← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

أنا الحرَّاء الثَّكلاء، ولو كنتَ مصابًا عذرتني (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاوَزَهَا) ﷺ (وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ) هو الفضل بن العبَّاس (فَقَالَ) لها: (مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ) له (١): (مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله ﷺ (قَالَ) أنسٌ: (فَجَاءَتْ) أي: المرأة (إِلَى بَابِهِ) ﵊ (فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا) أي: راتبًا، تواضعًا منه ﷺ ، فلا يعارِض هذا حديث أبي موسى أنَّه كان بوَّابًا له ﵊ لمَّا جلس على القفِّ [خ¦٣٦٧٤] وحديث عمر لمَّا استأذن له الأسود في قصَّة حلفه ألَّا يدخل على نسائه شهرًا [خ¦٨١٩١] لأنَّه ﷺ كان في خلوة نفسه يتَّخذ البوَّاب، واختُلِف في مشروعيَّة الحجاب للحاكم، فقال إمامنا الشَّافعيُّ: لا ينبغي اتِّخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون: يُستحَبُّ؛ لترتيب الخصوم، ومنع المستطيل، ودفع الشِّرِّير، ويُكرَه دوام الاحتجاب، وقد يحرم؛ ففي «أبي داود» و «التِّرمذيِّ» بسندِ جيِّدٍ (٢) عن أبي مريم الأسديِّ مرفوعًا: «من ولَّاه الله تعالى من أمر النَّاس شيئًا، فاحتجب عن حاجتهم؛ احتجب الله عن حاجته يوم القيامة»، وقال في «شرح المشكاة»: فائدة قوله: «فلم تجد عنده بوَّابًا»: أنَّه لمَّا قيل لها: إنَّه لرسول الله ﷺ ؛ استشعرت خوفًا وهَيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ وبوَّابٌ يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدتِ الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا عَرَفْتُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لها: (إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عند أوَّل الصَّدمة» بالتَّعريف؛ والمعنى: إذا وقع الثَّبات أوَّل شيءٍ يهجم على القلب من مقتضيات الجزع؛ فهو الصَّبر الكامل الذي يترتَّب عليه الأجر، فالمرء لا يُؤجَر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يُؤجَر على حسن تثبُّته (٣) وجميل صبره. وسبق الحديث في «الجنائز» في «باب زيارة القبور» [خ¦١٢٨٣].

стр. 12357

(١٢) (باب) ذكرِ (الحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ) القتل (دُونَ الإِمَامِ الَّذِي فَوْقَهُ) أي: الذي ولَّاه، من غير احتياجٍ إلى استئذانه في خصوص ذلك، «وباب» مضافٌ لتاليه في الفرع، وقال العينيُّ: ليس مضافًا، وإنَّ قوله: «الحاكم» رفعٌ بالابتداء، وقوله: «يحكم بالقتل» خبره، وقال في «الكواكب» وتبعه البِرماويُّ: قوله: «دون» هو إمَّا بمعنى: عند، وإمَّا بمعنى: غير، لكنَّ الحديث الثَّاني (١) يدلُّ على أنَّه (٢) بمعنى غير ليس إلَّا، والأوَّل يحتملهما. ٧١٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارسٍ (الذُّهْلِيُّ) بضمِّ المعجمة (٣) وسكون الهاء وكسر اللَّام، وسقط «الذُّهْلِيُّ» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ مُحَمَّدٌ) بتقديم النِّسبة على الاسم، وهي رواية أبي زيدٍ المروزيِّ كما في «الفتح»، وللأكثر: «حدَّثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريُّ» قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (أَبِي) (٤) عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنسٍ (عَنْ) عمِّ أبيه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم الأولى والثَّانية بينهما ألفٌ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁: (أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ) قال في «الفتح»: وزاد في رواية المروزيِّ: «ابن (٥) عبادة» أي: الأنصاريَّ الخزرجيَّ، لا قيس بن سعد ابن معاذٍ، ولأبي ذرٍّ: «عن أنس بن مالكٍ قال: إنَّ قيس بن سعدٍ» (كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ (٦) مِنَ الأَمِيرِ) بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء بعدها طاءٌ مهملةٌ، وزاد الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن محمَّد بن مرزوقٍ عن الأنصاريِّ ممَّا أدرجه الأنصاريُّ من كلامه؛

стр. 12358

كما بيَّنه التِّرمذيُّ: «لما ينفِّذه من أموره»، والشُّرطة: أعوان الأمير الذين يتصرَّفون في الجند بأمره، والمراد بصاحب الشُّرطة: كبيرهم، فقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم رُذالة (١) الجند، أو لأنَّهم الأشدَّاء الأقوياء من الجند، قال الأزهريُّ (٢): شرطة كلِّ شيءٍ: خِياره، ومنه: الشُّرطة؛ لأنَّهم نُخْبة الجند، وقيل: هم أوَّل طائفةٍ تتقدَّم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل: مأخوذٌ من الشَّريط؛ وهو الحبل المُبرَم؛ لما فيهم من الشِّدَّة، وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده؛ لأنَّ صاحب الشُّرطة لم يكن موجودًا في العهد النَّبويِّ عند أحدٍ من العمَّال، وإنَّما حدث في دولة بني أميَّة، فأراد أنسٌ تقريب حال قيس بن سعدٍ عند السَّامعين، فشبَّهه بما يعهدونه، وفائدة تكرار لفظ «الكون» في قوله: «كان يكون» بيانُ الدَّوام والاستمرار؛ كما قاله في «الكواكب»، وقوله في «الفتح»: «إنَّه وقع في التِّرمذيِّ وغيره من طرقٍ عن الأنصاريِّ بلفظ (٣): كان قيس بن سعدٍ من النَّبيِّ ﷺ ، قال: فظهر أنَّ ذلك كان (٤) من تصرُّف الرُّواة»، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية التِّرمذيِّ وغيره لا تستلزم نفي رواية: «كان يكون»، فإنَّ كلًّا لا يروي إلَّا ما ضبطه، فعدم النِّسبة إلى تصرُّف الرُّواة أَولى من كونهم تصرَّفوا (٥) في ذلك من أنفسهم، ومفهوم التَّكرار وزيادة الإسماعيليِّ: أنَّ ذلك كان لقيسٍ على سبيل الوظيفة الرَّاتبة، لكن يُعكِّر عليه ما ذكره الإسماعيليُّ بلفظ: قال الأنصاريُّ: ولا أعلمه إلَّا عن أنسٍ: أنَّه لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ كان قيس بن سعدٍ في مقدِّمته بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير، فكلَّم سعدٌ النَّبيَّ ﷺ في قيسٍ أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه؛ مخافة أن يقدم على شيءٍ، فصرفه عن ذلك، ثمَّ أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن الأنصاريِّ بدون تلك الزِّيادة التي في آخره، قال: ولم يشكَّ في كونه عن أنسٍ، فكأنَّ الأنصاريَّ كان يتردَّد في وصلها، قال الحافظ ابن حجرٍ: وعلى تقدير ثبوت هذه الزِّيادة؛ فلم يقع ذلك لقيس بن سعدٍ إلَّا في تلك المرَّة ولم يستمرَّ مع ذلك فيها.

стр. 12359

٧١٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) زاد أبو ذرٍّ: «هو القطَّان» (عَنْ قُرَّةَ) ولأبي ذرٍّ زيادة: «بن خالدٍ» أي: السَّدوسيِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٌ أو الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ) أرسله إلى اليمن قاضيًا (وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ) بهمزة قطعٍ وسكون الفوقيَّة، ومعاذ هو ابن جبلٍ، وهذا قطعةٌ من حديثٍ سبق في «باب حكم المرتدِّ والمرتدَّة» من «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣] بهذا السَّند، وأوَّله عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النَّبيِّ ﷺ ومعي رجلان من الأشعريِّين؛ أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول الله ﷺ يستاك، فكلاهما سأل فقال: «يا أبا موسى»، أو قال: «يا عبد الله بن قيسٍ» قال: قلت: والذي بعثك بالحقِّ؛ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، فكأنِّي أنظر إلى سواكه تحت شفته (١) قلصت، فقال: «لن -أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكنْ اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد الله بن قيسٍ- إلى اليمن»، ثمَّ أتبعه معاذ بن جبلٍ، ثمَّ ذكر قصَّة اليهوديِّ الذي أسلم ثمَّ ارتدَّ، وعليها اقتصر هنا في الحديث التَّالي لهذا. ٧١٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بفتح المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف مهملةٌ، العطَّار (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الحَسَنِ) القرشيُّ البصريُّ، قيل: اسمه محمَّدٌ، ومحبوبٌ لقبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ (عَنْ أَبِي

стр. 12360

بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى (١) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ) معاذٌ لأبي موسى: (مَا لهَذَا) الرَّجل الموثَق؟ (قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ) وفي رواية الباب المذكور في «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣] ثمَّ أَتْبَعه معاذ بن جبلٍ، فلمَّا قدم عليه؛ ألقى له وسادةً، قال: انزل، وإذا رجلٌ عنده (٢) موثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديَّا فأسلم، ثمَّ تهوَّد، فقال: اجلِس (قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ) هذا (قَضَاءُ اللهِ وَ) قضاءُ (رَسُولِهِ ﷺ ¬) زاد في «الاستتابة» [خ¦٦٩٢٣] فأمر به فقُتِلَ، وبذلك يتمُّ مراد التَّرجمة، ويحصل الرَّدُّ على من زعم أنَّ الحدود لا يُقيمها عمَّال البلاد إلَّا بعد إذن الإمام الذي ولَّاهم. (١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَرُ فيه: (هَلْ يَقْضِي الحَاكِمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القاضي» أي: بين النَّاس (أَوْ يُفْتِي وَهْوَ غَضْبَانُ) (٣)؟ ٧١٥٨ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، الكوفُّي قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ الثَّقفيَّ (قَالَ: كَتَبَ) أبي (أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ) بالنُّون: ولده عُبَيْد الله -بالتَّصغير- (وَكَانَ) عُبيد الله قاضيًا (٥) (بِسِجِسْتَانَ) بكسر المهملة والجيم على الصَّحيح، غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والعجميَّة، وفيه الزِّيادة والتَّأنيث: إحدى مدن العجم، وهي خلف كرمان مسيرة مئة فرسخٍ، منها أربعون مفازةً ليس بها ماءٌ، وهي إلى ناحية الهند (بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) وفي

стр. 12361

«عمدة الأحكام»: كتب أبي وكَتَبْتُ له إلى ابنه عُبيد الله، وهو موافقٌ لرواية مسلمٍ، إلَّا أنَّه زاد لفظة: ابنه، والضَّمير في «ابنه» عائدٌ إلى أبي بكرة، وصرَّح به (١) في بعض الرِّوايات فقال: وكتبت له إلى ابنه عُبيد الله بن أبي بَكْرة، والحاصل: أنَّ أبا بكرة له ابنٌ يُسمَّى عبيد الله، وهو المكتوب إليه، وابنٌ آخر يسمَّى عبد الرَّحمن راوي الحديث الذي كتب إلى أخيه عُبيد الله به (٢)، وهذا التَّركيب يحتَمِل أن يكون أبو بَكْرة كتب بنفسه إلى ابنه عُبيد الله، وكتب عبد الرَّحمن لأخيه عبيد الله (٣) بمثل ما كتب أبو بكرة، ولكنَّ عبد الرحمن إنَّما كتب لأجل أبيهما، أي: لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك، ففيه تنازعٌ بين «كَتَب» وبين «كَُتَِبَْتُْ» في المفعول؛ وهو «أن لا يحكم بين اثنين» وفي الجارِّ والمجرور وهو «إلى ابنه»، ويكون قد أعمل أحدهما وأضمر في الآخر، ولكنَّه حُذِف؛ لكونه فضلةً، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه لا يتعيَّن ذلك، بل الذي يظهر أنَّ قوله: «كتب أبي» أي: أمر بالكتابة، وقوله: و «كتبتُ» أي: باشرتُ الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التَّعدُّد، وتعقَّبه العينيُّ فقال (٤): الأصل عدم التَّعدُّد، والأصل (٥) عدم ارتكاب المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلَّةٍ، وما المانع من التَّعدُّد؟ انتهى. أو يكون المراد: كتب أبي (٦) إليَّ (٧) أن أكتب لابنه، ولكنْ حُذِفَ المفعول؛ وهو المجرور بـ «إلى»، ثمَّ قال: وكتبتُ له إلى ابنه بذلك، أي: لأجل أمره لي بأن أكتب، وعلى هذا فلا تنازع في المجرور، بل في المفعول الذي هو المصدر المنسبك من «أن لا تحكم .... إلى آخره»، وأُعمِل أحدهما وحُذِفَ الآخر؛ لأنَّه غير عمدةٍ على ما سبق، أو يكون المراد: أنَّ كلًّا من أبي بَكْرة وعبد الرَّحمن كتب إلى عُبيد الله، وكتابة ثانيهما إليه تأكيدٌ لكتابة الأوَّل، وكتابة عبد الرَّحمن إنَّما كانت لأجل أبي بَكْرة؛ على معنى: أنَّه كتب ذلك عن أبيه، لا من قِبَل نفسه،

стр. 12362

أو يكون أبو بَكْرة أمر بالكتابة، فنُسِبَ إليه أنَّه كَتَبَ تجوُّزًا بالسَّبب عن المسبَّب، وفيه نظرٌ؛ لرواية النَّسائيِّ: قال عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرة: كتب إليَّ أبو بَكْرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول … إلى آخره، وفي روايةِ مسلمٍ: أن لا تحكم بين اثنين (وَأَنْتَ غَضْبَانُ) جملةٌ في موضع الحال، و «غضبان»: لا ينصرف، والغضب: غَلَيان دم القلب؛ لطلب الانتقام، وعند التِّرمذيِّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: «ألا وإنَّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن (١) آدم؛ أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟» (فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) الفاء في «فإنِّي» سببيَّةٌ: (لَا يَقْضِيَنَّ) تشديد النُّون تأكيدٌ للنَّهي (حَكَمٌ) بفتحتين، أي: حاكمٌ (بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ) لأنَّ الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحقِّ، وعدَّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصل به التَّغيُّر للفكر؛ كجوعٍ وشبعٍ مفرطين، ومرضٍ مؤلمٍ وخوفٍ مزعجٍ، وفرحٍ شديدٍ، وغلبةِ نعاسٍ، وهمٍّ مُضجِرٍ (٢)، ومدافعة حدثٍ، وحرٍّ مزعجٍ، وبردٍ مُنكَرٍ، وسائر ما يتعلَّق به القلب تعلُّقًا يشغله عن استيفاء النَّظر، وعن أبي سعيدٍ عند البيهقيِّ بسندٍ ضعيفٍ مرفوعًا: «لا يقضي القاضي (٣) إلَّا وهو شبعان ريَّان»، واقتصر على ذكر الغضب؛ لاستيلائه على النَّفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره. نعم؛ إن غضب لله؛ ففي الكراهة وجهان؛ قال البُلْقينيُّ: المعتمَد عدم الكراهة، واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث، وللمعنى الذي لأجله نُهِيَ عن الحكم حال الغضب، ولو خالف وحَكَمَ وهو غضبان؛ صحَّ إن صادف الحقَّ مع الكراهة، وعن بعض الحنابلة: لا (٤) ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النَّهي عنه، والنَّهي يقتضي الفساد، وفصَّل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أنِ استبان له الحكم (٥)؛ فلا يؤثِّر، وإلَّا فهو محلُّ الخلاف. والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأحكام»، وأبو داود في «القضاء»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «القضايا»، وابن ماجه في «الأحكام».

стр. 12363

٧١٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ المجاوِر قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الكوفيُّ الحافظ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) أبي عبد الله (١) البجليِّ التَّابعيِّ الكبير، فاتته (٢) الصُّحبة بليالٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عَمْرٍو؛ بفتح العين وسكون الميم (الأَنْصَارِيِّ) الخزرجيِّ البدريِّ أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، أو هو سُليم (٣) بن الحارث (إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى النَّبيِّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي وَاللهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) الصُّبح، فلا أصلِّيها مع الإمام (مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ) هو معاذ بن جبلٍ، أو أبيُّ بنُ كعبٍ؛ كما في «مسند أبي يَعْلى» (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا) في صلاة الغداة، و «مِن» ابتدائيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ «أتأخَّر» (قَالَ) أبو مسعودٍ: (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ) وفيه وعيدٌ شديدٌ على من يسعى في تخلُّف الغير عن الجماعة (ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أيُّها النَّاس» بإسقاط أداة (٤) النِّداء (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ) بسكون (٥) اللَّام وبالجيم المكسورة بعدها زايٌ، و «ما» صلةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى الإبهام في «أيُّ»، و «صلَّى» فعل شرطٍ، و «فليوجزْ» جوابه؛ كقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] (فَإِنَّ فِيهِمُ الكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ). والحديث سبق في «العلم» في «باب الغضب في الموعظة» [خ¦٩٠] وفي «كتاب الصَّلاة» ثمَّ (٦)

стр. 12364

في «باب تخفيف (١) الإمام في القيام» [خ¦٧٠٢]. ٧١٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) إسحاق (الكِرْمَانِيُّ) بفتح الكاف عند المحدِّثين، وأهلها يكسرونها، قال: (حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بفتح الحاء والمهملة المشدَّدة، الكِرمانيُّ العنَزِيُّ قاضي كَرمان قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأَيليُّ: (قَالَ مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا محمَّد هو الزُّهريُّ» قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) آمِنة -بمدِّ الهمزة وكسر الميم- بنت غِفارٍ؛ بالغين المعجمة المكسورة والفاء (وَهْيَ حَائِضٌ) الواو للحال من «امرأته»، أو من ضمير الفاعل (فَذَكَرَ عُمَرُ) ذلك (لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ) أي: غضب (فِيهِ) أي: في الفعل المذكور؛ وهو الطلاق، و «تغيَّظ»: مطاوع غِظْتُه فتغيَّظ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عليه» أي: على ابن عمر (رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ) يُحتمَل أن يكون «ثُمَّ» هنا بمعنى الواو؛ لأنَّ قوله مقارنٌ تغيُّظه، ويُحتمَل أن تكون على بابها، وأنَّ قوله بعد زوال الغيظ، واللَّام في قوله: (لِيُرَاجِعْهَا) لام الأمر، والفعل مجزومٌ؛ وكذا قوله: (ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا (٢)) ويجوز في المعطوف الرَّفع على الاستئناف (٣)، أي: ثُمَّ هو يمسكُها، والأمر للنَّدب في قول إمامنا الشَّافعيِّ وأبي حنيفة وأحمد وفقهاء المحدِّثين، وللوجوب عند مالكٍ وأصحابه، والصَّارف له عن الوجوب قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وغيره (٤) من الآيات المقتضية للتَّخيير بين الإمساك بالرَّجعة أو الفراق بتركها، ولمسلمٍ: «ثمَّ لِيَدعْها»

стр. 12365

(حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ) حيضةً أخرى (فَتَطْهُرَ) منها (فَإِنْ بَدَا لَهُ) بعد طهرها من الحيض الثَّاني (أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا) قبل أن يجامعها، قال البيضاويُّ: وفي الحديث فوائد: حرمة الطَّلاق في الحيض؛ لتغيُّظه ﷺ فيه، وهو لا يتغيَّظ إلَّا في حرامٍ، وفيه: التَّنبيه (١) على أنَّ علة التَّحريم تطويل العدَّة، وأنَّ العدَّة عليها (٢)، وأنَّ العدَّة بالأطهار لا بالحيض. والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٢٥١]. (١٤) (باب مَنْ رَأَى) من الفقهاء (لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ) دون حقوق الله؛ كالحدود (إِذَا لَمْ يَخَفِ) القاضي (الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ) بفتح الهاء، أي: يحكم بشرطين: عدم التُّهمة، ووجود الشُّهرة (كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدَ) حين قضى لها على زوجها أبي سفيان ابن حربٍ: (خُذِي) من ماله (مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ (٣) إِذَا كَانَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا كان أمرًا مشهورًا» بالنَّصب خبر «كان» أي: إذا كان مشهورًا؛ كقصَّة هندٍ في زوجيَّتها لأبي سفيان ووجوب النَّفقة عليه، وقال المالكيَّة: لا يحكم بعلمه في أمرٍ من الأمور إلَّا في التَّعديل والتَّجريح؛ لأنَّ القاضيَ يشارك غيره فيهما، فلا تُهمَة، وإنَّه لو لم يحكم بعلمه في العدالة؛ لافتقر (٤) إلى معدِّلَينِ آخرَين، وهكذا، فيتسلسل.

стр. 12366

٧١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «قال: أخبرني» بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌُ) بالصَّرف وعدمه؛ لسكون وسطه (بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد شمس بن عبد منافٍ القرشيَّة العَبْشَميَّة، والدة معاوية، وسقط لأبي ذرٍّ «بن ربيعة» إلى رسول الله ﷺ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ (١) أَهْلُ خِبَاءٍ) بكسر الخاء المعجمة والمدِّ (أَحَبَّ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَنْ يَذِلُّوا) بفتح التَّحتيَّة وكسر المعجَمة (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ) أرادت بيته (٢) ﷺ ، فكنَّت عنه بأهل الخباء؛ إجلالًا له، أو أرادت أهل بيته أو صحابته (٣)، فهو من المجاز والاستعارة (وَمَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا) بفتح التَّحتيَّة وكسر العين المهملة وتشديد الزَّاي (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ قَالَتْ): يا رسول الله (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوجي (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) بكسر الميم والسِّين المهملة المشدَّدة، بصيغة المبالغة، من مسك اليد؛ يعني: بخيلٌ جدًّا، ويجوز فتح الميم وكسر السِّين مخفَّفةً بوزن «أميرٍ»، وهو أصحُّ عند أهل العربيَّة، والأوَّل هو الأشهر في رواية المحدِّثين، و «رجلٌ» خبر «إنَّ»، ولو قالت: إنَّ أبا سفيان مِسِّيكٌ؛ صَحَّ وحصَلت الفائدة، إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان البخل مذمومًا؛ قالت: رجلٌ، وفي روايةٍ: «شحيحٌ (٤)» بدل «مِسِّيكٌ»، وهو أشدُّ البخل، وقيل: الشُّحُّ: الحرص على ما ليس عنده (٥)، والبخل: بما عنده، وقال رجلٌ لابن عمر: إنِّي شحيحٌ، فقال له: إن كان شحُّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك؛ فليس بشحِّك بأسٌ، وعن ابن مسعودٍ: الشُّحُّ: منع الزَّكاة، وقال القرطبيُّ: المراد: أنَّه شحيحٌ بالنِّسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا؛

стр. 12367

لأنَّ الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته؛ لأنَّه يرى أنَّ (١) غيرهم أحوج وأَولى، وإلَّا فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل، فلا يستدلُّ بهذا الحديث على أنَّه بخيلٌ مطلقًا (فَهَلْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ حَرَجٍ) مِنْ (٢) إثمٍ (أَنْ أُطْعِمَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مِنَ الذي» (لَهُ عِيَالَنَا؟) وهمزة «أُطْعِمَ» مضمومةٌ (قَالَ) ﷺ (لَهَا: لَا حَرَجَ) لا إثمَ (عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ) أي: الإطعام الذي هو المعروف بألَّا يكون فيه إسرافٌ ونحوه. وفي هذا أنَّ للقاضي أن يقضيَ بعلمه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلم أنَّها زوجة أبي سفيان، ولم يكلِّفْها البيِّنة؛ لأنَّ علمه أقوى من الشَّهادة؛ لتيقُّن (٣) ما علمه، والشَّهادة قد تكون كذبًا، ويأتي إن شاء الله تعالى عند المؤلِّف في «باب الشَّهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء» [خ¦٧١٧٠] عن آخرين من أهل العراق أنَّه يقضي بعلمه؛ لأنَّه مؤتَمنٌ، وإنَّما يُراد من الشَّهادة معرفة الحقِّ، فعلمه أكثر من الشَّهادة، واستدلَّ المانعون من القضاء بالعلم بقوله في حديث أمِّ سلمة: «إنَّما أقضي له بما أسمع»، ولم يقل: بما أعلم، وقال للحضرميِّ (٤): «شاهداك أو يمينُه، ليس لك إلَّا ذلك»، ويُخشى من قضاة السُّوء أن يحكم أحدهم بما شاء (٥) ويُحيل على علمه، وتعقَّب ابن المُنَيِّر البخاريَّ بأنَّه لا دلالة له (٦) في الحديث للتَّرجمة؛ لأنَّه خرج مخرج الفُتيا، قال: وكلام المفتي يتنزَّل على تقدير صحَّة إنهاء المستفتي، فكأنَّه قال: إن ثبت أنَّه يمنعك حقَّك؛ جاز لك أخذه، وأجاب بعضهم بأنَّ الأغلب من أحوال النَّبيِّ ﷺ الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه عليه، وبأنَّه لو كان (٧) فتيا؛ لقال مثلًا: لكِ أن تأخذي، فلمَّا أتى بصيغة الأمر بقوله: «خُذي» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٢١١] دلَّ على الحكم، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «باب القضاء على الغائب» [خ¦٧١٨٠] وفي «باب

стр. 12368

الشَّهادة تكون عند الحاكم في ولايته (١) القضاء» [خ¦٧١٧٠]. تنبيه: لو شَهِدَتِ البيِّنة مثلًا بخلاف ما يعلمه علمًا حسِّيًّا؛ لمشاهدةٍ (٢) أو سماعٍ، يقينًا أو ظنًّا (٣) راجحًا؛ لم يَجُزْ له أن يحكم بما قامت به البيِّنة، ونقل بعضهم فيه الاتِّفاق وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم. والحديث سبق في «باب (٤) النَّفقات» [خ¦٥٣٧٠].

стр. 12369

(١٥) (باب) حكم (الشَّهَادَةِ عَلَى الخَطِّ المَخْتُومِ) أنَّه خطُّ فلانٍ، وقال: المختوم؛ لأنَّه أقرب إلى عدم تزوير الخطِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «المحكوم» بالحاء المهملة بدل المعجمة، والكاف بدل الفوقية، أي: المحكوم به (وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الشَّهادة على الخطِّ (وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ) وللأَصيليِّ زيادة: «فيه» فلا يجوز لهم الشَّهادة به، ولأبي ذرٍّ: «عليه» أي: الشَّاهد، فالقول بذلك ليس على التَّعميم إثباتًا ونفيًا، بل لا يُمنَع مطلقًا؛ لما فيه من تضييع الحقوق، ولا يُعمَل به مطلقًا؛ إذ لا يُؤمَن فيه التَّزوير (وَ) حكم (كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، وفي الفرع كأصله: «إلى عامله» بلفظ الإفراد (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى القَاضِي، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أبو حنيفة وأصحابه: (كِتَابُ الحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الحُدُودِ، ثُمَّ) ناقض بعض النَّاس حيث (قَالَ: إِنْ كَانَ القَتْلُ خَطأً فَهْوَ) أي: كتاب الحاكم (جَائِزٌ؛ لأَنَّ هَذَا) أي: قتل الخطأ في نفس الأمر (مَالٌ بِزَُعْمِهِ) بضمِّ الزَّاي وفتحها، وإنَّما كان عنده مالًا؛ لعدم القصاص فيه، فيلحقُ (١) بسائر الأموال في هذا الحكم، ثمَّ ذكر المؤلِّف وجه المناقضة فقال: (وَإِنَّمَا صَارَ) قتل الخطأ (مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ) ولأبي ذرٍّ: «أن يثبت» (القَتْلُ) عند الحاكم (فَالخَطَأُ وَالعَمْدُ) في أوَّل الأمر حكمهما (وَاحِدٌ) لا تفاوت في كونهما حدًّا (وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (إِلَى عَامِلِهِ فِي الحُدُوْدِ) بالحاء والدَّالين المهملات، والعامل المذكور هو يَعْلى بن أميَّة عامله على اليمن، كتب إليه في قصَّة رجلٍ زنى بامرأةٍ مضيفةٍ: إن كان عالمًا بالتَّحريم فحُدَّه، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «في الجارود» بالجيم بعدها ألفٌ فراءٌ فواوٌ فدالٌ مهملةٌ، ابن المعلَّى أبي المنذر العبديِّ، وله قصَّة مع قدامة بن مظعونٍ عامل عمر على البحرين، ذكرها عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعونٍ، فقدم الجارود سيِّدُ (٢) عبد القيس على عمر، فقال: إنَّ قدامة شرب فسكر، فكتب عمر إلى قدامة في ذلك، فذكر القصَّة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة، وفي ردِّ عمر عليه وجلده الحدَّ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ إلى عامله زريق بن حكيمٍ (فِي) شأن (سِنٍّ كُسِرَتْ) بضمِّ الكاف وكسر السِّين، وهذا وصله أبو بكر الخلَّال في «كتاب القصاص والدِّيات» من طريق

стр. 12370

عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زُريق بن حكيمٍ عن أبيه بلفظ: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز كتابًا أجاز فيه شهادة رجلٍ على سنٍّ كُسِرَت (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعيُّ؛ ممَّا وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه: (كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ) القاضي المكتوبُ إليه (الكِتَابَ وَالخَاتَمَ) الذي يُختَم به عليه؛ بحيث لا يلتبسان بغيرهما (وَكَانَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، ممَّا وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزَّة (يُجِيزُ الكِتَابَ المَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ القَاضِي، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (نَحْوُهُ) أي: نَحْوَ ما رُوِيَ عن الشَّعبيِّ، قال في «فتح الباري»: ولم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ) المعروف بالضَّالِّ؛ بضادٍ معجمةٍ ولامٍ مشدَّدةٍ، سمِّي به؛ لأنَّه ضَلَّ في طريق مكَّة: (شَهِدْتُ) أي: حضرت (عَبْدَ المَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ البَصْرَةِ) اللَّيثيَّ التَّابعيَّ، ولَّاه عليها يزيد بن هبيرة لمَّا وُلِّيَ إمارتها من قِبَلِ يزيد بن عبد الملك بن مروان؛ كما ذكره عمر بن شبَّة في «أخبار البصرة» (وَ) شهدتُ (إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، المزنيَّ، وكان وُلِّيَ قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز من قِبَلِ عَديِّ بن أرطاة عامل عمر بن عبد العزيز عليها (وَالحَسَنَ) البصريَّ، وكان قد وُلِّي القضاء بالبصرة مدَّةً قليلةً، ولَّاه عَديُّ بن أرطاة عاملها (وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، وكان قاضيَ البصرة في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك، ولَّاه خالدٌ القَسْريُّ (١) (وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامر أو الحارث بن أبي موسى الأشعريَّ، ولَّاه خالدٌ القَسْريُّ قضاء البصرة (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة (الأَسْلَمِيَّ) التَّابعيَّ المشهور، وُلِّيَ قضاء مَرْو (وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة بعدها تحتيَّةٌ، مصحَّحٌ عليه في الفرع وأصله، وزاد في «فتح الباري»: عَبْدَةَ، بفتح العين وسكون الموحَّدة وفتحها، وقال (٢): ذكره ابن ماكولا بالوجهين، وعامرٌ هو أبو (٣) إياسٍ البجليُّ الكوفيُّ (وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة، النَّاجي -بالنُّون والجيم- يُكنَّى أبا سلمة؛ الثَّمانية حال كونهم (يُجِيزُونَ كُتُبَ القُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ) بضمِّ الشِّين (٤)،

стр. 12371

ولأبي ذرٍّ: «مِنَ المَشْهود» بزيادة ميمٍ وسكون الشِّين (فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالكِتَابِ) بكسر الجيم وسكون التَّحتيَّة بعدها همزةٌ: (إِنَّهُ) أي: الكتاب (زُورٌ، قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَالتَمِسِ المَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ) بفتح الميم والرَّاء بينهما معجمةٌ ساكنةٌ، أي: اطلب الخروج من عُهْدة ذلك، إمَّا بالقدح في البيِّنة بما يقبله (١)؛ فتبطل الشَّهادة، وإمَّا بما (٢) يدلُّ على البراءة من المشهود به، وقال المالكيَّة: إذا جاء كتابٌ من قاضٍ إلى قاضٍ آخر مع شاهدين؛ فإنَّه يعتمد على ما شهد به الشَّاهدان ولو خالفا (٣) ما في الكتاب، وقيَّد ذلك في «الجواهر» بما إذا طابقت شهادتهما الدَّعوى، قال: ولو شهدا (٤) بما فيه وهو مفتوحٌ؛ جاز ونُدِبَ ختمه، ولم يُفِدْ وحده، فلا بدَّ من شهودٍ بأنَّ هذا الكتاب كتاب فلانٍ القاضي، وزاد أشهب: ويشهدون أنَّه أشهدهم بما فيه. انتهى. واحتجَّ من لم يشترط الإشهاد بأنَّه ﷺ كتب إلى الملوك، ولم يُنقَل أنَّه أشهد أحدًا على كتابه، وأجيب بأنَّه لمَّا حصل في الناس الفساد؛ احتيط للدِّماء والأموال، قال البخاريُّ: (وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ القَاضِي البَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى) محمَّد بن عبد الرَّحمن قاضي الكوفة، وأوَّل ما وُلِّيها في زمن يوسف بن عمر الثَّقفيِّ في خلافة (٥) الوليد بن يزيد، وهو صدوقٌ، لكنَّه اتُّفِق على ضعف حديثه لسوء حفظه (وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح السِّين المهملة والواو المشدَّدة وبعد الألف راءٌ، العنبريُّ قاضي البصرة من قِبَلِ المنصور. قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ مذاكرةً: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر الرَّاء بعدها زايٌ، الكوفيُّ قال: (جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ التَّابعيِّ (قَاضِي البَصْرَةِ وَ) كنتُ (أَقَمْتُ عِنْدَهُ البَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَهْوَ) أي: فلانٌ (٦) (بِالكُوفَةِ، وَجِئْتُ بِهِ) بالواو، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «فجئت به» أي: بالكتاب (القَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي عبد الله بن مسعودٍ المسعوديَّ

стр. 12372

التَّابعيَّ، قاضي الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز (فَأَجَازَهُ) بجيمٍ وزايٍ: أمضاه (١) وعمل به (وَكَرِهَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَأَبُو قِلَابَةَ) الجَرْمِيُّ؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء وكسر الميم (أَنْ يَشْهَدَ) -بفتح أوَّله- الشَّاهد (عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا؛ لأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا) أي: باطلًا، وقال المالكيَّة: وهذا هو الصَّواب، وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّها إذا كان فيها جَورٌ؛ لم يمنعِ التَّحمُّل؛ لأنَّ الحاكم قادرٌ على ردِّه إذا أوجب حكم الشَّرع ردَّه، وما عداه يُعمَل به، فليس خشية الجَور فيها مانعًا من التَّحمُّل، وإنَّما المانع الجهل بما يشهد به، ومذهب مالكٍ ﵀ جواز الشَّهادة على الوصيَّة وإن لم يعلمِ الشَّاهد ما فيها؛ وكذا الكتاب المطويُّ، ويقول الشَّاهدان للحاكم: نشهد على إقراره بما في الكتاب؛ لأنَّه ﷺ كتب إلى عمَّاله من غير أن يقرأها على مَنْ حملها، وهي مشتملةٌ على الأحكام والسُّنن، وأثر الحَسَن وصله الدَّارميُّ بلفظ: لا تَشهدْ على وصيَّةٍ حتَّى تُقرَأ عليك، ولا تشهد على من لا تَعرف. وأثر أبي قِلابة وصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان بلفظ: قال أبو قِلابة في الرَّجل يقول: اشهدوا على ما في هذه الصَّحيفة، قال: لا، حتَّى نعلم ما فيها، زاد يعقوب: وقال: لعلَّ فيها جَورًا، وفي هذه الزِّيادة بيان السَّبب في المنع المذكور (وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ) في قصَّة حُوَيِّصة ومُحَيِّصة: (إِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم (أَنْ تَدُوا) بالفوقيَّة والتَّحتيَّة (صَاحِبَكُمْ) عبد الله بن سهلٍ، أي: تُعطوا دِيَتَه، وأضافه (٢) إليهم؛ لكونه وُجِد قتيلًا بين اليهود بخيبر، والإضافة تكون بأدنى ملابسةٍ وهذا إن كان «تدوا» بتاء الخطاب، وإن كان بالتَّحتيَّة؛ فظاهرٌ (وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ) أي: تُعلمِوا به، وهذا طرفٌ من حديث سبق في «باب القسامة» من «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٨]. (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ؛ فيما وصله أبو بكر بن أبي شيبة (فِي شَهَادَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «في الشَّهادة» (عَلَى المَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ) بكسر السِّين المهملة (٣): (إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ) عليها (وَإِلَّا) أي: وإن لم تعرفها (فَلَا تَشْهَدْ) ومقتضاه: أنَّه لا يُشتَرط أن يراها حالة الإشهاد، بل تكفي معرفته لها بأيِّ طريقٍ كان، وقال الشَّافعيَّة: لا تصحُّ شهادةٌ على متنقِّبة

стр. 12373

اعتمادًا على صوتها؛ لأنَّ (١) الأصواتَ تتشابه، فإن عرفها بعينها أو باسمٍ ونسبٍ وأمسكها حتَّى شهد عليها؛ جاز التَّحمُّل عليها متنقِّبةً، وأدَّى بما علم من ذلك، فيشهد في العلم بعينها عند حضورها، وفي العلم بالاسم والنَّسب عند غيبتها، لا بتعريف عدلٍ أو عدلين أنَّها فلانةُ بنت فلانٍ، أي: فلا يجوز التَّحمُّل عليها بذلك، وهذا ما عليه الأكثر، والعمل بخلافه؛ وهو التحمُّل عليها بذلك، وقال المالكيَّة: لا يشهَد على متنقِّبةٍ حتَّى يكشف وجهها؛ ليعيِّنها عند الأداء، ويميِّزها عن غيرها، وإن أخبره عنها رجلٌ يثق به أو امرأةٌ؛ جاز له أن يشهد، وكذا لفيف النِّساء إذا شهدن عنده أنَّها فلانةُ إذا وقع عنده العلم بشهادتهنَّ، وجوَّز مالكٌ شهادة الأعمى في الأقوال؛ كأن يُقرَّ بشيءٍ؛ لأنَّ الصَّحابة روَوا عن أمَّهات المؤمنين من وراء الحجاب، وميَّزوهنَّ بأصواتهنَّ، وقال الشَّافعيَّة: ولا تقبل شهادة أعمى بقولٍ؛ كعقدٍ وفسخٍ وإقرارٍ؛ لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحكي الإنسان صوت غيره؛ فيشتبه (٢) به، إلَّا أن يقرَّ شخصٌ في أذنه بنحو طلاقٍ أو عتقٍ أو مالٍ لرجلٍ معروف الاسم والنَّسب، فيمسكه حتَّى يشهد عليه عند قاضٍ، أو يكون عماه بعد تحمُّله، والمشهود له والمشهود عليه معروفي الاسم والنَّسب فقيل (٣): لحصول العلم بأنَّه المشهود عليه. ٧١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى) أهل (الرُّومِ) في سنة ستٍّ (قَالُوا: إِنَّهُمْ) أي: قال الصَّحابة له ﷺ : إنَّ الرُّوم (لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) ولم أعرف القائل بعينه (فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَِمًا) بفتح التَّاء وكسرها (مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ

стр. 12374

إِلَى وَبِيصِهِ) بفتح الواو وكسر الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة صادٌ مهملةٌ: إلى لمعانه وبريقه (١) (وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ويُستَفاد منه: أنَّ الكتاب إذا لم يكن مختومًا؛ فالحجَّة بما (٢) فيه قائمةٌ؛ لكونه ﷺ أراد أن يكتب إليهم، وإنَّما اتَّخذ الخاتم؛ لقولهم: إنَّهم لا يقبلون الكتاب إلَّا إذا كان مختومًا، فدلَّ على أنَّ كتاب القاضي حجَّةٌ، مختومًا كان أو غير مختومٍ (٣)، وفي الباب: العمل بالشَّهادة على الخطِّ، وقد أجازها مالكٌ، وخالفه ابن وهبٍ فيه، وقال الطَّحاويُّ: خالف مالكًا جميعُ الفقهاء في ذلك؛ لأنَّ الخطَّ قد يشبه الخطَّ، وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يُقضى (٤) في دهرنا بالشَّهادة على الخطِّ؛ لأنَّ النَّاس قد أحدثوا ضُروبًا من الفجور، وقد قال مالكٌ: تحدث للنَّاس أقضيةٌ على نحو ما أحدثوا من الفجور، وقد كان النَّاس فيما مضى يُجيزون الشَّهادة على خاتم القاضي، ثمَّ رأى مالكٌ أنَّ ذلك لا يجوز.

стр. 12375

(١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضَاءَ؟) أي: متى يستحقُّ أن يكون قاضيًا؟ وقال في «الكواكب»: أي: متى يكون أهلًا للقضاء؟ انتهى. وقد اشترط الشَّافعيَّة كونه أهلًا للشَّهادات (١) بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا عَدْلًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، كافيًا لأمر القضاء، فلا يُولَّاه كافرٌ وصبيٌّ ومجنونٌ ومن به رِقٌّ وأنثى وخُنثى وفاسقٌ، ومن لم يسمع وأعمى، وأخرس وإن فُهِمت إشارته، ومغفَّلٌ ومختلُّ النَّظر بكِبَرٍ أو مرضٍ؛ لنقصهم، وأن يكون مجتهدًا؛ وهو العارف بأحكام القرآن والسُّنَّة وبالقياس وأنواعها؛ فمن أنواع القرآن والسُّنة: العامُّ والخاصُّ، والمُجمَلُ والمبيَّنُ، والمطلق والمقيَّد، والنَّصُّ والظَّاهر، والنَّاسخ والمنسوخ، ومن أنواع السُّنَّة: المتواترُ، والآحادُ، والمتَّصل وغيره، ومن أنواع القياس: الأَوْلى، والمساوي، والأدوَن؛ كقياس الضَّرب للوالدين على التَّأفيف لهما، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التَّحريم فيهما، وقياس التُّفَّاح على البُرِّ في الرِّبا بجامع الطُّعم، وحال الرُّواة قوَّةً وضعفًا، فيُقدَّم عند التَّعارض الخاصُّ على العامِّ، والمقيَّد على المُطلَق، والنَّصُّ على الظَّاهر، والمُحكَم على المتشابِه، والنَّاسخ والمتَّصل والقويُّ على مقابلها، ولسان العرب لغةً ونحوًا وصرفًا، وأقوال العلماء إجماعًا واختلافًا، فلا يخالفهم في اجتهادهم (٢)، فإن فُقِد الشَّرط المذكور بأن لم يوجَد رجلٌ متَّصفٌ به، فولَّى سلطانٌ ذو شوكةٍ مسلمًا غير أهلٍ؛ كفاسقٍ ومقلِّدٍ وصبيٍّ وامرأةٍ؛ نفذ قضاؤه للضَّرورة؛ لئلَّا تتعطَّل مصالح النَّاس، و «القضاء» -بالمدِّ- مصدرُ قضى يقضي؛ لأنَّ لام الفعل ياءٌ؛ إذ أصله (٣): قَضَيَ؛ بفتح الياء، فُقلِبت ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ومصدره «فَعَلَ» بالتَّحريك؛ كطَلَب طَلَبًا، فتحرَّكتِ الياء فيه أيضًا، وانفتح ما قبلها، فقُلِبت ألفًا، فاجتمع ألفان، فأُبدِلت الثَّانية همزةً، فصار قضاءً؛ ممدودًا، وجمع «القضاء»: أقضية؛ كغطاءٍ وأغطيةٍ؛ وهو في الأصل إحكام الشَّيء وإمضاؤه والفراغ منه، ويكون أيضًا بمعنى: الأمر؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبمعنى: العلم؛ تقول: قضيت لك بكذا: أعلمتُك به، والإتمام؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] والفعل: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] والإرادة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [غافر: ٦٨]

стр. 12376

والموت؛ قال تعالى: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] والكتابة؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] أي: مكتوبًا في اللَّوح المحفوظ، والفصل؛ قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ [يونس: ٥٤] والخلق؛ قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (١)﴾ [فصلت: ١٢]. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (أَخَذَ اللهُ عَلَى الحُكَّامِ) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الكاف: جمع: حاكمٍ (أَلَّا يَتَّبِعُوا الهَوَى) أي: هوى النَّفس في قضائهم (وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ) كخشية سلطانٍ ظالمٍ أو خيفة أذيَّة أحدٍ (وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي) ولأبي ذرٍّ: «بآياته» (ثَمَنًا قَلِيلًا) وهو الرَّشوة وابتغاء الجاه ورضا النَّاس (ثُمَّ قَرَأَ) الحسن: (﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾) تُدَبِّر أمر النَّاس (﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾) ما تهوى النَّفس (﴿فَيُضِلَّكَ﴾) الهوى (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) أي: عن الدَّلائل الدَّالَّة على توحيد الله (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن الإيمان بالله (﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا﴾) بسبب نسيانهم (﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]) المرتَّب عليه تركُهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب؛ لآمنوا في الدُّنيا، قال ابن كثيرٍ: هذه وصيَّةٌ من الله لِوُلاة الأمور أن يحكموا بين النَّاس بالحقِّ المنزَّل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلُّوا عن سبيله، وقد توعَّد سبحانه من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد (٢) الأكيد، والعذاب الشديد (وَقَرَأَ) الحسن أيضًا: (﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى﴾) يهدي إلى الحقِّ (﴿وَنُورٌ﴾) يكشف ما استُبِهمَ (٣) من الأحكام (﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾) انقادوا لحكم الله، وهو صفةٌ أُجريت للنَّبيِّين على سبيل المدح (﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾): تابوا من الكفر (﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾): الزُّهَّاد والعلماء، معطوفان على ﴿النَّبِيُّونَ﴾ (﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾) أي: (اسْتُودِعُوا ﴿مِن كِتَابِ اللّهِ﴾) ﴿مِن﴾ للتَّبيين، والضَّمير في ﴿اسْتُحْفِظُواْ﴾ للأنبياء والرَّبَّانيِّين والأحبار، والاستحفاظ من الله، أي: كلَّفهم الله حفظه (﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾): رُقبَاء؛ لئلَّا يُبدَّل (﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾) نهيٌ للحكَّام أن يخشَوا غير الله في حكوماتهم، ويداهنوا فيها؛ خشية ظالمٍ أو كبيرٍ (﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي﴾) ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتُها (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾) مستهينًا به (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤])

стр. 12377

قال ابن عبَّاسٍ: من لم يحكم جاحدًا؛ فهو كافرٌ، وإن لم يكن جاحدًا (١)؛ فهو فاسقٌ ظالمٌ (﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾) أي: (استُودِعُوا ﴿مِن كِتَابِ اللّهِ﴾) وهذا ثابتٌ في رواية المُستملي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ … » إلى آخره، (وَقَرَأَ) الحسن أيضًا: (﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾) أي: واذكرهما (﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾): في (٢) الزرع أو الكَرْم (﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾) أي: رَعَتْه ليلًا بلا راعٍ بأنِ انفلتت، فأكلته وأفسدته (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾) أرادهما والمتحاكمينِ إليهما، أو استعمل ضمير الجمع لاثنين (﴿شَاهِدِينَ﴾) أي: بعلمنا ومرأًى منَّا، وكان داود ﵇ قد حكم بالغنم لأهل الحرث، وكانت قيمة الغنم على قدر النُّقصان في الحرث، فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشرة سنةً: غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين، فعزم عليه ليحكُمَنَّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى ربِّ الغنم حتَّى يصلح الحرث ويعود كهيئته (٣) يوم أفُسِد (٤)، ثمَّ يترادَّان، فقال: القضاء ما قضيتَ، وأمضى الحكم بذلك (﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾) أي: الحكومة (﴿سُلَيْمَانَ وَكُلًّا﴾) منهما (﴿آتَيْنَا حُكْمًا﴾) نبوَّةً (﴿وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]) معرفةً بموجب الحكم، قال الحسن: (فَحَمِدَ) اللهُ تعالى (سُلَيْمَانَ) لموافقته الأرجح (وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ اللَّام، من اللَّوم؛ لموافقته الرَّاجح، وقال العينيُّ: وفي نسخةٍ: «ولم يَذُمَّ» بالذَّال المعجمة، من الذَّمِّ، وتُعُقِّب بأنَّ قول الحسن هذا لا يليق بمقام داود؛ فقد جمعهما الله تعالى في الحكم والعلم، وميَّز سليمان بالفهم؛ وهو علمٌ خاصٌّ زاد على العامِّ، والأصحُّ أنَّ داود أصاب الحكم، وسليمان أُرشِد إلى الصُّلح، قال الحسن: (وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ) النَّبيَّين (لَرَأَيْتُ) بفتح الرَّاء والهمزة، جواب «لو»، واللَّام فيه للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لَرُئِّيْتُ» بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة مشدَّدةً بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ مبنيًّا للمفعول، وسقط لأبي ذرٍّ «أمرِ (٥)» (أَنَّ القُضَاةَ) أي: قضاة زمنه (هَلَكُوا) لما تضمَّنه

стр. 12378

قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الشَّامل للعامد والمخطِئ (فَإِنَّهُ) تعالى (أَثْنَى عَلَى هَذَا) سليمان (بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا) داود (بِاجْتِهَادِهِ) وفيه جواز الاجتهاد للأنبياء، وهل (١) إذا قلنا بجواز الاجتهاد لهم؛ هل (٢) يجوز عليهم الخطأ فيه؟ واتَّفق الفريقان على (٣) أنَّه لو أخطأ في اجتهاده؛ لم يُقَرَّ على الخطأ (٤). (وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، وزُفَر -بضمِّ الزَّاي وفتح الفاء- الكوفيُّ: (قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) بن مروان الأمويُّ، أمير المؤمنين المعدود من الخلفاء الرَّاشدين: (خَمْسٌ) من الخصال (إِذَا أَخْطَأَ القَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خُطَّةً» بخاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ وطاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ مشدَّدةٍ (كَانَتْ) ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيهَنيِّ: «خَصْلةً كان» (فِيهِ وَصْمَةٌ) بفتح الواو وسكون الصَّاد المهملة، بوزن: تَمْرة، أي: عيبٌ (أَنْ يَكُونَ فَهِمًا) بكسر الهاء، وللمُستملي: «فَقِهًا»، والأُولى أَولى (حَلِيمًا) يُغضي (٥) على ما يؤذيه (٦)، ولا يُبادِر بانتقامه (عَفِيفًا) يكفُّ عن الحرام (٧) (صَلِيبًا) بفتح المهملة وكسر اللَّام مخفَّفةً وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ، بوزن: عَظيمٍ، من الصَّلابة، أي: قويًّا شديدًا وقَّافًا عند الحقِّ، لا يميل إلى الهوى، ويستخلص الحقَّ من المبطِل ولا يُحابيه، ولا ينافي هذا قوله: «حليمًا»؛ لأنَّ ذاك في حقِّ نفسه، وهذا في حقِّ غيره (عَالِمًا) بالحكم الشَّرعيِّ، ويدخل فيه قوله: «فقِهًا» (٨)، ففهمًا أَولى من «فقِهًا» كما مرَّ (سَؤولًا) على وزن «فَعُول» أي: كثير السُّؤال (عَنِ العِلْمِ) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ في «سننه»، وابن سعدٍ في «طبقاته»، وقوله: «سَؤولًا» من تتمَّة الخامس؛ لأنَّ كمال العلم لا يحصل إلَّا بالسُّؤال؛ لأنَّه قد يظهر له ما هو أقوى ممَّا عنده.

стр. 12379

(١٧) (باب رِزْقِ الحُكَّامِ) جمع حاكمٍ، من إضافة المصدر إلى المفعول (١) (وَ) رزق (العَامِلِينِ عَلَيْهَا) على الحكومات، أو العاملين على الصَّدقات، وصُوِّب بقرينة ذكر الرِّزق والعاملين، والرِّزق: ما يرتِّبُه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، وقال في «المُغرِب»: الفرق بين الرِّزق والعطاء: أنَّ الرِّزق ما يخرج للجنديِّ من بيت المال في السَّنة مرَّةً أو مرَّتين، والعطاء (٢): ما يخرج له كلَّ شهرٍ (٣) (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة آخره حاءٌ مهملةٌ، ابن الحارث بن قيسٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ (القَاضِي) بالكوفة عن عمر بن الخطَّاب، وهو من المُخَضْرَمِين، بل قيل: إنَّ له صحبةً، روى ابن السَّكن أنَّه قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنَّ لي أهل بيتٍ ذوي عددٍ باليمن، قال: «جِئ بهم»، قال: فجاء بهم والنَّبيُّ ﷺ قد قُبِض، وعنه أنَّه قال: وُلِّيتُ القضاء لعمر وعثمان وعليٍّ فمَن بعدهم إلى أن استعفيت من الحجَّاج، وكان له يوم استُعفيَ مئةٌ وعشرون سنةً، وعاش بعد ذلك سنةً، وقال ابن معين: كان في زمن النَّبيِّ ﷺ ولم يسمع منه (يَأْخُذُ عَلَى القَضَاءِ أَجْرًا) بفتح الهمزة وسكون الجيم، وهذا وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ، وإلى جواز أخذ القاضي الأجرةَ على الحكم ذهب الجمهور من أهل العلم من الصَّحابة وغيرهم؛ لأنَّه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، وكرهه طائفةٌ كراهة تنزيهٍ؛ منهم مسروقٌ، ورخَّص فيه الشَّافعيُّ وأكثر أهل العلم، وقال صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: وإذا كان القاضي فقيرًا؛ فالأفضل بل (٤) الواجب أخذ كفايته، وإن كان غنيًّا؛ فالأفضل الامتناع عن أخذ الرِّزق من بيت المال؛ رفقًا ببيت المال (٥)، وقيل: الأخذ هو الأصحُّ؛ صيانةً للقضاء عن الهوان، ونظرًا لمن يأتي بعده من المحتاجين، ويأخذ بقدر الكفاية له ولعياله، وعن الإمام أحمد: لا يعجبني، وإن كان؛ فبقدر عمله؛ مثل وليِّ

стр. 12380

اليتيم (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (يَأْكُلُ الوَصِيُّ) من مال (١) اليتيم (بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم: أجرة عمله بالمعروف بقدر حاجته، وصله ابن أبي شيبة عنها في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قالت: أُنزِل ذلك في مال والِ (٢) اليتيم يقوم عليه بما يُصلِحه، إن كان محتاجًا؛ يأكل منه (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ لمَّا استُخلِف بعد أن قال -كما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة-: قد علم قومي أنَّ حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وقد شُغِلت بأمر المسلمين، وأسنده البخاريُّ في «البيوع» [خ¦٢٠٧٠] وبقيَّته: فيأكل آل أبي بكرٍ من هذا المال (و) كذا أكل (٣) (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ هو وأهله لمَّا وُلِّيها، وقال -فيما رواه ابن أبي شيبة (٤) وابن سعدٍ-: إنِّي أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة قيِّم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف، وسنده صحيحٌ.

стр. 12381

٧١٦٣ - ٧١٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة وفتح العين مصغَّرًا، ابن أبي حمزة الحافظ، أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني (١) أمية (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، ابن سعيد ابن ثمامة الكنديُّ أو الأزديُّ الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ (ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم بعدها راءٌ: (أَنَّ حُوَيْطِبَ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الواو وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة طاءٌ مهملةٌ مكسورةٌ فموحَّدةٌ (بْنَ عَبْدِ العُزَّى) بضمِّ العين المهملة وفتح الزَّاي المشدَّدة: الصَّنم المشهور، العامريَّ من مسلمة الفتح، المتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين من الهجرة وله من العمر مئةٌ وعشرون سنةً (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عبد شمسٍ، أو اسم أبيه: عمرٌو (بْنَ السَّعْدِيِّ) واسمه: وقدان، وقيل له: ابن (٢) السَّعديِّ؛ لأنَّه استُرضِع في بني سعدٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ) بضمِّ الهمزة وفتح الحاء والدَّال المشدَّدة المهملتين، آخره مثلَّثةٌ (أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا؟) بفتح الهمزة: ولاياتٍ؛ كإمرةٍ وقضاءٍ (فَإِذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ) بضمِّ العين: أجرة العمل، وبفتحها: نفس العمل (كَرِهْتَهَا، فَقُلْتُ) له: (بَلَى) وفي الجزء الثَّالث من «فوائد أبي بكر النَّيسابوريِّ» من طريق عطاءٍ الخراسانيِّ عن عبد الله بن السَّعديِّ قال: قدمتُ على عمر، فأرسل إليَّ بألف دينارٍ، فرددتُها وقلت: أنا عنها (٣) غنيٌّ (فَقَالَ عُمَرُ (٤)) لي: (مَا) ولأبي ذرٍّ: «فما» (تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟) أي: ما غاية قصدك بهذا الرَّدِّ؟ (قُلْتُ) ولأبي الوقت (٥): «فقلت»: (إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا) بالموحَّدة المضمومة؛ جمع عبدٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأعتدًا» بالفوقيَّة بدل الموحَّدة، جمع عتيدٍ: مالًا مدَّخرًا (وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى (٦) المُسْلِمِينَ) تفسيرٌ لقوله: فما تريد؟ (قَالَ) لي (عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ) ذلك الرَّدَّ (٧) (فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ) بالضَّمِّ (الَّذِي أَرَدْتَ) بالفتح،

стр. 12382

من الرَّدِّ (وَكَانَ) وفي «اليونينيَّة»: «فكان» (رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ) من المال الذي يقسمه في المصالح (فَأَقُولُ): يا رسول الله (أَعْطِهِ) بقطع الهمزة المفتوحة (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي) وضبَّب في «اليونينيَّة» على قوله (١): «حتَّى أعطاني مرَّةً مالًا … » إلى آخره، (فَقَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «له النَّبيُّ» (¬ ﷺ : خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ) أمر إرشادٍ على الصَّحيح؛ وهو يدلُّ على أنَّ التَّصدُّق (٢) به إنَّما يكون بعد القبض؛ لأنَّه إذا ملك المال وتصدَّق به طيِّبةً به (٣) نفسه؛ كان أفضل من التَّصدُّق به قبل قبضه؛ لأنَّ الذي يحصل بيده (٤) هو أحرص ممَّا (٥) لم يدخل في يده (فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بضمِّ الميم وسكون المعجمة بعدها راءٌ مكسورةٌ ففاءٌ: غير طامعٍ ولا ناظرٍ إليه (وَلَا سَائِلٍ) ولا طالب له (فَخُذْهُ) ولا تردَّهُ (وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) بضمِّ الفوقيَّة الأولى وسكون الثَّانية وكسر الموحَّدة وسكون العين، أي: إن لم يجئ إليك؛ فلا تطلبْه، بل اتركه إلَّا لضرورةٍ، والأصحُّ تحريم الطَّلب على القادر على الكسب، وقيل: يُباح بشرط ألَّا يذلَّ نفسه، ولا يلحَّ في الطَّلب، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقِد شرطٌ من هذه الثَّلاثة؛ حرم اتَّفاقًا. وهذا الحديث فيه أربعةٌ من الصَّحابة، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الزَّكاة». (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) ﵁، زاد أبو ذرٍّ: «بن الخطَّاب» (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ) بقطع الهمزة (٦) (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ) له: يا رسول الله (أَعْطِهِ مَنْ) أي: الذي (هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) قال في «الكواكب»: فَصَل بين «أفعل» وبين كلمة «مِن»؛ لأنَّ الفاصل ليس أجنبيًّا، بل هو ألصق به من الصِّلة؛ لأنَّه محتاجٌ إليه بحسب جوهر اللَّفظ، والصِّلة محتاجٌ

стр. 12383

إليها بحسب الصِّيغة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ) على مستحقِّه (١)، قال ابن بطَّالٍ: أشار ﷺ على عمر بالأفضل؛ لأنَّه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه على نفسه من هو أفقر إليه؛ فإنَّ أخذه للعطاء ومباشرته الصَّدقة (٢) بنفسه أعظمُ لأجره، وهذا يدلُّ على عِظَم فضل الصَّدقة بعد التَّموُّل؛ لما في النُّفوس من الشُّحِّ على المال (فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) ناظرٍ إليه (وَلَا سَائِلٍ) له (فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) وزاد سالمٌ في رواية مسلمٍ: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يردُّ شيئًا أُعطِيه، وفي «الفتح»: وهذا بعمومه ظاهرٌ في أنَّه كان لا يردُّ (٣) ما فيه شبهةٌ، وقد ثبت أنَّه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيدٍ الثَّقفيِّ، وكان المختار غلب على الكوفة، وطرد عمَّال عبد الله بن الزُّبير، وأقام أميرًا عليها مدَّةً في غير طاعة خليفةٍ، وتصرَّف فيما يتحصَّل منها من المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه، وكان مستنده أنَّ له حقًّا في بيت المال، فلا يضرُّه على أيِّ كيفيَّةٍ يصل إليه، أو كان يرى أنَّ (٤) التَّبِعة على الآخِذ الأوَّل، وأنَّ للمعطي المذكور مالًا آخر في الجملة وحقًّا في المال المذكور، فلمَّا لم يتميَّز، وأعطاه له عن طيب نفسٍ؛ دخل في عموم قوله: ما أتاك من هذا المال من غير سؤالٍ ولا استشرافٍ فخذه، فرأى أنَّه لا يُستَثنى من ذلك إلَّا ما كان حرامًا محضًا. انتهى. (١٨) (باب مَنْ قَضَى) في المسجد (وَلَاعَنَ): حَكَم بإيقاع التَّلاعن بين الزَّوجين (٥) (فِي المَسْجِدِ) والظَّرف يتعلَّق بالقضاء والتَّلاعن، فهو من باب تنازع الفعلين، أو يتعلَّق بـ «قضى» لدخول

стр. 12384

«لاعن» فيه، فإنَّه من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَلَاعَنَ) أي: وقضى بالتَّلاعن بين الزَّوجين (عُمَرُ) في المسجد (عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ (١)) مبالغةً في التَّغليظ (وَقَضَى شُرَيْحٌ) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة (وَ) كذا قضى (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَراحيل فيما وصله سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميُّ في «جامع سفيان» (وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) بفتح التَّحتيَّة والميم، فيما وصله ابن أبي شيبة؛ الثَّلاثة (٢) (فِي المَسْجِدِ) وكان قضاء الشَّعبيِّ جلد يهوديٍّ (وَقَضَى مَرْوَانُ) بن الحكم (عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِاليَمِينِ عِنْدَ المِنْبَرِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «على المنبر»، وهذا طرفٌ من أثرٍ سبق في «الشَّهادات» [خ¦٥٢/ ٣٢ - ٤١٧٨] (وَكَانَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَزُرَارَةُ) بضمِّ الزَّاي بعدها راءان بينهما ألفٌ (بْنُ أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء (٣) بينهما واوٌ ساكنةٌ، العامريُّ قاضي البصرة، فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق المثنَّى بن سعيدٍ قال: رأيتهما (يَقْضِيَانِ فِي الرَّحَبَةِ): السَّاحة، والمكان يكون (٤) (خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ) ولفظ ابن أبي شيبة: يقضيان في المسجد، والرَّاجح أنَّ للرَّحبة حكم المسجد، فيصحُّ فيها الاعتكاف، وهي (٥) في الفرع بسكون الحاء، وفي غيره بفتحها، فالتي (٦) بسكونها: مدينةٌ مشهورةٌ، قال في «الفتح»: والذي يظهر من مجموع هذه الآثار أنَّ المراد بالرَّحبة هنا: الرَّحبة المنسوبة للمسجد. ٧١٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة: (قَالَ (٧) الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين فيهما، السَّاعديُّ الأنصاريُّ ﵁ أنَّه (قَالَ: شَهِدْتُ) حضرت (المُتَلَاعِنَيْنِ) بفتح النُّون، عُويمرًا وخولة بنت

стр. 12385

قيسٍ (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء مشدَّدةً، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «خمس عشرة سنةً وفرِّق بينهما». والحديث أخرجه في «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٨] مطوَّلًا. ٧١٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن جعفر بن أعين البِيكَنْديُّ، أو هو يحيى بن موسى بن عبد ربِّه المشهور بخَتٍّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز، أبو الوليد، وأبو خالد، القرشيُّ مولاهم المكيُّ الفقيه، أحد الأعلام قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَهْلٍ) أي: ابن سعدٍ (أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ) أي: واحدٍ منهم، وساعدة يُنسَب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) اسمه: عويمٌر (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ): يا رسول الله (أَرَأَيْتَ رَجُلًا) الهمزة للاستفهام، و «رأيت» العلميَّة بمعنى: أخبرني؛ ولذلك يجوز في الهمزة من «أرأيت» التَّسهيل، قال: أرايت إن جاءت به أملودا مرجَّلًا ويلبس البُرودا قال في «المجيد»: ونصَّ سيبويه والأخفش والفرَّاء والفارسيُّ وابن كيسان وغيرهم: على أنَّ «أرأيت» و «أرأيتك» بمعنى: «أخبرني» وهو تفسيرٌ معنويُّ؛ قالوا: فتقول العربُ: أرأيتَ زيدًا، فيلزم المفعول الأوَّل النَّصب، ولا يرفع على تعليق «أرأيتَ»؛ لأنَّها بمعنى: أخبرني، و «أخبرني» لا تُعلَّق، والجملة الاستفهاميَّة في موضع المفعول الثَّاني، بخلافها إذا كانت بمعنى: علمت، فيجوز تعليقها، أي: أخبرني عن رجلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ) فيه جواز اللِّعان في المسجد وإن كان الأَوْلى صيانة المسجد، وقد استَحبَّ القضاءَ في المسجد طائفةٌ، وقال مالكٌ: هو الأمر القديم؛ لأنَّه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضَّعيف، وإذا كان في منزله؛ لم يصل إليه النَّاس؛ لإمكان الاحتجاب، وكَرِهت ذلك طائفةٌ، وقال إمامنا الشَّافعيُّ: أَحَبُّ إليَّ أن يُقضَى في غير المسجد.

стр. 12386

والحديث سبق مطوَّلًا [خ¦٥٣٠٨]. (١٩) (باب مَنْ حَكَمَ فِي المَسْجِدِ) من غير أن يكره ذلك (حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حَدٍّ) من الحدود (أَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ) من استحقَّ الحدَّ (مِنَ المَسْجِدِ) إلى خارجه (فَيُقَامَ) عليه الحدُّ ثَمَّ؛ خوف تأذِّي مَن بالمسجد، وتعظيمًا للمسجد (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ فيما وصله ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق بسندٍ على شرط الشَّيخين: (أَخْرِجَاهُ) أي: الذي وجب عليه الحدُّ (مِنَ المَسْجِدِ) زاد أبو ذرٍّ: «وضربه» أي: أمر بضربه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف بصيغة التَّمريض (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (نَحْوُهُ) أي: نحو ما ذُكِرَ عن عمر، وصله ابن أبي شيبة بسندٍ فيه مقالٌ عن معقلٍ -بالعين والقاف- بلفظ: إنَّ رجلًا جاء إلى عليٍّ فسارَّه فقال: يا قَنْبر؛ أخرجه من المسجد، فأقم عليه الحدَّ. ٧١٦٧ - ٧١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ -بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف- المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأَيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (١) (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ الإمام أبي محمَّد المخزوميِّ، سيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) اسمه: ماعزٌ (رَسُولَ اللهِ

стр. 12387

ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) حالٌ من رسول الله، وجملة (فَنَادَاهُ) عطفٌ على «أتى»، وفاعل «فناداه» (١) ضمير الرَّجل، وضمير المفعول يعود على (٢) النَّبيِّ ﷺ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي زَنَيْتُ) مقولٌ للقول، واسم المزنيِّ بها فاطمة، وقيل: منيرة، وقيل: مهيرة (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) النَّبيُّ ﷺ ؛ كراهية سماع ذلك؛ سترًا له؛ إذ لم يحضر (٣) من يشهد عليه (فَلَمَّا شَهِدَ) أي: أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعًا؛ قَالَ) ﷺ له (٤): (أَبِكَ جُنُونٌ؟) بهمزة الاستفهام، و «جنونٌ» مبتدأٌ، والمجرور متعلِّق بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزةُ الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (اذْهَبُوا بِهِ) من المسجد (فَارْجُمُوهُ) لأنَّه كان مُحصَنًا، وفي روايةٍ أخرى في «الحدود» [خ¦٦٨٢٥] قال: «فهل أُحصِنت؟» قال: نعم، والباء في «به» للتَّعدية أو الحال، أي: اذهبوا به (٥) مصاحبين له، وإنَّما أمر بإخراجه من المسجد؛ لأنَّ الرَّجم فيه يحتاج إلى قدرٍ زائدٍ -من حفرٍ وغيره- ممَّا لا يناسب المسجد، فلا يلزم من تركه فيه تركُ إقامة غيره من الحدود؛ فليتأمَّل مع التَّرجمة، وقد ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيُّون والشَّافعيُّ وأحمد، وعند ابن ماجه من حديث واثلة: «جنِّبوا مساجدكم إقامة حدودكم … » الحديث، وربَّما يخرج من المحدود دمٌ فيتلوَّث (٦) المسجد، وقال مالكٌ: لا بأس بالضَّرب بالسِّياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود؛ فخارج المسجد. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ بالسَّند المذكور: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ، والذي أخبر ابن شهابٍ أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن؛ كما وقع التَّنبيه عليه في «الحدود» (٧) [خ¦٦٨١٦] أنَّه (قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالمُصَلَّى) مكان صلاة العيد والجنائز (رَوَاهُ) أي: الحديث (يُونُسُ) بن يزيد (وَمَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ، فيما وصله عنهما المؤلِّف في

стр. 12388

«الحدود» [خ¦٦٨٢٠] (وَابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، مما (١) وصله أيضًا (٢) فيه [خ¦٦٨٢٠] الثَّلاثة (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي الرَّجْمِ) فخالفوا عُقيلًا في الصَّحابيِّ، فإنَّه جعل أصل الحديث من رواية أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وهؤلاء جعلوه من رواية جابرٍ. (٢٠) (باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ لِلْخُصُومِ) عند الدَّعوى. ٧١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ، أبو عبد الرَّحمن (٣) الحارثيُّ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (٤) (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بِنْت» (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هندٍ أمِّ المؤمنين (¬﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا) بالنِّسبة إلى الاطِّلاع (٥) على بواطن (٦) الخصوم (بَشَرٌ) لا بالنِّسبة إلى كلِّ شيءٍ، فإنَّ له ﷺ أوصافًا أُخَر، والحصر مجازيٌّ؛ لأنَّه حصرٌ خاصٌّ، أي: باعتبار علم البواطن، ومعلومٌ أنَّه ﷺ بشرٌ، وإنَّما قال ذلك توطئةً لقوله: (وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) بتشديد الياء، فلا أعلم بواطن أموركم؛ كما هو مقتضى أصل الخلقة البشريَّة (وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ) بالحاء المهملة: أبلغ في الإتيان (بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) وهو كاذبٌ (فَأَقْضِي) أي: له بسبب كونه ألحنَ بحجَّته (نَحْوَ مَا أَسْمَعُ) منه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «على نَحْوِ ما أسمع» (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ

стр. 12389

بِحَقِّ أَخِيهِ) أي: المسلم، وكذا الذِّمِّيِّ، و «مَن» في قوله: «فمن قضيت» شرطيَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من حقِّ أخيه» (شَيْئًا؛ فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) أي: فإنَّما أقضي له بشيءٍ حرامٍ يؤول إلى النَّار؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وفيه: أنَّه ﵊ لا يعلم بواطن الأمور إلَّا أن يُطْلِعَه الله على ذلك، وأنَّه يحكم بالظَّاهر، ولم يُطْلِعْه الله تعالى على حقيقة الأمر في ذلك حتَّى لا يحتاج إلى بيِّنةٍ ويمينٍ تعليمًا؛ لتقتدي به أمَّته، فإنَّه لو حكم في القضايا (١) بيقينه الحاصل من الغيب؛ لما أمكن الحكم لأمَّته من بعده، ولمَّا كان الحكم بعده ممَّا لا بدَّ منه؛ أجرى أحكامه على الظَّاهر، وأمر أمَّته بالاقتداء به، فإذا حكم بما يخالف الباطن؛ لا يجوز للمقضيِّ له (٢) أخذ ما قُضِيَ له به، وفيه دلالةٌ على صحَّة مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد وجماهير علماء الأمصار أنَّ حكم الحاكم إنَّما ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، وأنَّه لا يُحِلُّ حرامًا، ولا يحرِّم حلالًا، بخلاف مذهب (٣) أبي حنيفة حيث قال: إنَّ حكمه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ، وسيكون لنا عودةٌ إلى مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في «باب من قُضِيَ له بحقِّ أخيه؛ فلا يأخذه» [خ¦٧١٨١] بعون الله سبحانه. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، فينبغي للحاكم أن يَعِظَ الخصمين، ويحذِّرهما من الظُّلم وطلب الباطل؛ اقتداءً به ﷺ ، قال في «الفتح»: وفي الحديث أنَّ التَّعمُّق (٤) في البلاغة بحيث يحصل اقتدارُ صاحبها على تزيين الباطل في صورة الحقِّ وعكسه مذمومٌ، ولو كان ذلك في التَّوصُّل إلى الحقِّ؛ لم يُذَمَّ، وإنَّما يُذَمُّ من ذلك ما يُتوصَّل به إلى الباطل في صورة الحقِّ فالبلاغة إذًا لا تُذَمُّ لذاتها، وإنَّما تُذَمُّ بحسب المتعلّق (٥) الذي قد يُمدَح بسببه، وهي في حدِّ ذاتها ممدوحةٌ، وهذا كما يُذَمُّ صاحِبُها إذا طرأ عليه بسببها الإعجابُ وتحقير غيره ممَّن لم يصل إلى درجته، ولا سيَّما إن (٦) كان الغير من أهل الصَّلاح؛ فإنَّ البلاغة إنَّما تُذَمُّ من هذه الحيثيَّة بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجيَّة عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها،

стр. 12390

بل كلُّ فطنةٍ توصل إلى المطلوب محمودةٌ في حدِّ ذاتها، وقد تُذَمُّ أو تُمدَح بحسب متعلَّقها (١)، واختُلف في تعريف البلاغة؛ فقيل: أن يُبَلِّغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، وقيل: إيصال (٢) المعنى إلى الغير بأحسن لفظٍ، أو هي الإيجاز مع الإفهام، والتَّصرُّف من غير إضمارٍ، أو هي قليلٌ لا يُبْهَم (٣) وكثيرٌ لا يُسأَم، أو هي إجمال اللَّفظ واتِّساع المعنى، وقيل: هي النُّطق (٤) في موضعه والسُّكوت في موضعه، وهذا كلُّه عن المتقدِّمين، وعرَّف أهل المعاني والبيان البلاغة: بأنَّها (٥) مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع الفصاحة؛ وهي خلوُّه من التَّعقيد. انتهى (٦). (٢١) (باب) حكم (الشَّهَادَةِ) التي (تَكُونُ عِنْدَ الحَاكِمِ فِي) زمان (وِلَايَتِهِ القَضَاءَ) ولأبي ذرٍّ: «في (٧) ولاية القضاء» (أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل ولايته القضاء (لِلْخَصْمِ) متعلِّقٌ بـ «الشَّهادة» أي: للخصم الذي هو أحد الخصمين، فهل يقضي له على خصمه لعلمه بذلك أو يشهد له عند قاضٍ آخر؟ (وَقَالَ شُرَيْحٌ القَاضِي وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ) على شيءٍ كان أشهده عليه، ثمَّ جاء فخاصم إليه (فَقَالَ) له شريحٌ، ولأبي ذرٍّ: «قال»: (ائْتِ الأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ) عليه عنده، ولم يحكم

стр. 12391

فيها بعلمه، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عبد الله بن شُبرمة عن الشَّعبيِّ عنه، ولم يُسمَّ الأمير (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ ﵄، فيما وصله الثَّوريُّ أيضًا، وابن أبي شيبة عن عبد الكريم الجزريِّ (١) عن عكرمة: (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁، وكان عند عمر شهادةٌ في آية الرَّجم -وهي: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما نكالًا من الله» - أنَّها من القرآن، فلم يلحقها في المصحف بشهادته وحده: (لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا) بفتح التَّاء (عَلَى حَدٍّ زِنًى أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ) أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا، حتَّى يشهد معي غيري (فَقَالَ) عمر لعبد الرحمن: (شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ) واحدٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ عُمَرُ) ﵁ مُفصِحًا بالعلَّة لكونه لم يُلحِق آية الرَّجم بالمصحف بمجرَّد علمه وحده: (لَوْلَا أَنْ يَقُولَ الناس: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللهِ؛ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي) في المصحف، فأشار إلى أنَّ ذلك من قطع الذَّرائع؛ لئلَّا يجد حكَّام السُّوء سبيلًا إلى أن يَدَّعوا العلم لمن أحبُّوا له الحكم بشيءٍ، وقوله: «قال عمر» هو طرفٌ من حديثٍ أخرجه مالكٌ في «موطَّئِه»، وعكرمة لم يدرك عبد الرَّحمن بن عوفٍ فضلًا عن عمر، فهو مُنقطِع. (وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَى أَرْبَعًا) أي: أقرَّ أربع مراتٍ (فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ) بإقراره (وَلَمْ يُذْكَرْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْهَدَ) على ماعزٍ (مَنْ حَضَرَهُ) وقد سبق موصولًا في غير ما موضعٍ [خ¦٦٨٢٤] وأشار به إلى الرَّدِّ على من قال: لا يقضي بإقرار الخصم حتَّى يدعوَ شاهدينِ يحضران إقراره (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة: (إِذَا أَقَرَّ) زانٍ (مَرَّةً) واحدةً (عِنْدَ الحَاكِمِ؛ رُجِمَ) بغير بيِّنةٍ، ولا إقرار أربعًا (وَقَالَ الحَكَمُ) -بفتحتين- ابن عُتَيبة فقيه الكوفة أيضًا: لا يُرجَم حتَّى يُقِرَّ (أَرْبَعًا) وصل القولينِ ابنُ أبي شيبة من طريق شعبة.

стр. 12392

٧١٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) إمام أهل مصر، ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث بن سعدٍ» (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين (بنِ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، مولى أبي أيُّوب الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث الأنصاريَّ الخزرجيَّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ) بضمِّ الحاء المهملة ونونين أولاهما مفتوحة بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ: (مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ) بفتح السِّين المهملة واللَّام، بعدها موحَّدةٌ: ما معه من المال ومن الثِّياب والأسلحة وغيرهما، قال أبو قتادة: (فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ) لأطلب (بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ) قتلتُه ولأبي ذرٍّ: «على قَتيليْ» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي) على قتله (فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ) لم يُسَمَّ، أو هو أسود بن خزاعيٍّ الأسلميُّ؛ كما عند الواقديِّ: (سِلَاحُ هَذَا القَتِيلِ (١) الَّذِي يَذْكُرُ) أبو قتادة (٢) (عِنْدِي) وفي

стр. 12393

«الخُمُس» من «الجهاد» [خ¦٣١٤٢] فقال رجلٌ: صدق يا رسول الله، وسَلَبُه عندي (قَالَ) ﷺ للرُّجل (١): (فَأَرْضِهِ مِنْهُ) بقطع الهمزة وكسر الهاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «منِّي» (٢) (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (كَلَّا): كلمة ردعٍ (لَا يُعْطِهِ) -بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الطَّاء المهملة والهاء- أبو قتادة (٣) (أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الصَّاد المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ مكسورةٌ فغينٌ معجمةٌ، منصوبٌ مفعولٌ ثانٍ لـ «يُعْطه»: نوعٌ من الطَّير، ونباتٌ ضعيفٌ كالثُّمام، ولأبي ذرٍّ: «أُضَيبِعً (٤)» بالضَّاد المعجمة والعين المهملة المنصوبة المنوَّنة في «اليونينيَّة»، تصغير الضَّبع (وَيَدَعَ (٥) أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ) بضمِّ الهمزة وسكون السِّين المهملة، وكأنَّه لمَّا عظَّم أبا قتادة بأنَّه أسدٌ من أسد الله؛ صغَّر ذلك القرشيَّ، وشبَّهه بالأُضيبع؛ لضعف افتراسه بالنِّسبة إلى الأسد (يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ) في موضع نصبٍ صفة «أسدًا» (قَالَ) أبو قتادة: (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) الرَّجل الذي عنده السَّلَب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقام رسول الله ﷺ »، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فعلم (٦) رسول الله ﷺ » أي: أنَّ السَّلَب لي (فَأَدَّاهُ إِلَيَّ) بتشديد الياء، فأخذتُه فبِعتُه من حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواقٍ (فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا) بكسر الخاء المعجمة وفتح الرَّاء مخفَّفةً وبعد الألف فاٌء، أي (٧): بستانًا (فَكَانَ) هو (أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بمثلَّثةٍ مشدَّدةٍ: اتَّخذتُه أصل المال واقتنيته، وإنَّما حكم ﷺ بذلك مع طلبه أوَّلًا البيِّنة؛ لأنَّ الخصم اعترف، مع أنَّ المال لرسول الله ﷺ يعطيه من يشاء. والحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢١٠٠] و «الخمس» [خ¦٣١٤٢].

стр. 12394

قال المؤلِّف: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن صالحٍ كاتب اللَّيث بن سعدٍ، وللكشميهنيِّ: «قال لي عبد الله» (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام: (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَدَّاهُ) أي: السَّلب (إِلَيَّ) بتشديد الياء، وفيه تنبيهٌ على أنَّ رواية قتيبة لو كانت «فقام» لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنًى، قال بعضهم: وليس في إقرار ماعزٍ عنده ﷺ ، ولا حكمه بالرَّجم دون أن يشهد من حضره، ولا في إعطائه السَّلب لأبي قتادة: حجَّةٌ للقضاء بالعلمِ؛ لأنَّ ماعزًا إنَّما أقرَّ بحضرة الصَّحابة؛ إذ من المعلوم أنَّه ﷺ لا يقعد وحده، فلم يحتجْ ﷺ أن يُشهِدهم على إقراره؛ لسماعهم منه ذلك، وكذلك قصَّة أبي قتادة (وَقَالَ أَهْلُ الحِجَازِ) مالكٌ ومن تبعه في ذلك: (الحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي) وقت (وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا) لوجود التُّهمة، ولو فُتِح هذا الباب؛ لَوَجَد قاضي السُّوء سبيلًا إلى قتل عدوِّه وتفسيقه والتَّفريق بينه وبين من يحبُّه (١)، ومن ثمَّ قال الشَّافعيُّ: لولا قضاة السُّوء؛ لقلت: إنَّ للحاكم أن يحكم بعلمه (وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ) أي: عند الحاكم (لآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الضَّاد المعجمة (-فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ- حَتَّى يَدْعُوَ) الحاكم (بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ) أي: إقرار الخصم، وهذا قول ابن القاسم وأشهب (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِرَاقِ) أبو حنيفة ومن تبعه (٢): (مَا سَمِعَ) القاضي (أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ؛ قَضَى بِهِ، وَمَا كَانَ في غَيْرِهِ) غير مجلس القضاء (لَمْ يَقْضِ) فيه (إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ) يُحضِرهما إقراره، ووافقهم مطرِّفٌ وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكيَّة. (وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ) من أهل العراق، أبو يوسف ومن تبعه: (بَلْ يَقْضِي بِهِ) بدون شاهدين (لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ) بفتح الميم الثَّانية (وَإِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأنَّه» (يُرَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ، فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ) «أكثر» بالمثلَّثة. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أي: بعض أهل العراق: (يَقْضِي) القاضي (بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوَالِ، وَلَا يَقْضِي) بعلمه (فِي غَيْرِهَا) فلو رأى رجلًا يزني مثلًا؛ لم يقضِ بعلمه حتَّى تكون بيِّنةٌ تشهد بذلك عنده، وهو منقولٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف (وَقَالَ القَاسِمُ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃؛ لأنَّه إذا أُطلِق يكون المراد، لكن رأيت في هامش فرع «اليونينيَّة» وأصلها أنَّه:

стр. 12395

«ابن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ» فيما قاله أبو ذرٍّ الحافظ، وقال في «الفتح»: كنت أظنُّه ابن محمَّد بن أبي بكر؛ لأنَّه إذا أُطلِق في الفروع الفقهيَّة انصرف الذِّهن إليه، لكن رأيت في روايةٍ عن أبي ذرٍّ أنَّه ابن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ، فإن كان كذلك؛ فقد خالف أصحابه الكوفيِّين، ووافق أهل المدينة في هذا الحكم، وتعقَّبه العينيُّ فقال: الكلام في صحَّة رواية أبي ذرٍّ على أنَّ هذه المسألة فقهيَّةٌ، وحيثما أُطلِق؛ فالمراد (١) به: ابن محمَّد بن أبي بكرٍ، ولئن سلَّمنا صحَّة رواية أبي ذرٍّ؛ فإطباق الفقهاء على أنَّه إذا أُطلِق يراد به: ابن محمَّد بن أبي بكر (٢) أرجحُ من كلام غيرهم؛ كذا قال؛ فليتأمَّل، ومقول قول القاسم: (لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يَقْضيَ» بفتح التَّحتيَّة وبالقاف بدل الميم (قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ) بالمثلَّثة (مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (فِيهِ) أي: في القضاء بعلمه دون بيِّنةٍ (تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ) الفاسدة به، و «إيقاعًا» نُصِبَ عطفًا على «تعرُّضًا»، ولأبي (٣) الوقت: «ولكنْ» بالتَّخفيف «فيه تعرُّضٌ» بالرَّفع، مبتدأٌ خبره قوله: «فيه» مقدَّمًا، «وإيقاعٌ» عطفٌ على «تعرُّضٌ»، أو نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ معه، والعامل فيه متعلَّق الظَّرف (وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الظَّنَّ فَقَالَ) في الحديث اللَّاحق [خ¦٧١٧١] (إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ). ٧١٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُويسيُّ) وسقط «الأويسيُّ» لغير أبي ذرٍّ، قال (٤): (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، وسقط «ابن سعدٍ»
следующие страницы →