← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.

стр. 12426

للكشميهنيِّ «قد» من قوله: قد استحرَّ (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ) يشتدَّ (القَتْلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ القُرْآنِ) قال أبو بكر لزيدٍ: (قُلْتُ) لعمر: (كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمعُه (وَاللهِ خَيْرٌ) واستُشكل التَّعبير بـ «خير» الذي هو «أفعل» التَّفضيل؛ لأنَّه يلزم من فعلهم هذا أن يكون خيرًا من تركه في الزَّمن النَّبويِّ، وأُجيب بأنَّه خيرٌ بالنِّسبة لزمانهم، والتَّرك كان خيرًا في الزَّمن النَّبويِّ؛ لعدم تمام النُّزول واحتمال النَّسخ؛ إذ لو جُمع بين الدَّفَّتين وسارت به الرُّكبان إلى البلدان، ثم نُسِخ؛ لأدى ذلك إلى اختلافٍ عظيمٍ، قال أبو بكرٍ: (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ (١) صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (وَإِنَّكَ) يا زيدُ، وللكشميهنيِّ: «إنَّك» (رَجُلٌ) بإسقاط الواو، وأشار بقوله: (شَابٌّ) إلى حِدَّة نظره وقوَّة ضبطه (عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) ذكر له أربع صفاتٍ مقتضيةٍ لخصوصيَّته بذلك؛ كونه شابًّا فيكون أنشط لذلك، وكونه عاقلًا فيكون أوعى له، وكونه لا يُتَّهم فتركنُ النَّفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسةً له، وقول ابن بطَّالٍ عن المهلَّب: «إنَّه يدلُّ على أنَّ العقل أجلُّ الخصال المحمودة؛ لأنَّه لم يوصف زيدٌ بأكثر من العقل، وجعله سببًا لائتمانه ورفع (٢) التُّهمة عنه» تعقَّبه في «الفتح» بأنَّ أبا بكرٍ ذكر عقب الوصف المذكور: وقد (٣) كنت تكتب الوحي، فمِن ثَمَّ اكتفى بوصفه بالعقل؛ لأنَّه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله؛ لما استكتبه النَّبيُّ ﷺ الوحي، وإنَّما وصفه بالعقل وعدم الاتِّهام دون ما عداهما (٤) إشارةً إلى استمرار ذلك له، وإلَّا؛ فمُجرَّد قوله: «لا نتَّهمك» مع قوله: «عاقلٌ» لا يكفي في ثبوت الأمانة والكفاية، فكم من بارعٍ في العقل والمعرفة وُجِدت منه الخيانة. (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واجمعه» (قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أبو بكر (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ) نقله (بِأَثْقَلَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِمَّا كَلَّفَنِي) به أبو بكرٍ (مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ) أي: للعُمَرين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ

стр. 12427

يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟! قَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ) بالمثلَّثة بعد المهملة المضمومة، ولأبي ذرٍّ: «يُحِبُّ» (مُرَاجَعَتِي) بالموحَّدة بدل المثلَّثة وضمِّ أوَّله (حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي (١) رَأَيَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين، آخره موحَّدةٌ: جريد النَّخل العريض المكشوط عنه الخوص المكتوب فيه (وَالرِّقَاعِ) بالرَّاء المكسورة والقاف وبعد الألف (٢) عينٌ مهملةٌ: جمع رقعةٍ من جلدٍ أو ورقٍ، وفي روايةٍ أخرى: «وقطع الأديم» (وَاللِّخَافِ) باللَّام المشدَّدة المكسورة والمعجمة وبعد الألف فاءٌ: الحجارة الرَّقيقة أو الخزف؛ كما في هذا الباب (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الذين حفظوه وجمعوه في صدورهم في حياته ﷺ كاملًا؛ كأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ (فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التوبة: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ) بن ثابتٍ بن الفاكِه -بالفاء والكاف المكسورة- الأنصاريِّ الأوسيِّ الذي جعل النَّبيُّ ﷺ شهادته شهادة رجلين (أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بن أبي (٣) أوسٍ بن يزيد، وهو مشهورٌ بكنيته، الأنصاريِّ النَّجَّاريِّ، بالشَّكِّ، وعند أحمد والتِّرمذيِّ من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ عن إبراهيم بن سعدٍ: مع خزيمة بن ثابتٍ، وفي رواية شعيبٍ في آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] مع خزيمة الأنصاريِّ، وفي «مسند الشَّاميِّين» من طريق أبي اليمان عند الطَّبرانيِّ: خزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، ولكنَّ قول من قال: «مع أبي خزيمة» أصحُّ، وقد اختُلِف فيه على الزُّهريِّ؛ فمنْ قائلٍ: مع أبي خزيمة، ومِنْ قائلٍ: مع خُزيمة، ومِن شاكٍّ (٤) فيه يقول: خزيمة أو أبي خزيمة، والأرجح أنَّ الذي وُجِدَ معه آخر «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٩] أبو خزيمة بالكُنية، والذي معه آية الأحزاب خُزيمة، وعند (٥) أبي داود في «كتاب المصاحف» من طريق ابن إسحاق: حدَّثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير

стр. 12428

قال: أتى الحارث بن خَزَمة (١) إلى عمر بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] إلى آخر السُّورة، فقال: أشهد أنِّي سمعتهما (٢) من رسول الله ﷺ ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، وخَزَمة: قال في «الإصابة» (٣): بفتح المعجمة والزَّاي، ابن عديِّ بن أُبيّ غنم (٤) بن سالمٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ (فَأَلْحَقْتُهَا فِي سُورَتِهَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ) التي كتبوا فيها القرآن، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكانت» «بالفاء» بدل: «الواو»، (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) ﵄. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن محمَّد بن زيد مولى عثمان بن عفَّان شيخ البخاريِّ المذكور أوَّل هذا الباب: (اللِّخَافُ) المذكور في الحديث (يَعْنِي) به: (الخَزَفَ) بالخاء والزَّاي المعجَمتين ثم فاءٍ، وفي الحديث: اتِّخاذ الحاكم الكاتبَ، وأن يكون الكاتب عاقلًا فَطِنًا مقبول الشَّهادة، ومراجعة الكاتب للحاكم في الرَّأي ومشاركته له فيه. والحديث سبق في «براءة» [خ¦٤٦٧٩]، وغيرها. (٣٨) (باب كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، جمع «عامل»، وهو من يولِّيه على بلدٍ يجمع (٥) خراجها أو (٦) زكاتها ونحو ذلك (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى أُمَنَائِهِ) بضمِّ الهمزة، جمع «أمينٍ»؛ وهو من يولِّيه في ضبط أموال النَّاس؛ كالجُباة.

стр. 12429

٧١٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقيُّ ثمَّ التِّنِّيسيُّ الكُلاعيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ أَبِي لَيْلَى) بفتح اللَّامين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ. (ح) لتحويل السَّند (١) قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «وحدَّثنا» بواو العطف (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ) بسكون الهاء بعد فتح السِّين، الأنصاريِّ المدنيِّ، ويقال: اسمه عبد الله (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلَّثة، ابن ساعدة بن عامرٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، صحابيٌّ صغيرٌ: (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ) أي: عظمائهم: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ) أي: ابن زيد بن كعبٍ الحارثيَّ (وَمُحَيِّصَةَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة المكسورة وفتح الصَّاد المهملة، ابن مسعود بن كعبٍ الحارثيَّ (خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ) فقرٍ شديدٍ (أَصَابَهُمْ) ليمتارَا (٢) تمرًا (فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة وكسر الموحَّدة (مُحَيِّصَةُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن سهلٍ (قُتِلَ وَطُرِحَ) بضمِّ أوَّلهما (فِي فَقِيرٍ) بفتح الفاء وكسر القاف، أي: في حفيرةٍ، قال في «الصِّحاح»: والفقير: حفيرٌ يُحفَر حول الفسيلة إذا غُرِست، تقول منه: فقرت للوَدِيَّة تفقيرًا (٣) (أَوْ) قال: طُرِحَ في (عَيْنٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، وعند محمَّد بن إسحاق: فوُجِد في عينٍ قد كُسِرَت عنقه (٤) و

стр. 12430

(١) طُرِحَ فيها (فَأَتَى) محيِّصة (يَهُودَ فَقَالَ) لهم: (أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ) قاله لقرائن قامت عنده، أو نُقِل إليه بخبرٍ يوجب العلم (قَالُوا) مقابلةً لليمين باليمين: (مَا قَتَلْنَاهُ وَاللهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ) محيِّصة (حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ) ذلك (وَأَقْبَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فأقبل» -بالفاء بدل الواو- محيِّصةُ (هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التَّحتيَّة مكسورةً بعدها صادٌ مهملةٌ، على (٢) رسول الله ﷺ (وَهْوَ) أي: حُويِّصة (أَكْبَرُ مِنْهُ) أي: من أخيه محيِّصة (وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ) أخو المقتول (فَذَهَبَ) أي: مُحيِّصة (لِيَتَكَلَّمَ وَهْوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ لِمُحَيِّصَةَ) ولغير أبي ذرٍّ: «فقال النَّبيُّ ﷺ لمحيِّصة» وفي روايةٍ أخرى: «فذهب عبد الرحمن يتكلَّم» فيجوز أن يكون كلٌّ من عبد الرحمن ومحيِّصة أراد أن (٣) يتكلَّم، فقال ﵊: (كَبِّرْ كَبِّرْ) أي: قدِّم الأكبر (يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ) الذي هو أسنُّ (ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ) أخوه، وفي «القسامة» [خ¦٦٨٩٨] فقالوا: يا رسول الله؛ انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ) بفتح التَّحتيَّة وتخفيف الدَّال المهملة، أي: إمَّا أن يعطي اليهودُ دِيَة صاحبكم (وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ بِهِ) أي: إلى أهل خيبر بالخبر الذي نُقِل إليه (فَكُتِبَ) بضمِّ الكاف في الفرع كأصله، وفي غيرهما بفتحها، قال في «الكواكب»: أي: كتب الحيُّ المسمَّى باليهود، قال: وفيه تكلُّفٌ، وقال في «الفتح»: أي: الكاتب عنهم؛ لأنَّ الذي يباشر الكتابة (٤) واحدٌ، قال العينيُّ: وفيه تكلُّفٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكَتَبوا» أي: اليهود: (مَا قَتَلْنَاهُ) وهذه الرِّواية (٥) أوجه، وعلى رواية: «كُتِبَ» بالضَّمِّ يكون «ما قتلناه» في موضع رفعٍ، وزاد في رواية: «ولا علمنا قاتله» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أخي المقتول: (أَتَحْلِفُونَ) بهمزة الاستفهام (وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟) أي: بدل دم صاحبكم؟ فحُذِف المضاف (٦)، أو

стр. 12431

«صاحبكم» معناه: غريمكم؛ فلا يحتاج إلى تقدير، والجملة فيها معنى التَّعليل؛ لأنَّ المعنى: أتحلفون لتستحقوا؟ وقد جاءتِ الواو بمعنى التَّعليل في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] المعنى: ليعفو، واستُشكِل عرض اليمين على الثَّلاثة، وإنَّما هي لأخي المقتول خاصَّةً، وأجاب في «الكواكب» بأنَّه كان معلومًا عندهم الاختصاص به، وإنَّما أُطلِق الخطاب لهم؛ لأنَّه كان لا يعمل شيئًا إلَّا بمشورتهما (١)؛ إذ هو كالولد لهما (قَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالوا»: (لَا) نحلف (قَالَ) ﷺ لهم: (أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ) أنَّهم ما قتلوه؟ (قَالُوا): يا رسول الله (لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ) وفي «الأحكام» [خ¦٦٨٩٨] قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، وفي رواية أبي قِلابة [خ¦٦٨٩٩] ما يبالون أن يقتلونا (٢) أجمعين ثمَّ يحلفون (فَوَدَاهُ) بتخفيف الدَّال المهملة من غير همزٍ: فأعطى دِيَتَه (رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ مِئَةَ نَاقَةٍ، حَتَّى أُدْخِلَتِ) النُّوق (الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ) أي: ابن أبي حَثْمة: (فَرَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ) وفي رواية محمَّد بن إسحاق: فوالله ما أنسى ناقةً بكرةً منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها، وفي «القسامة» [خ¦٦٨٩٨] فوداه مئةً من إبل الصَّدقة، ولا تنافيَ بينهما؛ لاحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصَّدقة، والمال الذي اشترى به من عنده، أو من مال بيت المال المرصد للمصالح؛ لما في ذلك من مصلحة قطع النِّزاع، وإصلاح ذات البين، وجبرًا لخاطرهم، وإلَّا؛ فاستحقاقهم لم يثبت، وقد حكى القاضي عياضٌ عن بعضهم: تجويز صرف الزَّكاة في المصالح العامَّة، وتأوَّل الحديث عليه، واستُشكِل وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ لأنَّه ليس في الحديث أنَّه ﷺ كتب إلى نائبه ولا أمينه، وإنَّما كتب إلى الخصوم أنفسِهم، وأجاب ابن المُنيِّر بأنَّه يؤخذ من مشروعيَّة مكاتبة الخصوم جواز مكاتبة النُّوَّاب في حقِّ غيرهم بطريق الأَولى، والحديث سبق في «القسامة» [خ¦٦٨٩٨]. (٣٩) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا) حال كونه (وَحْدَهُ

стр. 12432

لِلنَّظَرِ) أي: لأجل النَّظر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «ينظر» (فِي الأُمُورِ) المتعلِّقة بالمسلمين؟ وجواب الاستفهام في الحديث. ٧١٩٣ - ٧١٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئبٍ، واسمه هشام قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ أحد الفقهاء السَّبعة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن بن صخرٍ (وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) ﵄ أنَّهما (قَالَا: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) واحد الأعراب؛ وهم سكَّان البوادي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بما تضمَّنه، أو بحكم الله المكتوب على المكلَّفين (فَقَامَ خَصْمُهُ) هو في الأصل مصدرُ خَصَمه يخصِمه؛ إذا نازعه وغالبه، ثمَّ أُطلِق على المخاصِم، وصار اسمًا له؛ فلذا يطلق على المفرد والمذكَّر وفروعهما، ولم يُسَمَّ الخصم، وزاد في روايةٍ [خ¦٦٨٢٧] «وكان أفقه منه» (فَقَالَ: صَدَقَ) يا رسول الله، وفي روايةٍ [خ¦٢٧٢٤] «نعم» (فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) قال البيضاويُّ: إنَّما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنَّهما يعلمان أنَّه لا يحكم إلَّا بحكم الله؛ ليفصل بينهما بالحقِّ الصِّرف، لا بالمصالحة والأخذ بالأرفق (١)؛ لأنَّ للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين (فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) «فعيلٌ» بمعنى: «مفعول»؛ كأَسِيرٍ بمعنى: مَأْسُورٍ، وقيل: بمعنى: «فاعلٍ»؛ كعليمٍ بمعنى: عالمٍ، أي: أجيرًا (عَلَى) خدمة (هَذَا) أو «على» بمعنى: «عند» أي: عنده، أو بمعنى اللَّام، أي: أجيرًا لهذا (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ) معطوفٌ على «كان عسيفًا» ولم تُسَمَّ

стр. 12433

المرأة (فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ) بالرَّفع، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إنَّ على ابنك الرَّجَمَ» بزيادة «إنَّ» ونصب «الرَّجم» اسمها (فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ) من الرَّجم (بِمِئَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ) «فعيلةٍ» بمعنى: «مفعولةٍ»: أمَة (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَقَالُوا) لي: (إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكم الله، وهو أَولى من التَّفسير بما تضمَّنه القرآن؛ لأنَّ الحكم فيه التَّغريب، والتَّغريب ليس مذكورًا فيه. نعم؛ يُحتَمَل أن يكون أراد ما كان متلوًّا فيه، ونُسِخَت تلاوته وبقي حكمه؛ وهو: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا؛ فارجموهما ألبتَّة نكالًا من الله»، لكن يبقى التَّغريب (أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ) أي: مردودةٌ عليك (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) مصدر «غرَّب» مضافٌ إلى ظرفه؛ لأنَّ التقدير: أن يُجلَد مئةً وأن يُغرَّب عامًا، وليس هو ظرفًا على ظاهره مقدَّرًا بـ «في»؛ لأنَّه ليس المراد التَّغريب فيه حتَّى يقع في جزءٍ منه، بل المراد: أن يخرج فيلبث عامًا، فيقدَّر «يغرَّب» بـ «يغيب» أي: يغيب عامًا، وهذا يتضمَّن أنَّ ابنه كان غير مُحصَنٍ واعترف بالزِّنى، فإنَّ إقرار الأب عليه غير مقبولٍ. نعم؛ إن كان من باب الفتوى؛ فيكون معناه: إن كان ابنك زنى وهو بكرٌ؛ فحدُّه (١) ذلك (وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ) بضمِّ الهمزة وفتح النُّون مصغَّرًا (لِرَجُلٍ) من أسلم وهو ابن الضَّحَّاك (فَاغْدُ) بالغين المعجمة (عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) أي: ائتها غُدوةً، أو امشِ إليها (فَارْجُمْهَا) إذا اعترفت (فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ) فاعترفت (فَرَجَمَهَا) وفي رواية اللَّيث [خ¦٢٧٢٤] فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجِمت، وظاهره -كما في «الفتح» -: أنَّ ابن أبي ذئبٍ اختصره، فقال: فغدا عليها أنيسٌ فرجمها، أو رجمها (٢) أنيسٌ؛ لأنَّه كان حاكمًا في ذلك، وعلى رواية اللَّيث يكون رسولًا؛ ليسمع إقرارها وتنفيذ الحكم منه ﵊، واستُشكِل من حيث كونُه اكتفى في ذلك بشاهدٍ واحدٍ، وأُجيب بأنَّه ليس في الحديث نصٌّ بانفراده بالشَّهادة؛ فيُحتَمل أنَّ غيره شهد عليها، واستُدِلَّ به: على وجوب الإعذار والاكتفاء فيه بشاهدٍ واحدٍ، وأجاب القاضي عياضٌ باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النَّبيِّ ﷺ

стр. 12434

بشهادة هذين الرَّجلين، قال في «الفتح»: والذي تقبل شهادته من الثَّلاثة والد العسيف فقط، وأمَّا العسيف والزَّوج؛ فلا، قال: وغفل بعض من تبع (١) القاضي عياضًا فقال: لا بدَّ من هذا الحَمْلُ، وإلَّا لزم الاكتفاء بشهادة واحدٍ في الإقرار بالزِّنى، ولا قائل به، ويمكن الانفصال عن هذا بأنَّ أنيسًا بُعِث حاكمًا، فاستوفى شروط الحكم، ثمَّ استأذن في رجمها، فأذن له في رجمها، وكيف يُتصوَّر من الصُّورة المذكورة إقامة الشَّهادة عليها من غير تقدُّم دعوى عليها ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متواريةٍ؟ إلَّا أن يُقال: إنَّها شهادةُ حُسْبَةٍ؟ فيُجاب بأنَّه لم يقع هناك صيغة الشَّهادة المشروطة في ذلك، وقال المهلَّب: فيه حجَّةٌ لمالكٍ في جواز إنفاذ الحاكم (٢) رجلًا واحدًا في الإعذار، وفي أن يتَّخذ واحدًا يثق به يكشف له عن حال الشُّهود في السِّرِّ؛ كما يجوز له قبول الفرد فيما طريقه الخبر، لا الشَّهادة، والحكمة في إيراد البخاريِّ التَّرجمة بصيغة الاستفهام -كما نبَّه عليه في «فتح الباري» -: الإشارةُ إلى خلاف محمَّد بن الحسن ممَّا نقله ابن بطَّالٍ عنه؛ حيث قال: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقرَّ عندي فلانٌ بكذا -لشيءٍ يقضي به عليه من قتلٍ أو مالٍ أو عتقٍ أو طلاقٍ- حتَّى يشهد معه على ذلك غيره، وادَّعى أنَّ مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ ، قال: وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدًا عدلان يسمعان من يقرُّ، ويشهدان على ذلك، فينفذ الحكم بشهادتهما. والحديث سبق في «الصُّلح» [خ¦٢٦٩٥] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٣٣] و «المحاربين» [خ¦٦٨٣٥] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٤]. (٤٠) (باب: تَرْجَمَةِ الحُكَّامِ) بصيغة الجمع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «الحاكم»، والتَّرجمة: تفسير الكلام بلسانٍ غير لسانه، يُقال: ترجم كلامه؛ إذا فسَّره بلسانٍ آخر (وَهَلْ يَجُوزُ تَُرْجُمَانٌ وَاحِدٌ؟) بفتح الفوقيَّة وضمِّها، قال أبو حنيفة وأحمد: يكفي، واختاره البخاريُّ وآخرون، وقال الشَّافعيُّ وأحمد في روايةٍ عنه: إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم؛ لا يقبل فيه إلَّا عدلان

стр. 12435

كالشَّهادة، وقال أشهب وابن نافعٍ عن مالكٍ: يترجم له ثقةٌ مسلمٌ مأمونٌ، واثنان أحبُّ إليَّ. ٧١٩٥ - (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) فيما وصله البخاريُّ في «تاريخه» (عَنْ) أبيه (زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ اليَهُودِ) أي: كتابتهم؛ يعني: خطَّهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «كتابَ اليهوديَّة» بياء النِّسبة (حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ) إليهم (وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ) أي: التي يكتبونها (إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ) وقد وصله مطوَّلًا في «التَّاريخ (١)» بلفظ: قال: أُتِيَ بي النَّبيُّ ﷺ مقدمه من (٢) المدينة، فأُعجِب بي، فقيل له: هذا غلامٌ من بني النَّجَّار، قد قرأ ممَّا أنزل الله عليك بضع عشرة سورةً، فاستقرأني، فقرأت «﴿ق﴾» فقال لي: «تعلَّم كتاب اليهود؛ فإنِّي لا آمَنُ يهود على كتابي»، فتعلَّمته في نصف شهرٍ حتَّى كتبت له إلى يهود، وأقرأُ له إذا كتبوا إليه (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (وَ) الحال أن (عِنْدَهُ عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (وَعُثْمَانُ) بن عفَّان ﵃: (مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ) المرأة؟ وكانت حاضرةً عندهم (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ) بالحاء والطَّاء المهملتين بينهما ألفٌ، آخره موحَّدةٌ، أي: ابن أبي بلتعة، مترجِمًا عنها لعمر عن قولها: إنَّها حملت من زنًى من عبدٍ اسمه برغوس، بالرَّاء والغين المعجمة والسِّين المهملة؛ لأنَّها كانت نُوبِيَّةً -بضمِّ النُّون وكسر الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة- أعجميَّةً من جملة عُتَقاء حاطبٍ: (فَقُلْتُ): يا أمير المؤمنين (تُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهِمَا الَّذِي صَنَعَ بِهِمَا (٣)) وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ نحوه، ولأبي ذرٍّ: «بصاحبها الذي صنع بها» (وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم المفتوحة وسكون الميم، نصر بن عمران الضُّبعيُّ البصريُّ: (كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَبَيْنَ النَّاسِ) زاد النَّسائيُّ فيما وصله عنه: فأتته امرأةٌ فسألته عن

стр. 12436

نبيذ الجرِّ (١)، فنهى عنه … الحديث، وسبق في «كتاب العلم» [خ¦٨٧] عند المؤلِّف (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) محمَّد بن الحسن، وكذا الشَّافعيُّ: (لَا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمِيْنَ) بكسر الميم بصيغة الجمع، قال ابن قُرْقُول: لأنَّه لا بدَّ له ممَّن (٢) يتكلَّم بغير لسانه، وذلك يتكرَّر، فيتكرَّر المترجمون، ورُوِيَ بفتح الميم بصيغة التَّثنية، وهو المعتمَد؛ كما في «الفتح». ٧١٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ) قيصر ملك الرُّوم (أَرْسَلَ إِلَيْهِ) حال كونه (فِي) أي: مع (رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ) ثلاثين رجلًا (ثُمَّ قَالَ) هرقل (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) أي: عن النَّبيِّ ﷺ (فَإِنْ كَذَبَنِي) بالتَّخفيف، أي: نقل إليَّ كذبًا (فَكَذِّبُوهُ) بالتَّشديد (فَذَكَرَ الحَدِيثَ، فَقَالَ) هرقل (لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ) أي: لأبي سفيان: (إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ) من أوصافه الشَّريفة (حَقًّا؛ فَسَيَمْلُكُ) بضمِّ اللَّام في «اليونينيَّة» مع كشطٍ تحت اللَّام (مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ) أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه، واستُشكل دخول هذا الحديث هنا من جهة أنَّ فعل هرقل الكافر لا يُحتَجُّ به، وأجيب بأنَّه يؤخَذ من صحَّة استدلاله فيما يتعلَّق بالنُّبوَّة والرِّسالة أنَّه كان مطَّلِعًا على شرائع الأنبياء، فتُحمَل تصرُّفاته على وفق الشَّريعة التي كان متمسِّكًا بها، وأيضًا تقرير ابن عبَّاس؛ وهو من الأئمَّة الذين يُقتَدى بهم على ذلك، ومن ثمَّ احتجَّ باكتفائه بترجمة أبي جمرة له، فالأمران (٣) راجعان لابن عبَّاسٍ؛ أحدهما: من تصرُّفه، والآخر: من تقريره، فإذا انضمَّ إلى ذلك نقل (¬في (د): «فعل».٢)

стр. 12437

عمر ومن (١) معه من الصَّحابة، ولم يُنقَل عن غيره خلافه؛ قويت الحجَّة، واختُلف: هل يكفي ترجمانٌ واحدٌ؟ قال محمَّد بن الحسن: لا بدَّ من رجلين أو رجلٍ وامرأتين، وقال الشَّافعيُّ: هو كالبيِّنة، وعن مالكٍ روايتان، ونقل الكرابيسيُّ عن مالكٍ والشَّافعيِّ الاكتفاء بترجمانٍ واحدٍ (٢)، فيرجع الخلاف إلى أنَّها أخبارٌ أو شهادةٌ، قاله في «فتح الباري». (٤١) (باب: مُحَاسَبَةِ الإِمَامِ عُمَّالَهُ) بضمِّ العين، جمع عامل، ولأبي ذرٍّ: «مع عُمَّاله». ٧١٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم (السَّاعِدِيِّ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ ابْنَ الأُتَبِيَّةِ) بضمِّ الهمزة بعدها مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ فموحَّدةٌ مكسورةٌ فتحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، وفي رواية [خ¦٦٩٧٩]: «اللُّتَبيَّة» باللَّام المضمومة بدل الهمزة، وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، قال القاضي عياضٌ: وضبطه الأَصيليُّ بخطِّه في «باب هدايا العُمَّال» [خ¦٧١٧٤] بضمِّ اللَّام وسكون المثنَّاة، وكذا قيَّده ابن السَّكن وقال: إنَّه الصَّواب، واسمه: عبد الله، واللُّتَبيَّة: أمُّه (عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السين وفتح اللَّام (فَلَمَّا جَاءَ

стр. 12438

إِلَى رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إلى (١) النَّبيِّ» (¬ ﷺ وَحَاسَبَهُ) على ما قبض وصرف (قَالَ) لرسول الله ﷺ : (هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذِهِ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «وهذا» (هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ ¬) له: (فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ألَّا» بفتح الهمزة وتشديد اللَّام، وهما بمعنًى (جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا) في دعواك (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللهَ) ولأبي ذرٍّ: «فحمد الله» بالفاء بدل الواو (وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) أي: بعدما ذكر من حمد الله والثَّناء عليه (فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «أحدهم» (فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ألَّا» (جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا، فَوَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ (٢) مِنْهَا) من الصدقة التي قبضها (شَيْئًا -قَالَ هِشَامٌ) أي: ابن عروة: (بِغَيْرِ حَقِّهِ- إِلَّا جَاءَ اللهَ يَحْمِلُهُ) أي: الذي أخذه (يَوْمَ القِيَامَةِ) ولم يقع قوله: «قال هشام» عند مسلمٍ في رواية ابن (٣) نُميرٍ عن هشامٍ بدون قوله: «بغير حقِّه»، قال في «الفتح»: وهو مشعرٌ بإدراجها (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام (فَلَأَعْرِفَنَّ) اللَّام جواب القسم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فلا أعرِفَنَّ» بألفٍ بعد «فلا» بلفظ النَّهي (٤) (مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ) يحتمل أن تكون «ما» موصولةً؛ بمعنى: «مَنْ»، وأُطلِقت على صفة من يعقل؛ وهو الجائي، و «رجلٌ» فاعل فعلٍ (٥) مقدَّرٍ، أي: جاءه رجلٌ، ويحتمل أن تكون «ما» (٦) مصدريَّةً، أي: فلأعرفنَّ (٧) مجيء رجلٍ إلى الله (بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ) بضمِّ الرَّاء وتخفيف المعجمة ممدودٌ: صوتٌ (أَوْ بَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ) بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الواو: صوتٌ (أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح العين المهملة بعدها راءٌ: تصوِّت (ثُمَّ رَفَعَ) ﷺ (يَدَيْهِ) بالتَّثنية (حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) وفي «باب هدايا العمَّال» [خ¦٧١٧٤]

стр. 12439

«حتَّى رأينا عُفْرَتَي إبطيه» والعُفْرة؛ بضمِّ (١) المهملة وسكون الفاء: بياضٌ ليس بالنَّاصع قائلًا: (أَلَا) بالتَّخفيف (هَلْ بَلَّغْتُ) حكم الله إليكم؟ وأعادها في الباب المذكور ثلاثًا. وفيه مشروعيَّة محاسبة العمَّال، ومنعهم من قبول الهديَّة ممَّن لهم عليه حكمٌ، وسبق الحديث في «باب هدايا العمَّال» [خ¦٧١٧٤] وغيره [خ¦٢٥٩٧] [خ¦٦٩٧٩]. (٤٢) (باب: بِطَانَةِ الإِمَامِ وَأَهْلِ مَشُورَتِهِ) بفتح الميم وضمِّ الشِّين المعجمة وفتح الرَّاء: اسمٌ من شاورتُ فلانًا في كذا؛ والمعنى: عرضتُ عليه أمري حتَّى يدلَّني على الصَّواب منه (٢)، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ، قال البخاريُّ ممَّا نقله عن أبي عبيدة: (البِطَانَةُ) -بكسر الموحَّدة- في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] (الدُّخَلَاءُ) بضمِّ الدَّال المهملة وفتح الخاء المعجمة، ممدودٌ، جمع «دَخيلٍ» وهو الذي يدخل على الرَّئيس في مكان خلوته، ويُفضي إليه سرَّه، ويصدقُه فيما يخبره به ممَّا يخفى عليه من أمور رعيَّته، ويعمل بمقتضاه، وقال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ الآية: بطانة الرُّجل ووليجته: خصيصه الذي يُفضي إليه بحوائجه ثقةً به. شُبِّه ببطانة الثَّوب؛ كما يُقال: فلانٌ شِعاري. ٧١٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالمهملة والموحَّدة المفتوحة ثمَّ المعجمة، ابن الفرج المصريُّ قال:

стр. 12440

(أَخْبَرَنَا) (١) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيَليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ) بعده (مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ) والبطانة: مصدرٌ وُضِع موضع الاسم، يسمَّى به الواحد والاثنان والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ) وفي رواية سليمان بن بلال: «بالخير» [خ¦٦٦١١] بدل قوله (٢): «بالمعروف» (وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ وضادٍ معجمةٍ مشدَّدةٍ: ترغِّبه فيه وتحثُّه عليه (وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) وهذا مُتَصوَّرٌ في بعض الخلفاء، لا في الأنبياء، فلا يلزم من وجود من يشير عليهم بالشَّرِّ قبولهم منه؛ للعصمة؛ كما قال: (فَالمَعْصُومُ) بالفاء (مَنْ عَصَمَ اللهُ تَعَالَى) أي: من عصمه الله من نزغات الشَّيطان، فلا يقبل بطانة الشَّرِّ أبدًا، وهذا هو منصب النُّبوَّة الذي لا يجوز عليهم غيره، وقد يكون لغيرهم بتوفيقه تعالى، وفي الولاة من لا يقبل إلَّا من بطانة الشَّرِّ، وهو الكثير في زماننا هذا، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله، والمراد بالبطانتين: الوزيران، وفي حديث عائشة مرفوعًا: «من وَلِي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا؛ جعل له وزيرًا صالحًا، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه»، ويُحتَمَل أن يكون المراد بالبطانتين: المَلَك والشَّيطان، ويُحتَمل -كما قال الكِرمانيُّ- أن يراد بالبطانتين: النَّفس الأمَّارة بالسُّوء، والنَّفس المطمئنَّة (٣) المحرِّضة على الخير، والمعصوم من أعطاه الله نفسًا مطمئنَّةً، أو (٤) لكلٍّ منهما قوَّةٌ مَلَكيَّةٌ وقوَّةٌ حيوانيَّةٌ. انتهى. وقيل: المراد بالبطانتين في حقِّ النَّبيِّ ﷺ : المَلَك والشَّيطان، وإليه الإشارة بقوله ﵊: «ولكنَّ الله أعانني عليه فأسلم». انتهى.

стр. 12441

فيجب على الوالي ألَّا يبادر بما يُلقى إليه من ذلك حتَّى يعرضه على كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيِّه، فما وافقهما؛ اتَّبعه، وما خالفهما؛ تركه، وينبغي أن يسأل الله تعالى العصمة من بطانة الشَّرِّ وأهله، ويحرص على بطانة الخير وأهله، قال سفيان الثَّوريُّ: ليكن أهل مشورتك أهل التَّقوى والأمانة. والحديث سبق في «القدر» [خ¦٦٦١١]، وأخرجه النَّسائيُّ في «البيعة» و «السِّيَر». (وَقَالَ سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، فيما وصله الإسماعيليُّ (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (بِهَذَا) الحديث السَّابق (وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَمُوسَى) بن عقبة، فيما وصله عنهما البيهقيُّ؛ كليهما (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ محمَّد بن مسلمٍ (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث السَّابق، قال في «الكواكب»: روى سليمان عنِ الثَّلاثة، لكنَّ الفرق بينهما أنَّ المرويَّ في الطَّريق الأولى هو المذكور بعينه، وفي الثانية (١) هو مثله. انتهى. وتعقَّبه في «الفتح» فقال: لا يظهر بينهما فرقٌ، والظَّاهر: أنَّ سرَّ الإفراد أنَّ سليمان ساق لفظ يحيى، ثمَّ عطف عليه رواية الآخرَينِ، وأحال بلفظهما عليه، فأورده البخاريُّ على وَفْقه، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يُنفى الفرق ومثلُ الشَّيء غير عينه؟ (وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (قَوْلَهُ) نُصِبَ بنزع الخافض، أي: من قوله ولم يرفعه إلى النَّبيِّ ﷺ . (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، فيما وصله الإمام أحمد (وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام الدِّمشقيُّ، فيما (٢) وصله النَّسائيُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (الزُّهْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فجعلاه من حديث أبي هريرة، وهو عند شعيبٍ عن أبي سعيدٍ، وجعلاه مرفوعًا وهو عنده موقوفًا. (وَقَالَ ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء، هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسين النَّوفليُّ المكيُّ (وَسَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ) بكسر العين، وكسر زاي «زيادٍ» وتخفيف التَّحتيَّة، الأنصاريُّ المدنيُّ التَّابعيُّ الصَّغير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ (قَوْلَهُ) أي: من قوله، لا مرفوعًا.

стр. 12442

(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بفتح العين في الفرع، وصوابه بضمِّها (بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) يسار المصريّ -بالميم (١) - من صغار التَّابعين، ممَّا وصله النَّسائيُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ) بن سُليمٍ -بضمِّ السِّين- مولى آل عوفٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬). فالحديث بحسب الصُّورة الواقعة مرفوعٌ من رواية ثلاثةٍ من الصَّحابة: أبي سعيدٍ وأبي هريرة وأبي أيُّوب، لكنَّه على طريقة المحدِّثين حديثٌ واحدٌ اختُلف على التَّابعيِّ في صحابيِّه، فجزم صفوان بأنَّه عن أبي أيُّوب، واختُلف على الزُّهريِّ فيه؛ هل هو أبو سعيدٍ أو أبو هريرة؟ وأمَّا الاختلاف في وقفه ورفعه؛ فلا يقدح؛ لأنَّ مثله لا يُقال من قبل الرَّأي، فسبيله الرَّفع، وتقديم البخاريِّ لرواية أبي سعيدٍ الخدريِّ الموصولة المرفوعة يُؤذِن بترجيحها عنده، لا سيَّما مع موافقةِ ابن أبي حسينٍ وسعيد بن زيادٍ لمن قال: عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي سعيدٍ، وإذا لم يبقَ إلَّا الزُّهريُّ وصفوان؛ فالزُّهريُّ أحفظ من صفوان بدرجاتٍ، قاله في «الفتح». (٤٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (كَيْفَ يُبَايِعُ الإِمَامُ النَّاسَ؟) بالنَّصب على المفعوليَّة، و «الإمامُ»: فاعلٌ، ولأبي ذرٍّ بنصب: «الإِمَام» مفعولٌ مقدَّمٌ، ورفع: «النَّاسُ» على الفاعليَّة، والمراد بالكيفيَّة هنا: الصِّيغ القوليَّة، لا الفعليَّة؛ كما ستراه إن شاء الله تعالى في الأحاديث المسوقة في الباب.

стр. 12443

٧١٩٩ - ٧٢٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام الأئمَّة، ودار الهجرة، ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (عُبَادَةُ بْنُ الوَلِيدِ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة قَالَ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبِي) الوليد (عَنْ) أبيه (عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَايَعْنَا) بفتح التَّحتيَّة وسكون العين: عاهدنا (رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) ليلة العقبة بمنًى (عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) له (فِي المَنْشَطِ) بفتح الميم والشِّين المعجمة بينهما نونٌ ساكنةٌ، آخره طاءٌ مهملةٌ، مصدرٌ ميميٌ؛ من النَّشاط (وَالمَكْرَهِ) بفتح الميم والرَّاء بينهما كافٌ ساكنةٌ، مصدرٌ ميميٌّ أيضًا، أي: في حال نشاطنا وحال عجزنا عن العمل بما نُؤمَر به، قال السَّفاقسيُّ: الظَّاهر أنَّ المراد في وقت الكسل والمشقَّة في الخروج؛ ليطابق قوله: «في المنشط»، ويؤيِّده ما عند أحمد من رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة: في النَّشاط والكسل، وقال في «شرح المشكاة»: أي: عاهدناه بالتزام السَّمع والطَّاعة في حالتَي الشِّدَّة والرَّخاء، وتارَتي الضَّرَّاء والسَّرَّاء؛ وإنَّما عبَّر عنه بصيغة «المُفَاعَلة» للمبالغة والإيذان بأنَّه التزم لهم أيضًا بالأجر والثَّواب والشَّفاعة يوم الحساب على القيام بما التزموا. (وَأَلَّا نُنَازِعَ الأَمْرَ) أي: أمر الملك والولاية (أَهْلَهُ) فلا نقاتلهم (وَأَنْ نَقُومَ -أَوْ نَقُولَ- بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا) والشَّكُّ هل هي بالميم أو اللَّام من الرَّاوي (لَا نَخَافُ فِي) نصرة دين (اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ) من النَّاس، و «اللَّومة»: المرَّة من اللَّوم، قال في «الكشَّاف»: وفيها وفي التَّنكير مبالغتان، كأنَّه قال: لا نخاف شيئًا قطُّ من لوم أحدٍ من اللُّوَّام، و «لومة» مصدرٌ مضافٌ لفاعله في المعنى، وفيه وجوب السَّمع والطَّاعة للحاكم، سواءٌ حكم بما يوافق الطَّبع أو يخالفه، وعُدِّيَ «بايعنا» بـ «على»؛ لتضمُّنه معنى «عاهد» (٢)، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، الكبار والصِّغار، ولا نداهن فيه أحدًا ولا نخافه، ولا نلتفت إلى الأئمَّة ونحوهم، قاله النَّوويُّ. والحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي».

стр. 12444

٧٢٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ) الهجيميُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ (١) ﵁¬) أنَّه (قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، وَالمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ) بكسر الفاء، وكان ذلك في غزوته (٢) سنة خمسٍ (فَقَالَ) ﷺ متمثِّلًا بقول ابن رواحة: (اللَّهُمَّ إِنَّ الخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَه، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَه، فَأَجَابُوا) النَّبيَّ ﷺ ، ولأبي ذرٍّ: «فأجابوه»: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا) صفة للذين لا صفة «نحن»، وهذا موضع التَّرجمة (عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا) بالتَّنوين في «محمَّدًا» و «أبدًا» في «اليونينيَّة». والحديث سبق بأتمَّ من هذا في «غزوة الخندق» [خ¦٢٨٣٥]. ٧٢٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ أبو محمَّد الكلاعيُّ الدِّمشقيُّ الأصل قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام ابن أنسٍ المدنيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويِّ مولاهم، أبي

стр. 12445

عبد الرَّحمن المدنيِّ مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا) بسكون العين (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ) للأوامر والنَّواهي (وَالطَّاعَةِ) للحاكم (يقُولُ لَنَا) أي: للمبايِع منَّا: (فِيمَا اسْتَطَعْتَ) وهذا من شفقته ورحمته بنا، جزاه الله عنَّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمَّته، وللكشميهنيِّ: «فيما استطعتُم» بالجمع. ٧٢٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ (حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ المَلِكِ) بن مروان بن الحكم الأمويِّ يبايعونه بالخلافة، وكانت الكلمة قبل ذلك متفرِّقةً؛ إذ كان في الأرض قبلُ اثنان يُدَّعَى لكلٍّ (١) منهما بالخلافة؛ وهما عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزُّبير، وكان -أي: ابن الزُّبير (٢) - امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، فلمَّا مات؛ ادَّعى ابن الزُّبير الخلافة، فبايعه النَّاس بها بالحجاز، وبايع أهل الآفاق معاوية بن يزيد بن معاوية، فلم يعِشْ إلَّا نحو أربعين يومًا ومات، فبايع النَّاس ابن الزُّبير إلَّا بني أميَّة ومن يهوى هواهم، فبايعوا مروان بن الحكم، ثمَّ مات بعد ستَّة أشهرٍ، وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان، فقام مقامه، وجهَّز الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير، فحاصره إلى أن قُتِل ﵁، فلمَّا انتظم الملك لعبد الملك وبايعه ابن عمر (قَالَ) حين (كَتَبَ) له المبايعة: (إِنِّي أُقِرُّ) بضمِّ الهمزة وكسر القاف (بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ) الله عَبْدِ (المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ) ﷺ (مَا اسْتَطَعْتُ) أي: قدر استطاعتي (وَإِنَّ بَنِيَّ) بفتح الموحَّدة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، عبد الله وأبو بكرٍ وأبو عبيدة وبلالٌ وعمرُ أمُّهم صفيَّة بنت أبي عبيد بن مسعودٍ الثَّقفيِّ، وعبد الرَّحمن أمُّه أمُّ علقمة بنت نافس بن وهبٍ، وسالمٌ وعبيد الله وحمزة أمُّهم أمُّ ولدٍ، وزيدٌ أمُّه أمُّ ولدٍ (قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ) الذي أقررتُ به من السَّمع والطَّاعة، زاد الإسماعيليُّ: «السَّلام».

стр. 12446

الحديث من أفراده. ٧٢٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير بن أفلح العبديُّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرقيُّ قال: (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة، ابن بَشِيرٍ -بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة بوزن «عظيمٍ» - أبو معاوية بن خازمٍ -بمعجمتين- الواسطيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ) بفتح المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة، ابن وَرْدَان، أبو الحكم العنزيُّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر ابن شَراحيل (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بفتح (١) الجيم، البجليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ) لوليِّ الأمر في أمره ونهيه (وَالطَّاعَةِ) له (فَلَقَّنَنِي) أي: وزاد على سبيل التَّلقين أن أقول: (فِيمَا اسْتَطَعْتُ) شفقةً منه ورأفةً (وَ) على (النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) وذمِّيٍّ بأمره بالإسلام وتعلُّقاته. ٧٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) أبو حفصٍ الفلَّاس الصَّيرفيُّ أحد الأعلام قال: (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ (٣) سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويُّ مولاهم (قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ المَلِكِ) بن مروان (كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) ﵄: من ابن عمر (إِلَى عَبْدِ اللهِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ: إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللهِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا) لك

стр. 12447

(بِذَلِكَ) وهذا إخبارٌ عن إقرارهم، لا إقرارٌ عنهم، وعند الإسماعيليِّ من وجهٍ آخر عن سفيان بلفظ: «رأيت ابن عمر يكتب، وكان إذا كتب يكتب: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، أمَّا بعد؛ فإني أُقِرُّ بالسَّمع والطَّاعة لعبد الله عبد الملك … ، وقال في آخره أيضًا: والسَّلام». والحديث من أفراده. ٧٢٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابن إسماعيل الكوفيُّ، سكن في (١) المدينة (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة، وهو: «ابن أبي عبيد» كما في رواية أبي ذرٍّ، مولى سَلَمة بن الأَكْوَع أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ) بن الأَكْوَع ﵁: (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ) -بالتَّخفيف- تحت الشَّجرة؟ (قَالَ): بايعناه (عَلَى المَوْتِ) أي: نقاتل بين يديه ونصبر، ولا نفرُّ وإن قُتلِنا. وسبق الحديث بأتمَّ من هذا في «باب البيعة على (٢) الحرب ألَّا يفرُّوا»، من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٩٦٠].

стр. 12448

٧٢٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) الضُّبَعيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء عمُّ السَّابق (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ: (أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) ابن أخت عبد الرَّحمن بن عوفٍ ﵁ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ الرَّهْطَ) وهو ما دون العشرة، وقيل: إلى ثلاثة (الَّذِينَ وَلاَّهُمْ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁، أي: عيَّنهم للتشاور فيمن يُعْقَد له الخلافة فيهم، وهم -كما سبق- في «باب قصَّة البيعة» من «المناقب» [خ¦٣٧٠٠] عليٌّ وعثمان والزُّبير وطلحة وسعدٌ وعبد الرَّحمن (اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا) فيمن يولُّونه (١) الخلافة (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ) بضمِّ الهمزة وفتح النُّون وبعد الألف فاءٌ مكسورةٌ فسينٌ مهملةٌ: أُنازِعكم (عَلَى هَذَا الأَمْرِ) أي: الخلافة؛ إذ ليس لي فيها رغبةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن» والأولى أوجه (وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمُ؛ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ) أي: ممَّن سمَّاهم عمر ﵁ دونه (فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ) في الاختيار منهم (فَمَالَ (٢) النَّاسُ عَلَى (٣) عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ) بسكون الفوقيَّة وفتح الموحَّدة (أُولَئِكَ الرَّهْطَ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ) بفتح العين وكسر القاف، أي: ولا يمشون خلفه، وهو كنايةٌ عن الإعراض (وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كرَّر هذه لبيان سبب الميل؛ وهو قوله: (يُشَاوِرُونَهُ) في أمر الخلافة (تِلْكَ اللَّيَالِيَ) زاد الزُّبيديُّ (٤) في

стр. 12449

روايته عند (١) الدَّارقطنيِّ في «غرائب مالك» (٢) عن الزُّهريِّ: لا يخلو به رجلٌ ذو رأيٍ فيعدل بعثمان أحدًا، وكرَّر قوله: (حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ) وللكشميهنيِّ: «تلك اللَّيلة» (الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا؛ فَبَايَعْنَا) بسكون العين (عُثْمَانَ) بن عفَّان بالخلافة (قَالَ المِسْوَرُ) بن مَخْرَمة: (طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) بفتح الهاء وسكون الجيم بعدها عينٌ مهملةٌ، قال في «المصابيح»: أي: بعد طائفةٍ منه، هذا الذي يُفهَم من كلام القاضي، واقتصر عليه الزَّركشيُّ، وقال الحافظ مغلطاي: يريد بالهجوع: النَّوم باللَّيل خاصَّة، ذكره أبو عُبيدٍ (٣)، قال العلَّامَةُ البدرُ الدَّمامينيُّ: وهذا يستدعي أن يكون قوله: «من اللَّيل» صفةً كاشفةً، بخلاف الأوَّل، فإنَّها فيه مخصِّصة (٤)، وهو أولى. انتهى. قال في «الفتح»: وقد أخرجه البخاريُّ في «التَّاريخ الصَّغير» من طريق يونس عن الزُّهريِّ بلفظ: بعد هجيعٍ، بوزن «عظيمٍ» (فَضَرَبَ البَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ) من النَّوم (فَقَالَ) لي: (أَرَاكَ نَائِمًا! فَوَاللهِ مَا اكْتَحَلْتُ) ما دخل النَّوم جفن عيني؛ كما يدخله (٥) الكحل (هَذِهِ اللَّيْلَةَ)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ (٦) «هذه الثَّلاث» (بِكَبِيرِ نَوْمٍ) في رواية سعيد بن عامرٍ عند الدَّارقطنيِّ في «غرائب مالك»: والله ما حملت فيهما (٧) غمضًا منذ ثلاثٍ، ولأبي ذرٍّ: «بكثير نومٍ» بالمثلَّثة بدل الموحَّدة (انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ) بن العوَّام (وَسَعْدًا) أي: ابن أبي وقَّاصٍ (فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ، فَشَاوَرَهُمَا) بالشِّين المعجمة؛ من المشاورة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٨):

стр. 12450

«فسارَّهما» بالسِّين المهملة وتشديد الرَّاء (ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ: ادْعُ لِي عَلِيًّا، فَدَعَوْتُهُ) له فجاء (فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) بتسكين الموحَّدة وتشديد الرَّاء: انتصف، وفي رواية سعيد بن عامرٍ (١) المذكورة: فجعل يُناجيه حتَّى ترتفع أصواتهما أحيانًا (٢)، فلا يخفى عليَّ شيءٌ ممَّا يقولان ويُخفيان أحيانًا (ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ (مِنْ عِنْدِهِ وَهْوَ) أي: عليٌّ (عَلَى طَمَعٍ) أن يولِّيَه (وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا) من المخالفة الموجِبة للفتنة، وقال ابن هُبيرة: أظنُّه أشار إلى الدِّعاية التي كانت في عليٍّ أو نحوها، ولا يجوز أن يُحمَل على أنَّ عبد الرَّحمن خاف من عليٍّ على نفسه (ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ) فجاء (فَنَاجَاهُ (٣) حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا المُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ) ولأبي ذرٍّ: «صلَّى النَّاس الصُّبحَ» (وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ) الذين عيَّنهم عمر للمشورة (عِنْدَ المِنْبَرِ) في المسجد النَّبويِّ (فَأَرْسَلَ) عبد الرَّحمن (إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ) معاوية أمير الشَّام، وعُمير بن سعدٍ أمير حمص، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة، وأبي (٤) موسى الأشعريِّ أمير البصرة، وعمرو بن العاص أمير مصر؛ ليجمع أهل الحلِّ والعقد (وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الحَجَّةَ): قدموا مكَّة فحجُّوا (مَعَ عُمَرَ) ورافقوه إلى المدينة (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا؛ تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) وفي رواية (٥) عبد الرَّحمن بن طهمان: جلس عبد الرَّحمن على المنبر (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِيُّ؛ إِنِّي قَدْ (٦) نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ) أي: لا يجعلون له مساويًا، بل يرجِّحونه على غيره (فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ) من اختياري لعثمان (سَبِيلًا): ملامةً إذا لم يوافق الجماعة (فَقَالَ) عبد الرَّحمن مخاطبًا لعثمان: (أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وسُنَّة رسوله» (وَالخَلِيفَتَيْنِ) أبي بكرٍ وعمر (مِنْ بَعْدِهِ) فقال عثمان: نعم (فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ الناس: المُهَاجِرُونَ) ولأبي ذرٍّ: «والمهاجرون»؛ بواو العطف، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَالأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ) المذكورون (وَالمُسْلِمُونَ).

стр. 12451

وفي الحديث: أنَّ الجماعة الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخصٍ بعد المشاورة والاجتهاد؛ لم يكن لغيرهم أن يحلَّ ذلك العقد؛ إذ لو كان العقد لا يصحُّ إلَّا باجتماع الجميع؛ لكان (١) لا معنى لتخصيص هؤلاء السِّتَّة، فلمَّا لم يعترض منهم معترضٌ، بل رضُوا؛ دلَّ ذلك على صحَّته، وفيه: أنَّ على (٢) من أُسنِد إليه ذلك أن يبذل وُسْعه في الاختيار، ويهجر أهله وليله؛ اهتمامًا بما هو فيه حتَّى يكمله. (٤٤) (باب: مَنْ بَايَعَ مَرَّتَيْنِ) في حالةٍ واحدةٍ للتَّأكيد. ٧٢٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مولى سلمة (عَنْ سَلَمَةَ) بن الأكوع ﵁ أنَّه (قَالَ: بَايَعْنَا) بسكون العين (النَّبِيَّ ﷺ ¬) بيعة الرِّضوان (تَحْتَ الشَّجَرَةِ) التي بالحديبية (فَقَالَ) ﵊ (لِي: يَا سَلَمَةُ؛ أَلَا) بالتَّخفيف (تُبَايِعُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ بَايَعْتُ فِي) الزَّمن (الأَوَّلِ) بفتح الهمزة وتشديد الواو (قَالَ) ﵊: (وَفِي الثَّانِي) أي: وفي الزَّمن الثَّاني تبايع (٣) أيضًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في الأُولى» أي: في السَّاعة، أو الطَّائفة، «قال: وفي الثَّانية» وأراد -كما قال الدَّاوديُّ (٤) - أن يؤكِّد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثَّبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة، ليكون له في ذلك فضيلةٌ. وتقدَّم في «باب البيعة في الحرب» من «كتاب الجهاد» [خ¦٢٩٦٠] من رواية المكِّيِّ بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيدٍ عن سلمة الحديثُ بأتمَّ من هذا السِّياق، وفيه: بايعت النَّبيَّ ﷺ ،

стр. 12452

ثمَّ عدلت (١) إلى ظلِّ شجرةٍ، فلمَّا خفَّ النَّاس؛ قال: «يا بن الأكوع؛ ألا تبايع؟» وقال في آخره: فقلت له: يا أبا مسلمٍ؛ على أيِّ شيءٍ كنتم تُبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت، وهذا الحديث هو الحادي والعشرون من «الثُّلاثيَّات». (٤٥) (باب بَيْعَةِ الأَعْرَابِ) على الإسلام أو (٢) الجهاد. ٧٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) ابن عبد الله المدنيِّ الحافظ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) السَّلَمِيِّ -بفتحتين- الأنصاريِّ (¬﵄ أَنَّ أَعْرَابِيًّا) لم يُسمَّ، وعند الزَّمخشريِّ في «ربيع الأبرار»: أنَّه قيس بن أبي حازم، قال الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة»: وفيه نظرٌ، قال في «الشَّرح»: لأنَّه تابعيٌّ كبيرٌ مشهورٌ، صرَّحوا بأنَّه هاجر فوجد النَّبيَّ ﷺ قد مات، فإن كان محفوظًا؛ فلعلَّه آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي «الذَّيل» لأبي موسى في «الصَّحابة»: قيس بن أبي حازمٍ المنقريُّ، ويُحتمَل أن يكون هو هذا (بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَصَابَهُ وَعْكٌ) بفتح الواو وسكون العين: حمَّى أو ألمها أو رعدتها (فَقَالَ): يا رسول الله (أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى) فامتنع النَّبيُّ ﷺ أن يقيله؛ لأنَّه لا يعين على معصية، وظاهره: طلب الإقالة من نفس الإسلام، ويُحتمَل أن يكون من شيءٍ من عوارضه؛ كالهجرة، وكانت إذ ذاك واجبةً، فمن خرج من المدينة كراهيةً (٣) فيها، أو رغبةً عنها؛ كما (٤) فعل هذا

стр. 12453

الأعرابيُّ؛ فهو مذمومٌ (ثُمَّ جَاءَهُ) ﷺ الأعرابيُّ (١) المرَّة الثَّانية (فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى) وفي رواية الثَّوريِّ عن ابن المنكدر: أنَّه أعاد ذلك ثلاثًا (فَخَرَجَ) الأعرابيُّ من المدينة راجعًا إلى البدو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَدِينَةُ كَالكِيرِ) بكسر الكاف بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ: ما ينفخ الحدَّاد فيه (تَنْفِي) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر الفاء (خَبَثَهَا) بفتح المعجمة والموحَّدة والمثلَّثة: رديئها الذي لا خير فيه (وَيَنْصَعُ) بفتح التَّحتيَّة وسكون النُّون وفتح الصَّاد بعدها عينٌ مهملتين: ويظهر (طِيبُهَا) بكسر الطَّاء المهملة وسكون التَّحتيَّة، مرفوعٌ فاعل «ينصَع»، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وتَنصَع» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة: «طِيْبَها» بكسر الطَّاء وتسكين (٢) التَّحتيَّة، منصوبٌ على المفعوليَّة. والحديث يأتي في «الاعتصام» [خ¦٧٣٢٢] إن شاء الله تعالى بعون الله، وأخرجه مسلمٌ في «المناسك»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ في «البيعة والسِّير». (٤٦) (باب) حكم (بَيْعَةِ الصَّغِيرِ). ٧٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن (٣) المدينيِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) أبو عبد الرَّحمن (٤) مولى آل عمر بن الخطَّاب قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين (هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ)

стр. 12454

مِقْلاصٌ الخزاعيّ المصريُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عَقِيلٍ) بفتح العين وكسر القاف (زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحَّدة، بينهما عينٌ مهملةٌ (عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ) الصَّحابيِّ (وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ) ولأبي ذرٍّ: «بنتُ» (حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، ابن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزَّى بن قصيٍّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ بَايِعْهُ) بكسر التَّحتيَّة وسكون العين (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ صَغِيرٌ) أي: لا تلزمه البيعة (فَمَسَحَ) ﷺ (رَأْسَهُ) أي: رأس زُهْرَة (وَدَعَا لَهُ) فعاش ببركة دعائه ﷺ له (٢) زمانًا كثيرًا بعد الزَّمن النَّبويِّ (وَكَانَ) عبد الله بن هشامٍ (يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ) قال في «الفتح»: وهذا الأثر الموقوف صحيحٌ بالسَّند المذكور إلى عبد الله، وإنَّما ذكره البخاريُّ مع أنَّ من عادته أن يحذف الموقوفات غالبًا؛ لأنَّ المتن يسيرٌ. والحديث طرفٌ من حديثٍ سبق في «كتاب الشَّركة» [خ¦٢٥٠١]. (٤٧) (باب مَنْ بَايَعَ ثُمَّ اسْتَقَالَ البَيْعَةَ) أي: طلب الإقالة (٣) منها. ٧٢١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) الحافظ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ

стр. 12455

عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ) بسكون العين: حمَّى (بِالمَدِينَةِ، فَأَتَى الأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي) لم يرد الارتداد عن الإسلام؛ إذ لو أراده لقتله وحمله بعضهم على الإقامة (١) بالمدينة (فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أن يقيله؛ لأنَّه كان (٢) لا يحلُّ للمهاجر أن يرجع إلى وطنه (ثُمَّ جَاءَ) ثانيًا (فَقَالَ): يا رسول الله (أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى) ﵊ أن يقيله (ثُمَّ جَاءَهُ) بهاء الضَّمير في هذه الثَّالثة (فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى) ﵊ أن يقيله (فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ) من المدينة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا المَدِينَةُ) بزيادة «إنَّما» السَّاقطة في الرِّواية السَّابقة قريبًا في «باب (٣) بيعة الأعراب» [خ¦٧٢٠٩] (كَالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا) رديئها (وَيَنْصَعُ) بالتَّحتيَّة (طِيبُهَا) بكسر الطَّاء وسكون التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «وتَنصَع» بالفوقيَّة فتاليها نصبٌ كما سبق (٤)؛ والمعنى: إذا نفت الخبيث (٥)؛ تَميَّز الطَّيِّبُ واستقرَّ فيها، وروي: «تُنصِع» (٦) بضمِّ الفوقيَّة، من «أنصع»؛ إذا أظهر ما في نفسه، وتاليه مفعوله، قاله العينيُّ، وقال في «الفتح»: و «طيَّبها» للجميع بالتَّشديد، وضبطه القزَّاز بكسر أوَّله والتَّخفيف، ثمَّ استشكله فقال: لم أرَ للنُّصوع في الطِّيب ذكرًا، وإنَّما الكلام «يتضوَّع» بالضَّاد المعجمة وزيادة الواو الثقيلة، قال: ويُروى: «تنضخ» بمعجمتين، وأغرب الزَّمخشريُّ في «الفائق» فضبطه بموحَّدةٍ وضادٍ معجمةٍ وعين (٧)، وقال: هو من أَبْضعَه بضاعةً؛ إذا دفعها إليه؛ بمعنى (٨): أنَّ المدينة تُعطي طيبها لمن سكنها، وتعقَّبه الصَّغانيُّ بأنَّه خالف جميع الرُّواة في ذلك، وقال ابن الأثير: المشهور بالنُّون والصَّاد المهملة. والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٢٠٩].

стр. 12456

(٤٨) (باب مَنْ بَايَعَ رَجُلًا) أي: إمامًا (لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا) ولا يقصد طاعة الله في مبايعته. ٧٢١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ) من النَّاس (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ (٢)) كلامًا يسرُّهم، ولكن بنحو قوله: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أو لا يكلِّمهم بشيءٍ أصلًا، والظَّاهر: أنَّه كنايةٌ عن غضبه عليهم (وَلَا يُزَكِّيهِمْ): ولا يُثنِي عليهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) على ما فعلوه، أحدهم (رَجُلٌ) كان (عَلَى فَضْلِ مَاءٍ) زائدٍ عن حاجته (بِالطَّرِيقِ) وفي رواية أبي معاوية: «بالفلاة»؛ وهي المراد (٣) بالطَّريق هنا (يَمْنَعُ مِنْهُ) أي: من الزَّائد (ابْنَ السَّبِيلِ) أي: المسافر، وفي «باب إثم من منع ابن السَّبيل من الماء» [خ¦٢٣٥٨] من طريق عبد الواحد بن زيادٍ: «رجلٌ كان له فضل ماءٍ بالطريق، فمنعه من ابن السَّبيل»، والمقصود واحدٌ وإن تغاير المفهومان لتلازمهما؛ لأنَّه إذا منعه من الماء؛ فقد منع الماء منه؛ قاله الحافظ ابن حجرٍ ﵀، وقال ابن بطَّالٍ: فيه دلالةٌ على أنَّ صاحب البئر أَولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته؛ لم يجُز له منع ابن السَّبيل (وَ) الثَّاني (رَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا) أي: عاقده (لَا يُبَايِعُهُ) لا يعاقده (إِلَّا لِدُنْيَاهُ) ولأبي ذرٍّ: «لِدُنْيا» بغير ضميرٍ ولا تنوينٍ، وللأَصيليِّ: «للدُّنيا» بلامين (إِنْ أَعْطَاهُ) منها (مَا يُرِيدُ وَفَى) بتخفيف الفاء (لَهُ) ما عاقده عليه (وَإِلَّا) أي: وإنْ لم يعطِه ما يريد (لَمْ يَفِ لَهُ) فوفاؤه

стр. 12457

بالبيعة لنفسه، لا لله، وإنَّما استحقَّ هذا الوعيد الشَّديد؛ لكونه غشَّ إمام المسلمين، ومِن لازِم غشِّ الإمام غِشُّ الرَّعيَّة؛ لما فيه من التَّسبُّب (١) إلى إثارة الفتنة، ولا سيَّما إن كان ممَّن يُتبَع على ذلك، وقال الخطَّابيُّ: الأصل في مبايعة الإمام أن يبايع على أن يعمل بالحقِّ، ويقيم الحدود، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن جعل مبايعته لما يُعطاه دون ملاحظة المقصود في الأصل؛ فقد خسر خُسرانًا مبينًا، ودخل في الوعيد المذكور، وحاق به إن لم يتجاوز الله عنه (وَ) الثَّالث (رَجُلٌ يُبَايِعُ) بكسر التَّحتيَّة بعد الألف، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بَايَعَ» (رَجُلًا) بلفظ الماضي (بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء (بِهَا) أي: بسبب السِّلعة، أو في مقابلتها، وفي «اليونينيَّة» الرَّفع والكسر، ثمَّ الفتح فيهما، وفي «هامشها» ما نصُّه: في نسختي (٢) الحافظين أبي ذرٍّ وأبي محمَّد الأَصيليِّ من أوَّل الأحاديث التي تكرَّرت في «حلف المشتري»: «لقد أُعطِيَ» بضمِّ الهمزة وكسر الطَّاء، وضمِّ مضارعه؛ كذلك وجدته مضبوطًا حيث تكرَّر (كَذَا وَكَذَا) ثمنًا عنها (فَصَدَّقَهُ) المشتري (فَأَخَذَهَا) منه بما حلف عليه كاذبًا؛ اعتمادًا على قوله (وَ) الحال أنَّه (لَمْ يُعْطَ) الحالف (بِهَا) ذلك القدر المحلوف عليه، وخصَّ بعد العصر بالذِّكر لشرفه؛ بسبب اجتماع ملائكة اللَّيل والنَّهار فيه؛ وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، وعند «مسلمٍ»: «وشيخٌ زانٍ، وملِكٌ كذَّابٌ، وعائلٌ (٣) مستكبرٌ،» وعنده أيضًا من حديث أبي ذرٍّ: «المنَّان الذي لا يعطي شيئًا إلَّا مِنَّةً، والمسبِل إزاره»، وفي «الشُّرب» من «البخاريِّ» [خ¦٢٣٥٨]-ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٤٦]- «ورجلٌ حلف على يمينٍ كاذبةٍ بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجلٍ مسلمٍ»، فتحصَّل تسع خصالٍ، ويُحتمَل أن تبلغ عشرًا؛ لما في حديث أبي ذرٍّ المذكور: «والمنفق سلعته بالحلف الفاجر»؛ لأنَّه مغايرٌ للذي حلف لقد أُعطيَ بها كذا وكذا؛ لأنَّ هذا خاصٌّ بمن يكذب في إخبار المشتري (٤)، والذي قبله أعمُّ منه، فيكون خصلةً أخرى، قاله في «الفتح».

стр. 12458

والحديث سبق في «الشرب» [خ¦٢٣٥٨]. (٤٩) (باب بَيْعَةِ النِّسَاءِ، رَوَاهُ) أي: ذكر بيعة النِّساء (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، فيما سبق في «العيدين» [خ¦٩٧٩] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الاية [الممتحنة: ١٢]، ثمَّ قال حين فرغ منها: «أنتنَّ على ذلك؟». ٧٢١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحافظ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» كما في «المقدِّمة»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأَيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله بن عبد الله (الخَوْلَانِيُّ) بفتح الخاء المعجمة، وبعد اللَّام ألفٌ ونون (١) الدِّمشقيُّ قاضيها: (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) وسقط لفظ «لنا» لأبي ذرٍّ (وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ) ولأبي ذرٍّ: «في المجلس»: (تُبَايِعُونِي) تعاقدوني (عَلَى) التوحيد (أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا) أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي (وَلَا تَسْرِقُوا) بحذف المفعول؛ ليدلَّ على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) نهيٌّ عمَّا كانوا يفعلونه من وَأْدِهم بناتهم خشية الفاقة، وهو أشنع القتل؛ لأنَّه قتلٌ وقطيعة رحم (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) بكذبٍ يبهت سامعه (٢)، أي: يُدهِشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنى (تَفْتَرُونَهُ) تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) خصَّهما

стр. 12459

بالافتراء؛ لأنَّ معظم الأفعال يقع بهما؛ إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسَّعي، وقد يُعاقَب الرجل بجنايةٍ قوليَّةٍ، فيقال: هذا بما كسبت يداك، وقال في «الكواكب»: المراد: الأيدي، وذكر الأرجل تأكيدًا، وقيل: المراد (١) بما بين الأيدي والأرجل: القلبُ؛ لأنَّه الذي يترجم اللِّسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء؛ كأنَّ المعنى: لا ترمُوا أحدًا بكذبٍ (٢) تزوِّرونه في أنفسكم، ثمَّ تبهتون صاحبكم بألسنتكم (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) عُرِفَ من الشَّارع حسنهُ نهيًا وأمرًا (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف ويشدَّد (مِنْكُمْ) بأن (٣) ثبت على العهد (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ) به (فِي الدُّنْيَا فَهْوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَسَتَرَهُ اللهُ) عليه في الدُّنيا (فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله (وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) قال ابن المُنَيِّر فيما نقله عنه في «فتح الباري»: أدخل البخاريُّ حديث عبادة بن الصَّامت في ترجمة «بيعة النِّساء» لأنَّها وردت في القرآن في حقِّ النِّساء، فعُرِفَت بهنَّ، ثمَّ استُعمِلت في الرِّجال. انتهى. ووقع في بعض طرقه عن عبادة قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النِّساء ألَّا نشرك بالله شيئًا (٤)، ولا نسرق، ولا نزني … الحديث. وحديث الباب سبق في «الإيمان» أوائل الكتاب [خ¦١٨]. ٧٢١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان، أبو أحمد العدويُّ مولاهم، المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو (٥) ابن همَّامٍ الحافظ، أبو بكر الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم، عالم اليمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ

стр. 12460

عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (١) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالكَلَامِ) من غير مصافحةٍ باليد؛ كما جرت العادة بمصافحة الرِّجال عند المبايعة (بِهَذِهِ الآيَةِ) وهي قوله تعالى: (﴿لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، قَالَتْ) عائشة: (وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ) زاد في رواية أخرى: «قطُّ» [خ¦٢٧١٣] (إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا) بنكاحٍ أو ملك يمينٍ، وروى النَّسائيُّ والطَّبريُّ (٢) من طريق محمَّد بن المنكدر: أنَّ أميمة (٣) بنت رُقَيقة -بقافين مُصغَّرًا- أخبرته: أنَّها دخلت في نسوةٍ تبايع، فقلن: يا رسول الله؛ ابسط يدك نصافحك، فقال: «إنِّي لا أصافح النِّساء ولكن سآخذ عليكنَّ» فأخذ علينا حتَّى بلغ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] فقال: «فيما أطقتنَّ واستطعتنَّ»، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قال في «الفتح»: وقد جاءت أخبارٌ أخرى أنَّهنَّ كنَّ يأخذن بيده عند المبايعة من فوق ثوبٍ، أخرجه يحيى بن سلامٍ في «تفسيره» عن الشَّعبيِّ. وحديث الباب أخرجه الترمذي. ٧٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ بن مسربلٍ الأسديُّ (٤) البصريُّ الحافظ، أبو الحسن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ (٥) مولاهم، البصريُّ التَّنُّوريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السَّخْتِيَانيِّ (عَنْ حَفْصَةَ) بنت سيرين، أمِّ الهذيل البصريَّة الفقيهة (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسَيْبة؛ بنونٍ مضمومةٍ وسين مهملةٍ وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ، مصغَّرًا، بنت الحارث الأنصاريَّة أنَّها (قَالَتْ: بَايَعْنَا) بسكون العين (النَّبِيَّ ﷺ فَقَرَأَ عَلَيَّ) -بتشديد الياء، ولأبي ذرٍّ عن

стр. 12461

الكُشْمِيهَنيِّ: «علينا» بلفظ الجمع- قوله تعالى في سورة الممتحنة: (﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ) على الميِّت (فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسمَّ، أو هي أمُّ عطيَّة أبهمت نفسها (مِنَّا) من المبايِعات (يَدَهَا) عن المبايعة، فيه إشعارٌ بأنَّهنَّ كنَّ يبايعن بأيديهنَّ، لكن لا يلزم من مدِّ اليد المصافحة؛ فيُحتمَل أن يكون بحائلٍ من ثوبٍ ونحوه كما مرَّ، أو المراد بقبض اليد: التَّأخُّر عن القبول (فَقَالَتْ): يا رسول الله (فُلَانَةُ) لم تُسمَّ (أَسْعَدَتْنِي) أي: أقامت معي في نياحةٍ على ميِّتٍ لي تراسلني (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا) بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها: أن (١) أكافئها على إسعادها (فَلَمْ يَقُلْ ﷺ لَهَا شَيْئًا) بل سكت (فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ) قيل: إنَّما سكت ﵊؛ لأنَّه عرف أنَّه ليس من جنس النِّياحة المحرَّمة، أو ما التفت إلى كلامها؛ حيث بيَّن حكم النِّياحة لهنَّ، أو كان جوازها من خصائصها، وعند النَّسائيِّ في رواية أيُّوب: فأذهب فأُسعدها، ثم أجيئك فأُبايعك، قال: «اذهبي فأسعديها»، قالت: فذهبتُ فأسعدتها، ثمَّ جئتُ فبايعته، قال النَّوويُّ: وهذا محمولٌ على التَّرخيص لأمِّ عطيَّة خاصَّةً، وللشَّارع أن يخصَّ من العموم ما شاء. انتهى. وأُورد عليه غير أمِّ عطيَّة؛ كما سبق في «تفسير سورة الممتحنة»، فلا خصوصيَّة لأمِّ عطيَّة، واستدلَّ به بعض المالكيَّة على أنَّ النِّياحة ليست حرامًا، وإنَّما المحرُّم (٢) ما كان معه شيءٌ من أفعال الجاهليَّة؛ من نحو شقِّ جيبٍ وخمش وجهٍ، وفي المسألة أقوالٌ: منها أنَّه كان قبل التَّحريم، ومنها: قوله في الرواية الأخرى: «إلا آل فلان» فليس فيه نصٌّ على أنَّها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أن تساعدهم بنحو البكاء الذي لا نياحة معه، وأقرب الأجوبة: أنَّها كانت مباحةً، ثمَّ كُرِهت كراهة تنزيهٍ، ثمَّ كراهة تحريم، قالت أمُّ عطيَّة: (فَمَا وَفَتِ امْرَأَةٌ) -بتخفيف الفاء- بترك النَّوح ممَّن بايع معي (إِلَّا أُمُّ سُلَيْمٍ) بنت ملحان والدة أنسٍ (وَأُمُّ العَلَاءِ) امرأةٌ من الأنصار المبايعات، قاله ابن عبد البرِّ، ونسبها غيره فقال: بنت الحارث بن ثابت بن خارجة بن ثعلبة (وابْنَةُ (٣) أَبِي سَبْرَةَ) بفتح السِّين المهملة وسكون الباء (٤) الموحَّدة (امْرَأَةُ

стр. 12462

مُعَاذٍ) أي: ابن جبلٍ (أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ (١) وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ) بواو العطف، وفي «باب (٢) ما ينهى من النَّوح والبكاء» في (٣) «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٠٦] فما وفتِ منَّا امرأةٌ غير خمس نسوةٍ: أمِّ سُلَيمٍ وأمِّ العلاء وابنة أبي سَبْرة امرأة معاذٍ، وامرأتين، أو بنت أبي سَبْرة وامرأة معاذٍ وامرأةٍ أخرى، والشَّكُّ من الرَّاوي؛ هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذٍ أو هي غيرها؟ قال في «الفتح»: والذي يظهر لي أنَّ الرِّواية بواو العطف أصحُّ؛ لأنَّ امرأة معاذٍ هي أمُّ عمرو بنت خلَّاد بن عمرو السُّلَّميَّة، ذكرها ابن سعدٍ، فعلى هذا فابنة أبي سَبْرة غيرها، وفي «الدَّلائل» لأبي موسى من طريق حفصة: عن أمِّ عطيَّة وأمِّ معاذ بنت أبي سَبْرة، وفي رواية ابن عون عن ابن سيرين عن أمِّ عطيَّة: فما وفتْ غير أمِّ سليمٍ وأمِّ كلثوم وامرأة معاذ بنت (٤) أبي سبرة، كذا فيه، والصَّواب ما في «الصَّحيح»: امرأةُ معاذ وبنت (٥) أبي سبرة، ولعلَّ بنت أبي سَبْرة يقال لها: أمُّ كلثوم، وإن كانت الرِّواية التي فيها «أمُّ معاذٍ» محفوظةً؛ فلعلَّها أمُّ معاذ بن جبل؛ وهي هند بنت سهلٍ الجهنيَّة، ذكرها ابن سعدٍ أيضًا، وعُرِف بمجموع هذه النِّسوة الخمس المذكورات في «الجنائز» [خ¦١٣٠٦] وهنَّ (٦): أمُّ سُليمٍ، وأمُّ العلاء، وأمُّ كلثوم، وأمُّ عمرٍو، وهند إن كانت الرِّواية محفوظةً، وإلَّا؛ فالخامسة أمُّ عطيَّة؛ كما في «الطَّبرانيِّ» من طريق عاصمٍ عن حفصة عن أمِّ عطيَّة: فما وفت غيري وغيرُ أمِّ سُليمٍ، لكن أخرج إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» من طريق هشام بن حسَّان عن حفصة عن أمِّ عطيَّة قالت: كان فيما أُخِذ علينا ألَّا ننوح … الحديث، وفي آخره: وكانت لا تعدُّ نفسها؛ لأنَّها (٧) لما كان (٨) يوم الحرَّة؛ لم تزلِ النِّساء بها حتَّى قامت معهنَّ، فكانت لا تعدُّ نفسها لذلك، ففيه ردٌّ للسَّابق (٩)، ويُجمَع بأنَّها تركت عدَّ نفسها من يوم الحرَّة.

стр. 12463

(٥٠) (باب مَنْ نَكَثَ بَيْعَةً) بالمثلَّثة، أي: نَقَضَها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بَيْعتَهُ» بزيادة الضَّمير (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾) قال في «الكشَّاف»: لمَّا قال: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ أكَّده توكيدًا على طريقة التَّخييل، فقال: (﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾) يريد: أنَّ يد رسول الله ﷺ التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله منزَّهٌ عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنَّما المعنى تقرير أنَّ عقد الميثاق مع الرَّسول كعقده مع الله من غير تفاوتٍ بينهما؛ كقوله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. انتهى. وفي اختصاص الفوقيَّة تتميم معنى الظُّهور، وقال أبو البقاء: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿يَدُ اللهِ﴾ وما بعده الخبر، والجملة خبرٌ آخر لـ ﴿إِنَّ﴾ أو حالٌ من ضمير الفاعل في ﴿يُبَايِعُونَ﴾ أو مستأنفٌ (﴿فَمَن نَّكَثَ﴾): نقض العهد ولم يفِ بالبيعة (﴿فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾) فلا يعود ضرر نكثه إلَّا عليه (﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾) يُقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، أي: وَفَى في مبايعته (﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]) أي: الجنَّة، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿يَدُ اللهِ﴾ … » إلى آخرها. ٧٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأَنصاريُّ السَّلَميُّ -بفتح السِّين واللَّام- له ولأبيه صحبةٌ ﵄ أنَّه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لم يُسَمَّ، وقيل: قيس بن أبي حازمٍ، ورُدَّ بما سبق في «باب بيعة الأعراب» قريبًا [خ¦٧٢٠٩] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ): يا رسول الله (بَايِعْنِي عَلَى الإِسْلَامِ، فَبَايَعَهُ) ﵊ (عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَ الغَدَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من الغد» (مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي) بيعتي على الإقامة بالمدينة، ولم يُرِدِ الارتداد عنِ الإسلام؛ إذ لو أراده لقتله كما مرَّ قريبًا (فَأَبَى) فامتنع ﷺ أن يقيله؛ لأنَّ الخروج من المدينة كراهةً لها حرامٌ (فَلَمَّا وَلَّى)

стр. 12464

الأعرابيُّ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (المَدِينَةُ كَالكِيرِ) الذي يتَّخذه الحدَّاد، مبنيًّا من الطِّين، أو الكير: الزِّقُّ، والكور: ما بُنيَ من الطِّين (تَنْفِي خَبَثَهَا) بفتح الخاء (١) المعجمة والموحَّدة؛ وهو ما تُبرِزه النَّار من الجواهر المعدنيَّة، فيخلِّصها بما يميِّزه عنها من ذلك، وأنَّث ضمير الخبث؛ لأنَّه نزَّل المدينة منزلة الكير، فأعاد الضَّمير إليها (وَيَنْصَعُ) بفتح التَّحتيَّة (طِيبُهَا) بكسر الطَّاء والرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «وتَنصَع» بالفوقيَّة فـ «طيبها» منصوبٌ، قال في «شرح المشكاة»: ويُروى بفتح الطَّاء وكسر الياء المشدَّدة، وهي الرِّواية الصَّحيحة، وهي أقوم معنًى؛ لأنَّه ذكر في مقابلته الخبيث (٢)، وأيَّة (٣) مناسبةٍ بين الكير، والطِّيب؟ وقد شبَّه ﷺ المدينة وما يُصيب ساكنيها (٤) من الجهد والبلاء بالكير وما يوقد عليه في النَّار، فيُميَّز به الخبيث من الطَّيِّب، فيذهب الخبيث ويبقى الطَّيِّب فيه أزكى ما كانَ وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها (٥) بالحمَّى والوصب والجوع، وتطهِّر خيارها (٦) وتزكِّيهم. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وعند الطَّبرانيِّ بسندٍ جيِّدٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «من أعطى بيعةً ثمَّ نكثها؛ لقي الله وليست معه يمينه»، وعند أحمد من حديث أبي هريرة رفعه: «الصَّلاة كفَّارةٌ إلَّا من ثلاث: الشِّرك بالله، ونكث الصَّفقة … » الحديث، وفيه تفسير نكث الصَّفقة: أن تعطي رجلًا بيعتك ثمَّ تقايله. (٥١) (باب الاِسْتِخْلَافِ) أي: تعيين الخليفة عند موته خليفةً بعده، أو يُعيِّن جماعةً؛ ليتخيَّروا منهم واحدًا.

стр. 12465

٧٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن أبي بكرٍ أبو زكريَّا الحنظليُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) في أوَّل ما بدأ برسول (١) الله ﷺ وجعُه الذي تُوفِّي فيه متفجِّعةً من وجع رأسها: (وَا رَأْسَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (ذَاكِ) بكسر الكاف، أي: موتك؛ كما يدلُّ عليه السِّياق (لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ) الواو للحال (فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ) بكسر الكاف فيهما (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) مجيبةً له ﵊: (وَا ثُكْلِيَاهْ) بضمِّ المثلَّثة وسكون الكاف وكسر اللَّام، مصحَّحًا عليه (٢) في الفرع كأصله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وا ثكلاه!» بإسقاط الياء بعد اللَّام (وَاللهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي) فهمت ذلك من قوله لها: «لو كان وأنا حيٌّ» (وَلَوْ كَانَ ذَاكَ (٣)؛ لَظَلِلْتَ) بكسر اللَّام بعد المعجمة وسكون اللَّام بعدها، أي: لدنوت وقربت (آخِرَ يَوْمِكَ) حال كونك (مُعَرِّسًا) بكسر الرَّاء مشدَّدة بانيًا (٤) (بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ (٥) أَنَا وَا رَأْسَاهْ) إضرابٌ عن كلامها، أي: اشتغلي (٦) بوجع رأسي؛ إذ لا بأس بك، فأنت تعيشين بعدي، عرف ذلك بالوحي، ثمَّ قال ﵊: (لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ) قال: (أَرَدْتُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي- (أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ) بفتح الهمزة
следующие страницы →