فيها بعلمه، وهذا وصله سفيان الثَّوريُّ في «جامعه» عن عبد الله بن شُبرمة عن الشَّعبيِّ عنه، ولم يُسمَّ الأمير (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ ﵄، فيما وصله الثَّوريُّ أيضًا، وابن أبي شيبة عن عبد الكريم الجزريِّ (١) عن عكرمة: (قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) ﵁، وكان عند عمر شهادةٌ في آية الرَّجم -وهي: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما نكالًا من الله» - أنَّها من القرآن، فلم يلحقها في المصحف بشهادته وحده: (لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا) بفتح التَّاء (عَلَى حَدٍّ زِنًى أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ) أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا، حتَّى يشهد معي غيري (فَقَالَ) عمر لعبد الرحمن: (شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ) واحدٍ (مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ عُمَرُ) ﵁ مُفصِحًا بالعلَّة لكونه لم يُلحِق آية الرَّجم بالمصحف بمجرَّد علمه وحده: (لَوْلَا أَنْ يَقُولَ الناس: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللهِ؛ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي) في المصحف، فأشار إلى أنَّ ذلك من قطع الذَّرائع؛ لئلَّا يجد حكَّام السُّوء سبيلًا إلى أن يَدَّعوا العلم لمن أحبُّوا له الحكم بشيءٍ، وقوله: «قال عمر» هو طرفٌ من حديثٍ أخرجه مالكٌ في «موطَّئِه»، وعكرمة لم يدرك عبد الرَّحمن بن عوفٍ فضلًا عن عمر، فهو مُنقطِع.
(وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَى أَرْبَعًا) أي: أقرَّ أربع مراتٍ (فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ) بإقراره (وَلَمْ يُذْكَرْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الكاف (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْهَدَ) على ماعزٍ (مَنْ حَضَرَهُ) وقد سبق موصولًا في غير ما موضعٍ [خ¦٦٨٢٤] وأشار به إلى الرَّدِّ على من قال: لا يقضي بإقرار الخصم حتَّى يدعوَ شاهدينِ يحضران إقراره (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة: (إِذَا أَقَرَّ) زانٍ (مَرَّةً) واحدةً (عِنْدَ الحَاكِمِ؛ رُجِمَ) بغير بيِّنةٍ، ولا إقرار أربعًا (وَقَالَ الحَكَمُ) -بفتحتين- ابن عُتَيبة فقيه الكوفة أيضًا: لا يُرجَم حتَّى يُقِرَّ (أَرْبَعًا) وصل القولينِ ابنُ أبي شيبة من طريق شعبة.
стр. 12392
٧١٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) إمام أهل مصر، ولأبي ذرٍّ: «اللَّيث بن سعدٍ» (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين (بنِ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، مولى أبي أيُّوب الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ) نافع (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث الأنصاريَّ الخزرجيَّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ) بضمِّ الحاء المهملة ونونين أولاهما مفتوحة بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ: (مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ) بفتح السِّين المهملة واللَّام، بعدها موحَّدةٌ: ما معه من المال ومن الثِّياب والأسلحة وغيرهما، قال أبو قتادة: (فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ) لأطلب (بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ) قتلتُه ولأبي ذرٍّ: «على قَتيليْ» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي) على قتله (فَجَلَسْتُ، ثُمَّ بَدَا لِي، فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ) لم يُسَمَّ، أو هو أسود بن خزاعيٍّ الأسلميُّ؛ كما عند الواقديِّ: (سِلَاحُ هَذَا القَتِيلِ (١) الَّذِي يَذْكُرُ) أبو قتادة (٢) (عِنْدِي) وفي
стр. 12393
«الخُمُس» من «الجهاد» [خ¦٣١٤٢] فقال رجلٌ: صدق يا رسول الله، وسَلَبُه عندي (قَالَ) ﷺ للرُّجل (١): (فَأَرْضِهِ مِنْهُ) بقطع الهمزة وكسر الهاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «منِّي» (٢) (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (كَلَّا): كلمة ردعٍ (لَا يُعْطِهِ) -بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الطَّاء المهملة والهاء- أبو قتادة (٣) (أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الصَّاد المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ مكسورةٌ فغينٌ معجمةٌ، منصوبٌ مفعولٌ ثانٍ لـ «يُعْطه»: نوعٌ من الطَّير، ونباتٌ ضعيفٌ كالثُّمام، ولأبي ذرٍّ: «أُضَيبِعً (٤)» بالضَّاد المعجمة والعين المهملة المنصوبة المنوَّنة في «اليونينيَّة»، تصغير الضَّبع (وَيَدَعَ (٥) أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللهِ) بضمِّ الهمزة وسكون السِّين المهملة، وكأنَّه لمَّا عظَّم أبا قتادة بأنَّه أسدٌ من أسد الله؛ صغَّر ذلك القرشيَّ، وشبَّهه بالأُضيبع؛ لضعف افتراسه بالنِّسبة إلى الأسد (يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ) في موضع نصبٍ صفة «أسدًا» (قَالَ) أبو قتادة: (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) الرَّجل الذي عنده السَّلَب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقام رسول الله ﷺ »، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فعلم (٦) رسول الله ﷺ » أي: أنَّ السَّلَب لي (فَأَدَّاهُ إِلَيَّ) بتشديد الياء، فأخذتُه فبِعتُه من حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواقٍ (فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا) بكسر الخاء المعجمة وفتح الرَّاء مخفَّفةً وبعد الألف فاٌء، أي (٧): بستانًا (فَكَانَ) هو (أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بمثلَّثةٍ مشدَّدةٍ: اتَّخذتُه أصل المال واقتنيته، وإنَّما حكم ﷺ بذلك مع طلبه أوَّلًا البيِّنة؛ لأنَّ الخصم اعترف، مع أنَّ المال لرسول الله ﷺ يعطيه من يشاء.
والحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢١٠٠] و «الخمس» [خ¦٣١٤٢].
стр. 12394
قال المؤلِّف: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن صالحٍ كاتب اللَّيث بن سعدٍ، وللكشميهنيِّ: «قال لي عبد الله» (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام: (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَدَّاهُ) أي: السَّلب (إِلَيَّ) بتشديد الياء، وفيه تنبيهٌ على أنَّ رواية قتيبة لو كانت «فقام» لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنًى، قال بعضهم: وليس في إقرار ماعزٍ عنده ﷺ ، ولا حكمه بالرَّجم دون أن يشهد من حضره، ولا في إعطائه السَّلب لأبي قتادة: حجَّةٌ للقضاء بالعلمِ؛ لأنَّ ماعزًا إنَّما أقرَّ بحضرة الصَّحابة؛ إذ من المعلوم أنَّه ﷺ لا يقعد وحده، فلم يحتجْ ﷺ أن يُشهِدهم على إقراره؛ لسماعهم منه ذلك، وكذلك قصَّة أبي قتادة (وَقَالَ أَهْلُ الحِجَازِ) مالكٌ ومن تبعه في ذلك: (الحَاكِمُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ فِي) وقت (وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا) لوجود التُّهمة، ولو فُتِح هذا الباب؛ لَوَجَد قاضي السُّوء سبيلًا إلى قتل عدوِّه وتفسيقه والتَّفريق بينه وبين من يحبُّه (١)، ومن ثمَّ قال الشَّافعيُّ: لولا قضاة السُّوء؛ لقلت: إنَّ للحاكم أن يحكم بعلمه (وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ) أي: عند الحاكم (لآخَرَ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الضَّاد المعجمة (-فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ- حَتَّى يَدْعُوَ) الحاكم (بِشَاهِدَيْنِ فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ) أي: إقرار الخصم، وهذا قول ابن القاسم وأشهب (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِرَاقِ) أبو حنيفة ومن تبعه (٢): (مَا سَمِعَ) القاضي (أَوْ رَآهُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ؛ قَضَى بِهِ، وَمَا كَانَ في غَيْرِهِ) غير مجلس القضاء (لَمْ يَقْضِ) فيه (إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ) يُحضِرهما إقراره، ووافقهم مطرِّفٌ وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكيَّة. (وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ) من أهل العراق، أبو يوسف ومن تبعه: (بَلْ يَقْضِي بِهِ) بدون شاهدين (لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ) بفتح الميم الثَّانية (وَإِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأنَّه» (يُرَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الحَقِّ، فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ) «أكثر» بالمثلَّثة. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) أي: بعض أهل العراق: (يَقْضِي) القاضي (بِعِلْمِهِ فِي الأَمْوَالِ، وَلَا يَقْضِي) بعلمه (فِي غَيْرِهَا) فلو رأى رجلًا يزني مثلًا؛ لم يقضِ بعلمه حتَّى تكون بيِّنةٌ تشهد بذلك عنده، وهو منقولٌ عن أبي حنيفة وأبي يوسف (وَقَالَ القَاسِمُ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃؛ لأنَّه إذا أُطلِق يكون المراد، لكن رأيت في هامش فرع «اليونينيَّة» وأصلها أنَّه:
стр. 12395
«ابن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ» فيما قاله أبو ذرٍّ الحافظ، وقال في «الفتح»: كنت أظنُّه ابن محمَّد بن أبي بكر؛ لأنَّه إذا أُطلِق في الفروع الفقهيَّة انصرف الذِّهن إليه، لكن رأيت في روايةٍ عن أبي ذرٍّ أنَّه ابن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ، فإن كان كذلك؛ فقد خالف أصحابه الكوفيِّين، ووافق أهل المدينة في هذا الحكم، وتعقَّبه العينيُّ فقال: الكلام في صحَّة رواية أبي ذرٍّ على أنَّ هذه المسألة فقهيَّةٌ، وحيثما أُطلِق؛ فالمراد (١) به: ابن محمَّد بن أبي بكرٍ، ولئن سلَّمنا صحَّة رواية أبي ذرٍّ؛ فإطباق الفقهاء على أنَّه إذا أُطلِق يراد به: ابن محمَّد بن أبي بكر (٢) أرجحُ من كلام غيرهم؛ كذا قال؛ فليتأمَّل، ومقول قول القاسم: (لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِيَ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يَقْضيَ» بفتح التَّحتيَّة وبالقاف بدل الميم (قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ) بالمثلَّثة (مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (فِيهِ) أي: في القضاء بعلمه دون بيِّنةٍ (تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِي الظُّنُونِ) الفاسدة به، و «إيقاعًا» نُصِبَ عطفًا على «تعرُّضًا»، ولأبي (٣) الوقت: «ولكنْ» بالتَّخفيف «فيه تعرُّضٌ» بالرَّفع، مبتدأٌ خبره قوله: «فيه» مقدَّمًا، «وإيقاعٌ» عطفٌ على «تعرُّضٌ»، أو نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ معه، والعامل فيه متعلَّق الظَّرف (وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الظَّنَّ فَقَالَ) في الحديث اللَّاحق [خ¦٧١٧١] (إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ).
٧١٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُويسيُّ) وسقط «الأويسيُّ» لغير أبي ذرٍّ، قال (٤): (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، وسقط «ابن سعدٍ»
стр. 12396
لغير أبي ذرٍّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، ابن عليِّ بن أبي طالبٍ الملقَّب بزين العابدين التَّابعيِّ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) ﵂ وهو معتكفٌ في المسجد (١) تزوره (فَلَمَّا رَجَعَتِ؛ انْطَلَقَ مَعَهَا) ﵊ (فَمَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُسمَّيا (فَدَعَاهُمَا) ﷺ (فَقَالَ) لهما: (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ، قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجُّبًا (٢) (قَالَ) ﵇: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ): يوسوس، فخفت أن يُوقع في قلوبكما شيئًا من الظَّنِّ الفاسد، فتأثمان (٣)، فقلته دفعًا لذلك، وعن الشَّافعيِّ أنَّه قال: أشفق عليهما من الكفر لو ظنَّا به ظنَّ التُّهمة.
وهذا الحديث مرسلٌ؛ لأنَّ عليًّا تابعيٌّ؛ ولذا عقَّبه المؤلِّف بقوله: (رَوَاهُ شُعَيْبٌ) بضمِّ الشِّين، ابن أبي حمزة، ممَّا رواه المؤلِّف في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٥] و «الأدب» [خ¦٦٢١٩] (وَابْنُ مُسَافِرٍ) هو عبد الرَّحمن بن خالد بن مسافرٍ الفهميُّ مولى اللَّيث بن سعدٍ، ممَّا وصله في «الصَّوم» [خ¦٢٠٣٨] و «فرض الخمس» [خ¦٣١٠١] (وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد (٤) الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، ممَّا وصله في «الاعتكاف» [خ¦٢٠٣٩] (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الحمصيُّ، فيما (٥) وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات»؛ أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عَلِيٍّ -يَعْنِي: ابْنَ حُسَيْنٍ-) وسقط لأبي ذرٍّ «يعني: ابن حسين» (عَنْ صَفِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ورواه عن الزُّهريِّ أيضًا معمرٌ، فاختُلِف عليه في وصله وإرساله، فسبق موصولًا في «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] ومُرسَلًا في «الخُمُس» [خ¦٣١٠١] فإن قلت: ما وجه الاستدلال بحديث صفيَّة على (٦) منع الحكم بالعلم؟ أجيب: من كونه ﷺ كره أن يقع في قلب الأنصاريَّين من وسوسة الشَّيطان شيءٌ، فمراعاة نفي التُّهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة نفي التُّهمة عمَّن هو دونه.
стр. 12397
(٢٢) (باب أَمْرِ الوَالِي إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ (١) إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَعَاصَيَا) بعينٍ وصادٍ مهملتين وتحتيَّةٍ، قال في «الفتح»: ولبعضهم بمعجمتين وموحَّدةٍ.
٧١٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا العَقَدِيُّ) بفتح العين والقاف، عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بكسر العين في الأوَّل، وضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أبا بُرْدة عامر بن عبد الله أبي موسى الأشعريَّ التَّابعيَّ (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبِي) أبا موسى الأشعريَّ (وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) ﵄ قاضيَين (إلى اليَمَنِ) قبل حجَّة الوداع، زاد في «بعث أبي موسى ومعاذٍ» أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٤١] وبعث كلَّ واحدٍ منهما على مِخْلافٍ، قال: واليمن مِخْلافان (فَقَالَ) ﷺ لهما (٢): (يَسِّرَا): خُذا بما فيه اليسر (وَلَا تُعَسِّرَا) والأخذ باليسر عينُ ترك العسر (وَبَشِّرَا) بما فيه تطييب النُّفوس (وَلَا تُنَفِّرَا) وهذا من باب المقابلة المعنوية؛ إذ الحقيقيَّة أن يقال: بشِّرا ولا تنذرا، وآنسِا ولا تنفِّرا، فجمع بينهما؛ ليعمَّ البشارة والنِّذارة، والتَّأنيس والتَّنفير، فهو من باب المقابلة المعنويَّة، قاله في «شرح المشكاة»، وسبق في المغازي [خ¦٤٣٤١] مزيدٌ لذلك (٣) (وَتَطَاوَعَا) يعني: كونا متَّفقين في الحكم ولا تختلفا، فإن اختلافكما يؤدِّي إلى اختلاف أتباعكما، وحينئذٍ تقع العداوة والمحاربة بينهم، وفيه عدم الحرج والتَّضييق في أمور الملَّة الحنيفيَّة السَّمحة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (فَقَالَ لَهُ) أي:
стр. 12398
للنَّبيِّ ﷺ (أَبُو مُوسَى) ﵁: يا رسول الله (إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا) باليمن (١) (البِتْعُ) بكسر الموحَّدة وسكون الفوقيَّة بعدها عينٌ مهملةٌ: نبيذ العسل (فَقَالَ) ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
والحديث مرسلٌ؛ لأنَّ أبا بُرْدة تابعيٌّ كما مرَّ، والحديث سبق في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٤١] ولكونه مرسلًا عقَّبه المؤلِّف بقوله: (وَقَالَ النَّضْرُ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، ابن شُمَيلٍ المازنيُّ (وَأَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود الطَّيالسيُّ (وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيُّ (وَوَكِيعٌ) بكسر الكاف، ابن الجرَّاح؛ الأربعة (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعِيدٍ) ولأبي ذرٍّ زيادةُ: «ابن أبي بردة» (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) جدِّ أبي سعيد أبي موسى الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ورواية الأوَّلَينِ والأخير في أواخر «المغازي» [خ¦٤٣٤٤] ورواية (٢) يزيد وصلها أبو عَوانة في «صحيحه».
(٢٣) (باب إِجَابَةِ الحَاكِمِ الدَّعْوَةَ) بفتح الدَّال، أي: إلى الوليمة؛ وهي الطَّعام الذي يُعمَل في العُرس (وَقَدْ أَجَابَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) ﵁ (عَبْدًا) لم يُسَمَّ (لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) دعاه وهو صائم وقال: أردتُ أن أُجيب الدَّاعي وأدعوَ بالبركة؛ كذا وصله أبو (٣) محمَّد ابن صاعدٍ وفي «زوائد البرِّ والصِّلة» لابن المبارك بسندٍ صحيحٍ، وسقط «ابن عفَّان» لغير أبي ذرٍّ.
٧١٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: فُكُّوا العَانِيَ) وهو الأسير في أيدي الكفَّار (وَأَجِيبُوا الدَّاعِيَ) إلى الطَّعام، وظاهره العموم في العرس وغيره، وفي «أبي داود» من حديث ابن عمر: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسًا كان أو غيره»، وبه قال بعض
стр. 12399
الشَّافعيَّة، وهل الإجابة لوليمة العرس سنَّةٌ أو واجبةٌ؟ الصَّحيح عند الشَّافعيَّة أنَّها سُنَّةٌ، وقيل: واجبةٌ، فإن قيل (١) بالوجوب؛ فهل هو عينٌ أو كفايةٌ؟ لكن قال العلماء: لا يُجيب الحاكم دعوة شخصٍ بعينه دون غيره من الرَّعيَّة؛ لما فيه من كسر قلب مَن لم يجبه، إلَّا إن كان له عذرٌ في ترك الإجابة؛ كرؤية منكرٍ لا يقدر على إزالته، فلو كثرت بحيث يشغله ذلك عن الحكم الذي تعيَّن عليه؛ ساغ له (٢) ألَّا يجيب، ونقل ابن بطَّالٍ عن مالكٍ: أنَّه لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدَّعوة إلَّا في الوليمة خاصَّةً، وكره مالكٌ لأهل الفضل أن يُجيبوا كلَّ من دعاهم.
(٢٤) (باب) حكم (هَدَايَا العُمَّالِ) بضمِّ العين وتشديد الميم.
٧١٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ) بن الزُّبير يقول: (أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، عبد الرَّحمن بن (٣) المنذر (السَّاعِدِيُّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ) وللأَصيليِّ: «من بني الأَسَد» بالألف واللَّام وفتح السِّين فيهما في الفرع،
стр. 12400
والذي في الأصل السُّكون فيهما، وقال في «الفتح»: قوله: «رجلًا من أَسْدٍ» بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة كذا وقع هنا، وهو يوهم (١) أنَّه بفتح السِّين نسبةً إلى بني أسَد بن خزيمة القبيلة المشهورة، أو إلى بني أسَد بن عبد العزَّى بطنٍ من قريشٍ، وليس كذلك، قال: وإنَّما قلت: إنَّه يوهمه؛ لأنَّ الأَزْد ملازمةٌ الألف واللَّام في الاستعمال اسمًا وانتسابًا؛ بخلاف بني أَسَدٍ؛ فبغير ألفٍ ولامٍ في الاسم، وللأَصيليِّ هنا بزيادة الألف واللَّام، ولا إشكال فيها مع سكون السِّين، وفي «الهبة» [خ¦٢٥٩٧] استعمل رجلًا من الأَزْد، أي: بالزَّاي، وذكر (٢) أنَّ أصحاب الأنساب ذكروا أنَّ في الأزد بطنًا يُقال لهم: بنو الأسَد -بالتَّحريك- ينسبون إلى أَسَد ابن شُرَيكٍ -بالمعجمة مُصغَّرًا- ابن مالكٍ بن عمرو بن مالك بن فَهْمٍ، وبنو فَهْم بطنٌ شهيرٌ من الأزد (٣)، فيُحتمَل أن يكون ابن الأُتبيَّة كان منهم، فيصحُّ أن يقال: فيه الأَزْديُّ؛ بسكون الزَّاي، والأسْدَيُّ؛ بسكون السِّين وفتحها، من بني أسَد بفتح السِّين (٤)، ومن بني الأزْد (٥) و (٦) الأسْد بالسُّكون فيهما لا غير. انتهى. والرَّجل (يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَْبِيَّةِ) بضمِّ الهمزة وفتح الفوقيَّة وسكونها وكسر الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، قيل: هو اسم أمِّه، واسمه: عبد الله فيما ذكره ابن سعدٍ وغيره (عَلَى صَدَقَةٍ) أي: صدقات بني سُليمٍ كما سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٥٠٠] وقال العسكريُّ: إنَّه بُعِثَ على صدقات بني ذُبيان، فلعلَّه كان على القبيلتين (فَلَمَّا قَدِمَ) أي: جاء إلى المدينة من عمله؛ حاسبه النَّبيُّ (٧) ﷺ (قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي (٨)) بضمِّ الهمزة (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ -قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (أَيْضًا: فَصَعِدَ) بكسر العين، بدل قوله الأوَّل: فقام (المِنْبَرَ (٩) - فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ) على
стр. 12401
العمل (فَيَأْتِي يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «فيقول»: (هَذَا لَكَ) بلفظ الإفراد (وَهَذَا لِي؟ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) وفي «الهبة» [خ¦٢٥٩٧] «أو بيت أمِّه» (فَيَنْظُرَُ) برفع الرَّاء، ولأبي ذرٍّ بنصبها (أَيُهْدَى لَهُ) بفتح الهمزة وضمِّ التَّحتيَّة وفتح الدَّال (أَمْ لَا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ) من مال الصَّدقة يحوزه لنفسه، وفي «الهبة»: «لا يأخذ أحدٌ منه شيئًا» [خ¦٢٥٩٧] (إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) حال كونه (يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ) بضمِّ الرَّاء وفتح الغين المعجمة، مهموزٌ: له صوتٌ (أَوْ) كان المأخوذ (بَقَرَةً لَهَا جُؤَارٌ) بجيمٍ مضمومةٍ فهمزةٍ، وفي روايةٍ بالخاء المعجمة بعدها واوٌ: صوتٌ (أَوْ) كان (شَاةً تَيْعَرُ) بمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ فتحتيَّةٍ ساكنةٍ فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ: تصوِّت شديدًا (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبِطَيْهِ) بضمِّ العين المهملة وسكون الفاء وفتح الرَّاء، و «إِبطَيه» -بكسر الموحَّدة وفتح الطَّاء المهملة، بالتَّثنية فيهما- بياضهما المشوب بالسُّمرة، يقول: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (هَلْ بَلَّغْتُ؟) بتشديد اللَّام، أي: قد بلَّغت حكم الله إليكم، أو «هل» للاستفهام التَّقريريِّ؛ للتَّأكيد، وفي «باب ليبلِّغ الشَّاهد الغائب» [خ¦١٠٥] «قال: ألا هل بلَّغت؟» (ثَلَاثًا، قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالسَّند السَّابق: (قَصَّهُ) أي: الحديث (عَلَيْنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (وَزَادَ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، وهو من مقول سفيان أيضًا (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) السَّاعديِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ) بالتَّثنية (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِي) بالإفراد، أي: أعلمه علمًا يقينًا لا شكَّ فيه (وَسَلُوا) بفتح المهملة وضمِّ اللَّام، وبسكون (٢) المهملة بعدها همزةٌ (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ سَمِعَهُ) ولأبي ذرٍّ: «سَمِعَ» (مَعِي) بفتح السِّين وكسر الميم (٣) على الرِّوايتين، قال سفيان أيضًا: (وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (سَمِعَ أُذُنِي).
قال المؤلِّف: (خُوَارٌ) بالخاء المعجمة المضمومة: (صَوْتٌ، وَالجُؤَارُ) بضمِّ الجيم وهمزة
стр. 12402
مفتوحة آخره راءُ: (مِنْ تَجْأَرُونَ؛ كَصَوْتِ البَقَرَةِ) وفي رواية: «البقر»؛ بحذف التَّاء، قال تعالى: ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] أي: يرفعون أصواتهم؛ كما يجأر الثَّور، والحاصل: أنَّه بالجيم للبقر والنَّاس، وبالخاء للبقر وغيرها من الحيوان، وهذا ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنيِّ دون غيره.
وفي الحديث: أنَّ ما يُهدى للعمَّال وخَدَمة السُّلطان بسبب السَّلطنة يكون لبيت المال إلَّا إن أباح له الإمام قبول الهديَّة لنفسه؛ كما في قصَّة معاذٍ ﵁ السَّابق التَّنبيهُ عليها في «الهبة» [خ¦٢٥٩٧].
(٢٥) (باب اسْتِقْضَاءِ المَوَالِي) أي: توليتهم القضاء (وَاسْتِعْمَالِهِمْ) على البلاد.
٧١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ) السَّهميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (أَنَّ نَافِعًا) مولى ابن عمر (أَخْبَرَهُ: أَنَّ) مولاه (ابْنَ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ) هو ابن عبيدٍ أو ابن معقلٍ (مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) بن عتبة بن ربيعة القرشيِّ، قال البخاريُّ في «تاريخه»: يُعرَف به، ومولاته امرأةٌ من الأنصار (يَؤُمُّ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة (وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ) بالصَّرف (فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) (وَعُمَرُ) بن الخطَّاب (وَأَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الأسد المخزوميُّ، زوج أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين قبل النَّبيِّ ﷺ (وَزَيْدٌ) أي: ابن حارثة، قاله في «الفتح»، وقال في «الكواكب»: هو زيد بن الخطَّاب العدويُّ من المهاجرين الأوَّلين، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّه الصَّواب (وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) العَنَزيُّ -بفتح المهملة والنُّون بعدها زايٌ- مولى عمر ﵃، وكان زيدٌ أكثرهم قرآنًا (٢)، وفي «البخاريِّ» [خ¦٣٧٥٨]
стр. 12403
و «مسلم» و «التِّرمذيِّ» و «النَّسائيِّ» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: «خذوا القرآن من أربعةٍ؛ من ابن مسعودٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وأُبيِّ بن كعبٍ، ومعاذ بن جبلٍ»، ومن طريق ابن المبارك في «كتاب الجهاد» له عن حنظلة بن أبي سفيان عن ابن سابطٍ: أنَّ عائشة ﵂ احْتَبست عن (١) النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «ما حَبَسَك؟» قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذكرت من حُسْنِ قراءته، فأخذ رداءه وخرج، فإذا هو سالمٌ مولى أبي حذيفة، فقال: «الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مثلك»، وأخرجه أحمد والحاكم في «مستدركه»، فكان سبب تقديمه في إمامة الصَّلاة مع كونه من الموالي على من ذُكِر القراءة، ومَن كان رضًا في أمر الدِّين؛ فهو رضًا في أمور الدُّنيا، فيجوز أن يُولَّى (٢) القضاء، والإمرة على الحرب، وجباية الخراج، لا الإمامة العظمى؛ إذ شرطها كون الإمام قرشيًّا.
والحديث من أفراده، وسبق ما فيه في «باب إمامة الموالي» من «الصَّلاة» [خ¦٦٩٢] ولم يقل هناك: فيهم (٣) أبو بكر … إلى آخره، فاستُشكِل؛ لتصريحه هناك بأنَّ ذلك كان (٤) قبل مقدمه ﷺ المدينة، وكان أبو بكر رفيقه ﵊، فكيف ذكره فيهم؟ وأجاب البيهقيُّ باحتمال أن يكون سالمٌ (٥) استمرَّ على الصَّلاة بعد أن تحوَّل النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيُّوب قبل بناء مسجده بها، فيُحتَمل أن يقال: كان أبو بكر يصلِّي خلفه إذا جاء إلى قباء، قال في «الفتح»: ولا يخفى ما فيه.
(٢٦) (باب العُرَفَاءِ لِلنَّاسِ) بضمِّ العين وفتح الرَّاء بعدها فاءٌ، جمع عريفٍ: الذي يتولَّى أمر سياستهم وحفظ أمورهم، وسُمِّي به؛ لأنَّه يتعرَّف أمورهم حتَّى يُعرِّف بها مَن فوقه عند الحاجة لذلك.
стр. 12404
٧١٧٦ - ٧١٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عقبة بن أبي (١) عيَّاش (عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ) كلاهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ) أي: حين أذن المسلمون له ﷺ ومن معه أو من أقامه (فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ) وكانوا جاؤوه مسلمين، وسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لأصحابه: «إنِّي قد (٢) رأيت أن أردَّ إليهم (٣) سَبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطَيِّب بذلك فليفعل، ومن أحبَّ منكم (٤) أن يكون على حظِّه حتَّى نعطيه إيَّاه من أوَّل ما يفيء الله علينا فليفعل»، فقال الناس: قد طيَّبنا (٥) ذلك (فَقَالَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ (٦)) في ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيكم» (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) أي: العرفاء (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) له ﷺ أن يعتق السَّبي، و «طيَّبوا» بتشديد التَّحتيَّة، أي: حملوا أنفسهم على ترك السَّبايا حتَّى طابت بذلك، وفيه -كما قال ابن بطَّالٍ- مشروعيَّة إقامة العرفاء؛ لأنَّ الإمام لا يُمكِنه أن يُباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه؛ ليكفيه ما يقيمه فيه.
стр. 12405
والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٣١٨].
(٢٧) (باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ثَنَاءِ) أحدٍ من النَّاس على (السُّلْطَانِ) بحضرته (وَإِذَا خَرَجَ) ذلك المُثْني من عنده (قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) من الهَجْو والمساوئ.
٧١٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيدٍ أنَّه قال: (قَالَ أنَاسٌ) منهم عروة بن الزُّبير؛ كما في «جزء أبي مسعود بن الفرات»، وأبو (١) إسحاق الشَّيبانيُّ، وأبو الشَّعثاء؛ كما عند الطَّبرانيِّ في «الأوسط» (لاِبْنِ عُمَرَ (٢): إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا) -بالإفراد- هو الحجَّاج بن يوسف؛ كما في «الغيلانيَّات»، وللطَّيالسيِّ عن عاصمٍ: «على سلاطيننا» بالجمع (فَنَقُولُ لَهُمْ) من الثَّناء عليهم (خِلَافَ مَا) ولأبي ذرٍّ: «بخلاف ما» (نَتَكَلَّمُ) به (٣) فيهم من الذَّمِّ (إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ) وعند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشَّعثاء قال: دخل قومٌ على ابن عمر، فوقعوا في يزيد بن معاوية، فقال: أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل نمدحهم ونُثني عليهم، وفي رواية عروة ابن الزُّبير عند (٤) الحارث بن أبي أسامة والبيهقيِّ قال: أتيت ابن عمر فقلت: إنَّا نجلس إلى (٥) أئمَّتنا هؤلاء، فيتكلَّمون بشيءٍ نعلم أنَّ الحقَّ غيره، فنصدِّقهم (قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا) بضمِّ العين، أي: الفَعْلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «نعدُّ هذا» أي: الفِعْلَ (نِفَاقًا) على عهد رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه إبطان أمرٍ وإظهار آخر، ولا يراد به أنَّه كفرٌ، ولا يعارضه قولُه ﵊
стр. 12406
للذي استأذن عليه: «بئس أخو العشيرة» [خ¦٦٠٣٢] ثمَّ تلقَّاه بوجهٍ طلقٍ وترحيبٍ؛ إذ لم يقل له خلاف ما قاله عنه، بل أبقاه على القول الأوَّل عند السَّامع؛ قصدًا للإعلام بحاله، ثمَّ تفضَّل عليه بحسن اللِّقاء للاستئلاف.
٧١٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) بفتح الحاء المهملة، المصريِّ من صغار التَّابعين (عَنْ عِرَاكٍ) بكسر العين المهملة وتخفيف الرَّاء، ابن مالكٍ الغفاريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنْ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ؛ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ) القوم (بِوَجْهٍ) وفي «التِّرمذيِّ» من طريق (١) أبي معاوية: «إِنَّ من شرِّ النَّاس»، ولمسلم من رواية ابن شهابٍ عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة: «تجدون من شرِّ النَّاس ذا الوجهين»، فرواية: «إنَّ شرَّ النَّاس» محمولةٌ على التي فيها «من شرِّ النَّاس»، ووصفه بكونه «شرَّ الناس» أو «من شرِّ النَّاس» مبالغةٌ في ذلك، قال القرطبيُّ: إنَّما كان ذو الوجهين شرَّ النَّاس؛ لأنَّ حاله حال المنافق؛ إذ هو متملِّقٌ بالباطل وبالكذب، مُدخِلٌ للفساد بين النَّاس، وقال النَّوويُّ: هو الذي يأتي كلَّ طائفةٍ بما يُرضيها، فيُظهِر لها أنَّه منها، ومخالفٌ لضدِّها، وصنيعه نفاقٌ محضٌ، كذبٌ وخداعٌ، وتحيُّلٌ على الاطلاع على أسرار الطَّائفتين، وهي مداهنةٌ محرَّمةٌ، قال: فأمَّا من يقصد بذلك الإصلاح بين الطَّائفتين؛ فهو محمودٌ. انتهى. وقوله: «ذو الوجهين» ليس المراد به الحقيقة، بل هو مجاز عن الجهتين، من (٢) المدحة والمذمَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾ [البقرة: ١٤] أي: إذا لقي هؤلاء المنافقون؛ المؤمنين أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة؛ غرورًا منهم للمؤمنين، ونفاقًا وتقيَّةً، وإذا انصرفوا إلى شياطينهم وساداتهم وكبرائهم ورؤسائهم من أحبار اليهود ورؤوس (٣) المشركين
стр. 12407
والمنافقين (١) ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ساخرون بالقوم.
والحديث أخرجه مسلمٌ.
(٢٨) (باب القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ) في حقوق الآدميِّين دون حقوق الله اتِّفاقًا.
٧١٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة العبديُّ (٢) البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ هِنْدَ) بغير صرفٍ؛ للتَّأنيث والعلميَّة، ولأبي ذرٍّ بالصَّرف؛ لسكون الوسط، بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمسٍ (قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬): يا رسول الله (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوجها (رَجُلٌ شَحِيحٌ) بخيلٌ مع حرصٍ، وهو أعمُّ من البخل؛ لأنَّ البخل يختصُّ بمنع المال (٣)، والشُّحُّ بكلِّ (٤) شيءٍ (وأَحْتَاجُ (٥)) بفتح الهمزة (أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ) ما يكفيني وولدي (قَالَ ﷺ ¬) لها: (خُذِي) من ماله (مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ) من غير إسرافٍ في الإطعام (٦)، وقد استدلَّ جمعٌ من العلماء من أصحاب الشَّافعيِّ وغيرهم بهذا الحديث على القضاء على الغائب، قال النَّوويُّ: ولا يصحُّ هذا الاستدلال؛ لأنَّ هذه القصَّة (٧) كانت بمكَّة وأبو سفيان حاضرٌ، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد، أو مستترًا لا يقدر عليه، أو متعذِّرًا، ولم يكن هذا الشَّرط في أبي سفيان موجودًا، فلا يكون قضاءً على الغائب، بل هو إفتاءٌ، وفي «طبقات ابن سعدٍ» بسندٍ رجاله رجال
стр. 12408
الصَّحيح من مرسل الشَّعبيِّ: أنَّ هند لمَّا بايعت وجاء قوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: قد (١) كنت أصبت (٢) من مال أبي سفيان، فقال أبو سفيان: فما أصبتِ من مالي؛ فهو حلالٌ لك (٣)، ففيه: أنَّ أبا سفيان كان حاضرًا معها (٤) في المجلس، لكن قال في «الفتح»: ويمكن تعدُّد القصَّة، وأنَّ هذا وقع لمَّا بايعت، ثمَّ جاءت مرَّةً أخرى فسألت عن الحُكْم، وتكون فهمت من الأوَّل إحلال أبي سفيان لها ما مضى، فسألت عمَّا يُستَقبل، لكن يعكِّر عليه ما في «المعرفة» لابن منده: قالت هند لأبي سفيان: إنِّي أريد أن أبايع … الحديث، وفيه: فلمَّا فرغت؛ قالت: يا رسول الله؛ إنَّ أبا سفيان رجلٌ بخيلٌ … ، إلى أن قال النَّبيُّ ﷺ : «ما تقول يا أبا سفيان؟» قال: أمَّا يابسًا؛ فلا، وأما رطبًا؛ فأحلُّه. قال في «الفتح»: والظَّاهر أنَّ المؤلِّف لم يُرِد (٥) أنَّ قصَّة هند كانت قضاءً على أبي سفيان وهو غائبٌ، بل استدلَّ بها على صحَّة القضاء على الغائب ولو لم يكن ذلك قضاءً على الغائب بشرطه، بل لمَّا كان أبو سفيان غير حاضرٍ معها في المجلس، وأذن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه قدر كفايتها؛ كان في ذلك نوعُ قضاءٍ على الغائب، فيحتاج مَنْ منعه أن يجيب عن هذا، والتَّعبير بقوله: «خُذي» يرجِّح أنَّه كان قضاءً لا فُتيا، لكنَّ تفويضَ (٦) تقدير الاستحقاق إليها (٧) في قوله: «ما يكفيك» يرجِّح أنَّه كان فتوى، ولو كان قضاءً؛ لم يفوِّضه إلى المدَّعي، وقد أجاز مالكٌ والشَّافعيُّ وجماعةٌ الحكمَ على الغائب، وقال أبو حنيفة: لا يُقْضَى عليه مطلقًا.
والحديث سبق قريبًا [خ¦٥٣٧٠].
стр. 12409
(٢٩) (باب: مَنْ قُضِيَ لَهُ) بضمِّ القاف وكسر المعجمة (بِحَقِّ أَخِيهِ) أي: خصمه، مسلمًا كان أو ذمِّيًّا أو معاهدًا أو مرتدًّا، فالأخوَّة باعتبار البشريَّة (فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّ قَضَاءَ الحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا).
٧١٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأويسيُّ الفقيه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) أي (١): ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ) هندَ (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ): منزل أمِّ سلمة، وعند أبي داود من طريق عبد الله بن رافعٍ عن أمِّ سلمة: أتى رسولَ الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم يكن لهما بيِّنةٌ إلَّا دعواهما، وفي روايةٍ له قال: يختصمان في مواريث وأشياء قد درست، وعند عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»: أنَّها كانت في أرضٍ هلك (٢) أهلها، وذهب من يعلمها، ولم يسمِّ المختصمين (٣) (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ) ﷺ (فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) أي: إنسانٌ، وسمِّي به؛ لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان، أي: إنَّما أنا بشرٌ مشاركٌ لكم في البشريَّة بالنِّسبة لعلم الغيب الذي لم يُطْلِعني الله عليه، وقال ذلك توطئةً لقوله: (وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ) فلا أعلم باطن أمره (فَلَعَلَّ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولعلَّ» (بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ) أفصح في كلامه، وأقدر (٤) على إظهار حجَّته (مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسَِبُ) بكسر السِّين وتفتح (أَنَّهُ صَادِقٌ) وهو في الباطن كاذبٌ (فَأَقْضِي) فأحكم (لَهُ بِذَلِكَ) الذي ادَّعاه لظنِّي صدقه
стр. 12410
(فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ) ذكر المسلم؛ ليكون أهول (١) على المحكوم له؛ لأنَّ وعيد غيره معلومٌ عند كلِّ أحدٍ، فذكر المسلم؛ تنبيهًا على أنَّه في حقِّه أشدُّ (فَإِنَّمَا هِيَ) أي: الحكومة أو الحالة (قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) تمثيلٌ يفهم منه شدَّة التَّعذيب على من يتعاطاه، فهو من مجاز التَّشبيه (فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا) أمر تهديدٍ لا تخيير، فهو كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] كذا قرَّره النَّوويُّ وغيره، وتُعقِّب بأنَّه إن أُريد به (٢) أنَّ كلًّا من الصِّيغتين للتَّهديد؛ فممنوعٌ، فإنَّ قوله: «أو ليتركها» للوجوب، في كلامٍ طويلٍ سبق في «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٥٨] فليراجع، فحُكْمُ الحاكمِ ينفذُ ظاهرًا لا باطنًا، فلو قضى بشيءٍ رُتِّب على أصلٍ كاذبٍ -بأنْ كان باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره- نفذ ظاهرًا لا باطنًا، فلو حكم بشهادة زورٍ بظاهري العدالة؛ لم يحصل بحكمه الحلُّ باطنًا، سواءٌ المال والنِّكاح وغيرهما، أمَّا المرتَّب على أصلٍ صادقٍ؛ فينفذ القضاء فيه باطنًا أيضًا قطعًا إن كان في محلِّ اتِّفاق المجتهدين، وعلى الأصحِّ عند البغويِّ وغيره إن كان في محلِّ اختلافهم، وإن كان الحكم لمن لا يعتقده لتتَّفق الكلمة ويتمَّ الانتفاع، فلو قضى حنفيٌّ لشافعيٍّ بشُفعة الجوار أو بالإرث بالرَّحم؛ حلَّ له الأخذ به، وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك، ولا من الدَّعوى به إذا أرادها؛ اعتبارًا بعقيدة الحاكم، ولأنَّ ذلك مجتَهدٌ فيه، والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره، ولهذا أجاز للشَّافعيِّ أن يشهد بذلك عند من يرى جوازه وإن كان خلاف اعتقاده، ولو حكم القاضي بشيءٍ، وأقام المحكوم عليه بيِّنةً تنافي دعوى المحكوم له؛ سُمِعَتْ وبطل الحكم، وفي الحديث حجَّةٌ على الحنفيَّة؛ حيث ذهبوا إلى أنَّه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ، حتَّى لو قضى بنكاح امرأةٍ بشاهدَي زورٍ؛ حَلَّ وطؤها، وأجاب بعض شرَّاح «المشارق» منهم عن الحديث بأنَّ قوله في الرِّواية الأخرى: «فأقضي له بنحو ما أسمع منه» [خ¦٧١٦٨] ظاهره يدلُّ على أنَّ ذلك فيما كان يتعلَّق (٣) بسماع الخصم من غير أن يكون هناك بيِّنةٌ أو يمينٌ، وليس الكلام فيه، وإنَّما الكلام في القضاء بشهادة الزُّور، وبأنَّ قوله ﷺ : «فمن قضيت له بحقِّ مسلمٍ … » إلى آخره شرطيَّةٌ، وهي لا تقتضي صدق المقدَّم، فيكون من باب فرض المحال؛ نظرًا إلى عدم جواز إقراره على الخطأ،
стр. 12411
ويجوز ذلك إذا تعلَّق به غرضٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] والغرض فيما نحن فيه التَّهديد والتَّقريع على اللَّسن، والإقدام على تلحين الحجج في أخذ أموال النَّاس، وبأنَّ الاحتجاج به يستلزم أنَّه ﷺ يقرُّ على الخطأ؛ لأنَّه لا يكون ما قضى به قطعةً من النَّار إلَّا إذا استمرَّ الخطأ، وإلَّا؛ فمتى فُرِضَ أنَّه يطَّلع عليه؛ فإنَّه يجب أن يبطل ذلك الحكم، ويردَّ الحقَّ لمستحقِّه، وظاهر الحديث يخالف ذلك، فإمَّا أن يسقط الاحتجاج به ويؤوَّل على ما تقدَّم، وإمَّا أن يستلزم التَّقرير على الخطأ (١) وهو باطلٌ. انتهى. وأُجيب عنِ الأوَّل بأنَّه خلاف الظَّاهر، وكذا الثَّاني، وأمَّا الثَّالث؛ فإنَّ الخطأ الذي لا يقرُّ عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لم يُوحَ إليه فيه، وليس النِّزاع فيه، وإنَّما النِّزاع في الحكم الصَّادر منه بناءً على شهادة زورٍ أو يمينٍ فاجرةٍ، فلا يسمَّى خطأً؛ للاتِّفاق على وجوب العمل بالشَّهادة وبالأيمان، وإلَّا؛ لكان الكثير من الأحكام يسمَّى خطأً، وليس كذلك، وفي الحديث: «أُمِرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها؛ عصموا منِّي دماءهم وأموالهم» [خ¦٢٥] فحكم بإسلام من تلفَّظ بالشَّهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك، وحديث: «إنِّي لم أُؤمر بالتَّنقيب على قلوب النَّاس»، وحينئذٍ فالحجَّة من الحديث ظاهرةٌ في شمول الخبر الأموالَ والعقود والفسوخ، ومن ثَمَّ قال الشَّافعيُّ: إنَّه لا فرق في دعوى حلِّ الزَّوجة لمن أقام بتزويجها شاهدَي زورٍ وهو يعلم بكذبهما، وبين منِ ادَّعى على حُرٍّ أنَّه (٢) ملكه وأقام بذلك شاهدَي زورٍ (٣) وهو يعلم حُرِّيَّته، فإذا حكم له حاكمٌ بأنَّه ملكه؛ لم يحلَّ له أن يسترقَّه بالإجماع، وقال القرطبيُّ: شنَّعوا على القائل بذلك قديمًا وحديثًا؛ لمخالفته للحديث الصَّحيح، ولأنَّ فيه صيانة المال (٤) وابتذال الفروج، وهي أحقُّ أن يُحتاط لها وتُصَان. انتهى.
والحديث سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٥٨] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٠] و «الأحكام» [خ¦٧١٦٩].
стр. 12412
٧١٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام الأعظم (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (١) (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) بضمِّ العين وسكون المثنَّاة الفوقيَّة، بعدها موحَّدةٌ، و «وقَّاصٍ» بتشديد القاف آخره مهملةٌ، وعتبة هو الذي كسر ثنيَّة النَّبيِّ ﷺ في وقعة أحدٍ ومات كافرًا (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة: (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ؛ بفتح الزَّاي وسكون الميم وتفتح، بعدها عينٌ مهملةٌ مفتوحةٌ، أي: جاريته، ولم تسمَّ، واسم ولدها: عبد الرَّحمن بن زمعة (مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ) بهمزة وصلٍ وكسر الموحَّدة، قالت عائشة ﵂: (فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ؛ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ): هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به (فَقَامَ إِلَيْهِ) إلى سعدٍ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي: وابن جاريته (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا) من التَّساوُق؛ وهو مجيء واحدٍ بعد واحدٍ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هذا (٢) (ابْنُ أَخِي) عتبة (كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُوَ) أي: الولد (لَكَ) أي: أخوك (يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ «عبد» اسم عَلَمٍ منادًى، و «ابنَ زمعة» نعتٌ واجب النَّصب؛ لأنَّه مضافٌ، و «عبد»
стр. 12413
يجوز فتحه؛ لأنَّه منعوتٌ (١) بـ «ابن» مضافٌ إلى عَلَمٍ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحب الفراش، زوجًا كان أو سيِّدًا، حرَّةً كانت أو أمةً، لكنَّ الحنفيَّة يخصُّونه بالحُرَّة، ويقولون: إنَّ ولد الأمة المستفرشة لا يلحق سيِّدها ما لم يقرَّ به (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخيبة، ولا حقَّ له في الولد، أو الرَّجم بالحجارة، وضُعِّف بأنَّه (٢) لا يُرجَم بالحجر إلَّا إذا كان مُحصَنًا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (احْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من ابن زمعة المتنازَع فيه (٣)؛ ندبًا للاحتياط، وقد ثبت نسبه وأُخوَّته لها في ظاهر الشَّرع (لِمَا) بالتَّخفيف (رَأَى) ﵊ (مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا) عبد الرَّحمن (حَتَّى لَقِيَ اللهَ تَعَالَى).
ومناسبة الحديث لسابقه: أنَّ الحكم بحسب الظَّاهر؛ حيث حكم ﷺ بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة، ثمَّ لمَّا رأى شبهه بعتبة؛ أمر سودة أن تحتجب منه احتياطًا، فأشار البخاريُّ إلى أنَّه ﷺ حكم في ابن (٤) وليدة زمعة بالظَّاهر ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمَّى ذلك خطأً في الاجتهاد، ولا هو (٥) من نوادر الاختلاف.
والحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢٠٥٣] و «المحاربين» [خ¦٦٨١٧] و «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩].
(٣٠) (بابُ الحُكْمِ فِي البِئْرِ وَنَحْوِهَا) كالحوض والدار.
стр. 12414
٧١٨٣ - ٧١٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصرٍ -بالصَّاد المهملة- المروزيُّ، وقيل: البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (وَالأَعْمَشِ) سليمان بن مهران؛ كلاهما (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا يَحْلِفُ) أحدٌ (عَلَى) موجب (يَمِينِ صَبْرٍ) بغير تنوين «يمين» على الإضافة لتاليها؛ كذا في الفرع كأصله (١) مصحَّحًا عليه؛ لما بينهما من الملابسة السَّابقة، وتُنوَّن (٢)، فـ «صبرٍ» صفةٌ له على النَّسب، أي: ذات صبرٍ، ويمين الصَّبر: هي التي (٣) يُلزِمُ الحاكم الخصم بها، وجملة (يَقْتَطِعُ مَالًا) في موضع صفةٍ ثانيةٍ لـ «يمين»، وفي روايةٍ أخرى: «يقتطِع (٤) بها مال امرئٍ مسلمٍ» [خ¦٢٣٥٦] (وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ) كاذبٌ، والجملة في موضع الحال من فاعل «يحلف» (٥) أو من ضمير «يقتطع»، أو صفةٌ لـ «يمين»؛ لأنَّ فيها ضميرين؛ أحدهما للحالف، والآخر لليمين، فبذلك صلحت أن تكون لكلِّ واحدٍ منهما (إِلَّا لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) بدون صرفٍ للصِّفة وزيادة الألف والنُّون، والشَّرط هنا موجودٌ؛ وهو انتفاء «فَعْلانة» ووجود «فَعْلى»، وذلك في صفات المخلوقين، وغضبه تعالى يُراد به ما أراده (٦) من العقوبة، أعوذ بوجه الله (٧) تعالى من عقابه وغضبه (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى، زاد في «الأيمان»: تصديقه (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الاية [آل عمران: ٧٧]) وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ … » إلى آخره.
(فَجَاءَ الأَشْعَثُ) بن قيس الكنديُّ (وَعَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (يُحَدِّثُهُمْ) زاد في «الأيمان» [خ¦٦٦٦٠] فقال: ما يحدِّثكم عبد الله؟ قالوا له: أي (٨): كان يحدِّثنا بكذا وكذا (فَقَالَ) الأشعث: (فِيَّ) بتشديد الياء (نَزَلَتْ) هذه الآية (وَفِي رَجُلٍ) اسمه: الجفْشِيْش -بالجيم والحاء والخاء
стр. 12415
وإسكان الفاء (١)، وبالشِّينين المعجمتين، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ- الحضرميِّ أو الكنديِّ، قيل: اسمه جريرٌ (خَاصَمْتُهُ فِي بِئْرٍ) كانت بيننا فجحدني (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لي: (أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لَا) يا رسول الله (قَالَ) ﷺ : (فَلْيَحْلِفْ) بالجزم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيحلفُ» بإسقاط اللَّام والرَّفع (قُلْتُ): يا رسول الله (إِذًا يَحْلِفُ) «إذًا» حرف جوابٍ، وهي تنصب الفعل المضارع بشرط أن (٢) تكون أوَّلًا؛ فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها؛ ولذا رَفَعت في (٣) نحو قولك: أنا إذًا أكرمُك. وأن يكون مستقبَلًا، فلو كان حالًا؛ وجب الرَّفع؛ نحو قولك لمن قال: جاء الحاجُّ: إذًا أفرحُ، تريد الحالة التي أنت فيها. وألَّا يُفصل بينها وبين الفعل بفاصلٍ، ما عدا القَسَم والنِّداء و «لا»، فإن دخل عليها حرف عطفٍ؛ جاز في الفعل وجهان؛ الرَّفع والنَّصب، والرَّفع أكثر؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعل هنا في الحديث إن أُريد به الحال؛ فهو مرفوعٌ (٤)، وإن أُريد به الاستقبال؛ فهو منصوبٌ، والوجهان في الفرع مصحَّحٌ عليهما، وزاد في روايةٍ أخرى: «ولا يبالي» (فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ الآيَةَ) وفي الحديث -كما قال ابن بطَّال-: أنَّ حكم الحاكم في الظَّاهر لا يُحلُّ الحرام، ولا يُبيح المحظور؛ لأنَّه ﷺ حذَّر أمَّته عقوبة من اقتطع من حقِّ أخيه شيئًا بيمينٍ فاجرةٍ، والآية المذكورة من أشدِّ وعيدٍ جاء في القرآن.
والحديث سبق في «الشُّرب» [خ¦٢٣٥٩].
(٣١) (بابُ القَضَاءِ) بإضافة «بابٍ» للاحقه (فِي كَثِيرِ المَالِ وَقَلِيلِهِ) (٥) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ»
стр. 12416
بالتَّنوين: «القضاء في قليل المال وكثيره (١) سواءٌ» بإثبات الخبر المحذوف في غير روايته.
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمِّ المعجمة والرَّاء بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ، عبد الله قاضي الكوفة: (القَضَاءُ فِي قَلِيلِ المَالِ وَكَثِيرِهِ سَوَاءٌ) قال العينيُّ: وهذا ذكره سفيان في «جامعه» عن ابن شُبرمة، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ولم يقع لي هذا الأثر موصولًا.
٧١٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ) هند ﵂ أنَّها (قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ جَلَبَةَ خِصَامٍ) بفتح الجيم واللَّام والموحَّدة: اختلاط الأصوات، ولمسلمٍ: جلبة خصمٍ (عِنْدَ بَابِهِ) منزل أمِّ سلمة (فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إليهم» (فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) البشر: الخلق، يُطلق على الجماعة والواحد؛ والمعنى: أنَّه منهم وإن زاد عليهم بالمنزلة الرفيعة، وهو ردٌّ على من زعم أنَّ من كان رسولًا؛ فإنَّه يعلم كلَّ غيبٍ حتَّى لا يخفى عليه المظلوم من الظَّالم (وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ) وفي «ترك الحيَل» [خ¦٦٩٦٧] من رواية سفيان الثَّوريِّ: «وإنَّكم تختصمون إليَّ» (فَلَعَلَّ بَعْضًا) منكم (أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ) أي: أقدر على الحجَّة (مِنْ بَعْضٍ، أَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ) ولأبي داود (٢): «على نحو ما أسمع منه» (وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ) وكذا ذمِّيٍّ (فَإِنَّمَا هِيَ) أي: الحكومة (قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) وللطَّحاويِّ والدَّارقطنيِّ: «فإنَّما نقطع له بها قطعةً من النَّار إسطامًا يأتي بها في عنقه يوم القيامة»، والإِسطام -بكسر الهمزة وسكون السِّين وفتح الطَّاء المهملتين-: القطعة، فكأنَّها للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من نارٍ» (فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا) أمر تهديدٍ.
стр. 12417
ومطابقته للتَّرجمة من (١) قوله: «فمن قضيت له» إذ هو يتناول القليل والكثير، والحديث مرَّ قربيًا [خ¦٧١٨١].
(٣٢) (بابُ) حكمُ (بَيْعِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ) من السَّفيه والغائب لتوفية دينه، أو الممتنع منه (أَمْوَالَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ) عقارهم وغير ذلك، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ ﷺ مُدَبَّرًا) بتشديد الموحَّدة المفتوحة (مِنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ) بفتح النُّون والحاء المهملة المشدَّدة، وهو نُعَيم بن عبد الله بن أَسيد بن عَبيد بن عَوف بن عَويج بن عديِّ بن كعبٍ القرشيُّ العَدَويُّ، المعروف بالنَّحَّام، قيل له ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «دخلت الجنَّة فسمعتُ نحمةً من نُعَيمٍ»؛ والنَّحمة: السَّعلة أو النَّحنحة الممدود آخرُها، وسقط قوله «مُدبَّرًا» للحَمُّويي والمُستملي، قال العينيُّ: ولفظ «الابن» زائدٌ، وقال أبو عمر بن عبد البرِّ: نُعيم (٢) ابن عبد الله النَّحَّام القرشيُّ العَدَويُّ.
٧١٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمَّد بن عبد الله بن نُمَيرٍ -بضمِّ النون مُصغَّرًا- قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، العبديُّ الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ الكوفيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بضمِّ الكاف وفتح الهاء، أبو يحيى الحضرميُّ من علماء الكوفة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ) ﵄، وسقط «ابن عبد الله» لغير أبي ذرٍّ أنَّه (قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ) هو أبو مذكورٍ (أَعْتَقَ غُلَامًا) اسمه: يعقوب كما في «مسلمٍ» (عَنْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت:
стр. 12418
«له عن» (دُبُرٍ) بضمِّ الدَّال والموحَّدة، أي: علَّق عتقه بعد موته، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عن دَيْنٍ» بفتح الدَّال وسكون التَّحتيَّة بعدها نونٌ، وهي تصحيفٌ، والمشهور الأولى (لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ) النَّبيُّ ﷺ من نُعيم بن (١) النَّحَّام (بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ) ﵊ (بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ) إلى الذي علَّق عتقه، وإنَّما باعه عليه؛ لأنَّه لم يكن له مالٌ غيره، فلمَّا رآه أنفق جميع ماله، وأنَّه تعرَّض بذلك للتَّهلكة؛ نقض عليه فعله، ولو كان لم ينفق جميع ماله؛ لم ينقض فعله، فكأنَّه كان في حكم السَّفيه؛ فلذا باع عليه ماله.
والحديث سبق في «البيوع» [خ¦٢١٤١] وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الفتن» (٢)، و (٣) ابن ماجه.
(٣٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَكْتَرِثْ) بالمثنَّاة الفوقيَّة ثمَّ المثلَّثة بينهما راءٌ مكسورةٌ: من لم يبالِ ولم يلتفتْ (بِطَعْنِ مَنْ) ولأبي الوقت (٤): «لطعن مَن» (لَا يَعْلَمُ) بفتح التَّحتيَّة (فِي الأُمَرَاءِ حَدِيثًا) يُعابوا (٥) به، فلو طعن بعلمٍ اعتُدَّ به، وإن كان بأمرٍ محتملٍ رجع إلى رأي الإمام، وسقط قوله «حديثًا» لأبوي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ.
٧١٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى (٦) بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلَمَة التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا
стр. 12419
عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) القَسْمَليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ مولى ابن عمر (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا) أي: جيشًا إلى أبنى لغزو الرُّوم مكان قتل زيد بن حارثة، وكان في ذلك البعث رؤوس المهاجرين والأنصار؛ منهم العُمرَان (وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) أي: ابن حارثة، وكان ذلك في بدء مرضه ﷺ الذي تُوفِّي فيه (فَطُعِنَ) بضمِّ الطَّاء المهملة (فِي إِمَارَتِهِ) بكسر الهمزة، وقالوا: يستعمل ﷺ هذا الغلام على المهاجرين والأنصار (وَقَالَ) ﷺ لمَّا بلغه ذلك، ولأبي ذرٍّ: «فقال» «بالفاء» بدل: «الواو»، (إِنْ تَطْعَُنُوا) بضمِّ العين في الفرع، وزاد في «اليونينيَّة» فتحها، قال الزَّركشيُّ: رجَّح بعضهم هنا ضمَّ العين (فِي إِمَارَتِهِ) أي: في إمارة أسامة (فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ) زيدٍ (مِنْ قَبْلِهِ) واستُشكل بأنَّ النُّحاة قالوا: الشَّرط سببٌ للجزاء متقدِّمٌ عليه، وههنا ليس كذلك، وأجاب في «الكواكب» بأنَّ مثله يُؤوَّل بالإخبار عندهم (١)، أي: إن طعنتم فيه؛ فأُخبركم بأنَّكم طعنتم من قبلُ في أبيه، وبلازمِه عند البيانيِّين (٢)، أي: إن طعنتم فيه؛ تأثَّمتم بذلك؛ لأنَّه لم يكن (٣) حقًّا (وَايْمُ اللهِ) بهمزة وصلٍ (إِنْ كَانَ) زيدٌ (لَخَلِيقًا) بالخاء المعجمة والقاف: لجديرًا ومستحقًّا (لِلإِمْرَةِ) بكسر الهمزة وسكون الميم ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «للإمَارة» بفتح الميم، وألفٍ بعدها، فلم يكن لطعنكم مُستنَدٌ؛ فكذا (٤) لا اعتبار بطعنكم في إمارة ولده (وَإِنْ كَانَ) زيدٌ (لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (وَإِنَّ) ابنه أسامة (هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ) واستُشكِل كون عمر بن الخطَّاب عَزَل سعدًا حين قذفه أهل الكوفة بما هو منه بريءٌ، ولم يعزل ﷺ أسامة وأباه، بل بيَّن فضلهما (٥)، وأجيب بأنَّ عمر لم يعلم من مُغيَّب سعدٍ ما علمه ﷺ من زيدٍ وأسامة؛ فكان سبب عزله قيام الاحتمال، أو رأى عمر أنَّ عزل سعدٍ أسهل من فتنةٍ يُثيرها من قام عليه من أهل الكوفة.
والحديث سبق في «باب بعث النَّبيِّ ﷺ أسامة بن زيدٍ» أواخر «المغازي» [خ¦٤٤٦٩].
стр. 12420
(٣٤) (باب الأَلَدِّ) بفتح الهمزة واللَّام وتشديد الدَّال المهملة (الخَصِمِ) بفتح (١) المعجمة وكسر المهملة (٢)، وفسَّره المؤلِّف بقوله: (وَهْوَ الدَّائِمُ فِي الخُصُومَةِ) أو المراد: الشَّديد الخصومة، فإنَّ الخَصِمَ من صيغ المبالغة، فيُحتَمل الشِّدَّة أو (٣) الكثرة، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٠٤] أي: شديد الجدال والعداوة للمسلمين، والخصام: المخاصمة، والإضافة بمعنى: «في»؛ لأنَّ «أفعل» يضاف إلى ما هو بعضه؛ تقول: زيدٌ أفضل القوم، ولا يكون الشَّخص بعض الحدث (٥)، فتقديره: ألدُّ في الخصومة. أو الخِصَام: جمع «خَصْمٍ»؛ كصَعْبٍ وصِعَابٍ، والتَّقدير: وهو أشدُّ (٦) الخصوم خصومةً (﴿لُّدًّا﴾: عُوْجًا) بضمِّ اللَّام وتشديد الدَّال، عُوْجًا: بضمِّ العين وسكون الواو بعدها جيمٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أَلَدُّ» بهمزةٍ قبل اللَّام المفتوحة «أَعْوج» بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون العين، يريد تفسير (٧) قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧] قال ابن كثيرٍ الحافظ: أي: عُوجًا عن الحقِّ، مائلون إلى الباطل، وقال ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: لا يستقيمون، وقال الضَّحَّاك: الأَلَدُّ: الخَصْم، وقال القرطبيُّ: الأَلَدُّ: الكذَّاب، وقال الحسن: صُمًّا، قال في «الفتح»: وكأنَّه تفسيرٌ باللَّازم؛ لأنَّ منِ اعوَجَّ عن الحقِّ كان كأنَّه لم يسمع، وعن ابن عبَّاسٍ: فجَّارًا، وقيل: جدلاء بالباطل.
стр. 12421
٧١٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ) الكفَّار (إِلَى اللهِ) الكافر (الأَلَدُّ الخَصِمُ) بفتح المعجمة وكسر المهملة: المعانِد، أو أبغض الرِّجال المخاصمين أعمّ من أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان الأوَّل؛ فـ «أفعل» التَّفضيل على حقيقتها (١) في العموم، وإن كان مسلمًا؛ فسبب البغض كثرةُ المخاصمة؛ لأنَّها تُفضي غالبًا إلى ما يُذَمُّ صاحبه.
والحديث سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٥٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٢٣].
(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَضَى الحَاكِمُ بِجَوْرٍ) أي: بظلمٍ (أَوْ خِلَافِ أَهْلِ العِلْمِ فَهْوَ) أي: قضاؤه (رَدٌّ) أي: مردودٌ.
٧١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غَيلان -بالغين المعجمة المفتوحة- أبو أحمد المروزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه قال: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدًا) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «عن الزُّهريِّ … » إلى آخره.
(ح) لتحويل السَّند قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (نُعَيْمٌ بْنُ حَمَّادٍ) بضمِّ النُّون وفتح العين، الرَّفَّاء -بالرَّاء والفاء المشدَّدة- المروزيُّ الأعور، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني أبو عبد الله
стр. 12422
نُعيم بن حمَّادٍ» ولغير أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: حدَّثني نُعيمٌ» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي: ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) ﵁ (إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ) -بفتح الجيم وكسر الذَّال المعجمة وفتح الميم: قبيلة من عبد قيسٍ- داعيًا لهم إلى الإسلام، لا مقاتلًا، فدعاهم إلى الإسلام (فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَقَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا) بهمزةٍ ساكنةٍ فيهما، أي: خرجنا من الشِّرك إلى دين الإسلام، فلم يكتفِ خالدٌ إلَّا بالتَّصريح بذكر الإسلام، وفَهِمَ عنهم أنَّهم عدلوا عن التَّصريح أنفةً منهم ولم ينقادوا (فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ) منهم (وَيَأْسِرُ) بكسر السِّين (وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا (١) أَسِيرَهُ، فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ) قال ابن عمر: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي) من المهاجرين والأنصار (أَسِيرَهُ) فقدمنا (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) مِن قتله الذين قالوا: صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك، قال ﵊: اللَّهمَّ؛ إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالدٌ (مَرَّتَيْنِ) وإنَّما لم يعاقبه؛ لأنَّه كان مجتهدًا، واتَّفقوا على أنَّ القاضي إذا قضى بجَورٍ أو بخلاف ما عليه أهل العلم؛ فحكمه مردودٌ، فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالدٌ؛ فالإثم ساقطٌ، والضَّمان لازمٌ، فإن كان الحكم في قتلٍ؛ فالدِّية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد، وعلى عاقلته عند الشَّافعيِّ وأبي يوسف ومحمَّد.
والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٣٣٩].
(٣٦) (باب الإِمَامِ يَأْتِي قَوْمًا فَيُصْلِحُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ليصلح» «باللَّام» بدل: «الفاء»، أي: لأجل الإصلاح (بَيْنَهُمْ).
стр. 12423
٧١٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سلمة (المَدِينِيُّ) بالتَّحتيَّة بعد الدَّال، ولأبي ذرٍّ «المَدنيُّ» بإسقاطها وفتح الدَّال (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) ﵁ (١) أنَّه (قَالَ: كَانَ قِتَالٌ) بالتَّنوين (بَيْنَ بَنِي عَمْرٍو) بفتح العين، ابن عوفٍ؛ بالفاء: قبيلةٌ (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ؛ فَأَذَّنَ بِلَالٌ) سقط لفظ «بلال» لأبي ذرٍّ، واستُشكل الإتيان بالفاء في قوله: «فأذَّن»؛ لأنَّه (٢) ليس موضعها، سواءٌ كانت «لمَّا» شرطيَّةً أو ظرفيَّةً، وأُجيب بأنَّ الجزاء محذوفٌ، وهو «جاء المؤذِّن»، والفاء للعطف عليه، وعند أبي داود عن عمرو بن عوفٍ عن حمَّادٍ: أنَّه ﷺ قال لبلالٍ: «إن حضرت صلاة العصر ولم آتِك؛ فمُرْ أبا بكر، فليصلِّ بالنَّاس»، فلمَّا حضرت العصر؛ أذَّن بلالٌ (وَأَقَامَ) الصَّلاة (وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ) ﵁ أن يصلِّي بالنَّاس؛ كما أمره النَّبيُّ ﷺ (فَتَقَدَّمَ) أبو بكرٍ وصلَّى بهم (وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، فَشَقَّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ) وليس هو من المنهيِّ عنه؛ لأنَّ الإمام يُستثنى (٣) من ذلك لا سيَّما الشَّارع؛ إذ ليس لأحدٍ التَّقدُّم عليه، ولأنَّه ليس حركةٌ من حركاته إلَّا ولنا فيها مصلحةٌ وسُنَّةٌ نقتدي بها (قَالَ) سهلٌ: (وَصَفَّحَ القَوْمُ (٤)) بفتح الصَّاد المهملة والفاء المشدَّدة بعدها حاءٌ مهملةٌ، أي: صفَّقوا؛ تنبيهًا لأبي بكرٍ على حضوره ﷺ (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ
стр. 12424
حَتَّى يَفْرُغَ) منها (فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَلَيْهِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الميم مبنيًّا للمفعول (التَفَتَ) ﵁ (فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ خَلْفَهُ) فأراد أن يتأخَّر (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (١) ﷺ ¬) زاد أبو ذرٍّ: «بيده» أي: أشار إليه بها (أَنِ امْضِهْ) أمرٌ بالمضيِّ، والهاء للسَّكت، أي: امضِ في صلاتك (وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا) أي: أشار إليه بالمكث في مكانه (وَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ) في مكانه (هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون والتَّحتيَّة المشدَّدة: زمانًا يسيرًا حال كونه (يَحْمَدُ اللهَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فحمد الله» (عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ مَشَى القَهْقَرَى) رجع إلى خلفٍ (فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ) الذي فعله أبو بكرٍ (تَقَدَّمَ) إلى موضع الإمامة (فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ؛ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ؛ مَا مَنَعَكَ إِذْ) بسكون الذَّال (أَوْمَأْتُ) أشرتُ (إِلَيْكَ) أن تمكث في مكانك (أَلَّا تَكُونَ مَضَيْتَ) في صلاتك فيه؟ (قَالَ) أبو بكرٍ ﵁: (لَمْ يَكُنْ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) ولم يقل: لم يكن لي، أو لأبي بكرٍ؛ هضمًا لنفسه وتواضعًا، وأبو قحافة كنية والد أبي بكرٍ ﵄ (وَقَالَ) ﷺ (لِلْقَوْمِ: إِذَا نَابَكُمْ) أي: أصابكم، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «رابكم» أي: سنح (٢) لكم (أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ) أي: يقولوا: سبحان الله (وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ) أي: يصفِّقن بأن يضربن بأيديهنَّ (٣) على ظهر الأخرى.
وفي الحديث جواز مباشرة الحاكم الصُّلح بين الخصوم، وجواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم إذا اضطُرَّ الأمر لذلك.
والحديث سبق في «الصَّلاة» في «باب من دخل ليؤمَّ النَّاس» [خ¦٦٨٤].
(٣٧) (بابٌ (٤) ما (٥) يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ) للحكم (أَنْ يَكُونَ أَمِينًا) في كتابته، بعيدًا عن (٦) الطَّمع، مقتصرًا على أجرة المثل (عَاقِلًا) غير مغفَّل؛ لئلَّا يُخدَع.
стр. 12425
٧١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيدٍ (أَبُو ثَابِتٍ) مولى عثمان بن عفَّان القرشيُّ المدنيُّ الفقيه، قال (١): (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بضمِّ العين في الأوَّل، وفتح المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف قافٌ، الثَّقفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الخزرجيِّ كاتب الوحي رضي الله تعالى عنه أنَّه (قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (لِمَقْتَلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٢): «مَقْتَلَ» بإسقاط اللَّام والنَّصب (أَهْلِ اليَمَامَةِ) من اليَمَنِ، وبها قُتِل مسيلمة، ومن القرَّاء سبعون أو سبع مئةٍ (وَعِنْدَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بالسِّين المهملة السَّاكنة بعدها فوقيَّةٌ فحاءٌ مهملةٌ فراءٌ مشدَّدةٌ: اشتدَّ وكثر (يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ) وسقط
стр. 12426
للكشميهنيِّ «قد» من قوله: قد استحرَّ (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) يشتدَّ (القَتْلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكر لزيدٍ: (قُلْتُ) لعمر: (كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمعُه (وَاللهِ خَيْرٌ) واستُشكل التَّعبير بـ «خير» الذي هو «أفعل» التَّفضيل؛ لأنَّه يلزم من فعلهم هذا أن يكون خيرًا من تركه في الزَّمن النَّبويِّ، وأُجيب بأنَّه خيرٌ بالنِّسبة لزمانهم، والتَّرك كان خيرًا في الزَّمن النَّبويِّ؛ لعدم تمام النُّزول واحتمال النَّسخ؛ إذ لو جُمع بين الدَّفَّتين وسارت به الرُّكبان إلى البلدان، ثم نُسِخ؛ لأدى ذلك إلى اختلافٍ عظيمٍ، قال أبو بكرٍ: (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ (١) صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (وَإِنَّكَ) يا زيدُ، وللكشميهنيِّ: «إنَّك» (رَجُلٌ) بإسقاط الواو، وأشار بقوله: (شَابٌّ) إلى حِدَّة نظره وقوَّة ضبطه (عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ذكر له أربع صفاتٍ مقتضيةٍ لخصوصيَّته بذلك؛ كونه شابًّا فيكون أنشط لذلك، وكونه عاقلًا فيكون أوعى له، وكونه لا يُتَّهم فتركنُ النَّفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسةً له، وقول ابن بطَّالٍ عن المهلَّب: «إنَّه يدلُّ على أنَّ العقل أجلُّ الخصال المحمودة؛ لأنَّه لم يوصف زيدٌ بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه ورفع (٢) التُّهمة عنه» تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ أبا بكرٍ ذكر عقب الوصف المذكور: وقد (٣) كنت تكتب الوحي، فمِن ثَمَّ اكتفى بوصفه بالعقل؛ لأنَّه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله؛ لما استكتبه النَّبيُّ ﷺ الوحي، وإنَّما وصفه بالعقل وعدم الاتِّهام دون ما عداهما (٤) إشارةً إلى استمرار ذلك له، وإلَّا؛ فمُجرَّد قوله: «لا نتَّهمك» مع قوله: «عاقلٌ» لا يكفي في ثبوت الأمانة والكفاية، فكم من بارعٍ في العقل والمعرفة وُجِدت منه الخيانة. (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واجمعه» (قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أبو بكر (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ) نقله (بِأَثْقَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِمَّا كَلَّفَنِي) به أبو بكرٍ (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ) أي: للعُمَرين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ
стр. 12427
يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ) بالمثلَّثة بعد المهملة المضمومة، ولأبي ذرٍّ: «يُحِبُّ» (مُرَاجَعَتِي) بالموحَّدة بدل المثلَّثة وضمِّ أوَّله (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي (١) رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين، آخره موحَّدةٌ: جريد النَّخل العريض المكشوط عنه الخوص المكتوب فيه (وَالرِّقَاعِ) بالرَّاء المكسورة والقاف وبعد الألف (٢) عينٌ مهملةٌ: جمع رقعةٍ من جلدٍ أو ورقٍ، وفي روايةٍ أخرى: «وقطع الأديم» (وَاللِّخَافِ) باللَّام المشدَّدة المكسورة والمعجمة وبعد الألف فاءٌ: الحجارة الرَّقيقة أو الخزف؛ كما في هذا الباب (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الذين حفظوه وجمعوه في صدورهم في حياته ﷺ كاملًا؛ كأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ (فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ) بن ثابتٍ بن الفاكِه -بالفاء والكاف المكسورة- الأنصاريِّ الأوسيِّ الذي جعل النَّبيُّ ﷺ شهادته شهادة رجلين (أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بن أبي (٣) أوسٍ بن يزيد، وهو مشهورٌ بكنيته، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ، بالشَّكِّ، وعند أحمد والتِّرمذيِّ من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن إبراهيم بن سعدٍ: مع خزيمة بن ثابتٍ، وفي رواية شعيبٍ في آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] مع خزيمة الأنصاريِّ، وفي «مسند الشَّاميِّين» من طريق أبي اليمان عند الطَّبرانيِّ: خزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، ولكنَّ قول من قال: «مع أبي خزيمة» أصحُّ، وقد اختُلِف فيه على الزُّهريِّ؛ فمنْ قائلٍ: مع أبي خزيمة، ومِنْ قائلٍ: مع خُزيمة، ومِن شاكٍّ (٤) فيه يقول: خزيمة أو أبي خزيمة، والأرجح أنَّ الذي وُجِدَ معه آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] أبو خزيمة بالكُنية، والذي معه آية الأحزاب خُزيمة، وعند (٥) أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق ابن إسحاق: حدَّثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير
стр. 12428
قال: أتى الحارث بن خَزَمة (١) إلى عمر بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] إلى آخر السُّورة، فقال: أشهد أنِّي سمعتهما (٢) من رسول الله ﷺ ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، وخَزَمة: قال في «الإصابة» (٣): بفتح المعجمة والزَّاي، ابن عديِّ بن أُبيّ غنم (٤) بن سالمٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ (فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي كتبوا فيها القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكانت» «بالفاء» بدل: «الواو»، (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) ﵄.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيد مولى عثمان بن عفَّان شيخ البخاريِّ المذكور أوَّل هذا الباب: (اللِّخَافُ) المذكور في الحديث (يَعْنِي) به: (الخَزَفَ) بالخاء والزَّاي المعجَمتين ثم فاءٍ، وفي الحديث: اتِّخاذ الحاكم الكاتبَ، وأن يكون الكاتب عاقلًا فَطِنًا مقبول الشَّهادة، ومراجعة الكاتب للحاكم في الرَّأي ومشاركته له فيه.
والحديث سبق في «براءة» [خ¦٤٦٧٩]، وغيرها.
(٣٨) (باب كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، جمع «عامل»، وهو من يولِّيه على بلدٍ يجمع (٥) خراجها أو (٦) زكاتها ونحو ذلك (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى أُمَنَائِهِ) بضمِّ الهمزة، جمع «أمينٍ»؛ وهو من يولِّيه في ضبط أموال النَّاس؛ كالجُباة.
стр. 12429
٧١٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكُلاعيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللَّامين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ. (ح) لتحويل السَّند (١) قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وحدَّثنا» بواو العطف (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ) بسكون الهاء بعد فتح السِّين، الأنصاريِّ المدنيِّ، ويقال: اسمه عبد الله (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلَّثة، ابن ساعدة بن عامرٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، صحابيٌّ صغيرٌ: (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ) أي: عظمائهم: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ) أي: ابن زيد بن كعبٍ الحارثيَّ (وَمُحَيِّصَةَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة المكسورة وفتح الصَّاد المهملة، ابن مسعود بن كعبٍ الحارثيَّ (خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ) فقرٍ شديدٍ (أَصَابَهُمْ) ليمتارَا (٢) تمرًا (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة وكسر الموحَّدة (مُحَيِّصَةُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن سهلٍ (قُتِلَ وَطُرِحَ) بضمِّ أوَّلهما (فِي فَقِيرٍ) بفتح الفاء وكسر القاف، أي: في حفيرةٍ، قال في «الصِّحاح»: والفقير: حفيرٌ يُحفَر حول الفسيلة إذا غُرِست، تقول منه: فقرت للوَدِيَّة تفقيرًا (٣) (أَوْ) قال: طُرِحَ في (عَيْنٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وعند محمَّد بن إسحاق: فوُجِد في عينٍ قد كُسِرَت عنقه (٤) و
стр. 12430
(١) طُرِحَ فيها (فَأَتَى) محيِّصة (يَهُودَ فَقَالَ) لهم: (أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ) قاله لقرائن قامت عنده، أو نُقِل إليه بخبرٍ يوجب العلم (قَالُوا) مقابلةً لليمين باليمين: (مَا قَتَلْنَاهُ وَاللهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ) محيِّصة (حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ) ذلك (وَأَقْبَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فأقبل» -بالفاء بدل الواو- محيِّصةُ (هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التَّحتيَّة مكسورةً بعدها صادٌ مهملةٌ، على (٢) رسول الله ﷺ (وَهْوَ) أي: حُويِّصة (أَكْبَرُ مِنْهُ) أي: من أخيه محيِّصة (وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو المقتول (فَذَهَبَ) أي: مُحيِّصة (لِيَتَكَلَّمَ وَهْوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ لِمُحَيِّصَةَ) ولغير أبي ذرٍّ: «فقال النَّبيُّ ﷺ لمحيِّصة» وفي روايةٍ أخرى: «فذهب عبد الرحمن يتكلَّم» فيجوز أن يكون كلٌّ من عبد الرحمن ومحيِّصة أراد أن (٣) يتكلَّم، فقال ﵊: (كَبِّرْ كَبِّرْ) أي: قدِّم الأكبر (يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ) الذي هو أسنُّ (ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ) أخوه، وفي «القسامة» [خ¦٦٨٩٨] فقالوا: يا رسول الله؛ انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ) بفتح التَّحتيَّة وتخفيف الدَّال المهملة، أي: إمَّا أن يعطي اليهودُ دِيَة صاحبكم (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ بِهِ) أي: إلى أهل خيبر بالخبر الذي نُقِل إليه (فَكُتِبَ) بضمِّ الكاف في الفرع كأصله، وفي غيرهما بفتحها، قال في «الكواكب»: أي: كتب الحيُّ المسمَّى باليهود، قال: وفيه تكلُّفٌ، وقال في «الفتح»: أي: الكاتب عنهم؛ لأنَّ الذي يباشر الكتابة (٤) واحدٌ، قال العينيُّ: وفيه تكلُّفٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكَتَبوا» أي: اليهود: (مَا قَتَلْنَاهُ) وهذه الرِّواية (٥) أوجه، وعلى رواية: «كُتِبَ» بالضَّمِّ يكون «ما قتلناه» في موضع رفعٍ، وزاد في رواية: «ولا علمنا قاتله» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أخي المقتول: (أَتَحْلِفُونَ) بهمزة الاستفهام (وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟) أي: بدل دم صاحبكم؟ فحُذِف المضاف (٦)، أو