← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.

стр. 12566

٧٢٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ) التَّبَّان المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) ابن أبي إسحاق أحد الأعلام في الحفظ والعبادة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيَّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيسٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (¬﵁¬) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ) بالحاء المهملة المفتوحة، والرَّاء السَّاكنة بعدها مثلَّثةٌ: زَرْعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في خِرَبٍ» بخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ وراءٍ مفتوحة بعدها موحَّدةٌ (بِالمَدِينَةِ، وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين وكسر السِّين المهملتين وبعد التَّحتيَّة موحَّدةٌ، عصًا من جريد النَّخل (فَمَرَّ) ﷺ (بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) زاد في «الإسراء» [خ¦٤٧٢١] «لبعض»: (سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ) الذي في الحيوان، أي: عن حقيقته (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ لَا يُسْمِعُْكُمْ) بضمِّ أوَّلِهِ والجزم على النَّهي والرَّفع على الاستئناف (مَا تَكْرَهُونَ) أي: إن لم يفسِّره؛ لأنَّهم قالوا: إن فسَّره؛ فليسَ بنبيٍّ، وإن لم يفسِّره؛ فهو نبيٌّ، وقد كانوا يكرهون نبوَّتَهُ (فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، حَدِّثْنَا) بكسرِ الدَّالِ والجزمِ (عَنِ الرُّوحِ، فَقَامَ) ﷺ (سَاعَةً يَنْظُرُ) قال ابنُ مسعود: (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ) خوفًا أن يتشوَّشَ بقربي (حَتَّى صَعِدَ الوَحْيُ) بكسر العين المهملة (١) (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]) ممَّا استأثَرَ بعلمِه، وعن أبي بريدة (٢): لقد مضى النَّبيُّ ﷺ وما يَعلم الرُّوحَ، ولقد عجزتِ الأوائلُ عن إدراك ماهيَّته بعد نَفاق (٣) الأعمار الطَّويلة على الخوض فيه، والحكمةُ في ذلك عجزُ العقل عن إدراك (٤) مخلوقٍ مجاورٍ له؛ ليدلَّ على أنَّه عن إدراك خالقِهِ أعجز، ولذا رُدَّ ما قيل في حدِّه: إنَّه جسمٌ رقيقٌ هوائيٌّ في كل جزءٍ من الحيوان، وقوله: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾» بإثبات الواو في الفرع كأصله، وفي بعض النُّسخ بحذفها، فقال بعضهم:

стр. 12567

التِّلاوة بإثباتها، يعني أنَّ هذا مما وقع في «البخاريِّ» من الآيات المتلوَّة على غير وجهها، قال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: ليس هذا من قبيل المغيَّر؛ لأنَّ الآية المقترنة بحرف عطفٍ يجوز عند حكايتها أن تقرن بالعاطف، وأن تُخْلى منه، نصَّ على جواز الأمرين الشَّيخُ بهاءُ الدِّين السُّبكيُّ في «شرح مختصر ابن الحاجب» مثال الأوَّل «ما أجد لي ولكم مثلًا (١) إلَّا كما قال العبد الصَّالح: فصبرٌ جميل» … [خ¦٢٦٦١] إلى غير ذلك (٢)، ومثال الثَّاني قوله ﵊ حين سُئِل عن الخمر: «ما أُنزل عليَّ فيها شيءٌ إلَّا هذه الآية الجامعة الفاذَّة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾» [الزلزلة: ٧ - ٨] [خ¦٢٣٧١] قال: وقد أشبعنا الكلام على ذلك في «حاشية المغني» فليراجع منها (٣). (٤) (بابٌ الاِقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) واجبٌ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وقوله (٤): ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فيجب اتَّباعه في فعله كما يجب في قوله حتَّى يقوم دليلٌ على النَّدب أو الخصوصيَّة. ٧٢٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ -كما جزم به المِزِّيُّ-: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد الله (¬﵄¬) أنَّه (قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ) على التَّوزيع، أي: كل واحدٍ اتَّخذ خاتمًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ) أي: فطرحه (وَقَالَ: إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا) كراهة مشاركتهم له في خاتمه الذي اتَّخذه ليختم به كتبه إلى الملوك؛ لئلَّا تفوت

стр. 12568

مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك ويحصل الخلل، أو لكونه من ذهبٍ، وكان وقت تحريم لبس الذَّهب على الرجال (فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) أي: طرحوها اقتداءً بفعله ﷺ فِعلًا وتَركًا، ولا دلالة في ذلك على الوجوب، بل على مطلق الاقتداء به والتَّأسِّي. والحديث سبق في «باب خواتيم الذهب» [خ¦٥٨٦٧] من وجه آخر من «كتاب اللِّباس» (١). (٥) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ) بالعين المهملة المفتوحة والميم المضمومة المشدَّدة بعدها قافٌ، أي: التشدُّد في الأمر حتَّى يتجاوز الحدَّ فيه (وَالتَّنَازُعِ) وهو التَّجادل (فِي العِلمِ) عند الاختلاف فيه إذا لم يتَّضح الدَّليل، وسقط لأبي ذرٍّ «في العلم» (وَالغُلُوِّ) بضمِّ الغين المعجمة واللَّام وتشديد الواو: المبالغة والتَّشدُّد (فِي الدِّينِ) حتَّى يتجاوز الحدَّ (وَ) الغلوِّ في (البِدَعِ) المذمومة (لِقَوْلِهِ) ولأبي ذرٍّ: «لقول الله» (تَعَالَى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾) لا تُجاوزوا الحدَّ، فغلت اليهود في حطِّ المسيح عيسى ابن مريم ﵉ عن منزلته حتَّى قالوا: إنَّه ابن الزِّنى، وغلت النَّصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله (﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١]) وهو تنزيهه عن الشَّريك والولد. ٧٢٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف اليمانيُّ (٢) قاضيها قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُوَاصِلُوا) في

стр. 12569

الصَّوم، بأن تَصِلوا (١) يومًا بيومٍ من غير أكلٍ وشربٍ بينهما، والنَّهي للتحريم أو التَّنزيه (قَالُوا): يا رسول الله (إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي) بإثبات الياء، ولأبي ذرٍّ (٢): «ويسقين» بحذف الياء، لا يُقال: إنَّ قوله: «يُطعمني ويسقيني» منافٍ للوصال؛ لأنَّ المراد بالإطعام: لازمه، وهو التَّقوية، أو المراد من طعام الجنَّة، وهو لا يفطر آكله (فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَالِ) ظنًّا منهم أنَّ النَّهي ليس للتحريم (قَالَ) أبو هريرة: (فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ) في المواصلة حتَّى تعجزوا عنها (كَالمُنَكِّلِ لَهُمْ) بكسر الكاف المشدَّدة، من التَّنكيل، أي: كالمُعذِّب لهم، وللحَمُّويي: «كالمُنْكِي لهم (٣)» بضمِّ الميم وسكون النون وكسر الكاف، من النِّكاية والإنكاء (٤)، وللمُستملي: «كالمنكر» أي: عليهم، فاللَّام في «لهم» بمعنى «على». واستُشكِل وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، وأُجيب بأنَّ عادة المؤلِّف إيراد ما لا يُطابق ظاهرًا حيث تكون المطابقة في طريقٍ من طُرق الحديث؛ لتشحيذ الأذهان، ففي «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٤١]-كما سبق-: واصل النَّبيُّ ﷺ آخر الشَّهر، وواصل أناس من النَّاس، فبلغ النَّبيَّ ﷺ فقال: «لو مُدَّ في الشَّهر لواصلتُ وِصَالًا يدعُ المتعمِّقون تعمُّقهم، إنِّي لست مثلكم» وحديث الوصال واحدٌ وإن تعدَّدت رواته من الصَّحابة، وقد حصلت المطابقة على ما لا يخفى.

стр. 12570

٧٣٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد (التَّيْمِيُّ) العابد قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) يزيد بن شريكٍ (قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالب (¬﵁ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ) بمدِّ الهمزة وضمِّ الجيم وتشديد الرَّاء، هو الطُّوب المشويُّ (وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ (١) كِتَابٍ يُقْرَأُ) بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول (إِلَّا كِتَابُ اللهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا) أي: فتحها فقُرِئت (فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ) أي: إبل الدِّيات، واختلافها في العمد والخطأ وشبه العمد (وَإِذَا فِيهَا: المَدِينَةُ حَرَمٌ (٢)) أي: مُحرَّمةٌ (مِنْ عَيْرٍ) بفتح العين المهملة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ: جبلٌ بالمدينة (إِلَى كَذَا) في «مسلمٍ» «إلى ثور» وهو جبلٌ معروفٌ (فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) من ابتدع بدعةً أو ظلمًا (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) والمراد باللَّعنة هنا: البعد عن (٣) الجنَّة أوَّل الأمر (لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا) فرضًا (وَلَا عَدْلًا) نافلةً، أو بالعكس، أو التَّوبة والفدية، أو غير ذلك مما سبق في حَرَم المدينة من آخر «كتاب الحج» [خ¦١٨٦٧] (وَإِذَا فِيهِ) في المكتوب في الصَّحيفة: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: أمانُهم صحيحٌ، فإذا أمَّنَ الكافرَ واحدٌ منهم حَرُم على غيره التَّعرُّض له، وقال البيضاويُّ: الذِّمَّة: العهد، سمِّي بها؛ لأنَّها يُذَمُّ متعاطيها على إضاعتها (يَسْعَى بِهَا) أي: يتولَّاها (أَدْنَاهُمْ) من المرأة والعبد ونحوهما (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) بالخاء المعجمة والفاء: نقض عهده (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَإِذَا فِيهَا) في الصَّحيفة: (مَنْ وَالَى قَوْمًا) اتَّخذهم أولياء (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) ليس لتقييد الحكم، بل هو إيراد الكلام على ما هو الغالب (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) ولأحمد وأبي داود والنَّسائيِّ من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عبادة

стр. 12571

قال: «انطلقت أنا والأشتر إلى عليٍّ فقلنا: هل عَهِد إليك رسول الله ﷺ شيئًا لم يعهده إلى النَّاس عامَّة؟ قال: لا، إلَّا ما كان في كتابي هذا، قال: وكتابه في قراب سيفه، فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم … » الحديث، ولمسلمٍ من طريق أبي الطُّفيل: «كنت عند عليٍّ، فأتاه رجلٌ فقال له (١): ما كان النَّبيُّ ﷺ يسرُّ إليك؟ فغضب، ثمَّ قال: ما كان يُسرُّ إليَّ شيئًا يكتمه عن النَّاس، غير أنَّه حدَّثني بكلماتٍ أربع، وفي روايةٍ له (٢): ما خصَّنا بشيءٍ لم يعمَّ به النَّاس كافَّةً إلَّا ما كان (٣) في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفةً مكتوبًا فيها: لعن الله من ذَبَح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثًا»، وفي «كتاب العلم» [خ¦١١١] من طريق أبي جحيفة: «قلت لعليٍّ: هل (٤) عندكم كتابٌ؟ قال: لا إلَّا كتاب الله، أو فهمٌ أُعطيه رجلٌ مسلمٌ، أو ما في هذه الصَّحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصَّحيفة؟ قال: العقل وفَِكاك الأسير ولا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ»، والجمع بين هذه الأخبار أنَّ الصَّحيفة المذكورة كانت مشتملةً على مجموع ما ذكر، فنقل كلُّ راوٍ بعضها، قاله في «الفتح» وقال: والغرض بإيراد الحديث -يعني حديث الباب هنا-: لعن من أحدث حدثًا، فإنَّه وإن قُيِّد في الخبر بـ «المدينة» فالحكم عامٌّ فيها وفي غيرها إذا كان من متعلَّقات الدِّين، وقال الكِرمانيُّ في (٥) مناسبة حديث عليٍّ للتَّرجمة: لعلَّه استفاد من قول عليٍّ ﵁ تبكيت من تنطَّع في الكلام، وجاء بغير ما في الكتاب والسُّنَّة، قال العينيُّ: والذي قاله الكِرمانيُّ هو المناسب لألفاظ التَّرجمة، والذي قاله بعضهم -يعني الحافظ ابن حجرٍ- بعيدٌ من ذلك، يُعرَف بالتأمُّل.

стр. 12572

٧٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سُليمانُ بن مهران قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن صُبَيحٍ؛ بالصَّاد المهملة والموحَّدة وآخره مهملةٌ، مصُغَّرٌ، وهو أبو الضُّحى (عَنْ مَسْرُوقٍ) أبي عائشة بن الأجدع الهَمْدانيِّ أنَّه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ) يحتمل أن يكون كالإفطار في بعض الأيام في غير رمضان والتَّزوُّج، وثبت قوله: «فيه» لأبي ذرٍّ (وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ) فسردوا الصَّوم واختاروا العزوبة (فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ) بكسر الميم، زاد أبو ذرٍّ: «وأثنى عليه» (ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ) أي: يتباعدون ويحترزون (عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟) «أصنعه» في موضع نصبٍ على الحال من «الشيء» (فَوَاللهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ) أي: بغضب الله وعقابه، يعني: أنا أفعل شيئًا من المباحات كالنَّوم والأكل في النَّهار والتَّزوُّج، وقومٌ يحترزون عنه، فإن احترزوا عنه لخوف عذاب الله تعالى فإنِّي أعلم بقدر عذاب الله تعالى منهم (وَأَشَدُّهُمْ لَهُ) تعالى (خَشْيَةً) فأنا أولى أن أحترز عنه، وكان ينبغي لهم أن يجعلوا عدم تنزُّههم (١) عن المرخَّص مُسَبَّبًا عن عمله صلوات الله وسلامه عليه، فعكسوا فأنكروا (٢)، فأنكر عليهم، قال الدَّاوديُّ: التَّنزُّه عمَّا رخَّص فيه الشَّارع من أعظم الذُّنوب؛ لأنَّه يرى نفسه أتقى لله (٣) من رسوله، وهذا إلحادٌ، قال في «فتح الباري»: لا شكَّ في إلحاد من اعتقد ذلك، لكن في حديث أنسٍ [خ¦٥٠٦٣] «جاء ثلاثة رهطٍ إلى أزواج النَّبيِّ ﷺ يسألونه عن عبادة النَّبيِّ ﷺ فلمَّا أُخبروا بها؛ كأنَّهم تقالُّوها فقالوا: أين نحن من النَّبيِّ (٤) ﷺ وقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟» أي: إنَّ بيننا وبينه بَونًا بعيدًا، فإنَّا على صدد التَّفريط وسوء العاقبة، وهو معصومٌ مأمون العاقبة، وأعمالنا جُنَّةٌ من العِقاب، وأعماله مُجلِبةٌ للثَّواب، فردَّ ﷺ ما اختاروا لأنفسهم من الرَّهبانيَّة بأنَّ ما استأثرتم من الإفراط في

стр. 12573

الرياضة لو كان أحسنَ من العدل الذي أنا عليه لكنتُ أولى بذلك، ففيه أنَّ العلَّة التي اعتلَّ بها من أُشير إليهم في الحديث أنَّه غَفَر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وفي الحديث بيان حُسن خُلُقه، والحثُّ على الاقتداء به ﵊، والنَّهي عن التَّعمُّق، وذمُّ التَّنزُّه عن المباح شكًّا في إباحته، وفيه أنَّ العلم بالله تعالى يوجب اشتداد الخشية. وحديث الباب سبق في «بابِ مَن لم يواجه بالعتاب» من «كتاب الأدب» [خ¦٦١٠١]. ٧٣٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) أبو الحَسَنِ المروزيُّ المجاور بمكَّة قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجرَّاح أبو سفيان الرُّؤاسِيُّ أحدُ الأعلام (عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ) الجُمَحِيِّ المكِّيِّ الحافظ، ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا نافع بن عمر» (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام زهير الأحول المكِّيِّ أنَّه (قَالَ: كَادَ) أي: قارب (الخَيِّرَانِ) تثنية «خَيِّر» بفتح المعجمة وتشديد التَّحتيَّة المكسورة، أي: الرَّجلان الكثيران الخير (أَنْ يَهْلِكَا) بكسر اللَّام والنَّصب بحذف نون الرَّفع (١)، وفيه دخول «أن» على خبر «كاد» وهو قليلٌ، ولأبي ذرٍّ: «أن يهلكان» بإثبات نون الرَّفع و «أن» قبل، والخيِّران هما: (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄ (لَمَّا) بفتح اللَّام وتشديد الميم (قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ) سنة تسعٍ وسألوه أن يُؤَمِّر عليهم أحدًا (أَشَارَ أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ الخيِّرين وهو عمر (بِالأَقْرَعِ) أي: بتأمير الأقرع (بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ الحَنْظَلِيِّ أَخِي) بالياء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أخو» (بَنِي

стр. 12574

مُجَاشِعٍ) بالجيم والشِّين المعجمة ابن دارم (١) بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميمٍ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «التَّميميِّ» (وَأَشَارَ الآخَرُ) وهو أبو بكرٍ ﵁ (بِغَيْرِهِ) بتأمير غير الأقرع، وهو القعقاع بن معبد بن زرارة التَّميميُّ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ) ﵄: (إِنَّمَا أَرَدْتَ) بتأمير الأقرع (خِلَافِي) أي مخالفة قولي (فَقَالَ عُمَرُ) لأبي بكرٍ: (مَا أَرَدْتُ) بذلك (خِلَافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) في ذلك (فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾) إذا نطقتم (﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢]) أي: إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدِّ الذي يبلغه بصوته، وأن تنقصوا (٢) منها بحيث يكون كلامه غالبًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتَّى تكون مزيَّته عليكم لائحةً، وسابقته لديكم واضحةً، وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله «﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾». (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) زهيرٌ بالسَّند السَّابق: (قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله: (فَكَانَ عُمَرُ) ﵁ (بَعْدُ) أي: بعد (٣) نزول هذه الآية (وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: ابن الزبير (ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ) عن جدِّه لأمِّه أسماء (يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ) وفيه أنَّ الجدَّ للأمِّ يُسمَّى أبًا، والجملة اعتراضٌ بين قوله: «بعد» وقوله: (إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ) بكسر السِّين المهملة، كصاحب السِّرار، أي: لا يرفع صوته إذا حدَّثه بل يكلِّمه كلامًا مثل المسارَّة وشبهها لخفض صوته، قال الزَّمخشريُّ: ولو أريد بـ «أخي السِّرار» المسارُّ كان وجهًا، والكاف على هذا في محلِّ نصبٍ على الحال، يعني: لأنَّ التَّقدير حدَّثه مثل الشخص (٤) المسارِّ، قال: وعلى الأوَّل صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، يعني: لأنَّ التَّقدير حدَّثه حديثًا مثل المسارَّة (لَمْ يُسْمِعْهُ) بضمِّ أوَّله، أي: لم يُسمع عمر النَّبيَّ ﷺ حديثه (حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ) النَّبيُّ ﷺ ، قال الزَّمخشريُّ: والضَّمير في «لم يُسمعه» راجعٌ للكاف إذا جُعلت صفةً للمصدر، و «لم يسمعه»

стр. 12575

منصوب المحلِّ بمنزلة الكاف على الوصفيَّة، وإذا جُعلت حالًا كان الضَّمير لها أيضًا، إلَّا إن قُدِّر مضافٌ، كقولك: يسمع صوته، فحُذِف الصَّوتُ وأُقيم الضَّمير مقامه، ولا يجوز أن يجعل «لم يسمعه» حالًا من النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ المعنى يصير ركيكًا، وقال في «فتح الباري»: والمقصود من الحديث قوله تعالى في أوَّل السُّورة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ومنه تظهر مطابقته لهذه التَّرجمة، وقال العينيُّ: مطابقته للجزء الثَّاني وهو التَّنازع في العلم تؤخذ من قوله: «فارتفعت أصواتهما» وكان تنازعهما في تولية اثنين في الإمارة، كلٌّ منهما يريد تولية خلاف من يريده الآخر، والتَّنازع في العلم الاختلاف. والحديث سبق في «سورة الحجرات» [خ¦٤٨٤٥] ووقع التَّنبيه فيها أنَّ سياق الحديث صورته صورة الإرسال، لكن في آخره: أنَّه حمله عن عبد الله بن الزُّبير، والله الموفِّق والمعين. ٧٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ) الذي توفِّي فيه: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) بالياء بعد اللَّام، مرفوعٌ على الاستئناف، أو أُجري المعتلُّ مجرى الصَّحيح (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ) إذ ذلك عادته إذا قرأ القرآن، لا سيَّما إذا قام مقام النَّبيِّ (١) ﷺ وفَقَدَهُ منه (فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ (٢)) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة، جواب الأمر، ولأبي ذرٍّ:

стр. 12576

«للنَّاس» (فَقَالَ) ﵊: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) ولأبي ذرٍّ: «للنَّاس» (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ) بنت عمر: (قُولِي) له ﷺ : (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ (١)) ولأبي ذرٍّ: «للنَّاس» (فَفَعَلَتْ) فقالت (حَفْصَةُ) ذلك لرسول الله ﷺ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّكُنَّ (٢) لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ) الصدِّيق ﵇ تُظهرن خلاف ما تُبطنَّ كهُنَّ (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ) فـ (قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنهما: (مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا) والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٦٧٩] ومطابقته لما تُرجم له هنا من حيث إنَّ المراددة والمراجعة داخلةٌ في معنى التَّعمُّق؛ لأنَّ التَّعمُّق هو المبالغة في الأمر والتَّشديد فيه. ٧٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ العسقلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا محمَّد بن عبد الرَّحمن» أي: ابن المغيرة بن الحارث (٣) بن أبي ذئبٍ، واسمه هشام بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين (السَّاعِدِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: جَاءَ عُوَيْمِرٌ العَجْلَانِيُّ) بفتح العين وسكون الجيم، وسقط «العجلانيُّ» لغير أبي ذرٍّ (إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَالَ) له: يا عاصم (أَرَأَيْتَ رَجُلًا) أي: أَخبِرْني

стр. 12577

عن حكم رجلٍ (وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) أجنبيًّا منها (فَيَقْتُلُهُ، أَتَقْتُلُونَهُ بِهِ) قصاصًا؟ زاد في طريقٍ آخر: «أم كيف يفعل؟» [خ¦٤٧٤٦] أي: أيَّ شيءٍ يفعل؟ و «أم» تحتمل أن تكون متَّصلةً؛ يعني (١): إذا رأى الرَّجل هذا المنكر والأمر الفظيع، وثارت عليه الحميَّة، أيقتله فتقتلونه؟ أم يصبر على ذلك الشَّنار (٢) والعار؟ وأن تكون منقطعةً، فسأل أوَّلًا عن القتل مع القصاص، ثمَّ أضرب عنه إلى سؤالٍ (٣)؛ لأنَّ «أم» المنقطعة متضمِّنةٌ لـ «بل» والهمزة، فـ «بل» تضرب (٤) الكلام السَّابق، والهمزة تستأنف كلامًا آخر (٥)، والمعنى كيف يفعلُ؟ أيصبر على العار، أو يُحدث (٦) له أمرًا آخر؟ (سَلْ لِي يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ¬) عن ذلك (فَسَأَلَهُ) عاصمٌ (فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ المَسَائِلَ) المذكورة، لما فيها من البشاعة (وَعَابَ) على سائلها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وعابها» (فَرَجَعَ عَاصِمٌ) إلى أهله، وجاءه عويمرٌ (فَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَرِهَ المَسَائِلَ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ¬) وأسأله عن ذلك (فَجَاءَ) إليه (٧) ﷺ (وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى القُرْآنَ) وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ … الآية (٨) (خَلْفَ عَاصِمٍ) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللَّام، أي: بعد رجوعه (فَقَالَ) ﷺ (له: قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكُمْ) وفي «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٨] «قد أُنزل (٩) فيك وفي صاحبتك» أي: زوجته خولة (قُرْآنًا، فَدَعَا بِهِمَا) ولأبي ذرٍّ: «فدعاهما» (فَتَقَدَّمَا فَتَلَاعَنَا، ثُمَّ قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَفَارَقَهَا) وفي «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٨]: فطلَّقها (وَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفِرَاقِهَا) لأنَّ نفس اللِّعان يوجب المفارقة، وهو مذهب مالكٍ والشَّافعيِّ، وقال أبو حنيفة: لا تحصل الفرقة إلَّا بقضاء القاضي بها بعد التَّلاعن (فَجَرَتِ السُّنَّةُ فِي المُتَلَاعِنَيْنِ) -بفتح النُّون الأولى بلفظ التَّثنية- أن يفترقا

стр. 12578

فلا يجتمعان بعد الملاعنة أبدًا، قال سهل بن سعدٍ ﵁: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : انْظُرُوهَا) أي: المرأة الملاعنة (١) (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ) بالولد الذي هي حاملٌ به (أَحْمَرَ) اللَّون (قَصِيرًا مِثْلَ وَحَرَةٍ) بفتح الواو والحاء المهملة والرَّاء: دويبَّةٌ فوق العدسة، وقيل: حمراءُ تلزق بالأرض كالوزغة، تقع في الطَّعام فتُفسِده (فَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، فلا أظنُّه (٢)؛ أي: عويمرًا (إِلَّا قَدْ كَذَبَ) عليها (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ) بفتح الهمزة وسكون السِّين وفتح الحاء المهملتين، أسود (أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، واسع العين (ذَا أَلْيَتَيْنِ) بتحتيَّةٍ ثمَّ فوقيَّة، كبيرتين، والاستعمال أليين بحذف الفوقيَّة (فَلَا أَحْسِبُ إِلَّا) أنَّه (قَدْ صَدَقَ) أي: عويمر (عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الأَمْرِ المَكْرُوهِ) وهو كونه أسحَمَ أعْيَنَ؛ لأنَّه متضمِّنٌ لثبوت زناها عادةً، والضَّمير في قوله: «فإن جاءت به» للولد أو الحمل؛ لدلالة السِّياق عليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨] أي: الميِّتُ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: فكره النَّبيُّ ﷺ المسائل وعابها؛ لأنَّه أفحَشَ في السُّؤال فلذا كره ذلك، والحديث سبق في «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٨].

стр. 12579

٧٣٠٥ - وبه قال: (حدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو، ابن الحَدَثَان، بفتح الحاء والدَّال المهملتين والمثلَّثة ابن عوف بن ربيعة بن سعيد بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن (النَّصْرِيُّ) بالنُّون المفتوحة والصَّاد المهملة السَّاكنة، كما في «الكواكب» وعليها علامة الإهمال في الفرع مصحَّحًا عليها، وضبطها العينيُّ بالضَّاد المعجمة، وقال: نسبةً إلى النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مضر، قال: وفي هَمْدان أيضًا النَّضر بن ربيعة. انتهى. وهذا الذي قاله لا أعرفه، والمعروف أنَّه بالمهملة نسبةً لجدِّه الأعلى نصر بن معاوية كما مرَّ، يُقال: إنَّ لأبيه أوس صحبةً، وكذا قيل:

стр. 12580

لولده مالك، قال ابن شهابٍ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا) بكسر المعجمة وسكون الكاف (مِنْ ذَلِكَ) الحديث الآتي (فَدَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ) أي: ابن أوسٍ (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك الحديث (فَقَالَ: انْطَلَقْتُ حَتَّى) أي: إلى أن (أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) ﵁، عبَّر بالمضارع في موضع الماضي مبالغةً؛ لإرادة (١) استحضار صورة الحال، فجلست عنده، فبينا أنا جالسٌ (أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا) بتحتيَّةٍ مفتوحةٍ فراءٍ ساكنةٍ ثمَّ فاءٍ فألفٍ، وقد تُهمز، قال في «الفتح»: وهي روايتنا من طريق أبي ذرٍّ، وكان يرفا من موالي عمر، أدرك الجاهليَّة، ولا يُعرف له صُحبة (فَقَالَ) له: (هَلْ لَكَ) رغبةٌ (فِي عُثْمَانَ) بن عفَّان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ (وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعْدٍ) بسكون العين، أي (٢): ابن أبي وقَّاصٍ (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك؟ (قَالَ) عمر: (نَعَمْ) فأذن لهم (فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا) زاد في «فرض الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤] «ثمَّ جلس يرفا (٣) يسيرًا» (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (هَلْ لَكَ) رغبةٌ (فِي) دخول (عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالبٍ (وَعَبَّاسٍ) عمِّ النَّبيِّ ﷺ ؟ قال عمر: نعم (فَأَذِنَ لَهُمَا) فلمَّا دخلا (قَالَ العَبَّاسُ) لعمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ (٤) الظَّالِمِ، اسْتَبَّا) بلفظ التَّثنية، أي: تخاشنا في الكلام، وتكلَّما بغليظ القول كالمستَّبْين، وقال الدَّاوديُّ، يعني: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يدَّعي أنَّه مظلومٌ في هذا الأمر، وليس المراد أنَّ عليًّا يسبُّ العبَّاس بغير ذلك، لأنَّه كأبيه، ولا أنَّ العبَّاس يسبُّ عليًّا بغير ذلك لفضل عليٍّ ﵁ (٥)، وأراد بقوله: «الظَّالم» عليًّا، وليس المراد أنَّه ظالمٌ للنَّاس، وأنَّ الظُّلم من شيمه وأخلاقه -معاذ الله- وإنَّما يريد الظَّالم لي في هذا الأمر، على ما ظهر له، وفي «الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤] و «بين هذا» ولم يقل: الظَّالم، وفي رواية جويرية عند «مسلم» و «بين هذا (٦) الكاذب، الآثم، الغادر، الخائن» قال في «الفتح»: ولم أر في شيءٍ من الطُّرق أنَّه صدر من عليٍّ في حقِّ العبَّاس شيءٌ بخلاف ما يُفهم من قوله في رواية عُقيلٍ هذه، وإنَّما جاز للعبَّاس مثل هذا القول؛ لأنَّ عليًّا كان كالولد له، وللوالد ما ليس لغيره، فأراد ردعه عمَّا يعتقد أنَّه مخطئٌ

стр. 12581

فيه، أو هي كلمةٌ لا يُراد بها حقيقتها، وقد كان هذا بمحضرٍ من الصَّحابة، فلم يُنكروه مع تشدُّدهم في إنكار المُنكر؛ لأنَّهم فهموا بقرينة الحال أنَّه لا يريد به الحقيقة (١) (فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ) لعمر: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ) عمر: (اتَّئِدُوا) بهمزة وصلٍ وتشديد الفوقيَّة بعدها همزةٌ مكسورةٌ فدالٌ مهملةٌ مضمومةٌ: تمهَّلوا واصبروا (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين: أسألكم رافعًا نشيدتي، أي: صوتي (بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بغير عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء تحت أقدامكم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أنشدكم اللهَ» بإسقاط حرف الجرِّ (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ) أي: الأنبياء (مَا تَرَكْنَا) «ما»: موصولٌ مبتدأٌ، والعائد محذوفٌ، أي: الذي تركناه، وخبر المبتدأ: (صَدَقَةٌ؟ يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفْسَهُ؟) وغيره من الأنبياء؛ لقوله في رواية أخرى: «إنَّا معاشر الأنبياء» نعم استُشكِلَ مع قوله تعالى في زكريَّا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] وأُجيب: بأنَّ المراد ميراث النُّبوَّة والعِلْم (قَالَ الرَّهْطُ: قَدْ قَالَ) ﷺ (ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ) ﵁ (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ) لهما: (أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي مُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ (٢)، إنَّ اللهَ كَانَ) بتشديد النُّون ونصب الجلالة الشَّريفة (٣) (خَصَّ رَسُولَهُ (٤) ﷺ فِي هَذَا المَالِ) أي: الفيء (بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) وفي «مسلمٍ»: «بخاصَّةٍ لم يخصُص (٥) بها غيره»، وعند أبي داود من طريق أسامة بن زيدٍ عن ابن شهابٍ: «كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النَّضير، وخيبر، وفدك، فأمَّا بنو النَّضير، فكانت حبسًا لنوائبه، وأمَّا فدك؛ فكانت حبسًا لأبناء السَّبيل، وأمَّا خيبر؛ فجزَّأها بين المسلمين، ثمَّ قسم جُزءًا لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين» (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيلي وابن

стр. 12582

عساكر: «قال الله تعالى» (﴿مَا﴾) وفي (١) التَّنزيل ﴿وَمَا﴾ (﴿أَفَاء﴾) رَدَّ (﴿اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾) من بني النَّضير أو من الكفرة (﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ [الحشر: ٦]) أسرعتم يا مسلمون ( … الآيةَ، فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) لا حقَّ لغيره فيها (ثُمَّ وَاللهِ مَا احْتَازَهَا) بحاءٍ مهملةٍ ساكنةٍ، ثمَّ فوقيَّةٍ فألفٍ فزايٍ مفتوحةٍ، من الحيازة، أي: ما جَمَعَهَا (دُونَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ما اختارها» بالخاء المعجمة والرَّاء (وَلَا اسْتَأْثَرَ) بالفوقيَّة وبعد الهمزة السَّاكنة مثلَّثةٌ فراءٌ، أي: ما تفرَّد (بِهَا عَلَيْكُمْ، وَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا) أي: أموال الفيء (وَبَثَّهَا) بفتح الموحَّدة والمثلَّثة المشددة، أي: فرَّقها (فِيكُمْ، حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا المَالُ، وَكَانَ) بالواو، وللكُشْميهنيِّ: «فكان» بالفاء (النَّبِيُّ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ) منه (فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ) في السِّلاح والكراع، ومصالح المسلمين (فَعَمِلَ) بكسر الميم (النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «قالوا»: (نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ) عمر (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا اللهَ) بإسقاط حرف الجرِّ من الجلالة الشَّريفة، ولأبي ذرٍّ: بإثباته (هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بتشديد التَّحتيَّة من «ولي» (فَقَبَضَهَا) (٢) بفتحاتٍ (أَبُو بَكْرٍ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنْتُمَا حِينَئِذٍ -وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ-) فقال (٣): (تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ (٤) فِيهَا كَذَا) وفي رواية مسلمٍ (٥): «فجئتما، تطلب أنت (٦) ميراثك من ابن أخيك، ويطلب (٧) هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكرٍ: قال رسول الله ﷺ : لا نورَث ما تركنا صدقةٌ، فرأيتماه كاذبًا، آثمًاَ، غادرًا، خائنًا» وكأنَّ الزُّهريَّ كان (٨) يُحدِّث به تارةً فيصرِّح، وتارةً

стр. 12583

يكنِّي، وهو نظير ما سبق من قول العبَّاس لعليٍّ ﵄ (وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ) أي: أنَّ أبا بكرٍ (فِيهَا صَادِقٌ، بَارٌّ) بتشديد الرَّاء (رَاشِدٌ، تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ) ﵁ (فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ) وليُّ (أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ) بلفظ التَّثنية (أَعْمَلُ فِيهَا) بفتح الميم (بِمَا عَمِلَ) بكسرها (بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) لا مخالفة بينكما (وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ) لا تفرُّق فيه ولا تنازع (جِئْتَنِي) يا عبَّاسُ (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) أي: من ميراثه صلوات الله وسلامه عليه (وَأَتَانِي هَذَا) -يُشير إلى عليٍّ- (يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة (مِنْ) ميراث (أَبِيهَا) ﵊ (فَقُلْتُ) لكما: (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ تَعْمَلَانِ) ولأبي ذرٍّ: «لَتعملان» (فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ) بالنُّون (وَلِيتُهَا) بفتح الواو وكسر اللَّام مخفَّفةً، أي: لتتصرَّفان فيها، وتنتفعان (١) منها بقدر حقِّكما، كما تصرَّف فيها رسول الله ﷺ ، وأبو بكرٍ، وعمر، لا على جهة التَّمليك؛ إذ هي صدقةٌ محرَّمةُ التَّمليك بعده ﷺ (وَإِلَّا، فَلا تُكَلِّمَانِي فِيهَا، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ، هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، فَأَقْبَلَ) عمر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ثمَّ أقبل» (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ) بحرف الجرِّ (هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا؟) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بذلك» (قَالَا: نَعَمْ، قَالَ) عمر: (أَفَتَلْتَمِسَانِ) (٢) أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) بغير عَمَدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء (لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قول الرَّهط: عثمان وأصحابه: «اقضِ بينهما، وأرِحْ أحدهما من الآخر»؛ فإنَّ الظَّنَّ بهما أنَّهما لم يتنازعاه (٣) إلَّا ولكلٍّ منهما مُستَندٌ في الحقِّ بيده دون الآخر، فأفضى بهما (٤) ذلك إلى المخاصمة، ثمَّ المجادلة التي لولا التَّنازع لكان اللائق خلاف ذلك، قاله في «الفتح».

стр. 12584

وفي الحديث اتِّخاذ الحاجب، وإقامةُ الإمام من ينظر على الوقف نيابةً عنه، والتَّشريك بين اثنين في ذلك، وغير ذلك ممَّا يُدرَك بالتَّأمُّل. وسبق الحديث في «باب فرض الخُمُس» [خ¦٣٠٩٤] بطوله، والله تعالى أعلم (١). (٦) (بابُ إِثْمِ مَنْ آوَى) بفتح الهمزة الممدودة والواو (مُحْدِثًا) بضمِّ الميم، وكسر المهملة: مُبتَدِعًا أو ظالمًا (رَوَاهُ) أي: إثم من آوى محدثًا (عَلِيٌّ) أي: ابن أبي طالب ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) قال في «الفتح»: تقدَّم موصولًا في الباب الذي قبله، قال في «عمدة القاري»: ليس في الباب الذي قبله ما يطابق التَّرجمة، وإنَّما الذي يُطابقها ما تقدَّم في «باب الجزية» في «باب إثم من عاهد ثمَّ غدر» [خ¦٣١٧٩] قال فيه: «فمن أحدث فيه حدثًا أو آوى مُحدِثًا فعليه لعنة الله». ٧٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان الأحول (قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ) ﵁: (أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ؟) بهمزة الاستفهام (قَالَ: نَعَمْ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا) وفي حديث عليٍّ السَّابق في «باب فضل المدينة» من «الحجِّ» [خ¦١٨٧٠] «ما بين عائر إلى كذا»، واتَّفقت روايات البخاريِّ كلُّها على إبهام الثَّاني، وفي «مسلمٍ»: «إلى ثور»، وسبق ما في ذلك من البحث في «فضل المدينة» [خ¦١٨٧٠] (لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا) زاد أبو داود: «ولا يُنَفَّر صيدُها» (مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا) مخالفًا للشَّرع (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) والمراد باللَّعن العذاب الذي يستحقُّه، لا كلعن الكافر، وهذا التَّوعُّد وإن كان عامًّا في المدينة وغيرها لكنَّه

стр. 12585

خصَّ المدينة بالذِّكر لشرفها؛ إذ هي مهبط الوحي، ومنها انتشر الدِّين (قَالَ عَاصِمٌ) أي: ابن سليمان بالسَّند السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ آوَى مُحْدِثًا) قال الدَّارقطنيُّ: الصواب (١) عن عاصمٍ (٢) عن النَّضر بن أنسٍ، لا عن موسى، قال: والوهم فيه من البخاريِّ أو شيخه، قال عياض: وقد أخرجه مسلمٌ على الصَّواب، قال في «الفتح»: فإن أراد أنَّه قال: عن النَّضر؛ فليس كذلك، فإنَّه إنَّما قال: كما أخرجه عن حامد بن (٣) عمر، عن عبد الواحد، عن عاصمٍ، عن ابن أنسٍ، فإن كان عياضٌ أراد أنَّ (٤) الإبهام صوابٌ فلا يخفى ما فيه، والذي سمَّاه النَّضر هو مسدَّدٌ عن عبد الواحد، كذا أخرجه في «مسنده» وأبو نُعيمٍ في «المستخرج» من طريقه، وقد رواه عمرو بن أبي قيسٍ عن عاصمٍ، فبيَّن أنَّ بعضه عنده عن أنسٍ نفسه، وبعضه عن النَّضر بن أنسٍ، عن أبيه، أخرجه أبو عَوانة في «مستخرجه» وأبو الشَّيخ في «كتاب التَّرهيب» جميعًا من طريقه عن عاصمٍ عن أنسٍ، قال عاصمٌ: ولم أسمع من أنسٍ: «أو آوى محدثًا» فقلت للنَّضر: أسمعت هذا -يعني القدر الزَّائد- من أنسٍ؟ قال: لكنِّي سمعته منه أكثر من مئة مرَّة (٥). والحديث سبق في «الحجِّ» [خ¦١٨٧٠] في الباب المذكور، وبالله المستعان على الإكمال (٦). (٧) (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ) أي: الذي على غير أصلٍ من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ (وَتَكَلُّفِ القِيَاسِ) الذي لا يكون على هذه الأصول، فإن كان الرَّأي على أصلٍ منها فمحمودٌ غير مذمومٍ، وكذا القياس (﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦]) بفتح الفوقيَّة وسكون القاف، أي: (لَا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]) قاله ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ وابن أبي حاتمٍ من طريق عليٍّ بن أبي طلحة عنه، واحتجَّ به المؤلِّف لِمَا ذكره من ذمِّ التَّكلُّف، وسقط قوله «لا تقل» لأبي ذرٍّ،

стр. 12586

وقال العوفيُّ عن ابن عبَّاس: لا تذمَّ أحدًا بما ليس لك به علمٌ وقال محمَّد ابن الحنفيَّة: يعني شهادة الزُّور، وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولم ترَ، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم فإنَّ الله سائلك عن ذلك كله، ولا يصحُّ التَّشبُّث به لمُبْطِلِ الاجتهاد؛ لأنَّ ذا نوعٌ من العلم ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أقام الشَّارع غالب الظَّنِّ مقام العلم، وأمر بالعمل به كما في الشَّهادات. ٧٣٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ تَلِيدٍ) بفتح الفوقيَّة وكسر اللَّام بوزن عظيمٍ، هو سعِيد -بكسر العين- ابن عيسى بن تليدٍ نسبه إلى جدِّه، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ) بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فمهملةٌ، الإسكندرانيُّ (وَغَيْرُهُ) قال الحافظ أبو ذرٍّ الهرويُّ: هو عبد الله ابن لَهِيعة، وأبهمه المصنِّف ﵀ (١)؛ لضعفه عنده، واعتمد على عبد الرَّحمن بن شُرَيْحٍ (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير أنَّه (قَالَ: حَجَّ) مارًّا (عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ لَا يَنْزِعُ العِلْمَ) من النَّاس (بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُمُوهُ انْتِزَاعًا) نُصِبَ على المصدريَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أعطاكموه» بالكاف بدل الهاء (٢) (وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ (٣) مِنْهُمْ) أو منكم، بالكاف (مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ) فيه نوع قلبٍ، والتَّقدير ولكن ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم، أو

стр. 12587

المراد بـ «علمهم»: بكتبهم، بأن يُمحى العلم من الدَّفاتر، وتبقى «مع» على (١) المصاحبَة (فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ) بفتح التَّحتيَّة والقاف من «فيبقى» (يُسْتَفْتَوْنَ) بفتح الفوقيَّة قبل الواو السَّاكنة، أي: تُطلَبُ منهم الفتوى (فَيُفْتُونَ) بضمِّ التَّحتيَّة والفوقيَّة (بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ) بضمِّ التَّحتيَّة (وَيَضِلُّونَ) بفتحها، قال عروة: (فَحَدَّثْتُ عَائِشَةَ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «فحدَّثتُ به عائشة» (زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ) أي: بعد تلك (٢) السَّنة أو الحجَّة (فَقَالَتْ) له عائشة: (يَا بْنَ أُخْتِي) أسماء بنت أبي بكر (انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللهِ) بن عمرٍو (فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ) بسكون المثلَّثة، وفي «مسلمٍ» قالت لي عائشة: «يا بن أختي بلغني أنَّ عبد الله بن عمرٍو مارٌّ بنا إلى الحجٍّ، فَالقَهُ فسائله، فإنَّه قد حمل عن النَّبيِّ ﷺ عِلمًا كثيرًا»، قال عروة: (فَجِئْتُهُ) أي: جئتُ عبد الله بن عمرٍو (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك (فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنَحْوِ (٣) مَا حَدَّثَنِي) في المرَّة الأولى (فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ) ﵂ (فَأَخْبَرْتُهَا) بذلك (فعَجِبَتْ) لكونه ما غيَّر حرفًا عنه (فَقَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو!) وفي رواية سفيان بن عُيينة عند الحميديِّ (٤) قال عروة: «ثمَّ لبثتُ سنةً، ثمَّ لقيتُ عبد الله بن عمرٍو في الطَّواف، فسألته، فأخبرني»، قال في «الفتح»: فأفاد أنَّ لقاءه إيَّاه في المرَّة الثَّانية كان بمكَّة، وكأنَّ عروة كان حجَّ في تلك السَّنة من المدينة، وحجَّ عبد الله من مصر، فبلغ عائشة، ويكون قولها: «قد قدم» أي (٥): من مصر طالبًا مكَّة (٦)، لا أنَّه قدم المدينة؛ إذ لو دخلها للقيه عروة بها، ويحتمل أن تكون عائشة حجَّت تلك السَّنة وحجَّ معها عروة، فقدم عبد الله بَعْدُ، فلقيه عروةُ (٧) بأمر عائشة، وعند أحمد عن ابن مسعودٍ قال: «هل تدرون ما ذهابُ العلم؟ ذهابُ العلماء» واستُدِلَّ

стр. 12588

بالحديث على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ، وهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر الحنابلة وبعضٍ من غيرهم؛ لأنَّه صريحٌ في رفع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل، ومِنْ لازِمِهِ الحُكمُ بالجهل، وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد، وعورض هذا بحديث «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتَّى يأتي أمر الله» [خ¦٣١١٦] وأُجيب بأنَّه ظاهرٌ في عدم الخلوِّ، لا في نفي الجواز، وبأنَّ الدَّليل الأوَّل أظهر؛ للتَّصريح بقبض العلم تارةً ورفعه (١) أخرى، بخلاف الثَّاني، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فيفتون برأيهم». والحديث سبق في «باب كيف يقبض العلم» من «كتاب العلم» [خ¦١٠٠] وأخرجه مسلمٌ في «القدر» والتِّرمذيُّ في «العلم» وابن ماجه في «السَّنة». ٧٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان، وعبدان لقبه قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريُّ قال: (سَمِعْتُ الأَعْمَشَ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة: (هَلْ شَهِدْتَ) وقعة (صِفِّينَ) التي كانت بين عليٍّ ومعاوية؟ (قَالَ: نَعَمْ) حضرتُها (فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء وفتح النون (يَقُولُ) … (ح) لتحويل السَّند إلى آخر، قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوَّضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) ﵁ يوم صِفِّين وقد كانوا يتَّهمونه بالتَّقصير في القتال يومئذٍ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ) في هذا القتال (عَلَى دِينِكُمْ) فإنَّما تقاتلون إخوانكم في الإسلام باجتهادٍ اجتهدتموه، وقال في «الفتح»: أي: لا تعملوا في أمر الدِّين بالرَّأي المجرَّد الذي لا يستند إلى أصلٍ من

стр. 12589

الدِّين، وقال ابن بطالٍ: وهذا وإن كان يدلُّ على ذمِّ الرَّأي لكنَّه مخصوصٌ بما إذا كان معارضًا للنصِّ، فكأنَّه قال: اتَّهموا الرَّأي إذا خالف السُّنة (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) بفتح الجيم والدَّال المهملة بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره لامٌ، ابن سُهَيل ابن عمرٍو؛ إذ جاء يَرْسُفُ في قيوده يوم الحديبية سنة ستٍّ عند كتب الصُّلح على وضع الحرب عشر سنين، ومن أتى من قريشٍ بغير إذن وليِّه ردَّه عليهم (وَلَوْ أَسْتَطِيعُ (١) أَنَّ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) إذ ردَّ أبا جندلٍ إلى قريشٍ لأجل الصُّلح (لَرَدَدْتُهُ) وقاتلتُ قريشًا قتالًا لا مزيد له، فكما توقَّفتُ يوم الحديبية من أجل أنِّي لا أخالف حكم رسول الله ﷺ كذلك أتوقَّف اليوم؛ لأجل مصلحة المسلمين، وقد جاء عن عمر نحو قول (٢) سهلٍ (٣) ولفظه «اتقوا الرَّأي في دينكم» أخرجه البيهقيُّ في «المدخل» وأخرجه هو والطَّبرانيُّ مطوَّلًا بلفظ: «اتَّهموا الرَّأي على الدِّين، فلقد رأيتُني أردُّ أمر رسول الله ﷺ برأيي اجتهادًا، فوالله ما آلوو عن الحقِّ، وذلك يوم أبي جندلٍ، حتَّى قال لي رسول الله ﷺ : تراني أرضى وتأبى؟!» والحاصل -كما قال في «فتح الباري» -: أنَّ المصير إلى الرَّأي إنَّما يكون عند فقد النَّصِّ، وإلى هذا يومئ قولُ إمامنا الشَّافعيِّ فيما أخرجه البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ إلى أحمد ابن حنبلٍ: سمعتُ الشَّافعيَّ يقول: القياس عند الضَّرورة، ومع ذلك فليس القائل برأيه على ثقةٍ من أنَّه وقع على المراد من الحُكم في نفس الأمر، وإنَّما عليه بذل الوسع (٤) في الاجتهاد ليؤجر ولو أخطأ، وبالله التَّوفيق. ولأبي ذرٍّ: «ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول الله ﷺ عليه (٥) لرددته» (وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا) في الله (إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الفاء وكسر الظَّاء المعجمة: يوقعُنا في أمرٍ فظيعٍ، أي: شديدٍ في القبح (إِلَّا أَسْهَلْنَ) أي: السُّيوف ملتبسة (٦) (بِنَا) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة واللَّام بينهما هاءٌ مفتوحةٌ آخره نونٌ، أي: إلَّا أفضَيْنَ بنا، ولأبي ذرٍّ عن

стр. 12590

الكُشْمِيهَنيِّ: «إلَّا أسهلن بها» (إِلَى أَمْرٍ) سهلٍ (نَعْرِفُهُ) حالًا ومآلًا فأدخلتنا فيه (غَيْرَ هَذَا الأَمْرِ) الذي نحن فيه فإنَّه مُشكل حيث عَظُمت المصيبة بقتل المسلمين وشِدَّة المعارضة من حجج الفريقين إذ حجَّة عليٍّ وأتباعه ما شُرِعَ من قتال أهل البغي حتَّى يرجعوا إلى الحقِّ، وحجَّة معاوية وأتباعه قَتْلُ عثمان ظلمًا، ووجود قَتَلَتِه بأعيانهم في العسكر العراقيِّ، فعظُمت الشُّبهة حتَّى اشتدَّ القتال، إلى أن وقع التَّحكيم فكان ما كان (١). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «اتَّهموا رأيكم على دينكم» ونَسَبَ اليومَ إلى أبي جندلٍ لا إلى الحديبية؛ لأنَّ ردَّه إلى المشركين كان شاقًّا على المسلمين، وكان ذلك أعظم ما جرى عليهم من سائر الأمور، وأرادوا القتال بسببه، وألَّا يردُّوا أبا جندلٍ، ولا يرضوا بالصُّلح، والحديث سبق في «كتاب الجزية» [خ¦٣١٨١]. (قَالَ) الأعمش سليمان بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة: (شَهِدْتُ) أي: حضرت وقعة (صِفِّينَ) بكسر الصَّاد المهملة والفاء المشدَّدة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فنونٌ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث: بقعة بين الشَّام والعراق، بشاطئ الفرات (وَبِئْسَتْ صِفُّونَ) بضمِّ الفاء بعدها واوٌ بدل الياء، أي: بئست المقاتلة التي وقعت فيها، وإعراب الواقع هنا كإعراب الجمع في نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨] والمشهور إعرابه بالنُّون والتَّحتيَّةُ ثابتةٌ في أحواله الثَّلاثة، تقول: هذا صفِّينُ برفع النُّون، ورأيت صفِّينَ، ومررت بصفِّينَ بفتح النُّون فيهما، قال في «الفتح»: ولأبي ذرٍّ: «شهدت صفِّين وبئست صفِّين» بالتَّحتيَّة فيهما، ولغيره الثَّاني بالواو، وفي رواية النَّسفيِّ مثلُه، لكن قال: «بئست الصَّفُّون» بزيادة الألف واللَّام، وبعضهم فتح الصَّاد، والفاء مكسورةٌ مشدَّدةٌ اتِّفاقًا، والله أعلم. (٨) (بابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ) مبنيٌّ (٢)

стр. 12591

للمفعول أيضًا (١) (عَلَيْهِ الوَحْيُ) قرآنًا أو غيره (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي) كما جاء في أحاديث -تأتي إن شاء الله تعالى- لكنَّها ليست على شرط المؤلِّف (أَوْ لَمْ يُجِبْ) عن ذلك (حَتَّى يُنْزَلَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَلَيْهِ الوَحْيُ) -بالرَّفع- ببيان (٢) ذلك، فيُجب حينئذٍ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حتَّى يُنزِل الله عليه الوحيَ» بالنَّصب على المفعوليَّة (وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ) من عطف المرادف، وقيل: الرَّأيُ التَّفكر، أي: لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس، وقيل: الرَّأيُ أعمُّ؛ لشموله مثل الاستحسان (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾) أي: في قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما علَّمك الله. (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥] وقوله: «الآية» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ. ٧٣٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ المُنْكَدِرِ) محمَّدًا (يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵄ (يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ) في بني سلمة (وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ) أي: غُشي (عَلَيَّ) والواو للحال (فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ) بفتح الواو، أي: ماء وَضوئه (٣) (عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ) من الإغماء (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ- كَيْفَ أَقْضِي (٤) فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ) جابرٌ: (فَمَا أَجَابَنِي) ﷺ

стр. 12592

(بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ) وفي «النِّساء» [خ¦٤٥٧٧] «فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]» وسبق هناك أنَّ الدِّمياطيَّ قال: إنَّه وهمٌ، وأنَّ الذي في جابرٍ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] كما رواه مسلمٌ، وفيه زيادة بحثٍ فاطلبه ثَمَّ [خ¦٤٥٧٧]، وليس في الحديث المعلَّق ولا الموصول دليلٌ؛ لقول المصنِّف في التَّرجمة: لا أدري، وقال في «الكواكب»: في قوله: «لا أدري» حزازةٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلُّ عليه، ولم يثبت عنه ﷺ ذلك، قال في «فتح الباري»: وهو تساهلٌ شديدٌ منه (١) في الإقدام على نفي الثُّبوت، والظَّاهر أنَّه أشار في التَّرجمة إلى ما ورد في ذلك ممَّا لم يثبُت عنده منه شيءٌ على شرطه وإن كان يصلح للحُجَّة، على عادته في أمثال ذلك، وفي حديث ابن عمر عند ابن حِبَّان: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أيُّ البقاع خيرٌ؟ قال: «لا أدري» فأتاه جبريل فسأله، فقال: لا أدري، فقال: سَلْ ربَّك فانتفض جبريل انتفاضةً … الحديث، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الدَّارقطنيِّ والحاكم: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أدري الحدود كفارةٌ لأهلها أم لا؟» وعن المهلَّب: إنَّما سكت النَّبيُّ ﷺ في أشياء مُعضلةٍ ليس لها أصلٌ في الشَّريعة، فلا بدَّ فيها من الاطِّلاع على الوحي، وإلَّا فقد شرَّع ﷺ لأمَّته القياس، وأعلمهم كيفيَّة الاستنباط في مسائل لها أصولٌ ومعانٍ؛ ليريهم كيف يصنعون فيما لا نصَّ فيه، والقياس: هو تشبيه ما لا حُكم فيه بما فيه حكمٌ في المعنى، وقد شبَّه ﷺ الحُمُرَ بالخيل، فقال: «ما أنزل الله عليَّ فيها شيئًا غير هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]» [خ¦٢٣٧١] وقال للمرأة التي أخبرته أنَّ أباها لم يحجَّ: «أرأيتِ لو كان على أبيك دينٌ، أكنت قاضيته؟ فالله أحقُّ بالقضاء» فهذا هو عين القياس، وتعقَّبه السَّفاقسيُّ: بأنَّ البخاريَّ لم يُرِد النَّفي المطلق، وإنَّما أراد أنَّه ﷺ ترك الكلام في أشياء، وأجاب

стр. 12593

بالرَّأي في أشياء، وقد بوَّب لكلِّ ذلك بما ورد فيه، وأشار إلى قوله بعدَ بابين: «باب من شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مُبيَّنٍ». والحديث سبق في «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٧٧] والله أعلم. (٩) (بابُ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ -مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ- مِمَّاعَلَّمَهُ اللهُ، لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ) أي: ولا قياسٍ، وهو (١) إثبات مثل حكمٍ معلومٍ في معلومٍ آخر؛ لاشتراكهما في عِلَّة الحكم، والرَّأي أعمُّ. ٧٣١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ) هو عبد الرَّحمن بن عبد الله الأصبهانيُّ الأصلِ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ) الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁ أنَّه قال: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمها، ويُحتمَل أن تكون هي أسماءَ بنت يزيد بن السَّكن (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ) أي: من اختيارك لا اختيارنا (يَوْمًا) من الأيَّام (نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، فَقَالَ) ﷺ لهنَّ: (اجْتَمِعْنَ) بكسر الميم (فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ) بفتح الميم (فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ) لهنَّ: (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا) من التَّقديم إلى يوم القيامة (مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً، إِلَّا كَانَ) التَّقديم (لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ) هي أمُّ سُليمٍ (٢) أو أمُّ أيمن أو أمُّ

стр. 12594

مبشِّرٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، و) من قدَّم (اثْنَيْنِ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أو اثنين؟» (قَالَ) أبو سعيدٍ: (فَأَعَادَتْهَا (١)) أي: كلمة «أو اثنين» (٢) (مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ) ﷺ : (وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ) ثلاثًا، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «إلَّا كان لها حجابًا من النَّار» لأنَّ هذا أمرٌ توقيفيٌّ لا يُعلَم إلَّا من قِبَل الله تعالى، ليس قولًا برأيٍ ولا تمثيلٍ، قاله في «الكواكب». وسبق الحديث في «العلم» في «باب هل يجعل للنِّساء يومًا على حِدَتِه في العلم» [خ¦١٠١] وفي «الجنائز» [خ¦١٢٤٩] أيضًا. (١٠) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ يُقاتِلُونَ) قال البخاريُّ: (وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ) ولأبي ذرٍّ: «وهم من أهل العلم» وسقط له «يُقاتلون» وروى البخاريُّ عن عليِّ بن المدينيِّ: «هم أصحاب الحديث» ذكره التِّرمذيُّ. ٧٣١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين المهملة (٣) (بْنُ مُوسَى) العبسيُّ -بالموحَّدة ثمَّ المهملة- الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ التَّابعيِّ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَزَالُ) بالتَّحتيَّة أوَّله في الفرع كأصله (طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ) معاونين أو غالبين (٤)، زاد في حديث ثوبان عند «مسلمٍ»: على الحقِّ لا يضرُّهم من خذلهم (٥) (حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ) بقيام السَّاعة (وَهُمْ ظَاهِرُونَ) غالبون على من

стр. 12595

خالفهم، واستُشكِل بحديث «مسلمٍ» عن عبد الله بن عمرو: «لا تقوم السَّاعة إلَّا على شرار النَّاس … » الحديث، وأُجيبَ بأنَّ المراد من شرار النَّاس الذين تقومُ عليهم السَّاعة، قومٌ يكونون بموضعٍ مخصوصٍ، وبموضعٍ آخر تكون طائفةٌ يقاتلون على الحقِّ، وعند الطَّبرانيِّ من حديث أبي أُمامة: قيل: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس» والمراد بهم: الذين يحصرهم الدَّجَّال إذا خرج، فينزل عيسى إليهم فيقتل الدَّجَّال، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج الدَّجَّال أو بعد موت عيسى ﵇ بعد هبوب الرِّيح التي تهبُّ بعده، فلا يبقى أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمانٍ إلَّا قَبَضته، ويبقى شرار النَّاس، فعليهم تقوم السَّاعة، وهناك يتحقَّق خلوُّ الأرض عن مسلمٍ فضلًا عن هذه الطَّائفة الكريمة، وهذا -كما في «الفتح» - أولى ما يُتمَسَّك به في الجمع بين الحديثين المذكورين. والحديث سبق في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٠] ويأتي إن شاء الله تعالى في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٥٩] بعون الله (١). ٧٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الميم، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) ﵄ حال كونه (يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي: جميع الخيرات؛ لأنَّ النَّكرة تفيد العموم، أو خيرًا عظيمًا، فالتَّنوين للتَّعظيم (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) والفقه في الأصل: الفهم، يقال: فَقِهَ الرَّجل -بالكسر- يفقه فقهًا، إذا فَهِم وعلم، وفَقُهَ

стр. 12596

-بالضَّم- يفقه، إذا صار فقيهًا عالمًا، وجعله العُرف خاصًّا (١) بعلم الشَّريعة وتخصيصًا بعلم الفروع، وإنَّما خُصَّ من علم الشَّريعة بالفقه؛ لأنَّه علمٌ مُستنبَطٌ بالقوانين والأدلَّة والأقيسة والنَّظر الدَّقيق، بخلاف علم اللُّغة والنَّحو والصَّرف، رُوِي أنَّ سلمان نزل على نَبَطيَّةٍ بالعراق، فقال لها: هل ههنا مكانٌ نظيفٌ أُصلِّي فيه؟ فقالت: طهِّر قلبك وصلِّ حيث شئت، فقال: فقهتِ، أي: فهمتِ، ولو قال: علمتِ، لم يقع هذا الموقع، وعن الدَّارمي عن عمران قال: قلت للحسن يومًا في شيءٍ قاله: يا أبا سعيدٍ، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهًا قطُّ؟ إنَّما الفقيه الزَّاهد في الدُّنيا، الرَّاغب في الآخرة، البصير بأمور دينه، المداوم على عبادة ربِّه (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) قال القاضي عياضٌ: أي: إنَّما أقسم بينكم، فألقي إلى كلِّ واحدٍ ما يليق به (وَيُعْطِي اللهُ) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم والتَّفكُّر والعمل ما أراده، وقال التُّوربشتيُّ: أَعلَمَ ﷺ أنَّه (٢) لم يُفَضِّل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمَّته على الآخر، بل سوَّى في البلاغ، وعدل في القسمة، وإنَّما التَّفاوت في الفهم، وهو واقعٌ من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخر منهم، أو من القرن الذي يليهم أو ممَّن أتى بعده، فيستنبط منه كثيرًا، وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا» للحال من فاعل «يفقِّهه» أو من مفعوله، وإذا كان الثَّاني فالمعنى: أنَّ الله يعطي كلًّا ممن أراد أن يُفقِّهه استعدادًا لِدَرْك المعاني على ما قدَّره، ثمَّ يُلهمني بإلقاء ما هو اللَّائق باستعداد كلِّ واحدٍ، وعليه كلام القاضي، وإذا كان الأوَّل فالمعنى أنِّي أُلقي ما يسنح لي، وأسوِّي فيه (٣) ولا أُرجِّح واحدًا على واحدٍ، فالله تعالى يوفِّق كُلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التُّوربشتيِّ. انتهى. (وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا) على الدِّين الحقِّ (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة، أَوْ) قال: (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) تعالى، بالشَّكِّ من الرَّاوي، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «ولن يزال أمر هذه الأمَّة مستقيمًا» لأنَّ من جملة الاستقامة أن يكون فيهم التَّفقُّه والمتفقِّه، ولا بدَّ منه لترتبط الأخبار المذكورة بعضها ببعضٍ، وتحصل جهةٌ جامعةٌ بينهما معنًى.

стр. 12597

والحديث سبق في «العلم» [خ¦٧١] وأخرجه مسلمٌ في «الزَّكاة» والله أعلم (١). (١١) (بابُ قَوْلِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» (٢) بالتَّنوين «في قول الله» (تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: متفرِّقين. ٧٣١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ عَمْرٌو) -بفتح العين المهملة (٣) - ابن دينارٍ: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كالمطر النَّازل على قوم نوحٍ حجارةً (قَالَ) ﷺ : (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) أي: بذاتك من عذابك (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾) كالرَّجفة والخسفة، ويجوز أن يكون الظَّرف متعلِّقًا بـ «يبعث» وأن يكون متعلِّقًا بمحذوفٍ على أنَّه صفةٌ لـ «عذابًا» أي: عذابًا كائنًا من هاتين الجهتين (قَالَ) ﷺ : (أعُوذُ بِوَجْهِكَ) من عذابك (٤) (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾) أي: يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواءٍ شتَّى، كلُّ فرقةٍ مشايعة (٥) لإمامٍ، ومعنى خلطهم إنشاء القتال بينهم، فيختلطون في ملاحم

стр. 12598

القتال، و «شيعًا» نُصِب على الحال، وهي جمع «شِيْعَة» كسِدْرةٍ وسِدرٍ، وقيل: المعنى يجعلكم فِرَقًا ويثبِّت فيكم الأهواء المختلفة (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]) بقتل بعضكم بعضًا، والبأس: السَّيف والإذاقة استعارةٌ، وهي فاشيةٌ كقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقال: أذقناهم (١) كؤوسَ الموتِ صِرْفًا … وذاقوا من أسنَّتنا كؤوسًا (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (هَاتَانِ) المحنتان اللَّبس والإذاقة (أَهْوَنُ، أَوْ) قال: (أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله على الكفر. والحديث سبق في «تفسير سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٨] وأخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير». (١٢) (بابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ) بفتح التَّحتيَّة (قَدْ بَيَّنَ الله (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بيَّن رسول الله» (حُكْمَهُمَا) بلفظ التَّثنية، ولأبي الوقت: «حكمها»، قال في «الفتح»: وفي رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ والجرجانيِّ: «من شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مبيَّن وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ حكمهما (٣)»، بإثبات الواو في قوله: «وقد بيَّن» (لِيُفْهِمَ السَّائِلَ) المراد. ٧٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بالمهملة والموحَّدة والمعجمة في الأوَّل والجيم في الثَّاني أبو عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرني» بالخاء والإفراد في

стр. 12599

الرِّوايتين (١) (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (٢) (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) اسمه ضمضم بن قتادة، كما في «المبهمات» لعبد الغنيِّ بن سعيدٍ، وعند مسلمٍ وأصحاب السُّنن: «أنَّ أعرابيًّا من فزارة»، بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي هو فَزَارة بن ذبيان بن بغيضٍ (٣) (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) أي: وإنِّي أنا أبيضُ، ولم أعرف اسم المرأة ولا الغلام، و «أسود» صفةٌ لـ «غلامٍ» وهو لا ينصرف للوزن والصِّفة (وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ) أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنَّه أنكره بلسانه (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ) الأعرابيُّ: (نَعَمْ، قَالَ) ﵊ له: (فَمَا أَلْوَانُهَا؟) «ما» مبتدأٌ من أسماء الاستفهام، و «ألوانها» خبره (قَالَ): ألوانها (حُمْرٌ) رفع (٤) خبر المبتدأ المقدَّر (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (هَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فهل» (فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) بفتح الهمزة والرَّاء، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره قافٌ، قال الأصمعيُّ: الأورق من الإبل الَّذي في لونه بياضٌ يميل إلى سوادٍ، وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمودٍ عندهم في عَمَلِه وسيْره، وهو غير مُنصرفٍ؛ للوصف ووزن الفعل، والفاء في «فهل» عاطفةٌ (قَالَ) الأعرابيُّ: (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بضمِّ الواو وسكون الرَّاء «إنَّ» واسمها، وخبرها في المجرور، واللَّام هي الدَّاخلة في خبر «إنَّ» وأصلُها لام الابتداء، ولكنَّها أُخِّرت لأجل أنَّها غير عاملةٍ، و «إنَّ» عاملةٌ، وتُسمَّى هذه اللَّام المُزحلَقة (قَالَ) ﵊: (فَأَنَّى تَُرَى) بفتح الفوقيَّة أو بضمِّها، أي: تظنُّ (ذَلِكَ جَاءَهَا؟) الفاعل (٥) ضميرٌ يعود على اللَّون،

стр. 12600

والمفعول يعود على الإبل، و «ذلك» مفعولٌ ثانٍ، و «أنِّى» استفهامٌ بمعنى: كيف، أي: كيف أتاها اللَّون الَّذي ليس في أبويها؟ (قَالَ) الأعرابيُّ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ عِرْقٌ نَزَعَهَا) بكسر العين وسكون الرَّاء بعدها قافٌ، و «نزعها» بالزَّاي، والمراد بالعرق هنا الأصل من النَّسب، شُبِّهَ بعرق الثَّمرة، ومنه فلانٌ مُعرِقٌ في النَّسب والحسب، ومعنى «نزعه» أشبهه، واجتذب منه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النَّزع الجذبُ، فكأنَّه جذبه إليه، وللكُشميهنيِّ: «نزعه» قال أبو هريرة: (وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ) ﷺ ، أي: للأعرابيِّ (فِي الاِنْتِفَاءِ مِنْهُ) أي: باللِّعان (١) ونفي الولد من نفسه، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من كونه ﷺ شبَّه للأعرابيِّ ما أنكره من لون الغلام بما عرف من نِتاجِ الإبل، فأبان له بما يعرف أنَّ الإبل الحُمر تُنتج الأورق وهو الأغبر، فكذلك المرأة البيضاء تلد الأسود. وسبق الحديث في «اللِّعان (٢)» [خ¦٥٣٠٥]. ٧٣١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي (٣) وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ، مولى أبي محمَّدٍ، أحد الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ امْرَأَةً) زاد في «باب الحجِّ والنُّذور (٤) عن الميِّت» من «كتاب الحجِّ» [خ¦١٨٥٢]: «من جُهينة»، وفي «النَّسائيِّ» هي امرأة سنان بن سلمة

стр. 12601

الجهنيِّ، ولأحمد: سنان بن عبد الله، وهي أصحُّ، وفي الطَّبرانيِّ: أنَّها عمَّته كذا قاله في المقدِّمة (١)، وقال في الشَّرح: إنَّ ما في «النَّسائيِّ» لا يُفسَّر به المبهم في حديث الباب؛ لأنَّ في حديث الباب أنَّ المرأة سألت بنفسها، وفي «النَّسائيِّ» أنَّ زوجها سأل، ويحتمل أن تكون نسبة السُّؤال إليها مجازيَّةٌ (جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ): يا رسول الله (إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟) أي: أيصحُّ منِّي أن أكون نائبةً عنها فأحجَّ عنها، فالفاء الدَّاخلة عليها همزة الاستفهام الاستخباريِّ عاطفةٌ (٢) على المحذوف المقدَّر، ولم تسمَّ الأمُّ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ) أي: أخبريني (لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ) لمخلوقٍ (أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ) عنها؟ (قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَاقْضُوا) أيُّها المسلمون الحقَّ (الَّذِي لَهُ) تعالى، ودخلت المرأة في هذا الخطاب دخولًا بالقصد الأوَّل، وقد عُلِمَ في الأصول أنَّ النِّساء يدخلن في خطاب الرِّجال، لا سيَّما عند القرينة المُدخلة (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «اقضوا الله» (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (أَحَقُّ بِالوَفَاءِ) من غيره، ومطابقة الحديث في كونه ﷺ شبَّه للمرأة التي سألته عن أمِّها دَيْنَ الله بما تعرف من دَيْنِ العباد، غير أنَّه قال: «فدَيْنُ الله أحقُّ» وقول الفقهاء بتقديم حقِّ الآدميِّ لا يُنافي الأحقيَّة بالوفاء واللُّزوم؛ لأنَّ تقديم حقِّ العبد بسبب احتياجه، ثمَّ إنَّ عقد هذا الباب وما فيه يدلُّ على صحَّة القياس، والباب السَّابق يدلُّ على الذَّمِّ، وأُجيب بأنَّ القياس صحيحٌ مُشتمِلٌ على جميع شرائطه المقرَّرة في علم الأصول، وفاسدٌ بخلاف ذلك، فالمذموم هو الفاسد، والصَّحيح لا مذمَّة فيه، بل هو مأمورٌ به، وفي الباب دليلٌ على وقوع القياس منه ﷺ وقد احتجَّ المزنيُّ بهذين الحديثين على من أنكر القياس، وما اتَّفق عليه الجمهور هو الحجَّة، فقد قاس الصَّحابة فمن بعدهم من التَّابعين (٤) وفقهاء الأمصار (٥).

стр. 12602

(١٣) (بابُ مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ القُضَاةِ) بصيغة الجمع، ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت: «القَضَاء» بفتح القاف والضَّاد (١) والمدِّ وإضافة «الاجتهاد» إليه، والمعنى الاجتهاد في الحكم، وفيه حذفٌ تقديره اجتهادُ مُتَولِّي القضاء (بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) والاجتهاد: بذل الوسع للتَّوصُّل إلى معرفة الحكم الشَّرعيِّ (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾) [المائدة: ٤٥] يجوز أن تكون ﴿مَن﴾ شرطيَّةً وهو الظَّاهر، وأن تكون موصولةً، والفاء في الخبر زائدةٌ؛ لشبهه بالشَّرط (وَمَدَْحَ النَّبِيُِّ ﷺ صَاحِبَ الحِكْمَةِ) بفتح الدَّال والحاء، و «النَّبيُّ» رُفِعَ على الفاعليَّة، و «صاحِبَ» نُصب على المفعوليَّة، وبسكون الدَّال مجرورًا عطفًا على قوله: «ما جاء في اجتهادِ (٢)» ويكون المصدر مضافًا لفاعله (حِينَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة (وَيُعَلِّمُهَا) للنَّاس (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولا» (يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة أي: من جهته، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قيْله» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بدل الموحَّدة المفتوحة، أي: من كلامه (وَمُشَاوَرَةِ الخُلَفَاءِ) والقضاةِ (٣) بالجرِّ عطفًا على قوله: «في اجتهاد القضاة» أي: وفيما جاء في مشاورة الخلفاء (وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ العِلْمِ).

стр. 12603

٧٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة، العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن عبد الرَّحمن الرّؤاسيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ البجليِّ، واسم أبي خالدٍ سعدٌ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا حَسَدَ) لا رُخصة، أو لا غِبْطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) خصلتين: (رَجُلٌ) بالرَّفع (آتَاهُ) بمدِّ الهمزة: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ) بضمِّ السِّين وكسر اللَّام، وللكُشميهنيِّ: «فسَلَّطه» بفتحهما وزيادة هاءٍ بعد الطَّاء (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحاتٍ: على إنفاقه (فِي الحَقِّ، وَآخَرُ) ولأبي ذرٍّ: «أو آخر (١)» (آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً) بكسر الحاء المهملة وسكون الكاف، والحكمة السُّنَّة، أو الفقه والعلم بالدِّين، أو ما يَنفع من موعظةٍ ونحوها، أو الحكم بالحقِّ، أو الفهمُ عن الله ورسوله، ووردت أيضًا بمعنى النُّبوَّة (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة (وَيُعَلِّمُهَا) النَّاس، وفي قوله: «فسلَّطه على هلكته» مبالغتان: إحداهما: التَّسليط؛ فإنَّه يدلُّ على الغلبة وقهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ البالغ. وثانيتهما: قوله: «على هلكته»، فإنَّه يدلُّ على أنَّه لا يُبقي من المال باقيًا (٢)، ولمَّا أوهم القرينتان -الإسراف والتَّبذير- المقول فيهما: لا خير في السَّرف، كمَّله بقوله: «في الحقِّ» كما قيل: لا سرف في الخير، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغاتٍ: إحداها الحكمة؛ فإنَّها تدلُّ على علمٍ دقيقٍ مع إتقانٍ في العمل، وثانيها «يقضي» أي: يقضي بين النَّاس، وهي من مرتبته ﷺ ، وثالثها «ويعلِّمُها»، وهي أيضًا من مرتبة سيِّد المرسلين، قاله في «شرح المشكاة». والحديث سبق في «باب من قضى بالحكمة» في أوائل «الأحكام» [خ¦٧١٤١] وكذا في «العلم» [خ¦٧٣] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٩] ومطابقته للتَّرجمة الثَّانية (٣) ظاهرةٌ.

стр. 12604

٧٣١٧ - ٧٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ، كما جزم به ابن السَّكن ورجَّحه في «الفتح» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) (١) محمَّد بن خازم، بالمعجمتين، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثَّقفيِّ -شهد الحديبية- ﵁ أنَّه (قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ الصَّحابة ﵃ (عَنْ إِمْلَاصِ المَرْأَةِ) بكسر الهمزة وسكون الميم آخره صادٌ مهملةٌ (وَهِيَ الَّتِي يُضْرَبُ) بضمِّ أوّله مبنيًّا للمفعول (بَطْنُهَا) نائب الفاعل (فَتُلْقِي) بضمِّ الفوقيَّة وكسر القاف (جَنِينًا) ميِّتًا، ماذا يجب على الجاني فيه؟ (فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْئًا؟) قال المغيرة: (فَقُلْتُ: أَنَا) سمعته (فَقَالَ) عمر ﵁: (مَا هُوَ) الذي سمعته؟ (قُلْتُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيهِ) في الإملاص وهو الجنين (غُرَّةٌ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الرَّاء مُشدَّدةً (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) بالرَّفع بالتَّنوين (٢) في الثَّلاثة، والثَّاني بدلُ كُلٍّ من كُلٍّ ونكرةٍ من نكرةٍ، وعبَّر ﷺ عن الجسم كلِّه بالغُرَّة (فَقَالَ) عمر للمغيرة: (لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيئَنِي) وللأَصيليِّ: «حتَّى تجيء» (بِالمَخْرَجِ) بفتح الميم والرَّاء، بينهما معجمةٌ، وآخره جيمٌ (فِيمَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ممَّا» (قُلْتَ). (فَخَرَجْتُ) من عنده (فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ) الخزرجيَّ البدريَّ (فَجِئْتُ بِهِ) إليه (فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فِيهِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) فإن قيل: خبر الواحد حجَّةٌ يجب العمل به، فلِمَ ألزمه بالشَّاهد؟ أُجيب بأنَّه للتَّأكيد، وليطمئنَّ قلبه بذلك، مع أنَّه لم يخرج بانضمام آخر إليه عن (٣) كونه خبر الواحد، ومطابقة الحديث للشِّقِّ الثَّاني من التَّرجمة ظاهرةٌ، وسبق في آخر «الدَّيَّات» في «باب جنين المرأة» [خ¦٦٩٠٦]. (تَابَعَهُ) أي: تابع هشامَ بن عروة في روايته عن أبيه (ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِيهِ)

стр. 12605

عبد الله بن ذكوان (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شُعبة، فيما وصله المحامليُّ في الجزء الثَّالث عشر من «فوائد الأصبهانيِّ» عنه، وفي رواية أبي ذرٍّ: «عن الأعرج عبد الرَّحمن بن هرمز، عن أبي هريرة» بدل «عروة» و «المغيرة» قال الحافظ أبو الفضل (١) ابن حَجَرٍ ﵀: وهو غلطٌ، والصَّواب الأوَّل. (١٤) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَتَتْبَعُنَّ) بلام التَّأكيد، وفتح الفوقيَّة الأولى وتسكين الثَّانية، وفتح الموحَّدة وضمِّ العين وتشديد النُّون؛ كذا في الفرع، وضبطه في «الفتح» بفوقيَّتين مفتوحتين وكسر الموحَّدة، قال: وأصله تتَّبعون (سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) بفتح السِّين والنُّون أي: طريقتهم في كلِّ منهيٍّ عنه، وسقط لغير الكُشْمِيهَنيِّ «كان». ٧٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) سعيد بن أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا) بموحَّدةٍ مكسورةٍ بعدها ألفٌ مهموزةٌ وخاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ، أي: بسيرتهم، وفي رواية الأَصيليِّ على ما حكاه ابن بطالٍ فيما ذكره في «الفتح»: «بما» الموصولة «أَخَذَ» بلفظ الماضي، وهي رواية الإسماعيليِّ، وفي رواية النَّسفيِّ: «مَأْخذ القرون» بميمٍ مفتوحةٍ وهمزة ساكنةٍ، والقرون جمع قَرْنٍ -بفتح القاف وسكون الرَّاء-: الأمَّة من النَّاس، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق عبد الله بن نافعٍ عن ابن أبي ذئبٍ «الأمم والقرون» (شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ) بالذَّال المعجمة، وللكُشميهنيِّ: «شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا» (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) هؤلاء الَّذين يتَّبعونهم (كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ) ﷺ : (وَمَنِ النَّاسُ)
следующие страницы →