيَّة، ثمَّ التَّحتيَّة المشدَّدة، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حميدٍ الضُّبَعِيِّ البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الميم مبنيًّا للمفعول (عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) برفع «عبدٌ» نائب الفاعل، و «حبشيٌّ» صفتُه، قيل: معناه: وإنِ استعمله الإمامُ الأعظم على القوم، لا أنَّ العبد الحبشيَّ هو الإمامُ الأعظم؛ فإنَّ الأئمَّة من قريشٍ، أو المراد به: الإمام الأعظم على سبيل الفرض والتَّقدير، وهو مبالغة في الأمر بطاعته، والنَّهي عن شقاقه ومخالفته، وعند مسلمٍ من حديث أمِّ الحُصَين: «اسمعوا وأطيعوا ولو استُعمِل عليكم عبدٌ حبشيٌّ (٣) يقودكم بكتاب الله»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإن استَعْمَل» أي: الإمام «عليكم عبدًا حبشيًّا» بالنَّصب على المفعوليَّة، والحبشة جيلٌ معروف من السُّودان، وسبق في «الصَّلاة» [خ¦٦٩٣] أنَّه ﷺ قال لأبي ذرٍّ: «اسمَعْ وأطِعْ ولو لحبشيٍّ (٤)» (كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ) بزايٍ مفتوحةٍ وموحَّدتين بينهما تحتيَّة ساكنةٌ واحدة الزَّبيب

стр. 12339

المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جفَّ، وشبَّه رأس الحبشيِّ بالزَّبيبة؛ لتجمُّعها وسواد شعرها، ورؤوس الحبشة توصف بالصِّغر؛ وذلك يقتضي الحقارة وبشاعة الصُّورة وعدم الاعتبار (١) بها، فهو على سبيل المبالغة في الحضِّ على طاعتهم مع حقارتهم، وقد أُجمِع على أنَّ الإمامة لا تكون في العبيد، ويُحتمل أن يكون سمَّاه عبدًا باعتبار ما كان قبل العتق. نعم؛ لو تغلَّب عبدٌ حقيقةً بطريق الشَّوكة؛ وجبت طاعته؛ إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصيةٍ. وسبق الحديث في «الصَّلاة» [خ¦٦٩٣]. ٧١٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين بعدها دالٌ مهملتين، أبي عثمان بن دينارٍ اليَشْكُريِّ -بالتحتيَّة المفتوحة بعدها شينٌ معجمةٌ ساكنةٌ وكافٌ مضمومةٌ- الصَّيرفيِّ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) عمران العطارديِّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ حال كونه (يَرْوِيهِ) أي: عن النَّبيِّ ﷺ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «يكرهه» (فَلْيَصْبِر) على جَوره وظلمه، والأمر بالصَّبر يستلزم وجوب السَّمع والطَّاعة، فتحصل المطابقة (فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الجَمَاعَةَ شِبْرًا) أي: قدر شبرٍ (فَيَمُوتُ) بالرَّفع في الفرع كأصله، ويجوز النَّصب؛ نحو ما تأتينا فتحدِّثَنا، أي: فيموت على ذلك من مفارقة (٢) الجماعة (إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) بكسر الميم؛ كـ «القِتْلة» بكسر القاف، أي: الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت والقتل، أي: كالميتة الجاهليَّة حيث لا يرجعون إلى طاعة أميرٍ، ولا يتَّبعون هدي إمامٍ، بل كانوا مستنكِفين عن ذلك، مستبدِّين في الأمور، لا يجتمعون في شيءٍ، ولا يتَّفقون على رأيٍ، وليس المراد أنَّه (٣) يكون كافرًا بذلك. والحديث سبق في أوائل «الفِتَن» [خ¦٧٠٥٣].

стр. 12340

٧١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (¬﵁¬) وعن أبيه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ) ثابتةٌ أو واجبةٌ للإمام أو نائبه (عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ) ولأبي ذرٍّ: «أو كره» (مَا لَمْ يُؤْمَرْ) أي: المرء المسلم من قِبَل الوالي عليه (بِمَعْصِيَةٍ (١)، فَإِذَا أُمِرَ) بضمِّ الهمزة (بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) حينئذٍ تجب، بل يَحْرُم ذلك على القادر، وهذا تقييدٌ لما أُطْلِق في الحديثين السَّابقين من الأمر بالسَّمع والطَّاعة ولو لحبشيٍّ، ومن الصَّبر على ما يقع من الأمير ممَّا يُكرَه، والوعيد على مفارقة الجماعة. والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٩٥٥]، وأخرجه مسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد». ٧١٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأوَّل، وضمِّها مع (٢) فتح الموحَّدة في الثَّاني، أبو حمزة -بالزَّاي- ختن أبي عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب السُّلَمِيِّ، لأبيه صحبةٌ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁¬) هو ابن أبي طالبٍ أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ

стр. 12341

سَرِيَّةً): قطعةً من الجيش نحو ثلاث مئةٍ أو أربع مئةٍ؛ بسبب ناسٍ تراءاهم أهل جدَّة سنة تسعٍ (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) اسمه: عبد الله بن حُذافة السَّهميُّ المهاجريُّ، وفيه مجازٌ، أو يكون بالمعنى (١) الأعمِّ من كونه ممَّن نصر النَّبيَّ ﷺ في الجملة، أو كان أنصاريًّا بالمحالفة، وفي «ابن ماجه» و «مسند الإمام أحمد» تعيين عبد الله بن حُذافة السَّهميِّ (٢)، وأنَّ أبا سعيدٍ كان من جملة المأمورين (وَأَمَرَهُمْ) ﵇ (أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ) ولمسلمٍ: فأغضبوه في شيءٍ (وَقَالَ) لهم: (أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: عَزَمْتُ (٣)) ولأبي ذرٍّ: «قد عزمت» (عَلَيْكُمْ لَمَا) بتخفيف الميم (جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا، فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا) زاد الكُشْمِيهَنيِّ: «نارًا» فقال: ادخلوها، وقيل: إنَّما أمرهم بدخولها؛ ليختبر حالهم في الطَّاعة، أو فعل ذلك إشارةً إلى أنَّ مخالفته توجب دخول النَّار، وإذا شقَّ عليكم دخول هذه النَّار؛ فكيف تصبرون على النَّار الكبرى؟ ولو رأى منهم الجدَّ في وُلوجها؛ منعهم (فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ) فيها (فَقَامَ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فقاموا» (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) زاد في «المغازي» [خ¦٤٣٤٠] وجعل بعضهم يمسك بعضًا، فـ (قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِرَارًا مِنَ النَّارِ) بكسر الفاء (أَفَنَدْخُلُهَا؟) بهمزة الاستفهام (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُمْ كَذَلِكَ؛ إِذْ خَمَِدَتِ النَّارُ) بفتح المعجمة والميم وتُكسَر انطفأ لهبها (٤) (وَسَكَنَ (٥) غَضَبُهُ، فَذُكِرَ) ذلك (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا) أي: لو دخلوا النَّار التي أوقدوها ظانِّين أنَّهم بسبب طاعتهم أميرهم لا تضرُّهم (مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا) أي: لمَاتوا فيها، ولم يخرجوا منها مدَّة الدُّنيا، ويُحتَمل أن يكون الضَّمير في «منها» لنار الآخرة، والتَّأبيد محمولٌ على طول الإقامة، لا على البقاء الممتدِّ دائمًا من غير انقطاعٍ؛ لأنَّهم لم يكفروا بذلك فيجب عليهم التَّخليد (إِنَّمَا) تجب (الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) لا في المعصية. والحديث مرَّ في «المغازي» [خ¦٤٣٤٠].

стр. 12342

(٥) (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ أَعَانَهُ اللهُ) زاد أبو ذرٍّ: «عليها». ٧١٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النُّون، الأنماطيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، الأزديُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمسٍ، أسلم يوم الفتح ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال لي النَّبيُّ» (١) (¬ ﷺ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؛ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة (فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ) عن سؤالٍ، و «عن» يُحتَمل أن تكون بمعنى: الباء، أي: بسبب مسألةٍ، أو بمعنى: «بعد» أي: بعد مسألةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: بعد طبقٍ، وقول العجَّاج: ومنهلٍ وردته عن منهلِ أي: بعد منهلٍ، وجواب الشَّرط قوله: (وُكِلْتَ إِلَيْهَا) بضمِّ الواو وكسر الكاف مخفَّفةً وسكون اللَّام: صُرِفْتَ إليها ولم تُعَن عليها؛ من أجل حرصك (وَإِنْ أُعْطِيتَهَا) بضمِّ الهمزة (عَنْ (٢) غَيْرِ مَسْأَلَةٍ) وجواب الشَّرط قولُه: (أُعِنْتَ عَلَيْهَا) وعن أنسٍ رفعه: «من طلب القضاء واستعان عليه بالشُّفعاء؛ وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكرِه عليه؛ أنزل الله عليه مَلَكًا يسدِّده» أخرجه ابن المنذر والتِّرمذيُّ وأبو داود وابن ماجه، وفي معنى الإكراه عليه أن يُدعى إليه، فلا يرى نفسه أهلًا لذلك؛ هيبةً له وخوفًا من الوقوع في المحذور، فإنَّه يُعان عليه إذا دخل فيه ويُسدَّد، قاله المهلَّب (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ) فعلمت أو ظننت (غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ فَكَفِّرْ يَمِينَكَ) بالنَّصب على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «عن يمينك» (وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) واتُّفِق على أنَّ الكفَّارة إنَّما تجب بعد الحنث، ولا تُقدَّم على اليمين، واختُلف في توسُّطها بين اليمين والحنث؛ فقال

стр. 12343

بالجواز أربعةَ عشَر من الصَّحابة، وبه قال مالكٌ والشَّافعيُّ، واستثنى الشَّافعيُّ التَّكفير بالصَّوم؛ لأنَّه (١) عبادةٌ بدنيَّةٌ، فلا تقدَّم قبل وقتها، ومناسبة الجملة لسابقتها أنَّ الممتنِع من الإمارة قد يؤدِّي به الحال إلى الحلف على عدم القبول مع كون المصلحة في ولايته. والحديث سبق في «الأيمان» [خ¦٦٦٢٢]. (٦) (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (مَنْ سَأَلَ الإِمَارَةَ وُكِلَ إِلَيْهَا) ولم يُعَن عليها، و «وكِلَ» بالتَّخفيف. ٧١٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرٍو المقعد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّنوريُّ البصريُّ، أبو عبيدة الحافظ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأَيليُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ؛ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ) أي: الولاية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا تتمنَّينَّ الإمارة» (فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ) أي: حلفت على محلوف يمينٍ، فسمَّاه يمينًا مجازًا؛ للملابسة بينهما، والمراد: ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا؛ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة، ويُحتَمل أن يكون على معنى الباء، ويؤيِّده رواية النَّسائيِّ: «إذا حلفت بيمين» لكنَّ قوله: (فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَائتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ) يدلُّ على الأوَّل؛ لأنَّ الضَّمير لا يصحُّ عوده على اليمين بمعناها الحقيقي؛ ولذا رجَّح في «الكشَّاف» الأوَّل، فقال (٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي:

стр. 12344

حاجزًا لما حلفتم عليه، وسُمِّي المحلوف يمينًا لتلبُّسه باليمين؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ لعبد الرَّحمن بن سَمُرة: «إذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها؛ فائت الذي هو خيرٌ» أي: على شيءٍ ممَّا يُحلَف عليه. (٧) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلَى) طلب (الإِمَارَةِ). ٧١٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن المدنيُّ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ الموحَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَحْرَِصُونَ (١)) بكسر الرَّاء وفتحها (عَلَى الإِمَارَةِ) الإمامة العظمى، أو الولاية بطريق النِّيابة (وَسَتَكُونُ نَدَامَةً) لمن لم يعمل فيها بما ينبغي (يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي حديث عوف بن مالكٍ عند البزَّار والطَّبرانيِّ بسندٍ صحيحٍ: «أوَّلها ملامةٌ، وثانيها ندامةٌ، وثالثها عذابٌ يوم القيامة إلَّا من عدل»، وعن أبي هريرة في «أوسط الطَّبرانيِّ»: «الإمارة أوَّلها ندامةٌ، وأوسطها غرامةٌ، وآخرها عذابٌ يوم القيامة» (فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ) الولاية؛ فإنَّها تدرُّ عليه (٢) المنافع واللَّذَّات العاجلة (وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ) عند انفصاله عنها بموتٍ أو غيره؛ فإنَّها تقطع عنه تلك اللَّذائذ والمنافع وتُبقي عليه الحسرة والتَّبعة (٣)، وأُلحِقَت «التَّاء» في «بئست» دون «نِعْمَ»، والحكمُ فيهما إذا كان فاعلهما مؤنَّثًا جوازُ الإلحاق وتركه، فوقع التَّفنُّن في هذا الحديث بحسب ذلك، وقال في «المصابيح»: شبَّه على سبيل الاستعارة ما يحصل من نفع

стр. 12345

الولاية حال ملابستها بالرَّضاع، وشبَّه بالفطام انقطاعَ ذلك عنه (١) عند الانفصال عنها، إمَّا بموتٍ أو بغيره (٢)، فالاستعارة في المرضِعة والفاطِمة تبعيَّةٌ، فإن قلت: هل من لطيفةٍ تُتلمَّح (٣) في (٤) ترك التَّاء من فعل المدح وإثباتها مع فعل الذَّم؟ قلت (٥): رضاعها هو أحبُّ حالتَيها إلى النَّفس، وفطامها أشقُّ الحالتين على النَّفس، والتَّأنيث أخفض حالتَي الفعل، وتركه أشرف حالتَيهِ؛ إذ هي حالة التَّذكير، وهو أشرف من التَّأنيث؛ فآثر استعمال أشرف حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة التي هي أشرف حالتي الولاية، واستعمل الحالة الأخرى -وهي التَّأنيث- مع الحالة الشَّاقَّة على النَّفس؛ وهي حالة الفطام عن الولاية؛ لمكان المناسبة في المحلَّين، فهذا أمرٌ قد يُتخيَّل في هذا المقام، فتأمَّله. انتهى. وقال في «شرح المشكاة»: إنَّما لم (٦) يُلحِقِ التَّاء بـ «نِعْمَ» لأنَّ المرضِعة مستعارةٌ للإمارة، وهي وإن كانت مؤنَّثةً إلَّا أن تأنيثها غير حقيقيٍّ، وألحقها بـ «بئس» نظرًا إلى كون الإمارة حينئذٍ داهيةً دَهْياء (٧)، وفيه أنَّ ما يناله (٨) الأمير من البأساء والضَّراء أبلغ وأشدُّ ممَّا يناله من النَّعماء والسَّرَّاء، وإنَّما أُتي بالتَّاء في المرضع والفاطم دلالةً على تصوير تينِك (٩) الحالتين المتجدِّدتين (١٠) في الإرضاع والإفطام، فعلى العاقل ألَّا يلمَّ (١١) بلذَّةٍ تتبعها حسراتٌ، وفي حديث أبي هريرة عند التِّرمذيِّ -وقال: حديثٌ غريبٌ-: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من وُلِّيَ القضاء، أو جُعِلَ قاضيًا بين النَّاس؛ فقد ذُبِحَ بغير سكِّينٍ» والذَّبح إذا كان بغير سكِّينٍ؛ فإنَّ (١٢) فيه زيادة تعذيبٍ للمذبوح، بخلاف الذَّبح بالسِّكِّين؛ ففيه

стр. 12346

إراحةٌ (١) له بتعجيل إزهاق الرُّوح، وقيل: إنَّ الذَّبح لمَّا كان في العُرف بالسِّكِّين؛ عدل ﷺ إلى غيره؛ ليعلم أنَّ المراد: ما يُخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه؛ قال التُّوربشتيُّ: وشتَّان ما بين الذَّبحين! فإنَّ الذَّبح بالسِّكِّين عناءُ ساعةٍ، والآخر عناء عمره، أوِ المراد: أنَّه ينبغي أن يُميت (٢) جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرَّديئة؛ فهو مذبوحٌ بغير سكِّينٍ، وعلى هذا فالقضاء (٣) مرغوبٌ فيه، وعلى ما قبله فالمراد التَّحذير منه، قال المظهريُّ: خطر القضاء كثيرٌ، وضرره عظيمٌ؛ لأنَّه قلَّما عدل القاضي بين الخصمين؛ لأنَّ النَّفس مائلةٌ إلى من (٤) تحبُّه أو من له منصبٌ يتوقَّع جاهه أو يخاف سلطنته، وربَّما يميل إلى قبول الرَّشوة وهذا (٥) الدَّاء العضال، وما أحسن قول ابن الفضل في هذا المعنى: ولمَّا أن تولَّيتَ القضايا … وفاض الجَور من كفَّيكَ فيضا ذُبِحْتَ بغير سكِّينٍ وإنَّا … لَنرجو الذَّبح بالسِّكِّينِ أيضا والحديث أخرجه النَّسائيُّ في «البيعة»، و «السِّير» (٦)، و «القضاء». قال البخاريُّ بالسَّند السَّابق (٧) أوَّل هذا التَّعليق إليه: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة (٨)، وهو المعروف ببندارٍ:

стр. 12347

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمْرَانَ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم بعدها راء فألفٌ (١)، الأمويُّ مولاهم البصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ بنُ جَعْفَرٍ) بن عبد الله بن الحكم بن رافعٍ الأنصاريُّ المدنيُّ، وسقط «ابن جعفر» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ) بضمِّ عين الأوَّل، وبفتح المهملة والكاف في الثَّاني، ابن ثوبان المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَوْلَهُ) أي: موقوفًا عليه، وقد أُدخِل عمر بن الحكم بين (٣) سعيدٍ المقبُريِّ وأبي هريرة بخلاف الطَّريق السَّابقة (٤). ٧١٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ) بن كُرَيبٍ الهَمْداني الحافظ، أبو كُرَيبٍ مشهور بكنيته قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامةَ (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٍ أو الحارث (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (٥) الأشعري (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي) لم يسمَّيا. نعم؛ في «معجم الطَّبرانيِّ الأوسط»: أنَّ أحدهما ابن عمِّه (فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: أَمِّرْنَا) بفتح الهمزة وكسر الميم المشدَّدة، أي: ولِّنا (٦) (يَا رَسُولَ اللهِ) موضعًا (وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ) ﷺ : (إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا) الأمر (مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ) بفتح المهملة والرَّاء، والحرص على الولاية هو السَّبب في اقتتال (٧) النَّاس عليها حتَّى سُفِكت الدِّماء، واستُبيحَتِ الأموال والفُروج، وعَظُم الفساد في الأرض، قاله المهلَّب.

стр. 12348

(٨) (باب) ذكر (مَنِ اسْتُرْعِيَ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر العين، أي: منِ (١) استرعاه الله (رَعِيَّةً، فَلَمْ يَنْصَحْ) لها. ٧١٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة (٢) وفتح الهاء بعدها موحَّدةٌ، جعفر بن حيَّان (٣) السَّعديُّ العطارديُّ (٤) البصريُّ، وهو مشهورٌ بكنيته (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضمِّ العين (بْنَ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي بعدها تحتيَّةٌ، أمير البصرة في زمن معاوية وولدِه (عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ) معقِل -بكسر القاف- ويَسارٍ -بالتَّحتيَّة والسِّين المهملة المخفَّفة- المزنيَّ الصَّحابيَّ (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وكانت وفاته في خلافة معاوية (فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ (٥) يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ) استحفظه (اللهُ) (٦) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يَسْتَرعيه الله» (رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا) بفتح التَّحتية وضمِّ الحاء وسكون الطَّاء المهملتين، أي: فلم يحفظها (٧) ولم يتعهَّد أمرها (٨) (بِنَصِيْحَةٍ) بفتح النُّون، وبعد الصَّاد المهملة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ، وتنوينٌ آخره، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٩): «بالنَّصيحة»

стр. 12349

بزيادة «أل»، وكذا في الفرع كأصله، وفي «الفتح»: «بنُصحِهِ» بضمِّ النُّون وهاء الضَّمير، وقال: كذا للأكثر، وللمُستملي: «بالنَّصيحة» (إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ) إذا كان مُستحِلًّا لذلك، أو لا يجدها (١) مع الفائزين الأوَّلين؛ لأنَّه ليس عامًّا في جميع الأزمان، أو خرج مخرج التَّغليظ، وزاد الطَّبرانيُّ: «وعَرْفُها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا»، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ لفظ «إلَّا» من قوله: «إلَّا لم يجد»، قال في «الكواكب»: فيصير مفهوم الحديث أنَّه يجدها، عكس المقصود، وأجاب بأنَّ «إلَّا» مقدَّرةٌ، أي: إلَّا لم يجد، والخبر محذوفٌ، أي: ما من عبدٍ كذا إلَّا حرَّم الله عليه الجنَّة، «ولم يجد رائحة الجنَّة» استئنافٌ؛ كالمفسِّر له، أو «ما» ليست للنَّفي، وجاز زيادة «مِنْ» للتَّأكيد في الإثبات عند بعض النُّحاة، وقد ثبتت «إلَّا» في بعض النُّسخ. انتهى. وفي «اليونينيَّة» سقوطها لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) قال في «الفتح»: لم يقعِ الجمع بين اللَّفظين المتوعَّد (٣) بهما في طريقٍ واحدةٍ، فقوله: «لم يجد رائحة الجنَّة» وقع في رواية أبي الأشهب، وقوله: «حرَّم الله عليه الجنَّة»، وقع في رواية هشامٍ، أي: التَّالية لهذه، فكأنَّه أراد أنَّ الأصل في الحديث الجمع بين اللَّفظين، فحَفِظ بعضَ ما لم يحفظ بعضٌ، وهو مُحتمَلٌ، لكنَّ الظَّاهر أنَّه لفظٌ واحدٌ تصرَّف فيه بعض (٤) الرُّواة، وفي «الكبير» للطَّبرانيِّ من وجهٍ آخر عن الحسن قال: قدم علينا عبيد الله بن زيادٍ أميرًا أمَّره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدِّماء سفكًا شديدًا، وفينا عبد الله بن مغفَّلٍ المزنيُّ، فدخل عليه ذات يومٍ، فقال له: انتهِ عمَّا أراك تصنع، فقال له: وما أنت و (٥) ذاك؟ قال: ثمَّ خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السَّفيه على رؤوس النَّاس؟ فقال: إنَّه كان عندي علمٌ، فأحببت ألَّا أموتَ حتَّى أقول به على رؤوس النَّاس، ثمَّ قام، فما لبث أن مَرِضَ مَرَضَه الذي تُوفِّي فيه، فأتاه عبيد الله بن زيادٍ يعوده، فذكر نحو حديث الباب، قال الحافظ ابن حجرٍ: فيحتمل أن تكون القصَّة وقعت للصَّحابيَّين. وحديث الباب (٦) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان».

стр. 12350

٧١٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسَج أبو يعقوب المروزيُّ قال (١): (أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ) بضمِّ الحاء المهملة، ابن عليٍّ (الجُعْفِيُّ) قال (٢): (قَالَ زَائِدَةُ) بن قُدامة: (ذَكَرَهُ) أي: الحديث الآتي (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن حسَّان (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: أَتَيْنَا مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ نَعُودُهُ) أي: في مرضه الذي مات فيه (فَدَخَلَ عُبَيْدُ اللهِ) بن زيادٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فدخل علينا عُبيد الله» (فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: أُحَدِّثُكَ) بضمِّ الهمزة ورفع المثلَّثة (حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ (٣): مَا مِنْ وَالٍ) وفي رواية أبي المَلِيح عند «مسلمٍ»: «ما من أميرٍ» (يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ) الفاء فيه وفي «فلم يحطها» في الحديث السَّابق [خ¦٧١٥٠] كاللَّام في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] قاله الطِّيبيُّ، قال في «المدارك»: أي: ليصير الأمر إلى ذلك، لا أنَّهم أخذوه لهذا؛ كقولهم: للموت ما تلد الوالدة، وهي لم تلده لأن يموت ولدُها، ولكنَّ المصير إلى ذلك؛ كذا (٤) قاله الزَّجَّاج، وعن هذا قال المفسِّرون: إنَّ هذه لام العاقبة والصَّيرورة، وقال في «الكشَّاف»: هي لام «كي» التي معناها التَّعليل؛ كقوله: جئتك لتكرمني، ولكنَّ معنى التَّعليل فيها واردٌ على طريق المجاز؛ لأنَّ ذلك لمَّا كان نتيجة التقاطهم (٥) له شُبِّه بالدَّاعي الذي يفعل الفاعلُ الفعلَ لأجله؛ وهو الإكرام الذي ينتجه (٦) المجيء، وقوله: (وَهْوَ غَاشٌّ لَهُمْ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) بفتح الغين المعجمة وبعد الألف شينٌ معجمةٌ، حالٌ مقيِّدٌ للفعل مقصودٌ بالذِّكر؛ يعني (٧): أنَّ الله تعالى إنَّما ولَّاه واسترعاه على عباده ليديم النَّصيحة لهم،

стр. 12351

لا ليغشَّهم (١) فيموت عليه، فلمَّا قلب القضية؛ استحقَّ ألَّا يجد رائحة الجنَّة، وقال القاضي عياضٌ: المعنى: من قلَّده الله تعالى شيئًا من أمر المسلمين، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم؛ فإذا خان فيما اؤتُمِن عليه، فلم ينصح؛ فقد غشَّهم؛ حرَّم الله عليه الجنَّة. انتهى. وهذا وعيدٌ شديدٌ على أئمَّة الجَور، فمن ضيَّع مَنِ استرعاه الله؛ توجَّه إليه (٢) الطَّلب بمظالم العباد يوم القيامة، وكيف يقدر على التَّحلُّل؟ نعم؛ يجوز أن يتفضَّل الله تعالى عليه، فيُرضي عنه أخصامه، فهو الجواد الكريم، الرؤوف الرَّحيم. (٩) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَر فيه: (مَنْ شَاقَّ) على النَّاس (٣) بأن أدخل عليهم المشقَّة (شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ) جزاءً وفاقًا لأعمالهم. ٧١٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين أبو بشرٍ (الوَاسِطِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الطَّحَّان (عَنِ الجُرَيْرِيِّ) بضمِّ الجيم وفتح الرَّاء، نسبةً إلى جُرَير بن عبَّادٍ، واسمه: سعيد بن إِياسٍ (عَنِ طَرِيفٍ) بالطَّاء المهملة آخره فاءُ، بوزن «عَظيم» (أَبِي تَمِيمَةَ) بالفوقيَّة، بوزن «عَظيمة»، ابن مُجَالدٍ (٤) -بضمِّ الميم وتخفيف الجيم- الجُهَيْمِيِّ (٥) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، نسبةً إلى بني الجُهَيم بطنٍ من تميمٍ، وكان مولاهم، أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ) بن مُحْرِز بن

стр. 12352

زيادٍ التَّابعيَّ البصريَّ (وَجُنْدُبًا) بضمِّ الجيم والدَّال المهملة بينهما نونٌ ساكنةٌ، ابن عبد الله البَجَليَّ الصَّحابيَّ المشهور (وَأَصْحَابَهُ) أي: أصحاب صفوان (وَهْوَ) أي: صفوان بن مُحْرِزٍ (يُوْصِيهِمْ) بسكون الواو، وعند الكِرمانيِّ: الضَّمير راجعٌ إلى «جندبٍ»، وكذا هو في «الأطراف» للمِزِّيِّ، ولفظه: شهدت صفوان وأصحابه وجُندبًا يوصيهم (فَقَالُوا) أي: صفوان وأصحابه لجندبٍ: (هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا؟ قَالَ): نعم (سَمِعْتُهُ) ﷺ (يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) بفتح السِّين والميم المشدَّدة، أي: من عمل للسُّمعة؛ يُظهِر الله سريرته للنَّاس، ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه، وقيل: سمَّع الله به، أي: يفضحه يوم القيامة، وقيل: معناه: من سمَّع بعيوب النَّاس وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه، وقيل: أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إيَّاه؛ ليكون حسرةً عليه، وقيل: من أراد أن يعلمه النَّاس؛ أسمعه الله النَّاس، وكان ذلك حظَّه (قَالَ) ﵊: (وَمَنْ يُشَاقِقْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ بإسقاط إحدى القافين، أي: يضرَّ النَّاس، ويحملهم على ما يشقُّ من الأمر، أو يقول فيهم أمرًا قبيحًا، ويكشف عن عيوبهم ومساوئهم (يَشْقُقِ اللهُ عَلَيْهِ) يعذِّبْه (يَوْمَ القِيَامَةِ) و «يشاقق» و «يشقُقِ» بلفظ المضارع وفكِّ (١) القاف فيهما (فَقَالُوا) له: (أَوْصِنَا، فَقَالَ) جندبٌ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون النُّون وكسر الفوقيَّة، قال في «الصِّحاح»: نتنَ الشَّيءُ وأنتنَ بمعنًى، فهو مُنْتِنٌ ومِنتِن؛ بكسر الميم؛ إتباعًا لكسرة التَّاء، والنَّتْنُ: الرَّائحة الكريهة (مِنَ الإِنْسَانِ) بعد موته (بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا) أي: حلالًا (فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يُحَالَ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ألَّا يحولَ» (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ مِلْءُ كَفِّهِ) كذا للكشميهنيِّ: «ملْءُ» بغير حرف الجرِّ، ورفع «ملء» على أنَّه فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه المتقدِّم، أي: يحول بينه وبين الجنَّة ملءُ كفِّه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «بِملْءِ كفٍّ» (مِنْ دَمٍ) بغير ضميرٍ، و «من» بيانيَّةٌ (أَهْرَاقَهُ) بفتح الهمزة وسكون الهاء (٢) صبَّه بغير حقِّه (فَلْيَفْعَلْ). وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنَّه موقوفٌ؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يقال بالرَّأي. نعم؛

стр. 12353

وقع مرفوعًا عند الطَّبرانيِّ من طريق الأعمش عن أبي تميمة بلفظ: قال رسول الله ﷺ : «لا يحولَنَّ بين أحدكم وبين الجنَّة»، فذكر نحو رواية الجُرَيريِّ. قال الفَِرَبْريِّ: (قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ: (مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ جُنْدُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ جُنْدُبٌ) وفي الفرع كأصله سقوط قوله: «قلت … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال في «الفتح»: وقد خَلَتْ رواية النَّسفيِّ من ذلك. (١٠) (باب) جواز (القَضَاءِ وَالفُتْيَا) حال كونهما (فِي الطَّرِيقِ) وعن أشهبٍ: لا بأس بالقضاء إذا كان سائرًا إذا لم يشغله عن الفهم، وقال السَّفاقسيُّ: لا يجوز فيما يكون غامضًا. (وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بفتح التَّحتيَّة والميم بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، التَّابعيُّ المشهور قاضي مرو (فِي الطَّرِيقِ) كما وصله ابن سعدٍ في «طبقاته» (وَقَضَى الشَّعْبِيُّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالموحَّدة المكسورة، عامر بن شَرَاحيل (عَلَى بَابِ دَارِهِ) وصله أيضًا ابن سعدٍ. ٧١٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكرٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ) رافعٍ الأشجعيِّ مولاهم الكوفيِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنَ المَسْجِدِ؛ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ) بكسر القاف وفتح التَّحتيَّة (عِنْدَ سُدَّةِ المَسْجِدِ) بضمِّ السِّين وفتح الدَّال المشدَّدة المهملتين: المظلَّة على بابه لوقاية المطر والشَّمس، أو الباب، أو عتبته، أو

стр. 12354

السَّاحة أمام بابه، والرَّجل: قال ابن حجر: لم أعرف اسمه، لكن في الدَّارقطنيِّ (١) أنَّه ذو الخويصِرة اليمانيُّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى السَّاعَةُ) تقوم؟ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَعْدَدْتَ لَهَا) ما هيَّأت لها من عملٍ؟ (فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ) «افتعل» من السُّكون، فتكون ألفه خارجةً عن القياس، وقيل: إنَّه «استفعل» من الكون، أي: انتقل من كونٍ إلى كونٍ؛ كما قالوا: استحال؛ إذا انتقل من حالٍ إلى حالٍ، وقوَّة المعنى تؤيِّد الأوَّل؛ إذِ الاستكانة هي الخضوع والانقياد، وهو يناسب السُّكون، والخروج عن القياس يضعِّفه، والقياس يؤيِّد الثَّاني، وقوَّة المعنى تضعِّفه؛ إذ ليس بينهما -أعني: المشتقَّ والمشتقَّ منه- مناسبةٌ ظاهرةٌ؛ فيحتاج في (٢) إثباتها إلى تكلُّفٍ، وقيل: هو مشتقٌّ من «الكَيْن»؛ وهو لحم باطن الفَرْج؛ إذ هو في أذلِّ المواضع، أي: صار مثله في الذُّلِّ، وقيل: كان يكين؛ بمعنى: خضع وذلَّ، والوجه بناءً على هذا هو الثَّاني؛ إذ لا يلزم الخروج عن القياس ولا عدم المناسبة، ولو كانت هذه اللُّغة (٣) مشهورةً؛ لكان أحسن الوجوه، قاله في «المصابيح»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قد استكان» (ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَعْدَدْتُ) بالهمزة كالسَّابقة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ما عَدَّدْتُ» بغير همزةٍ، قال في «الفتح»: وهو بالتَّشديد مثل: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢]. انتهى. وقال المفسِّرون: ﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أعدَّه لنوائب الدَّهر؛ مثل: كرم وأكرم، وقيل: أحصى عدده، قاله السُّدِّيُّ، وقرأ الحسن والكلبيُّ بتخفيف الدَّال، أي: جمع مالًا وعَدَدَ ذلك المال، والمعنى هنا: ما هيَّأت (لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ) بالباء الموحَّدة، ولبعضهم بالمثلَّثة (وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي) بكسر النُّون المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكنْ» بسكون النُّون مخفَّفةً (أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ) ﷺ له (٤): (أَنْتَ) في الجنَّة (مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) فألحقه بحسن نيَّته من غير زيادة عملٍ بأصحاب الأعمال الصَّالحة، وقال ابن بطَّالٍ: فيه جواز سكوت العالم عن جواب السَّائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تُعرَف، أو كانت ممَّا لا حاجة بالنَّاس إليها، أو كانت ممَّا يُخشى منها الفتنة، أو سوء التأويل، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في

стр. 12355

قوله: «عند السُّدَّة»، قال المهلَّب: الفُتْيا في الطَّريق وعلى الدَّابة ونحو ذلك من التَّواضع، فإن كانت للضَّعيف فمحمودةٌ، وإن كانت لشخصٍ من أهل الدُّنيا أو ممَّن يُخشى (١) فمكروهةٌ، لكن إذا خشي من الثَّاني ضررًا وجب؛ ليأمن شرَّه. والحديث سبق في «الأدب» في «باب علامات حبِّ الله» [خ¦٦١٧١]. (١١) (باب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ) راتبٌ؛ ليمنع النَّاس من الدُّخول عليه. ٧١٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «إسحاق بن منصورٍ» أي: ابن بَهْرام الكوسَج أبو يعقوب المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ) بضمِّ الموحَّدة وفتح النُّون (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁، ولأبي ذرٍّ: «قال: سمعت أنس بن مالكٍ» (يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟) لم يقف الحافظ على اسم المرأتين (قَالَتْ: نَعَمْ) أعرفها (قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ) لها: (اتَّقِي اللهَ) توطئةً لقوله: (وَاصْبِرِي) بكسر الموحَّدة، أي: لا تجزعي وخافي غضب (٢) الله واصبِري حتَّى تُثابي، فأجابت (فَقَالَتْ) له: (إِلَيْكَ) أي: تنحَّ وابعدْ (عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام: خالٍ (مِنْ مُصِيبَتِي) وعند أبي يَعلى من حديث أبي هريرة أنَّها قالت: يا عبد الله؛ إنِّي

стр. 12356

أنا الحرَّاء الثَّكلاء، ولو كنتَ مصابًا عذرتني (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاوَزَهَا) ﷺ (وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ) هو الفضل بن العبَّاس (فَقَالَ) لها: (مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ) له (١): (مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاءَتْ) أي: المرأة (إِلَى بَابِهِ) ﵊ (فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا) أي: راتبًا، تواضعًا منه ﷺ ، فلا يعارِض هذا حديث أبي موسى أنَّه كان بوَّابًا له ﵊ لمَّا جلس على القفِّ [خ¦٣٦٧٤] وحديث عمر لمَّا استأذن له الأسود في قصَّة حلفه ألَّا يدخل على نسائه شهرًا [خ¦٨١٩١] لأنَّه ﷺ كان في خلوة نفسه يتَّخذ البوَّاب، واختُلِف في مشروعيَّة الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشَّافعيُّ: لا ينبغي اتِّخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يُستحَبُّ؛ لترتيب الخصوم، ومنع المستطيل، ودفع الشِّرِّير، ويُكرَه دوام الاحتجاب، وقد يحرم؛ ففي «أبي داود» و «التِّرمذيِّ» بسندِ جيِّدٍ (٢) عن أبي مريم الأسديِّ مرفوعًا: «من ولَّاه الله تعالى من أمر النَّاس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم؛ احتجب الله عن حاجته يوم القيامة»، وقال في «شرح المشكاة»: فائدة قوله: «فلم تجد عنده بوَّابًا»: أنَّه لمَّا قيل لها: إنَّه لرسول الله ﷺ ؛ استشعرت خوفًا وهَيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ وبوَّابٌ يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدتِ الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا عَرَفْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لها: (إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عند أوَّل الصَّدمة» بالتَّعريف؛ والمعنى: إذا وقع الثَّبات أوَّل شيءٍ يهجم على القلب من مقتضيات الجزع؛ فهو الصَّبر الكامل الذي يترتَّب عليه الأجر، فالمرء لا يُؤجَر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يُؤجَر على حسن تثبُّته (٣) وجميل صبره. وسبق الحديث في «الجنائز» في «باب زيارة القبور» [خ¦١٢٨٣].

стр. 12357

(١٢) (باب) ذكرِ (الحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) القتل (دُونَ الإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ) أي: الذي ولَّاه، من غير احتياجٍ إلى استئذانه في خصوص ذلك، «وباب» مضافٌ لتاليه في الفرع، وقال العينيُّ: ليس مضافًا، وإنَّ قوله: «الحاكم» رفعٌ بالابتداء، وقوله: «يحكم بالقتل» خبره، وقال في «الكواكب» وتبعه البِرماويُّ: قوله: «دون» هو إمَّا بمعنى: عند، وإمَّا بمعنى: غير، لكنَّ الحديث الثَّاني (١) يدلُّ على أنَّه (٢) بمعنى غير ليس إلَّا، والأوَّل يحتملهما. ٧١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارسٍ (الذُّهْلِيُّ) بضمِّ المعجمة (٣) وسكون الهاء وكسر اللَّام، وسقط «الذُّهْلِيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدٌ) بتقديم النِّسبة على الاسم، وهي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ كما في «الفتح»، وللأكثر: «حدَّثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريُّ» قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (أَبِي) (٤) عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنسٍ (عَنْ) عمِّ أبيه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم الأولى والثَّانية بينهما ألفٌ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ) قال في «الفتح»: وزاد في رواية المروزيِّ: «ابن (٥) عبادة» أي: الأنصاريَّ الخزرجيَّ، لا قيس بن سعد ابن معاذٍ، ولأبي ذرٍّ: «عن أنس بن مالكٍ قال: إنَّ قيس بن سعدٍ» (كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ (٦) مِنَ الأَمِيرِ) بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ، وزاد الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن مرزوقٍ عن الأنصاريِّ ممَّا أدرجه الأنصاريُّ من كلامه؛

стр. 12358

كما بيَّنه التِّرمذيُّ: «لما ينفِّذه من أموره»، والشُّرطة: أعوان الأمير الذين يتصرَّفون في الجند بأمره، والمراد بصاحب الشُّرطة: كبيرهم، فقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم رُذالة (١) الجند، أو لأنَّهم الأشدَّاء الأقوياء من الجند، قال الأزهريُّ (٢): شرطة كلِّ شيءٍ: خِياره، ومنه: الشُّرطة؛ لأنَّهم نُخْبة الجند، وقيل: هم أوَّل طائفةٍ تتقدَّم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل: مأخوذٌ من الشَّريط؛ وهو الحبل المُبرَم؛ لما فيهم من الشِّدَّة، وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده؛ لأنَّ صاحب الشُّرطة لم يكن موجودًا في العهد النَّبويِّ عند أحدٍ من العمَّال، وإنَّما حدث في دولة بني أميَّة، فأراد أنسٌ تقريب حال قيس بن سعدٍ عند السَّامعين، فشبَّهه بما يعهدونه، وفائدة تكرار لفظ «الكون» في قوله: «كان يكون» بيانُ الدَّوام والاستمرار؛ كما قاله في «الكواكب»، وقوله في «الفتح»: «إنَّه وقع في التِّرمذيِّ وغيره من طرقٍ عن الأنصاريِّ بلفظ (٣): كان قيس بن سعدٍ من النَّبيِّ ﷺ ، قال: فظهر أنَّ ذلك كان (٤) من تصرُّف الرُّواة»، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية التِّرمذيِّ وغيره لا تستلزم نفي رواية: «كان يكون»، فإنَّ كلًّا لا يروي إلَّا ما ضبطه، فعدم النِّسبة إلى تصرُّف الرُّواة أَولى من كونهم تصرَّفوا (٥) في ذلك من أنفسهم، ومفهوم التَّكرار وزيادة الإسماعيليِّ: أنَّ ذلك كان لقيسٍ على سبيل الوظيفة الرَّاتبة، لكن يُعكِّر عليه ما ذكره الإسماعيليُّ بلفظ: قال الأنصاريُّ: ولا أعلمه إلَّا عن أنسٍ: أنَّه لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ كان قيس بن سعدٍ في مقدِّمته بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير، فكلَّم سعدٌ النَّبيَّ ﷺ في قيسٍ أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه؛ مخافة أن يقدم على شيءٍ، فصرفه عن ذلك، ثمَّ أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن الأنصاريِّ بدون تلك الزِّيادة التي في آخره، قال: ولم يشكَّ في كونه عن أنسٍ، فكأنَّ الأنصاريَّ كان يتردَّد في وصلها، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعلى تقدير ثبوت هذه الزِّيادة؛ فلم يقع ذلك لقيس بن سعدٍ إلَّا في تلك المرَّة ولم يستمرَّ مع ذلك فيها.

стр. 12359

٧١٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) زاد أبو ذرٍّ: «هو القطَّان» (عَنْ قُرَّةَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «بن خالدٍ» أي: السَّدوسيِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٌ أو الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ) أرسله إلى اليمن قاضيًا (وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ) بهمزة قطعٍ وسكون الفوقيَّة، ومعاذ هو ابن جبلٍ، وهذا قطعةٌ من حديثٍ سبق في «باب حكم المرتدِّ والمرتدَّة» من «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣] بهذا السَّند، وأوَّله عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النَّبيِّ ﷺ ومعي رجلان من الأشعريِّين؛ أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله ﷺ يستاك، فكلاهما سأل فقال: «يا أبا موسى»، أو قال: «يا عبد الله بن قيسٍ» قال: قلت: والذي بعثك بالحقِّ؛ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، فكأنِّي أنظر إلى سواكه تحت شفته (١) قلصت، فقال: «لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكنْ اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيسٍ- إلى اليمن»، ثمَّ أتبعه معاذ بن جبلٍ، ثمَّ ذكر قصَّة اليهوديِّ الذي أسلم ثمَّ ارتدَّ، وعليها اقتصر هنا في الحديث التَّالي لهذا. ٧١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بفتح المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف مهملةٌ، العطَّار (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الحَسَنِ) القرشيُّ البصريُّ، قيل: اسمه محمَّدٌ، ومحبوبٌ لقبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ (عَنْ أَبِي

стр. 12360

بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى (١) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ) معاذٌ لأبي موسى: (مَا لهَذَا) الرَّجل الموثَق؟ (قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ) وفي رواية الباب المذكور في «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣] ثمَّ أَتْبَعه معاذ بن جبلٍ، فلمَّا قدم عليه؛ ألقى له وسادةً، قال: انزل، وإذا رجلٌ عنده (٢) موثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديَّا فأسلم، ثمَّ تهوَّد، فقال: اجلِس (قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ) هذا (قَضَاءُ اللهِ وَ) قضاءُ (رَسُولِهِ ﷺ ¬) زاد في «الاستتابة» [خ¦٦٩٢٣] فأمر به فقُتِلَ، وبذلك يتمُّ مراد التَّرجمة، ويحصل الرَّدُّ على من زعم أنَّ الحدود لا يُقيمها عمَّال البلاد إلَّا بعد إذن الإمام الذي ولَّاهم. (١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَرُ فيه: (هَلْ يَقْضِي الحَاكِمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القاضي» أي: بين النَّاس (أَوْ يُفْتِي وَهْوَ غَضْبَانُ) (٣)؟ ٧١٥٨ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، الكوفُّي قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ الثَّقفيَّ (قَالَ: كَتَبَ) أبي (أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ) بالنُّون: ولده عُبَيْد الله -بالتَّصغير- (وَكَانَ) عُبيد الله قاضيًا (٥) (بِسِجِسْتَانَ) بكسر المهملة والجيم على الصَّحيح، غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والعجميَّة، وفيه الزِّيادة والتَّأنيث: إحدى مدن العجم، وهي خلف كرمان مسيرة مئة فرسخٍ، منها أربعون مفازةً ليس بها ماءٌ، وهي إلى ناحية الهند (بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) وفي
следующие страницы →