← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وظاهره تحريم متروك التَّسمية عمدًا أو نسيانًا، وإليه ذهب داود، وعن أحمد مثله، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ بخلافه لقوله ﵇: «ذبيحة المسلم حلالٌ وإن لم يذكر اسم الله عليها (١)»، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان وأوَّلوه بالميتة، أو بما ذُكِرَ غير اسم الله عليه، وقد نُوزِع في جميع ما استدلَّ به المؤلِّف ممَّا يطول ذكره. ٣٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ (٢) ﷺ ¬) من المدينة في حجَّة الوداع (لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) لأنَّهم كانوا يعتقدون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ (فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين، وكسر الرَّاء (طَمِثْتُ) بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ وميم مكسورةٍ، ويجوز فتحها، أي: حِضْتُ (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وللأربعة: «فدخل النَّبيُّ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ بالواو (فَقَالَ) ﵊: (مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ:

стр. 1262

لَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى، وهو جواب قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم التَّالي (١) وهو قوله: (وَاللهِ) تأكيدٌ له (أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ) أي: لم أقصدِ الحجَّ هذه السَّنة لأنَّ قولها ذلك كان قبل شيءٍ من الحجِّ (قَالَ) ﵇: (لَعَلَّكِ) بكسر الكاف (نَُفِسْتِ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: حضتِ؟ (قُلْتُ: نَعَمْ) نفستُ (قَالَ) ﵇: (فَإِنَّ ذَلِكِ) باللَّام وكسر الكاف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فإنَّ ذاك» (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) ليس هو خاصًّا بك، قاله تسليةً لها وتخفيفًا لهمِّها (فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ) من المناسك (غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) طهارةً كاملةً بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث: «الطَّواف بالبيت صلاةٌ»، فيُشتَرط له ما يُشترَط (٢) لها. نعم تعلَّق بهذه الغاية الحنفيَّة في صحَّة الطَّواف بالانقطاع وإن لم تغتسل، لكنَّ الأصحَّ عندهم وجوبه لأنَّه يجب بتركه الجابر، فلو طافت بعد الانقطاع قبل الغسل وجب عليها بَدَنة، وكذلك النُّفَساء والجنب كما رُوِي عنِ ابن عبَّاسٍ، وهذا الحديث تقدَّم في أوَّل «كتاب الحيض» [خ¦٢٩٤]. (٨) (بابُ) حكم (الاِسْتِحَاضَةِ) وهي: أن يجاوز الدَّم أكثر الحيض ويستمرَّ؛ وهي أربعة أقسامٍ، مُبتدَأةٌ أوَّل ما ابتدأها الدَّم، ومعتادةٌ سبق لها حيضٌ وطهرٌ، وكلاهما مميِّزة (٣)، وهي التي دمها نوعان: قويٌّ وضعيفٌ، وهذه (٤) تُرَدُّ إلى التَّمييز فيكون حيضها الأقوى إن لم ينقص عن

стр. 1263

أقلِّ الحيض، وهو قدر يومٍ وليلةٍ متَّصلًا، ولم يعبر أكثره وهو خمسة عشر يومًا بلياليها وإن تفرَّق دمها ولم ينقص الضَّعيف المتَّصل بعضه ببعضٍ عن أقلِّ الطُّهر بين الحيضتين وهو خمسة عشر يومًا، ولا حدَّ لأكثره، وأمَّا غير المميِّزة فإن رأتِ الدَّم بصفةٍ أو أكثر لكن فقدت شرطًا من شروط التَّمييز السَّابقة؛ فإن كانت مُبتدأَةً عارفةً بوقت ابتداء دمها رُدَّت لأقلِّ الحيض في الطُّهر لأنَّه المُتيقَّن، وما زاد مشكوكٌ فيه، وإن كانت معتادةً رُدَّت لعادتها قدرًا ووقتًا إن كانت حافظةً لذلك، فإن نسيت عادتها بأن لم تعلم قدرها -وتُسمَّى: المتحيِّرة-فكالمُبتدأَة غير المميِّزة بجامع فقْدِ العادة والتَّمييز، فيكون حيضها يومًا وليلةً، وطهرها بقيَّة الشَّهر، والمشهور أنَّها ليست كالمُبتدَأة لاحتمال كلِّ زمنٍ يمرُّ عليها للحيض والطُّهر، فيجب الاحتياط فتكون في العبادة فرضها ونفلها كطاهرةٍ (١)، وفي الوطء ومسِّ المصحف والقراءة خارج الصَّلاة كحائض، وتغتسل لكلِّ فريضةٍ بعد دخول وقتها عند احتمال الانقطاع، قال في «شرح المُهذَّب» عن الأصحاب: فإن علمت وقت انقطاعه كعند (٢) غروب الشَّمس لزمها الغسل كلَّ يومٍ عقب (٣) الغروب، وتصلِّي به المغرب وتتوضَّأ لباقي الصَّلوات لاحتمال الانقطاع عند الغروب دون ما سواه. ٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) سقط لابن عساكر «ابن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ

стр. 1264

فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة (١) وفتح المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، ابن المطَّلب بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ، القرشيَّة الأسديَّة (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ) أي: بسبب أنِّي أُستحاض، وظنَّت أنَّ طهارة الحائض إنَّما هي بالانقطاع، فكنَّتْ بعدم الطُّهر عنِ اتِّصال الدَّم، وكانت قد علمت أنَّ الحائض لا تصلِّي، وظنَّت أنَّ ذلك الحكم مقترنٌ بجريان الدَّم من الفرج، فأرادت تحقيق ذلك فقالت: (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬): «لا تدعيها» (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) يُسمَّى: العاذل -بالمُعجَمة- يخرج منه (وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كما نقله الخطَّابيُّ عن أكثر المحدِّثين أو كلِّهم، وإن كان قد اختار الكسر على إرادة الحال، لكنَّ الفتح هنا أظهر، وقال النَّوويُّ: وهو متعيّنٌ، أو قريبٌ مِنَ المتعيّن لأنَّه ﷺ أراد إثبات (٢) الاستحاضة ونفيَ الحيض. انتهى. والذي في فرع «اليونينيَّة» الكسر بعد كشط الفتح: (فَإِذَا أقبَلَتِ الحَيْضَةُ) بالفتح في الفرع، قال ابن حجرٍ: والذي في روايتنا بالفتح في الموضعين، وجوَّز النَّوويُّ في هذه الأخيرة: الكسر أيضًا (فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أي: قدر الحيضة (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) أي: بعد الاغتسال، كما صرَّح به في باب إذا «حاضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ» [خ¦٣٢٥] وزاد في رواية أبي معاوية في «بابغسل الدَّم»: «توضَّئي لكلِّ صلاةٍ» [خ¦٢٢٨] أي: مكتوبةٍ، فلا تصلِّي -عند الشَّافعيَّة- أكثر من فريضةٍ واحدةٍ مُؤدَّاة أو مقضيَّةٍ، وقال الحنفيَّة: تتوضَّأ المستحاضة لوقت كلِّ صلاةٍ، فتصلِّي بذلك الوضوء في الوقت ما شاءت من الفرائض الحاضر والفائت (٣) والنَّوافل، لنا: أنَّ اعتبار طهارتها ضرورة أداء المكتوبة، فلا تبقى بعد الفراغ منها، وقال المالكيَّة: يُستحَبُّ لها الوضوء لكلِّ صلاةٍ ولا يجب إلَّا بحدثٍ آخر، بناءً على أنَّ دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء.

стр. 1265

(٩) (بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ) بالميم، ولأبي الوقت وابن عساكر: «الحيض»، وفي روايةٍ: «الحائض» وسبق في «كتاب الوضوء»، «باب غسل الدَّم» [خ¦٢٢٧] وهذه التَّرجمة أخصُّ منها على ما لا يخفى. ٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ (عَنْ هِشَامٍ) زاد الأَصيليُّ: «ابن عروة» (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ) بن الزُّبير بن العَّوام (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) «الصِّدِّيق» كما صرَّح به في رواية الأَصيليِّ، وهي جدَّة فاطمة (أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ) هي أسماء بنت الصِّدِّيق، أبهمت اسمها (١) لغرضٍ من الأغراض (٢) صحيحٍ (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) استفهامٌ بمعنى الأمر لاشتراكهما في الطَّلب، أي: أَخبِرني (إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ) فيه؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ) بفتح الحاء، كالسَّابقة [خ¦٣٠٦] (فَلْتَقْرُصْهُ) بالقاف والرَّاء المضمومة والصَّاد المُهمَلة (٣) السَّاكنة، أي: تقلعه بظفرها أو أصابعها (٤) (ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ) بكسر الضَّاد وفتحها، أي: تغسله (بِمَاءٍ) بأن تصبَّه شيئًا فشيئًا حتَّى يزول أثره، والحكمة في القرص تسهيل الغسل (ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ). ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف.

стр. 1266

٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالغَيْن المُعجَمة، ابن الفرج، الفقيه المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وفي روايةٍ: «حدَّثني» (عَمْرُوبْنُ الحَارِثِ) بفتح العين، المصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ أنَّه (١) (حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا) أي: من أمَّهات المؤمنين ﵅ (تَحِيضُ ثُمَّ تَقْتَرِصُ) بالقاف والصَّاد المُهمَلة بوزن «تفتعل»، وفي روايةٍ: «ثمَّ تقرص» (الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا) أي: مِنَ الحيض، وللمُستملي والحَمُّويي: «عند طهره» أي: الثَّوب، أي: عند إرادة تطهيره (فَتَغْسِلُهُ) أي: بأطراف أصابعها (وَتَنْضَحُ) الماء، أي: ترشُّه (عَلَى سَائِرِهِ) دفعًا للوسوسة (ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ). ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مصريٍّ -بالميم- ومدنيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد، والعنعنة، وأخرجه ابن ماجه في «الطَّهارة» (٢). (١٠) (بابُ) حكم (الاِعْتِكَافِ) في المسجد (لِلْمُسْتَحَاضَةِ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «باب اعتكاف المستحاضة». ٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهِين، بكسر الهاء، ولابن عساكر: «حدَّثني إسحاق الواسطيُّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «أخبرنا» (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ، المتصدِّق بزنة نفسه ثلاث مرَّاتٍ فضَّةً (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن مهران الحذَّاء، بالمُهمَلة ثمَّ المُعجَمة المُثقَّلة (عَنْ عِكْرِمَةَ) بن عبد الله مولى ابن عبَّاس، أصله بربريٌّ، ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ

стр. 1267

بالتَّفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا ثبتت (١) عنه بدعةٌ، واحتجَّ به البخاريُّ وأصحاب السُّنن وأثنى عليه غير واحدٍ من أهل عصره وهلمَّ جرًّا (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ) في مسجده (بَعْضُ نِسَائِهِ) هي سودة بنت زمعة أو رملة أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، وأسنده الحافظ ابن حجرٍ لحاشية نسخةٍ صحيحةٍ من «أصل أبي ذَرٍّ» رآها، وقِيلَ: هي زينب بنت جحشٍ الأسديَّة، وعُورِضبأنَّ زينب لم تكن استُحيضت، إنَّما المُستحاضة أختها حمنة، وإنكار ابن الجوزيِّ على المؤلِّف قوله: «بعض نسائه»، وأوَّله بالنِّساء المتعلِّقات (٢) به، وهي أمُّ حبيبة بنت جحشٍ أخت زينب، ردَّه الحافظ ابن حجرٍ بقوله في الرِّواية الثَّانية [خ¦٣١٠]: «امرأةٌ من أزواجه»، وفي الثَّالثة [خ¦٣١١]: «بعض أمَّهات المؤمنين»، ومِنَ المُستبعَد أن يعتكف معه ﵊ غير زوجاته (٣)، ثمَّ رجح أنَّها أمُّ سلمة بحديثٍ في «سنن سعيد بن منصورٍ»، ولفظه: إنَّ أمَّ سلمة كانت عاكفةً وهي مستحاضةٌ، وربَّما جعلت الطَّست تحتها، وحينئذٍ فسَلِمت رواية المؤلِّف من المعارض، ولله الحمد. (وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ) حال كونها (تَرَى الدَّمَ) وأُتِيَ بتاء التَّأنيث في المستحاضة وإن كانت الاستحاضة من خصائص النِّساء للإشعار بأنَّ الاستحاضة حاصلةٌ لها بالفعل لا بالقوَّة (فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ) بفتح الطَّاء (تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ) أي: لأجله، قال خالد بن مهران: (وَزَعَمَ عكرمةُ) عُطِفَ على معنى: العنعنة، أي: حدَّثني عكرمة كذا، وزعم (أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ) هو زهر القِرْطِم (فَقَالَتْ: كَأَنَّ) بتشديد النُّون

стр. 1268

بعد (١) الهمزة (هَذَا) أي: العصفر (شَيْءٌ كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ) في زمان استحاضتها، و «فلانة» غير منصرفٍ كناية عن علم امرأةٍ، وهي المرأة التي ذكرتها قبل على الاختلاف السَّابق. واستُنبِط منه: جواز اعتكاف المستحاضة عند أمن تلويث المسجد كدائم الحدث، ورواته الخمسة ما بين واسطيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا وفي «الصَّوم» [خ¦٢٠٣٧]، وكذا أبو داود وابن ماجه والنَّسائيُّ في «الاعتكاف». ٣١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بضمِّ القاف، ابن سعيدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ) مستحاضةٌ (مِنْ أَزْوَاجِهِ) هذا يردُّ على ابن الجوزيِّ اعتراضه على (٢) رواية المؤلِّف [خ¦٣٠٩]: «بعض نسائه» كما سبق قريبًا (فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ) الأحمر (وَالصُّفْرَةَ) كناية عنِ الاستحاضة (وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا) جملةٌ حاليَّةٌ بالواو، وفي بعض الأصول سقوطها (وَهْيَ تُصَلِّي) جملةٌ حاليَّةٌ أيضًا، وفيه: جواز صلاتها كاعتكافها، لكن مع عدم التَّلويث فيهما.

стр. 1269

٣١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية، ابن سليمان بن طرخان البصريُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ) إحدى المذكورات ﵅ (اعْتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ). (١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ). ٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ) بالنُّون والفاء، المخزوميُّ أوثق شيخٍ بمكَّة (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله، واسم أبي نَجيحٍ: يسارٌ ضدُّ اليمين (١) (عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَتْ) ولابن عساكر: «قال: قالت» (عَائِشَةُ) ﵂: (مَا كَانَ لإِحْدَانَا) أي: من أمَّهات المؤمنين (إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ) النَّفيُ عامُّ لكلِّهنَّ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفيِ؛ لأنَّه لو كان لواحدةٍ ثوبٌ لم يصدقِ النَّفيُ، ويُجمَع بين هذا وبين حديث أمِّ سلمة السَّابق (٢) في «باب النَّوم مع الحائض وهي في ثيابها» [خ¦٣٢٢] الدَّالِّ على أنَّه كان لها ثوبٌ مُختَصٌّ بالحيض، أنَّ حديث عائشة هذا محمولٌ على ما كان في أوَّل الأمر، وحديث أمِّ سلمة محمولٌ على ما كان بعد اتِّساع الحال، ويحتمل أن يكون مُراد عائشة بقولها: «ثوبٌ واحدٌ» مُختَصٌّ بالحيض وليس في سياقها ما ينفي أن يكون لها غيره في زمن الطُّهر، فيوافق حديث أمِّ سلمة، قاله في «فتح الباري» (فَإِذَا أَصَابَهُ) أي: الثَّوب (شَيْءٌ مِنْ دَمٍ) وللأَصيليِّ: «من الدَّم» (قَالَتْ) أي: بلَّته (٣) (بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ) بالقاف

стр. 1270

والصَّاد والعين المُهمَلتين، كذا في الفرع، وعزاها الحافظ ابن حجرٍ لرواية أبي داود، ومفهومه: أنَّها ليست للبخاريِّ، والمعنى: فدلكته وعالجته، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «فمصعته» بالميم، وهي في هامش فرع «اليونينيَّة» أي: حكَّته (بِظُفْرِهَا) بإسكان الفاء في الفرع، ويجوز ضمُّها. ووجه مُطابَقة هذه التَّرجمة من حيث إنَّ من لم يكن لها إلَّا ثوبٌ واحدٌ تحيض فيه معلومٌ أنَّها تصلِّي فيه إذا غسلته بعد الانقطاع، وليس هذا مخالفًا لِمَا تقدَّم، فهو من باب حمل المُطلَق على المقيد، أو لأنَّ هذا الدَّم الَّذي مصعته قليلٌ معفوٌّ عنه لا يجب عليها غسله فلذا لم تذكر أنَّها غسلته بالماء، وأمَّا الكثير فصحَّ عنها أنَّها كانت تغسله بالماء (١)، قاله البيهقيُّ، لكن يبقى النَّظر في مخالطة الدَّم بريقها، فقد قالوا فيه حينئذٍبعدم العفو وليس فيه أنَّها صلَّت فيه، فلا يكون فيه حجَّةٌ لمن أجاز إزالة النَّجاسة بغير الماء، وإنَّما أزالت الدَّم بريقها ليذهب أثره، ولم تقصد تطهيره، فقد سبق ببابٍ عنها ذكر الغسل بعد القرص [خ¦٣٠٨]. ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول. (١٢) (بابُ) استحباب (الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ) غير المحرمة (عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ) وكذا من النِّفاس تطييبًا للمحلِّ، بل يُكرَه تركه بلا عذرٍ كما صرَّح به في «المجموع» وغيره، ولأبي ذَرٍّ: «من الحيض» بغير (٢) ميمٍ.

стр. 1271

٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين، زاد في رواية المُستملي وكريمة: «قال أبو عبد الله» أي: البخاريُّ: «أو هشام بن حسَّانٍ» بالصَّرف وتَرْكِهِ: من الحسن أو الحسِّ «عن حفصة» فكأنَّه شكَّ في شيخ حمَّادٍ أهو: أيُّوب السَّختيانيُّ أو هشام بن حسَّان، وليس ذلك عند بقيَّة الرُّواة ولا عند أصحاب «الأطراف» (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة -بضمِّ النُّون وفتح السِّين مُصغَّرًا- بنت الحارث، كانت تمرِّض المرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى، لها في «البخاريِّ» خمسة أحاديث ﵂ (قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى) بضمِّ النُّون الأولى (١)، وفاعل النَّهيِ النَّبيُّ ﷺ (أَنْ تحِدَّ (٢)) أي: المرأة، وفي الفرع: «أن نُحِدَّ (٣)» بضمِّ الأوَّل مع كسر المُهمَلة فيهما، من الإحداد، أي: تمنع من الزِّينة (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) يعني به: اللَّيالي مع أيَّامها (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) دخل بها أو لم يدخل، صغيرةً كانت (٤) أو كبيرةً، حرَّةً أو أَمَةً. نعم عند أبي حنيفة: لا إحداد على صغيرةٍ ولا أمةٍ، وفي رواية المُستملي والحَمُّويي: «إلَّا على زوجها» فالأولى موافقةٌ للفظ: «نُحِدَّ» بالنُّون، والثَّانية موافقةٌ لرواية: «تُحِدَّ» بالغَيبة، أو تُوجَّه الثَّانية -أيضًا على رواية النُّون- بأنَّ الضَّمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: «كنَّا نُنْهَى» أي: كلُّ واحدةٍ منهنَّ تُنهَى أن تحدَّ فوق ثلاثٍ إلَّا على

стр. 1272

زوجها (١) (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) يعني: عشر ليالٍ؛ إذ لو أُريد به الأيَّام لقِيلَ عشرةٌ؛ بالتَّاء، قال البيضاويُّ في تفسير ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: وتأنيث العشر باعتبار اللَّيالي لأنَّها غرر الشُّهور والأيَّام، ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ، ذهابًا إلى الأيَّام حتَّى إنَّهم يقولون: صمتُ عشرًا، ويشهد له قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ثمَّ ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] ولعلَّ المقتضي لهذا التَّقدير: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذكرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبِر أقصى الأجلين، وزِيد عليه العشر استظهارًا إذ ربَّما تضعف حركته في المبادئ فلا تحسُّ بها (وَلَا نَكْتَحِلَ) بالنَّصب، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» فقط عطفًا على المنصوب السَّابق، كذا قرَّروه (٢) ولكن ردَّه البدر الدَّمامينيُّبأنَّه يلزم من عطفه عليه فساد المعنى؛ لأنَّ تقديره: كنَّا نُنهَى ألَّا (٣) نكتحل، نعم يصحُّ العطف عليه على تقدير أنَّ «لا» زائدةٌ، أكَّد بها لأنَّ في النَّهي معنى النَّفي، ورواية الرَّفع هي الأحسن على ما لا يخفى (وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) بفتح العين وسكون الصَّاد المُهمَلتين في آخره مُوحَّدةٌ: برودٌ يمنيَّةٌ (٤) يُعصَب غزلها، أي: يُجمَع ثمَّ يصبَغ ثمَّ يُنسَج (وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا) التَّطيُّب (٥) بالتَّبخُّر (عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا) لدفع رائحة الدَّم لما تستقبله من الصَّلاة (فِي نُبْذَةٍ) بضمِّ النُّون وفتحها وسكون المُوحَّدة

стр. 1273

وبالذَّال المُعجَمة، أي: في قطعةٍ يسيرةٍ (مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ) كذا في هذه الرِّواية بضمِّ الكاف وسكون المُهمَلة، وفي «كتاب الطِّبِّ» للمُفضَّلبن سلمة: القُسْط والكُسْطوالكُسْت ثلاث لغاتٍ، وهو (١) من طِيْب الأعراب، وسمَّاه ابن البيطار: راسِنًا، والأظفار ضربٌ من العطر على شكل ظفر الإنسان يُوضع في البخور، وقال ابن التِّين: صوابه: «قُسْط ظِفَار» أي: بغير همزٍ، نسبةً إلى ظِفَار، مدينة بساحل اليمن (٢) يُجلَب إليها القسط الهنديُّ، وحُكِيَ في ضبط «ظَفَارِ»: عدم الصَّرف والبناء كقَطَامِ، وهو العود الذي يُتبخَّر به (وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ) ويأتي البحث فيه في محلِّه (٣) إن شاء الله تعالى. ورواة هذا الحديث بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا وكذا في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٤١]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. (قَالَ: رَوَاهُ) أي: الحديث المذكور، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف، وفي روايةٍ لابن عساكر: «روى» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: «وروى» (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) المذكور ممَّا سيأتي موصولًا عند المؤلِّف في «كتاب الطَّلاق» [خ¦٥٣٤١]-إن شاء الله تعالى- (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) ﵂ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ولم يكن (٤) هذا التَّعليق في رواية المُستملي، وفائدة ذكره: الدَّلالة على أنَّ الحديث السَّابق من قبيل المرفوع. (١٣) (بابُ) بيان استح باب (دَلْكِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ) مصدرٌ، كالمجيء

стр. 1274

والمبيت (وَ) بيان (كَيْفَ تَغْتَسِلُ وَ) كيف (تَأْخُذُ فِرْصَةً) بتثليث الفاء وسكون الرَّاء وفتح الصَّاد المُهمَلة، كما حكاه ابن سِيْدَه: قطعةٌ من قطنٍ أو صوفٍ أو خرقة (مُمَسَّكَةً) بتشديد السِّين، وفتح الكاف (فَتَتَبَّعُ) بلفظ الغائبة، مضارع «التَّفعُّل»، وحُذِفَ إحدى التَّاءات الثَّلاث، وفي الفرع: «فَتَتَّبِع» بتشديد التَّاء الثَّانية وتخفيف المُوحَّدة المكسورة، ولأبي ذَرٍّ: «فتَتْبَع» بسكون التَّاء (١) الثَّانية وفتح المُوحَّدة (بِهَا) أي: بالفِرصة (أَثَرَ الدَّمِ). ٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: ابن موسى، البلخيُّ الخَتِّيُّ-بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة- فيما جزم به ابن السَّكن في روايته عن الفَِرَبْريِّ، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين، أو يحيى بن جعفرٍ البيكنديُّ كما وُجِدَ في بعض النُّسخ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) نسبه إليها لشهرتها، واسم أبيه عبد الرَّحمن بن طلحة (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي (٢) طلحة العبدريِّ، ووقع التَّصريح بالسَّماع في جميع السَّند في «مُسنَد الحميديِّ» (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ امْرَأَةً) من الأنصار، كما في حديث الباب التَّالي لهذا [خ¦٣١٥]، أو هي أسماء بنت شَكَلٍكما في «مسلمٍ»، لكن قال الحافظ (٣) الدِّمياطيُّ: إنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هو سَكَنٌ -بالسِّين المُهمَلة والنُّون- نسبةً إلى جدِّها، وجزم -تبعًا للخطيب في «مبهماته» - أنَّها أسماء بنت يزيد بن السَّكن الأنصاريَّة خطيبة النَّساء، وصوَّبه بعض المتأخِّرين بأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شَكْلٌ، وتُعقِّببجواز تعدُّد الواقعة، ويؤيِّده تفريق ابن منده بين التَّرجمتين، وبأنَّ ابن طاهرٍ

стр. 1275

وأبا موسى المدينيَّ وأبا عليٍّ الجيانيَّ جزموا بما في «مسلم»، ورواه ابن أبي شيبة وأبو نعيمٍ كذلك، فَسَلِمَ مسلمٌ من الوهم والتَّصحيف (سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ) أي: الحيض (فَأَمَرَهَا) النَّبيُّ (١) ﷺ (كَيْفَ تَغْتَسِلُ) أي: بأن قال كما رواه مسلمٌ بمعناه: «تطهَّري فأحسني الطُّهور، ثمَّ صبِّي على رأسك فادلكيه دلكًا شديدًا حتَّى يبلغ شؤون رأسك -أي: أصوله- ثمَّ صبِّي الماء عليك» (قَالَ: خُذِي فِرْصَةً) بتثليث الفاء: قطعةً، وقِيلَ: بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، وقال ابن قتيبة: إنَّما هو بالقاف والضَّاد المُعجَمة، أي: قطعةً، والرِّواية ثابتةٌ بالفاء والصَّاد المُهمَلة، ولا مجال للرَّأي في مثله، والمعنى صحيحٌ بنقل أئمَّة اللُّغة (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم دم الغزال، ورُوِي بفتحها، قال القاضي عياضٌ: وهي رواية الأكثرين، وهو الجلد، أي: خذي قطعةً منه وتحمَّلي بها لمسح القبُل، واحتجَّبأنَّهم كانوا في ضيقٍ يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجَّح النَّوويُّ: الكسر (فَتَطَهَّرِي) أي: تنظَّفي (بِهَا) أي: بالفرصة (قَالَتْ) (٢) أسماء: (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ) ﵊: (سُبْحَانَ اللهِ!) متعجِّبًا من خفاء ذلك عليها (تَطَهَّرِي) ولابن عساكر: «تطهَّري بها، قالت: كيف؟ قال: سُبْحَانَ الله! تَطَهَّرِي بِها» قالت عائشة ﵂: (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ) بتقديم المُوحَّدة على الذَّال المُعجَمة، وفي روايةٍ: «فاجتذبتها» بتأخيرها (فَقُلْتُ) لها: (تَتَبَّعِي بِهَا) أي: بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ) أي: في الفرج، واستُنبِط منه: أنَّ العالِمَ يَكني بالجواب في الأمور المستورة، وأنَّ المرأة تسأل عن أمر دينها، وتكرير الجواب لإفهام السَّائل، وأنَّ للطَّالب الحاذق تفهيم السَّائل قول الشَّيخ وهو يسمع، وفيه: الدَّلالة على حسن خلق الرَّسول ﷺ وعظيم حلمه وحيائه، ووجه المُطابَقة بينه وبين (٣) التَّرجمة من جهة تضمُّنه طريق مسلمٍ التي

стр. 1276

سبق ذكرها بالمعنى المُصرِّحة بكيفيَّة الاغتسال، والدَّلك المسكوت عنه في رواية المؤلِّف، ولم يخرِّجها لأنَّها ليست على شرطه لكونها من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفيَّة. ورواة حديث هذا الباب ما بين بلخيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦٢٢٧] و «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٧]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ. (١٤) (بابُ غُسْلِ) المرأة من (المَحِيضِ) (١) بفتح الغين وضمِّها، كما في الفرع. ٣١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) زاد الأَصيليُّ: «ابن إبراهيم» (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) تصغير وهبٍ، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن عبد الرَّحمن (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي أسماء بنت شَكَل (قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ) ﵊: (خُذِي) أي: بعد إيصال الماء لشعرك وبشرتك (٢) (فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية ثمَّ مُهمَلةٍ مُشدَّدةٍ مفتوحةٍ، أي: قطعةً من صوفٍ أو قطنٍ مُطيَّبةً (٣) بالمسك (فَتَوَضَّئِي) الوضوء اللُّغويَّ، وهو التَّنظيف، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «وتوضَّئي» وفي رواية: «فتوضَّئي بها»، قال لها ذلك (ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ، قالت عائشة: (ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «وأعرض» (بِوَجْهِهِ)

стр. 1277

الكريم (أَوْ قَالَ): شكٌّ من عائشة (تَوَضَّئِي بِهَا) ولابن عساكر: «وقال» فزاد في هذه الرِّواية (١) كالرواية السَّابقة لفظة: «بها» أي: بالفرصة، قالت عائشة: (فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ ¬) من التَّتبُّع وإزالة الرَّائحة الكريهة. والمُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة على رواية فتح غين «غَسل»، وتفسير المحيض باسم المكان ظاهرٌ، وعلى رواية ضمِّ الغين، والمحيض بمعنى «الحيض»، فالإضافة بمعنى اللَّام الاختصاصيَّة لأنَّه ذكر لها خاصَّةً هذا الغسل. (١٥) (بابُ امْتِشَاطِ المَرْأَةِ) أي: تسريح شعر رأسها (٢) (عِنْدَ غُسْلِهَا) بفتح الغَيْن وضمِّها (مِنَ المَحِيضِ) أي: الحيض. ٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، المدنيُّ نزيل بغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ عُرْوَةَ) ابن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: أَهْلَلْتُ) أي: أحرمت ورفعت صوتي بالتَّلبية (مَعَ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «مع النَّبيِّ» (¬ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ) بفتح الهاء وسكون الدَّال (٣) المُهمَلة وتخفيف الياء، أو بكسر المُهمَلة مع تشديد الياء، اسمٌ لِمَا يُهدَى بمكَّة من الأنعام، وفيه التفاتٌ من المتكلِّم إلى الغائب؛ لأنَّ الأصل أن

стр. 1278

تقول: ممَّن تمتَّعت، لكن ذُكِّر باعتبار لفظ «مَنْ» (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ) من حيضها (حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) فيه دلالةٌ على أنَّ حيضها كان (١) ثلاثة أيَّام خاصَّةً لأنَّ دخوله ﵊ مكَّة كان في الخامس من ذي الحجَّة، فحاضت يومئذٍ فطَهُرَت يوم عرفة، ويدلُّ على أنَّها حاضت يومئذٍ قوله ﵊ في «بابكيف تهلُّ الحائض بالحجِّ والعمرة؟» [خ¦٣١٩]: «من أحرم بعمرةٍ … » الحديث (٢)، قالت: فحِضْتُ، ففيه دليلٌ على أنَّ حيضها كان يوم القدوم إلىمكَّة، قالت: فلم أَزَلْ حائضًا حتَّى كان يوم عرفة، قاله البدر (فَقَالَتْ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ) وفي بعض النُّسخ: «هذا ليلة عرفة»، قال البدر: أي: هذا الوقت، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ: «يوم عرفة» (٣) (وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ) أي: وأنا حائضٌ، وفيه تصريحٌ بما تضمَّنه التَّمتُّع لأنَّه إحرامٌ بعمرةٍ في أشهر الحجِّ ممَّن على مسافة القصر من الحرم، ثمَّ يحجُّ في (٤) سنته (فَقَالَ (٥) لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : انْقُضِيرَأْسَكِ) بضمِّ القاف، أي: حُلِّي شعرك (وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي) بهمزة قطعٍ (عَنْ عُمْرَتِكِ) أي: اتركي العمل في العمرة وإتمامها، فليس المراد الخروج منها، فإنَّ الحجَّ والعمرة لا يُخرَج منهما إلَّابالتَّحلُّل، وحينئذٍ فتكون (٦) قارنةً، ويؤيِّده قوله ﵊: «يكفيك طوافك لحجِّك وعمرتك»، ولا يلزم من نقض الرَّأس والامتشاط إبطالها لجوازهما عندنا حال الإحرام، لكن يُكرَهان خوف نتف الشَّعر، وقد حملوا فعلها ذلك على أنَّه كان برأسها أذًى، وقِيلَ: المُراد: أبطلي عمرتك، ويؤيِّده قولها في العمرة: «وأرجع بحجَّةٍ واحدةٍ»، وقولها: «ترجع صواحبي بحجٍّ وعمرةٍ وأرجع أنا بالحجِّ»، وقوله ﵊: «هذه مكان عمرتك»، قالت عائشة:

стр. 1279

(فَفَعَلْتُ) النَّقض والامتشاط والإمساك (١) (فَلَمَّا قَضَيْتُ) أي: أدَّيت (الحَجَّ) أي: بعد إحرامي به (أَمَرَ) ﷺ أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ (لَيْلَةَ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلتين (٢) وفتح المُوحَّدة، التي نزلوا فيها بالمُحَصَّب، موضعٌ بين مكَّة ومنى يبيتون فيه (٣) إذا نفروا من منى (٤) (فَأَعْمَرَنِي) أي: اعتمر بي (مِنَ التَّنْعِيمِ) موضعٌ على فرسخٍ من مكَّة، فيه مسجد عائشة (مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ) مِنَ النُّسك، أي: التي أحرمت بها، وأردت أوَّلًا (٥) حصولها منفردةً غير مندرجةٍ ومنعني الحيض، وفي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ: «التي سكتُّ» بلفظ التَّكلُّم من السُّكوت، أي: الَّتي تركت أعمالها وسكتُّ عنها، وللقابسيِّ: «شكت» بالشِّين المُعجَمة والتَّخفيف، والضَّمير فيه (٦) راجعٌ إلى عائشة على سبيل الالتفات مِنَ التَّكلُّم (٧) للغيبة، أوِ المعنى: شكَّت العمرة من الحيض، وإطلاق الشِّكاية عليها كنايةٌ عن اختلالها (٨) وعدم بقاء استقلالها، وإنَّما أمرها بالعمرة بعد الفراغ، وهي قد كانت حصلت لها مندرجةً مع الحجِّ لقصدها عمرةً منفردةً كما حصل لسائر أزواجه ﵊، حيث اعتمرْن بعد الفراغ من حجِّهن المُفرَد عمرةً منفردةً عن حجِّهنَّ حرصًا على كثرة العبادة. وتمام مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٥٥٦] بعون الله وقوَّته. ورواته الخمسة ما بين بصريٍّ (٩) ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة. (١٦) (بابُ) حكم (نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا) أي: شعر رأسها (عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ) هل هو واجبٌ أم لا؟ ولابن عساكر: «باب من رأى نقض المرأة .... » إلى آخره.

стр. 1280

٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّاريُّ، بفتح الهاء وتشديد المُوحَّدة، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة خمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، الهاشميُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا) من المدينة مكملين ذا القعدة (مُوَافِينَ) وفي روايةٍ: «موافقين» (لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ) كذا شرحه بعضهم، والأَوْلى أن يكون معنى «موافين»: مشرفين، يُقال: أوفى على كذا، إذا أشرف عليه، ولا يلزم منه الدُّخول فيه، وقال النَّوويُّ: أي: مقاربين لاستهلاله لأنَّ خروجه ﵊ كان لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة يوم السَّبت (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهْلِلَ) بلامين، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يهلَّ» بلامٍ مُشدَّدةٍ، أي: يحرم (بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ) (١) بعمرةٍ (٢) (فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ) أي: سقت الهديَ (لأَهْلَلْتُ) كذا في رواية الحَمُّويي وكريمة، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «لأحللت» (بِعُمْرَةٍ) ليس فيه دلالةٌ على أنَّ التَّمتُّع أفضل من الإفراد لأنَّه ﵊ إنَّما قال ذلك لأجل فسخ الحجِّ إلى العمرة الذي هو خاصٌّ بهم في تلك السَّنة؛ لمخالفة تحريم الجاهليَّة العمرة في أشهر الحجِّ، لا التَّمتُّع الذي فيه

стр. 1281

الخلاف، وقاله ليطيِّب (١) قلوب أصحابه؛ إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحجِّ إليها لإرادتهم مُوافَقته ﵊، أي: ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلَّا سوقي الهديَ، ولولاه لوافقتكم، وإنَّما كان الهديُ علَّةً لانتفاء الإحرام بالعمرة لأنَّ صاحب الهديِ لا يجوز له التَّحلُّل حتَّى ينحره ولا ينحره إلَّا يوم النَّحر، والمتمتِّع يتحلَّل من عمرته قبله، فيتنافيان (٢) (فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ) قالت عائشة: (وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ) ذلك (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ) أي: أفعالها وارفضيها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) أي: شعرها (وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ) أي: مع عمرتك أو (٣) مكانها (فَفَعَلْتُ) ذلك كلَّه (حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد، و «ليلةُ» بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أي: وجدت، وبالنَّصب على أنَّها ناقصةٌ، واسمها «الوقت» (أَرْسَلَ) ﵊ (مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵃ (فَخَرَجْتُ) معه (إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) منه (مَكَانَ عُمْرَتِي) التي تركتها، لا يُقال: ليس في الحديث دلالةٌ على التَّرجمة لأنَّ أمرها بنقض الشَّعر كان للإهلال وهي حائضٌ لا عند غسلها؛ لأنَّا نقول: إنَّ نقض شعرها إن كان لغسل الإحرام وهو سنَّةٌ، فلغسل الحيض أَوْلى لأنَّه فرضٌ، وقد كان ابن عمر يقول بوجوبه، وبه قال الحسن وطاوسٌ في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد، لكن رجَّح جماعةٌ من أصحابه الاستحباب فيهما، واستدلَّ الجمهور: على عدم وجوب النَّقض بحديث أمِّ سلمة: إنِّي امرأةٌ أشدُّ ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: «لا» رواه مسلمٌ، وقد حملوا حديث عائشة هذا على الاستحباب جمعًا بين الرِّوايتين. نعم إن لم يصلِ الماء إلَّا بالنَّقض وجب. ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيِّ ومدنيِّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة. (قَالَ هِشَامٌ) أي (٤): ابن عروة (وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ)

стр. 1282

استشكل النَّوويُّ نفيَ الثَّلاثةبأنَّ القارن والمتمتِّع عليه الدَّم، وأجاب القاضي عياضٌبأنَّها لم تكن قارنةً ولا متمتِّعةً لأنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ نوت فسخه في عمرةٍ، فلمَّا حاضت ولم يتمَّ لها ذلك رجعت إلى حجِّها؛ لتعذُّر أفعال العمرة، وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرها بتعجيل الرَّفض، فلمَّا أكملتِ الحجَّ اعتمرت عمرةً مُبتدأةً، وعُورِضبقولها: «وكنت أنا (١) ممن أهلَّ بعمرةٍ»، وقولها: «ولم أهلَّ إلَّا بعمرةٍ»، وأُجيببأنَّ هشامًا لمَّا لم يبلغه ذلك أخبر بنفيهِ، ولا يلزم منه نفيُه في نفس الأمر، بل روى جابرٌ: «أنَّه ﵊ أهدى عن عائشة بقرةً»، فافهم. (١٧) (بابُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾) أي: مُسوَّاةٍ لا نقص فيها ولا عيب، وغير مسوَّاةٍ أو تامَّةٍ أو ساقطةٍ أو مُصوَّرةٍ وغير مُصوَّرةٍ، وللأَصيليِّ: «قول الله : ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾» [الحج: ٥] قال ابن المُنَيِّر: أدخل المؤلِّف هذه التَّرجمة في أبواب الحيض لينبِّه بها على أنَّ دم الحامل ليس بحيضٍ؛ لأنَّ الحمل إن تمَّ فإنَّ الرَّحم مشغولٌ به، وما ينفصل عنه من دمٍ إنَّما هو رشحُ غذائه أو فضلته أو نحو ذلك، فليس بحيضٍ، وإن لم يتمَّ وكانت المضغة غير مُخلَّقةٍ مجَّها الرحم مضغةً مائعةً حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم الولد حيضًا؟ انتهى. وهذا مذهب الكوفيِّين وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد ابن حنبل والأوزاعيِّ والثَّوريِّ، وذهب الإمام الشَّافعيُّ في الجديد: إلى أنَّها تحيض، وعن مالكٍ روايتان، وما ادَّعاه ابن المُنَيِّر كغيره من أنَّه رشح غذاء (٢) الولد … إلى آخره يحتاج إلى دليلٍ، وأمَّا ما ورد في (٣) ذلك من خبرٍ أو أثرٍ، نحو قول عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: «إنَّ الله رفع الحيض عن الحامل (٤)، وجعل الدَّم (٥) رزقًا للولد ممَّا تغيض الأرحام» رواه ابن شاهين، وقول ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن شاهين أيضًا، فقال الحافظ ابن حجرٍ: لا يثبت؛ لأنَّ هذا دمٌ بصفات الحيض في زمن إمكانه، فله حكم دم الحيض، وأقوى حججهم: أنَّ استبراء الأمة اعتُبِر بالحيض لتحقُّق (٦) براءة

стр. 1283

الرَّحم من الحمل، فلو كانتِ الحامل تحيض لم تتمَّ البراءة بالحيض. ٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ البصريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، مُصغَّرًا (بنِ أَبِي بَكْرٍ) بن أنس بن مالكٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللهَ وَكَّلَ) بالتَّشديد، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي روايتنا بالتَّخفيف، من: وَكَلَه بكذا إذا استكفاه إيَّاه وصرف أمره إليه (بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ) عند وقوع النُّطفة التماسًا لإتمام الخلقة، أوِ الدُّعاء بإقامة (١) الصُّورة الكاملة عليها أوِ الاستعلام أو نحو ذلك، فليس في ذلك فائدة الخبر ولا لازمه؛ لأنَّ الله تعالى عالم الكلِّ، فهو على نحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] قالته تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها: (يَا رَبِّ) بحذف ياء المتكلِّم، هذه (نُطْفَةٌ) قال ابن الأثير: هي الماء القليل والكثير، والمُراد بها (٢) هنا: المنيُّ، وللقابسيِّ وابن عساكر (٣): «نطفةً» بالنَّصب على إضمار فعلٍ، أي: خلقت يا ربِّ نطفةً، أو صارت (٤) نطفةً (يَا رَبِّ) هذه (عَلَقَةٌ) قطعةٌ مِنَ الدَّم جامدةٌ (يَا رَبِّ) هذه (مُضْغَةٌ) قطعةٌ من اللَّحم، وهي في الأصل قدر ما يُمضَغ، ويجوز نصب الاسمين عطفًا على السَّابق المنصوب بالفعل المُقدَّر، وبين قول الملك: «يا ربِّ نطفةٌ» وقوله: «علقةٌ» أربعون يومًا كقوله: «يا ربِّ مضغةٌ» لا في وقتٍ واحدٍ، وإلَّا تكون النُّطفة علقةً مضغةً في ساعة واحدةٍ (٥)، ولا يخفى ما فيه (فَإِذَا أَرَادَ) الله (أَنْ يَقْضِيَ) وللأَصيليِّ: «فإذا أراد الله أنيقضي» أي (٦): يتمَّ (خَلْقَهُ) أي: ما في الرَّحم من النُّطفة التي صارت علقةً ثمَّ مضغةً، وهذا هو المُراد بقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ وقد عُلِمَ بالضَّرورة أنَّه إذا لم يرِد خَلْقَه

стр. 1284

تكون غيرَ مُخلَّقةٍ، وهذا وجه مناسبة الحديث للتَّرجمة، وقد صرَّح بذلك في حديثٍ رواه الطَّبرانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث ابن مسعودٍ قال: «إذا وقعتِ النُّطفة في الرَّحم بعث الله ملكًا فقال: يا ربِّ مُخلَّقة أو غير مُخلَّقةٍ؟ فإن قال: غير مُخلَّقةٍ مجَّها الرَّحم دمًا» (قَالَ) الملك: (أَذَكَرٌ) هو (أَمْ أُنْثَى؟) أوِ التَّقدير: أهو ذكرٌ أم أنثى؟ وسُوِّغ الابتداء به وإن كان نكرةً لتخصيصه بثبوت أحد الأمرين؛ إذِ السُّؤال فيه عن (١) التَّعيين، وللأَصيليِّ: «أذكرًا أم أنثى؟» بالنَّصب بتقدير: أتخلق ذكرًا أم أنثى؟ (شَقِيٌّ) أي: أعاصٍ لك هو (أَمْ سَعِيدٌ؟) مطيعٌ، وحَذَفَ أداة الاستفهام لدلالة السَّابق وللأَصيليِّ: «شقيًّا أم سعيدًا؟» (٢) (فَمَا الرِّزْقُ) أي (٣): الذي ينتفع به؟ (وَ) ما (الأَجَلُ؟) أي: وقت الموت أو مدَّة الحياة إلى الموت؛ لأنَّه يُطلَق على المُدَّة وعلى غايتها، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وما الأجل» بزيادة «ما»، كما وقع في «الشَّرح» (فَيُكْتَبُ) على صيغة المجهول، أي: المذكور، والكتابة إمَّا حقيقةً أو مجازًا عن التَّقدير، وللأَصيليِّ: «قال: فيكتب» (فِي بَطْنِ أُمِّهِ) ظرفٌ لقوله: «يكتب»، أو أنَّ الشَّخص مكتوبٌ عليه في ذلك الظَّرف، وقد رُوِي أنَّها تُكْتَب على جبهته. ورواة هذا الحديث الأربعة بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «خلق آدم» [خ¦٣٣٣٣] وفي «القدر» [خ¦٦٥٩٥]، ومسلمٌ فيه. (١٨) (بابُ كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ) ليس مراده الكيفية التي يراد بها الصفة، بل بيان صحَّة إهلال الحائض.

стр. 1285

٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح (١) العين-الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (¬ ﷺ ¬) من المدينة (فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشرٍ من الهجرة (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ) أي: أحرم (بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي (٢): «بِحَجَّةٍ» (فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، من الإهداء (فَلْيُحْلِلْ) بكسر اللَّام من الثَّلاثيِّ، أي: قبل يوم النَّحر حتَّى يحرم بالحجِّ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ) بفتح المُثنَّاة وكسر الحاء والضَّمِّ في لام الأولى، والفتح في لام الأخرى (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حتَّى يحلَّ نحر (٣) هديه» أي: يوم العيد؛ لكونه أدخل الحجَّ فيصير قارنًا، ولا يكون متمتِّعًا فلا يحلُّ، وأمَّا توقُّفه على دخول يوم النَّحر مع إمكان التَّحلُّل بعد نصف ليلته فليس التَّحلُّل الكليَّ، أمَّا التَّحلُّل الكليُّ المبيح

стр. 1286

للجماع فهو في يوم النَّحر (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) مفردًا، ولأبي ذرٍّ وعزاها في «الفتح» للمُستملي والحَمُّويي: «ومن أهلَّ بحجَّةٍ» (فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) سواءٌ كان معه هديٌ أم لا (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَحِضْتُ) أي: بسَرِف (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) برفع «يومُ» لأنَّ «كان» تامَّةٌ (وَلَمْ أُهْلِلْ) بضمِّ الهمزة وكسر اللَّام الأولى (إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ) شعر (رَأْسِي وَ) أن (أَمْتَشِطَ وَ) أن (أُهِلَّ) بضمِّ الهمزة (بِحَجٍّ وَ) أن (أَتْرُكَ العُمْرَةَ) أي: أعمالها أو (١) أبطلها (فَفَعَلْتُ ذَلِكَ) كلَّه (حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ (٢): «حجَّتي» (فَبَعَثَ) ﷺ (مَعِي) أخي (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) وللأَصيليِّ زيادة: «الصِّدِّيق» (وَأَمَرَنِي) ﵊، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فأمرني» بالفاء (أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ). ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، ويأتي ما فيه من البحث في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٦] إن شاء الله تعالى بعونه وقوَّته. (١٩) (بابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ (٣) وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ) بالرَّفع بدلٌ من ضمير «كنَّ» (٤)، أو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وفائدة ذكره بعد أن عُلِمَ من لفظ: «كنَّ» إشارةٌ إلى التَّنويع، والتَّنوين يدلُّ عليه، أي: كان ذلك من بعضهنَّ لا من كلِّهنَّ (يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂ (بِالدِّرَجَةِ) بكسر الدَّال وفتح الرَّاء والجيم، جمع: دُرْجٍ، بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وبضمِّ أوَّله وسكون ثانيه في قول ابن قرقول، وبه ضبطه ابن عبد البرِّ في «المُوطَّأ»، وعند الباجيِّ بفتح الأوَّلين، ونُوزِع فيه، وهي (٥) وعاءٌ أو خرقةٌ

стр. 1287

(فِيهَا الكُرْسُفُ) بضمِّ الكاف وإسكان الرَّاء وضمِّ السِّين آخره فاءٌ، أي: القطن (فِيهِ) أي: في القطن (الصُّفْرَةُ) الحاصلة من أثر دم الحيض، بعد وضع ذلك في الفرج لاختبار الطُّهر، وإنَّما اختير القطن لبياضه، ولأنَّه ينشِّف الرُّطوبة فيظهر فيه من آثار الدَّم ما لم يظهر في غيره (فَتَقُولُ) عائشة لهنَّ: (لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ) بسكون اللَّام والمُثنَّاة التَّحتيَّة (القَصَّةَ البَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المُهمَلة: ماءٌ أبيض يكون آخر الحيض يتبيَّن به نقاء الرَّحم تشبيهًا بالجصِّ وهو النُّورة، ومنه قصَّص داره، أي: جصَّصها، وقال الهرويُّ: معناه: أن يخرج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة (١)، كأنَّه ذهب إلى الجفوف، قال القاضي عياضٌ: وبينهما عند النَّساء وأهل المعرفة فرقٌ بيِّنٌ. انتهى. قال في «المصابيح»: وسببه أنَّ الجفوف عدمٌ، والقَصَّة وجودٌ، والوجود أبلغ دلالةً (٢)، وكيف لا والرَّحم قد يجفُّ في أثناء الحيض؟ وقد تنظِّف الحائض فيجفُّ رحمها ساعةً، والقَصَّة لا تكون إلَّا طهرًا. انتهى. وفيه دلالةٌ على أنَّ الصُّفرة والكدرة في أيَّام الحيض حيضٌ، وهذا الأثر رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» من حديث علقمة بن أبي علقمة المدنيِّ عن أمِّه (٣) مرجانة مولاة عائشة، وقد عُلِمَ أنَّ إقبال المحيض يكون بالدَّفقة (٤) من الدَّم، وإدباره بالقَصَّة أو بالجفاف. (وَبَلَغَ ابْنَةَ) ولابن عساكر: «بنت» (زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) هي أمُّ كلثومٍ زوج سالم بن عبد الله بن عمر أو أختها أمُّ سعدٍ، والأوَّل اختاره الحافظ ابن حجرٍ (أَنَّ نِسَاءً) من الصَّحابيَّات (يَدْعُونَ بِالمَصَابِيحِ) أي: يطلبنها (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى) ما يدلُّ على (الطُّهْرِ، فَقَالَتْ (٥): مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ) ذلك لكون اللَّيل لا يتبيَّن فيه البياض الخالص من غيره، فيحسبن أنَّهنَّ طَهُرن وليس كذلك، فيصلِّين قبل الطُّهر.

стр. 1288

٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوحَّدة آخره مُعجَمةٌ (كَانَتْ تُسْتَحَاضُ) بضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول (فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) بكسر العين وسكون الرَّاء، يُسمَّى: العاذل (وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ) بفتح الحاء، وقد تُكسَر (فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) لا يقتضي تكرار الاغتسال لكلِّ صلاةٍ، بل يكفي غسلٌ واحدٌ، لا يُقال: إنَّه معارضٌ باغتسال أمِّ حبيبة لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّه أُجيببأنَّه إمَّا (١) لأنَّها كانت ممَّن يجب عليه (٢) ذلك، لاحتمال الانقطاع عند كلِّ صلاةٍ، أو كانت متطوِّعةً به، وبهذا نصَّ الشَّافعيُّ. (٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلَاةَ، وَقَالَ جَابِرٌ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «جابر بن عبد الله» ممَّا رواه المؤلِّف في الأحكام بالمعنى (وَأَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ ﵄ ممَّا رواه أيضًا بالمعنى في ترك الحائض الصَّوم [خ¦١٩٥١] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : تَدَعُ) الحائض (الصَّلَاةَ) وترك الصَّلاة يستلزم عدم قضائها لأنَّ الشَّارع أمر بالتَّرك، ومتروكه لا يجب فعله، فلا يجب قضاؤه. ٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بالتَّشديد، ابن يحيى ابن دينارٍ العوذيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وستِّين (٣) ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) الأكمه المفسِّر (قَالَ: حَدَّثَتْنِي) بالتَّأنيث والإفراد (مُعَاذَةُ) بضمِّ الميم وفتح العين المُهمَّلة والذَّال المُعجَمة، بنت عبد الله العدويَّة (أَنَّ امْرَأَةً) أبهمها هَمَّامٌ، وهي معاذة نفسها (قَالَتْ لِعَائِشَةَ) ﵂: (أَتَجْزِي)

стр. 1289

بفتح الهمزة والمُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الزَّاي آخره مُثنَّاة تحتيَّة من غير همزٍ، أي: أتقضي (إِحْدَانَا صَلَاتَهَا) التي لم تصلِّها زمن الحيض، و «صلاتَها» نُصِبَ على المفعوليَّة (إِذَا طَهُرَتْ؟) بفتح الطَّاء وضمِّ الهاء (فَقَالَتْ) (١) عائشة: (أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟!) بفتح الحاء المُهمَلة وضمِّ الرَّاء الأولى المخفَّفة، وهي (٢) نسبةٌ إلى حروراء، قريةٌ بقرب الكوفة، كان أوَّل اجتماع الخوارج بها، أي: أخارجيَّةٌ أنت؟ لأنَّ طائفةً من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصَّلاة الفائتة زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع، فالهمزة للاستفهام الإنكاريِّ، وزاد في رواية مسلمٍ: عن عاصمٍ (٣) عن معاذة فقلت: «لا، ولكنِّي (٤) أسأل» سؤالًا لمُجرَّد طلب (٥) العلم، لا للتَّعنُّت، فقالت عائشة: (كُنَّا) وللأَصيليِّ: «قد كنَّا» (نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أي: مع وجوده أو (٦) عهده، أي: فكان يطَّلع على حالنا في التَّرك (٧) (فَلَا) وللأَصيليِّ: «ولا» (يَأْمُرُنَا بِهِ) أي: بالقضاء؛ لأنَّ التَّقرير على ترك الواجب غير جائزٍ (أَوْ قَالَتْ) أي: معاذة: (فَلَا نَفْعَلُهُ) وفرق بين الصَّلاة والصَّوم لتكرُّرها، فلم يجب قضاؤها للحرج بخلافه، وخطابها بقضائه بأمرٍ جديدٍ، لا بكونها خُوطِبت به أوَّلًا، نعم استثنى من نفيِ قضاء الصَّلاة ركعتا الطَّواف. ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث بالإفراد والجمع، وأخرجه السِّتَّة. (٢١) (بابُ النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (فِي ثِيَابِهَا) المُعدَّة لحيضها.

стр. 1290

٣٢٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، الكوفيُّ الطَّلحيُّ، المعروف بالضَّخم (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) النَّحويُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، أنَّها (حَدَّثَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هند ﵂ (قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «مع رسول الله» (¬ ﷺ فِي الخَمِيلَةِ) أي: القطيفة (فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء (فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنُفِسْتِ؟) بضمِّ النُّون وكسر الفاء، كما في الفرع (قُلْتُ: نَعَمْ) نُفِسْتُ (فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ) هي الخميلة الأولى؛ لأنَّ المعرفة إذا أُعيدت معرفةً كانت عين الأوَّلى (٢) (قَالَتْ) أي: زينب ممَّا هو داخلٌ تحت الإسناد الأوَّل: (وَحَدَّثَتْنِي) عُطِفَ على «قالت» الأولى، أو عطف جملةٍ كما في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أي: وليسكن زوجك الجنَّة (٣) (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَكُنْتُ) أي: وحدَّثتني أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبِّلها وهو

стр. 1291

صائمٌ، وبقولها: وكنت (أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «ورسول الله» (¬ ﷺ ¬) بالرَّفع كما (١) في الفرع عطفًا على الضَّمير، أو بالنَّصب: مفعولًا معه، أي: أغتسل معه (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ) و «من» في قوله: «مِنْ إناءٍ» و (٢) «من الجنابة» يتعلَّقان (٣) بقوله: «أغتسل»، ولا يمتنع هذا لأنَّها في الأوَّل من عينٍ وهو «الإناء»، وفي الثَّاني من معنًى وهو «الجنابة»، وإنَّما يمتنع (٤) إذا كان الابتداء من شيئين هما من جنسٍ واحدٍ كزمانين، نحو: رأيته من شهرٍ من سنةٍ، أو مكانين، نحو: خرجت من البصرة من الكوفة. (٢٢) (بابُ مَن أخَذَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «منِ اتَّخذ» وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا (٥) ذكره في «فتح الباري»: «من أعدَّ» بالعين، من الإعداد، أي: من أخذ أوِ اتَّخذ أو أعدَّ من النِّساء (ثِيَابَ الحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ). ٣٢٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المُعجَمة، أبو زيدٍ الزَّهرانيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ) ولغير أبي ذرٍّ والأَصيلي وابن عساكر: «ابْنَةِ» (٦) (أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂ (قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «مع (٧) رسول الله» (¬ ﷺ ¬)

стр. 1292

حال كوني (مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ) ولأبي الوقت: «في الخميلة» (حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ) منها (فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي) بكسر الحاء كما في الفرع، ولا تعارض بين هذا وبين قولها في الحديث السَّابق [خ¦٣١٢]: «ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ» لأنَّه باعتبار وقتين حالة الإقتار وحالة السَّعة، أوِ المُراد: خِرَق الحيضة وحفاظها، فكَنَّتْ بالثِّياب تجمُّلًا وتأدُّبًا (فَقَالَ) ﵊: (أَنُفِسْتِ؟) بضمِّ النُّون كما (١) في الفرع عن ضبط الأَصيليِّ، لكن قال الهرويُّ: يُقال في الولادةبضمِّ النُّون وفتحها، وإذا حاضت نَفِست، بالفتح فقط، ونحوه لابن الأنباريِّ (فَقُلْتُ) ولابن عساكر: «قلت»: (نَعَمْ) نُفِسْتُ (فَدَعَانِي) ﵊ (فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ). (٢٣) (بابُ شُهُودِ الحَائِضِ) أي: حضورها يوم (العِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) كالاستسقاء (وَيَعْتَزِلْنَ) أي: حال كونهنَّ يعتزلن، ولابن عساكر: «واعتزالهنَّ» (المُصَلَّى) تنزيهًا وصيانةً واحترازًا عن (٢) مُخالَطة الرِّجال من غير حاجةٍ ولا صلاةٍ، وإنَّما لم يحرم لأنَّه ليس مسجدًا، وجمع الضَّمير مع رجوعه لمُفرَدٍ لإرادة الجنس، كما في: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]. ٣٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»، وابن عساكر كما في الفرع: «محمَّد بن سلامٍ»، ولكريمة: «هو ابن سَلامٍ» وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوي ذَرٍّ

стр. 1293

والوقت والأَصيليِّ و (١) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) الثَّقفيُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين الأنصاريَّة البصريَّة، أخت محمَّد بن سيرين أنَّها (قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا) جمع: عاتقٍ، وهي: من بلغت الحِلْمَ أو قاربته واستحقَّت التَّزويج، فعُتِقت عن قهر أبويها، أو الكريمة على أهلها، أو التي عُتِقت من الصِّبا، والاستعانة بها في مهنة أهلها (أن يَخْرُجْنَ) إلى المُصلَّى (فِي العِيدَيْنِ فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ) كان بالبصرة منسوبٌ إلى خَلَفٍ جدِّ طلحة بن عبد الله بن خَلَفٍ، وهو طَلْحة الطَّلَحات (فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا) قِيلَ: هي أمُّ عطيَّة، وقِيلَ: غيرها (وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا) لم يُسَمَّ أيضًا (غَزَا مَعَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «مع (٢) رسول الله» (¬ ﷺ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ) زاد الأَصيليُّ: «غزوةً»، قالتِ المرأة: (وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ) أي: مع زوجها أو مع رسول الله ﷺ (فِي سِتٍّ) أي: ستِّ غزواتٍ، وفي «الطَّبرانيِّ»: أنَّها غزتْ معه سبعًا (قَالَتْ) أي: الأخت لا المرأة: (كُنَّا) بلفظ الجمع لبيان فائدة حضور النِّساء الغزوات على سبيل العموم (نُدَاوِي الكَلْمَى) بفتح الكاف وسكون اللَّام وفتح الميم، أي: الجرحى (وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ) أي: حرجٌ وإثمٌ (إِذَا) وللأَصيليِّ: «إن» (لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ) بكسر الجيم وسكون اللَّام ومُوحَّدتين (٣) بينهما ألفٌ، أي: خمارٌ واسعٌ كالملحفة تغطِّي به المرأة رأسها وظهرها، أوِ القميص (أَلَّا تَخْرُجَ (٤)؟) أي: لئلَّا تخرج، و «أن» مصدريَّةٌ، أي: لعدم خروجها إلى المُصلَّى للعيد (قَالَ) ﵊: (لِتُلْبِسْهَا) بالجزم، وفاعله (صَاحِبَتُهَا) وفي روايةٍ: «فتلبسُها» بالرَّفع، وبالفاء بدل اللَّام (مِنْ جِلْبَابِهَا) أي:

стр. 1294

لِتُعِرْها (١) من ثيابها ما لا تحتاج المُعيرةُ إليه، أو لتُشْرِكها في لبس الثَّوب الذي عليها، وهو مبنيٌّ على أنَّ الثَّوب يكون واسعًا وفيه نظرٌ، أو هو على سبيل المُبالَغة، أي: يخرجن، ولو كانت ثنتان في ثوبٍ واحدٍ (وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ) أي: ولتحضرْ مجالس الخير، كسماع الحديث والعلم وعيادة المريض ونحو ذلك (وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ودعوة المؤمنين»، قالت حفصة: (فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبَةُ بنت الحارث، أو بنت كعبٍ (سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬) يقول المذكور؟ (قَالَتْ: بِأَبِي) بهمزةٍ ومُوحَّدةٍ مكسورةٍ ثمَّ مُثنَّاة تحتيَّةٍ ساكنةٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بيبي» بقلب الهمزة ياءً، ونسبها الحافظ ابن حجرٍ لرواية عُبدوسٍ، وللأَصيليِّ: «بأبا» بفتح المُوحَّدة وإبدال ياء المتكلِّم ألفًا، وفيها رابعةٌ: «بيبا» بقلب الهمزة ياءً وفتح المُوحَّدة، أي: فديته بأبي أو هو مَفْدِيٌّ (٢) بأبي، وحُذِفَ المُتعلّق (٣) تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وفي «الطَّبرانيِّ»: بأبي هو وأمِّي (نَعَمْ) سمعته (وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ) أي: النَّبيَّ ﷺ (إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي) أي: أفديه أو مفديٌّ بأبي (سَمِعْتُهُ) حال كونه (يَقُولُ: تَخْرُجُ) (٤) أي: لتخرج (٥) (العَوَاتِقُ) فهو خبرٌ متضمِّنٌ للأمر لأنَّ إخبار الشَّارع عنِ الحكم الشَّرعيِّ متضمِّنٌ للطَّلب، لكنَّه هنا للنَّدب لدليلٍ آخر (٦) (وَذَوَاتُ الخُدُورِ) بواو العطف والجمع، ولأبي ذَرٍّ: «ذوات» بغير واو العطف، وإثبات واو الجمع صفةٌ لـ «العواتق»، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّوالأَصيليِّ في نسخةٍ (٧): «ذات الخدور (٨)» بغير عطفٍ مع الإفراد، و «الخدور» بضمِّ الخاء

стр. 1295

المُعجَمة والدَّال المُهمَلة، جمع: خِدْرٍ (١) وهو السِّتر في جانب البيت أو البيت نفسه (أو العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ) على الشَّكِّ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّوالأَصيليِّ: «ذات الخِدْر» بغيرِ واوٍ فيهما (٢) (وَالحُيَّضُ) بضمِّ الحاء وتشديد الياء، جمع: حائضٍ، وهو معطوفٌ على «العواتق» (وَلْيَشْهَدْنَ) ولابن عساكر: «ويشهدن» (الخَيْرَ) عُطِفَ على «تخرج» المتضمِّن للأمر كما سبق، أي: لتخرج (٣) العواتق ويشهدن (٤) الخير (وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ وَيَعْتَزِلُ (٥) الحُيَّضُ المُصَلَّى) أي: فَيَكُنَّ فيمن يدعو أو (٦) يُؤَمِنَّ؛ رجاء بركة المشهد الكريم، و «يعتزلُ» -بضمِّ اللام- خبرٌ بمعنى الأمر، كما في السَّابق، وخصَّ أصحابنا من هذا العموم: غير ذوات الهيئات والمُستحسنات، أمَّا هنَّ (٧) فيُمنَعن لأنَّ المفسدة إذ ذاك كانت مأمونةً بخلافها الآن، وقد قالت عائشة في «الصَّحيح» [خ¦٨٦٩]: «لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النِّساء لمنعهنَّ المساجد كما مُنِعت نساء بني إسرائيل» وبه قال مالكٌ وأبو يوسف. (قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ) لأمِّ عطيَّة: (آلْحُيَّضُ؟!) بهمزةٍ ممدودةٍ على الاستفهام التَّعجبيِّ، من إخبارها بشهود الحُيَّض (فَقَالَتْ) أمُّ عطيَّة: (أَلَيْسَ) الحائض (تَشْهَدُ) واسم «ليس» ضمير الشَّأن، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «أليست» بتاء التَّأنيث، وللأَصيليِّ: «أليس (٨) يشهدن» بنون الجمع، أي: الحُيَّض (عَرَفَةَ) أي: يومها (وَكَذَا وَكَذَا) أي: نحو المزدلفة ومنى وصلاة الاستسقاء؟ ورواة هذا الحديث ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول والسُّؤال والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العيدين» [خ¦٩٧٤] و «الحجِّ» [خ¦١٦٥٢]، ومسلمٌ في «العيدين»، وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».

стр. 1296

(٢٤) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في بيان حكم الحائض (إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) واحدٍ (ثَلَاثَ حِيَضٍ) بكسر الحاء وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: حيضةٍ (وَ) بيان (مَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ) بضمِّ الياء، وتشديد الدَّال المفتوحة (فِي) مدَّة (الحَيْضِ و) مدَّة (الحَمْلِ) ولابن عساكر: «والحبَل» بالباء المُوحَّدة المفتوحة (فِيمَا) بالفاء، ولابن عساكر: «وفيما (١)» (يُمْكِنُ مِنَ الحَيْضِ) أي: من تكراره، والجارُّ والمجرور يتعلَّق (٢) بـ «يُصدَّق»، فإذا لم يمكن لم يُصدَّق (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: « »: (﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) قال القاضي: من الولد والحيض استعجالًا في العدَّة، وإبطالًا لحقِّ الرَّجعة، وفيه دليلٌ على أنَّ قولها مقبولٌ في ذلك، زاد الأَصيليُّ: «﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ﴾». (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (وَ) عن (شُرَيْحٍ) بالشِّين المُعجَمة والحاء المُهمَلة، ابن الحارث -بالمُثلَّثة- الكنديِّ (٣) الكوفيِّ، أدركَ الرَّسولَ ﵊ ولم يلقَه، استقضاه عمر بن الخطَّاب، وتُوفِّي سنة ثمانٍ وتسعين، وهذا التَّعليق وصله الدَّارميُّ بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ عنِ الشَّعبيِّ قال: جاءتِ امرأةٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ (٤) ﵁، تخاصم زوجها طلَّقها فقالت: حضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيْحٍ: اقْضِ بينهما، قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا؟ قال: اقضِ بينهما، قال: (إِن جَاءَتْ) ولكريمة: «إنِ امرأةٌ جاءت» (بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا)

стр. 1297

بكسر المُوحَّدة، أي: من خواصِّها (مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ) وأمانته بأن يكون عدلًا، يزعم (أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ شهر» (ثلاثًا صُدِّقَتْ) وفي رواية الدَّارميِّ: أنَّها حاضت ثلاث حيضٍ، تطهر عند كلِّ قرءٍ وتصلِّي، جاز لها، وإلَّا فلا، قال عليٌّ ﵁: قالون، قال: و «قالون» بلسان الرُّوم: أحسنت، وليس عنده لفظة «ببيِّنةٍ» (١)، وطريق علم الشَّاهد بذلك -مع أنَّه أمرٌ باطنيٌّ- القرائنُ والعلامات، بل ذلك ممَّا يشاهده النِّساء فهو ظاهرٌ بالنِّسبة لهنَّ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (أَقْرَاؤُهَا) جمع: قُرْءٍ، بضمِّ القاف وفتحها، في زمن العدَّة (مَا كَانَتْ) قبل العدَّة، فلوِ ادَّعت في زمن الطَّلاق أقراءً معدودةً في مدَّةٍ معيَّنةٍ في شهرٍ مثلًا، معتادةً لِمَا ادَّعته فذاك، وإنِ ادَّعت في العدَّة ما (٢) يخالف ما قبلها لم يُقبَل (وَبِهِ) أي: بما قال عطاءٌ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق أيضًا. (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ) فاليوم مع ليلته أقلُّه، والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «إلى خمسة عشر» (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان العابد، كان يصلِّي اللَّيل كلَّه بوضوء العشاء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٣): «قال: سألت»: (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّد (عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا) أي: طهرها، لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ). ٣٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم مع المدِّ، عبد الله بن أيُّوب الهرويُّ حنفيُّ النَّسب، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)

стр. 1298

حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ) وفي بعض الأصول: «فقالت» بالفاء التَّفسيريَّة: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة (فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا) تدعيها (إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ، وهو يُسمَّى: العاذل، بالذَّال المُعجَمة (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) ومعنى الاستدراك: لا تتركي الصَّلاة (١) في كلِّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة. ومناسبة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فَوَكَلَذلك إلى أمانتها (٣)، وردّه (٤) إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالةٌ على أنَّ فاطمة كانت معتادةً، واختُلِف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطُّهر، فقال الشَّافعيُّ: القرء: الطُّهر، وأقلُّه خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، فلا تنقضي عدَّتها في أقلّ منِ اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطلَّق وقد (٥) بقيَ من الطُّهر لحظةٌ، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا (٦) ثمَّ ستَّة عشر كذلك، ولا بدَّ من الطَّعن في الحيضة الثَّالثة للتَّحقُّق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلُّ الطُّهر وأقلُّ الحيض معًا، فأقلُّ ما تنقضي به العدَّة عنده ستُّون يومًا، وعند مالكٍ: لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأقلِّ الطُّهر إلَّا بما بيَّنته النِّساء. ورواة هذا الحديث ما بين هرويٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع.

стр. 1299

(٢٥) (بابُ الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ) تراهما المرأة (فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ). ٣٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو (١) ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا) أي: في زمن النَّبيِّ ﷺ مع علمه وتقريره، ولأبي ذَرٍّ: «عن أمِّ عطيَّة كنَّا» (لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا) أي: مِنَ الحيض إذا كان في غير زمن الحيض، أمَّا فيه فهو من الحيض تبعًا، وبه قال سعيد بن المُسَيَّب وعطاءٌ واللَّيث وأبو حنيفة ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ وأحمد، وأمَّا الإمام (٢) مالكٌ فيرى أنَّهما (٣) حيضٌ مطلقًا، وأورد عليه حديث أمِّ عطيَّة هذا. ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢٦) (بابُ عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ) بكسر العين وسكون الرَّاء، المُسمَّى بالعاذل. ٣٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزَامِيُّ، بالحاء المُهمَلة المكسورة والزَّايِ المُخفَّفة (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ) هو ابن عيسى القزَّاز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمة، محمَّد (٤) بن عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزَّهريِّ (عَنْ

стр. 1300

عُرْوَةَ) بن الزُّبير (وَعَنْ عَمْرَةَ) عُطِفَ على «عن عروة» أي: ابن شهابٍ يرويه عنها أيضًا، وهي عَمْرَةُ بنت عبد الرَّحمن بن سعدٍ (١) الأنصاريَّة، المُتوفَّاة سنة ثمانٍ وتسعين، ولأبي الوقت وابن عساكر: «عن عروة عن عَمْرَة» بحذف الواوِ، فيكون من رواية عروة عن عمرة، والمحفوظ إثبات الواو (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) بنت جحشٍ زوج عبد الرَّحمن بن عوفٍ، أخت زينب أمِّ المؤمنين (اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ) جمع: سنةٍ، شذوذًا لأنَّ شرط جمع السَّلامة أن يكون مفرده مُذكَّرًا عاقلًا، ويكون (٢) مفتوح الأوَّل، وهذا ليس كذلك (فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ) أي: بأن (تَغْتَسِلَ) أي: بالاغتسال (فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وأَمْرُها بالاغتسال مُطلَقٌ، فلا يدلُّ على التَّكرار، وإنَّما كانت تغتسل لكلِّ صلاةٍ تطوُّعًا كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ، وإليه ذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكلِّ صلاةٍ إلَّا المتحيِّرة، لكن يجب عليها الوضوء، وما في «مسلمٍ» من قوله (٣): «فأمرها بالغسل لكلِّ صلاةٍ» طعن فيه النُّقاد لأنَّ الأثبات من أصحاب الزُّهريِّ لم يذكروها، نعم ثبتت في «سنن (٤) أبي داود»، فيُحمَلعلى النَّدب جمعًا بين الرِّوايتين، وقد عدَّ المنذريُّ المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ خمسًا: حمنة بنت جحشٍ، وأمَّ حبيبة بنت جحشٍ، وفاطمة بنت أبي حبيشٍ، وسهلة بنت سهيلٍ (٥) القرشيَّة العامريَّة، وسودة بنت زمعة. ورواة هذا الحديث السَّبعة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والتَّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الطَّهارة».
следующие страницы →