الكُشْمِيهَنيِّ: «علينا» بلفظ الجمع- قوله تعالى في سورة الممتحنة: (﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ) على الميِّت (فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسمَّ، أو هي أمُّ عطيَّة أبهمت نفسها (مِنَّا) من المبايِعات (يَدَهَا) عن المبايعة، فيه إشعارٌ بأنَّهنَّ كنَّ يبايعن بأيديهنَّ، لكن لا يلزم من مدِّ اليد المصافحة؛ فيُحتمَل أن يكون بحائلٍ من ثوبٍ ونحوه كما مرَّ، أو المراد بقبض اليد: التَّأخُّر عن القبول (فَقَالَتْ): يا رسول الله (فُلَانَةُ) لم تُسمَّ (أَسْعَدَتْنِي) أي: أقامت معي في نياحةٍ على ميِّتٍ لي تراسلني (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا) بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها: أن (١) أكافئها على إسعادها (فَلَمْ يَقُلْ ﷺ لَهَا شَيْئًا) بل سكت (فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ) قيل: إنَّما سكت ﵊؛ لأنَّه عرف أنَّه ليس من جنس النِّياحة المحرَّمة، أو ما التفت إلى كلامها؛ حيث بيَّن حكم النِّياحة لهنَّ، أو كان جوازها من خصائصها، وعند النَّسائيِّ في رواية أيُّوب: فأذهب فأُسعدها، ثم أجيئك فأُبايعك، قال: «اذهبي فأسعديها»، قالت: فذهبتُ فأسعدتها، ثمَّ جئتُ فبايعته، قال النَّوويُّ: وهذا محمولٌ على التَّرخيص لأمِّ عطيَّة خاصَّةً، وللشَّارع أن يخصَّ من العموم ما شاء. انتهى. وأُورد عليه غير أمِّ عطيَّة؛ كما سبق في «تفسير سورة الممتحنة»، فلا خصوصيَّة لأمِّ عطيَّة، واستدلَّ به بعض المالكيَّة على أنَّ النِّياحة ليست حرامًا، وإنَّما المحرُّم (٢) ما كان معه شيءٌ من أفعال الجاهليَّة؛ من نحو شقِّ جيبٍ وخمش وجهٍ، وفي المسألة أقوالٌ: منها أنَّه كان قبل التَّحريم، ومنها: قوله في الرواية الأخرى: «إلا آل فلان» فليس فيه نصٌّ على أنَّها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أن تساعدهم بنحو البكاء الذي لا نياحة معه، وأقرب الأجوبة: أنَّها كانت مباحةً، ثمَّ كُرِهت كراهة تنزيهٍ، ثمَّ كراهة تحريم، قالت أمُّ عطيَّة: (فَمَا وَفَتِ امْرَأَةٌ) -بتخفيف الفاء- بترك النَّوح ممَّن بايع معي (إِلَّا أُمُّ سُلَيْمٍ) بنت ملحان والدة أنسٍ (وَأُمُّ العَلَاءِ) امرأةٌ من الأنصار المبايعات، قاله ابن عبد البرِّ، ونسبها غيره فقال: بنت الحارث بن ثابت بن خارجة بن ثعلبة (وابْنَةُ (٣) أَبِي سَبْرَةَ) بفتح السِّين المهملة وسكون الباء (٤) الموحَّدة (امْرَأَةُ
стр. 12462
مُعَاذٍ) أي: ابن جبلٍ (أَوِ ابْنَةُ أَبِي سَبْرَةَ (١) وَامْرَأَةُ مُعَاذٍ) بواو العطف، وفي «باب (٢) ما ينهى من النَّوح والبكاء» في (٣) «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٠٦] فما وفتِ منَّا امرأةٌ غير خمس نسوةٍ: أمِّ سُلَيمٍ وأمِّ العلاء وابنة أبي سَبْرة امرأة معاذٍ، وامرأتين، أو بنت أبي سَبْرة وامرأة معاذٍ وامرأةٍ أخرى، والشَّكُّ من الرَّاوي؛ هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذٍ أو هي غيرها؟ قال في «الفتح»: والذي يظهر لي أنَّ الرِّواية بواو العطف أصحُّ؛ لأنَّ امرأة معاذٍ هي أمُّ عمرو بنت خلَّاد بن عمرو السُّلَّميَّة، ذكرها ابن سعدٍ، فعلى هذا فابنة أبي سَبْرة غيرها، وفي «الدَّلائل» لأبي موسى من طريق حفصة: عن أمِّ عطيَّة وأمِّ معاذ بنت أبي سَبْرة، وفي رواية ابن عون عن ابن سيرين عن أمِّ عطيَّة: فما وفتْ غير أمِّ سليمٍ وأمِّ كلثوم وامرأة معاذ بنت (٤) أبي سبرة، كذا فيه، والصَّواب ما في «الصَّحيح»: امرأةُ معاذ وبنت (٥) أبي سبرة، ولعلَّ بنت أبي سَبْرة يقال لها: أمُّ كلثوم، وإن كانت الرِّواية التي فيها «أمُّ معاذٍ» محفوظةً؛ فلعلَّها أمُّ معاذ بن جبل؛ وهي هند بنت سهلٍ الجهنيَّة، ذكرها ابن سعدٍ أيضًا، وعُرِف بمجموع هذه النِّسوة الخمس المذكورات في «الجنائز» [خ¦١٣٠٦] وهنَّ (٦): أمُّ سُليمٍ، وأمُّ العلاء، وأمُّ كلثوم، وأمُّ عمرٍو، وهند إن كانت الرِّواية محفوظةً، وإلَّا؛ فالخامسة أمُّ عطيَّة؛ كما في «الطَّبرانيِّ» من طريق عاصمٍ عن حفصة عن أمِّ عطيَّة: فما وفت غيري وغيرُ أمِّ سُليمٍ، لكن أخرج إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» من طريق هشام بن حسَّان عن حفصة عن أمِّ عطيَّة قالت: كان فيما أُخِذ علينا ألَّا ننوح … الحديث، وفي آخره: وكانت لا تعدُّ نفسها؛ لأنَّها (٧) لما كان (٨) يوم الحرَّة؛ لم تزلِ النِّساء بها حتَّى قامت معهنَّ، فكانت لا تعدُّ نفسها لذلك، ففيه ردٌّ للسَّابق (٩)، ويُجمَع بأنَّها تركت عدَّ نفسها من يوم الحرَّة.
стр. 12463
(٥٠) (باب مَنْ نَكَثَ بَيْعَةً) بالمثلَّثة، أي: نَقَضَها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بَيْعتَهُ» بزيادة الضَّمير (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾) قال في «الكشَّاف»: لمَّا قال: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ أكَّده توكيدًا على طريقة التَّخييل، فقال: (﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾) يريد: أنَّ يد رسول الله ﷺ التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله منزَّهٌ عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنَّما المعنى تقرير أنَّ عقد الميثاق مع الرَّسول كعقده مع الله من غير تفاوتٍ بينهما؛ كقوله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. انتهى. وفي اختصاص الفوقيَّة تتميم معنى الظُّهور، وقال أبو البقاء: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿يَدُ اللهِ﴾ وما بعده الخبر، والجملة خبرٌ آخر لـ ﴿إِنَّ﴾ أو حالٌ من ضمير الفاعل في ﴿يُبَايِعُونَ﴾ أو مستأنفٌ (﴿فَمَن نَّكَثَ﴾): نقض العهد ولم يفِ بالبيعة (﴿فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾) فلا يعود ضرر نكثه إلَّا عليه (﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾) يُقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، أي: وَفَى في مبايعته (﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]) أي: الجنَّة، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿يَدُ اللهِ﴾ … » إلى آخرها.
٧٢١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأَنصاريُّ السَّلَميُّ -بفتح السِّين واللَّام- له ولأبيه صحبةٌ ﵄ أنَّه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لم يُسَمَّ، وقيل: قيس بن أبي حازمٍ، ورُدَّ بما سبق في «باب بيعة الأعراب» قريبًا [خ¦٧٢٠٩] (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ): يا رسول الله (بَايِعْنِي عَلَى الإِسْلَامِ، فَبَايَعَهُ) ﵊ (عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَ الغَدَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من الغد» (مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي) بيعتي على الإقامة بالمدينة، ولم يُرِدِ الارتداد عنِ الإسلام؛ إذ لو أراده لقتله كما مرَّ قريبًا (فَأَبَى) فامتنع ﷺ أن يقيله؛ لأنَّ الخروج من المدينة كراهةً لها حرامٌ (فَلَمَّا وَلَّى)
стр. 12464
الأعرابيُّ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ : (المَدِينَةُ كَالكِيرِ) الذي يتَّخذه الحدَّاد، مبنيًّا من الطِّين، أو الكير: الزِّقُّ، والكور: ما بُنيَ من الطِّين (تَنْفِي خَبَثَهَا) بفتح الخاء (١) المعجمة والموحَّدة؛ وهو ما تُبرِزه النَّار من الجواهر المعدنيَّة، فيخلِّصها بما يميِّزه عنها من ذلك، وأنَّث ضمير الخبث؛ لأنَّه نزَّل المدينة منزلة الكير، فأعاد الضَّمير إليها (وَيَنْصَعُ) بفتح التَّحتيَّة (طِيبُهَا) بكسر الطَّاء والرَّفع، ولأبي ذرٍّ: «وتَنصَع» بالفوقيَّة فـ «طيبها» منصوبٌ، قال في «شرح المشكاة»: ويُروى بفتح الطَّاء وكسر الياء المشدَّدة، وهي الرِّواية الصَّحيحة، وهي أقوم معنًى؛ لأنَّه ذكر في مقابلته الخبيث (٢)، وأيَّة (٣) مناسبةٍ بين الكير، والطِّيب؟ وقد شبَّه ﷺ المدينة وما يُصيب ساكنيها (٤) من الجهد والبلاء بالكير وما يوقد عليه في النَّار، فيُميَّز به الخبيث من الطَّيِّب، فيذهب الخبيث ويبقى الطَّيِّب فيه أزكى ما كانَ وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها (٥) بالحمَّى والوصب والجوع، وتطهِّر خيارها (٦) وتزكِّيهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وعند الطَّبرانيِّ بسندٍ جيِّدٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «من أعطى بيعةً ثمَّ نكثها؛ لقي الله وليست معه يمينه»، وعند أحمد من حديث أبي هريرة رفعه: «الصَّلاة كفَّارةٌ إلَّا من ثلاث: الشِّرك بالله، ونكث الصَّفقة … » الحديث، وفيه تفسير نكث الصَّفقة: أن تعطي رجلًا بيعتك ثمَّ تقايله.
(٥١) (باب الاِسْتِخْلَافِ) أي: تعيين الخليفة عند موته خليفةً بعده، أو يُعيِّن جماعةً؛ ليتخيَّروا منهم واحدًا.
стр. 12465
٧٢١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن أبي بكرٍ أبو زكريَّا الحنظليُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂¬) في أوَّل ما بدأ برسول (١) الله ﷺ وجعُه الذي تُوفِّي فيه متفجِّعةً من وجع رأسها: (وَا رَأْسَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لها: (ذَاكِ) بكسر الكاف، أي: موتك؛ كما يدلُّ عليه السِّياق (لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ) الواو للحال (فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ) بكسر الكاف فيهما (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) مجيبةً له ﵊: (وَا ثُكْلِيَاهْ) بضمِّ المثلَّثة وسكون الكاف وكسر اللَّام، مصحَّحًا عليه (٢) في الفرع كأصله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وا ثكلاه!» بإسقاط الياء بعد اللَّام (وَاللهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي) فهمت ذلك من قوله لها: «لو كان وأنا حيٌّ» (وَلَوْ كَانَ ذَاكَ (٣)؛ لَظَلِلْتَ) بكسر اللَّام بعد المعجمة وسكون اللَّام بعدها، أي: لدنوت وقربت (آخِرَ يَوْمِكَ) حال كونك (مُعَرِّسًا) بكسر الرَّاء مشدَّدة بانيًا (٤) (بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ (٥) أَنَا وَا رَأْسَاهْ) إضرابٌ عن كلامها، أي: اشتغلي (٦) بوجع رأسي؛ إذ لا بأس بك، فأنت تعيشين بعدي، عرف ذلك بالوحي، ثمَّ قال ﵊: (لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ) قال: (أَرَدْتُ) بالشَّكِّ من الرَّاوي- (أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ) بفتح الهمزة
стр. 12466
وبالنَّصب عطفًا على «أُرسلَ» أي: أوصي بالخلافة لأبي بكر كراهية (أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ): الخلافة لنا أو لفلانٍ (أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ) أن تكون الخلافة لهم، فأعيِّنه قطعًا للنِّزاع والأطماع، وقد أراد الله ألَّا يعهد؛ ليؤجر المسلمون على الاجتهاد (ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللهُ) إلَّا أن تكون الخلافة لأبي بكر (وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ) خلافة غيره (أَوْ يَدْفَعُ اللهُ) خلافة غيره (وَيَأْبَى المُؤْمِنُونَ) إلَّا خلافته، فالشَّكُّ من الرَّاوي في التَّقديم والتَّأخير، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «ادعوا لي أبا بكرٍ أكتب (١) كتابًا؛ فإنِّي أخاف أن يتمنَّى مُتمَنٍّ ويأبى الله والمؤمنون إلَّا أبا بكرٍ»، وفي روايةٍ للبزَّار: «معاذ الله أن يختلف النَّاس على أبي بكر»، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ المراد: الخلافة، وهو الذي فهمه البخاريُّ من حديث الباب، وترجم به.
والحديث سبق في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٦٦].
٧٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِرْيابيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ أنَّه (قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ) لمَّا أُصيب: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَسْتَخْلِفُ) خليفة بعدك على النَّاس؟ (قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ
стр. 12467
اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ) أي: حيث استخلفه (وَإِنْ أَتْرُكْ (١)) أي: الاستخلاف (فَقَدْ تَرَكَ) التَّصريح بالتَّعيين فيه (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) فأخذ عمر ﵁ وسطًا من الأمرين، فلم يتركِ التَّعيين بمرَّةٍ، ولا فعله منصوصًا فيه على الشَّخص المستَخْلَف، وجعل الأمر في ذلك شورى بين من قُطِع لهم بالجنَّة، وأبقى النَّظر للمسلمين في تعيين من اتَّفق عليه رأي الجماعة الذين جُعِلَتِ الشُّورى فيهم (فَأَثْنَوْا) أي: الحاضرون من الصَّحابة (عَلَيْهِ) على عمر خيرًا (فَقَالَ) عمر: (رَاغِبٌ) في حسن رأيٍ فيه (ورَاهِبٌ) بإثبات الواو، وسقطت من «اليونينيَّة» أي: راهبٌ من إظهار ما يضمره من كراهيته، أو المعنى: راغبٌ فيما عندي وراهبٌ منِّي، أو المراد: النَّاس راغبٌ في الخلافة وراهبٌ منها، فإن ولَّيت الرَّاغب فيها؛ خشيت ألَّا يُعان عليها، وإن ولَّيت الرَّاهب منها؛ خشيت ألَّا يقوم بها، وقال عياضٌ: هما وصفان لعمر، أي: راغبٌ فيما عند الله، وراهبٌ من عقابه، فلا أعوِّل على ثنائكم، وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم (وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا) أي: من الخلافة (كَفَافًا) بفتح الكاف وتخفيف الفاء (لَا لِي) خيرُها (وَلَا عَلَيَّ) شرُّها (لَا أَتَحَمَّلُهَا) أي: الخلافة (حَيًّا وَمَيِّتًا) ولأبي ذرٍّ: «ولا ميِّتًا» فلا أعيِّن لها شخصًا بعينه، فأتحمَّلها في حال الحياة والممات.
وفي الحديث: جواز عقد الخلافة من الإمام المتولِّي لغيره بعده، وأنَّ أمره في ذلك جائزٌ على عامَّة المسلمين؛ لإطباق الصَّحابة ومن بعدهم معهم (٢) على العمل بما عهده أبو بكرٍ لعمر؛ وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى السِّتَّة، وهو شبيهٌ بإيصاء الرَّجل على ولده؛ ليكون نظره فيما يصلح أتمَّ من غيره؛ فكذلك الإمام، وقال النَّوويُّ وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بأهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ؛ حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمرَ شورى بين عددٍ مخصوصٍ أو غيره.
стр. 12468
٧٢١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء الصَّغير، أبو إسحاق الرَّازيُّ قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الآخِرَةَ) نصب صفة «خطبة» (حِينَ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ) وكانت كالاعتذار عن قوله في الخطبة الأولى الصَّادرة منه يوم مات النَّبيُّ ﷺ : إنَّ محمَّدًا لم يمت، وإنَّه سيرجع، وكانت خطبته الآخرة بعد عقد البيعة لأبي بكرٍ في سقيفة بني ساعدة (وَذَلِكَ الغَدَ) نُصِب على الظَّرفيَّة، أي: إتيانه بالخطبة في الغد (مِنْ يَوْمٍ) بالتَّنوين (تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ ، فَتَشَهَّدَ) عمر (وَأَبُو بَكْرٍ) أي: والحال أنَّ أبا بكرٍ (صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، قَالَ) عمر: (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ الموحَّدة بينهما دالٌ مهملةٌ ساكنةٌ (يُرِيدُ) عمر (بِذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ) النَّبيُّ ﷺ (آخِرَهُمْ) (١) موتًا، وفي رواية عُقيلٍ عن ابن شهابٍ عند الإسماعيليِّ: حتَّى يُدبِّر أمرنا، بتشديد الموحَّدة، ثمَّ قال عمر: (فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّ الله جَعَل» (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا) أي: قرآنًا (تَهْتَدُونَ بِهِ، هَدَى اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ ¬) أي: به؛ كذا في غير ما فرعٍ من فروع «اليونينيَّة»، وفي بعض الأصول وعليه شرح العينيِّ كابن حجرٍ رحمهما الله تعالى: «تهتدون به بما هدى الله محمَّدًا ﷺ »، وفي «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٦٩] و «هذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم، فخذوا به تهتدوا لما هدى الله به رسوله (٢) ﷺ » (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) قدَّم الصُّحبة لشرفها، ولمَّا شاركه فيها غيره؛ عطف عليها ما انفرد (٣) به؛ وهو كونه (﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾) ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] وهي (٤) أعظم فضيلةٍ استحقَّ بها الخلافة؛ كما قاله السَّفاقسيُّ، قال: ومن ثَمَّ قال عمر: (فَإِنَّهُ) بالفاء في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «وإنَّه» (أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا) أيُّها الحاضرون (فَبَايِعُوهُ) بكسر
стр. 12469
التَّحتيَّة (وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ) بفتح التَّحتيَّة (قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) بن كعب بن الخزرج، والسَّقيفة السَّاباط؛ مكان اجتماعهم للحكومات، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ السَّبب في هذه المبايعة مبايعة مَن لم يحضر في السَّقيفة (وَكَانَتْ بَيْعَةُ العَامَّةِ عَلَى المِنْبَرِ) في اليوم المذكور صبيحة اليوم الذي بويع فيه في السَّقيفة (قَالَ (١) الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ بالسَّند السَّابق (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لأَبِي بَكْرٍ) ﵃ (يَوْمَئِذٍ: اصْعَدِ المِنْبَرَ) بفتح العين (فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ المِنْبَرَ) بكسر العين، وللكشميهنيِّ: «حتَّى أصْعَدَه» بزيادة همزةٍ مفتوحةٍ وسكون الصَّاد (فَبَايَعَهُ النَّاسُ) مبايعةً (عَامَّةً) وهي أشهر من البيعة الأولى.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وإنَّه أولى المسلمين بأموركم» (٢).
٧٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) جُبير بن مطعم بن عديِّ النَّوفليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ) لم تَسمَّ (فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ) يعطيها (فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فقالت»: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟) قال جُبير بن مُطعِمٍ: (كَأَنَّهَا تُرِيدُ المَوْتَ) تعني: إن جئت فوجدتك قد متَّ؛ ماذا أعمل؟ (قَالَ) ﷺ : (إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ) وفيه إشارةٌ إلى أنَّ أبا بكرٍ هو الخليفة بعده ﵊، وفي «معجم (٣) الإسماعيليِّ» من حديث سهل بن أبي حَثْمة قال: بايع النَّبيُّ ﷺ أعرابيًّا فسأله: إن أتى عليه أجله؛ مَن يقضيه؟ فقال: «أبو بكرٍ»، ثمَّ سأله: مَن يقضيه بعده؟ قال: «عمر … » الحديث، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من هذا الوجه مختصرًا.
стр. 12470
وحديث الباب سبق في «فضل أبي بكر ﵁» [خ¦٣٦٥٩].
٧٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) الجُدليُّ -بضمِّ الجيم- أبو عمرٍو الكوفيُّ العابد (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليِّ الأحمسيِّ، أبي عبد الله الكوفيِّ، قال أبو داود: رأى النَّبيَّ ﷺ ولم يسمع منه (عَنْ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ) بضمِّ الموحَّدة بعدها زايٌ مخفَّفةٌ فألفٌ فخاءٌ معجمةٌ مفتوحةٌ فهاء تأنيثٍ؛ وهم من طيِّئ وأسد وغطفان قبائل كثيرةٌ، وكانت هؤلاء القبائل ارتدُّوا بعد النَّبيِّ ﷺ ، واتَّبعوا طُليحة بن خويلدٍ الأسديَّ، وكان ادَّعى النُّبوَّة بعد النَّبيِّ ﷺ ، فقاتلهم خالد بن الوليد بعد فراغه من مسيلمة، فلمَّا غلب عليهم؛ تابوا وبعثوا وفدهم إلى أبي بكرٍ يعتذرون (١) إليه (٢)، فأحبَّ أبو بكرٍ ألَّا يقضي فيهم إلَّا بعد المشاورة في أمرهم، فقال لهم: (تَتْبَعُونَ) بسكون الفوقيَّة الثَّانية (أَذْنَابَ الإِبِلِ) في الصَّحارى (حَتَّى يُرِيَ اللهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ ﷺ وَالمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ) وهذا مختصرٌ ساقه الحميديُّ في «الجمع بين الصحيحين» بلفظ: جاء وفد بُزَاخة من أسدٍ وغطفان إلى أبي بكرٍ يسألونه الصُّلح، فخيَّرهم بين الحرب المُجلِية والسِّلم المُخزِية، فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها، فما المخزية؟ قال: ننزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم (٣) ما أصبنا منكم، وتردُّون (٤) علينا ما أصبتم منَّا، وتدون لنا قتلانا، ويكون قتلاكم في النَّار، وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتَّى يُري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به، فعرض أبو بكرٍ ما قاله على القوم، فقام عمر فقال: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك (٥)، أمَّا ما ذكرت من أن
стр. 12471
يُنزَع منهم (١) الكراع والحلقة؛ فنِعْم ما رأيت، وأمَّا تدون قتلانا ويكون قتلاكم في النَّار؛ فإنَّ قتلانا قاتلت على أمر الله، وأجورها على الله، وليست لها دِيات، قال: فتتابع النَّاس على قول عمر، والمُجْلِية -بالجيم وضمِّ الميم- من الجَلاء، أي: الخروج من جميع المال، والمُخْزِية -بالخاء المعجمة والزَّاي- من الخزي، أي: القرار على الذُّلِّ والصَّغار، وفائدة نزع ذلك منهم ألَّا تبقى لهم شوكةٌ؛ ليأمن النَّاس من جهتهم (٢)، وقوله: وتتبعون أذناب الإبل، أي: في رعايتها؛ لأنَّهم إذا نُزِعت منهم آلة الحرب؛ رجعوا أعرابًا (٣) في البوادي لا عيش لهم إلَّا ما يعود عليهم من منافع إبلهم.
وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ.
(٥١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير (٤) ترجمةٍ، وهو (٥) ثابت في رواية المُستملي ساقطٌ لغيره.
٧٢٢٢ - ٧٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العنزيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عُميرٍ أنَّه قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ) بفتح المهملة وضمِّ الميم، ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا) وعند مسلمٍ من رواية سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عُميرٍ: «لا يزال أمر النَّاس ماضيًا ما وليهم (٦) اثنا عشر رجلًا» (فَقَالَ) ﵊ (كَلِمَةً لَمْ
стр. 12472
أَسْمَعْهَا، فَقَالَ أَبِي) سَمُرة: (إِنَّهُ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) وفي رواية سفيان: فسألت أبي: ماذا قال رسول الله ﷺ ؟ فقال: «كلُّهم من قريشٍ»، وعند أبي داود من طريق الشَّعبيِّ عن جابر بن سَمُرة: «لا يزال هذا الدِّين عزيزًا إلى اثني عشر خليفةً»، قال: فكبَّر النَّاس وضجُّوا، فلعلَّ هذا هو سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابرٍ، وفيه ذكر الصِّفة التي تختصُّ بولايتهم؛ وهي كون الإسلام عزيزًا، وعند أبي داود أيضًا (١) من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ عن أبيه عن جابر بن سَمُرة: «لا يزال هذا الدِّين قائمًا حتَّى يكون عليكم اثنا عشر خليفةً كلُّهم تجتمع عليه الأمَّة»، فيُحتمَل أن يكون المراد: أن يكون الاثنا عشر في مدَّة عزَّة الخلافة، وقوَّة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة؛ كما في رواية أبي داود: «كلُّهم تجتمع عليه الأمَّة»، وهذا قد وُجِد فيمن اجتمع (٢) عليه النَّاس إلى أنِ اضطرب أمر بني أميَّة، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتَّصلت بينهم إلى أن قامت الدَّولة العبَّاسيَّة، فاستأصلوا أمرهم، وتغيَّرت الأحوال عمَّا كانت عليه تغيُّرًا بيِّنًا، وهذا العدد موجودٌ صحيحٌ إذا اعتُبِر، وقيل: يكونون في زمنٍ واحدٍ كلُّهم يدَّعي الإمارة تفترق النَّاس عليهم، وقد وقع في المئة الخامسة في الأندلس وحدها ستَّةُ أنفسٍ كلُّهم تَسمَّى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر والعبَّاسيُّ ببغداد إلى من كان يدَّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلويَّة والخوارج، ويُحتمَل أن تكون الاثنا عشر خليفةً بعد الزَّمن النَّبويِّ، فإنَّ جميع من وَلي الخلافة من الصِّدِّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسًا، منهم اثنان لم تصحَّ ولايتهما، ولم تطُل مدَّتهما؛ وهما: معاوية بن يزيد ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفسًا على الولاء؛ كما أخبر النَّبيُّ (٣) ﷺ ، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومئة، وتغيَّرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأوَّل الذي هو خير القرون، ولا يقدح في ذلك قوله في الحديث الآخر: «يجتمع عليهم النَّاس»؛ لأنَّه يُحمَل على الأكثر الأغلب؛ لأنَّ هذه الصِّفة لم تفقد منهم إلَّا في الحسن بن عليٍّ وعبد الله بن الزُّبير، مع صحَّة ولايتهما، والحكم بأنَّ من خالفهما لم يثبت استحقاقه إلا بعد تسليم الحسن
стр. 12473
وقتل ابن الزُّبير، وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمةً، وإن وُجِد في بعض مدَّتهم خلاف ذلك؛ فهو بالنِّسبة إلى الاستقامة نادرٌ، والله أعلم. انتهى. ملخّصًا من «فتح الباري».
(٥٢) (باب إِخْرَاجِ الخُصُومِ) أي: أهل المخاصمات (وَأَهْلِ الرِّيَبِ) بكسر الرَّاء وفتح التَّحتيَّة: التُّهم (مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ) أي: بعد الشُّهرة بذلك؛ لتأذِّي الجيران بهم ومجاهرتهم (١) بالمعاصي (وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ) أمَّ فروة بنت أبي قحافة (حِينَ نَاحَتْ) على أخيها أبي بكرٍ ﵁ لمَّا مات، ووصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مسنده» من طريق سعيد بن المسيَّب قال: لمَّا مات أبو بكرٍ بُكِي عليه، قال عمر لهشام بن الوليد: قمْ فأخرج النِّساء … الحديث، وفيه: فجعل يخرجهنَّ (٢) امرأةً امرأةً حتَّى خرجت أمُّ فروة.
٧٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمامُ الأعظم (عَنْ أَبي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: بتقديره (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي: عزمت (أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ) ولأبي الوقت: «فيُحْتَطَب» أي: يُكْسَر؛ ليسهل اشتعال النَّار به (ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا) بفتح الذَّال المعجمة المشدَّدة (ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي: آتيهم من خلفهم، وقال الجوهريُّ: خالف إلى
стр. 12474
فلانٍ: أتاه إذا غاب عنه؛ والمعنى: أخالف الفعل الذي ظهر منِّي؛ وهو إقامة الصَّلاة، فأتركه وأسير إليهم (فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) بتشديد راء «فأحرق»، والمراد به: التَّكثير، يُقال: حرَّقه؛ إذا بالغ في تحريقه، وفيه إشعارٌ بأنَّ العقوبة ليست قاصرةً على المال، بل المراد: تحريق المقصودِين، والبيوت تبعٌ للقاطنين بها (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «أحدهم» بالهاء بدل الكاف، وفيه إعادة اليمين للتَّأكيد (أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا) بفتح العين المهملة وسكون الرَّاء بعدها قافٌ: عظمًا بلا لحمٍ (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ؛ لَشَهِدَ العِشَاءَ) بكسر الميم الأولى، تثنية مرماة: ما بين ظِلْفَي الشَّاة من اللَّحم، أي: لو علم أنَّه إن حضر صلاة العشاء؛ لوجد نفعًا دنيويًّا وإن كان خسيسًا حقيرًا؛ لحضرها (١) لقصور همَّته، ولا يحضرها لِما لها من الثَّواب.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفَِرَبْريِّ: (قَالَ يُونُسُ) قال العينيُّ: لم أقف عليه، وبيَّض له في «فتح الباري» في النُّسخة التي عندي منه: (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو أحمد الفارسيُّ راوي «التَّاريخ الكبير» عن البخاريِّ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (مِرْمَاةٌ: مَا بَيْنَ ظِلْفِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحْمِ؛ مِثْلُ: مِنْسَاةٍ وَمِيضَاةٍ) الميم مخفوضةٌ في كلٍّ من «المِنساة والمِيضاة»، وقد نزل الفَِرَبْريّ في هذا التَّفسير درجتين؛ فإنَّه أدخل بينه وبين شيخه البخاري رجلين، أحدهما عن الآخر، وثبت هذا التَّفسير في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي وحده، وسقط لغيره، وفي الحديث: أنَّ من طُلِبَ بحقٍّ فاختفى، أو تمنَّع في بيته مَطْلًا؛ أُخرِج منه بكلِّ طريقٍ يُتوصَّل إليه بها؛ كما أراد النَّبيُّ ﷺ إخراج المتخلِّفين عن الصَّلاة بإلقاء النَّار عليهم في بيوتهم.
والحديث سبق في «الجماعة» [خ¦٦٤٤] و «الإشخاص» [خ¦٢٤٢٠].
(٥٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه (هَلْ) يجوز (لِلإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ المُجْرِمِينَ وَأَهْلَ المَعْصِيَةِ مِنَ الكَلَامِ مَعَهُ وَالزِّيَارَةِ) له (وَنَحْوِهِ؟) أي: ونحو ذلك، وعطفُ «وأهل المعصية» على السَّابق من عطف العامِّ على الخاصِّ.
стр. 12475
٧٢٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، هو ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ» (وَكَانَ) عبد الله (قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ) بفتح الموحَّدة وكسر النُّون بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ (حِينَ عَمِيَ) وفي رواية مَعْقلٍ عن ابن شهابٍ عند «مسلمٍ»: وكان قائدَ كعبٍ حين أُصِيب بصره، وكان أعلمَ قومه وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله ﷺ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بغير صرفٍ للأكثر، زاد أحمد من رواية معمَرٍ: «وهي آخر غزوة غزاها» (فَذَكَرَ حَدِيثَهُ) بطوله السَّابق في آخر (١) «المغازي» [خ¦٤٤١٨] إلى أن قال: (وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا) أيُّها الثَّلاثة المتخلِّفين؛ وهم كعبٌ وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع (فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَآذَنَ) بالمدِّ: أعلم (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا) أيُّها الثَّلاثة.
ومطابقة الحديث للجزء الأخير من التَّرجمة واضحٌ (٢)، وفيه جواز الهجر أكثر من ثلاثٍ، وأمَّا النَّهي عنه فوق ثلاثٍ؛ فمحمولٌ على من لم يكن هجرانه شرعيًّا، وسبق الحديث مُطوَّلًا ومختصرًا مرَّاتٍ، والله الموفِّق والمعين.
وهذا آخر «كتاب الأحكام»، فرغتُ منه مُستَهَلَّ سنة ستَّ عشرة وتسع مئةٍ، أحسن الله فيها وفيما بعدها عاقبتَنا، وكفانا جميع المُهِمَّات، وأفاض علينا من فواضِل فَضْله العميم، وهدانا
стр. 12476
إلى الصِّراط المستقيم، وأعانني على إكمال هذا الشَّرح كتابةً وتحريرًا، ونفع به وَجَعَله خالصًا لوجهه الكريم، أستودِعُه تعالى ذلك وجميع ما أنعم به عليَّ، وأسأله أن يُطيل عُمري في طاعته، ويُلبِسني أثوابَ عافيته، ويجعل وفاتي في طَيْبةَ الطَّيِّبةَ مع الرِّضا والإسلام، والحمد لله، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا (١).
стр. 12477
((٩٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب التَّمنيِّ) «تفعُّل» من «الأُمنيَّة» والجمع «أمانيُّ» والتَّمنِّي طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسرٌ، فالأوَّل: نحو قول الطَّاعن في السِّنِّ: ليت الشَّباب يعود يومًا! فإنَّ عود الشَّباب لا طمع فيه لاستحالته عادةً، والثَّاني: نحو قول مُنقطِع الرَّجاء من مالٍ يحجُّ به: ليت لي مالًا فأحجَّ منه، فإنَّ حصول المال ممكنٌ ولكنْ فيه عسرٌ، ويمتنع «ليت غدًا يجيء» فإنَّ غدًا واجبُ المجيء، والحاصل أنَّ التَّمنِّي يكون في الممتنع والممكن، ولا يكون في الواجب، وأمَّا التَّرجِّي فيكون في الشَّيء المحبوب نحو: لعلَّ الحبيب قادمٌ، والإشفاق في الشَّيء المكروه نحو ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] أي: قاتلٌ نفسك، والمعنى: أَشفِقْ على نفسك أن تقتلها حسرةً على ما فاتك من إسلام قومك، قاله في «الكشَّاف» فتوقُّع المحبوب يسمَّى ترجِّيًا، وتوقُّع المكروه يسمَّى إشفاقًا، ولا يكون التَّوقُّع إلَّا في الممكن، وأمَّا قول فرعون: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فجهلٌ منه أو إفكٌ، قاله في «المغني» والإشفاق لغةً الخوف، يقال: أشفقت عليه، بمعنى: خِفتُ عليه، وأشفقتُ منه، بمعنى خفتُ منه وحَذِرتُه.
(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي التَّمَنِّي، وَمَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ) بإثبات البسملة وما بعدها لأبي ذرٍّ عن المُستملي، وكذا هو عند ابن بطَّال لكن بلا بسملة، وأثبتها السَّفاقسيُّ لكن بحذف لفظ «باب» وللنَّسفيِّ بعد البسملة «ما جاء في التَّمنِّي» وللقابسيِّ بحذف الواو والبسملة و «كتاب».
стр. 12478
٧٢٢٦ - وبه قال: (حَدَّثنا سَعيدٌ ابْنُ عُفَيرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَيرٍ -بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء- الحافظ أبو عثمان الأنصاريُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حزنٍ الإمام أبي محمَّدٍ المخزوميِّ سيِّد التَّابعين: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) في تصريف قدرته (لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي) عن الغزو معي لعجزهم عن آلة السَّفر من مركوبٍ وغيره (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ) عليه (مَا تَخَلَّفْتُ) عن سريَّةٍ تغزو في سبيل الله (لَوَدِدْتُ) بفتح اللَّام والواو وكسر الدَّال المهملة الأولى وسكون الثَّانية، واللَّام للقسَم، وفي «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧] «والذي نفسي بيده لوددت» (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَا) بضمِّ الهمزة فيهما، كاللَّاحق (ثُمَّ أُقتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحيَا، ثُمَّ أُقتَلُ) بتكرير «ثُمَّ» ستَّ مرَّاتٍ، وختمه بـ «أقتل» لأنَّ الغرض الشَّهادةُ فجعلها آخرًا، والودُّ -كما قال الرَّاغب-: محبَّة الشَّيء (١) وتمنِّي حصوله، وتمنِّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع فقد قال ﷺ : «وددت أنَّ موسى ﵇ صبر» فكأنَّه أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين، وبهذا يجاب عن استشكال صدور هذا التَّمنِّي منه ﷺ مع أنَّه يعلم أنَّه لا يُقتَل، وأجاب السَّفاقسيُّ عنه باحتمال أن يكون قبل نزول آية ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وتُعُقِّب بأنَّ نزولها كان في أوائل قدومه المدينة، والحديث صرَّح أبو هريرة بأنَّه سمعه من النَّبيِّ ﷺ ، وإنَّما قَدِم أبو هريرة في أوائل سنة سبعٍ من الهجرة، وحكى ابن الملقِّن أنَّ بعضهم زعم أنَّ قوله: «لوددت» مُدرَجٌ من كلام أبي هريرة، قال: وهو بعيدٌ، وفيه جواز تمنِّي ما يمتنع في العادة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة مستفادٌ (٢) من التَّمنِّي في قوله: «لوددت» والحديث سبق في «الجهاد» في «باب تمنِّي الشَّهادة» [خ¦٢٧٩٧].
стр. 12479
٧٢٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ) بغير لامٍ (١) (أَنِّي لَأُقَاتِلُ) بلام التَّأكيد من «باب المفاعلة» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أُقاتلُ» (فِي سَبِيلِ اللهِ) بإسقاط اللَّام (فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ) بتكرير (٢) «ثُمَّ» أربع مرَّاتٍ، وزاد غير أبي ذرٍّ: «ثمَّ أُحيا، ثمَّ أُقتل، ثمَّ أُحيا» بتكرارها ثلاثًا كذا في الفرع وفي غيره بإسقاط الأخيرة (فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (يَقُولُهُنَّ) أي: كلمات «أقتل» (ثَلَاثًا، أَشْهَدُ بِاللهِ) أنَّه ﷺ قال ذلك، وفائدته التَّأكيد، وظاهره أنَّه من كلام الرَّاوي عن أبي هريرة أي: أشهد بالله أنَّ أبا هريرة كان يقول -أي: كلمات-: «أقتل» ثلاث مرّاتٍ.
(٢) (باب تَمَنِّي الخَيْرِ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٥] بلفظه: (لَوْ كَانَ لِي أُحُدٌ ذَهَبًا) وجواب «لو» قوله في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في هذا الباب: «لأحببت … » [خ¦٧٢٢٨] إلى آخره.
٧٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه (٣) إلى جدِّه، واسمُ أبيه إبراهيمُ البخاريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ الحافظ أبو بكرٍ الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ)
стр. 12480
أبي عروة بن راشدٍ الأزديِّ مولاهم (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ الصَّنعانيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدِي أُحُدٌ) الجبل المعروف (ذَهَبًا) وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة عند أحمد في أوَّله: «والذي نفسي بيده» وجواب «لو» قوله: (لأَحْبَبْتُ أَن لا يَأْتِيَ ثَلَاثٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «عليَّ ثلاثٌ» (وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، لَيْسَ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ) بفتح الهمزة وضمِّ الصَّاد المهملة، وفي نسخة الحافظ أبي ذرٍّ وهو في نسخةٍ مقروءةٍ على الأصل «أُرْصِده» بضمِّ الهمزة وكسر الصَّاد (فِي دَيْنٍ) بفتح الدَّال المهملة (عَلَيَّ) بتشديد الياء (أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ) والضَّمير لـ «الدِّينار» أو لـ «الدَّين»، والجملة حاليَّةٌ، قال الزَّركشيُّ: وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ اختلَّ به الكلام، وأصله: وعندي منه دينارٌ أجِدُ مَن يقبله ليس شيءٌ أرصده في دَينٍ، ففصل بين الموصوف -وهو «دينارٌ» - وصفته -وهو قوله: «أجد» - بالمستثنى، قال البدر الدَّمامينيّ: لا اختلال (١) إن شاء الله تعالى، ولا تقديم ولا تأخير، والكلام مستقيمٌ بحمد الله، وذلك بأن يجعل قوله: «ليس شيئًا أرصده لدَينٍ عليَّ» صفةً لـ «دينارٌ» والعائد اسم «ليس»، وهو الضمير المستكنُّ فيها، وقوله: «أجد من يقبله» حالٌ من «دينار» (٢) وإن كان نكرةً؛ لكونه تخصَّص بالصِّفة، وحاصل المعنى أنَّه لا يجب على تقدير ملكه لأُحُدٍ ذهبًا أن يبقى عنده بعد ثلاث ليالٍ من ذلك المال دينارٌ موصوفٌ بكونه ليس مرصَدًا لوفاء ديَنٍ عليه في حال أنَّ له قابلًا لا يجده، وهذا معنًى -كما تراه- لا اختلال فيه، وليس في الكلام على التَّقدير الذي قلناه تقديمٌ ولا تأخيرٌ، فتأمَّله. وذكر الصَّغَانيُّ: أنَّ الصَّواب «ليس شيئًا» بالنَّصب، وقال في «اللَّامع»: إنَّه في رواية الأَصيليِّ بالنَّصب، ولغيره بالرَّفع، ووجه الدَّلالة على التَّمنِّي (٣) من الحديث -مع أنَّ «لو» إنَّما هي امتناع (٤) الشَّيء لامتناع غيره، لا للتَّمنِّي- أنَّ «لو» هنا شرطيَّةٌ بمعنى: «إنْ» ومحبَّة كون غير الواقع واقعًا هو نوعٌ من التَّمنِّي، فغايته أنَّ هذا تمنٍّ على هذا التقدير، قال السَّكَّاكيُّ: الجملة الجزائيَّة جملةٌ خبريَّةٌ مقيَّدةٌ بالشَّرط، فعلى هذا فهو تمنٍّ بالشَّرط، قاله في «الكواكب».
والحديث سبق في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤٥].
стр. 12481
(٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) وجواب «لو» في الحديث اللَّاحق.
٧٢٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيرٍ -بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف- أبو زكريَّا المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) ابن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂، ولأبي ذرٍّ: «عن عروة عن عائشة» أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) و «ما» موصولٌ، والعائد محذوفٌ، أي: الذي استدبرته، والمعنى: لو علمت في أوَّل الحال ما علمت آخرًا من جواز العمرة في أشهر الحجِّ، وجواب «لو» قوله: (مَا سُقْتُ) معي (الهَدْيَ) أي: ما قرنت (١)، أو ما أفردت (وَلَحَلَلْتُ (٢)) أي: لتمتَّعت (مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا) لأنَّ صاحب الهدي لا يمكن له الإحلالُ حتَّى يبلغ الهدي محلَّه، وقال ذلك صلوات الله وسلامه عليه تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه يشقُّ عليهم أن يحلُّوا ورسول الله ﷺ مُحرِمٌ.
ومباحث ذلك مرَّت في «الحجِّ» [خ¦١٦٥١].
стр. 12482
٧٢٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين ابن شقيقٍ الجَرميُّ -بفتح الجيم- البصريُّ نزيل الرَّيِّ، قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن زُرَيعٍ البصريُّ (عَنْ حَبِيبٍ) بفتح الحاء المهملة وكسر الموحَّدة الأولى ابن أبي قُريبة أبي محمَّد المعلِّم البصريِّ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) في حجَّة الوداع (فَلَبَّيْنَا بِالحَجِّ) مفردًّا (وَقَدِمْنَا مَكَّةَ لأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ) بضمِّ الطَّاء وسكون الواو (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَنْ نَجْعَلَهَا) أي: الحجَّة (عُمْرَةً) وهو معنى فسخ الحجِّ إلى العمرة (وَلْنَحِلَّ) -بسكون اللَّام، وفتح النُّون، وكسر الحاء المهملة- من العمرة، ولأبي ذرٍّ: «ونَحِلَّ» (إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) استثناءٌ من قوله: «فَأَمَرنا» وسقط لغير الحَمُّويي لفظ «كان» (قَالَ) جابرٌ: (وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ) بنصب «غير» على الاستثناء لغير أبي ذرٍّ، وجرِّها صفةً «لأحدٍ» لأبي ذرٍّ، وطلحة هو ابن عبيد الله أحد العشرة (وَجَاءَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ ﵁ (مِنَ اليَمَنِ مَعَهُ الهَدْيُ) فقال له النَّبيُّ (١) ﷺ : «بمَ أهللت؟» (فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا) أي: المأمورون أن يجعلوها عمرة: (نَنْطَلِقُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أننطلقُ» (إِلَى مِنًى) بالتَّنوين (وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ) منيًّا؟! لقربهم من الجماع، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفُّه، وتناسب الشَّعث، فكيف يكون ذلك؟ (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) لمَّا بلغه ذلك: (إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو كنت الآن مستقبلًا زمن الأمر الذي استدبرته (مَا أَهْدَيْتُ) ما سقت الهدي (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَحَلَلْتُ) إذ وجوده مانعٌ من فسخ الحجِّ إلى العمرة والتَّحلُّل منها (قَالَ) جابرٌ: (وَلَقِيَهُ) ﵊ (سُرَاقَةُ) بن مالك بن
стр. 12483
جعشمٍ الكنانيُّ -بالنُّونين- (وَهْوَ يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَنَا هَذِهِ خَاصَّةً؟ قَالَ) ﷺ : (لَا، بَلْ لأَبَدٍ) بالتَّنوين، ولأبي ذرٍّ عن الكشمهنيِّ: «للأبد» بزيادة لامٍ أوَّله (قَالَ) جابرٌ: (وَكَانَتْ عَائِشَةُ) ﵂ (قَدِمَتْ مَكَّةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «معه مكَّة» (وَهْيَ حَائِضٌ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْسُكَ) بفتح الفوقيَّة وضمِّ السِّين بينهما نونٌ ساكنةٌ (المَنَاسِكَ كُلَّهَا) أي: تأتي بأفعال الحجِّ كلِّها (غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ) بالبيت، ولا بين الصَّفا والمروة (وَلَا تُصَلِّي حَتَّى تَطْهُرَ، فَلَمَّا نَزَلُوا البَطْحَاءَ) وهو المحصَّب، وطهرت، وطافت (قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجَّةٍ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بحجٍّ» مفردٍ من غير عمرةٍ (قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ) ﵊ أخاها (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ﵁ (أَنْ يَنْطَلِقَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه (فَاعْتَمَرَتْ عُمْرَةً فِي ذِي الحَجَّةِ بَعْدَ أَيَّامِ الحَجِّ).
وسبق الحديث في «باب تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف بالبيت» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٥١].
(٤) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ) والذي في «اليونينيّة»: «قولِهِ» (¬ ﷺ : لَيْتَ كَذَا وَكَذَا)
٧٢٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون المعجمة، البجليُّ الكوفيُّ القَطَوانيُّ -بفتح القاف والطَّاء المهملة- قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو محمَّدٍ مولى الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) العنزيَّ
стр. 12484
المدنيَّ، حليف بني عديٍّ أبا محمَّدٍ وُلِد على عهد النَّبيِّ ﷺ ولأبيه صحبةٌ مشهورةٌ ﵁ (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (أَرِقَ) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء: سَهِر (النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ) «ذات» مقحمةٌ (فَقَالَ: لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ، قَالَ) ﷺ : (مَنْ هَذَا؟ قِيلَ) ولأبي الوقت وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ثمَّ قال»: (سَعْدٌ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ (يَا رَسُولَ اللهِ؛ جِئْتُ أَحْرُسُكَ، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ) بفتح الغين المعجمة وكسر الطَّاء المهملة الأولى: صوت النَّائم ونفخه، وفي «باب الحراسة في الغزو» من «الجهاد» [خ¦٢٨٨٥] من طريق عليِّ بن مسهرٍ عن يحيى بن سعيدٍ: كان النَّبيُّ ﷺ سَهِر، فلمَّا قدم المدينة قال: «ليت رجلًا … » إلى آخره، وعند مسلمٍ من طريق اللَّيث عن يحيى بن سعيدٍ: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلةً فقال: «ليت رجلًا … » وظاهره أنَّ السَّهر والقول معًا كانا بعد قدومه المدينة، بخلاف رواية البخاريِّ في «باب الحراسة» المذكورة فإنَّ ظاهرها أنَّ السَّهر كان قبل القدوم، والقول بعده، وهو محمولٌ على التَّقديم والتَّأخير كما قدَّمته في الباب المذكور، وليس المراد بقدومه المدينة أوَّل ما قدم إليها في الهجرة؛ لأنَّ عائشةَ إذ ذاك لم تكن عنده ولا سعدٌ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ «ليت» حرف تمنٍّ يتعلَّق بالمستحيل غالبًا، وبالممكن قليلًا، ومنه حديث الباب؛ فإنّ كلًّا من الحراسة والمبيت بالمكان الذي تَمنَّاه قد وُجِد، والحديث سبق في «الجهاد» في «باب الحراسة» [خ¦٢٨٨٥].
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (قَالَ بِلَالٌ) عند مرضه أوَّل قدومهم في الهجرة: (أَلَا) بالتَّخفيف (لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً. بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ) بكسر الهمزة وسكون الذَّال والخاء المعجمة: نبتٌ طيِّب الرَّائحة (وَجَلِيلُ) بالجيم: الثُّمامة وهو نبتٌ قصيرٌ لا يطول، قالت عائشة: (فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) بقوله.
وسبق موصولًا بتمامه في «مَقْدَم النَّبيِّ ﷺ » من «كتاب الهجرة» [خ¦٣٩٢٦] وموضع الدَّلالة منه قولها: «فأخبرت النَّبيَّ ﷺ ».
стр. 12485
(٥) (بابُ تَمَنِّي القُرْآنِ وَالعِلْمِ).
٧٢٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن بلالٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَحَاسُدَ) بفوقيَّةٍ قبل الحاء المهملة وألفٍ بعدها وضمِّ السِّين المهملة، وفي «كتاب العلم» [خ¦٧٣] «لا حسد» والحسد تمنِّي زوال النِّعمة عن المنعَم عليه، والمراد به هنا الغِبطة، وأُطلِق الحسد عليها مجازًا، وهو أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، أي: لا غبطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث أي: لا حسد محمودًا في شيءٍ إلَّا في خصلتين، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣١٦] «اثنين» بغير تاءٍ (١) أي: في شيئين: (رَجُلٌ) بالرَّفع، بتقدير إحدى الاثنتين خصلة رجلٍ، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (آتَاهُ اللهُ) أي: أعطاه الله (القُرْآنَ، فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ساعتهما، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من آناء اللَّيل والنَّهار» (يَقُولُ) سامعه: (لَوْ أُوتِيتُ) أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطيَ (هَذَا) الرَّجل (٢) من تلاوة القرآن آناء اللَّيل والنَّهار (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لقرأت كما يقرأ (و) الثَّاني: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ) الذي يراه ينفقه: (لَوْ أُوتِيتُ) أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطيَ (هَذَا) من المال (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لأنفقته كما أنفق.
والحديث يأتي إن شاء الله تعالى (٣) في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٨].
стр. 12486
وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (بِهَذَا) الحديث السَّابق.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ له فيه شيخين: عثمان بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيدٍ، كلاهما عن جريرٍ، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ.
(٦) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي) وهو الذي يكون فيه إثمٌ كالذي يكون داعيًّا إلى الحسد والبغضاء (﴿وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾) لأنَّ ذلك التَّفضيل قسمةٌ من الله تعالى، صادرةٌ عن حكمةٍ وتدبيرٍ وعلمٍ بأحوال العباد، وبما ينبغي لكلٍّ من بُسِطَ له في الرِّزق أو قُبِضَ، فعلى كلِّ واحدٍ أن يرضى بما قُسِمَ له، ولا يحسد أخاه على حظِّه، فالحسد -كما مرَّ- أن يتمنَّى أن يكون ذلك الشَّيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنَّى مثل ما لغيره، والأوَّل منهيٌّ عنه؛ لما فيه من الاعتراض على الله تعالى في فعله وفي حكمته، وربَّما اعتقد في نفسه أنَّه أحقُّ بتلك النِّعم من ذلك الإنسان، وهذا اعتراضٌ على الله تعالى في حكمته (١) فيما (٢) يلقيه في الكفر وفساد الدِّين.
وأمَّا الثَّاني وهو الغبطة، فجوَّزه قومٌ ومنعه آخرون، قالوا: لأنَّه ربَّما كانت تلك النِّعمة مَفْسدةً في دينه ومَضرَّةً عليه في الدُّنيا ولذا قالوا: لا يقول: اللَّهمَّ أعطني دارًا مثل دار فلان، وزوجةً مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول: اللَّهمَّ أعطني ما يكون صلاحًا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، وإذا تأمَّل الإنسان؛ لم يجد دعاءً أحسن ممَّا ذكره الله تعالى في القرآن تعليمًا لعباده، وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ولمَّا قال الرِّجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضِّعف من أجر النِّساء كالميراث، وقالت النساء: يكون
стр. 12487
وزرنا على نصف وزر الرِّجال كالميراث؛ نزل (﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾) وليس ذلك على حسب الميراث (﴿وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾) فإنَّ خزائنه لا تنفد، ولا تتمنَّوا ما للنَّاس من الفضل (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢]) فالتَّفضيل عن علمٍ بمواضع الاستحقاق، وسقط قوله «﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾» إلى آخر قوله: «﴿مِن فَضْلِهِ﴾» لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾».
٧٢٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَسَنُ (١) بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الحاء والرَّاء فيهما ابن سليمان البجليُّ البورانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّامٌ -بتشديد اللَّام- ابن سليمٍ الكوفيُّ (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابن سليمان المعروف بالأحول (عَنِ النَّضْرِ) بالنُّون المفتوحة والمعجمة السَّاكنة (بْنِ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ أَنَسٌ ﵁: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا تَتَمَنَّوُا) بفوقيَّتين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قال: لا تَمَنَّوا» (المَوْتَ لَتَمَنَّيْتُ) الموت، بلفظ الماضي وحذف إحدى التَّاءين، وإنَّما نهى عن تمنِّي الموت لما فيه من المفسدة، وهي طلب إزالة نعمة الحياة، وما يترتَّب عليها من الفوائد، ولأنَّ الله تعالى قدَّر الآجال، فَمُتَمنِّي الموت غير راضٍ بقضاء الله وقدره، ولا مسلِّمٌ لقضائه، نعم إذا خاف على دينه والوقوع في الفتنة فيجوز بلا كراهة.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدَّعوات».
стр. 12488
٧٢٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلام -بالتَّشديد والتَّخفيف- قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة ابن سليمان (عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ) إسماعيل -واسم أبي خالد سعدٌ- البجليِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ بالحاء المهملة والزَّاي أنَّه (قَالَ: أَتَيْنَا خَبَّابَ بْنَ الأَرَتِّ) بالمثنَّاة الفوقيَّة المشدَّدة، و «خَبَّاب» بالمعجمة المفتوحة، والموحَّدتين أولاهما مشدَّدةٌ بينهما ألفٌ التَّميميَّ حليف بن زهرة البدريَّ، حال كوننا (نَعُودُهُ وَقَدِ اكْتَوَى) في بطنه (سَبْعًا) أي: سبع كَيَّات (فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ) على نفسي، وقال ذلك لأنَّه ابتُلي في جسده ببلاءٍ شديدٍ.
والحديث سبق في «الطِّبِّ» في «باب تمنِّي المريض الموت» [خ¦٥٦٧٢].
٧٢٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين وفتح الموحَّدة (اسْمُهُ: سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ) وسقط لفظ «اسمه» و «ابن أزهر» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله» (¬ ﷺ قَالَ: لَا يَتَمَنَّى) قال التُّوربشتيُّ: الياء المثنَّاة التَّحتيَّة في قوله: «لا يتمنَّى» مثبتةٌ في رسم الخطِّ في كتب الحديث، فلعلَّه نهيٌ ورد على صيغة الخبر والمراد منه لا يتمنَّ، فأُجري مُجرى الصَّحيح، ويُحتمَل أنَّ بعض الرُّواة أثبتها في الخطِّ، فروي على ذلك، وقال البيضاويُّ: هو نهيٌ أُخرِج في صورة النَّفي للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا يَتَمنَّيَنَّ» (أَحَدُكُمُ المَوْتَ) زاد في رواية أنسٍ السَّابقة في «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧١] «من ضرٍّ أصابه» (إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ) خيرًا (وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ) بنصب «محسنًا» و «مسيئًا»، قال الزَّركشيُّ -تبعًا لابن مالكٍ حيث قال في «توضيحه»: تقديره إمَّا يكون محسنًا، وإمَّا يكون مسيئًا-: فحذف «يكون»
стр. 12489
مع اسمها مرَّتين وأبقى الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد «أن» و «لو» كقوله:
انطقْ بحقٍّ وإن مستخرجًا إحنًا … فإنَّ ذا الحقَّ غلَّابٌ وإن غُلبا
وكقوله:
علمتك (١) منَّانًا فلستُ بآملٍ … نَدَاك ولو غَرثانَ ظمآنَ عاريا
وفي «لعلَّ» في هذين الموضعين شاهدٌ على مجيء «لعلَّ» للرَّجاء المجرَّد من التَّعليل، وأكثر مجيئها في الرَّجاء إذا كان معه تعليلٌ نحو ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] ﴿لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] ومعنى «يستعتب» يطلب العتبى، أي: الرِّضا عنه، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: اشتمل كلامه على أمرين ضعيفين قابلين للنِّزاع أمَّا الأوَّل: فجزمه بأنَّ كلًّا من قوله: «محسنًا» و «مسيئًا» خبرٌ لـ «يكون» محذوفةً مع احتمال أن يكونا حالين من فاعل «يتمنَّى» وهو «أحدكم» وعطف أحد الحالَين على الآخر، وأتى بعد كلِّ حالٍ بما ينبِّه على علَّة النَّهي عن تمنِّي الموت، والأصل لا يتمنَّى أحدكم الموت محسنًا أو مسيئًا (٢) أي: سواءٌ كان على حالة الإحسان أو الإساءة، أمَّا إن كان محسنًا فلا يتمنَّى الموت لعلَّه يزداد إحسانًا على إحسانه، فيضاعف أجره وثوابه، وأمَّا إن كان مسيئًا فلا يتمنَّى أيضًا إذ لعلَّه يندم على إساءته ويطلب الرِّضا عنه، فيكون ذلك سببًا لمحو سيِّئاته التي اقترفها، وأمَّا الثَّاني: فادِّعاؤه أنَّ أكثر مجيء «لعلَّ» للتَّرجِّي المصحوب بالتَّعليل وهذا ممنوعٌ، وهذه كتب النُّحاة الأكابر طافحةٌ بالإعراض عن ذكر هذا القيد (٣)، ولو سَلِم، فليس في هذا الحديث شاهدٌ على مجيئها للتَّرجِّي المجرَّد؛ لإمكان اعتبار التَّعليل معه، وقد فُهِمَت صحَّة اعتباره ممَّا قرَّرناه، فتأمَّله. انتهى.
стр. 12490
وقد سبق في «باب تمنِّي المريض الموت» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧١] مزيدٌ على ما هنا، فليراجع، وفي الحديث: التَّصريح بكراهة تمنِّي الموت لضرٍّ نزل به من فاقةٍ أو محنةٍ بعدوٍّ ونحوه من مشاقِّ الدُّنيا، وأمَّا إذا خاف ضررًا أو فتنةً فلا كراهة فيه، وفي مناسبة الأحاديث الثَّلاثة للآية المسوقة قبلها غموضٌ إلَّا إن كان أراد أنَّ المكروه من التَّمنِّي هو جنس ما دلَّت عليه الآية وما دلَّ عليه الحديث، وحاصل ما في الآية الزَّجر عن الحسد، وحاصل ما في الحديث الحثُّ على الصَّبر؛ لأنَّ تمنِّي الموت غالبًا ينشأ عن وقوع أمرٍ يختار الذي يقع به المَوت على الحياة، فإذا نُهيَ عن تمنِّي الموت؛ كان (١) كأنَّه أمرٌ بالصَّبر على ما نزل به، ومجمع (٢) الآية والحديث الحثُّ على الرِّضا بالقضاء، والتَّسليم لأمر الله تعالى، قاله في «فتح الباري».
(٧) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «النَّبيِّ» ﷺ : (لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا).
٧٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جبلة بن أبي رَوَّادٍ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا (٣) التُّرَابَ) ونحن نحفر الخندق (يَوْمَ الأَحْزَابِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه حال كونه (وَارَى) بألفٍ وفتح الرَّاء من غير همزٍ، أي: غطَّى (التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ) حال كونه (يَقُولُ) يرتجز بكلام ابن رواحة عبد الله، أو هو من كلام عامر بن الأكوع، وسبق ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنيِّ: «وإنَّ التُّراب
стр. 12491
لَموارٍ بياض إِبْطَيه» بكسر الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الطَّاء المهملة، تثنية «إبطٍ» والجملة حاليَّةٌ: (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) قال ابن بطَّالٍ: «لولا» عند العرب يمتنع بها الشَّيء لوجود غيره، تقول: لولا زيدٌ ما صرت إليك أي: كان مصيري إليك من أجل زيد، وكذلك «لولا الله ما اهتدينا» أي: كانت هدايتنا من قِبَل الله (وَلاتَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فأَنْزِلَنْ) بنون التَّأكيد الخفيفة (سَكِيَنةً): وقارًا وطمأنينةً (عَلَيْنَا، إِنَّ الأُلَى) بضمِّ الهمزة فلامٍ مفتوحةٍ: الذين (-وَرُبَّمَا قَالَ) ﷺ : (إنَّ المَلَا- قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً؛ أَبَيْنَا أَبَيْنَا) مرَّتين، من الإباء أي: امتنعنا (يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ).
والحديث ومباحثه مرّا في «غزوة الخندق» [خ¦٢٨٣٧].
(٨) (باب كَرَاهِيَةِ التَّمَنِّي لِقَاءَ العَدُوِّ) بنصب «لقاء» على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «تمنِّي» بإسقاط الألف واللَّام «لقاءِ» بالجرِّ على الإضافة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «التَّمنِّي للقاء العدوِّ» بزيادة لامٍ قبل التي بعدها القاف (وَرَوَاهُ) أي: كراهية تمنِّي لقاء العدو (الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسبق أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠٢٦].
٧٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن المهلَّب الأزديُّ البغداديُّ أصله من الكوفة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد الفَزَاريُّ، بفتح الفاء والزَّاي (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ) بالتَّنوين (أَبِي النَّضْرِ) بالنُّون المفتوحة والمعجَمة السَّاكنة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما القرشيِّ - (وَكَانَ) أبو النَّضر (كَاتِبًا لَهُ) أي: لمولاه عمر- أنَّه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ) أي: لعمر بن عبيد الله (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة الصحابيُّ ﵁ كتابًا (فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَتَمَنَّوْا) بفتح النُّون
стр. 12492
المشدَّدة (لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا (١) اللهَ العَافِيَةَ) من المكاره والبليَّات في الدُّنيا والآخرة، فإن قلت: لا ريب أنَّ تمنِّي الشَّهادة محبوبٌ، فكيف ينهى عن تمنِّي لقاء العدوِّ وهو يُفضي إلى المحبوب؟ أُجيب بأنَّ حصول الشَّهادة أخصُّ من اللِّقاء؛ لإمكان تحصيل الشَّهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزِّه، واللِّقاء قد يُفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنِّيه، ولا ينافي ذلك تمنِّي الشَّهادة.
(٩) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوِّْ) بألفٍ ولامينِ وواوٍ ساكنةٍ مخفَّفةٍ في الفرع وأصله (٢) ويُروى بتشديدها، واستُشكِل بأنَّ «لو» حرفٌ، وأهل العربية لا يُجيزون دخول الألف واللام على الحروف، قاله القاضي عياضٌ، وأُجيب بأنَّ «لو» هنا مسمًّى بها، فهي اسمٌ زِيْدَ فيه واوٌ أخرى، ثم أُدغمت الأولى في الثَّانية على القاعدة المقرَّرة في بابها، فلا بِدْعَ إذًا في دخول علامات الأسماء عليها؛ إذ لم تدخل وهي حرفٌ، إنَّما دخلت وهي اسمٌ، وقال صاحب «النِّهاية»: الأصل «لو» ساكنة الواو، وهي حرفٌ من حروف المعاني يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره غالبًا، فلمَّا سُمِّيَ بها زِيْدَ فيها، فلمَّا أرادوا (٣) إعرابها أُتي فيها بالتعريف لتكون علامةً لذلك، ومن ثَمَّ شدَّد الواو، وقد سُمِع بالتشديد منوَّنًا، قال (٤):
أُلَامُ على لَوٍّ ولَو كُنْتُ عالمًا … بإدبار (٥) لوٍّ لمَ تَفُتني أوائلُه
وقال آخر:
لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي ليتُ … إنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عَناءُ
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ ﵀: «لو» إنَّما لا يدخلها الألف واللام إذا بقيت على
стр. 12493
الحرفيَّة، أمَّا إذا سُمِّي بها فهي من جملة الحروف التي سُمعتِ التَّسمية بها من حروف الهجاء، ومن (١) حروف المعاني، ومن شواهده قوله:
وقِدْمًا أَهْلَكَتْ لوٌّ كثيرًا … وقبلَ اليَوْمِ عَالَجَها قُدارُ
فأضاف إليها واوًا أخرى، وأدغمها، وجعلها فاعلًا، قال: ومقصود البخاريِّ ﵀ بالتَّرجمة وأحاديثها: أنَّ النُّطق بـ «لو» لا يُكره في الإطلاق، وإنَّما يكره في شيءٍ مخصوصٍ، يؤخَذ ذلك من قوله: «من اللَّوِّ» فأشار إلى التبعيض، ولورودها في الأحاديث الصَّحيحة، وقيل: إنَّ البخاريَّ أشار بقوله: «ما يجوز من اللَّوِّ» إلى أنَّ «اللَّوَّ» في الأصل لا يجوز إلَّا ما استُثني، وعند النَّسائيِّ وابن ماجه من طريق محمَّد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة يَبْلُغ به النبيَّ ﷺ قال: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعك ولا تعجِزْ، فإن غلبك أمرٌ فقل: قدَّر الله وما شاء فَعَلَ، وإياك واللَّوَّ؛ فإنَّ اللَّوَّ تفتح عمل الشَّيطان» هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ النَّسائيِّ قال: قال رسول الله ﷺ … ، والباقي سواءٌ إلَّا أنَّه قال: «وما شاء، وإيَّاك … » وأخرجه النَّسائيُّ والطبريُّ والطَّحاويُّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان فقال: عن محمَّد بن يحيى بن حبَّان عن الأعرج، ولفظ النَّسائيِّ: «وفي كلٍّ خيرٌ» وفيه: «احرص على ما ينفعك، واستعِنْ بالله ولا تعجِز، وإذا أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلت كذا وكذا، ولكن قُل: قَدَّر الله وما شاء فعل»، قال في «الفتح»: هذه الطريق أصحُّ طرق هذا الحديث، وقوله: «فإنَّ اللَّوَّ تفتح عمل الشَّيطان» أي: تُلقي في القلب معارضةَ القَدَر، فيوسوس به الشَّيطان، ولا معارضة بين ما ورد من الأحاديث الدالَّة على الجواز والدالَّة على النَّهي؛ لأنَّ النَّهي مخصوصٌ بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى لا تقل لشيءٍ لم يقع: لو أنِّي فعلت كذا لوقع، قاضيًا بتحتُّم ذلك، غير مضمرٍ في نفسك شَرْطَ مشيئة الله، وما ورد من قول: «لو» محمولٌ على ما إذا كان قائلُه موقنًا بالشَّرط المذكور وهو أنَّه لا يقع شيءٌ إلَّا بمشيئة الله وإرادته، قاله الطبريُّ، وقال غيره: الظاهر أنَّ النَّهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، أمَّا من قاله تأسُّفًا على ما فاته من طاعة الله فلا بأس به.
стр. 12494
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠]) أي: لو قويتُ بنفسي على دفعكم، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ؛ تقديره لدفعتُكم، وحذفه -كما قال ابن بطَّالٍ- لأنَّه يخصُّ بالنفي (١) ضروب المنع، وإنَّما أراد لوطٌ ﵇ العدَّة من الرِّجال، وإلَّا فهو يعلم أنَّ له من الله ركنًا شديدًا، ولكنَّه أجرى الحكم على الظاهر، و «لو» تدل على امتناع الشَّيء لامتناع غيره، تقول: لو جاءني زيدٌ لأكرمتك معناه: إنِّي امتنعت من إكرامك لامتناع مجيء زيدٍ، وتكون بمعنى الشَّرطيَّة، نحو: ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: وإن أعجبتكم، وللتقليل نحو: التمِسْ ولو خاتمًا من حديدٍ، وللعرض نحو لو تنزلُ عندنا لتصيبَ خيرًا، وللحضِّ نحو لو فعلت كذا بمعنى افعلْ، وبمعنى التّمنِّي نحو ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [الشعراء: ١٠٢] أي: فليت لنا كرَّةً، ولهذا نصب ﴿فَنَكُونَ﴾ في جوابها كما نصب ﴿فَأَفُوزَ﴾ [النساء: ٧٣] في جواب «ليت» واختُلف هل هي الامتناعيَّة أُشرِبت معنى التّمنِّي أو المصدريَّة أو قِسْمٌ برأسه؟ ورجَّحَ الأخيرَ ابنُ مالكٍ (٢).
٧٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أي: ابن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ أنَّه (قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (المُتَلَاعِنَيْنِ) -بفتح النُّون الأولى على التَّثنية- وقصَّتَهما (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بالمعجَمة المفتوحة والمهملتين الأولى مشدَّدة بينهما ألفٌ ابن الهادِ الكوفيُّ: (أَهِيَ) بهمزة الاستفهام، ولأبي ذرٍّ: «هي» المرأة (الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا امْرَأَةً) مُحْصنةً زنت (مِنْ غَيْرِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «عن» وله عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بغير» (بَيِّنَةٍ) وجواب «لو» محذوفٌ، أي: لرجمتها؟ (قَالَ: لَا تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ) بالسُّوء في الإسلام، لكنَّها لم يثبت عليها ذلك ببيِّنةٍ ولا اعترافٍ، ولم يُسمِّها.
والحديث سبق في «اللِّعان» [خ¦٦٨٥٥] ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «لو كنت راجمًا».
стр. 12495
٧٢٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين ابن دينارٍ (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ) أي: عطاءٌ: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعِشَاءِ) أي: أبطأ عن صلاة العشاء حتَّى دخلت ظُلمة اللَّيل (فَخَرَجَ عُمَرُ) ﵁ (فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ) بنصب «الصّلاة» على الإغراء بفعلٍ محذوفٍ، أي: احضرُ الصّلاةَ يا رسول الله (رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) الّذين بالمسجد، وأسقط العلامة من الفعل (١)، مثل قال نسوةٌ وقالت نسوةٌ، ويتقوَّى الإسقاط هنا بعطف «الصِّبيان» على «النِّساء» (فَخَرَجَ) رسول الله ﷺ (وَرَأْسُهُ) أي: شعر رأسه (يَقْطُرُ) ماءً لأنَّه كان اغتسل قبل أن يخرج، والجملة مبتدأٌ وخبرٌ في موضع الحال من النَّبيِّ ﷺ وكذا الجملةُ التالية (٢) في موضع الحال أيضًا، أي: خرج حال كونه (يَقُولُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي - أَوْ) قال: (عَلَى النَّاسِ) شكٌّ من الرَّاوي (وَقَالَ سُفْيَانُ) ابن عُيينة بالسَّند السَّابق (أَيْضًا (٣): عَلَى أُمَّتِي- لأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ) أي: لولا مخافة (٤) أن أشقَّ عليهم لأمرتهم أمر إيجابٍ أن يصلُّوها في هذا الوقت.
стр. 12496
وهذا الحديث مُرسَلٌ لأنَّ عطاءً تابعيٌّ.
(وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بالسَّند (١) المذكور إلى سُفيان بن عيينة عن ابن جريجٍ (عَنْ عَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه قال: (أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الصَّلَاةَ) أي: صلاة العشاء ليلةً (فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَقَدَ النِّسَاءُ وَالوِلْدَانُ) جمع وليدٍ، وهو الصبيُّ (فَخَرَجَ) ﵊ (وَهْوَ يَمْسَحُ المَاءَ) أي: ماء الغُسْل (عَنْ شِقِّهِ) بكسر الشِّين المعجَمة والقاف المشدَّدة، حال كونه (يَقُولُ: إِنَّهُ لَلْوَقْتُ) بفتح اللام الأولى وسكون الثانية، أي: الوقت صلاة العشاء (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) وهذا موصولٌ (وَقَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ … ، لَيْسَ فِيهِ) أي: في سنده (ابْنُ عَبَّاسٍ، أَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم (عَمْرٌو) أي: ابن دينارٍ (فَقَالَ) في روايته: (رَأْسُهُ يَقْطُرُ) أي: ماءً (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك في روايته: (يَمْسَحُ المَاءَ عَنْ شِقِّهِ) بكسر المعجَمة (وَقَالَ عَمْرٌو) المذكور: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّهُ لَلْوَقْتُ) بفتح اللّام الأولى وسكون الثانية (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) أي: لحكمتُ بأنَّ هذه السَّاعة وقت صلاة العشاء.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق الحزاميُّ شيخ المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها نونٌ ابن عيسى القزَّاز بالقاف والزَّاءين مشدَّدة أوَّلهما، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الطائفيُّ (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا موصولٌ بذكر ابن عبَّاسٍ فيه، وهو مخالفٌ لتصريح سفيان بن عيينة عن عمرٍو بأنَّ حديثه عن عطاءٍ ليس فيه ابنُ عبَّاسٍ، قيل: فهو من أوهام الطائفيِّ، وهو موصوفٌ بسوء الحفظ، وتُعُقِّب: بأنَّه إذا كان كذلك فكيف رضيَ البخاريُّ بإخراجه فيه موصولًا؟ وهذا وصله الإسماعيليُّ.
و «لولا» حرف امتناعٍ ويلزم بعدها المبتدأ، وحرفُ تحضيضٍ ويلزم بعدها الفعل المضارع نحو ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ﴾ [النمل: ٤٦] وللتوبيخ فتختصُّ بالماضي نحو ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ١٣] ومنه (٢) ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم﴾ [النور: ١٦] إلَّا أنَّ الفعل أُخِّر، وذكر الهرويُّ فيها
стр. 12497
الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠] وأنَّها تكون نافيةً بمنزلة «لم» وجعل منه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] إذا ثبت هذا فـ «لولا» هنا الامتناعيَّة، ويجب حذف خبر المبتدأ الواقع بعدها، (١) قال ابن مالكٍ: وعلى هذا إطلاق أكثر النَّحويِّين إلَّا الرُّمَّانيَّ وابنَ (٢) الشَّجريِّ، قال: وقد يُسِّر لي في هذه المسألة زيادةٌ وهي أنَّ المبتدأ المذكور بعد «لولا» على ثلاثة أضربٍ: مُخبَرٌ عنه بكونٍ غير مقيَّدٍ، ومُخبَرٌ عنه بكونٍ مقيَّدٍ لا يُدرَك معناه عند حذفه، ومُخبَرٌ عنه بكونٍ مقيَّدٍ يُدرَك معناه عند حذفه، فالأول: نحو لولا زيدٌ لزارنا عمرٌو، فمثل هذا يلزم حذفُ خبره؛ لأنَّ المعنى لولا زيدٌ على كلِّ حالٍ من أحواله لزارنا عمرٌو، فلم يكن حالٌ من أحواله أَولى بالذِّكر من غيرها، فلزِم الحذفُ لذلك، ولِما في الجملة من الاستطالة المُحْوِجة إلى الاختصار، الثاني: وهو المخبَر عنه بكونٍ مقيَّدٍ ولا يُدرَك معناه إلَّا بذكره، نحو: لولا زيدٌ غائبٌ لم أزُرْك، فخبر هذا النوع واجبُ الثُّبوت؛ لأنَّ معناه: يُجهَل عند حذفه، ومنه قول النبيِّ ﷺ : «لولا قومُك حديثو عهدٍ بكفرٍ» أو «حديثٌ عهدُهم بكفرٍ» فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظُنَّ أنَّ المراد لولا قومُك على كلٍّ حالٍ من أحوالهم لنقضتُ الكعبة، وهو خلاف المقصود؛ لأنَّ من أحوالهم بُعْدَ عهدهم بالكفر فيما يُستَقبل، وتلك الحال لا تَمنع من نقض الكعبة وبنائها على الوجه المذكور، ومن هذا النوع قال عبد الرحمن بن الحارث لأبي هريرة: إني ذاكرٌ لك أمرًا، ولولا مروان أَقسمَ عليَّ لم أذكره لك، الثالث: وهو المُخبَر عنه بكونٍ مقيَّدٍ يُدرَك معناه عند حذفه، كقوله: لولا أخو زيدٍ ينصره لغلب، ولولا صاحب عمرو يُعينه لعجز، فهذه الأمثلة وأمثالها يجوز فيها إثباتُ الخبر وحذفه. انتهى. وحينئذ فيكون قوله هنا: «لولا أن أشقَّ على أُمَّتي لأمرتُهم … » من القسم الأوَّل، ويحتاج إلى تقديرٍ، أي: لولا مخافة أن أشقَّ لأمرتهم أمر إيجابٍ، وإلَّا لانعكس معناه (٣)؛ إذ الممتنع المشقِّة، والموجود الأمر، واللّام جواب «لولا».
واستُشكِل مطابقة الحديث للتَّرجمة؛ إذ هي لـ «لو» الذي هو لامتناع الشَّيء لامتناع غيره، والحديث فيه: «لولا» الذي هو لامتناع الشَّيء لوجود غيره، اللازم بعدها المبتدأ، ولا يخفى
стр. 12498
ما بينهما من البَون البعيد، وأجيب بأنَّ مآل «لولا» إلى «لو» إذ معناه: لو لم تكن المشقَّة لأمرتهم …
٧٢٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) الكنديِّ (عَنْ عَبْد الرَّحْمَنِ) بن هرمزٍ الأعرج أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) أمر إيجابٍ وتحتُّمٍ، وإلَّا فالمندوب مأمورٌ به على المرجَّح، والمقتضي لهذا التأويل حينئذٍ أنَّ السِّواك مندوبٌ إليه، ومَن يرى أنَّ المندوب غير مأمورٍ به لا يحتاج إلى هذا التأويل؛ لأنَّ الأمر هو الإيجاب عنده (١)، وزاد في روايةٍ أخرى «عند كلِّ صلاةٍ» والسِّرُّ في ذلك أن يخرج القرآن مِن فِيْهِ، وفوهُ طيِّبٌ؛ لأنَّه إذا قام يصلِّي قام المَلَك خلفه يسمع قراءته، فلا يزال عجبه بالقرآن يُدنيه حتَّى يضع فاه على فِيْه، فما يخرج من فِيْه شيءٌ من القرآن إلَّا صار في جوف ذلك المَلَك، كما رواه البزَّار مرفوعًا من حديث عليٍّ بإسنادٍ حسنٍ، والملائكة تتأذَّى من الرَّائحة الكريهة.
(تَابَعَهُ سُلَيمانُ بنُ مُغِيرَةَ) القيسيُّ البصريُّ فيما وصله مسلمٌ من طريق أبي النَّضر عنه (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وفي الفرع كأصله علامة سقوط هذه المتابعة في رواية أنسٍ، وقال في «الفتح»: إنَّها ثابتةٌ هنا في نسخة الصَّغانيِّ، قال: وهو خطأٌ، والصَّواب ما وقع عند غيره ذكرُها عقب حديث أنسٍ المذكور عَقِبه.
والحديث من أفراده.
стр. 12499
٧٢٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ) بالتحتيَّة المشدَّدة والشِّين المعجمة الرّقَّام البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁¬) أنَّه (قَالَ: وَاصَلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) لم يأكلْ ولم يشربْ وقتَ الإفطار (آخِرَ الشَّهْرِ) أي: شهر رمضان (وَوَاصَلَ) معه (أُنَاسٌ) بضمِّ الهمزة، أي: ناسٌ، والتنوينُ للتَّبعيض (مِنَ النَّاسِ، فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَوْ مُدَّ بِيَ (١) الشَّهْرُ) بضمِّ الميم وتشديد الدَّال المهمَلة مبنيًّا للمفعول، و «بي» جارٌّ ومجرورٌ، ولأبي ذرٍّ: «مَدَّني» بفتح الميم والدَّال المشدَّدة بعدها نونُ وقايةٍ، وجواب (٢) «لو» قوله (٣): (لَوَاصَلْتُ) بهم (وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ) بضمِّ العين من «يَدَعُ» وفتحها في الأُخْرَيينِ، من قولهم: تعمَّق في كلامه أي: تنطَّع. فإن قلتَ: الجملة الواقعة بعد النَّكرة هنا صفةٌ لها ولا رابط، فكيف وجهه؟ أُجيب بأنَّه محذوفٌ للقرينة الحاليَّة أي: وصالًا يترك لأجله المتنطِّعون تنطُّعهم (٤) (إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ) أصيرُ حال كوني (يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) طعامًا وشرابًا من الجنَّة، لا يقال: إنَّه إذا كان يُطعَم ويُسقى فليس مواصِلًا؛ لأنَّ المُحْضَرَ من الجنَّة لا يجري عليه أحوال المكلِّفين، أو هو مجازٌ عن لازم الطّعام والشَّراب، وهو القوَّة فكأنَّه قال: يُعطيني قوَّة الآكِل والشّارِب.
والحديث سبق في «الصَّوم» [خ¦١٩٦٤].
(تَابَعَهُ) أي: تابع حُميدًا (سُلَيْمَانُ بْنُ مُغِيرَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وصله مسلمٌ كما ذكرته قريبًا، قال في «الفتح»: ووقع لنا بعلوٍّ في «مسند عبد بن حميد» قال: ووقع هذا التعليق في رواية كريمة سابقًا على حديث حميدٍ عن أنسٍ، فصار كأنَّه طريقٌ أخرى معلَّقةٌ لحديث: «لولا أن أشق (٥)» وهو غلطٌ فاحشٌ، والصَّواب ثبوتُه هنا، كما وقع في رواية الباقين. انتهى. ولم يذكره في الفرع كأصله هنا، بل عقِبَ حديث: «لولا أن أشقَّ» لكنه رَقَم عليه علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ، كما نبَّهت عليه في ما سبق.
стр. 12500
٧٢٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله الدَّارقطنيُّ من طريق أبي صالحٍ عنه: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفَهْميُّ أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ: (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ) نهي تحريمٍ أو تنزيهٍ (قَالُوا): يا رسول الله (فَإِنَّكَ (١) تُوَاصِلُ، قَالَ) ﵊: (أَيُّكُمْ مِثْلِي؟! إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَلَمَّا أَبَوْا) امتنعوا (أَنْ يَنْتَهُوا) عن الوِصال (وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ) ظاهره أنَّ قدر المواصلة بهم كان (٢) يومين (فَقَالَ) ﵊: (لَوْ تَأَخَّرَ) الشَّهر (لَزِدْتُكُمْ) مِنَ الوِصال إلى أن ترجعوا عنه، فتسألوا التخفيف عنكم بتركه، قال لهم ذلك (كَالمُنَكِّلِ لَهُمْ) بضمِّ الميم وفتح النُّون وكسر الكاف مشدَّدةً بعدها لامٌ أي: المعاقِب لهم، واستُدِلَّ به على جواز قول: «لو» وحمل النَّهي الوارد فيه على ما يتعلَّق بالأمور الشّرعيَّة؛ كما مرَّ قريبًا في هذا الباب [خ¦٩٤/ ٩ - ١٠٧٣٦].
والحديث سبق في «الصوم» [خ¦١٩٦٥] أيضًا.
٧٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بالتشديد- ابن سُلَيمٍ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَشْعَثُ) بن أبي الشَّعثاء سُليمٌ المحاربيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ)