← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

اطِّلاعًا منه على سماع كلٍّ من شيخه، ووجه سياق الحديث هنا من حيث إنَّ الآية تدلُّ على أنَّ هذه الأمَّة المحمَّديَّة معتصمةٌ (١) بالكتاب والسُّنَّة؛ لأنَّ الله تعالى منَّ عليهم بإكمال الدِّين، وإتمام النِّعمة، ورضي لهم بدين الإسلام. والحديث سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٥]. ٧٢٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ) ﵁ (الغَدَ) من يوم تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ (حِينَ بَايَعَ المُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (وَاسْتَوَى) عمر (عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَشَهَّدَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ) بسكون الموحَّدة بعد القاف، وفي «الأحكام» في «باب الاستخلاف» [خ¦٧٢١٩] «وأبو بكرٍ صامتٌ لا يتكلَّم» (فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَاخْتَارَ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ الَّذِي عِنْدَهُ) من معالي درجات الجنَّات، وحضور حظائر الكرامات (عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ) في الدُّنيا (وَهَذَا الكِتَابُ) أي: القرآن (الَّذِي هَدَى اللهُ بِهِ رَسُولَكُمْ، فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا، وَإِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لما» وله عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بِما» بالموحَّدة بدل اللَّام (هَدَى اللهُ بِهِ) بالقرآن (رَسُولَهُ) (٢) ﷺ . ومطابقة الحديث للتَّرجمة من (٣) قوله: «وهذا الكتاب الذي هدى الله (٤) به رسولكم» كما لا يخفى على ذي لُبٍّ. والحديث سبق في «باب الاستخلاف» من «كتاب الأحكام» [خ¦٧٢١٩].

стр. 12532

٧٢٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، ابن خالدٍ البصريُّ (عَنْ خَالِدٍ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: ضَمَّنِي إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ) فهَّمه (الكِتَابَ) أي: القرآن ليعتصم به. وسبق في «كتاب العلم» [خ¦٧٥]. ٧٢٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصَّاد المهملة والموحَّدة المشدَّدة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، العطَّار البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية، ابن سليمان بن طَرْخان البصريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَوْفًا) -بالفاء- الأعرابيَّ: (أَنَّ أَبَا المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النُّون سيَّار بن سلامة (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَرْزَةَ) بفتح الموحَّدة والزَّاي بينهما راءٌ ساكنةٌ نَضْلَة -بالنُّون المفتوحة والضَّاد المعجمة السَّاكنة- الأسلميَّ (قَالَ: إِنَّ اللهَ) (يُغْنِيكُمْ) بالغين المعجمة من الإغناء (أَوْ نَعَشَكُمْ) بنونٍ فعينٍ مهملةٍ فشينٍ معجمةٍ مفتوحاتٍ أي: رفعكم أو جبركم عن (١) الكسر (٢)، أو أقامكم من (٣) العثرة (بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ ¬) وسقط قوله «أو نعشكم» لأبي ذرٍّ. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المصنِّف: (وَقَعَ هُنَا يُغْنِيْكُمْ) بالغينِ المعجمة السَّاكنة بعدها نونٌ (وَإِنَّمَا هُوَ نَعَشَكُمْ) بالنُّون فالعين المهملة فالشِّين المعجمة المفتوحات (يُنْظَرُ) ذلك (في أَصْلِ كِتَابِ

стр. 12533

الاعْتِصَامِ) قال في «الفتح»: فيه أنَّه صنَّف «كتاب الاعتصام» مُفرَدًا، وكتب منه هنا (١) ما يليق (٢) بشرطه في هذا الكتاب كما صنع في «كتاب الأدب المفرد» فلمَّا رأى هذه اللَّفظة مغايرةً لما عنده أنَّه الصَّواب؛ أحال على مراجعة ذلك الأصل وكأنَّه كان في هذه الحالة غائبًا عنه، فأمر بمراجعته وأن يُصلَح منه، وقد وقع له نحو هذا في تفسير ﴿أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ كما سبق في «تفسير (٣) سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾» [خ¦٤٩٥١] وقوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي، ساقطٌ لغيره، وسقط لابن عساكر في نسخةٍ قوله «يُنظَر … » إلى آخره. والحديث سبق في «الفتن» في «باب إذا قال عند قومٍ شيئًا» [خ¦٧١١٢]. ٧٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ عبد اللهِ بنِ أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) مولى ابن عمرَ: (أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (كَتَبَ إِلَى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ) بعد قتل عبد الله بن الزُّبير (يُبَايِعُهُ) على الخلافة: (وَأُقِرُّ بِذَلَكَ بِالسَّمْعِ) ولأبي ذرٍّ: «وأُقرُّ لك بالسَّمع» (وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ) ﷺ (فِيمَا اسْتَطَعْتُ) ومن كان على سنَّة الله ورسوله فقد اعتصم بهما (٤). والحديث سبق بأتمَّ من هذا في «باب كيف يبايع الإمام» من أواخر «كتاب الأحكام» [خ¦٧٢٠٣]. (١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦٧٢٧٣] (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ) وروى العسكريُّ في «الأمثال» من طريق سليمان بن عبد الله النَّوفليِّ عن جعفر بن محمَّد عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُوتيتَ جوامع الكَلِم، واختُصر لي الكلام اختصارًا»

стр. 12534

وهو مُرسَلٌ، وفي سنده (١) من لم أعرفه، وللدَّيلميِّ بلا سندٍ عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا مثله، لكن بلفظ «أُعطِيت الحديث» بدل «الكَلِم» وعند البيهقيِّ في «الشُّعب» نحوه، فكلُّ كلمةٍ يسيرةٍ جمعت معانيَ كثيرةً فهي من جوامع الكلم، والاختصار هو الاقتصار على ما يدلُّ على الغرض مع حذفٍ أو إضمارٍ، والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا وُصْلة إليه؛ لأنَّ حذف ما لا دلالة عليه مُنَافٍ لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام، وفائدة الحذف تقليل الكلام، وتقريب معانيه إلى الأفهام، والحذف أنواع: أحدها حذف المضافات، وله أمثلةٌ كثيرةٌ، منها نسبة التَّحليل والتَّحريم والكراهة والإيجاب والاستحباب إلى الأعيان، فهذا من مجاز الحذف؛ إذ لا يُتصوَّر تعلُّق الطَّلب بالأجرام، وإنَّما تُطلبُ أفعالٌ تتعلَّق بها، فتحريم الميتة تحريمٌ لأكلها، وتحريم الخمر تحريمٌ لشربها، وأدلَّة الحذف أنواعٌ: منها ما يدلُّ العقل على حذفه، والمقصود الأعظم يرشد إلى تعيينه، وله مثالان: أحدهما قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الثَّاني ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فإنَّ العقل يدلُّ على الحذف؛ إذ لا يصحُّ تحريم الأجرام، والمقصود الأظهر يُرشِد إلى أنَّ التَّقدير حُرِّم عليكم أكلُ الميتة، حُرِّم عليكم نكاح أمَّهاتكم. ومباحث هذا طويلةٌ جدًّا، لا نُطيل بإيرادها، وللشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام «مجاز القرآن» لخَّصت منه ما تراه، سقى الله بالرَّحمة ثراه. ٧٢٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) العامريُّ الأويسيُّ الفقيه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ) سبق في «باب المفاتيح في اليد» من «كتاب التَّعبير» [خ¦٧٠١٣] «قال محمد: وبلغني أنَّ

стр. 12535

جوامع الكلم أنَّ الله تعالى يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتَب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين، أو نحو ذلك»، وأنَّ في رواية أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله» بدل قوله: «محمَّدٌ» فقيل: المراد البخاريُّ، وصوَّب (١) ورجَّح (٢) الحافظ ابن حجرٍ: أنَّه محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ، وأنَّ غير الزُّهريِّ جَزَمَ بأنَّ المراد بجوامع الكلم القرآنُ بقرينة قوله: «بُعِثت» والقرآن هو الغاية القصوى في إيجاز اللَّفظ واتِّساع المعاني، قد بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلِّ مقول، أعجز بإعجازه فرسان البلاغة البارعة، وفرَّق بجوامع كلمه ذوي الألفاظ النَّاصعة، والكلمات الجامعة، وكانوا قد حاولوا الإتيان ببعض شيءٍ منه فما أطاقوه، وراموا ذلك فما استطاعوه؛ إذ رأَوه نظمًا عجيبًا خارجًا عن أساليب كلامهم، ورصفًا بديعًا مبايِنًا لقوانين بلاغتهم ونظامهم، فأيقنوا بالقصور عن معارضته، واستشعروا العجز عن مقابلته، ولمَّا سمع المغيرة بن الوليد من النَّبيِّ ﷺ ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ الاية [النحل: ٩٠] قال: والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أسفله لمغدِقٌ، وإنَّ أعلاه لمثمِرٌ. وسمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحته، وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١] وقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] وقوله: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي﴾ الاية [هود: ٤٤] قال القاضي عياضٌ: إذا تأمَّلت هذه الآياتِ وأشباهها حقَّقت (٣) إيجاز ألفاظها، وكثرة معانيها، وديباجة عبارتها، وحُسْن تأليف حروفها، وتلاؤم كَلِمِها، وأنَّ تحت كلِّ لفظةٍ منها جُملًا كثيرة، وفُصولًا جمَّة، وعلومًا زواخر، مُلِئت الدَّواوين من بعض ما استُفيد منها، وكثُرت المقالات في المستَنْبَطات عنها. وقد حكى الأصمعيُّ أنَّه سمع كلام جاريةٍ، فقال لها: قاتلك الله! ما أفصحَك! فقالت: أيُعدُّ (٤) هذا فصاحةً بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] فجمع في آيةٍ واحدةٍ بين أمرين، ونَهْيين، وخبرين، وبِشارتين، ومن أمثلة

стр. 12536

جوامع كلمه ﷺ الواردة في الأحاديث حديث: «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» [خ¦٢٦٩٧] «وكلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ» [خ¦٢١٦٨] و «ليس الخبر كالمعاينة» و «البلاء موكَّلٌ بالمنطق» و «أيُّ داءٍ أدوأ من البخل!» و «حبُّك الشَّيء يُعمي ويُصمُّ … » إلى غير ذلك ممَّا يعسر استقصاؤه، ويدلُّك على أنَّه ﷺ قد حاز من الفصاحة وجوامع الكلم درجةً لا يرقاها غيره، وحاز مرتبةً لا يقدر فيها قدره، وفي كتابي «المواهب اللَّدُنيَّة» (١) من ذلك ما يشفي ويكفي، قال ابن المُنيِّر: ولم يَتَحدَّ نبيٌّ من الأنبياء بالفصاحة إلَّا نبيُّنا ﷺ ؛ لأنَّ هذه الخصوصيَّة لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته ﵊ في جوامع الكلم التي ليست من التِّلاوة ولكنَّها معدودةٌ من السُّنَّة (٢) تُحُدِّي بها أم لا؟ وظاهر قوله: «أُوتيت جوامع الكلم» أنَّه من التَّحدُّث بنعمة الله وخصائصه، كقوله: (وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) بضمِّ الرَّاء، أي: الخوف يُقذَف في قلوب أعدائي، زاد في «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٥] «مسيرة شهرٍ» وجعل الغاية مسيرة الشَّهر؛ لأنَّه لم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه (وَبَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي) رأيت نفسي (أُتِيتُ) بغير واوٍ بعد الهمزة، وفي «باب رؤيا اللَّيل» من «التَّعبير» [خ¦٧٠٣٧] بإثباتها (بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ) كخزائن كسرى أو معادن الذَّهب والفضَّة (فَوُضِعَتْ فِي يَدِي) بالإفراد (٣)، حقيقة أو مجازًا، فيكون كنايةً عن وعد الله بما ذكر أنَّه يعطيه أمَّته. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالسَّند السَّابق إليه: (فَقَدْ ذَهَبَ) أي: فتُوفِّي (رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَلْغَثُونَهَا) بفوقيَّة مفتوحةٍ، فلامٍ ساكنةٍ، فغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ، فمثلَّثةٍ مضمومةٍ، وبعد الواو السَّاكنة نونٌ فهاءٌ، فألفٌ، من اللَّغيث بوزن «عظيمٍ»: طعامٌ مخلوطٌ بشعيرٍ، كذا في «المحكَم» عن ثعلب، أي: تأكلونها كيفما اتَّفق (أَوْ) قال: (تَرْغَثُونَهَا) «بالرَّاء» بدل: «اللَّام»، من الرَّغث، كنايةً عن العيش، وأصله: من رَغَثَ الجديُ أمَّه، إذا ارتضع منها، وأرغثته هي أرضعته، قاله القَزَّاز، والشَّكُّ من الرَّاوي، أي: وأنتم ترضعونها (أَوْ) قال (كَلِمَةً تُشْبِهُهَا) أي: تشبه إحدى الكلمتين المذكورتين، نحو ما سبق في «التَّعبير» [خ¦٦٦٩٨] «تنتثلونها» بالمثلَّثة وتاء الافتعال، أي: تستخرجونها. والحديث من أفراده.

стр. 12537

٧٢٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام الفَهْميُّ المصريُّ (عَنْ سَعِيدٍ) بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (١) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا) أي: الذي (مِثْلُهُ أُوْمِنَ) بهمزةٍ مضمومةٍ بعدها واوٌ ساكنةٌ فميمٌ مكسورةٌ فنونٌ مفتوحةٌ، من الأمن (أَوْ) قال: (آمَنَ) بفتح الهمزة والميم من الإيمان (عَلَيْهِ) أي: لأجله (البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ) معظم المعجِز (الَّذِي أُوتِيتُ) بحذف الضَّمير المنصوب، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنيِّ: «أُوتيتُه» أي: من المعجزات (وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ) وهو القرآن العظيم (٢)؛ لكونه آيةً باقيةً لا تعدم ما بقيت الدُّنيا، مع تكفُّل الله تعالى بحفظه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وسائر معجزات غيره من الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلَّا خبرها، والقرآن العظيم (٣) الباهرة آياته الظَّاهرة معجزاته على ما كان عليه مِن وقت نزوله إلى هذا الزَّمن مدَّة تسع مئةِ سنةٍ وستَّ عشرةَ سنةً، حجَّته قاهرةٌ، ومعارضته ممتنعةٌ باهرةٌ ولذا رتَّب عليه قوله: (فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ) أكثر الأنبياء (تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ) لأنَّ بدوام المعجزة يتجدَّد الإيمان، ويتظاهر البرهان، و «تابعًا» نصبٌ على التَّمييز. والحديث مرَّ في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨١]. (٢) (باب الاِقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) الشَّاملة لأقواله وأفعاله وتقريره (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:

стр. 12538

﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾) [الفرقان: ٧٤] أفرده للجنس، وحسَّنه كونه رأس فاصلةٍ، أوِ اجعل كلَّ واحدٍ منَّا إمامًا كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] أو لاتِّحادهم واتِّفاق كلمتهم، أو لأنَّه مصدرٌ في الأصل كصيامٍ وقيامٍ (قَالَ: أَئَمَّةً نَقْتَدِي بِمَنْ قَبْلَنَا، وَيَقْتَدِي بِنَا مَنْ بَعْدَنَا) قاله مجاهدٌ فيما أخرجه الفريابيُّ والطَّبريُّ بسندٍ صحيحٍ، أي: اجعلنا أئمَّة لهم في الحلال والحرام يقتدون بنا فيه، قيل: وفي الآية ما يدلُّ على أنَّ الرِّئاسة في الدِّين تُطلَب ويُرغَب فيها. (وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وبعد الواو السَّاكنة نونٌ، عبد الله البصريُّ التَّابعيُّ الصَّغير فيما وصله محمَّد بن نصرٍ المروزيُّ في «كتاب السُّنَّة» (ثَلَاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِي وَلإِخْوَانِي) المؤمنين: (هَذِهِ السُّنَّةُ) الطَّريقة النَّبويَّة المحمَّديَّة، والإشارة في قوله: «هذه» نوعيَّةٌ لا شخصيَّةٌ (أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا وَيَسْأَلُوا عَنْهَا) علماءها (وَالقُرْآنُ أَنْ يَتَفَهَّمُوهُ) أي: يتدبَّروه، قال في «الكواكب»: قال في القرآن: يتفهَّموه، وفي السُّنَّة يتعلَّموها؛ لأنَّ الغالب على حال المسلم أن يتعلَّم القرآن في أوَّل أمره فلا يحتاج إلى الوصيَّة بتعلُّمه؛ فلذا وصَّى بفهم معناه، وإدراك منطوقه وفحواه، وقال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون السَّبب أنَّ القرآن قد جُمِعَ بين دفَّتي المصحف، ولم تكن السُّنَّة يومئذٍ جُمِعت، فأراد بتعلُّمها جمعها؛ ليتمكَّن من تفهُّمها، بخلاف القرآن فإنَّه مجموعٌ (وَيَسْأَلُوا النَّاسَ عَنْهُ وَيَدَعُوا النَّاسَ) بفتح الدَّال: يتركوهم (إِلَّا مِنْ خَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وَيَدْعُوا النَّاسَ» -قال في «الفتح»: بسكون الدَّال- إلى «خيرٍ». ٧٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين وسكون الميم، و «عبَّاس» (١) -بالموحَّدة- الباهليُّ البَصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ

стр. 12539

(عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حيَّان بتشديد التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنَّه (قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون التَّحتيَّة بعدها موحَّدةٌ، ابن عثمان الحَجَبيِّ (فِي هَذَا المَسْجِدِ) عند باب الكعبة الحرام، أو في الكعبة نفسها (قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (فِي مَجْلِسِكَ هَذَا، فَقَالَ: هَمَمْتُ) أي: قصدت، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لقد هممت» (أَلَّا أَدَعَ) أي: لا أترك (فِيهَا) أي: في الكعبة (صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ) ذهبًا ولا فضَّة (إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ) لمصالحهم، قال شيبة: (قُلْتُ) لعمر ﵁: (مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ) ذلك (قَالَ) عمر: (لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ) النَّبيُّ ﷺ ولا أبو بكر ﵁ (قَالَ) عمر: (هُمَا المَرْآنِ يُقْتَدَى بِهِمَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الدَّال المهملة، ولأبي ذرٍّ: «نَقتدِي» بنونٍ مفتوحةٍ بدل التَّحتيَّة وكسر الدَّال، وعند ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ عن شقيقٍ قال: «بعث معي رجلٌ بدراهم هديَّةً إلى البيت قال: فدخلتُ البيتَ (١) وشيبة جالسٌ على كرسيٍّ، فناولته إيَّاها، فقال: ألك هذه؟ قلت: لا ولو كانت لي، لم آتكَ بها، قال: أما لئن قلت ذاك، لقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتَّى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين، قلت: ما أنت بفاعلٍ، قال: لأفعلنَّ، قال: ولمَ؟ قلت: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد رأى مكانه، وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحرِّكاه، فقام كما هو فخرج»، ففيه أنَّ عمر ﵁ لمَّا أراد أن يصرف ذلك في مصالح المسلمين، وذكَّره شيبة بأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ لم يتعرَّضا له، لم يَسَعْه خلافهما، ونَزَّلَ تقريرَ النَّبيِّ ﷺ بمنزلة (٢) حكمه باستمرار ما ترك تغييره، فوجب عليه الاقتداء به لعموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وعُلِمَ من هذا أنَّه لا يجوز صرف ذلك في فقراء المسلمين، بل يصرفه القيِّم في الجهة المنذورة، وربَّما يُهدَم (٣) البيت أو تخلق (٤) بعض آلاته فيصرف ذلك فيه، ولو صُرِف في مصالح المسلمين لكان كأنَّه قد (٥) أُخرِج عن وجهه الذي سُبّل فيه، وللشَّيخ تقيِّ الدِّين السُّبكيِّ كتاب «نزول السَّكينة على

стр. 12540

قناديل المدينة» ذكر فيه فوائد جمَّةً أفاض الله تعالى عليه فواضل الرَّحمة. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: «هما المرآن يقتدى بهما». ٧٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَأَلْتُ الأَعْمَشَ) سليمان بن مهران (فَقَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهَمْدانيِّ الجهنيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ (يَقُولُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَّ الأَمَانَةَ) وهي ضدُّ الخيانة، أو الإيمان وشرائعه (نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها وإسكان الذَّال المعجمة: أصل قلوب المؤمنين حتَّى صارت طبيعةً فُطِروا عليها (وَنَزَلَ القُرْآنُ، فَقَرَؤُوْا القُرْآنَ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) الأمانةَ وما يتعلَّق بها، فاجتمع لهم الطَّبع والشَّرع في حفظها، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى. والحديث سبق مطوَّلًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧] و «الفتن» [خ¦٧٠٨٦]. ٧٢٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين في الأوَّل وضمِّ الميم وتشديد الرَّاء في الآخر، الجَمَلي بفتح الجيم والميم المخففَّة، قال: (سَمِعْتُ مُرَّةَ) بن شراحيل، ويقال له: مرَّة الطَّيِّب (الهَمْدَانِيَّ) بسكون الميم وفتح الدَّال المهملة، وليس هو والد عمرٍو الرَّاوي عنه (يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ¬) بفتح الهاء وسكون الدَّال المهملة فيهما: السَّمت والطَّريقة والسِّيرة، يقال: هدى هَدْي زيدٍ إذا سار سيرتَه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وأحسن الهُدَى هُدَى محمَّدٍ» بضمِّ

стр. 12541

الهاء وفتح الدَّال والقصر: الإرشاد، واللَّام في «الهَدْي» للاستغراق؛ لأنَّ أفعل التَّفضيل لا يُضاف إلَّا إلى متعدَّدٍ، وهو داخلٌ فيه، ولأنَّه لو لم يكن للاستغراق، لم يُفِد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسُنَّته على سائر الأديان والسُّنن (وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا) بضمِّ الميم وسكون الحاء وفتح الدَّال المخفَّفة المهملتين، جمع «مُحْدَثة» والمراد بها البِدَع والضَّلالات من الأفعال والأقوال، والبدعة كلُّ شيءٍ عُمِلَ على غير مثالٍ سابقٍ، وفي الشَّرع إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، فإن كان له أصلٌ يدلُّ عليه الشَّرع، فليس ببدعةٍ، قال إمامنا الشَّافعيُّ ﵀: البدعة بدعتان: محمودةٌ ومذمومةٌ، فما وافق السُّنَّة فهو محمودٌ، وما خالفها؛ فهو مذمومٌ، أخرجه أبو نُعيمٍ بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشَّافعيِّ، وعند البيهقيِّ في «مناقب الشَّافعيِّ» أنَّه قال: المُحدَثات ضربان: ما أُحدِث مخالفًا كتابًا أو سنَّةً أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضَّلالة، وما أُحدِث من الخير لا يخالف شيئًا من ذلك فهذه مُحدَثةٌ غير مذمومةٍ (وَ ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾) من البعث وأحواله (﴿لآتٍ﴾) لكائنٌ لا محالة (﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤]) بفائتين، ردٌّ لقولهم: من مات فات. وهذا من قول ابن مسعودٍ، ختم موعظته بشيءٍ من القرآن يناسب الحال، وظاهر سياق هذا الحديث أنَّه موقوفٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: لكنَّ القدر الذي له حكم الرَّفع منه قوله: «وأحسن الهدي هدي محمَّدٍ ﷺ » فإنَّ فيه إخبارًا عن صفةٍ من صفاته ﷺ ، وهو أحد أقسام المرفوع، وقد جاء الحديث عن ابن مسعودٍ مصرَّحًا فيه بالرَّفع من وجهٍ آخر، أخرجه أصحاب السُّنن، لكنَّه ليس على شرط البخاريِّ، وأخرجه مسلمٌ من حديث جابرٍ مرفوعًا أيضًا بزيادةٍ فيه، وليس هو على شرط البخاريِّ أيضًا، وقد سبق حديث الباب في «كتاب (١) الأدب» [خ¦٦٠٩٨]. ٧٢٧٨ - ٧٢٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ

стр. 12542

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) ﵄ (قَالَ) كذا في الفرع كأصله بالإفراد، أي: قال كلٌّ منهما، وفي غيره: «قالا»: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) فقام رجلٌ فقال: أَنشدك الله إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله … الحديث في قصَّة العسيف الذي زنى بامرأة الذي استأجره، (فَقَالَ) ﷺ لهما: (لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) القصَّة إلى آخرها السَّابق ذلك في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٧] وغيره (١) [خ¦٢٦٩٥] [خ¦٢٧٢٤] واقتُصِر منها هنا على قوله: «كنَّا عند النَّبيِّ ﷺ فقال: لأقضينَّ بينكما بكتاب الله» القدر المذكور إشارةً إلى أنَّ السُّنَّة يُطلَق عليها كتاب الله؛ لأنَّها بوحيه وتقديره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. ٧٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) العَوَقيُّ -بفتح العين المهملة والواو بعدها قافٌ- أبو بكرٍ الباهليُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، ابن سليمان المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ) بن أسامة، يقال له ابن أبي ميمون، وقد يُنسَب إلى جدِّه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ أُمَّتِي) أي: أمَّة الإجابة (يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى) بفتح الهمزة والموحَّدة من عصى منهم، فاستثناهم تغليظًا عليهم وزجرًا لهم (٢) عن المعاصي، أو المراد أمَّة الدَّعوة، و «إلَّا من أبى» أي: كفر بامتناعه عن قبول الدَّعوة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ أَبَى) قال في «شرح المشكاة»: «ومن يأبى» معطوفٌ على محذوفٍ أي: عرفنا الذين يدخلون الجنَّة، والذي أبى لا نعرفه، وكان من حقِّ الجواب أن يقال: من عصاني، فعدل إلى ما ذكره تنبيهًا به على أنَّهم ما عرفوا ذاك ولا هذا إذِ التَّقدير من أطاعني وتمسَّك بالكتاب والسُّنَّة دخل الجنَّة، ومن اتَّبع هواه وزلَّ عن الصَّواب وضلَّ عن الطَّريق المستقيم دخل النَّار، فوضع «أبى» موضعه وضعًا للسَّبب موضع

стр. 12543

المسبَّب، قال: ويعضد هذا التَّأويل إيراد مُحيي السُّنَّة هذا الحديث في «باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» والتَّصريح بذكر الطَّاعة، فإنَّ المطيع هو الذي يعتصم بالكتاب والسُّنَّة ويجتنب الأهواء والبدع. والحديث من أفراده. ٧٢٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف الموحَّدة الواسطيُّ، واسم جدِّه البَخْتَريُّ بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة وفتح الفوقيَّة، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخر سبق (١) في «الأدب» [خ¦٦١٠٦] ومن عداه في «الصَّحيحين» فبضمِّ العين قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) بن هارون قال: (حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ) بفتح السِّين المهملة وكسر اللَّام، بوزن «عَظيمٍ» وفي الفرع مكتوبٌ على كشطٍ «سُليمانُ» وكذا في «اليونينيَّة» بزيادة ألفٍ ونونٍ وضمِّ السِّين (٢)، وكذا هو في عدَّة نسخٍ، وهو سليمان بن حيَّان أبو خالدٍ الأحمر الكوفيُّ، والذي في «فتح الباري» و «عمدة القاري» و «الكواكب»: «سَليم» و «حيَّان» بفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة الهذليُّ البصريُّ، قال محمَّد بن عَبادة: (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) يزيد بن هارون خيرًا،

стр. 12544

قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم وسكون التَّحتيَّة بعدها نونٌ فهمزةٌ ممدودًا، أبو الوليد قال: (حَدَّثَنَا أَو) قال (١): (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄، والقائل: «حدَّثنا أو سمعت» سعيد بن ميناء، والشَّاكُّ سَليم بن حيَّان، شكَّ في أيِّ الصيغتين قالها شيخه سعيدٌ؟ ويجوز في «جابر» الرَّفع على تقدير حدَّثنا، والنَّصب على تقدير سمعت جابرًا (يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ نَائِمٌ) ذكر منهم التِّرمذيُّ في «جامعه» اثنين: جبريل وميكائيل، فيُحتَمل أن يكون مع كلِّ واحدٍ منهما غيره، أو اقتصر فيه (٢) على من باشر الكلام ابتداءً وجوابًا، وفي حديث ابن مسعودٍ عند التِّرمذيِّ وحسَّنه وصحَّحه ابن خزيمة: «أنَّه ﷺ توسَّد (٣) فَخِذَ فرقد، وكان إذا نام نفخ، قال: فبينا أنا قاعدٌ إذا أنا برجالٍ عليهم ثيابٌ بيضٌ، الله أعلم بما بهم من الجمال، فجلست طائفةٌ منهم عند رأس رسول الله ﷺ ، وطائفةٌ منهم عند رجليه» (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ وَالقَلْبَ يَقْظَانُ) قال الرَّامَهُرْمُزيُّ: هذا تمثيلٌ يُراد به حياة القلب وصحَّة خواطره، وقال البيضاويُّ فيما حكاه في «شرح المشكاة»: قول بعضهم: «إنَّه نائمٌ … » إلى آخره. مناظرةٌ جرت بينهم بيانًا وتحقيقًا لِمَا أنَّ النُّفوس القدسيَّة الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواسِّ واستراحة الأبدان (فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا) يعنون النَّبيَّ ﷺ (مَثَلًا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ وَالقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ) ﵊ (كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدَُبَةً) بفتح الميم وسكون الهمزة وضمِّ الدَّال وفتحها بعدها موحَّدةٌ مفتوحةٌ فهاء تأنيثٍ، وقيل: بالضَّمِّ: الوليمة، وبالفتح: أدب الله الذي أدَّب به عباده، وحينئذٍ فيتعيَّن الضَّمُّ هنا (وَبَعَثَ دَاعِيًا) يدعو النَّاس إليها (فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَأْدَُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ المَأْدُبَةِ) وفي حديث ابن مسعودٍ عند أحمد: «بنى بنيانًا حصينًا، ثمَّ جعل مأدبةً، فدعا النَّاس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه، أكل من طعامه، وشرب من شرابه، ومن لم يجبه، عاقبه الله» (فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا) بكسر الواو المشدَّدة، أي: فسِّروا الحكاية أو التَّمثيل (لَهُ) ﷺ (يَفْقَهْهَا) من أوَّل تأويلًا، إذا فسَّر الشَّيء بما يؤول

стр. 12545

إليه (١)، والتَّأويل في اصطلاح العلماء: تفسير اللَّفظ بما يحتمله احتمالًا غير بيِّنٍ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ العَيْنَ نَائِمَةٌ وَالقَلْبَ يَقْظَانُ) كرَّر «فقال بعضهم: إنَّه نائمٌ … » إلى آخره ثلاث مراتٍ، (فَقَالُوا: فَالدَّارُ) الممثَّل بها (٢) (الجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ ﷺ ¬) وفي حديث بن مسعودٍ عند أحمد: «أمَّا السَّيِّد فهو ربُّ العالمين، وأمَّا البنيان فهو الإسلام، وأمَّا الطَّعام فهو الجنَّة، ومحمَّدٌ الدَّاعي، فمن اتَّبعه كان في الجنَّة» (فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنَّه رسول الله صاحب المأدبة، فمن أجابه ودخل في دعوته أكل من المأدبة (وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ عَصَى اللهَ) فإن قلت: التَّشبيه يقتضي أن يكون مَثَل الباني هو مَثَل النَّبيِّ ﷺ ، حيث قال: مثله كمثل رجلٍ بنى دارًا، لا مثل الدَّاعي، أجاب في «شرح المشكاة» فقال: قوله: «مثله (٣) كمثل رجل» مطلعٌ للتَّشبيه وهو يُنبِئ عن أنَّ هذا ليس من التَّشبيهات المفرَّقة؛ كقول امرئ القيس: كأنّ قلوبَ الطَّيْرِ رطبًا ويابسًا … لدى وكرها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي شبَّه القلوب الرَّطبة بالعنَّاب، واليابسة بالحَشَف، على التَّفريق، بل هو من التَّمثيل الذي يُنتزَع فيه الوجهُ من أمور متعدِّدةٍ (٤) متوهَّمةٍ منضمٍّ (٥) بعضُها مع بعضٍ؛ إذ لو أريد التَّفريق لقيل: مثله كمثل داعٍ بعثه رجلٌ، ومن ثَمَّ قُدِّمت في التَّأويل «الدَّار» على «الدَّاعي» وعلى «المضيف» روعي في التَّأويل (٦) أدبٌ حسنٌ حيث لم يصرِّح المشبِّه بالرَّجل، لكنَّه لمَّح في قوله: «من أطاع الله» إلى ما يدلُّ على أنَّ المشبَّه من هو، قال الطِّيبيُّ: وتحريره أنَّ الملائكة مثَّلوا سبق رحمة الله تعالى على العالمين بإرساله (٧) الرَّحمة المهداة إلى الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا

стр. 12546

أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ثمَّ إعداده الجنَّة للخلق، ودعوته ﷺ إيَّاهم إلى الجنَّة ونعيمها وبهجتها، ثمَّ إرشاده الخلق بسلوك الطَّريق إليها، واتِّباعهم إيَّاه بالاعتصام بالكتاب والسُّنَّة المُدْلَيَين إلى العالم السُّفليِّ، فكأنَّ النَّاس واقعون في مهواة طبيعتهم ومشتغلون بشهواتها، وإنَّ الله يريد بلطفه رفعهم، فأَدْلى حبلَي (١) القرآن والسُّنَّة إليهم ليخلِّصهم (٢) من تلك الورطة، فمن تمسَّك بهما، نجا وحصل في الفردوس الأعلى والجناب الأقدس عند مليكٍ مقتدرٍ، ومن أخلد إلى الأرض، هلك وأضاع نفسه من رحمة الله تعالى، بحال مضيفٍ كريمٍ بنى دارًا، وجعل فيها من أنواع الأطعمة المستلذَّة والأشربة المستعذبة ما لا يحصى ولا يوصف، ثمَّ بعث داعيًا إلى النَّاس يدعوهم إلى الضِّيافة إكرامًا لهم، فمن اتَّبع (٣) الدَّاعي، نال من تلك الكرامة، ومن لم يتَّبع حُرِمَ منها، ثمَّ إنَّهم وضعوا مكانَ حلولِ سخط الله بهم ونزول العقاب السَّرمديِّ عليهم قولهم: «لم يدخلِ الدَّار، ولم يأكل من المَأدبة»؛ لأنَّ فاتحة الكلام سيقت لبيان سبق الرَّحمة على الغضب، فلم يطابق أن لو خُتِم بما يصرِّح بالعقاب والغضب، فجاؤوا بما يدلُّ على (٤) المراد على سبيل الكناية (وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرَّقَ) بتشديد الرَّاء: فارقٌ، ولغير أبي ذرٍّ: «فَرْقٌ» بسكونها على المصدر، وُصِفَ به للمبالغة، أي: الفارق (بَيْنَ النَّاسِ) المؤمن والكافر، والصَّالح والطَّالح؛ إذ به تميَّزتِ الأعمال والعمَّال، وهذا كالتَّذييل للكلام السَّابق؛ لأنَّه مشتملٌ على معناه ومؤكِّدٌ له، وفيه إيقاظٌ للسَّامعين من رقدة الغفلة، وحثٌّ على الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة والإعراض عمَّا يخالفهما. (تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن عَبَادة (قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (عَنْ لَيْثٍ) هو ابن سعدٍ (عَنْ خَالِدٍ) أبي عبد الرَّحيم بن يزيدٍ المصريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) وصله التِّرمذيُّ بلفظ: «خرج علينا النَّبيُّ ﷺ يومًا فقال: إنِّي رأيت في المنام كأنَّ جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمع سَمِعتْ أذنك، واعقل عَقَلَ قلبك، إنَّما مثلك ومثل

стр. 12547

أمَّتك كمثل مَلِكٍ اتَّخذ دارًا، ثمَّ بنى فيها بناءً، ثمَّ جعل فيها مائدة (١)، ثمَّ بعث رسولًا يدعو النَّاس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرَّسول، ومنهم من تركه، فالله هو الملك، والدَّار الإسلام، والبيت الجنَّة، وأنت يا محمَّد رسولٌ، من أجابك، دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام، دخل الجنَّة، ومن دخل الجنَّة، أكل ممَّا (٢) فيها»، قال التِّرمذيُّ: وهو حديثٌ مرسلٌ؛ لأنَّ سعيد بن أبي هلالٍ لم يدرك جابرًا، قال في «الفتح»: يريد أنَّه منقطعٌ بين سعيدٍ وجابرٍ، وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشيِّ عند الطَّبرانيِّ بنحو سياقه، وسنده جيِّدٌ، وأورده المؤلِّف لرفع توهُّم من ظنَّ أنَّ طريق سعيد بن ميناء موقوفٌ. ٧٢٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن الحارث (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان ﵁ أنَّه (قَالَ: يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ) بضمِّ القاف وتشديد الرَّاء، مهموزًا، جمع «قارئٍ» والمراد: العلماء بالقرآن والسُّنَّة العبَّاد (اسْتَقِيمُوا) اسلكوا طريق الاستقامة بأن تتمسَّكوا بأمر الله فعلًا وتركًا (فَقَدْ سُبِقْتُمْ) بضمِّ السِّين وكسر الموحَّدة مصحَّحًا عليه في الفرع كأصله مبنيًّا للمفعول، أي: لازِموا الكتاب والسُّنَّة؛ فإنَّكم مسبوقون (سَبْقًا بَعِيدًا) أي: ظاهرًا، ووصفه بالبعد؛ لأنَّه غاية شَأْو المتسابقين، ولأبي ذرٍّ: «سَبَقْتُمْ» بفتح السِّين والموحَّدة، قال في «الفتح»: وبه جزم ابن التِّين، وهو المعتمَد، وزاد محمَّد بن يحيى الذُّهليُّ عن أبي نُعيمٍ شيخ البخاريِّ فيه: «فإن استقمتم؛ فقد سبقتم» أخرجه أبو نُعيم في «مستخرجه» وخاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام، فإذا تمسَّك بالكتاب والسُّنَّة؛ سبق إلى كلِّ خيرٍ (٣)؛ لأنَّ من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلَّا؛ فهو أبعد منه حسًّا وحكمًا (فَإِنْ) خالفتم الأمر و (أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا) عن طريق الاستقامة (لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا).

стр. 12548

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «استقيموا»؛ لأنَّ الاستقامة هي الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ، وقد قال ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وقال القرطبيُّ أبو محمد: الصِّراط الطَّريق الذي هو دين الإسلام، وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نصبٌ على الحال، والمعنى مستويًا قويمًا لا اعوجاجَ فيه، وقد بيَّنه على لسان نبيِّه ﷺ ، وتشعَّبت منه طرقٌ، فمن سلك الجادَّة نجا، ومن خرج إلى تلك الطُّرق أفضت به إلى النَّار، وعن ابن مسعودٍ قال: «خطَّ رسول الله ﷺ خطًّا بيده ثمَّ قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، وخطَّ عن يمينه وشماله ثمَّ قال: هذه السُّبل ليس منها سبيلٌ إلَّا عليه شيطانٌ يدعو إليه، ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الاية [الأنعام: ١٥٣]» رواه الإمام أحمد. ٧٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف آخره موحَّدةٌ مصغَّرًا، محمَّد بن العلاء قال: (حَدَّثَنا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء بن (١) عبد (٢) الله (عَنْ) جدِّه (٣) (أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء، عامرٍ أو الحارث (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا) بفتح الميم والمثلَّثة فيهما، أي: صفتي العجيبة الشَّأن وصفة ما (بَعَثَنِي اللهُ بِهِ) إليكم من الأمر العجيب الشَّأن

стр. 12549

(كَمَثَلِ رَجُلٍ) كصفة رجلٍ (أَتَى قَوْمًا) بالتَّنكير للشيوع (فَقَالَ) لهم: (يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الجَيْشَ) المعهود (بِعَيْنَيَّ) بلفظ التَّثنية (وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُرْيَانُ) بالعين المهملة والرَّاء السَّاكنة، بعدها تحتيَّةٌ، من التَّعرِّي، وهو مَثَلٌ سائرٌ يُضرَب لشدَّة الأمر، ودنوِّ المحذور، وبراءة المحذِّر من (١) التُّهمة، وأصله أنَّ الرَّجل إذا رأى (٢) العدوَّ (٣) قد هجم على قومه، وكان يخشى لحوقهم عند لحوقه، تجرَّد عن ثوبه، وجعله على رأس خشبةٍ وصاح ليأخذوا حذرهم، ويستعدُّوا قبل لحوقهم، وقال ابن السَّكن: هو رجلٌ من خثعم، حَمَل عليه يوم ذي الخَلَصة عوف بن عامرٍ، فقطع يده ويد امرأته (فَالنَّجَاءُ) بالهمزِ والمدِّ والرَّفع مصحَّحًا عليه في الفرع، وفي غيره بالنَّصب مفعولٌ مطلقٌ، أي: الإسراع، والذي في «اليونينيَّة» الهمز فقط من غير حركةِ رفعٍ ولا غيره، وفي «الرِّقاق» (٤) في «باب الانتهاء عن المعاصي» [خ¦٦٤٨٢] «فالنَّجاء النَّجاء» مرَّتين (فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا) بهمزةٍ مفتوحةٍ فدالٍ مهملةٍ ساكنةٍ وبالجيم: ساروا أوَّل اللَّيل (فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ) بتحريك الهاء بالفتحة: بالسَّكينة والتَّأنِّي (فَنَجَوْا) من العدوِّ (وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ) بالجيم السَّاكنة والحاء المهملة: استأصلهم (فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «واتَّبَعَ» (مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ) قال الطِّيبيُّ: هذا التَّشبيه من التَّشبيهات المفرَّقة، شبَّه ذاته ﷺ بالرَّجل، وما بعثه الله به من إنذار القوم بعذاب الله القريب بإنذار الرَّجل قومه بالجيش المصبِّح، وشبَّه من أطاعه من أمَّته ومن عصاه بمن كذَّب الرَّجل في إنذاره وصدّقه، وفي قول الرَّجل: «أنا النَّذير … » إلى آخره، أنواعٌ من التَّأكيد: أحدها قوله: «بعينيَّ» لأنَّ الرُّؤية لا تكون إلَّا بهما (٥)، وثانيها «إنِّي» و «أنا»، وثالثها «العُريان» فإنَّه دلَّ على بلوغ النِّهاية (٦) في قرب العدوِّ.

стр. 12550

والحديث سبق في «باب الانتهاء عن المعاصي» من «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨٢]. ٧٢٨٤ - ٧٢٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأَيْليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (١) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) غطفان وفزارة وبنو يربوعٍ وبعض بني (٢) تميمٍ وغيرهم، منعوا الزَّكاة، فأراد أبو بكر أن يُقاتِلهم (قَالَ عُمَرُ) ﵁ (لأَبِي بَكْرٍ) ﵁ مُعترِضًا عليه: (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة، أي: أمرني الله (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يُستباح مالُه، ولا يُهدَر دمُه (إِلَّا بِحَقِّهِ) بحقِّ الإسلام، من قتل نفسٍ محرَّمةٍ، أو إنكار وجوب الزَّكاة، أو منعها بتأويلٍ باطلٍ (وَحِسَابُهُ) فيما يسَّره (عَلَى اللهِ) فيثبِّتُ المؤمن ويعاقب غيره، فلا نقاتله، ولا نفتش باطنه هل هو مخلصٌ أم لا؟ فإنَّ ذلك إلى الله تعالى، وحسابه عليه، ولم ينظر عمر ﵁ إلى قوله: «إلَّا بحقِّه» ولا تأمَّل شرائطه. (فَقَالَ) له أبو بكر ﵄: (وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) فقال: أحدهما واجبٌ دون الآخر، أو امتنع من إعطاء الزَّكاة متأوِّلًا (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ البدن

стр. 12551

فكما لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الصَّلاة كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤدِّ حقَّ الزَّكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا في عموم قوله: «أُمِرت أن أقاتل النَّاس» فوجب قتالهم حينئذٍ، وهذا من لطيف النَّظر، أن يقلِب المعترض على المستدلِّ دليله فيكون أحقَّ به، وكذلك فعل أبو بكرٍ، فسلَّم له عمر ﵄ (وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا): هو الحبل الذي يُعقَل به البعير، قال أبو عبيدٍ: وقد بعث النَّبيُّ ﷺ محمَّد بن مسلمة على الصَّدقة، فكان يأخذ مع كلِّ فريضةٍ عقالًا، قال النَّوويُّ: وقد ذهب إلى هذا -أي إلى أنَّ المراد بالعقال حقيقته، وهو الحبل- كثيرٌ من المحقِّقين، والمراد به قدر قيمته، والرَّاجح أنَّ العقال لا يؤخذ في الزَّكاة لوجوبه بعينه، وإنَّما يُؤخَذ تبعًا للفريضة التي تُعقَل به، أو أنَّه قال ذلك مبالغةً على تقدير أن لو كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: العقال يُطلَق على صدقة العام، يعني صدقته، حكاه الماورديُّ عنِ الكسائيِّ، وقيل: إنَّه الفريضة من الإبل، وقيل: ما يؤخذ في الزَّكاة من أنعامٍ وثمارٍ؛ لأنَّه عُقِل عن مالها، لكن قال ابن التَّيميِّ في «التَّحرير»: من فسَّر العقال بفريضة العام تعسَّف، ولأبي ذرٍّ: «كذا» وهي كنايةٌ عن قوله: عقالًا، وله عن الكُشْمِيهَنيّ: «كذا وكذا» (كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) بما ظهر من الدَّليل الذي أقامه، لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، واختُلِف في قوله: «كذا» فقيل: هي وهمٌ، وإلى ذلك أشار المؤلِّف (١) بقوله: (قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ) يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ المصريُّ (وَعَبْدُ اللهِ) بن صالحٍ كاتب اللَّيث (عَنِ اللَّيْثِ) بن سعدٍ الإمام: (عَنَاقًا، وَهْوَ أَصَحُّ) من رواية: «عقالًا» ووقع في روايةٍ ذكرها أبو عبيدٍ (٢): «لو منعوني جديًا أذوط» أي: صغير الفكِّ والذَّقَن، وهو يؤيِّد أنَّ الرِّواية «عناقًا». ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة؛ فإنَّ من فرَّق بينهما خرج عن الاقتداء بالسُّنَّة الشَّريفة». والحديث سبق في أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠].

стр. 12552

٧٢٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيْليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ) الفزاريُّ من مسلمة الفتح، وشهد حُنينًا (فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ) وكان عيينة فيمن وافق طُلَيحة الأسديَّ لمَّا ادَّعى النُّبوَّة، فلمَّا غلبهم المسلمون في قتال أهل الرِّدَّة فرَّ طُليحة وأُسِر عيينة، فأُتِي به إلى أبي بكر، فاستتابه فتاب، وكان قدومه إلى المدينة إلى عمر بعد أن استقام أمره وشهد الفتوح، وفيه من جفاء الأعراب شيءٌ (وَكَانَ) الحرُّ بن قيسٍ (مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الدَّال المهملة، أي: يقرِّبهم (عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ) الذين يشاورهم في الأمور (كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا (١)) بضمِّ الشِّين المعجمة وتشديد الموحَّدة، وكان الحُرُّ متَّصفًا بذلك فلذا كان عمر يقرِّبه (فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ) الحرِّ بن قيسٍ: (يَا بْنَ أَخِي؛ هَلْ لَكَ وَجْهٌ) أي: وجاهةٌ ومنزلةٌ (عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ) عمر بن الخطَّاب ﵁ (فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ؟) بنصب «فتستأذنَ لي»: فتطلبَ منه الإذن في خلوةٍ؟ (قَالَ) له الحرُّ: (سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السَّابق: (فَاسْتَأْذَنَ) الحرُّ (لِعُيَيْنَةَ) فأذن له (فَلَمَّا دَخَلَ) عيينة عليه (قَالَ: يَا بْنَ الخَطَّابِ) وهذا من جفائه حيث لم يقل: يا أمير المؤمنين ونحوه (وَاللهِ

стр. 12553

مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ) بفتح الجيم وسكون الزَّاي بعدها لامٌ، أي: الكثير (وَمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولا» (تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ) وكان شديدًا في الله (حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ): قَصَد أن يبالغ في ضربه (فَقَالَ) له (الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾) بالمعروف والجميل من الأفعال (﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]) أي: ولا تكافئ السُّفهاء بمثل سَفَههم ولا تُمارِهم (وَإِنَّ هَذَا) عيينة (مِنَ الجَاهِلِينَ) قال ابن عبَّاس أو الحرُّ بن قيسٍ: (فَوَاللهِ مَا جَاوَزَهَا) لم يتعدَّ (١) (عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ) الحرُّ، أي: العمل بها (وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ) لا يتجاوز حكمه. والحديث سبق في «تفسير سورة الأعراف» [خ¦٤٦٤٢]. ٧٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ) زوجته (فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ) جدَّتها (أَسْمَاءَ ابْنَةِ) ولأبي ذرٍّ: «بنت» (أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالخاء المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «كسفت» بالكاف «الشَّمس» فقيل (٢): لغتان، أو يغلب في القمر لفظ الخسوف،

стр. 12554

بالخاء المعجمة (١)، وفي الشَّمس الكسوف، بالكاف (وَالنَّاسُ قِيَامٌ، وَهْيَ) أي: عائشة ﵂ (قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ) لها: (مَا (٢) لِلنَّاسِ؟) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ما بالُ النَّاس؟» أي: ما شأنهم فزعين؟ (فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ) تعني: انكسفت الشَّمس (فَقَالَتْ) عائشة: (سُبْحَانَ اللهِ!) قالت أسماء: (فَقُلْتُ) لها: (آيَةٌ) لعذاب الناس؟ (قَالَتْ) عائشة: (بِرَأْسِهَا: أَنْ نَعَمْ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «أيْ نَعَم» بالتَّحتيَّة بدل النُّون (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) من الصَّلاة (حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَرَهُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ) رؤية عينٍ حال كوني (فِي مَقَامِي) هذا (٣) (حَتَّى الجَنَّةَُ وَالنَّارَُ) بالنَّصب عطفًا على الضَّمير المنصوب في قوله: «رأيته» ويجوز الرَّفع على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، و «الجنَّة» مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: حتَّى الجنَّةُ مرئيَّةٌ، و «النَّار» عطفٌ عليه (وَأُوحِيَ) بضمِّ الهمزة (إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ) أي: تُمتَحنون فيها (قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُسْلِمُ) قالت فاطمة بنت المنذر: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ): هو (مُحَمَّدٌ جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) بالمعجزات (فَأَجَبْنَا) دعوته، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فأجبناه» بضمير المفعول (وَآمَنَّا) أي: به (فَيُقَالُ) له: (نَمْ) حال كونك (صَالِحًا) منتفعًا بأعمالك (عَلِمْنَا أَنَّكَ مُوقِنٌ، وَأَمَّا المُنَافِقُ -أَوِ المُرْتَابُ) وهو الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ؟ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ). والحديث سبق في «العلم» [خ¦٨٦] و «الكسوف» [خ¦١٠٥٣] ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «جاءنا بالبيِّنات فأجبنا» لأنَّ الذي أجاب وآمن هو الذي اقتدى بسُنَّته ﷺ . ٧٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) أي: ابن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام

стр. 12555

(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) أي: اتركوني مدَّة تركي إياكم بغير (١) أمرٍ بشيءٍ ولا نهيٍ عن شيءٍ، أو لا تُكثِروا من الاستفصال فإنَّه قد يُفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل؛ إذ أُمِروا بذبح البقرة فشدَّدوا فشدَّد الله عليهم، كما قال: (إِنَّمَا هَلَكَ (٢) مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ) بالموحَّدة، أي: بسبب سؤالهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أَهْلَكَ» بزيادة الهمزة المفتوحة من الثُّلاثيِّ المزيد «سؤالُهم» بإسقاط الموحَّدة، مرفوعٌ فاعلُه «واختلافُهم» عطفٌ عليه، وفي «الفتح» وفي رواية غير (٣) الكُشْمِيهَنيِّ: «أُهْلِكَ» بضمِّ أوّله وكسر اللَّام (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذا -كما قال النَّوويُّ- من جوامع كَلمِه ﷺ ، ويدخل فيه كثيرٌ من الأحكام كالصَّلاة لمن عجز عن ركنٍ منها أو شرطٍ، فيأتي بالمقدور، وسبب هذا الحديث على (٤) ما ذكره مسلمٌ من رواية محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة ﵁: خَطَبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيُّها النَّاس قد فرض الله عليكم الحجَّ، فحجُّوا»، فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم» ثمَّ قال: «ذَروني ما تركتكم» الحديث، وأخرجه الدَّارقطنيُّ مختصرًا، وزاد فيه: «فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]».

стр. 12556

ومطابقة حديث الباب لما ترجم به تُؤخَذ من معنى الحديث؛ لأنَّ الذي يجتنب ما (١) نهاه عنه (٢) ﷺ ، ويأتمر بما أمره به، فهو ممَّن اقتدى بسُنَّته. (٣) (بابُ ما يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤالِ) عن أمورٍ مغيَّبةٍ ورد الشَّرع بالإيمان بها مع ترك كيفيَّتها والسُّؤال عمَّا لا يكون له شاهدٌ في عالم الحسِّ كالسُّؤال (٣) عن السَّاعة، والرُّوح، ومدَّة هذه الأمَّة إلى غير ذلك ممَّا لا يُعرَف إلَّا بالنَّقل المحض (وَ) ما يُكرَه من (تَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيه، وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) جواب الشَّرط، والجملة الشَّرطيَّة في محلِّ جرٍّ صفةٍ لـ ﴿أَشْيَاء﴾ و ﴿أَشْيَاء﴾ قال الخليلُ وسيبويهِ وجملةُ البصريِّين: أصله شَيْئَاء بهمزتين بينهما ألفٌ، وهي «فَعْلاء» من لفظ «شيءٍ» وهمزتها الثَّانية للتَّأنيث؛ ولذا لم تنصرف، كحمراء، وهي مفردةٌ لفظًا، جمعٌ معنًى، ولمَّا استُثْقِلت الهمزتان المجتمعتان (٤)، قدِّمت الأولى التي هي لامٌ فجُعِلت قبل الشِّين، فصار وزنها «لَفْعاء» والجملة التَّالية (٥) لهذه الجملة المعطوفة عليها وهي ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ﴾ صفةٌ لـ ﴿أَشْيَاء﴾ أيضًا، أي: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصَّعبة في زمان الوحي تُبدَ لكم تلك التَّكاليف التي تغمُّكم وتشقُّ عليكم، وتُؤمَروا بتحمُّلها، فتُعرِّضوا أنفسكم لغضب الله بالتَّفريط فيها. ٧٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) أبو عبد الله (المُقْرِئُ) بالهمز الحافظ قال: (حَدَّثَنَا

стр. 12557

سَعِيدٌ) بكسر العين ابن أبي أيُّوب الخزاعيُّ المصريُّ، واسم أبي أيُّوب مِقْلاصٌ بكسر الميم وسكون القاف آخره صادٌ مهملةٌ، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد ابن أبي وقاصٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء بعدها ميمٌ، أي: إثمًا (مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ) زاد مسلمٌ: «على النَّاس» (فَحُرِّمَ) بضمِّ الحاء وتشديد الرَّاء المكسورة، زاد مسلمٌ «عليهم» (١) (مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) لا يُقال: إِنَّ في هذا الحديث دلالةً للقدريَّة القائلين: إنَّ الله تعالى يفعل شيئًا من أجل شيءٍ، وهو مخالفٌ لأهل السُّنَّة؛ لأنَّ أهل السُّنَّة لا يُنكِرون إمكان التَّعليل، وإنَّما ينكرون وجوبه، فلا يمتنع أن يكون المقدّر الشَّيء الفلانيّ يتعلَّق به الحرمة إن سُئِل عنه، وقد سبق القضاء بذلك، لا أنَّ (٢) السُّؤال علَّةٌ للتَّحريم. انتهى. والسُّؤال وإن لم يكن في نفسه جُرمًا فضلًا عن كونه أكبر الكبائر، لكنَّه لمَّا كان سببًا لتحريم مباحٍ صار أعظم الجرائم؛ لأنَّه سببٌ في التَّضييق على جميع المسلمين (٣)، ويُؤخَذ منه أنَّ من عمل شيئًا أضرَّ به غيره كان آثمًا، ولا تنافيَ بين قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٤) [النحل: ٤٣] وقوله: ﴿لَا تَسْأَلُواْ﴾ لأنَّ المأمورَ به ما تقرَّر حكمه، والمنهيَّ عنه ما لم يتعبَّد الله تعالى به عباده. والحديث أخرجه مسلم في «فضائل النَّبيِّ ﷺ » وأبو داود في «السُّنَّة».

стр. 12558

٧٢٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصورٍ الكوسَج الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَفَّانُ) بن مسلمٍ الصَّفَّار، كذا بلفظ: «أخبرنا» بالخاء المعجَمة في الفرع، وهو في «الفتح» بلفظ: «حدَّثنا» بالحاء المهملة، واسْتُدِلَ به على أنَّ إسحاق هذا هو ابن منصورٍ، لا إسحاق ابن رَاهُوْيَه، قال: لقوله: «حدَّثنا عفان»، وإسحاق ابن رَاهُوْيَه إنَّما يقول: «أخبرنا» ولأنَّ أبا نُعيمٍ أخرجه من طريق أبي خيثمة عن عفَّان، ولو كان في «مسند إسحاق» لما عدل عنه، قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو وفتح الهاء، ابن خالدٍ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» قال: (سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ) بالنُّون المفتوحة والمعجمة السَّاكنة سالم بن أبي أميَّة (يُحَدِّثُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة، وسعيد بكسر العين مولى الحضرميِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم، بعدها راءٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (١): «حُجْزَة» «بالزَّاي» بدل: «الرَّاء»، (فِي المَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ) أي: حوَّطها بها فيه لتستره من النَّاس وقت الصَّلاة (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا لَيَالِيَ) من رمضان (حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ ثُمَّ فَقَدُوا (٢)) -بفتح الفاء والقاف- (صَوْتَهُ لَيْلَةً، فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ) بنونين وحاءين مهملتين (لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) صلوات الله وسلامه عليه (فَقَالَ: مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيْعِكُمْ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون التَّحتيَّة بعد النُّون المكسورة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «من صُنْعِكم» بضمِّ الصَّاد وسكون النُّون، من غير تحتيَّةٍ: من شدَّة حرصكم في إقامة صلاة التَّراويح جماعةً (حَتَّى خَشِيتُ) أنِّي (٣) لو واظبتُ على ذلك (أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ) أي: يُفرَض (وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ؛ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا، -أَيُّهَا النَّاسُ- فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا المَكْتُوبَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا الصَّلاة المكتوبة» أي: المفروضة، يُستَثنى منه صلاة العيد ونحوها ممَّا شُرع جماعةً، وتحيَّة المسجد لتعظيمه. والحديث سبق في «صلاة اللَّيل» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٧٣١].

стр. 12559

٧٢٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء في الأوَّل، وسكونها في الثَّاني (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامرٍ أو الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ) غير منصرفٍ (كَرِهَهَا) لأنَّه ربَّما كان فيها سببٌ لتحريم شيءٍ على المسلمين، فتلحقهم به المشقَّة، قيل: منها سؤال من قال: أين ناقتي؟ ومن سأل عن وقت السَّاعة، ومن سأل عن الحجِّ أيجب كلَّ عامٍ؟ (فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ غَضِبَ) لكونهم تعنَّتوا في المسألة، وتكلَّفوا ما لا حاجة لهم به (وَقَالَ) لهم: (سَلُونِي) أي: عمَّا شئتم؛ كما في «كتاب العلم» [خ¦٩٢] (فَقَامَ رَجُلٌ) اسمه عبد الله بن حُذافة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح المعجمة وبعد الألف فاءٌ، القرشيُّ السَّهميُّ (ثُمَّ قَامَ آخَرُ) اسمه سعد بن سالمٍ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ) بن ربيعة، وكان سبب ذلك طعن النَّاس في نسب بعضهم (فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ) ﵁ (مَا بوَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الغَضَبِ) أي (١): من أثر الغضب (قَالَ: إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ ممَّا يوجِب غضبك يا رسول الله، وزاد مسلمٌ فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يومٌ كان أشدَّ منه. والحديث سبق في «باب الغضب في الموعظة» من «كتاب العلم» [خ¦٩٢].

стр. 12560

٧٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عُميرٍ الكوفيُّ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والرَّاء المشدَّدة (كَاتِبِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (١) ومولاه أنَّه (قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (إِلَى المُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيْهِ) المغيرة (إنَّ نَبِيَّ اللهِ (٢) ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) بضمِّ الدَّال والموحَّدة، أي: عَقِبَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ بعد الفراغ منها: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) حالٌ ثانيةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى الأولى، و «لا» نافيةٌ، و «شريكَ» مبنيٌّ مع «لا» على الفتح، وخبر «لا» متعلِّق «له» (لهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: للَّذي أعطيته (ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) للَّذي منعته (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم فيهما، أي: لا ينفع صاحبَ الحظِّ من نزول عذابك حظُّه، وإنَّما ينفعه عمله الصَّالح، فالألف واللَّام في «الجَدُّ» الثَّاني عوضٌ عنِ الضَّمير، وقد سوَّغ ذلك الزَّمخشريُّ واختاره كثيرٌ من البصريِّين والكوفيِّين في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] قال ورَّاد بالسَّند السَّابق: (وَكَتَبَ) المغيرة أيضًا (إِلَيْهِ) أي: إلى معاوية: (إِنَّهُ) ﷺ (كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ) ببنائهما على الفتح على سبيل الحكاية، وبجرِّهما وتنوينهما مُعرَبين، لكنَّ الذي يقتضيه المعنى كونُهما على سبيل الحكاية؛ لأنَّ «القيلَ والقال» إذا كانا اسمينِ كانا بمعنًى (٣) واحدٍ كـ «القول» فلم يكن في عطف أحدهما على الآخر فائدةٌ، بخلاف ما إذا كانا فعلين؛ فإنَّه يكون النَّهي عن «قيل» فيما لا يصحُّ ولا يُعلَم حقيقته، فيقول المرء في حديثه: قيل كذا؛ كما جاء في الحديث: «بئس مطيَّةُ المرء (٤) زعموا» وإنَّما كان النَّهي عن ذلك لشغل (٥) الزَّمان في التَّحديث بما لا يصحُّ ولا يجوز، ويكون النَّهي

стр. 12561

عن «قال» فيما يُشَكُّ في حقيقته وإسناده إلى غيره؛ لأنَّه يشغل الوقت بما لا فائدة فيه، بل قد يكون كذبًا، فيأثم ويضرُّ نفسه وغيره، أمَّا من تحقَّق الحديث، وتحقق من يُسنده إليه ممَّا (١) أباحه الشَّرع؛ فلا حرج في ذلك (وَ) كان ﵊ ينهى عن (كَثْرَةِ السُّؤَالِ) بفتح الكاف، وكسرها لغةٌ رديئةٌ؛ كما في «الصَِّحاح» أي: كثرة المسائل العلميَّة التي لا تدعو الحاجة إليها، وفي حديث معاوية: «نهى عن الأغلوطات» وهي شداد المسائل وصِعابها، وإنَّما كرِه ذلك؛ لما يتضمَّن كثيرٌ منه التَّكلَّفَ في الدِّين والتَّنطُّع من غير ضرورةٍ، أو المسائل في المال، وقد وردت أحاديث في تعظيم مسألة النَّاس (وَ) عن (إِضَاعَةِ المَالِ) فيما لا يحلُّ (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ) جمع «أُمَّهَة» قال: أُمَّهتي خِنْدِفُ والياسُ أَبي إلَّا أنَّ «أمَّهةً» لمن يعقل و «أمَّ» لمن يعقل ولمن لا يعقل، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين بن دقيق العيد: وتخصيص العقوق بالأمَّهات مع امتناعه في الآباء أيضًا؛ لأجل شدَّة حقوقهنَّ، ورجحان الأمر ببرّهن بالنِّسبة إلى الآباء، وهذا من باب تخصيص الشَّيء بالذِّكر (٢) بإظهار (٣) عِظَمِه في المنع إن كان ممنوعًا، وَشَرَفه إن كان مأمورًا به، وقد يُراعى في موضعٍ آخر بالتَّنبيه بذكر الأدنى على الأعلى، فيخصُّ الأدنى بالذِّكر، وذلك بحسب اختلاف المقصود (وَ) عن (وَأْدِ البَنَاتِ) بالهمزة السَّاكنة والدَّال المهملة، أي: دفنهنَّ مع الحياة، فعل الجاهليَّة؛ ولذا خُصَّت بالذِّكر، فتوجَّه النَّهي إليه، لا لأنَّ الحكم مخصوصٌ بالبنات (وَ) عن (مَنْعٍ) بفتح الميم وسكون النُّون وتنوين العين مكسورةً؛ لما يسأل من الحقوق الواجبة عليه (وَ) عن قول: (هَاتِ) بكسر الفوقيَّة من غير تنوينٍ، يطلب من النَّاس من غير حاجةٍ، وفيه ترجيح أن يكون المراد من النَّهي عن كثرة السُّؤال سؤال غير (٤) المال دفعًا للتَّكرار. والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] وغيرها [خ¦٢٤٠٨] [خ¦٥٩٧٥] [خ¦٦٤٧٣].

стр. 12562

٧٢٩٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ أبو إسماعيل الأزديُّ الأزرق (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فَقَالَ: نُهِينَا) بضمِّ النُّون وكسر الهاء (عَنِ التَّكَلُّفِ) وهذا الحديث أخرجه أبو نُعيمٍ في «المستَخَرج» من طريق أبي مسلمٍ الكجِّيِّ عن سليمان بن حربٍ، ولفظه عن أنسٍ «كنَّا عند عمرَ وعليه قميصٌ في ظهره أربعُ رقاعٍ، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبُّ؟ ثمَّ قال: مَهْ، نهينا عن التَّكلُّف»، وأخرجه عَبْدُ بن حُمَيدٍ عن سليمان بن حربٍ وقال فيه بعد قوله: «فما الأبُّ؟»: ثمَّ قال: «يا بن أمِّ (١) عمر إنَّ هذا لهو التَّكلُّف، وما عليك ألَّا تدري ما الأبُّ؟». ٧٢٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابن غيلان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال:

стр. 12563

(أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) أي: زالت (فَصَلَّى الظُّهْرَ) في أوَّل وقتها (فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ عَلَى المِنْبَرِ) لما بلغه أنَّ قومًا من المنافقين يسألون منه ويعجزونه (١) عن بعض ما يسألونه (فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ، فَلْيَسْأَلْ) أي: فليسألني (عَنْهُ، فَوَاللهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا؟) بفتح الميم (قَالَ أَنَسٌ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فأكثر الأنصارُ» (البُكَاءَ) خوفًا (٢) ممَّا سمعوه من أهوال يوم القيامة، أو من نزول العذاب العامِّ المعهود في الأمم السَّالفة عند ردِّهم على أنبيائهم بسبب تغيُّظه (٣) ﵊ من مقالة المنافقين السَّابقة آنفًا (وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللهِ (٤) ﷺ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي، فَقَالَ أَنَسٌ: فَقَامَ إِلَيْهِ) ﷺ (رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْنَ مَدْخَلِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: النَّارُ) بالرَّفع، قال في «الفتح»: ولم أقِفْ على اسم هذا الرَّجل في شيءٍ من الطُّرق، وكأنَّهم أبهموه عمدًا للسَّتر (٥) عليه، وفي «الطَّبرانيِّ» من حديث أبي فراسٍ الأسلميِّ نحوه، وزاد «وسأله رجلٌ أفي (٦) الجنَّة أنا؟ قال: في الجنَّة» قال: ولم أقِفْ على اسم هذا الرَّجل الآخر (فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ، قَالَ: ثُمَّ أَكْثَرَ) ﵊ (أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي سَلُونِي) بتكريرها مرَّتين للحَمُّويي والمُستملي، ولغيرهما مرَّةً واحدةً (فَبَرَكَ عُمَرُ) ﵁ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بلفظ التَّثنية (فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا) وفي «مُرسَل السُّدِّيِّ» عند الطَّبريِّ (٧) في نحو هذه: «فقام إليه عمر فقبَّل رجله وقال: رضينا بالله ربًا … » إلى آخره بمثل ما هنا، وزاد: «بالقرآن إمامًا، فاعفُ عنَّا عفا الله عنك،

стр. 12564

فلم يزل به حتَّى رضي» وفيه استعمال المزاوَجة في الدُّعاء؛ لأنَّه ﷺ معفوٌّ عنه قبل ذلك (قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَوْلَى) قال في «الكواكب»: وَأَوْلَى يعني أوْ لا ترضون؟ يعني رضيتم أو لا؟ وكتبت بالياء في أكثر النُّسخ، قلت: وكذا هي في «اليونينيَّة» (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا) بمدِّ الهمزة والنَّصب على الظَّرفيَّة؛ لتضمُّنه معنى الظَّرفيَّة، أي: أوَّل وقتٍ يقرب منِّي وهو الآن (فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ) بضمِّ العين وسكون الرَّاء، أي: جانبه (وَأَنَا أُصَلِّي، فَلَمْ أَرَ) فلم أبصر (كَاليَوْمِ) صفة محذوفٍ، أي: يومًا مثل هذا اليوم (فِي الخَيْرِ) الذي رأيته (١) في الجنَّة (وَالشَّرِّ) الذي رأيته في النَّار. والحديث سبق في «باب وقت الظُّهر» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٤٠] وسياق لفظ الحديث هنا على لفظ معمرٍ، وفي «باب وقت الظهر» (٢) على لفظ شعيبٍ. ٧٢٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) صاعقة قال: (أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بفتح الرَّاء وسكون الواو بعدها مهملةٌ، وعُبَادة بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة، قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ أَنَسٍ) قاضي البصرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁، وهو أبو موسى الرَّاوي عنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حذافة، أو قيس بن حذافة أو خارجة بن حذافة، وكان يطعن فيه: (يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (أَبُوكَ فُلَانٌ) أي: حذافة (وَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء﴾ الاية [المائدة: ١٠١]). وسبق الحديث في «تفسير (٣) سورة المائدة» [خ¦٤٦٢١].

стр. 12565

٧٢٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصَّاد المهملة والموحَّدة المشدَّدة آخره مهملةٌ الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المعجمة والموحَّدة المخفَّفة وبعد الألف موحَّدةٌ أخرى ابن سَوَّارٍ، بفتح السِّين المهملة والواو المشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وسكون الرَّاء بعدها قافٌ مهموزٌ ممدودٌ ابن عمرٍو (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي طُوَالة -بضمِّ الطَّاء المهملة وتخفيف الواو- الأنصاريِّ قاضي المدينة أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَنْ يَبْرَحَ) بالموحَّدة والحاء المهملة: لن يزال (النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «يسَّاءلون» بتشديد السِّين، والتَّساؤل جريان السُّؤال بين اثنين فصاعدًا، ويجري بينهم السُّؤال في كلِّ نوعٍ (حَتَّى يَقُولُوا) ويجوز أن يكون بين العبد والشَّيطان أو النفس، حتَّى يبلغ إلى أن يُقال: (هَذَا اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) أي: هذا مسلَّمٌ، وهو أنَّ الله تعالى خالق كلِّ شيءٍ، وهو شيء، وكلُّ شيءٍ مخلوقٌ (فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟) زاد في «بدء الخلق» [خ¦٣٢٧٦] «فإذا بلغه؛ فليستعِذْ بالله ولْيَنْته» أي: عن التَّفكُّر في هذا الخاطر، وفي «مسلم» «فليقل: آمنت بالله» وفي أخرى له «ورسله» ولأبي داود والنَّسائيِّ «فقولوا: ﴿اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ﴾ السُّورة [الإخلاص] ثمَّ يتفل عن يساره، ثمَّ ليستعذ بالله» والحكمة في قوله الصِّفات الثَّلاث: أنَّها منبِّهة على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يكون مخلوقًا، أمَّا ﴿أَحَدٌ﴾ فمعناه الذي لا ثانيَ له ولا مثل (١)، فلو فُرِضَ مخلوقًا لم يكن أحدًا على الإطلاق. ويأتي مزيد لذلك في «كتاب التَّوحيد» إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته (٢). والحديث من أفراد «البخاريِّ» من هذا الوجه.

стр. 12566

٧٢٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) التَّبَّان المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) ابن أبي إسحاق أحد الأعلام في الحفظ والعبادة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيَّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ) بالحاء المهملة المفتوحة، والرَّاء السَّاكنة بعدها مثلَّثةٌ: زَرْعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في خِرَبٍ» بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ وراءٍ مفتوحة بعدها موحَّدةٌ (بِالمَدِينَةِ، وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين وكسر السِّين المهملتين وبعد التَّحتيَّة موحَّدةٌ، عصًا من جريد النَّخل (فَمَرَّ) ﷺ (بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) زاد في «الإسراء» [خ¦٤٧٢١] «لبعض»: (سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) الذي في الحيوان، أي: عن حقيقته (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ لَا يُسْمِعُْكُمْ) بضمِّ أوَّلِهِ والجزم على النَّهي والرَّفع على الاستئناف (مَا تَكْرَهُونَ) أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّهم قالوا: إن فسَّره؛ فليسَ بنبيٍّ، وإن لم يفسِّره؛ فهو نبيٌّ، وقد كانوا يكرهون نبوَّتَهُ (فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، حَدِّثْنَا) بكسرِ الدَّالِ والجزمِ (عَنِ الرُّوحِ، فَقَامَ) ﷺ (سَاعَةً يَنْظُرُ) قال ابنُ مسعود: (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ) خوفًا أن يتشوَّشَ بقربي (حَتَّى صَعِدَ الوَحْيُ) بكسر العين المهملة (١) (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]) ممَّا استأثَرَ بعلمِه، وعن أبي بريدة (٢): لقد مضى النَّبيُّ ﷺ وما يَعلم الرُّوحَ، ولقد عجزتِ الأوائلُ عن إدراك ماهيَّته بعد نَفاق (٣) الأعمار الطَّويلة على الخوض فيه، والحكمةُ في ذلك عجزُ العقل عن إدراك (٤) مخلوقٍ مجاورٍ له؛ ليدلَّ على أنَّه عن إدراك خالقِهِ أعجز، ولذا رُدَّ ما قيل في حدِّه: إنَّه جسمٌ رقيقٌ هوائيٌّ في كل جزءٍ من الحيوان، وقوله: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾» بإثبات الواو في الفرع كأصله، وفي بعض النُّسخ بحذفها، فقال بعضهم:

стр. 12567

التِّلاوة بإثباتها، يعني أنَّ هذا مما وقع في «البخاريِّ» من الآيات المتلوَّة على غير وجهها، قال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: ليس هذا من قبيل المغيَّر؛ لأنَّ الآية المقترنة بحرف عطفٍ يجوز عند حكايتها أن تقرن بالعاطف، وأن تُخْلى منه، نصَّ على جواز الأمرين الشَّيخُ بهاءُ الدِّين السُّبكيُّ في «شرح مختصر ابن الحاجب» مثال الأوَّل «ما أجد لي ولكم مثلًا (١) إلَّا كما قال العبد الصَّالح: فصبرٌ جميل» … [خ¦٢٦٦١] إلى غير ذلك (٢)، ومثال الثَّاني قوله ﵊ حين سُئِل عن الخمر: «ما أُنزل عليَّ فيها شيءٌ إلَّا هذه الآية الجامعة الفاذَّة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾» [الزلزلة: ٧ - ٨] [خ¦٢٣٧١] قال: وقد أشبعنا الكلام على ذلك في «حاشية المغني» فليراجع منها (٣). (٤) (بابٌ الاِقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) واجبٌ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وقوله (٤): ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فيجب اتَّباعه في فعله كما يجب في قوله حتَّى يقوم دليلٌ على النَّدب أو الخصوصيَّة. ٧٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ -كما جزم به المِزِّيُّ-: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ) على التَّوزيع، أي: كل واحدٍ اتَّخذ خاتمًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ) أي: فطرحه (وَقَالَ: إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا) كراهة مشاركتهم له في خاتمه الذي اتَّخذه ليختم به كتبه إلى الملوك؛ لئلَّا تفوت

стр. 12568

مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك ويحصل الخلل، أو لكونه من ذهبٍ، وكان وقت تحريم لبس الذَّهب على الرجال (فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) أي: طرحوها اقتداءً بفعله ﷺ فِعلًا وتَركًا، ولا دلالة في ذلك على الوجوب، بل على مطلق الاقتداء به والتَّأسِّي. والحديث سبق في «باب خواتيم الذهب» [خ¦٥٨٦٧] من وجه آخر من «كتاب اللِّباس» (١). (٥) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) بالعين المهملة المفتوحة والميم المضمومة المشدَّدة بعدها قافٌ، أي: التشدُّد في الأمر حتَّى يتجاوز الحدَّ فيه (وَالتَّنَازُعِ) وهو التَّجادل (فِي العِلمِ) عند الاختلاف فيه إذا لم يتَّضح الدَّليل، وسقط لأبي ذرٍّ «في العلم» (وَالغُلُوِّ) بضمِّ الغين المعجمة واللَّام وتشديد الواو: المبالغة والتَّشدُّد (فِي الدِّينِ) حتَّى يتجاوز الحدَّ (وَ) الغلوِّ في (البِدَعِ) المذمومة (لِقَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «لقول الله» (تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾) لا تُجاوزوا الحدَّ، فغلت اليهود في حطِّ المسيح عيسى ابن مريم ﵉ عن منزلته حتَّى قالوا: إنَّه ابن الزِّنى، وغلت النَّصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله (﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١]) وهو تنزيهه عن الشَّريك والولد. ٧٢٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف اليمانيُّ (٢) قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُوَاصِلُوا) في

стр. 12569

الصَّوم، بأن تَصِلوا (١) يومًا بيومٍ من غير أكلٍ وشربٍ بينهما، والنَّهي للتحريم أو التَّنزيه (قَالُوا): يا رسول الله (إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي) بإثبات الياء، ولأبي ذرٍّ (٢): «ويسقين» بحذف الياء، لا يُقال: إنَّ قوله: «يُطعمني ويسقيني» منافٍ للوصال؛ لأنَّ المراد بالإطعام: لازمه، وهو التَّقوية، أو المراد من طعام الجنَّة، وهو لا يفطر آكله (فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ) ظنًّا منهم أنَّ النَّهي ليس للتحريم (قَالَ) أبو هريرة: (فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ) في المواصلة حتَّى تعجزوا عنها (كَالمُنَكِّلِ لَهُمْ) بكسر الكاف المشدَّدة، من التَّنكيل، أي: كالمُعذِّب لهم، وللحَمُّويي: «كالمُنْكِي لهم (٣)» بضمِّ الميم وسكون النون وكسر الكاف، من النِّكاية والإنكاء (٤)، وللمُستملي: «كالمنكر» أي: عليهم، فاللَّام في «لهم» بمعنى «على». واستُشكِل وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وأُجيب بأنَّ عادة المؤلِّف إيراد ما لا يُطابق ظاهرًا حيث تكون المطابقة في طريقٍ من طُرق الحديث؛ لتشحيذ الأذهان، ففي «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٤١]-كما سبق-: واصل النَّبيُّ ﷺ آخر الشَّهر، وواصل أناس من النَّاس، فبلغ النَّبيَّ ﷺ فقال: «لو مُدَّ في الشَّهر لواصلتُ وِصَالًا يدعُ المتعمِّقون تعمُّقهم، إنِّي لست مثلكم» وحديث الوصال واحدٌ وإن تعدَّدت رواته من الصَّحابة، وقد حصلت المطابقة على ما لا يخفى.

стр. 12570

٧٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد (التَّيْمِيُّ) العابد قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) يزيد بن شريكٍ (قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالب (¬﵁ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ) بمدِّ الهمزة وضمِّ الجيم وتشديد الرَّاء، هو الطُّوب المشويُّ (وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ (١) كِتَابٍ يُقْرَأُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (إِلَّا كِتَابُ اللهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا) أي: فتحها فقُرِئت (فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ) أي: إبل الدِّيات، واختلافها في العمد والخطأ وشبه العمد (وَإِذَا فِيهَا: المَدِينَةُ حَرَمٌ (٢)) أي: مُحرَّمةٌ (مِنْ عَيْرٍ) بفتح العين المهملة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ: جبلٌ بالمدينة (إِلَى كَذَا) في «مسلمٍ» «إلى ثور» وهو جبلٌ معروفٌ (فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) من ابتدع بدعةً أو ظلمًا (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) والمراد باللَّعنة هنا: البعد عن (٣) الجنَّة أوَّل الأمر (لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا) فرضًا (وَلَا عَدْلًا) نافلةً، أو بالعكس، أو التَّوبة والفدية، أو غير ذلك مما سبق في حَرَم المدينة من آخر «كتاب الحج» [خ¦١٨٦٧] (وَإِذَا فِيهِ) في المكتوب في الصَّحيفة: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: أمانُهم صحيحٌ، فإذا أمَّنَ الكافرَ واحدٌ منهم حَرُم على غيره التَّعرُّض له، وقال البيضاويُّ: الذِّمَّة: العهد، سمِّي بها؛ لأنَّها يُذَمُّ متعاطيها على إضاعتها (يَسْعَى بِهَا) أي: يتولَّاها (أَدْنَاهُمْ) من المرأة والعبد ونحوهما (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) بالخاء المعجمة والفاء: نقض عهده (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَإِذَا فِيهَا) في الصَّحيفة: (مَنْ وَالَى قَوْمًا) اتَّخذهم أولياء (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) ليس لتقييد الحكم، بل هو إيراد الكلام على ما هو الغالب (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) ولأحمد وأبي داود والنَّسائيِّ من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عبادة
следующие страницы →