← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.

стр. 12601

الجهنيِّ، ولأحمد: سنان بن عبد الله، وهي أصحُّ، وفي الطَّبرانيِّ: أنَّها عمَّته كذا قاله في المقدِّمة (١)، وقال في الشَّرح: إنَّ ما في «النَّسائيِّ» لا يُفسَّر به المبهم في حديث الباب؛ لأنَّ في حديث الباب أنَّ المرأة سألت بنفسها، وفي «النَّسائيِّ» أنَّ زوجها سأل، ويحتمل أن تكون نسبة السُّؤال إليها مجازيَّةٌ (جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ): يا رسول الله (إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟) أي: أيصحُّ منِّي أن أكون نائبةً عنها فأحجَّ عنها، فالفاء الدَّاخلة عليها همزة الاستفهام الاستخباريِّ عاطفةٌ (٢) على المحذوف المقدَّر، ولم تسمَّ الأمُّ (قَالَ) ﷺ : (نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ) أي: أخبريني (لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ) لمخلوقٍ (أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ) عنها؟ (قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَاقْضُوا) أيُّها المسلمون الحقَّ (الَّذِي لَهُ) تعالى، ودخلت المرأة في هذا الخطاب دخولًا بالقصد الأوَّل، وقد عُلِمَ في الأصول أنَّ النِّساء يدخلن في خطاب الرِّجال، لا سيَّما عند القرينة المُدخلة (٣)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «اقضوا الله» (فَإِنَّ اللهَ) تعالى (أَحَقُّ بِالوَفَاءِ) من غيره، ومطابقة الحديث في كونه ﷺ شبَّه للمرأة التي سألته عن أمِّها دَيْنَ الله بما تعرف من دَيْنِ العباد، غير أنَّه قال: «فدَيْنُ الله أحقُّ» وقول الفقهاء بتقديم حقِّ الآدميِّ لا يُنافي الأحقيَّة بالوفاء واللُّزوم؛ لأنَّ تقديم حقِّ العبد بسبب احتياجه، ثمَّ إنَّ عقد هذا الباب وما فيه يدلُّ على صحَّة القياس، والباب السَّابق يدلُّ على الذَّمِّ، وأُجيب بأنَّ القياس صحيحٌ مُشتمِلٌ على جميع شرائطه المقرَّرة في علم الأصول، وفاسدٌ بخلاف ذلك، فالمذموم هو الفاسد، والصَّحيح لا مذمَّة فيه، بل هو مأمورٌ به، وفي الباب دليلٌ على وقوع القياس منه ﷺ وقد احتجَّ المزنيُّ بهذين الحديثين على من أنكر القياس، وما اتَّفق عليه الجمهور هو الحجَّة، فقد قاس الصَّحابة فمن بعدهم من التَّابعين (٤) وفقهاء الأمصار (٥).

стр. 12602

(١٣) (بابُ مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ القُضَاةِ) بصيغة الجمع، ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت: «القَضَاء» بفتح القاف والضَّاد (١) والمدِّ وإضافة «الاجتهاد» إليه، والمعنى الاجتهاد في الحكم، وفيه حذفٌ تقديره اجتهادُ مُتَولِّي القضاء (بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) والاجتهاد: بذل الوسع للتَّوصُّل إلى معرفة الحكم الشَّرعيِّ (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾) [المائدة: ٤٥] يجوز أن تكون ﴿مَن﴾ شرطيَّةً وهو الظَّاهر، وأن تكون موصولةً، والفاء في الخبر زائدةٌ؛ لشبهه بالشَّرط (وَمَدَْحَ النَّبِيُِّ ﷺ صَاحِبَ الحِكْمَةِ) بفتح الدَّال والحاء، و «النَّبيُّ» رُفِعَ على الفاعليَّة، و «صاحِبَ» نُصب على المفعوليَّة، وبسكون الدَّال مجرورًا عطفًا على قوله: «ما جاء في اجتهادِ (٢)» ويكون المصدر مضافًا لفاعله (حِينَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة (وَيُعَلِّمُهَا) للنَّاس (لَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولا» (يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة أي: من جهته، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «قيْله» بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بدل الموحَّدة المفتوحة، أي: من كلامه (وَمُشَاوَرَةِ الخُلَفَاءِ) والقضاةِ (٣) بالجرِّ عطفًا على قوله: «في اجتهاد القضاة» أي: وفيما جاء في مشاورة الخلفاء (وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ العِلْمِ).

стр. 12603

٧٣١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة، العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن عبد الرَّحمن الرّؤاسيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ البجليِّ، واسم أبي خالدٍ سعدٌ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا حَسَدَ) لا رُخصة، أو لا غِبْطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) خصلتين: (رَجُلٌ) بالرَّفع (آتَاهُ) بمدِّ الهمزة: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ) بضمِّ السِّين وكسر اللَّام، وللكُشميهنيِّ: «فسَلَّطه» بفتحهما وزيادة هاءٍ بعد الطَّاء (عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحاتٍ: على إنفاقه (فِي الحَقِّ، وَآخَرُ) ولأبي ذرٍّ: «أو آخر (١)» (آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً) بكسر الحاء المهملة وسكون الكاف، والحكمة السُّنَّة، أو الفقه والعلم بالدِّين، أو ما يَنفع من موعظةٍ ونحوها، أو الحكم بالحقِّ، أو الفهمُ عن الله ورسوله، ووردت أيضًا بمعنى النُّبوَّة (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة (وَيُعَلِّمُهَا) النَّاس، وفي قوله: «فسلَّطه على هلكته» مبالغتان: إحداهما: التَّسليط؛ فإنَّه يدلُّ على الغلبة وقهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ البالغ. وثانيتهما: قوله: «على هلكته»، فإنَّه يدلُّ على أنَّه لا يُبقي من المال باقيًا (٢)، ولمَّا أوهم القرينتان -الإسراف والتَّبذير- المقول فيهما: لا خير في السَّرف، كمَّله بقوله: «في الحقِّ» كما قيل: لا سرف في الخير، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغاتٍ: إحداها الحكمة؛ فإنَّها تدلُّ على علمٍ دقيقٍ مع إتقانٍ في العمل، وثانيها «يقضي» أي: يقضي بين النَّاس، وهي من مرتبته ﷺ ، وثالثها «ويعلِّمُها»، وهي أيضًا من مرتبة سيِّد المرسلين، قاله في «شرح المشكاة». والحديث سبق في «باب من قضى بالحكمة» في أوائل «الأحكام» [خ¦٧١٤١] وكذا في «العلم» [خ¦٧٣] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٩] ومطابقته للتَّرجمة الثَّانية (٣) ظاهرةٌ.

стр. 12604

٧٣١٧ - ٧٣١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ، كما جزم به ابن السَّكن ورجَّحه في «الفتح» قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) (١) محمَّد بن خازم، بالمعجمتين، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثَّقفيِّ -شهد الحديبية- ﵁ أنَّه (قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ الصَّحابة ﵃ (عَنْ إِمْلَاصِ المَرْأَةِ) بكسر الهمزة وسكون الميم آخره صادٌ مهملةٌ (وَهِيَ الَّتِي يُضْرَبُ) بضمِّ أوّله مبنيًّا للمفعول (بَطْنُهَا) نائب الفاعل (فَتُلْقِي) بضمِّ الفوقيَّة وكسر القاف (جَنِينًا) ميِّتًا، ماذا يجب على الجاني فيه؟ (فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ شَيْئًا؟) قال المغيرة: (فَقُلْتُ: أَنَا) سمعته (فَقَالَ) عمر ﵁: (مَا هُوَ) الذي سمعته؟ (قُلْتُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيهِ) في الإملاص وهو الجنين (غُرَّةٌ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الرَّاء مُشدَّدةً (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) بالرَّفع بالتَّنوين (٢) في الثَّلاثة، والثَّاني بدلُ كُلٍّ من كُلٍّ ونكرةٍ من نكرةٍ، وعبَّر ﷺ عن الجسم كلِّه بالغُرَّة (فَقَالَ) عمر للمغيرة: (لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيئَنِي) وللأَصيليِّ: «حتَّى تجيء» (بِالمَخْرَجِ) بفتح الميم والرَّاء، بينهما معجمةٌ، وآخره جيمٌ (فِيمَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ممَّا» (قُلْتَ). (فَخَرَجْتُ) من عنده (فَوَجَدْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ) الخزرجيَّ البدريَّ (فَجِئْتُ بِهِ) إليه (فَشَهِدَ مَعِي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: فِيهِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) فإن قيل: خبر الواحد حجَّةٌ يجب العمل به، فلِمَ ألزمه بالشَّاهد؟ أُجيب بأنَّه للتَّأكيد، وليطمئنَّ قلبه بذلك، مع أنَّه لم يخرج بانضمام آخر إليه عن (٣) كونه خبر الواحد، ومطابقة الحديث للشِّقِّ الثَّاني من التَّرجمة ظاهرةٌ، وسبق في آخر «الدَّيَّات» في «باب جنين المرأة» [خ¦٦٩٠٦]. (تَابَعَهُ) أي: تابع هشامَ بن عروة في روايته عن أبيه (ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِيهِ)

стр. 12605

عبد الله بن ذكوان (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شُعبة، فيما وصله المحامليُّ في الجزء الثَّالث عشر من «فوائد الأصبهانيِّ» عنه، وفي رواية أبي ذرٍّ: «عن الأعرج عبد الرَّحمن بن هرمز، عن أبي هريرة» بدل «عروة» و «المغيرة» قال الحافظ أبو الفضل (١) ابن حَجَرٍ ﵀: وهو غلطٌ، والصَّواب الأوَّل. (١٤) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَتَتْبَعُنَّ) بلام التَّأكيد، وفتح الفوقيَّة الأولى وتسكين الثَّانية، وفتح الموحَّدة وضمِّ العين وتشديد النُّون؛ كذا في الفرع، وضبطه في «الفتح» بفوقيَّتين مفتوحتين وكسر الموحَّدة، قال: وأصله تتَّبعون (سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) بفتح السِّين والنُّون أي: طريقتهم في كلِّ منهيٍّ عنه، وسقط لغير الكُشْمِيهَنيِّ «كان». ٧٣١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ المَقْبُرِيِّ) سعيد بن أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَهَا) بموحَّدةٍ مكسورةٍ بعدها ألفٌ مهموزةٌ وخاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ، أي: بسيرتهم، وفي رواية الأَصيليِّ على ما حكاه ابن بطالٍ فيما ذكره في «الفتح»: «بما» الموصولة «أَخَذَ» بلفظ الماضي، وهي رواية الإسماعيليِّ، وفي رواية النَّسفيِّ: «مَأْخذ القرون» بميمٍ مفتوحةٍ وهمزة ساكنةٍ، والقرون جمع قَرْنٍ -بفتح القاف وسكون الرَّاء-: الأمَّة من النَّاس، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق عبد الله بن نافعٍ عن ابن أبي ذئبٍ «الأمم والقرون» (شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ) بالذَّال المعجمة، وللكُشميهنيِّ: «شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا» (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ) هؤلاء الَّذين يتَّبعونهم (كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ) ﷺ : (وَمَنِ النَّاسُ)

стр. 12606

المُتَّبَعون المعهودون المُتَقَدِّمون (١) (إِلَّا أُولَئِكَ) الفرس والروم؟ وهما جيلان مشهوران من النَّاس، وعيَّنهما لكونهما (٢) إذ ذاك أكبر ملوك الأرض، وأكثرهم رعيَّةً، وأوسعهم بلادًا، وكلمة «مَنْ» في قوله: «ومَنِ النَّاسُ؟» بفتح الميم وكسر النُّون للسَّاكنين، للاستفهام الإنكاريِّ. والحديث من أفراده. ٧٣٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الرَّمليُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ) بضمِّ العين: حفص ابن ميسرة (الصَّنْعَانِيُّ، مِنَ اليَمَنِ) لا من صنعاء الشَّام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة مخفَّفةً (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ) بفتح السِّين، أي: طريق من (كَانَ قَبْلَكُمْ) وسقط لفظ (٣) «كان» لأبي ذرٍّ (شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ) بباء الجرِّ في «بذراعٍ» فقط، وللكُشميهنيِّ: «شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ» (٤) كذا في الفرع كأصله وقال في «الفتح»: «قوله: شبرًا شبرًا (٥) وذراعًا ذراعًا (٦)»، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «شبرًا بشبرٍ (٧) وذراعًا بذراعٍ» عكس الذي قبله (حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ) بضمِّ الجيم وسكون الحاء المهملة، والضَّبُّ: بالضَّاد المعجمة بعدها موحَّدةٌ مشددةٌ، وهو الحيوان البرِّيُّ المعروف، يشبه الورل، وقد قيل: إنَّه يعيش سبع مئة سنةٍ فصاعدًا،

стр. 12607

ويبول في كلِّ أربعين يومًا قطرةً، ولا تسقط له سِنٌّ (١)، وخُصَّ جُحْرُه بالذِّكر لشَّدة ضيقه، وهو كنايةٌ عن شدَّة الموافقة لهم في المعاصي لا في الكفر؛ أي: أنَّهم لاقتفائهم آثارَهم واتِّباعهم طرائقَهم لو دخلوا في مثل هذا الضِّيق لوافقوهم (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ) المُتَّبَعُون (٢) الَّذين قبلنا هم (اليَهُودَُ) بالرَّفع والنَّصب (وَالنَّصَارَى؟ قَالَ) ﷺ : (فَمَنْ) هم غير أولئك؟ «فمن» استفهامٌ إنكاريٌّ كالسَّابق، قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين القائل، ولا يُنافي هذا ما سبق من أنَّهم كفارس والرُّوم؛ لأنَّ الرُّوم نصارى، وفي الفرس كان يهود، مع أنَّ ذلك -كالشِّبر والذِّراع والطَّريق ودخول الجُحْر- على سبيل التَّمثيل، ويحتمل أن يكون الجواب اختلف بحسب المقام، فحيث قيل: «فارس والرُّوم» كان هناك قرينةٌ تتعلَّق بالحكم بين النَّاس وسياسة الرَّعيَّة، وحيث قيل: «اليهودُ والنَّصارى» كان هناك قرينةٌ تتعلَّق بأمور الدِّيانات أصولها وفروعها. والحديث سبق في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٦]. (١٥) (بابُ إِثْمِ مَنْ دَعَا) النَّاس (إِلَى ضَلَالَةٍ) لحديث: «من دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئًا» أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ من حديث أبي هريرة (أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً) لحديث: «ومن سنَّ في الإسلام سُنَّةً سيِّئةً كان عليه وزرُها ووزرُ من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا» رواه مسلمٌ من حديث جرير بن عبد الله البجليِّ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ … الآيَة [النحل: ٢٥]) في ﴿مِنْ﴾ وجهان: أحدهما أنَّها (٣) مزيدةٌ، وهو قول الأخفش؛ أي: وأوزار الَّذين، على معنى: ومثلُ أوزار؛ لقوله: «كان عليه وزرها ووزر من عمل بها» والثَّاني: أنَّها غير مزيدةٍ، وهي للتَّبعيض، أي: وبعضَ أوزار الَّذين، وقدَّر أبو البقاء مفعولًا حُذِف وهذه صفتُه، أي: وأوزارًا من أوزار،

стр. 12608

ولا بدَّ من حذف «مثل» أيضًا، ومنع الواحديُّ أن تكون للتَّبعيض، قال: لأنَّه يستلزم تخفيف الأوزار عن الأتْبَاع، وهو غير جائزٍ؛ لقوله ﵊: «من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ (١)» لكنَّها للجنس، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع، قال أبو حيَّان: والَّتي لبيان الجنس لا تتقدَّر هكذا، وإنَّما تتقدَّر: والأوزارَ الَّتي هي أوزار الَّذين، فهو من حيث المعنى كقول الأخفش وإن اختلفا في التَّقدير، و ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ من مفعول ﴿يُضِلُّونَهُم﴾ أي: يُضلُّون من لا يعلمُ أنَّهم ضُلَّالٌ -قاله في «الكشَّاف» - أو من الفاعل، ورُجِّح هذا بأنَّه (٢) هو المحدَّث عنه، وأوَّلُ الكلام قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ. لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) [النحل: ٢٤ - ٢٥] وقوله: ﴿لَهُم﴾ أي: لهؤلاء الكفَّار، و ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي: أحاديث الأوَّلين وأباطيلهم، واللَّام في ﴿لِيَحْمِلُواْ﴾ للتَّعليل، أي: قالوا ذلك إضلالًا للنَّاس، فحَمَلوا أوزار ضلالِهم كاملةً، وبعضَ أوزار -أو وأوزار (٤) - من ضلَّ بضلالهم، وهو وزرُ الإضلال؛ لأنَّ المُضِلَّ والضَّالَّ شريكان، وثبت قوله: «بغير علمٍ» لأبي ذرٍّ، وسقط له لفظ «الآية». ٧٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء مشددةً، الخارفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ) من بني آدم (تُقْتَلُ ظُلْمًا) بضمِّ الفوقيّة الأولى وفتح الثَّانية بينهما قافٌ ساكنةٌ (إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ) قابيل حيث قتل أخاه هابيل (كِفْلٌ) بكسر الكاف

стр. 12609

وسكون الفاء، نصيبٌ (مِنْهَا) قال الحُميديُّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة: (مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ أَوَّلًا) على وجه الأرض من بني آدم، وسقط لأبي ذرٍّ «أوَّل مَنْ». وفي الحديث الحثُّ على اجتناب البدع والمُحْدَثات في الدِّين؛ لأنَّ الذي يُحدِثُ البدعة ربَّما تهاون بها لخفَّة أمرها في الأوَّل، ولا يشعر بما يترتَّب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثمُ من عمل بها مِنْ بعده؛ إذ كان الأصلَ في إحداثها. والحديث سبق في «خلق آدم» [خ¦٣٣٣٥]. (١٦) (بابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح الذَّال المعجمة والكاف، و «النَّبيُّ» رفع فاعلٍ (وَحَضَّ) بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وضادٍ معجمةٍ مشدَّدةٍ، أي: حَرَّضَ (عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ) قال في «الكواكب»: في بعض الرِّوايات: «وما حضَّ عليه من اتِّفاق أهل العلم» وهو من باب تنازع العاملين؛ وهما: «ذَكَرَ» و «حَضَّ» (وَمَا أَجْمَعَ) بهمزة قطعٍ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وما اجتمع» بهمزة وصلٍ وزيادة فوقيَّةٍ بعد الجيم (عَلَيْهِ الحَرَمَانِ: مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ) أي: ما اجتمع عليه أهلهما من الصَّحابة، ولم يخالف صاحبٌ مَن غيرهما، والإجماع اتِّفاق المجتهدين من أمَّة محمَّدٍ ﷺ على أمرٍ من الأمور الدِّينيَّة، بشرط أن يكون بعد وفاته ﷺ ، فخرج بالمجتهدين العوامُّ، وعُلِمَ اختصاصه بالمجتهدين، والاختصاص بهم اتِّفاقٌ، فلا عبرة باتِّفاق غيرهم اتِّفاقًا، وعُلِمَ عدم انعقاده في حياته ﷺ من قوله: «بعد وفاته»، ووجهه أنَّه إن وافقهم فالحُجَّة في قوله، وإلَّا، فلا اعتبار بقولهم دونه، وعُلم أنَّ إجماع كلٍّ من أهل المدينة النَّبويَّة وأهل البيت النبويِّ -وهم فاطمة، وعليٌّ، والحسن، والحُسين ﵁ والخلفاء الأربعة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ ﵃، والشَّيخين: أبي بكرٍ وعمر، وأهل الحرمَين: مكَّة والمدينة، وأهل المِصْرَين: -الكوفة والبصرة- غير حُجَّةٍ؛ لأنَّه اجتهادُ بعض مُجتهدي (١) الأمَّة، لا كلُّهم، خلافًا لمالكٍ في

стр. 12610

إجماع أهل المدينة، وعبارة المؤلِّف تُشعِرُ بأنَّ اتِّفاق أهل الحَرمين كليهما إجماعٌ، لكن قال في «الفتح»: لعلَّه أراد التَّرجيح به (١) لا دعوى الإجماع (وَمَا كَانَ بِهَا) بالمدينة (مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ و) مشاهد (المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ ¬) عطفٌ على «مَشَاهِد» (وَالمِنْبَرِ وَالقَبْرِ) معطوفان عليه، وفيه تفضيل المدينة بما ذُكر، لا سيَّما وما بين القبر والمنبر روضةٌ من رياض الجنَّة، ومنبره على حوضه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما كان بهما» بلفظ التَّثنية، والإفرادُ أولى؛ لأنَّ ما ذكره في الباب كلُّه مُتعلِّقٌ بالمدينة وحدها، وقال في «الفتح»: والتَّثنية أَولى. ٧٣٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرامٍ بمهملةٍ وراءٍ (السَّلَمِيِّ) بفتحتين الأنصاريِّ، صحابيٌّ ابن صحابيٍّ غزا تسع عشرة غزوة ﵄ (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) قيل: اسمه قيس بن أبي حازمٍ، ورُدَّ بأنَّه (٢) تابعيٌّ كبيرٌ لا صحابيٌّ، أو هو قيس بن حازمٍ المنقريُّ الصَّحابيُّ (بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ) بفتح الواو وسكون العين: حُمَّى (بِالمَدِينَةِ، فَجَاءَ الأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) وسقط قوله «إلى» في رواية الكُشْمِيهَنيِّ، فـ «رسول» نصبٌ على ما لا يخفى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَقِلْنِي بَيْعَتِي) على الهجرة أو من المقام بالمدينة (فَأَبَى) بالموحَّدة: فامتنع (رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) أن يُقِيْلَه (ثُمَّ جَاءَهُ) مَرَّةً ثانيةً (فَقَالَ): يا رسول الله (أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى) أن يُقيله (ثُمَّ جَاءَهُ) الثَّالثة (فَقَالَ): يا رسول الله (أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى) أن يُقيله (فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ) من المدينة إلى البدو (فَقَالَ

стр. 12611

رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ) الَّذي يُنفَخُ به النَّار، أي (١): الموضع المُشتمل عليها (تَنْفِي خَبَثَهَا) بفتح الفوقيَّة وسكون النُّون وكسر الفاء، و «خَبَثَهَا» بفتح المعجمة والموحَّدة والمثلَّثة: ما يثيره من الوسخ (وَيَنْصَعُ) بالتَّحتيَّة وسكون النُّون بعدها صادٌ فعينٌ مهملتان: وَيَخلُصُ (طِيبُهَا) بكسر الطَّاء والتَّخفيف والرَّفع فاعلُ «يَنْصَع»، ولأبي ذرٍّ: «وتنصعُ» بالفوقيَّة «طِيبَهَا» بالنَّصب على المفعوليَّة، كذا في الفرع كأصله: «طِيْبها» بالتَّخفيف وكسر أوَّله في الرِّوايتين، وبه ضبط القزَّاز، لكنَّه استشكله فقال: لم أرَ للنُّصوع (٢) في الطِّيب ذكرًا، وإنَّما الكلام يتضوَّع بالضَّاد المعجمة وزيادة الواو الثَّقيلة. ومرَّ الحديث في «فضل المدينة» في أواخر «الحجِّ» [خ¦١٨٨٣] وفي «الأحكام» [خ¦٧٢١٦] ومطابقته لِمَا تُرجم به هنا من جهة الفضيلة الَّتي اشتمل (٣) على ذكرها كلٌّ منهما. ٧٣٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين بين فتحتين، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄

стр. 12612

قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ) بضمِّ الهمزة وسكون القاف، من الإقراء (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ) القرآن، وقول الدَّاوديِّ (١): «معنى أُقرِئُ رجالًا، أي: أتعلَّمُ منهم من القرآن؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان عند وفاة النَّبيِّ ﷺ إنَّما حفظ المُفصَّل من المهاجرين والأنصار» تُعقِّب (٢) بأنَّه (٣) خروجٌ عن الظَّاهر، بل عن النَّصِّ؛ لأنَّ قوله: «أُقرئ» معناه أُعلِّم، قال في «الفتح»: ويؤيِّده أنَّ في رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكرٍ عن الزُّهريِّ: «كنتُ أختلف إلى عبد الرَّحمن بن عوفٍ ونحن بمنًى مع عمر بن الخطَّاب، أُعلِّم عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرآنَ» أخرجه ابن أبي شيبة، وقد كان ابن عبَّاس ذكيًّا سريع الحفظ، وكان كثيرٌ من الصَّحابة لاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظًا، وكان من (٤) اتَّفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة النَّبويَّة، فكانوا يعتمدون على نُجَباء الأبناء، فيُقرِئُونهم تلقينًا للحفظ (فَلَمَّا كَانَ آخِرَ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ) ﵁ سنة ثلاثٍ وعشرين (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (بِمِنًى) بالتَّنوين وكسر الميم: (لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ) لشهدت عجبًا، فجواب «لو» محذوفٌ، أو كلمة «لو» للتَّمنِّي، فلا تحتاج إلى جوابٍ، ولم أعرف اسم الرَّجل، وفي «باب رجم الحُبْلى من الزِّنى» من «الحدود» [خ¦٦٨٣٠] قال: «كنت أُقرِئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرَّحمن بن عوفٍ، فبينا أنا في منزله بمنًى وهو عند عمر بن الخطَّاب في آخر حَجَّةٍ حجَّها؛ إذ رجع إليَّ عبد الرَّحمن فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم» (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (إِنَّ فُلَانًا) لم أقف على اسمه أيضًا (يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ) عمر (لَبَايَعْنَا فُلَانًا) يعني: طلحة بن عبيد الله أو عليًّا (فَقَالَ عُمَرُ: لأَقُومَنَّ العَشِيَّةَ فَأُحَذِّرَ) بالنَّصب، ولأبي ذرٍّ: بالرَّفع، وللكُشميهنيِّ: «فلأحذِّر» (هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ) بفتح التَّحتيَّة وسكون المعجمة وكسر المهملة، أي: يقصدون أمورًا ليست من وظيفتهم ولا مرتبتهم، فيريدون أن يباشروها بالظُّلم والغصب، قال عبد الرحمن: (قُلْتُ): يا أمير المؤمنين (لَا تَفْعَلْ) ذلك (٥) (فَإِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ) بفتح الرَّاء والعين المهملة

стр. 12613

وبعد الألف أخرى: جَهَلتَهم وأراذلَهم (يَغْلِبُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ويغلبون» (عَلَى مَجْلِسِكَ) يَكْثُرون فيه (فَأَخَافُ ألَّا يُنَْزِِّلُوهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح النُّون وكسر الزَّاي مشدَّدةً، وبسكون النُّون، أي: مقالتك (عَلَى وَجْهِهَا) وللكُشميهنيِّ: «وُجوهِها» (فَيُطِيرُ بِهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الطَّاء المهملة وسكون التَّحتيَّة (كُلُّ مُطِيرٍ) بضمِّ الميم مع التَّخفيف، أي: فينقُلها كلُّ ناقلٍ بالسُّرعة من غير تأمُّلٍ ولا ضبطٍ، ولأبي الوقت: «فَيُطَيِّرُها (١)» بتشديد التَّحتيَّة (فَأَمْهِلْ) بهمزة قطعٍ وكسر الهاء (حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ؛ دَارَ الهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ) بالنَّصب على البدليَّة من «المدينة» (فَتَخْلُصَُ) بضمِّ اللَّام والنَّصب لأبي ذرٍّ، ولغيره بالرَّفع، أي: حتَّى تقدم المدينة فتصل (بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فَيَحْفَظُوا) بالفاء، ولأبي الوقت: «ويحفظوا» بالواو (٢) (مَقَالَتَكَ، وَيُنَْزِِّلُوهَا) بالتَّخفيف والتَّشديد (عَلَى وَجْهِهَا، فَقَالَ) عمر ﵁: (وَاللهِ لأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵁ بالسَّند السَّابق: (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ) فجاء عمر يوم الجمعة حين زاغت الشَّمس، فجلس على المنبر، فلمَّا سكت المؤذِّن، قام (فَقَالَ) بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: (إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ) فيه -بفتح همزة «أَنزَل» - (آيَةَ الرَّجْمِ) بنصب «آية» وهي قوله ممَّا نُسِخَ لفظُهُ: «الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارجموهما ألبتَّة» ولأبي ذرٍّ: «أُنزِل» بضمِّ الهمزة وكسر الزَّاي «آيةُ الرَّجم» بالرَّفع، وسقطت التَّصلية بعد قوله «إنَّ الله بعث محمَّدًا» في رواية أبي ذرٍّ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من وصف المدينة بدار الهجرة والسنَّة، ومأوى المهاجرين والأنصار، والحديث أورده هنا باختصارٍ، وسبق في «باب رجم الحُبلى من الزِّنى» من «الحدود» [خ¦٦٨٣٠] مطوَّلًا.

стр. 12614

٧٣٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (١) قال (٢): (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية والمعجمة المشدَّدة والقاف: مصبوغان بالمِشْق -بكسر الميم وفتحها وسكون الشِّين- بالطِّين الأحمر (مِنْ كَتَّانٍ) والواو في قوله: «وعليه» للحال (فَتَمَخَّطَ) أي: استنثر (فَقَالَ: بَُخ بَُخ) بموحَّدةٍ مفتوحةٍ وتُضمُّ فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ فيهما مخفَّفةٍ وتُشدَّد: كلمةٌ تُقال عند المدح والرِّضا بالشَّيء، وقد تكون للمبالغة (٣) (أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الكَتَّانِ! لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي: لقد رأيت نفسي (وَإِنِّي لأَخِرُّ) أسقُطُ (فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ) ﵂ حال كوني (مَغْشِيًّا) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة، أي: مغمًى (عَلَيَّ) -بتشديد الياء- من الجوع، وللحَمُّويي والمُستملي: «عليه» بالهاء (فَيَجِيءُ الجَائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي) وللحَمُّويي والمُستملي: «على عنقه» (وَيُرَى) بضمِّ التَّحتيَّة: ويُظَنُّ (أَنِّي مَجْنُونٌ، وَ) الحال أنَّ (٤) (مَا بِي مِنْ جُنُونٍ، مَا بِي إِلَّا الجُوعُ) والغرض من الحديث هنا قوله: وإنِّي لأخرُّ ما (٥) بين المنبر والحجرة، وقال ابن بطَّالٍ عن المهلَّب: وجه دخوله في التَّرجمة الإشارة إلى أنَّه لمَّا صبر على الشِّدَّة الَّتي أشار إليها من

стр. 12615

أجل ملازمة النَّبيِّ ﷺ في طلب العلم جُوْزِي بما انفرد به من كثرة محفوظه ومنقوله من الأحكام وغيرها، وذلك ببركة صبره على المدينة. والحديث أخرجه التِّرمذيُّ في «الزُّهد». ٧٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) -بالمثلَّثة- العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ) -بالعين المهملة وبعد الألف موحَّدةٌ مكسورةٌ فمهملةٌ- ابن ربيعة النَّخعيِّ أنَّه (قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ بضمِّ السِّين وكسر الهمزة: (أَشَهِدْتَ) بهمزة الاستفهام، أي: أحضرت (العِيدَ) أي: صلاته (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَنْزِلَتِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنَ الصِّغَرِ) أي: ما حضرت العيد، وسبق في «باب العَلَم الَّذي بالمُصَلَّى» من «العيدين» [خ¦٩٧٧] «ولولا مكاني من الصِّغر ما شهدته» وهو يدلُّ على أنَّ الضَّمير في قوله: «منه» يعود على غير المذكور (١) وهو الصِّغر (٢)، ومشى بعضهم على ظاهر ذلك السِّياق، فقال: إنَّ الضَّمير يعودُ على النَّبيِّ ﷺ ، والمعنى لولا منزلتي من النَّبيِّ ﷺ ما شهدتُ معه العيد، وهو مُتَّجهٌ، لكنَّ (٣) السِّياق يخالفه، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الغالب أنَّ الصِّغر في مثل هذا يكون مانعًا، لا مُقتضِيًا، فلعلَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، ويكون قوله: «من الصِّغر» متعلِّقًا بما بعده، فيكون المعنى لولا منزلتي من النَّبيِّ ﷺ ما حضرت معه لأجل صغري، ويمكن حمله على ظاهره، وأراد بشهوده ما وقع من وعظه للنِّساء؛ لأنَّ الصِّغر يقتضي أن يُغتَفَر له الحضورُ معهنَّ، بخلاف الكبر (٤) (فَأَتَى) ﵊ (العَلَمَ) بفتحتين (الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ) بالمثلَّثة، و «الصَّلْت» -بفتح الصَّاد المهملة وسكون

стр. 12616

اللَّام بعدها فوقيَّة- ابن مَعْدِيْكَرِب الكنديُّ (فَصَلَّى) ﵊ العيد بالنَّاس (ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ) ولأبي ذرٍّ: «فلم (١)» «بالفاء» بدل: «الواو»، (يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَمَرَ) ﵊ (بِالصَّدَقَةِ) وفي «العيدين» [خ¦٩٧٧] «ثمَّ خطب، ثمَّ أتى (٢) النِّساء ومعه بلالٌ، فوعظهنَّ وذكَّرهنَّ، وأمرهنَّ (٣) بالصَّدقة» (فَجَعَلَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فَجَعَلْنَ» (النِّسَاءُ يُشِرْنَ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر المعجمَة وسكون الرَّاء، وفي «العيدين» [خ¦٩٧٧] فرأيتهنَّ يهوينَ بأيديهنَّ (إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ، فَأَمَرَ) ﵊ (بِلَالًا) أن (٤) يأتيهنَّ ليأخذ منهنَّ ما يتصدَّقن به (فَأَتَاهُنَّ) فجعلن يُلقين في ثوبه الفتخ والخواتيم (٥) (ثُمَّ رَجَعَ) بلالٌ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فأتى العَلَم الذي عند دار كثيرٍ» وقال المهلَّب -فيما ذكره عنه ابن بطَّالٍ-: شاهد التَّرجمة قول ابن عبَّاسٍ: «ولولا مكاني من الصِّغر ما شهدته»؛ لأنَّ معناه أنَّ صغير أهل المدينة وكبيرهم ونساءهم وخدمهم ضبطوا العَلَم معاينةً منهم في مواطن العمل من شارعها المبيِّن عن الله تعالى، وليس لغيرهم هذه المنزلة، وتُعُقِّب بأنَّ قول ابن عبَّاسٍ: «من الصِّغر ما شهدته» إشارةٌ منه إلى أنَّ الصِّغر مَظِنَّة عدم الوصول إلى المقام الذي شاهد فيه النَّبيَّ ﷺ حين سمع كلامه وسائر ما قصَّه، لكن لمَّا كان ابن عمِّه، وخالته أمُّ المؤمنين وصل بذلك إلى المنزلة المذكورة، ولولا ذلك؛ لم يصِلْ، ويؤخَذ منها نفي التَّعميم الذي ادَّعاه المهلَّب، وعلى تقدير تسليمه فهو خاصٌّ بمن شاهد ذلك وهم الصَّحابة، فلا يشاركهم فيه مَن بعدهم بمجرَّد كونه من أهل المدينة، قاله في «فتح الباري». والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٦٣] وفي «العيدين» [خ¦٩٧٧].

стр. 12617

٧٣٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) مولاه (¬﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً) بضمِّ القاف ممدودًا، وقد يُقصر، ويُذكَّر على أنَّه اسم موضعٍ فيُصَرف، ويؤنَّث على أنَّه اسم بقعةٍ فلا يُصرَف؛ للتَّأنيث والعلميَّة، أي: يأتي مسجد قُباءٍ حال كونه (مَاشِيًا) مرَّةً (وَرَاكِبًا) أخرى، وفي «باب من أتى مسجد قُباءٍ» من أواخر «الصَّلاة» [خ¦١١٩١]: «يأتي مسجد قُباءٍ كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا»، وللكُشميهنيِّ: «راكبًا وماشيًا» (١) بالتَّقديم والتَّأخير، قال المهلَّب: المراد مُعاينة النَّبيِّ ﷺ ماشيًا وراكبًا في قصده مسجد قباءٍ، وهو مشهدٌ من مشاهده ﷺ ، وليس ذلك بغير المدينة. والحديث مضى في أواخر «الصَّلاة» في ثلاثة أبوابٍ متواليةٍ أوَّلها: «باب مسجد قُباءٍ» [خ¦١١٩١] [خ¦١١٩٣] [خ¦١١٩٤]. ٧٣٢٧ - ٧٣٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّاريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّها (قَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام ابن أسماء أُخت عائشة ﵂: (ادْفِنِّي) إذا متُّ (مَعَ صَوَاحِبِي) بالتَّخفيف أُمَّهاتِ المؤمنين ﵅ بالبقيع (وَلَا تَدْفِنِّي) بفتح الفوقيَّة وكسر الفاء وتشديد النُّون (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي البَيْتِ) في حجرتي التي دُفِنَ فيها النَّبيُّ ﷺ وصاحباه (فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُزَكَّى) بضمِّ الهمزة وفتح الزَّاي

стр. 12618

والكاف المشدَّدة، كرهتْ أن يُثنى عليها بما ليس فيها، بل بمجرَّد كونها مدفونةً (١) عنده ﷺ وصاحبيه دون سائر أُمَّهاتِ المؤمنين، فيظنَّ أنَّها خُصَّت بذلك دونهنَّ لمعنًى فيها ليس فيهنَّ، وهذا منها غايةٌ في التَّواضع. (وَعَنْ هِشَامٍ) بالسَّند السَّابق ممَّا وصله الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر (عَنْ أَبِيهِ) عروة: (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ) ﵂، قال الحافظ ابن حجرٍ: هذا صورتُه الإرسال؛ لأنَّ عروة لم يُدرك زمن إرسال عمر إلى عائشة، لكنَّه محمولٌ على أنَّه حمله عن عائشة، فيكون موصولًا: (ائْذَنِي لِي أَنْ أُدْفَنَ) بضمِّ الهمزة وفتح الفاء (مَعَ صَاحِبَيَّ) النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ (فَقَالَتْ: إِيْ) بكسر الهمزة وسكون التَّحتيَّة (وَاللهِ) حرف جوابٍ بمعنى (٢): نعم، ولا تقع إلَّا مع القَسَم (قَالَ) عروة بن الزُّبير: (وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ) يسألُها أن يُدفن معهم، وجواب الشَّرط قوله: (قَالَتْ: لَا وَاللهِ، لَا أُوثِرُهُمْ) بالمثلَّثة (بِأَحَدٍ أَبَدًا) أي: لا أتبعهم بدفن أحدٍ، وقال ابن قُرْقُولٍ: هو من باب القلب، أي: لا أُوثر بهم أحدًا، ويحتمل أن يكون: لا أُثيرهم بأحدٍ، أي: لا أنبشهم لدفن أحدٍ، والباء بمعنى اللَّام، واستشكله السَّفاقسيُّ بقولها في قصَّة عمر: «لأوثرنَّه على نفسي»، وأجاب باحتمال أن يكون الَّذي آثرته به المكان الذي دُفِن فيه من وراء قبر أبيها بقرب النَّبيِّ ﷺ ، وذلك لا ينفي وجود مكانٍ آخر في الحجرة. والحديث من أفراده.

стр. 12619

٧٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن (١) بلالٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) واسم أبي بكرٍ عبد الحميد، وأبي أويسٍ عبد الله، الأصبحيُّ الأعشى (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) أبي محمَّد مولى الصِّدِّيق (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) -بفتح الكاف- المدنيِّ أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ، فَيَأْتِي العَوَالِيَ) بفتح العين والواو المخفَّفة: جمع عاليةٍ، أي: المرتفع من قرى المدينة من جهة نجدٍ (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) أي: والحال أنَّ الشَّمس مرتفعةٌ (وَزَادَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله البيهقيُّ (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ: (وَبُعْدُ العَوَالِي) بضمِّ الموحَّدة وسكون العين (أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ) والأميال: جمع مِيْلٍ، وهو ثلث الفرسخ، وقيل: هو (٢) مدُّ البصر، والشَّكُّ من الرَّواي. ومطابقة الحديث للتَّرجمة قيل: من قوله: «فيأتي العوالي» لأنَّ إتيانه إلى العوالي يدلُّ على أنَّ العوالي من جملة مشاهده في المدينة. ٧٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين في الأوَّل وضمِّ الزَّاي وتكرير الرَّاء بينهما ألفٌ، الكلابيُّ النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ) أبو جعفر المزنيُّ الكوفيُّ (عَنِ الجُعَيْدِ) بضمِّ الجيم وفتح (٣) العين مصغَّرًا وقد يُستعمل مكبَّرًا، ابن عبد الرَّحمن بن أويسٍ الكنديِّ المدنيِّ أنَّه قال: (سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) الكنديَّ، له ولأبيه صحبةٌ ﵄ (يَقُولُ: كَانَ الصَّاعُ) جمعه أَصْوُع، بوزن أَفْلُس، قال الجوهريُّ: وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزةً. انتهى. ويقال فيه أيضًا: أصوُع على القلب، أي: تحويل العين إلى ما قبل الفاء مع

стр. 12620

قلب الواو همزة فتجتمع همزتان، فتُبدل الثَّانية ألفًا؛ لوقوعها ساكنةً بعد همزةٍ مفتوحةٍ، وكان (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا) نَصْبٌ خبرُ «كان»، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «مدٌّ وثلثٌ» بالَّرفع، على طريق من يكتب المنصوب بغير ألفٍ، وقال في «الكواكب»: أو يكون في «كان» ضمير الشَّأن، فيرتفع على الخبر (بِمُدِّكُمُ اليَوْمَ) وكان الصَّاع في زمنه ﷺ أربعة أمدادٍ، والمدُّ: رطلٌ وثُلث رطلٍ عراقيّ (وَقَدْ زِيدَ فِيهِ) أي: في الصَّاع زمن عمر بن عبد العزيز حتَّى صار مُدًّا وثُلث مدٍّ من الأمداد العمريَّة (سَمِعَ القاسِمُ بنُ مالِكٍ الجُعَيْدَ) يُشير إلى ما سبق في «كفَّارة الأيمان» [خ¦٦٧١٢] عن عثمان بن أبي شيبة عن القاسم: حدَّثنا الجُعَيد، وفي رواية زياد (١) بن أيُّوب (٢) عن القاسم بن مالكٍ قال: أخبرنا الجُعيد … ، أخرجه الإسماعيليُّ، وقوله: «سمع … » إلى آخره ثابتٌ (٣) لأبوي ذرٍّ والوقت فقط. ومناسبة الحديث للتَّرجمة -كما في «الفتح» -: أنَّ الصَّاع ممَّا اجتمع عليه أهل الحرمين بعد العهد النَّبويِّ واستمرَّ، فلمَّا زاد بنو أميَّة في الصَّاع لم يتركوا اعتبار الصَّاع النَّبويِّ فيما ورد فيه التَّقدير بالصَّاع من زكاة الفطر وغيرها، بل استمرُّوا على اعتباره في ذلك، وإن استعملوا الصَّاع الزَّائد (٤) في شيءٍ غير ما وقع التَّقدير فيه (٥) بالصَّاع كما نبَّه عليه مالكٌ، ورجع إليه أبو يوسف في القصَّة المشهورة. والحديث سبق في «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٢] وأخرجه النَّسائيُّ. ٧٣٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ

стр. 12621

أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ) زِدْ (لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، يَعْنِي) ﷺ (أَهْلَ المَدِينَةِ) قال القاضي عياضٌ: ويحتمل أن تكون هذه البركة دينيَّةً، وهو ما يتعلَّق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزَّكوات (١) والكفَّارات، فيكون بمعنى البقاء لها لبقاء الحكم بها ببقاء الشَّريعة وثباتها، وأن تكون دنيويَّةً من تكثير المال والقدر بها حتَّى يكفي منها ما لا يكفي من غيرها (٢)، أو ترجع البركة إلى التَّصرُّف بها في التِّجارة (٣) وأرباحها، وإلى كثرة ما يُكال بها من غلَّاتها وأثمارها، أو لاتِّساع عيش أهلها بعد ضيقه؛ لما فتح الله عليهم ووسَّع من فضله لهم بتمليك البلاد والخصب والرِّيف بالشَّام والعراق وغيرهما، حتَّى كَثُر الحَمْلُ إلى المدينة، وفي هذا كلِّه ظهور إجابة دعوته ﷺ وقبولها. انتهى. ورجَّح النَّوويُّ كونها في نفس المكيل بالمدينة، بحيث يكفي المدُّ فيها لمن (٤) لا يكفيه في غيرها، وقال الطِّيبيُّ: ولعلَّ الظَّاهر هو قول القاضي: «أو لاتِّساع عيش أهلها … » إلى آخره؛ لأنَّه ﷺ قال: «وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم (٥) لمكَّة» ودعاء إبراهيم هو قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] يعني: وارزقهم من الثَّمرات بأن تجلب إليهم من البلاد؛ لعلَّهم يشكرون النِّعمة في (٦) أن يُرزقوا أنواع الثَّمرات في وادٍ ليس فيه لحمٌ ولا شجرٌ ولا ماءٌ، لا جرم أنَّ الله أجاب دعوته، فجعله حرمًا آمنًا يُجبَى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ رزقًا من لدنه، ولعمري إنَّ دعاء حبيب الله ﷺ استُجيب لها، وضاعف خيرها على خيرها (٧) بأن جلب إليها في زمن الخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم من مشارق الأرض ومغاربها من كنوز كسرى وقيصر وخاقان ما لا يُحصَى ولا يُحصَر، وفي آخر الأمر يأرز الدِّين إليها من أقاصي الأراضي وشاسع البلاد، وينصر هذا التَّأويل قوله في

стр. 12622

حديث أبي هريرة: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى، ومكَّة أيضًا من مأكولها». انتهى. ومطابقة الحديث للتَّرجمة كالذي قبله كما لا يخفى، وسبق في «البيوع» [خ¦٢١٣٠] و «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٤] وأخرجه «مسلمٌ» و «النَّسائيُّ». ٧٣٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق القرشيُّ الحِزَاميُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياضٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄: (أَنَّ اليَهُودَ) من خيبر، وذكر الطَّبريُّ وغيره -كما مرَّ (١) - في «المحاربين» [خ¦٦٨٤١] أنَّ منهم كعبَ بنَ الأشرف، وكعبَ بنَ أسد (٢)، وسعيدَ بنَ عمرٍو، ومالكَ بن الصَّيف، وكنانةَ بنَ أبي الحقيق، وغيرَهم (جَاؤُوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسقط لفظ «إلى» لأبي ذرٍّ عن المُستملي، فالتَّالي منصوبٌ (بِرَجُلٍ) لم يُسَمَّ (٣) (وَامْرَأَةٍ) اسمها بُسْرة بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة (زَنَيَا) وكانا مُحصَنين (فَأَمَرَ) ﷺ (بِهِمَا) بالزَّانيين (فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ الجَنَائِزُ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الضَّاد المعجمة، بينهما واوٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «حيث مَوضع الجنائزِ» بميمٍ مفتوحةٍ بدل الفوقيَّة، و «الجنائز» جُرَّ بالإضافة (عِنْدَ المَسْجِدِ) النَّبويِّ، ومطابقته (٤) للتَّرجمة في قوله: «حيث تُوضَع الجنائز» إذ هي من المشاهد الكريمة المصرَّح بها في قوله: «ومُصلَّى النَّبيِّ ﷺ ». وسبق الحديث بأتمَّ من هذا في «المحاربين» في «باب أحكام أهل الذِّمَّة» [خ¦٦٨٤١].

стр. 12623

٧٣٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويَسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين ابن أبي عمرٍو ميسرة (مَوْلَى المُطَّلِبِ) المدنيِّ أبي (١) عثمان (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَلَعَ) أي: بدا (لَهُ أُحُدٌ) الجبل المشهور عند رجوعه من خيبر (٢) سنة ستٍّ أو سبعٍ (فَقَالَ: هَذَا) مشيرًا إلى أُحُدٍ (جَبَلٌ يُحِبُّنَا) حقيقةً بأن خلق (٣) الله تعالى فيه الإدراك والمحبَّة (وَنُحِبُّهُ) إذ جزاء المحبَّة المحبَّة، وقيل: إنَّه محمولٌ على المجاز، أي: يحبنُّا أهلُه ونحبُّ أهلَه -وهم الأنصار- أو المراد نحبُّ أُحُدًا بأهله؛ لأنَّه في أرض من نحبُّ، والأَولى -كما في «شرح السُّنَّة» - إجراؤه على ظاهره، ولا يُنكَر وصف الجمادات بحبِّ الأنبياء والأولياء وأهل الطَّاعة، وهذا هو المختار الذي لا محيد عنه، على أنَّه يحتمل أنَّه أراد بالجبل أرض المدينة كلَّها، وخصَّ الجبل بالذِّكر؛ لأنَّه أوَّل ما يبدو من أعلامها (٤)؛ لقوله أوَّلًا في الحديث: طلع له أُحُدٌ، وقوله ثانيًا: (اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) خليلك (حَرَّمَ مَكَّةَ) بتحريمك لها على لسانه (وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أي: لابتي المدينة، تثنية لابةٍ، وهي الحَرَّة؛ إذ المدينة بين حَرَّتين، وإلى معنى الأوَّل يُلْمِح قولُ بلالٍ: وهل يَبْدُوَنَّ لي شامة وطفيل وليس المتمنَّى ظهور هذين الجبلين، بل لأنَّهما من أعلام مكَّة.

стр. 12624

والحديث مرَّ في «الجهاد» في «باب فضل الخدمة في الغزو» [خ¦٢٨٨٩] وفي «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٦٧] و (١) آخر «غزوة أحد» [خ¦٣٠٨٥]. (تَابَعَهُ) أي: تابع أنسَ بن مالكٍ (سَهْلٌ) بفتح السِّين المهملة، ابن سعدٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي) قوله: (أُحُدٍ) جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه، لا في قوله: «اللَّهمَّ إنَّ إبراهيم … » إلى آخره، وسبق هذا مُعلَّقًا عن سليمان بلفظ: وقال سليمان، عن سعد بن سعيدٍ، عن عُمارة بن غزيَّة، عن عبَّاسٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أُحُدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» [خ¦١٤٨٢] وعبَّاسٌ هو ابن سهل ابن سعدٍ المذكور. ٧٣٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد (٢) بن أبي مريم المصريُّ (٣) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة المفتوحة والسِّين المهملة المشدَّدة، محمَّد بن مُطَرِّفٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمة بن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلٍ) بفتح السِّين ابن سعدٍ السَّاعديِّ ﵁ (أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ جِدارِ المَسْجِدِ) النَّبويِّ (مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ وَبَيْنَ المِنْبَرِ مَمَرُّ الشَّاةِ) أي: موضع مرورها، وهو بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أو «ممرُّ» اسم «كان» بتقدير نحو «قَدْر» والظَّرف الخبر، وفي «باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلَّى والسُّترة؟» أوائل «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٩٦] عن سهلٍ قال: «كان بين مصلَّى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممرُّ الشَّاة».

стр. 12625

٧٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم، ابن بحر بن كَنِيزٍ -بالنُّون والزَّاي- أبو حفصٍ الباهليُّ الفلَّاس الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بفتح الميم وكسر الدَّال بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ابن حسَّان الحافظ أبو سعيدٍ البصريُّ اللُّؤلؤيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام الأعظم (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الموحَّدة الأولى، الأنصاريِّ المدنيِّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أي: ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا بَيْنَ بَيْتِي) أي: قبري وهو في (١) منزله (وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ) مقتطعة منها، كالحجر الأسود، أو تنقل إليها، كالجذع الذي حنَّ إليه صلوات الله وسلامه عليه، أو هو مجازٌ، بأن يكون من إطلاق المسبَّب على السَّبب؛ لأنَّ ملازمة ذلك المكان للعبادة سببٌ في نيل الجنَّة، وفيه نظرٌ سبق في أواخر (٢) «الحجِّ» [خ¦١٨٨٨] (وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي) أي: يُوضَع بعينه يوم القيامة عليه، والقدرة صالحةٌ لذلك، وسبق مزيدٌ لذلك في «الحجِّ» [خ¦١٨٨٨] ومطابقته هنا ظاهرةٌ، والمراد بحوضه نهر الكوثر الكائن داخل الجنَّة، لا حوضه الذي خارجها المستمدُّ من الكوثر، أو أنَّ له هناك منبرًا على حوضه يدعو النَّاس عليه (٣) إليه. ٧٣٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) -بضمِّ الجيم- ابن أسماء البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمر ﵄ أنَّه (قَالَ: سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الخَيْلِ، فَأُرْسِلَتِ) الخيل (الَّتِي ضُمِّرَتْ) بضمِّ الضَّاد المعجمة وتشديد الميم مكسورةً، و «أُرسلِت» بضمِّ الهمزة، والتَّضمير هو أن تعلف الفرس حتَّى تسمن، ثمَّ تُرَدَّ إلى القوت، وذلك في أربعين يومًا، وقال الخطَّابيُّ: تضمير الخيل أن يُظاهَر عليها بالعلف مدَّةً، ثمَّ تغشى

стр. 12626

بالجِلال (١) ولا تُعلَف إلَّا قوتًا حتَّى تعرق، فتذهب كثرة لحمها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فَأَرْسَلَ» بفتح الهمزة، أي: فأرسل النَّبيُّ ﷺ الخيل التي ضُمِّرت (مِنْهَا) من الخيول (وَأَمَدُهَا) بفتح الهمزة والميم المخفَّفة: غايتها (إِلَى الحَفْيَاءِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها تحتيَّةٌ، مهموزٌ ممدودٌ، موضعٌ بينه وبين المدينة خمسة أميالٍ أو ستَّةٍ، وسقطت «إِلَى» لأبي ذرٍّ، فـ «الحفياء» رفع (إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ) بفتح الواو، موضعٌ (٢) (وَالَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ أَمَدُهَا) غايتها (ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) من الأنصار، وزيد في المسافة للمُضمَّرة لقوَّتها، وقُصِرَ منها لِما لم تُضمَّر لقصورها عن شَأْوِ ذات التَّضمير؛ ليكون عدلًا بين النَّوعين، وكلُّه إعدادٌ للقوَّة في إعزاز كلمة الله؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ [الأنفال: ٦٠] (وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن عمر ﵄ (كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ) قال المهلَّب -فيما نقله عنه ابن بطَّالٍ في حديث سهلٍ-: في مقدار ما بين الجدار والمنبر سُنَّةٌ مُتَّبَعةٌ في موضع المنبر؛ لِيُدخَل إليه من ذلك الموضع، ومسافة ما بين الحَفياء والثَّنيَّة لمسابقة الخيل سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، أي (٣): يكون ذلك سُنَّةً متَّبعَةً ومبدءًا (٤) للخيل (٥) المضمَّرة عنده (٦) عند السِّباق (٧). والحديث سبق في «الصَّلاة» في «باب هل يُقال: مسجد بني فلانٍ» [خ¦٤٢٠] وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «وأمدها … » إلى آخره، وثبت لغيره. وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ (عَنْ لَيْثٍ) هو ابن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) عبد الله بهذا، وهذا (٨) الطَّريق -كما قال في «الفتح الباري» - يتعلَّق (٩)

стр. 12627

بالمسابقة (١)، فهو متابعةٌ لرواية جويرية بن أسماء السَّابقة عن نافعٍ. (ح) للتَّحويل. ٧٣٣٧ - قال المؤلِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» بسقوط الواو وبالجمع (إِسْحَاقُ) هو ابن إبراهيم المعروف بابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعَيمٍ والكلاباذيُّ وغيرهما، قال: (أَخْبَرَنَا عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق -عمرو بن عبد الله- الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ (وَابْنُ إِدْرِيسَ) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الكوفيُّ (وَابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ) بفتح الغين المعجمة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة المفتوحة، هو يحيى بن عبد الملك بن حُمَيد بن أبي غنيَّة الكوفيُّ الأصبهانيُّ الأصل، ثلاثتهم (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والتَّحتيَّة المشدَّدة وبعد الألف نونٌ، يحيى بن سعيد بن حيَّان، التَّيميِّ تيم الرَّباب (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄¬) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وسبق تمامه في «الأشربة» في «باب ما جاء في أنَّ الخمر ما خامر العقل» [خ¦٥٥٨٨] فقال: «إنَّه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتَّمر والحنطة والشَّعير والعسل، والخمر ما خامر العقل … » الحديث، ففي سياق المؤلِّف له هنا فيه إجحافٌ في الاختصار، ولذا استَشكل سياقه مع سابقه بعض الشّرَّاح، فظنَّ أنَّ سياق حديث قتيبة السَّابق لهذا الحديث الذي هو حديث ابن عمر عن عمر المختصر من حديث الأشربة هذا (٢)، قال في «الفتح»: وهو غلطٌ فاحشٌ، فإنَّ حديث عمر من أفراد الشَّعبيِّ عن ابن عمر عن عمر، وسبب هذا الغلط ما ذكرته من المبالغة في الاختصار، فلو قال بعد قوله في حديث قتيبة بعد قوله: «عن ابن عمر» بهذا كما ذكرته؛ لارتفع الإشكال كذا قرَّره في «الفتح»، فليُتأمَّل. فإنَّ ظاهر التَّحويل يشعر (٣) بأنَّ السَّابق للَّاحق وإن لم يكن بلفظه على

стр. 12628

ما هي (١) عادة المؤلِّف وغيره، وقال العينيُّ بعد إيراده لذلك: أخرجه من طريقين: أحدهما عن قتيبة، والآخر عن إسحاق، وقد سقط قوله «حدَّثنا قتيبة (٢) … » إلى قوله «حدَّثني إسحاق» لغير كريمة، وثبت لها. ٧٣٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) الصَّحابيُّ ﵁ أنَّه (سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ﵁ حال كونه (خَطِيبًا) وفي روايةٍ: «خطبنا» بنون المتكلِّم مع غيره بلفظ الماضي، وهو الذي في «اليونينيَّة» أي: خطبنا عثمان (عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا حديثٌ أخرجه أبو عُبيدٍ في «كتاب الأموال» من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ، فزاد فيه: يقول: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دينٌ فليؤدِّه … ». ٧٣٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، أبو بكرٍ العبديُّ مولاهم الحافظ بُندارٌ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالسِّين المهملة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) القُرْدُوسِيُّ -بضمِّ القاف والدَّال المهملة بينهما راءٌ ساكنةٌ وسينٍ (٣) مهملةٍ مكسورةٍ- الأزديُّ مولاهم الحافظ: (أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ) ولأبي ذرٍّ: «قد كان» (يُوضَعُ لِي وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا المِرْكَنُ) بكسر الميم وفتح الكاف (٤) بينهما راءٌ ساكنةٌ بعدها نونٌ، الإِجَّانة التي يغسل فيها الثِّياب، قاله

стр. 12629

الكِرمانيُّ وغيره، وقال الخليل: شِبْه تَوْر من أدمٍ، وقال غيره: شِبْه حوضٍ من نحاسٍ، قال في «الفتح»: وأبعد من فسَّره بالإِجَّانة -بكسر الهمزة وتشديد الجيم ثمَّ نونٌ- لأنَّه فسَّر الغريب بمثله، والإجَّانة هي القِصريَّة، بكسر القاف، قال العينيُّ متعقِّبًا: قال ابن الأثير: المِرْكَن: الإجَّانة التي يُغسَل فيها الثِّياب، والميم زائدةٌ، وكذا فسَّره الأصمعيُّ (فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا) أي: نتناول منه بغير إناءٍ، وسبق في «باب غُسل الرَّجل مع امرأته» [خ¦٢٥٠] من «كتاب الغسل»: قالت: «كنت أغتسل أنا والنَّبيُّ ﷺ من إناءٍ واحدٍ من قدحٍ يُقال له: الفَرَقُ»، قال ابن بطَّالٍ -فيما حكاه في «الفتح» عنه (١) -: فيه سنَّةٌ متَّبعَةٌ لبيان مقدار ما يكفي الزَّوج والمرأة إذا اغتسلا (٢). ٧٣٤٠ - ٧٣٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ، قال (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة فيهما ابن حبيب بن المهلَّب المهلَّبيُّ (٣) أبو معاوية من علماء البصرة قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ) بن سليمان أبو عبد الرَّحمن البصريُّ الحافظ (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: حَالَفَ) بالحاء المهملة وباللَّام المفتوحة بعدها فاءٌ، أي: عاقَدَ (النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الأَنْصَارِ) من الأوس والخزرج (وَقُرَيْشٍ) من المهاجرين على التَّناصر والتَّعاضد (فِي دَارِي الَّتِي بِالمَدِينَةِ) وهذا موضع التَّرجمة، وهو (٤) آخر هذا الحديث، والتَّالي (٥) حديثٌ آخر، وهو قوله: (وَقَنَتَ) ﵊ (شَهْرًا) بعد الرُّكوع (يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة

стр. 12630

(مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام؛ لأنَّهم غدروا بالقرَّاء وقتلوهم، وكانوا سبعين من أهل الصُّفَّة يتفقرون العلم ويتعلَّمون القرآن، وكانوا ردءًا للمسلمين إذا نزلت بهم نازلةٌ، وكانوا حقًّا عمَّار المسجد وليوث الملاحم، ولم ينجُ منهم إلَّا كعب بن زيدٍ الأنصاريُّ من بني النَّجَّار؛ فإنَّه تخلَّص وبه رمقٌ، فعاش حتَّى استُشهِد يوم الخندق، وكان ذلك في السَّنة الرَّابعة، وفي روايةٍ بـ «المغازي» [خ¦٤٠٩٠]: «قنت شهرًا في صلاة الصُّبح يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب -على رِعلٍ وذكوان وعُصَيَّة وبني لَحيان-» وساق المؤلِّف هنا حديثين اختصرهما، وسبق كلٌّ منهما أتمَّ (١) ممَّا ذكره هنا. ٧٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ بالجمع (٢) (أَبُو كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف، محمَّد بن العلاء قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضمِّ الهمزة، حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء، ابن عبد الله بن أبي بردة بن (٣) أبي موسى الأشعريِّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامرٍ أو الحارث، أنَّه (قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ) طيبة (فَلَقِيَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، وعند عبد الرَّزَّاق من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه (٤) قال: «أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلامٍ

стр. 12631

لأتعلَّم منه، فسألني: من أنت؟ فأخبرته، فرحَّب بي» (فَقَالَ لِي: انْطَلِقْ إِلَى المَنْزِلِ) أي: انطلق معي إلى منزلي، فـ «أل» بدلٌ من المضاف إليه (فَأَسْقِيَكَ) بالنَّصب (فِي قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ) إلى منزله (فَسَقَانِي) ولأبي ذرٍّ: «فأَسقاني» بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد الفاء (سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا، وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ) وفي «المناقب» [خ¦٣٨١٤] فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟ بالتَّنكير للتَّعظيم بدخول (١) رسول الله ﷺ فيه. ٧٣٤٣ - به قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) -بكسر العين- أبو زيدٍ الهرويُّ نسبةً لبيع الثِّياب الهرويَّة قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهنائيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) -بالمثلَّثة- الإمام أبي نصرٍ اليماميِّ الطَّائيِّ مولاهم، أحد الأعلام، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ ولأبي ذرٍّ: «قال: حدَّثني» -بالإفراد- «ابن عبَّاسٍ»: (أَنَّ عُمَرَ) بن الخطَّاب (¬﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢) (النَّبِيُّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي) ملكٌ أو هو (٣) جبريل (وَهْوَ بِالعَقِيقِ) وادٍ بظاهر المدينة (أَنْ صَلِّ) سُنَّة الإحرام (فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ) فيه أنَّه كان قارنًا، ورُوِي بالنَّصب بفعلٍ مقدَّرٍ، نحو نويت أو أردت عمرةً وحجَّةً.

стр. 12632

وسبق الحديث في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٣٤]. (وَقَالَ هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو الحسن الخزَّاز -بالمعجَمات- البصريُّ، ممَّا وصله عبد بن حميدٍ في «مسنده» وعمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» كلاهما عنه: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المبارك، فقال في روايته: (عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) أي: مدرجةٌ في حجَّةٍ، فخالف سعيد بن الرَّبيع في قوله: «عمرة وحجَّة»، بواو العطف. ٧٣٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ (١) يُوسُفَ) البيكنديُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) المدنيِّ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ أنَّه قال: (وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بتشديد القاف، أي: جعل حدًّا يُحَرم منه ولا يُتجاوَز، أو من الوقت على بابه؛ يعني: أنَّه علَّق الإحرام بالوقت الَّذي يكون الشَّخص فيه مُحرِمًا (٣) في هذه الأماكن، فعيَّن (قَرْنًا) بفتح القاف وسكون الرَّاء، وهو على مرحلتين من مكَّة (لأَهْلِ نَجْدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم بعدها دالٌ مهملةٌ، وهو ما ارتفع، والمراد هنا ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق (وَ) عيَّن (الجُحْفَةَ) بالجيم المضمومة والحاء المهملة السَّاكنة بعدها فاءٌ: قريةٌ على خمس أو ستِّ مراحل من مكَّة (لأَهْلِ الشَّأْمِ) زاد النَّسائيُّ: «ومصر» (وَذَا الحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المهملة وبالفاء مصغَّرًا، مكانٌ بينه وبين مكَّة مئتا ميلٍ غير ميلين، وبين المدينة ستَّة أميالٍ (لأَهْلِ المَدِينَةِ) النَّبويَّة فـ «أل» في «المدينة» للغلبة كـ «العقبة» لعقبة أيلة، و «البيت» للكعبة (قَالَ) ابن عمر: (سَمِعْتُ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَلأَهْلِ اليَمَنِ (٤) يَلَمْلَمُ) بفتح اللَّامين والتَّحتيَّة وسكون الميم

стр. 12633

الأولى، جبلٌ من جبال تهامة على ليلتين من مكَّة، والياء فيه بدلٌ من همزةٍ، ولا يقدح فيه قوله: «بلغني» إذ هو عمَّن لم يُعرَف؛ لأنَّه إنَّما يروي عن صحابيٍّ، وهم عدولٌ (وَذُكِرَ العِرَاقُ) بضمِّ الذال المعجمة (١) مبنيًا للمجهول (فَقَالَ) ابن عمر: (لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ يَوْمَئِذٍ) أي: لم يكن أهل العراق في ذلك الوقت مسلمين حتَّى يُوَقِّتَ لهم ﵊ ميقاتًا. وسبق الحديث في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٢٢]. ٧٣٤٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ) العيشيُّ -بالتَّحتيَّة والمعجمة- الطَّفاويُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة، ابن سليمان النُّميري (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) مولى آل الزُّبير، الإمام في المغازي قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر ﵄ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أُرِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء (وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة والرَّاء المُشدَّدة، منزله الَّذي كان فيه آخر اللَّيل (بِذِي الحُلَيْفَةِ) في المنام (فَقِيلَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقيل» (لَهُ) ﵊: (إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ). والحديث سبق في أوائل «الحجِّ» [خ¦١٥٣٥] ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ لمن تأمَّلها، والله الموفِّق والمعين، ومرادُه من سياق أحاديث هذا الباب تقديم أهل المدينة في العلم على غيرهم في العصر النَّبويِّ، ثمَّ بعده قبل تفرُّق الصَّحابة في الأمصار، ولا سبيل إلى التَّعميم كما (٣) لا يخفى، والله تعالى يُعينُ على الإتمام، ويَمُنُّ بالإخلاص والنَّفع، أستودِعُه تعالى ذلك، فإنَّه لاتخيب ودائعه، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم (٤).

стр. 12634

(١٧) (باب) في (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) اسم ﴿لَيْسَ﴾: ﴿شَيْءٌ﴾ والخبر ﴿لَكَ﴾، و ﴿مِنَ الأَمْرِ﴾ حالٌ من ﴿شَيْءٌ﴾ لأنَّه صفةٌ مقدَّمةٌ ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عطفٌ على ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧] و ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه. ٧٣٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السِّمسار المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ) حال كونه (رَفَعَ) ولأبي ذرٍّ: «ورفع» (رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ) قال في «الكواكب»: فإن قلت: أين مقول «يقول»؟ وأجاب بأنَّه جعله كالفعل اللَّازم، أي: يفعل القول ويحقِّقه، أو هو محذوفٌ. انتهى. وأجاب في «الفتح»: باحتمال أن يكون بمعنى: قائلًا، ولفظ «قال» المذكور زائدٌ، ويؤيِّده أنَّه وقع في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٩] من رواية حبَّان ابن موسى بلفظ: «أنَّه سمع رسول الله ﷺ من الرُّكوع في الرَّكعة الأخيرة من صلاة الفجر يقول: اللَّهم … » وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه احتمالٌ لا يمنع السُّؤال؛ لأنَّه وإن كان حالًا فلا بدَّ له من مقولٍ، ودعواه زيادةُ (١) «قال» غير صحيحةٍ؛ لأنَّه واقع في محلِّه. (اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) بإثبات الواو (فِي) الرَّكعة (الأَخِيرَةِ) ولأبي ذرٍّ: «الآخِرة» بإسقاط التَّحتيَّة، وقوله في «الكواكب» وتبعه (٢) في «اللَّامع»: «فإن قلت: ما وجه التَّخصيص بالآخرة

стр. 12635

وله الحمد في الدُّنيا أيضًا؟ قلتُ: نعيم الآخرة أشرفُ، فالحمد عليه هو الحمد حقيقةً، أو المراد بالآخرة: العاقبة، أي: مآل كلِّ الحُمود إليك» تعقَّبه في «الفتح»: بأنَّه ظنَّ أنَّ قوله: «في الآخرة» متعلِّقٌ بالجملة، وأنَّه بقيَّة الذِّكر الَّذي قاله النَّبيُّ (١) ﷺ في الاعتدال (٢)، وليس هو من كلامه ﷺ بل هو من كلام ابن عمر ﵄، قال: ثمَّ (٣) يُنظَر في جمعه «الحمد» على «حمودٍ» (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا (٤)) بالتَّكرار مرَّتين، يريد صفوان بن أميَّة وسُهَيل (٥) بن عمرٍو (٦) والحارث بن هشامٍ، وقول الكِرمانيِّ: «فلانًا وفلانًا يعني: رِعْلًا وذكوان» وَهمٌ منه، وإنَّما المراد ناسٌ بأعيانهم كما ذكر لا القبائل (فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾) أي: إنَّ الله مالك أمرهم، فإمَّا أن يُهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا (﴿أَوْ يُعَذَّبَهُمْ﴾) إن أصرُّوا على الكفر، ليس لك من أمرهم شيءٌ، إنَّما أنت عبدٌ مبعوثٌ لإنذارهم ومجاهدتهم، وعن الفرَّاء ﴿أَوْ﴾ بمعنى «حتَّى»، وعن ابن عيسى «إلَّا أن» كقولك: لألزَمَنَّك أو تُعطيني (٧) حقِّي، أي: ليس لك من أمرهم شيءٌ إلَّا أن يتوبَ عليهم فتفرح بحالهم، أو يُعذِّبهم فتتشفَّى منهم (٨)، وقيل: أراد (٩) أن يدعو عليهم، فنهاه الله تعالى؛ لعلمه أنَّ فيهم من يؤمن (﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]) مُستحقُّون للتَّعذيب. قال ابن بطَّالٍ: دخول هذه التَّرجمة في «كتاب الاعتصام» من جهة دُعائه ﷺ على المذكورين؛ لكونهم لم يُذعِنوا للإيمان ليعتصموا به من اللَّعنة، والحديث سبق في تفسير

стр. 12636

«سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٩] ومطابقته لِمَا ترُجم له هنا واضحةٌ. (١٨) (بابُ قولِه (١) تعالى) وسقط لأبي ذرٍّ «قوله تعالى» (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢) [الكهف: ٥٤]) ﴿جَدَلًا﴾ تمييزٌ، أي: أكثر الأشياء الَّتي يتأتَّى منها الجدال إن فصَّلتها واحدًا بعد واحدٍ خصومةً ومماراةً بالباطل، يعني: أنَّ جدل الإنسان أكثر من جدل كلِّ شيءٍ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]) بالخصلة الَّتي هي أحسن، وهي مقابلة الخشونة باللِّين، والغضب بالكظم كما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النُّصح، ولم ينفع فيهم الرِّفق، فاستعمِلوا معهم الغِلظة، وقيل: إلَّا الَّذين آذَوا رسول الله ﷺ ، أو الَّذين أثبتوا الولد والشَّريك، وقالوا: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أو معناه: ولا تجادلوا الدَّاخلين في الذِّمَّة المؤدِّين للجِزْية إلَّا بالَّتي هي أحسن، إلَّا الَّذين ظلموا فنبذوا الذِّمَّة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسِّيف، والآية تدلُّ على جواز المناظرة مع الكَفَرة في الدِّين، وعلى جواز تعلُّم علم الكلام الَّذي به تتحقَّق (٣) المجادلة.

стр. 12637

٧٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ المعجمة وفتح المهملة، ابن أبي حمزة الحافظ، أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أبي بكرٍ أحد الأعلام. (ح) مهملةٌ للتَّحويل من سندٍ إلى آخر: قال البخاريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد بغير واوٍ، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف البيكنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ) بفتح العين والفوقيَّة المشدَّدة وبعد الألف موحَّدةٌ، و «بَشير»: بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة (١)، الجزرِيُّ، بالجيم والزَّاي ثمَّ الرَّاء المكسورة (عَنْ إِسْحَاقَ) بن راشدٍ الجزريِّ أيضًا، ولفظ الحديث له (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين، ابن عليِّ بن أبي طالبٍ (٢) (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (٣) (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ (٤) بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بنصب «فاطمةَ» عطفًا على الضَّمير المنصوب في «طرقَه» أي: أتاهما ليلًا (فَقَالَ لَهُمْ) لعليٍّ وفاطمة ومَن معهما يحضُّهم: (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (تُصَلُّونَ؟!) وفي رواية شُعيب بن أبي حمزة في «التَّهجُّد» [خ¦١١٢٧] فقال لهما: «ألا تُصلِّيان» بالتَّثنية (فقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) استعارةٌ لقدرته (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) بفتح المثلَّثة فيهما: أن يوقظنا للصَّلاة أيقظنا (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مُدبرًا (حِينَ قَالَ لَهُ) عليٌّ (ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: لم يُجبه بشيءٍ، وفيه التفاتٌ، وفي رواية شُعيبٍ [خ¦١١٢٧]: «فانصرف حين قلتُ (٥) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا» (ثُمَّ سَمِعَهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المهملة وكسر الموحَّدة: مولٍّ ظهره، ولأبي ذرٍّ: «وهو مُنصرِفٌ» حال كونه (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) -بكسر الخاء وفتح الذَّال المعجمتين- تعجُّبًا من

стр. 12638

سرعة جوابه (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) ويؤخذ من الحديث أنَّ عليًّا ترك فعل الأَوْلى وإن كان ما احتجَّ به متوجِّهًا (١)، ومن ثمَّ تلا النَّبيُّ ﷺ الآية، ولم يُلزِمه مع ذلك بالقيام إلى الصَّلاة، ولو كان امتثل وقام لكان أَوْلى، وفيه أنَّ الإنسان جُبِل على الدِّفاع عن نفسه بالقول والفعل، ويحتمل أن يكون عليٌّ امتثل ذلك؛ إذ ليس في القصَّة تصريحٌ بأنَّ عليًّا امتنع، وإنَّما أجاب على (٢) ما ذُكر اعتذارًا عن ترك القيام لغلبة النَّوم، ولا يمتنع أنَّه صلَّى عقب هذه المراجعة؛ إذ ليس في الحديث ما ينفيه، وفيه مشروعيَّة التَّذكير للغافل؛ لأنَّ الغفلة من طبع البشر. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف ﵀: (يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهْوَ طَارِقٌ) لاحتياجه إلى دقِّ الباب، وسقط «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لغير أبي (٣) ذرٍّ (وَيُقَالُ: ﴿الطَّارِقِ﴾: النَّجْمُ، وَ ﴿الثَّاقِبُ﴾: المُضِيءُ) لثقبه الظَّلام بضوئه (يُقَالُ: أَثْقِبْ) بكسر القاف وجزم الموحَّدة فعل أمرٍ (نَارَكَ لِلْمُوقِدِ) بكسر القاف: الَّذي يوقد النَّار، يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ … ﴾ إلى آخره [الطارق: ١ - ٣] فأقسمَ بـ «السَّماء» لعظَم قدرها في أعين الخلق؛ لكونها معدن الرِّزق، ومسكن الملائكة، وفيها الجنَّة، وبـ ﴿الطَّارِقِ﴾ والمراد جنس النُّجوم، أو جنس الشُّهب الَّتي يُرمى بها؛ لعظم منفعتها، ووُصِفَ بالطَّارق؛ لأنَّه يبدو باللَّيل كما يُقال للآتي ليلًا: طارقٌ.

стр. 12639

٧٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ أبو الحارث الإمام، مولى بني فهمٍ (عَنْ سَعِيدٍ) -بكسر العين- المقبُريِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ فِي المَسْجِدِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ) ﵊ (حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ) بكسر الميم وسكون الدَّال المهملة، وهو الَّذي يُدَرِّسُ (١) فيه عالمهم التَّوراة (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ؛ أَسْلِمُوا) بكسر اللَّام (تَسْلَمُوا) بفتحها، الأوَّل من الإسلام، والثَّاني من السَّلامة (فَقَالُوا: بَلَّغْتَ) الرِّسالة، ولأبي ذرٍّ: «قد بلَّغت» (يَا أَبَا القَاسِمِ) ولم يُذْعِنوا لطاعته (قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَلِكَ) أي: إقرارُكم بالتَّبليغ (٢) (أُرِيدُ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: أقصدُ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «لهم رسول الله … » إلى آخر التَّصلية (٣) (أَسْلِمُوا؛ تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَلِكَ أُرِيدُ، ثُمَّ قَالَهَا) أي: قال رسول الله ﷺ (٤) المقالة المذكورة المرَّة (الثَّالِثَةَ) وكرَّر (٥) للمبالغة في التَّبليغ ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (فَقَالَ) ﵊ لهم: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) بفتح همزة «أنَّما» ولأبي ذرٍّ: «ولرسوله» (وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الجيم وكسر اللَّام: أطردكم (٦) (مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ) الباء للبدليَّة، أي: بدل ماله (شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ) جواب «مَن»، أي: من كان له شيءٌ ممَّا لا يُمكن نقلُه فليبعه (وَإِلَّا) أي: وإن لم (٧) تفعلوا ما قلتُ لكم (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) يورثُها للمسلمين. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وسبق في «الجزية» من «كتاب الجهاد» (٨) [خ¦٣١٦٧].

стр. 12640

(١٩) (بابُ قَوْلِهِ (١) تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) خيارًا، وقيل للخيار: وسطٌ؛ لأنَّ الأطراف يتسارع (٢) إليها الخللُ، والأوساط محميَّةٌ، قال حبيبٌ: كانت هي الوسط المحميَّ فاكتنفت … بها الحوادث حتَّى أصبحت طرفا أو عدولًا؛ لأنَّ الوسط عدلٌ بين الأطراف فليس إلى بعضها أقرب من بعضٍ، أي: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا بين الغلوِّ والتَّقصير، فإنَّكم لم تغلوا غُلوَّ النَّصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهيَّة، ولم (٣) تُقَصِّروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزِّنى وعيسى بأنَّه ولد الزِّنى، وسقط لفظ «قوله تعالى» لأبي ذرٍّ (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أمَّته (بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون. ٧٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال» أي: قال أبو أسامة: قال (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُجَاءُ بِنُوحٍ) ﵇ بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الجيم، وفي «تفسير سورة
следующие страницы →