← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

«سورة آل عمران» [خ¦٤٥٥٩] ومطابقته لِمَا ترُجم له هنا واضحةٌ. (١٨) (بابُ قولِه (١) تعالى) وسقط لأبي ذرٍّ «قوله تعالى» (﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢) [الكهف: ٥٤]) ﴿جَدَلًا﴾ تمييزٌ، أي: أكثر الأشياء الَّتي يتأتَّى منها الجدال إن فصَّلتها واحدًا بعد واحدٍ خصومةً ومماراةً بالباطل، يعني: أنَّ جدل الإنسان أكثر من جدل كلِّ شيءٍ (وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]) بالخصلة الَّتي هي أحسن، وهي مقابلة الخشونة باللِّين، والغضب بالكظم كما قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النُّصح، ولم ينفع فيهم الرِّفق، فاستعمِلوا معهم الغِلظة، وقيل: إلَّا الَّذين آذَوا رسول الله ﷺ ، أو الَّذين أثبتوا الولد والشَّريك، وقالوا: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أو معناه: ولا تجادلوا الدَّاخلين في الذِّمَّة المؤدِّين للجِزْية إلَّا بالَّتي هي أحسن، إلَّا الَّذين ظلموا فنبذوا الذِّمَّة ومنعوا الجزية فمجادلتهم بالسِّيف، والآية تدلُّ على جواز المناظرة مع الكَفَرة في الدِّين، وعلى جواز تعلُّم علم الكلام الَّذي به تتحقَّق (٣) المجادلة.

стр. 12637

٧٣٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بضمِّ المعجمة وفتح المهملة، ابن أبي حمزة الحافظ، أبو بشرٍ الحمصيُّ مولى بني أميَّة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أبي بكرٍ أحد الأعلام. (ح) مهملةٌ للتَّحويل من سندٍ إلى آخر: قال البخاريُّ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد بغير واوٍ، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف البيكنديُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ) بفتح العين والفوقيَّة المشدَّدة وبعد الألف موحَّدةٌ، و «بَشير»: بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة (١)، الجزرِيُّ، بالجيم والزَّاي ثمَّ الرَّاء المكسورة (عَنْ إِسْحَاقَ) بن راشدٍ الجزريِّ أيضًا، ولفظ الحديث له (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين، ابن عليِّ بن أبي طالبٍ (٢) (أَنَّ) أباه (حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ) أباه (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (٣) (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ (٤) بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) بنصب «فاطمةَ» عطفًا على الضَّمير المنصوب في «طرقَه» أي: أتاهما ليلًا (فَقَالَ لَهُمْ) لعليٍّ وفاطمة ومَن معهما يحضُّهم: (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (تُصَلُّونَ؟!) وفي رواية شُعيب بن أبي حمزة في «التَّهجُّد» [خ¦١١٢٧] فقال لهما: «ألا تُصلِّيان» بالتَّثنية (فقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) استعارةٌ لقدرته (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) بفتح المثلَّثة فيهما: أن يوقظنا للصَّلاة أيقظنا (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) مُدبرًا (حِينَ قَالَ لَهُ) عليٌّ (ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: لم يُجبه بشيءٍ، وفيه التفاتٌ، وفي رواية شُعيبٍ [خ¦١١٢٧]: «فانصرف حين قلتُ (٥) ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا» (ثُمَّ سَمِعَهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ) بضمِّ الميم وسكون الدَّال المهملة وكسر الموحَّدة: مولٍّ ظهره، ولأبي ذرٍّ: «وهو مُنصرِفٌ» حال كونه (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) -بكسر الخاء وفتح الذَّال المعجمتين- تعجُّبًا من

стр. 12638

سرعة جوابه (وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]) ويؤخذ من الحديث أنَّ عليًّا ترك فعل الأَوْلى وإن كان ما احتجَّ به متوجِّهًا (١)، ومن ثمَّ تلا النَّبيُّ ﷺ الآية، ولم يُلزِمه مع ذلك بالقيام إلى الصَّلاة، ولو كان امتثل وقام لكان أَوْلى، وفيه أنَّ الإنسان جُبِل على الدِّفاع عن نفسه بالقول والفعل، ويحتمل أن يكون عليٌّ امتثل ذلك؛ إذ ليس في القصَّة تصريحٌ بأنَّ عليًّا امتنع، وإنَّما أجاب على (٢) ما ذُكر اعتذارًا عن ترك القيام لغلبة النَّوم، ولا يمتنع أنَّه صلَّى عقب هذه المراجعة؛ إذ ليس في الحديث ما ينفيه، وفيه مشروعيَّة التَّذكير للغافل؛ لأنَّ الغفلة من طبع البشر. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف ﵀: (يُقَالُ: مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهْوَ طَارِقٌ) لاحتياجه إلى دقِّ الباب، وسقط «قال أبو عبد الله … » إلى آخره لغير أبي (٣) ذرٍّ (وَيُقَالُ: ﴿الطَّارِقِ﴾: النَّجْمُ، وَ ﴿الثَّاقِبُ﴾: المُضِيءُ) لثقبه الظَّلام بضوئه (يُقَالُ: أَثْقِبْ) بكسر القاف وجزم الموحَّدة فعل أمرٍ (نَارَكَ لِلْمُوقِدِ) بكسر القاف: الَّذي يوقد النَّار، يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ … ﴾ إلى آخره [الطارق: ١ - ٣] فأقسمَ بـ «السَّماء» لعظَم قدرها في أعين الخلق؛ لكونها معدن الرِّزق، ومسكن الملائكة، وفيها الجنَّة، وبـ ﴿الطَّارِقِ﴾ والمراد جنس النُّجوم، أو جنس الشُّهب الَّتي يُرمى بها؛ لعظم منفعتها، ووُصِفَ بالطَّارق؛ لأنَّه يبدو باللَّيل كما يُقال للآتي ليلًا: طارقٌ.

стр. 12639

٧٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ أبو الحارث الإمام، مولى بني فهمٍ (عَنْ سَعِيدٍ) -بكسر العين- المقبُريِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ فِي المَسْجِدِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (¬ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ) ﵊ (حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ) بكسر الميم وسكون الدَّال المهملة، وهو الَّذي يُدَرِّسُ (١) فيه عالمهم التَّوراة (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ؛ أَسْلِمُوا) بكسر اللَّام (تَسْلَمُوا) بفتحها، الأوَّل من الإسلام، والثَّاني من السَّلامة (فَقَالُوا: بَلَّغْتَ) الرِّسالة، ولأبي ذرٍّ: «قد بلَّغت» (يَا أَبَا القَاسِمِ) ولم يُذْعِنوا لطاعته (قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَلِكَ) أي: إقرارُكم بالتَّبليغ (٢) (أُرِيدُ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: أقصدُ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «لهم رسول الله … » إلى آخر التَّصلية (٣) (أَسْلِمُوا؛ تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ذَلِكَ أُرِيدُ، ثُمَّ قَالَهَا) أي: قال رسول الله ﷺ (٤) المقالة المذكورة المرَّة (الثَّالِثَةَ) وكرَّر (٥) للمبالغة في التَّبليغ ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (فَقَالَ) ﵊ لهم: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) بفتح همزة «أنَّما» ولأبي ذرٍّ: «ولرسوله» (وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) بضمِّ الهمزة وسكون الجيم وكسر اللَّام: أطردكم (٦) (مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ) الباء للبدليَّة، أي: بدل ماله (شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ) جواب «مَن»، أي: من كان له شيءٌ ممَّا لا يُمكن نقلُه فليبعه (وَإِلَّا) أي: وإن لم (٧) تفعلوا ما قلتُ لكم (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) يورثُها للمسلمين. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وسبق في «الجزية» من «كتاب الجهاد» (٨) [خ¦٣١٦٧].

стр. 12640

(١٩) (بابُ قَوْلِهِ (١) تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) خيارًا، وقيل للخيار: وسطٌ؛ لأنَّ الأطراف يتسارع (٢) إليها الخللُ، والأوساط محميَّةٌ، قال حبيبٌ: كانت هي الوسط المحميَّ فاكتنفت … بها الحوادث حتَّى أصبحت طرفا أو عدولًا؛ لأنَّ الوسط عدلٌ بين الأطراف فليس إلى بعضها أقرب من بعضٍ، أي: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا بين الغلوِّ والتَّقصير، فإنَّكم لم تغلوا غُلوَّ النَّصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهيَّة، ولم (٣) تُقَصِّروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزِّنى وعيسى بأنَّه ولد الزِّنى، وسقط لفظ «قوله تعالى» لأبي ذرٍّ (وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) أمَّته (بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ) المجتهدون. ٧٣٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعقوب الكوسج المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «قال» أي: قال أبو أسامة: قال (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُجَاءُ بِنُوحٍ) ﵇ بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الجيم، وفي «تفسير سورة

стр. 12641

البقرة» [خ¦٤٤٨٧] «يُدعى نوحٌ» (يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ) رسالتي (١) إلى قومك؟ (فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ) بلَّغتُها (فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ) بضمِّ الفوقيَّة من «فَتُسأل»: (هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ) ﵎ له، ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فيقال»: (مَنْ شُهُودُكَ) الَّذين يشهدون لك أنَّك بلَّغتهم؟ (فَيَقُولُ) نوحٌ: يشهد لي (مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «فقال رسول الله ﷺ : فيُجاء بكم» (فَتَشْهَدُونَ) أنَّه بلَّغهم (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قَالَ:) في تفسير ﴿وَسَطًا﴾ أي: (عَدْلًا (٢) ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «عدلًا إلى قوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾» واللَّام في ﴿لِّتَكُونُواْ﴾: لام «كي» فتفيد العِلِّيَّة، أو (٣) هي لام الصَّيرورة، وأتى بـ ﴿شُهَدَاء﴾ الَّذي هو جمع «شهيدٍ» ليدلَّ على المبالغة دون «شاهدِيْن» و «شُهودٍ» جمعَي (٤) «شاهد» وفي ﴿عَلَى﴾ قولان: إنَّها على بابها وهو الظَّاهر، أو بمعنى اللَّام، بمعنى: إنَّكم تنقلون إليهم ما علِمْتُموه من الوحي والدِّين كما نقله الرسول ﷺ (﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) عطفٌ على ﴿لِّتَكُونُواْ﴾ أي: يُزَكِّيكم ويعلَمُ بعدالتكم، والشَّهادة قد تكون بلا مُشاهدةٍ، كالشَّهادة بالتَّسامع في الأشياء المعروفة، ولمَّا كان الشَّهيد كالرَّقيب جيء بكلمة الاستعلاء. والاستدلال (٥) بالآية على أنَّ الإجماع حجَّةٌ؛ لأنَّ الله تعالى وصف هذه الأمَّة بالعدالة، والعدل: هو المُستحقُّ للشَّهادة وقبولها، فإذا اجتمعوا على شيءٍ وشهدوا به لزم قبوله، والحديث سبق في «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٧] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٩]. قال إسحاق بن منصورٍ: (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ) بفتح العين وبعد الواو السَّاكنة نونٌ المخزوميِّ القرشيِّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (الأَعْمَشُ) سليمان (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا) الحديث، وحاصله أنَّ إسحاق بن

стр. 12642

منصورٍ شيخ البخاريِّ روى هذا الحديث عن أبي أسامة بلفظ التَّحديث، وعن جعفر بن عونٍ بالعنعنة. (٢٠) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (إِذَا اجْتَهَدَ العَامِلُ) بتقديم الميم على اللَّام، أي: عامل الزّكاة ونحوه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «العالم» بتأخيرها، أي: المفتي (أَوِ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلَافَ) شرع (الرَّسُولِ) صلوات الله وسلامه عليه، أي: مخالفًا لحكم سُنَّته في أخذه (١) واجب الزَّكاة أو في قضائه، و «أو» للتَّنويع (مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ) أي: لم يتعمَّد المخالفة، وإنَّما خالف خطأً (فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ) لا يُعمَل به (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ) وصله مسلمٌ، وكذا سبق في «الصُّلح» [خ¦٢٦٩٧] لكن بلفظٍ آخر، واستُشكِل قوله: «فأخطأ خلاف الرَّسول» لأنَّ ظاهره منافٍ للمراد؛ لأنَّ من أخطأ خلاف الرَّسول فلا يُذَمُّ، بخلاف من أخطأ وِفَاقَهُ؛ ولذا قال في «الكواكب»: وفي التَّرجمة نوع تَعَجرُفٍ، وأجاب في «الفتح» بأنَّ الكلام تمَّ عند قوله: «فأخطأ» وهو يتعلَّق (٢) بقوله: «اجتهد» وقوله: «خلاف الرَّسول» أي: فقال خلاف الرسول، وحذفُ «قال» في الكلام كثيرٌ، فأيُّ عجرفةٍ في هذا؟! قال: ووقع في «حاشية نسخة الدِّمياطيِّ» بخطِّه: الصَّواب في التَّرجمة «فأخطأ بخلاف الرسول» قال في «الفتح»: وليس دعوى حذف الباء برافعٍ للإشكال، بل إن سلك طريق التغيير فلعلَّ اللام متأخِّرةٌ، ويكون الأصل: «خالف» بدل «خلاف»، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ تقديره بقوله: «فقال خلاف الرَّسول» يكون عطفًا على «أخطأ» فيؤدي إلى نفي المقصود الذي ذكرناه الآن. انتهى. وسقط لغير أبي ذرٍّ «عليه» من قوله «عليه أمرنا».

стр. 12643

٧٣٥٠ - ٧٣٥١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (عَنْ أَخِيهِ) أبي بكرٍ، واسمه عبد الحميد بتقديم المهمَلة على الميم ((١) عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ) بتقديم الميم على الجيم (بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزُّهريِّ المدنيِّ -بضمِّ سين «سُهَيل» وفتح هائه- كذا في الفرع وغيره من النُّسخ المقابَلة على «اليونينيَّة» وفرعها وفي نسخةٍ: «عن أخيه عن سُليمان بن بلالٍ عن عبد المجيد … » إلى آخره، قال في «الفتح»: وذكر أبو عليٍّ الجيَّانيُّ أنَّ «سليمان» سقط من أصل الفَِرَبْرِيِّ فيما ذكر أبو زيدٍ، قال: والصَّواب إثباتُه، فإنَّه لا يتَّصل السَّند إلَّا به، وقد ثبت كذلك في رواية إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيِّ، قال: وكذلك (٢) لم يكن في كتاب ابن السَّكن، ولا عند أبي أحمد الجرجانيِّ، قال (٣) الحافظ ابن حجرٍ: وهو ثابتٌ عندنا في النُّسخة المعتمدة من رواية أبي ذرٍّ عن شيوخه الثَّلاثة عن الفَِرَبْريِّ، وكذا في سائر النُّسخ التي اتَّصلت لنا عن الفَِرَبْريِّ، فكأنَّها سقطت من نسخة أبي زيدٍ (٤)، فظنَّ سقوطها من أصل شيخه، وقد جزم أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» أنَّ البخاريَّ أخرجه عن إسماعيل، عن أخيه عن سليمان، وهو يرويه عن أبي أحمد الجرجانيِّ عن الفَِرَبْريِّ، وأمَّا رواية ابن السَّكن فلم أقف عليها. انتهى. (أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ) ﵄ (حَدَّثَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ) أي: واحدًا منهم اسمه: سواد بن غَزِيَّة، بفتح الغين المعجمَة وكسر الزَّاي وتشديد التَّحتيَّة (الأَنْصَارِيَّ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النون وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ: نوعٍ من التَّمر أجود تمورهم (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا (٥)؟! قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال»: (لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ) من الجنيب (بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ)

стр. 12644

بفتح الجيم وسكون الميم: تمرٍ رديءٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَفْعَلُوا) ذلك (وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ) بسكون المثلَّثة فيهما (أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا) وفي «مسلمٍ»: «هو الرِّبا، فردُّوه، ثمَّ بيعوا تمرنا، واشتروا لنا هذا» (وَكَذَلِكَ المِيزَانُ) يعني: كلُّ ما يوزن فيباع وزنًا بوزنٍ من غير تفاضل فحكمه حكم المكيلات. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الصحابيَّ اجتهد فيما فعل، فردَّه النَّبيُّ ﷺ ونهاه عمَّا فعل، وعذره لاجتهاده، والحديث سبق في «البيوع» في «باب إذا أراد بيع التَّمر بتمرٍ خيرٍ منه» [خ¦٢٢٠١]. (٢١) (بابُ أَجْرِ الحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ) في حكمه (فَأَصَابَ أَوْ (١) أَخْطَأَ) فهو مأجورٌ. ٧٣٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (المُقْرِئُ) بالهمز (المَكِّيُّ) وسقط «المقرئُ» و «المكِّيُّ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح الحاء المهملة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة واوٌ مفتوحةٌ فهاءُ تأنيثٍ (بن شُرَيحٍ) بضمِّ المعجمة وفتح الرَّاء وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة مهملةٌ، وثبت: «ابن شريح» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره، وابن شُريحٍ هذا هو التَّجيبيُّ فقيه مصر وزاهدها ومحدِّثها، له أحوالٌ وكراماتٌ، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد اللَّيثيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ) التَّيميِّ المدنيِّ التَّابعيِّ ولأبيه صحبةٌ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بكسر العين، وبُسْر بضمِّ الموحَّدة وسكون السِّين المهملة المدنيِّ العابد

стр. 12645

مولى ابن الحضرميِّ (عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ) قال في «الفتح»: قال البخاريُّ: لا يُعرَف اسمُه، وتبعه الحاكم أبو أحمد، وجزم ابن يونس في «تاريخ مصر» بأنَّه عبد الرَّحمن بن ثابتٍ، وهو أعرفُ بالمصريّين من غيره، ونقل عن محمَّد بن سحنون أنَّه سمَّى أباه الحكم، وخطَّأه في ذلك، وحكى الدِّمياطيُّ أنَّ اسمه سعدٌ، وعزاه لمسلمٍ في «الكنى» قال الحافظ ابن حجرٍ: وقد راجعتُ نسخًا في «الكنى» لمسلمٍ فلم أرَ ذلك فيها، وما لأبي قيسٍ في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ) أي: إذا أراد الحاكم أن يحكم فعند ذلك يجتهد؛ لأنَّ الحُكْمَ متأخِّرٌ عن الاجتهاد، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتِّفاقًا، ويحتمل -كما في «الفتح» - أن تكون الفاء في قوله: «فاجتهد» تفسيريَّةً لا تعقيبيَّةً (ثُمَّ أَصَابَ) بأن وافق ما في نفس الأمر من حكم الله (فَلَهُ أَجْرَانِ) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة (وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ) أي: أراد أن يحكم فاجتهد (ثُمَّ أَخْطَأَ) بأن وقع (١) ذلك غير (٢) حكم الله (فَلَهُ أَجْرٌ) واحدٌ، وهو أجر الاجتهاد فقط (قَالَ) يزيد بن عبد الله بن الهاد الرَّاوي: (فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ ابْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح العين والحاء المهملتين، ونسبه في هذه الرِّواية لجدِّه وهو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ (فَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) بمثل حديث عمرو بن العاص. (وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُطَّلِبِ) بن عبد الله بن حَنْطبٍ المخزوميّ قاضي المدينة، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الموضع المعلَّق (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أي: ابن محمَّد بن عمرو بن حزمٍ قاضي المدينة أيضًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … مِثْلَهُ) فخالف أباه في روايته عن أبي سلمة، وأرسل الحديث الذي وصله؛ لأنَّ أبا سلمة تابعيٌّ، قال في «الفتح»: وقد وجدتُ ليزيد ابن الهاد فيه متابعًا عند عبد الرزاق وأبي عَوانة من طريقه عن معمر، عن يحيى بن (٣) سعيدٍ -هو الأنصاريُّ- عن أبي بكر بن محمَّد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فذكر الحديث مثله بغير قصَّة (٤)، وفيه «فله أجران اثنان».

стр. 12646

وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الحقَّ عند الله واحدٌ، وكلَّ واقعةٍ لله تعالى فيها حكمٌ فمن وجده أصاب، ومن فقده أخطأ، وفيه أنَّ المجتهد يُخطِئ ويُصيب، والمسألة مقررَّةٌ في أصول الفقه، فقال أبو الحسن الأشعريِّ والقاضي أبو بكر الباقلانيُّ وأبو يوسف ومحمَّدٌ وابن سُريجٍ: المسألة التي لا قاطع فيها من مسائل الفقه كلُّ مجتهدٍ فيها مصيبٌ، وقال الأشعريُّ والقاضي أبو بكرٍ: حُكْمُ الله فيها تابعٌ لظنِّ المجتهد، فما ظنُّه فيها من الحكم فهو حكمُ الله في حقِّه وحقِّ مُقلِّده، وقال أبو يوسف ومحمَّد وابن سُريجٍ -في أصح الرِّوايات عنه-: مقالةً تُسمَّى بالأشبه، وهي أنَّ في كلِّ حادثةٍ ما لو حَكَم الله لم يحكم إلَّا به، وقال في «المنخول»: وهذا حكمٌ على الغيب، ثمَّ هؤلاء القائلون بالأشبه يُعبِّرون عنه بأنَّ المجتهد مصيبٌ في اجتهاده، مخطئٌ في الحكم، أي: إذا صادف خلاف ما لو حكم الله لم يحكم إلَّا به، وربَّما قالوا: يُخطئ انتهاءً لا ابتداءً، هذا آخر تفاريع القول بأنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، وقال الجمهور -وهو الصحيحُ- المصيبُ واحدٌ، وقال ابن السَّمعانيِّ في «القواطع»: إنَّه ظاهر مذهب الشَّافعيِّ، ومن حكى عنه غيره فقد أخطأ، ولله تعالى في كلِّ واقعةٍ حكمٌ سابقٌ على اجتهاد المجتهدين، وفكر الناظرين، ثمَّ اختلفوا أعليه دليلٌ أم هو كدفينٍ يُصيبُه من شاء الله تعالى ويُخطئه من شاءه؟ والصَّحيح أنَّ عليه أمارةً، واختلف القائلون بأنَّ عليه أمارةً في أنَّ المجتهد هل هو مكلَّفٌ بإصابة الحقِّ أو لا؟ لأنَّ الإصابة ليست في وُسْعه، والصَّحيح الأوَّل لإمكانها، ثمَّ اختلفوا فيما إذا أخطأ الحقَّ هل يأثم؟ والصَّحيح: لا يأثم، بل له أجرٌ لبذله وُسْعه في طلبه، وقال النَّبيُّ ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجرٌ واحدٌ» وقيل: يأثم لعدم إصابته المكلَّف بها، وأمَّا المسألة التي يكون فيها قاطعٌ من نصٍّ أو إجماعٍ واختُلِف (١) فيها لعدم الوقوف عليه؛ فالمصيب فيها واحدٌ بالإجماع وإن دقَّ مسلك ذلك القاطع، وقيل: على الخلاف فيما لا قاطع فيها، وهو غريبٌ، ثمَّ إذا أخطأه نُظِرَ، فإن لم يُقصِّر وبذل المجهود في طلبه، ولكن تعذَّر عليه الوصول إليه فهل يأثم؟ فيه مذهبان: وأصحُّهما المنع، والثَّاني نعم، ومتى قصَّر المجتهد في اجتهاده أثِمَ وفاقًا؛ لتركه الواجب عليه من بذله وُسْعه فيه.

стр. 12647

(٢٢) (بابُ الحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحْكَامَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ظَاهِرَةً) للنَّاس لا تخفى إلَّا على النَّادر (وَمَا كَانَ يَغِيبُ بَعْضُهُمْ) أي: بعض الصحابة (مِنْ (١) مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) بفتح ميم مشاهد (وَأُمُورِ الإِسْلَامِ) عُطِفَ على مقول القول، وكلمة «ما» في قوله: «وما كان» (٢) نافيةٌ، أو عُطِف على «الحجَّة»، فـ «ما» موصولةٌ، لكن قال في «الفتح»: إنَّ ظاهر (٣) السِّياق يأبى كونَها نافيةً (٤)، قالوا: والتَّرجمة معقودةٌ لبيان أنَّ كثيرًا من أكابر الصَّحابة كان (٥) يغيب عن بعض ما يقوله النَّبيُّ ﷺ أو يفعله من الأفعال التكليفيَّة، فيستمرُّ على ما كان اطَّلع عليه هو، إمَّا على المنسوخ؛ لعدم اطِّلاعه على ناسخه، وإمَّا على البراءة الأصليَّة، وقال ابن بطَّالٍ: أراد الرَّدَّ على الرَّافضة والخوارج الذين زعموا (٦) أنَّ التَّواتر شرطٌ في قَبول الخبر، وقولهم مردودٌ بما صحَّ أنَّ الصَّحابة كان يأخذ بعضُهم عن بعضٍ، ويرجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وانعقد الإجماع على القول بالعمل بأخبار الآحاد.

стр. 12648

٧٣٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين فيهما، اللَّيثيِّ المكِّيِّ أنَّه (قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ (عَلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁، أي: ثلاثًا (فَكَأَنَّهُ وَجَدَهُ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ؟) يريد أبا موسى (ائْذَنُوا لَهُ) في الدُّخول (فَدُعِيَ لَهُ) بضمِّ الدَّال وكسر العين فحضر عنده (فَقَالَ) له: (مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ) من الرُّجوع؟ (فَقَالَ) أبو موسى: (إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ) -بضمِّ النُّون وفتح الميم- من قِبَلِ النَّبيِّ ﷺ (بِهَذَا) أي: بالرُّجوع إذا استأذنَّا ثلاثًا ولم يؤذَن لنا (قَالَ) عمر: (فَأْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ) على ما ذكرته (أَوْ لأَفْعَلَنَّ بِكَ، فَانْطَلَقَ) أبو موسى (إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ) فسألهم عن ذلك (فَقَالُوا) أي: أبيٌّ والأنصار (١): (لَا يَشْهَدُ إِلَّا أَصَاغِرُنَا) بألفٍ بعد الصاد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «(٢) إلَّا (٣) أصْغَرُنا» (فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) ﵁ -وكان أصغر القوم- معه (فَقَالَ) لعمر: (قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا) أي: نرجع إذا استأذنَّا ولم يؤذَن لنا (فَقَالَ عُمَرُ: خَفِي عَلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة (هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَلْهَانِي) شَغَلني (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) وهو ضرب اليد على اليد عند البيع، وليس قول عمر ذلك ردًَّا لخبر الواحد بل احتياطًا، وإلَّا فقد قَبِل عمر حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ في أخذ الجِزية من المجوس، وحديثَه في الطَّاعون، وحديثَ عمرو بن حزمٍ في التَّسوية بين الأصابع في الدِّيَة. ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ عمر لمَّا خفيَ عليه أمرُ الاستئذان رجع إلى قول أبي موسى، فدلَّ على أنَّه يعملُ بخبر الواحد، وأنَّ بعض السُّنن كان يخفى على بعض الصَّحابة، وأنَّ الشاهد يبلِّغ الغائب ما شهده، وأنَّ الغائب يقبله ممَّن حدَّثه به ويعتمده ويعمل به، لا يقال: طلب عمر البيِّنة يدلُّ على أنَّه لا يحتجُّ بخبر الواحد؛ لأنَّه مع انضمام أبي سعيدٍ إليه لا يصير متواترًا كما لا يخفى. والحديث سبق في «الاستئذان» في «باب التسليم والاستئذان» [خ¦٦٢٤٥].

стр. 12649

٧٣٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن عبد الله المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (أَنَّهُ سَمِعَهُ (١) مِنَ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمزٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) تقولون: إنَّ أبا هريرة (يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاللهُ المَوْعِدُ) يوم القيامة يُظهِر أنَّكم على الحقِّ في الإنكار، أو أنِّي عليه في الإكثار، والجملة معترضةٌ، ولا بدَّ في التَّركيب من تأويلٍ؛ لأنَّ «مَفعِلًا» للمكان أو الزَّمان أو المصدر، ولا يصحُّ هنا إطلاق شيءٍ منها، فلا بدَّ من إضمارٍ أو تجوُّزٍ يدلُّ عليه المقام، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (إِنِّي كُنْتُ امْرأً مِسْكِينًا) من مساكين الصُّفَّة (أَلْزَمُ) بفتح الهمزة والزَّاي واللام بينهما ساكنةٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) مقتنعًا بالقوت فلم يكن لي غيبةٌ عنه، يعني: أنَّه كان (٢) لا ينقطع عنه خشيةَ أن يفوته القوت (وَكَانَ المُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ) البيع (بِالأَسْوَاقِ) و «يشْغَلهم» بفتح ياء المضارعة والغين المعجَمة (٣) من الثُّلاثيِّ، وعبَّر بالصَّفق عن التَّبايُع؛ لأنَّهم كانوا إذا تبايعوا تصافَقوا بالأكفِّ أمارةً لانبرام (٤) البيع، فإذا تصافقت الأكفُّ انتقلت الأملاك واستقرَّت كلُّ يدٍ منهما على ما صار لكلِّ واحدٍ منهما من ملك صاحبه (وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ القِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) في

стр. 12650

الزِّراعة، زاد في رواية يونس عن ابن شهابٍ عند مسلمٍ: «فأشهدُ إذا غابوا، وأحفظُ إذا نسوا» (فَشَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَالَ: مَنْ يَبْسُطْ) بلفظ المضارع مجزومًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مَن بَسَطَ» بلفظ الماضي (رِدَاءَهُ) وفي «المزارعة» [خ¦٢٠٤٧] «ثوبه» (حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي) زاد في «المزارعة» «هذه» (ثُمَّ يَقْبِضُهُ) بالرَّفع، وفي «اليونينيَّة» بالجزم، وفي «المزارعة» «ثمَّ يجمعه» (فَلَنْ يَنْسَ) بغير تحتيَّةٍ بعد السِّين مصلَّحةً في الفرع على كشطٍ، قال السَّفاقسيُّ: إنَّه وقع كذلك بالنُّون وبالجزم في الرِّواية، وذكر أنَّ القزَّاز نقل عن بعض العرب من يجزم بـ «لن». انتهى. وفي بعض (١) النُّسخ المعتمدة: «فلن ينسى» بإثباتها خطًّا، وهو الذي في «اليونينيَّة»، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلم» بحرف الجزم بدل حرف النصب «يَنْسَ» (شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي) قال أبو هريرة: (فَبَسَطْتُ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فَوَ) الله (الَّذِي بَعَثَهُ) إلى الخلق (بِالحَقِّ؛ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ) بعد أن جمعتها إلى صدري. ومباحث الحديث سبقت غير مرَّةٍ [خ¦١١٨٠] [خ¦٢٠٤٧] [خ¦٢٣٥٠] ومطابقتُه للتَّرجمة من جهة كون أبي هريرة أخبر عن النَّبيِّ ﷺ من أقواله وأفعاله ما غاب عنه كثيرٌ من الصَّحابة، ولمَّا بلَّغهم ما سمعه قَبِلوه وعَمِلوا به، فدلَّ على قَبول خبر الواحد والعمل به، وفيه ردٌّ على مشترط (٢) التَّواتر، وإنَّه كان يعزب على المتقدِّم في الصُّحبة الشَّريفة الواسع العلم ما يعلمه غيره ممَّا سمعه منه ﷺ أو اطَّلع عليه، فمن ذلك حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق مع جلالة قدره، حيث لم يعلم النَّصَّ في الجدَّة حتَّى أخبره محمَّد بن مسلمة والمغيرة بالنَّصِّ فيها، وهو في «الموطَّأ» وحديث عمر في الاستئذان المذكور في هذا الباب … [خ¦٧٣٥٣] إلى غير ذلك ممَّا في تتبُّعه طولٌ يخرج عن الاختصار، وفي حديث البراء بسندٍ صحيحٍ: «ليس كلُّنا كان يسمع الحديث من النَّبيِّ ﷺ ، كانت لنا ضيعةٌ وأشغالٌ، ولكن كان النَّاس لا يكذبون، فيحدِّث الشَّاهدُ الغائبَ»، والله الموفِّق والمعين. (٢٣) (بابُ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ) بفتح النُّون وكسر الكاف، أي: الإنكار (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ¬) لِما

стр. 12651

يُفعَل بحضرته أو يُقال ويطَّلع (١) عليه (حُجَّةً) لأنَّه لا يُقِرُّ أحدًا على باطلٍ، سواءٌ استبشر به مع ذلك أم لا، لكنَّ دلالته مع الاستبشار أقوى، وقد تمسَّك الشَّافعيُّ في القيافة واعتبارها في النَّسب بكِلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكارِ في قصَّة المدلجيِّ، وسواءٌ كان المسكوت عنه ممَّن يُغريه الإنكار أو لا، كافرًا كان أو منافقًا، والقول باستثناء من يزيده الإنكار إغراءً حكاه ابن السَّمعانيِّ عن المعتزلة، بناءً على أنَّه لا يجب إنكاره عليه للإغراء، قال: والأظهر أنَّه يجب إنكاره عليه؛ ليزول توهُّم الإباحة، والقول باستثناء ما إذا كان الفاعل كافرًا أو منافقًا قولُ إمام الحرمين، بناء على أنَّ الكافر غير مكلَّفٍ بالفروع، ولأنَّ المنافق كافرٌ في الباطن، والقول بالاقتصار على الكافر ذهب إليه الماورديُّ، وهو أظهر؛ لأنَّه أهلٌ للانقياد في الجملة، وكما يدلُّ للجواز للفاعل، فكذا لغيره؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكمُه على الجماعة، وذهب القاضي أبو بكر الباقلانيُّ إلى اختصاصه بمن قرَّر ولا يتعدَّى إلى غيره، فإنَّ التقرير لا صيغة له. نعم والصَّحيح أنَّه يعمُّ سائر المكلَّفين؛ لأنَّه في حكم الخطاب، وخطاب الواحد خطابٌ للجميع (لَا مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ) ﷺ لعدم عصمته، فسكوته لا يدلُّ على الجواز؛ لأنَّه قد لا يتبيَّن له حينئذٍ وجه الصَّواب، قال في «المصابيح»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّه إذا أفتى واحدٌ في مسألةٍ تكليفيَّةٍ، وعرف به أهل الإجماع، وسكتوا عليه، ولم ينكره أحدٌ، ومضى (٢) قدر مهلة النَّظر في تلك الحادثة عادةً، وكان ذلك القول المسكوت عليه (٣) واقعًا في محلِّ الاجتهاد، فالصحيح أنَّه حجَّةٌ، وهل هو إجماعٌ أو لا؟ فيه خلافٌ، قالوا: والخلاف لفظيٌّ، وعلى الجملة قد تصوَّرنا في بعض الصُّور أنَّ ترك النَّكير من غير النَّبيِّ ﷺ حجَّةٌ. ٧٣٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالتَّصغير، قال في «الفتح»: هو خُراسانيٌّ فيما ذكره أبو عبد الله بن منده في «رجال البخاريِّ»، وقال محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن خلفون: حمَّاد بن

стр. 12652

حُميد العسقلانيُّ روى عن عُبيد الله بن معاذٍ، روى عنه البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦٧٣٥٥] وقال أبو أحمد بن عديٍّ: حمَّاد بن حُميدٍ لا يُعرف عن عُبيد الله بن معاذٍ، وقال ابن أبي حاتمٍ: حمَّاد بن حُميدٍ العسقلانيُّ روى عن ضَمْرة وبشر (١) بن بكر بن سويدٍ وروَّاد، سمع منه أَبِي (٢) ببيت المقدس في رحلته الثَّانية وروى عنه، وسُئل أبي عنه فقال: شيخٌ، قال محمَّد بن إسماعيل: روى عنه البخاريُّ في «الجامع» في «باب من رأى ترك النَّكير من النَّبيِّ ﷺ حُجَّةً» قال محمَّد بن إسماعيل: لم يَجْرِ لحمَّادٍ ذكرٌ في النُّسخة عن النَّسفيِّ، إنَّما عنده: «وقال عُبيد الله بن معاذٍ» وليس قبله حمَّاد بن حُميدٍ. انتهى. وقال الحافظ ابن حجرٍ: وقد زعم أبو الوليد الباجيُّ في «رجال البخاريِّ» أنَّه هو الذي روى عنه البخاريُّ هنا، وهو بعيدٌ، قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (بْنُ مُعَاذٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) معاذ بن حسَّان بن نصر بن حسَّان العنبريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين، ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ ﵁ (يَحْلِفُ) أي: شاهدتُه حين حلف (٣) (بِاللهِ أَنَّ ابْنَ الصَّائِدِ) بألفٍ بعد الصَّاد بوزن «الظَّالم» ولأبي ذرٍّ: «ابن الصيَّاد» واسمه صافٍ (الدَّجَّالُ) قال ابن المنكدر: (قُلْتُ) له: (تَحْلِفُ بِاللهِ؟ قَالَ) جابرٌ: (إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (يَحْلِفُ) أي: بالله (عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ ¬). استُشكِل هذا مع ما سبق في «الجنائز» [خ¦١٣٥٤] من أنَّ عمر ﵁ قال للنَّبيِّ ﷺ : دَعْني أضرب عنقه فقال: «إن يَكُنْ هو فلن تُسلَّط عليه» إذ هو صريحٌ في أنَّه تردَّد في أمره، وحينئذٍ فلا يدلُّ سكوته على إنكاره عند حلف عمر على أنَّه هو، وقد تقرَّر أنَّ شرط العمل بالتَّقرير ألَّا يعارضه التَّصريح بخلافه، فمن قال أو فعل بحضرته ﷺ شيئًا فأقره دلَّ ذلك على

стр. 12653

الجواز، فلو (١) قال ﷺ أو فعل خلاف ذلك دلَّ على نسخ ذلك التقرير إلَّا إن ثبت دليلُ الخصوصيَّة، وعند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ قال: كان ابن عمر يقول: «والله ما أشكُّ أنَّ المسيح الدَّجَّال هو ابن صيَّاد» وأجاب ابن بطَّالٍ عن التردُّد: بأنَّه كان قبل أن يُعلِمه الله بأنَّه هو الدَّجَّال، فلمَّا أعلمه لم يُنكِر على (٢) عمر حلفه، وبأنَّ العرب قد تُخرِج الكلام مَخرَج الشَّكِّ وإن لم يكن في الخبر شكٌّ، فيكون ذلك من تلطُّفه ﷺ لعمر في صرفه عن قتله، وقال ابن دقيق العيد في أوائل «شرح الإلمام»: إذا أخبر شخصٌ بحضرة النَّبيِّ ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكمٌ شرعيٌ، فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقة ما في الواقع كما وقع لعمر في حلفه على أنَّ ابن صيَّادٍ هو الدَّجَّال فلم ينكر عليه؟ فهل يدلُّ عدم إنكاره على أنَّ ابن صيَّاد هو الدجَّال كما فهمه جابرٌ حتَّى صار يحلف عليه ويستند إلى حلف عمر، أو لا يدلُّ؟ فيه نظرٌ، قال: والأقرب عندي أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذ المسألة ومناطَها هو العِصْمة من التَّقرير على باطلٍ، وذلك يتوقَّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقُّق الصّحَّة إلَّا أن يدَّعيَ مدَّعٍ أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصّحَّة، فيحتاج إلى دليلٍ وهو عاجزٌ عنه. نعم التقرير يسوِّغ الحلف على ذلك على غلبة الظن؛ لعدم توقُّف ذلك على العلم. انتهى. قال في «الفتح»: ولا يلزم من عدم تحقُّق البطلان أن يكون السُّكوت مستويَ الطَّرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الأَولى، وقال في «المصابيح»: وقد يقال: هذا محمولٌ على أنَّه لم ينكره إنكارَ من نفى كونه الدجَّال؛ بدليل أنَّه أيضًا لم يسكت على ذلك، بل أشار إلى أنَّه متردِّدٌ، ففي «الصَّحيحين»: أنَّه قال لعمر: «إن يكن هو فلن تُسلَّط عليه» [خ¦١٣٥٤] فتردَّد في أمره، فلمَّا حلف عمر على ذلك صار حالفًا على غَلَبَة ظنِّه، والبيان قد تقدَّم من النَّبيِّ ﷺ ، ثم هذا سكوتٌ عن حلفٍ على أمرٍ غيبٍ لا على حكمٍ شرعيٍّ، ولعلَّ مسألة السَّكوت والتقرير مختصَّةٌ بالأحكام الشرعيَّة، لا الأمور الغيبيَّة. انتهى. وقال البيهقيُّ: ليس في حديث جابرٍ أكثر من سكوت النّبيِّ ﷺ على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النَّبيُّ ﷺ

стр. 12654

كان متوقِّفًا في أمره، ثم جاءه التثبُّت من الله أنَّه (١) غيره على ما تقتضيه قصَّة تميمٍ الدَّاريِّ، وبه تمسَّك من جزم (٢) بأنَّ الدجَّال غير ابن صيادٍ (٣)، وتكون الصِّفة التي في ابن صيَّاد وافقت ما في الدجَّال، والحاصل أنَّه إن وقع الشَّكُّ في أنَّه الدّجَّال الذي يقتله عيسى ابن مريم ﵉ فلم يقع الشَّكُّ في أنَّه أحد الدّجَّالين الكذَّابين الذين أنذر بهم النَّبيُّ ﷺ في قوله: «إنَّ بين يدي السَّاعة دجَّالين كذَّابين» وقصَّة تميمٍ الدَّاريِّ أخرجها مسلمٌ من حديث فاطمة بنت قيسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب فذكر أنَّ تميمًا الداريَّ ركب في سفينةٍ مع ثلاثين رجلًا من قومه، فلعب بهم الموج شهرًا، ثمَّ نزلوا في جزيرةٍ، فلقيتهم دابَّةٌ كثيرة الشَّعر، فقالت لهم: أنا الجسَّاسة، ودلَّتهم على رجلٍ في الدَّير، قال: فانطلقنا سِراعًا، فدخلنا الدَّير فإذا فيه أعظم إنسانٍ رأيناه قطُّ خَلْقًا وأشدُّه (٤) وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه بالحديد، فقلنا: ويلك! ما (٥) أنت؟ … » فذكر الحديث، وفيه: أنَّه سألهم عن نبيِّ الأمِّيين هل بُعِث؟ وأنَّه قال: إن يُطيعوه؛ فهو خيرٌ لهم، وأنَّه سألهم عن بُحيرة طبريَّة، وأنَّه قال لهم: إنِّي مُخبِركم عنِّي، أنا المسيح، وإنِّي أوشكُ أن يؤذَن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قريةً إلَّا هبطتها في أربعين ليلةً غير مكَّة وطَيبة، ففيه -كما قال البيهقيُّ-: أنَّ الدّجَّال الأكبر الذي يخرج في آخر الزَّمان غير ابن صيَّادٍ، وعند (٦) مسلمٍ من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة (٧) عن أبي سعيدٍ قال: صحبني ابن صيَّادٍ إلى مكَّة، فقال لي: ما قد لقيت من النَّاس؟ يزعمون أنِّي الدّجَّال! ألستَ سمعتَ (٨) رسول الله ﷺ يقول: «إنَّه لا يولَد له»؟! قلت: بلى، قال: فإنَّه قد وُلِد لي، قال: أوَلستَ سمعتَه يقول: «لا يدخل المدينة ولا مكَّة»؟! قلت: بلى، قال: قد وُلِدت بالمدينة،

стр. 12655

وها أنا أريد مكَّة. وقال الخطَّابيُّ اختلف السَّلف في أمر ابن صيَّادٍ بعد كِبَره، فروي عنه: أنَّه تاب عن ذلك القول ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصَّلاة عليه كشفوا عن (١) وجهه حتَّى يراه (٢) النَّاس، وقيل لهم: اشهدوا، لكن يُعكِّر على هذا ما عند أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن جابرٍ قال: «فقدنا ابن صيَّادٍ يوم الحرَّة … »، وبسندٍ حسنٍ قيل: إنَّه مات. وفي الحديث: جواز الحلف بما يغلب (٣) على الظَّنِّ، والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن» وأبو داود في «الملاحم». (٢٤) (بابُ) بيان (الأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بالدَّليل» بالإفراد، والدَّليل ما يرشد إلى المطلوب، ويلزم من العلم به العلمُ بوجود المدلول، والمراد بالأدلَّة الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس والاستدلال، وقال إمام الحرمين والغزاليُّ: ثلاثةً فقط، فأسقطا القياس والاستدلال، فالإمام بناه على أنَّ الأدلَّة لا تتناول إلَّا القطعيَّ، والغزاليُّ خصَّ الأدلَّة بالثَّمرة للأحكام؛ فلهذا كانت ثلاثةً، وجعل القياس من طرق (٤) الاستثمار، فإنَّه دلالةٌ من حيث معقول اللَّفظ؛ كما أنَّ العموم والخصوص دلالةٌ من حيث صيغُته (٥) (وَكَيْفَ مَعْنَى الدَُِّلَالَةِ) بتثليث الدَّال، وهي في عُرْف الشَّرع الإرشاد إلى أنَّ حكم الشَّيء الخاصِّ الذي لم يَرِدْ فيه نصٌّ داخلٌ تحت حكم دليلٍ آخر بطريق العموم (وَتَفْسِيرِهَا؟) أي: تبيينها وهو تعليم المأمور كيفيَّة ما أُمر به، كتعليم عائشة ﵂ للمرأة السَّائلة التوضُّؤ بالفَُِرْصَة (وَقَدْ أَخْبَرَ

стр. 12656

النَّبِيُّ ﷺ ¬) في أوَّل أحاديث هذا الباب (أَمْرَ الخَيْلِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ سُئِلَ عَنِ الحُمُرِ) بضمَّتين (فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَن﴾) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «من (١)» (﴿يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]) إذ فيه إشارةٌ إلى أن حكم الحُمر وغيرها مندرجٌ في العموم المستفاد منه (وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) كما في ثالث أحاديث هذا الباب [خ¦٧٣٥٨] (عَنِ الضَّبِّ) أيحلُّ أكله؟ (فَقَالَ: لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ ﷺ الضَّبُّ، فَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ) لأنَّه ﷺ لا يُقِرُّ على باطلٍ. ٧٣٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العدويِّ مولى عمر المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ) بكسر الواو وسكون الزَّاي: إثمٌ (٢) (فَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا) للجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ) في الحبل الذي ربطها به، حتَّى تسرح للرَّعي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فأطال لها» (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم وبعد الرَّاء السَّاكنة جيمٌ: موضع كلأ (أَوْ رَوْضَةٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (فَمَا أَصَابَتْ) أي: ما أكلت وشربت ومشت (فِي طِيَلِهَا) بكسر الطّاء المهملة وفتح التَّحتيَّة: في (٣) حبلها المربوطة به

стр. 12657

(ذَلِكَ المَرْجِ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «من المرج» (وَالرَّوْضَةِ) ولأبي ذرٍّ: «أو الرَّوضة» (كَانَ لَهُ) أي: لصاحبها (حَسَنَاتٍ) يوم القيامة (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا) حبلها المذكور (فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقيَّة والنُّون المشدَّدة: عدت بمرجٍ ونشاطٍ (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشِّين المعجَمة والرَّاء والفاء (١) فيهما: شوطًا أو شوطين (كَانَتْ آثَارُهَا) بمدِّ الهمزة وبالمثلَّثة وفي الأرض بحوافرها عند خطواتها (وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ) يوم القيامة (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَْهَرٍ) بفتح الهاء وتسكَّن (فَشَرِبَتْ مِنْهُ) بغير قصد صاحبها (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ) أي: يسقيه، والباء زائدةٌ، وللأَصيليِّ: «أن تُسْقَى» بضمِّ الفوقيَّة وفتح القاف (كَانَ ذَلِكَ) أي: ذلك الشُّرب بغير (٢) إرادته (حَسَنَاتٍ لَهُ، وَهِيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا) بفتح الفوقيَّة والمعجَمة وكسر النُّون المشددَّة، أي: يستغني بها عن النَّاس، والنَّصب على التَّعليل (وَتَعَفُّفًا) يتعفَّف بها عن الافتقار إليهم بما يعمل عليها ويكسبه على ظهرها (وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا) سقط لفظ «لا» لأبي ذرٍّ، واستدلَّ به الحنفيَّة في إيجاب الزَّكاة في الخيل، وقال غيرهم، أي: يؤدِّي زكاة تجارتها، وظهورها: بأن يركب عليها في سبيل الله (فَهْيَ لَهُ سِتْرٌ) تقيه من الفاقة (وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) لأجل الفخر (وَرِيَاءً) أي: إظهارًا للطَّاعة، والباطن بخلافه (فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ) إثمٌ. (وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الحُمُرِ) هل لها حكم الخيل؟ ويحتمل أن يكون السَّائل صعصعة بن (٣) معاوية عمَّ الفرزدق (٤)؛ لحديث النَّسائيِّ في «التَّفسير» وصحَّحه الحاكم عنه بلفظ: «قدمت على النَّبيِّ ﷺ فسمعته يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] إلى آخر السورة، قال: ما أبالي ألَّا أسمع (٥) غيرها، حسبي حسبي» (قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الفَاذَّةَ) بالفاء وبعد الألف ذالٌ معجَمةٌ مشدَّدةٌ: القليلة المِثْل، المنفردة في معناها (الجَامِعَةَ) لكلِّ خيرٍ وشرٍّ (﴿فَمَن﴾) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «من» (﴿يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ.

стр. 12658

وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]) قال ابن مسعودٍ: هذه أحكم آيةٍ في القرآن وأصدق، واتَّفق العلماء على عموم هذه الآية، القائلون بالعموم ومن لم يقل به، وقال كعب الأحبار: لقد أنزل الله تعالى على محمَّدٍ آيتَينِ أحصتا ما في التَّوراة والإنجيل والزَّبور والصُّحف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٠] و «علامات النّبوّة» [خ¦٣٦٤٦] و «التّفسير» [خ¦٤٩٦٢].

стр. 12659

٧٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن جعفرٍ البيكنديُّ كما جزم به الكلاباذيُّ والبيهقيُّ أو هو ابن موسى البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان بن أبي عمران ميمون الهلاليُّ أبو محمَّد الكوفيُّ ثم المكِّيُّ الحافظ الفقيه الحجَّة (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) اسم أبيه عبدُ الرحمن بنُ طلحة بنِ الحارث بنِ عبد الدَّار، العَبْدريِّ (١) الحجبيِّ المكِّيِّ، ثقةٌ أخطأ ابن حزمٍ في تضعيفه (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدريَّة، لها رؤيةٌ وحديث عن عائشة وغيرها من الصَّحابة، وفي «البخاريِّ» التَّصريح بسماعها من النَّبيَّ ﷺ ، وأنكر الدَّارقطنيُّ إدراكها (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ امْرَأَةً) اسمها أسماء بنت شَكَلٍ بفتح المعجمة والكاف بعدها لامٌ (سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ¬). قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثنا» (مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين وسكون القاف، الشّيبانيُّ الكوفيُّ، يكنى أبا عبد الله فيما جزم به الكلاباذيُّ، وهو من قدماء شُيوخ البخاريِّ، ولفظ الحديث له، وسقط لأبي ذرٍّ «هو» فقط، قال: (حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجَمة (بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ السِّين وفتح اللام (النُّمَيْرِيُّ) بضمِّ النّون وفتح الميم، أبو سليمان (البَصْرِيُّ) قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ شَيْبَةَ) قال الحافظ ابن حجرٍ: وقع هنا منصور بن عبد الرَّحمن ابن شيبة، وشيبة إنَّما هو جدُّ منصورٍ لأمِّه؛ لأنَّ أمَّه صفيّة بنت شيبة بن عثمان بن طلحة الحجبيِّ، وعلى هذا فيكتب «ابن شيبة» بالألف وبالرَّفع (٢) كإعراب «منصورٍ»؛ لأنَّه صفته، لا إعراب «عبد الرَّحمن» فهو نسبةٌ إلى أبي أمِّه، والذي في «اليونينيَّة» بكسر النُّون فقط صفةٌ لسابقه، قال: (حَدَّثَتْنِي) بالإفراد (أُمِّي) صفيّة بنت شيبة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً) هي أسماء كما مرَّ قريبًا (سَأَلَتِ النَّبِيَّ) ولأبي الوقت: «رسول الله» (¬ ﷺ عَنِ الحَيْضِ كَيْفَ نَغْتَسِلُ مِنْهُ؟) بنونٍ مفتوحةٍ وكسر السِّين، ولأبي ذرٍّ:

стр. 12660

«يُغْتَسَل منه (١)» بتحتيَّةٍ مضمومةٍ بدل النُّون وفتح السِّين، وفي نسخةٍ: بالمثنَّاة الفوقيَّة المفتوحة (قَالَ: تَأْخُذِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تأخُذِي» بحذف النُّون، والأوَّل هو الصَّواب (فَُِرْصَةً) بتثليث الفاء وسكون الرَّاء وبالصَّاد المهملة: قطعةً من قطنٍ (مُمَسَّكَةً) مطيَّبةً بالمسك (فَتَوَضَّئِينَ بِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فَتَوَضَّئي بها» بحذف النُّون، أي: وضوءًا لغويًّا، أي: تنظَّفي بها (قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : تَوَضَّئِي) ليس هنا «بها» (قَالَتْ: كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (النَّبِيُّ ﷺ : تَوَضَّئِينَ) وللكشميهني: «توضئي» (بِهَا، قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَعَرَفْتُ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) بقوله: «توضَّئي بها» (فَجَذَبْتُهَا) بالذَّال المعجَمة (إِلَيَّ) بتشديد الياء (فَعَلَّمْتُهَا). ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «توضَّئي بها» فإنَّه وقع بيانه للسَّائلة بما فهمته عائشة ﵂ وأقرَّها ﷺ على ذلك؛ لأنَّ السَّائلة لم تكن تعرف أنَّ تتبُّع الدَّم بالفرصة يسمَّى توضُّؤًا، فلمَّا فهمت عائشة غرضه بيَّنت للسَّائلة ما خفي عليها من ذلك، فالمجمَل يوقف على بيانه من القرائن، وتختلف الأفهام في إدراكه. وسبق هذا الحديث (٢) في «الطهارة» [خ¦٣١٤] بلفظ سفيان بن عُيَينة. ٧٣٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشيَّة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الوالبيِّ مولاهم، أحد الأعلام (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄: (أَنَّ أُمَّ حُفَيْدٍ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الفاء وبعد

стр. 12661

التَّحتيَّة السَّاكنة دالٌ مهملةٌ، هُزَيلة، بضمِّ الهاء وفتح الزَّاي، مصغر هَزْلة (بِنْتَ الحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي بعدها نونٌ، الهلاليَّة أخت ميمونة أمِّ المؤمنين وخالة ابن عبَّاسٍ (أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَمْنًا وَأَقِطًا) لبنًا مجمَّدًا (وَأَضُبًّا) بهمزةٍ مفتوحةٍ فضادٍ معجمةٍ مضمومةٍ: جمع ضبٍّ، وللكشميهنيِّ: «وضَبًّا» بفتح الضَّاد بلفظ الإفراد (فَدَعَا بِهِنَّ) أو به (النَّبِيُّ ﷺ ، فَأُكِلْنَ) أو فأُكِلَ (عَلَى مَائِدَتِهِ، فَتَرَكَهُنَّ) أو تركه (النَّبِيُّ ﷺ كَالمُتَقَذِّرِ (١) لَهُ) بالقاف والذَّال المعجَمة (٢) المشدَّدة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لهنَّ» (وَلَوْ كُنَّ) أي: الأضبُّ (حَرَامًا مَا أُكِلْنَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ولو كان» أي: الضبُّ حرامًا، ما أُكِل (عَلَى مَائِدَتِهِ، وَلَا أَمَرَ بِأَكْلِهِنَّ) أو بأكله، ومطابقته ظاهرةٌ. ٧٣٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر ابن الطَّبريِّ (٣) المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) بفتح الرَّاء والموحَّدة المخفَّفة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ أَكَلَ ثُومًا) بضمِّ المثلَّثة (أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا) جواب الشَّرط، أي: فليعتزِلْ الحضور عندنا والصَّلاةَ معنا (أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا) عامٌّ في جميع المساجد، ويؤيِّده الرِّواية الأخرى:

стр. 12662

«مساجدنا» بلفظ الجمع، فيكون لفظ الإفراد للجنس، أو هو خاصٌّ بمسجده ﷺ ؛ لكونه مهبط الملك بالوحي (وَلْيَقْعُدْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيّ: «أو (١) ليقعد» (فِي بَيْتِهِ) فلا يحضر المساجد والجماعات، وليصلِّ في بيته، فإنَّ ذلك عذرٌ له عن (٢) التَّخلُّف (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة (أُتِيَ) -بضمِّ الهمزة- ﵊ (بِبَدْرٍ) بفتح الموحَّدة الثَّانية وسكون الدَّال المهملة بعدها راءٌ: طَبَقٌ (٣) (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله: (يَعْنِي: طَبَقًا فِيهِ) بُقولٌ (خَضِرَاتٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجَمتين، وسُمِّي الطّبق بَدْرًا؛ لاستدارته كاستدارة القمر، وللأَصيليِّ: «خُضَرَاتٌ (٤)» بضمِّ الخاء وفتح الضّاد، وهو مبتدأٌ، ومسوِّغهُ تقدُّم (٥) الخبر في المجرور، والجملة في محلِّ الصِّفة لـ «بَدْر» وهو مسوَّغٌ ثانٍ (٦)، والخضرات: جمع خضرةٍ العشب النَّاعم (مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ) بفتحاتٍ: أصاب (لَهَا رِيحًا) كريهةً كالبصل والثُّوم والفجل (فَسَأَلَ عَنْهَا) بفتح السين، والفاء سببيَّة، أي: بسبب ما وجد من الرِّيح سأل، وفاعل «سأل» ضميرُ النَّبيِّ ﷺ (فأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة وكسر الموحَّدة (٧) مبنيًّا للمجهول (٨)، والمفعول الذي (٩) لم يسمَّ فاعلُه ضميرُ النَّبيِّ ﷺ ، وهو هنا

стр. 12663

يتعدَّى إلى الثالث بحرف الجرِّ، وهو قوله: (بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ) و «ما» موصولٌ (١)، والعائد ضمير الاستقرار، وضمير «فيها» يعود على «الخضرات»، أي: أُخبِر بما اختلط فيها، وتكون «في» مجازًا في الظَّرف (فَقَالَ) ﵊: (قَرِّبُوهَا) أي: إلى فلانٍ، ففيه حذفٌ (فَقَرَّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ) ﷺ وهذا منقولٌ بالمعنى؛ لأنَّ لفظه ﵊: قرِّبوها لأبي أيُّوب، فكأنَّ الرَّاويَ لم يحفظه، فكنَّى عنه، وعلى تقدير ألَّا يكون عينه، ففيه التفاتٌ؛ لأنَّ الأصل أن يقول: إلى بعض أصحابي، وقوله: «كان معه» من كلام الرَّاوي (فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا) بفتح الهمزة، وفاعل «رآه» يعود على النَّبيِّ ﷺ ، وضمير المفعول على الذي قُرِّب إليه، وضمير «كره» يعود على الرَّجل، وجملة «كره» في محلِّ الحال من مفعول «رأى» لأنَّ الرؤية بصريَّة، وجواب «لمَّا» قوله: (قَالَ) أي: النَّبيُّ ﷺ للرَّجل: (كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي) مِنَ الملائكة. (وَقَالَ) وسقط الواو لأبي ذرٍّ (ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، وهو سعيد بن كثير بن عفيرٍ شيخ المؤلِّف (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله: (بِقِدْرٍ) بكسر القاف وسكون الدَّال المهملة (فِيهِ خَضِرَاتٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد، وللأَصيليِّ: «خُضَرَاتٌ» بضمٍّ ثم فتحٍ بدل من (٢) «بِبَدْرٍ» (وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَأَبُو صَفْوَانَ) عبد الله بن سعيدٍ الأمويُّ، فيما وصله في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٢] في روايتيهما (٣) (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (قِصَّةَ القِدْرِ، فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ مُدرَجًا

стр. 12664

(أَوْ) هو مرويٌّ (فِي الحَدِيثِ) وقد بالغ بعضُهم فقال: إنَّ لفظة «القِدْر» بالقاف تصحيفٌ، وسبب ذلك استشكال القِدْر، فإنَّه يُشعِر بأنَّه مطبوخٌ، وقد ورد الإذن بأكلها مطبوخةً، ويمكن الجواب: بأنَّ ما في القِدْر قد يُمات بالطَّبخ حتَّى تذهبَ رائحته الكريهة أصلًا، وقد لا ينتهي به إلى ذلك، فتُحمَل هذه الرِّواية الصَّحيحة على الحالة (١) الثَّانية، بل يجوز أن يكون قد جُعِل في القِدْر على نيَّة أن يُطبَخ، ثم اتَّفق أن أُتيَ به قبل الطَّبخ، لكنَّ أمره بالتَّقريب لبعض أصحابه يُبعِد هذا الاحتمال، ولكن مع هذه الاحتمالات لا يبقى إشكالٌ يُفضي إلى جعله مصحَّفًا أو ضعيفًا. والحديث سبق في «الصلاة» في «باب ما جاء في أكل الثوم النّيْءِ» [خ¦٨٥٥]. ٧٣٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بنِ سَعْدٍ -بسكون العين فيهما- ابنِ إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ أبو الفضل البغداديُّ قاضي أصبهان قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) سعدٌ (وَعَمِّي) يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَا) أي: قال كلٌّ منهما: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم (عَنْ أَبِيهِ) سعدٍ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ) القرشيَّ النوفليَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ، وسقط من «اليونينيَّة» و «الملكيَّة» لفظ: «من الأنصار» (أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ) يعطيها (فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ) وفي «مناقب أبي بكرٍ» [خ¦٣٦٥٩] فأمرها أن ترجع إليه (فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ؟ قَالَ) ﵊: (إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁. (زَادَ الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير على الحديث السَّابق -ولأبي ذرٍّ: «زاد لنا الحميديُّ» -

стр. 12665

(عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) المذكور بالسَّند المذكور (١): (كَأَنَّهَا تَعْنِي) بقولها: إن لم أجدك (المَوْتَ) أي: إن جئت فوجدتك قد متَّ ماذا أفعل؟ قال في «الكواكب»: ومناسبة هذا الحديث للتَّرجمة أنَّه يُستَدلُّ به على خلافة أبي بكرٍ، لكن بطريق الإشارة لا التَّصريح، والحديث سبق في «مناقب أبي بكرٍ» [خ¦٣٦٥٩]. (٢٥) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ. (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى (عَنْ شَيْءٍ) ممَّا يتعلَّق بالشَّرائع؛ لأنَّ شرعنا غير محتاج لشيء، فإذا لم يوجد فيه نصٌّ ففي النَّظر والاستدلال غنًى عن سؤالهم. نعم لا يدخل في النَّهي سؤالهم عن الأخبار المصدِّقة لشرعنا والأخبار عن الأُمم السَّالفة، وكذا سؤال مَن آمن منهم. ٧٣٦١ - (وَقَالَ أَبُو اليَمَانِ) شيخ المؤلِّف الحكم بن نافعٍ ولم يقل: «حدَّثنا أبو اليمان» إمَّا لكونه أخذه عنه مذاكرةً، أو لكونه أثرًا موقوفًا. نعم؛ أخرجه الإسماعيليُّ عن عبد الله بن العبَّاس الطيالسيِّ عن البخاريِّ قال: «حَدّثنا أبو اليمان» ومن هذا الوجه أخرجه أبو نُعيمٍ، قال في «الفتح»: فظهر أنَّه مسموعٌ له، وترجَّح الاحتمال الثَّاني، وكذا هو في «التَّاريخ الصَّغير» للمؤلِّف قال: حدّثنا أبو اليمان قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الحاء مصغَّرًا، ابن عوفٍ أنَّه (سَمِعَ مُعَاوِيَةَ) ابن أبي سفيان (يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ) لمَّا حجَّ في خلافته، وقال ابن حجرٍ: لم أقف على تعيين

стр. 12666

الرَّهط (وَذَكَرَ كَعْبَ الأَحْبَارِ) بن ماتع -بالفوقيَّة بعدها عينٌ مهملةٌ- ابن عمرو بن قيسٍ من آل ذي رُعَينٍ، وقيل: ذي الكلاع، الحِمْيريَّ، وكان يهوديًّا عالمًا بكتبهم، أسلم في عهد عمر أو أبي بكر أو في عهده ﷺ ، وتأخَّرت هجرته، والأوَّل أشهر (فَقَالَ) أي: معاوية: (إِنْ كَانَ) كعبٌ (مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ) ممَّن هو نظير كعبٍ ممَّن كان من أهل الكتاب وأسلم (وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو) بالنُّون: لَنختبرُ (عَلَيْهِ الكَذِبَ) الضَّمير المخفوض بـ «على» يعود على كعب الأحبار، يعني: أنَّه يُخطِئ فيما يقوله في بعض الأحيان، ولم يُرِد أنَّه كان كذَّابًا، كذا ذكره ابن حِبَّان في «كتاب الثِّقات» وقيل: إنَّ الهاء في «عليه» راجعةٌ إلى «الكتاب» من قوله: إن (١) كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يحدِّثون عن أهل الكتاب، وذلك لأنَّ كتبهم قد بُدِّلت وحُرِّفت، وليس عائدًا على «كعب» قال القاضي عياضٌ: وعندي أنَّه يصحُّ عوده على كعب أو على حديثه وإن لم يقصد الكذب أو يتعمَّده كعبٌ؛ إذ لا يُشتَرط في الكذب عند أهل السُّنَّة التَّعمُّد، بل هو إخبار بالشَّيء على خلاف ما هو عليه، وليس في هذا تجريحٌ لكعبٍ بالكذب، وقال ابن الجوزيِّ، يعني: أنَّ الكذب فيما يُخبِر به عن أهل الكتاب لا منه، فالأخبار التي يحكيها عن القوم يكون في بعضها كذبٌ، فأمَّا كعب الأحبار فهو من (٢) خيار الأحبار، وأخرج ابن سعدٍ من طريق عبد الرَّحمن بن جُبير بن نُفيرٍ قال: قال معاوية: «أَلا إنَّ كعب الأحبار أحدُ العلماء، إن كان عنده لعلمٌ كالثِّمار، وإن كنَّا فيه لمفرِّطين». ٧٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة

стр. 12667

المشدَّدة، ابن عثمان أبو بكرٍ العبديُّ مولاهم، الحافظ بندار قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارس العبديُّ البصريُّ، أصله من بخارى قال: (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنائيُّ، بضمِّ الهاء وتخفيف النون، ممدودًا (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة الطَّائيِّ مولاهم (عَنِ أَبِي (١) سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ) اليهود (يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ) بكسر العين المُهمَلة وسكون الموحَّدة (وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) إذا (٢) كان ما يخبرونكم به محتملًا؛ لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذِّبوه، أو كذبًا فتصدِّقوه، فتقعوا في الحرج (وَقُولُوا) أيُّها المؤمنون: (آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) القرآن (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. الآيَةَ (٣)). والحديث سبق في «باب قوله: ﴿قُولُواْ آمَنَّا﴾» من تفسير البقرة سندًا ومتنًا [خ¦٤٤٨٥]. ٧٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) ابن سعدٍ بن إبراهيم الزُّهريُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (٤) (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (ابْنُ عَبْدِ الله) بن عتبة بن مسعودٍ، وثبت قوله: «ابن عبد الله» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ) من اليهود والنَّصارى، والاستفهام إنكاريٌّ (عَنْ شَيْءٍ) من الشَّرائع (وَكِتَابُكُمُ) القرآن (الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْدَثُ؟!) أي:

стр. 12668

أقرب نزولًا إليكم (١) من عند الله، فالحدوث بالنسبة إلى المنزَّل (٢) إليهم، وهو في نفسه قديمٌ (تَقْرَؤُنَهُ مَحْضًا) خالصًا (لَمْ يُشَبْ) بضمِّ أوَّله وفتح المعجمة: لم يخلط، فلا يتطرَّق إليه تحريفٌ ولا تبديلٌ، بخلاف التَّوراة والإنجيل (وَقَدْ حَدَّثَكُمْ) في كتابه: (أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ) من اليهود وغيرهم (بَدَّلُوا كِتَابَ اللهِ) التَّوراة (وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ، وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَلَا) بالتَّخفيف (يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ) بالكتاب والسُّنّةَ (عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟) بفتح الميم وسكون السِّين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «مُسَاءلتهم» بضمِّ الميم وفتح السِّين بعدها ألفٌ (لَا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ) فأنتم بالطريق الأولى ألَّا تسألوهم. والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٨٥]. (٢٦) (بابُ كَرَاهِيَةِ الخِلَافِ) في الأحكام الشَّرعيَّة، أو أعمَّ من ذلك، ولأبي ذرٍّ: «الاختلاف» وهذا الباب عند أبي ذرٍّ بعد «باب نهي النَّبيِّ ﷺ على التَّحريم» وقبل هذا الباب المذكور: «بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾» [الشورى: ٣٨] وقال في «الفتح»: وسقطت هذه التَّرجمة لابن بطاَّلٍ، فصار حديثها من جملة «باب النَّهي على التَّحريم» (٣). ٧٣٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه -كما جزم به الكلاباذيُّ- قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بفتح الميم وسكون (٤) الهاء وكسر الدَّال المهملة (عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ) بتشديد اللَّام الخزاعيِّ (عَنْ أَبِي عِمْرَانَ) عبدِ الملك بنِ حبيبٍ (الجَوْنِيِّ) بفتح الجيم

стр. 12669

وسكون الواو بعدها نونٌ فتحتيَّةٌ، نسبةً لأحد أجداده الجَون بن عوفٍ (عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقْرَؤُوْا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ) ما اجتمعت (قُلُوبُكُمْ) عليه (فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ) في فهم معانيه (فَقُومُوا عَنْهُ) لئلَّا يتمادى بكم الاختلاف (١) إلى الشَّرِّ. وسبق الحديث في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٦٠]، وأخرجه مسلمٌ في «النُّذور» (٢) والنَّسائي في «فضائل القرآن». (قَالَ أبُو عَبْدِ الله) البخاريُّ: (سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمنِ) بنُ مَهديِّ (سَلَّامًا) أي: ابنَ أبي مطيعٍ، وأشار بهذا إلى ما سبق في آخر «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٦١] وهذا ثبت في رواية المُستملي. ٧٣٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك (الجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) سقط لأبي ذرٍّ «ابن عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: اقْرَؤُوْا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ) أي: اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دلَّ عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف بأن عرض عارض شبهةٍ يقتضي المنازعة الدَّاعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة (٣) وتمسَّكوا بالمحكَم الموجب (٤) للأُلفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدِّي إلى الفُرقة، قاله في «الفتح» فيما سبق مع غيره في آخر «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٦١] وأوردته هنا لبُعد العهد به.

стр. 12670

(قَالَ أبُو عَبْدِ الله) البخاريُّ -كذا ثبت في رواية أبي ذرٍّ، وهو ساقط لغيره-: (وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان، أبو (١) خالد الواسطيُّ (عَنْ هَارُونَ) بنِ موسى الأزديِّ العتكيِّ مولاهم، البصريِّ النحويِّ (الأَعْوَرِ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) الجَونيُّ (عَنْ جُنْدَبٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا التَّعليق وصله الدَّارميُّ. ٧٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد الفرَّاء أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف (عَنْ مَعْمَرٍ) بسكون العين، ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين (بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنَّه (قَالَ: لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) بضمِّ الحاء المُهمَلة وكسر الضَّاد المعجمة، أي: حضره الموت - (قَالَ: وَفِي البَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (قَالَ) ﵊: (هَلُمَّ) أي: تعالوا (أَكْتُبْ لَكُمْ) بالجزم جواب الأمر (كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي: «أبدًا» (قَالَ عُمَرُ) ﵁: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَ) الحال أن (٢) (عِنْدَكُمُ القُرْآنُ، فَحَسْبُنَا) كافينا (كِتَابُ اللهِ) فلا نكلِّفه ﵊ ما يشقُّ عليه في هذه (٣) الحالة من إملاء الكتاب (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ البَيْتِ وَاخْتَصَمُوا) بسبب ذلك (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ): إنَّ النَّبيَّ ﷺ غلبه الوجع، وعندكم القرآن،

стр. 12671

فحسبنا كتاب الله (فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ) بالغين المعجمة: الصَّوت بذلك (وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) لهم: (قُومُوا عَنِّي) زاد في «العلم» [خ¦١١٤] «ولا ينبغي عندي التَّنازع» (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) -بضمِّ العين- بن عبد الله بن عتبة: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ) أي: إن المصيبة كلَّ المصيبة (مَا حَالَ) أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) بيان لقوله: «ما حال» وقد كان عمر ﵁ أفقه من ابن عباس؛ لاكتفائه بالقرآن، وفي تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليلٌ على استصوابه. والحديث سبق في «باب كتابة العلم» من «كتاب العلم» (١) [خ¦١١٤] وفي «المغازي» [خ¦٤٤٣١]، وأخرجه مسلمٌ في (٢) «الوصايا» والنَّسائيُّ في «العلم». (٢٧) (بابُ نَهْيِ) بسكون الهاء، وإضافة «باب» (٣) (النَّبِيِّ (٤) ﷺ ¬) الصَّادر منه محمولٌ (عَلَى التَّحْرِيمِ) وهو حقيقةٌ فيه، وفي نسخةٍ «بابٌ» بالتَّنوين «نَهَى النَّبِيُّ» بفتح الهاء، ورفع «النَّبيُّ (٥)» على الفاعليَّة، وفي الفرع كأصله «عن التَّحريم» بالنُّون بدل «على» والذي شرحه العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ- «على (٦)» باللَّام (إِلَّا مَا تُعْرَفُ (٧) إِبَاحَتُهُ) بدلالة السَّياق عليه، أو قرينة (٨) الحال، أو إقامة الدَّليل (وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ) ﵊ تحرم مخالفته؛ لوجوب امتثاله ما لم يقم دليلٌ

стр. 12672

على إرادة النَّدب أو غيره (نَحْوَ قَوْلِهِ) ﵊ (حِينَ أَحَلُّوا) في حجَّة الوداع لمَّا أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة وتحلَّلوا من العمرة: (أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ) أي: جامعوهنَّ (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ﵁، وسقطت الواو لأبي ذرٍّ (وَلَمْ يَعْزِمْ) أي: لم يوجِب ﷺ (عَلَيْهِمْ) أن يجامعوهنَّ (وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ) فالأمر فيه للإباحة، وهذا وصله الإسماعيليُّ (وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون، أي: نهانا النَّبيُّ ﷺ (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائز وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الزَّاي، أي: ولم يوجِب علينا ﷺ . وهذا سبق موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٢٧٨]. ٧٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البلخيّ الحافظ (١) (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح: (قَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف (البُرْسَانِي) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء وبالسِّين المهملة وبعد الألف نونٌ مكسورةٌ، نسبةً إلى بُرْسان بطنٍ من الأزد، وثبت: «البُرسانيُّ» لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن جريج» أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ)

стр. 12673

الأنصاريَّ ﵄ (فِي أُنَاسٍ مَعَهُ) كان القياس أن يقول: معي لكنَّه التفاتٌ (قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ) بالنَّصب على الاختصاص (١) (رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ) هو محمولٌ على ما كانوا ابتدؤوا به، ثمَّ أُذِنَ لهم بإدخال العمرة على الحجِّ، وفسخ الحجِّ إلى العمرة، فصاروا على ثلاثة أنحاء -كما قالت عائشة ﵂: منَّا من أهلَّ بحجٍّ، ومنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من جمع (قَالَ عَطَاءٌ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا، أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح راء (٢) «أمرنا (٣)» (أَنْ نَحِلَّ) بفتح النُّون وكسر الحاء المهملة، أي: بالإحلال (وَقَالَ: أَحِلُّوا) من إحرامكم (وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ) إذنٌ في الجِماع (قَالَ عَطَاءٌ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ جَابِرٌ) ﵁: (وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ) لم يوجب عليهم جماعهنَّ (وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَبَلَغَهُ) ﷺ (أَنَّا نَقُولُ لَمَّا) بالتَّشديد (لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ) من اللَّيالي أوَّلها ليلة الأحد، وآخرها ليلة الخميس؛ لأنَّ توجُّههم من مكَّة كان عشيَّة الأربعاء، فباتوا ليلة الخميس بمنًى، ودخلوا عرفة يوم الخميس (أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا) جمع «ذَكَر» على غير قياسٍ (المَذْيَ!) بالذَّال المعجَمة السَّاكنة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٤): «المنيَّ» (قَالَ) عطاء بالسَّند السَّابق: (وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا) أي: أمالها، قال الكِرمانيُّ: هذه الإشارة لكيفيَّة التَّقطير (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد حمَّاد بن زيدٍ «خطيبًا» [خ¦٢٥٠٥] (فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي (٥) لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ) بفتح الفوقيَّة وكسر الحاء المهملة (فَحِلُّوا) بكسر الحاء: أمرٌ من حلَّ (٦) (فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمتُ في أوَّل الأمر ما علمت آخرًا، وهو

стр. 12674

جواز العمرة في أشهر الحجِّ (مَا أَهْدَيْتُ (١)، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ أمره ﵊ بإصابة النَّساء لم يكن على الوجوب، ولهذا قال: لم يعزم عليهم، ولكن أحلهنَّ لهم. وسبق الحديث بـ «الحجِّ» [خ¦١٦٥١]. ٧٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المُقْعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنِ الحُسَيْنِ) بضمِّ الحاء ابن ذكوان المعلِّم (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء عبيد الله الأسلميِّ قاضي مرو، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مُغَفَّل، بالغينِ المعجَمة المفتوحة والفاء المفتوحة المشدَّدة (المُزَنِيُّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ-: لِمَنْ شَاءَ؛ كَرَاهِيَةَ) أي: لأجل كراهية (أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً) طريقةً لازمةً لا يجوز تركُها، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأمرَ حقيقةٌ في الوجوب؛ فلذلك أردفه بما يدلُّ على التَّخيير بين الفعل والتَّرك، فكان ذلك صارفًا للحمل على الوجوب، وهذا الباب بعد الباب التَّالي لهذا، ويليه «بابُ كراهيةِ الخلاف». والحديث سبق في «الصَّلاة» في «باب كم بين الأذان والإقامة؟» [خ¦١١٨٣].

стр. 12675

(٢٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]) أي: ذو شورى، يعني (١): لا ينفردون برأيٍ حتَّى يجتمعوا عليه، وقولهِ تعالى: (﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) استظهارًا برأيهم، وتطييبًا لنفوسهم، وتمهيدًا لسُنَّة المشاورة للأمَّة (وَأَنَّ المُشَاوَرَةَ قَبْلَ العَزْمِ) على الشَّيء (وَ) قبل (التَّبَيُّنِ) وهو وضوح المقصود (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾) فإذا قطعت الرَّأي على شيءٍ بعد الشُّورى (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في إمضاء أمرك على ما هو أصلحُ لك (فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ ¬) بعد المشورة على شيءٍ وشرع فيه (لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) للنَّهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (وَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي المُقَامِ) بضمِّ الميم (٢) (وَالخُرُوجِ (٣)، فَرَأَوْا لَهُ الخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لَامَتَهُ) بغير همزةٍ في الفرع كأصله، وفي غيرهما (٤) بهمزةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام، أي: درعه (وَعَزَمَ) على الخروج والقتال وندموا (قَالُوا) له: يا رسول الله (أَقِمْ) -بفتح الهمزة وكسر القاف- بالمدينة، ولا تخرج منها إليهم (فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ) فيما قالوه (بَعْدَ العَزْمِ) لأنَّه يناقض التوكُّل الذي أمره الله به (وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) بينه وبين عدوِّه، وهذا وصله الطَّبرانيُّ بمعناه من حديث ابن عبَّاسٍ.
следующие страницы →