← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 12671–12710 · переход к 12676.

стр. 12671

فحسبنا كتاب الله (فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ) بالغين المعجمة: الصَّوت بذلك (وَالاِخْتِلَافَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ) لهم: (قُومُوا عَنِّي) زاد في «العلم» [خ¦١١٤] «ولا ينبغي عندي التَّنازع» (قَالَ عُبَيْدُ اللهِ) -بضمِّ العين- بن عبد الله بن عتبة: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ) أي: إن المصيبة كلَّ المصيبة (مَا حَالَ) أي: الذي حجز (بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ) بيان لقوله: «ما حال» وقد كان عمر ﵁ أفقه من ابن عباس؛ لاكتفائه بالقرآن، وفي تركه ﵊ الإنكار على عمر ﵁ دليلٌ على استصوابه. والحديث سبق في «باب كتابة العلم» من «كتاب العلم» (١) [خ¦١١٤] وفي «المغازي» [خ¦٤٤٣١]، وأخرجه مسلمٌ في (٢) «الوصايا» والنَّسائيُّ في «العلم». (٢٧) (بابُ نَهْيِ) بسكون الهاء، وإضافة «باب» (٣) (النَّبِيِّ (٤) ﷺ ¬) الصَّادر منه محمولٌ (عَلَى التَّحْرِيمِ) وهو حقيقةٌ فيه، وفي نسخةٍ «بابٌ» بالتَّنوين «نَهَى النَّبِيُّ» بفتح الهاء، ورفع «النَّبيُّ (٥)» على الفاعليَّة، وفي الفرع كأصله «عن التَّحريم» بالنُّون بدل «على» والذي شرحه العينيُّ -كالحافظ ابن حجرٍ- «على (٦)» باللَّام (إِلَّا مَا تُعْرَفُ (٧) إِبَاحَتُهُ) بدلالة السَّياق عليه، أو قرينة (٨) الحال، أو إقامة الدَّليل (وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ) ﵊ تحرم مخالفته؛ لوجوب امتثاله ما لم يقم دليلٌ

стр. 12672

على إرادة النَّدب أو غيره (نَحْوَ قَوْلِهِ) ﵊ (حِينَ أَحَلُّوا) في حجَّة الوداع لمَّا أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة وتحلَّلوا من العمرة: (أَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ) أي: جامعوهنَّ (وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ﵁، وسقطت الواو لأبي ذرٍّ (وَلَمْ يَعْزِمْ) أي: لم يوجِب ﷺ (عَلَيْهِمْ) أن يجامعوهنَّ (وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ) فالأمر فيه للإباحة، وهذا وصله الإسماعيليُّ (وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسَيبة: (نُهِينَا) بضمِّ النُّون، أي: نهانا النَّبيُّ ﷺ (عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائز وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الزَّاي، أي: ولم يوجِب علينا ﷺ . وهذا سبق موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٢٧٨]. ٧٣٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظليُّ البلخيّ الحافظ (١) (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح: (قَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) المؤلِّف: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بفتح الموحَّدة وسكون الكاف (البُرْسَانِي) بضمِّ الموحَّدة وسكون الرَّاء وبالسِّين المهملة وبعد الألف نونٌ مكسورةٌ، نسبةً إلى بُرْسان بطنٍ من الأزد، وثبت: «البُرسانيُّ» لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك، ولأبي ذرٍّ: «عن ابن جريج» أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ)

стр. 12673

الأنصاريَّ ﵄ (فِي أُنَاسٍ مَعَهُ) كان القياس أن يقول: معي لكنَّه التفاتٌ (قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ) بالنَّصب على الاختصاص (١) (رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الحَجِّ خَالِصًا لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ) هو محمولٌ على ما كانوا ابتدؤوا به، ثمَّ أُذِنَ لهم بإدخال العمرة على الحجِّ، وفسخ الحجِّ إلى العمرة، فصاروا على ثلاثة أنحاء -كما قالت عائشة ﵂: منَّا من أهلَّ بحجٍّ، ومنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من جمع (قَالَ عَطَاءٌ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) مكَّة (صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا، أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ¬) بفتح راء (٢) «أمرنا (٣)» (أَنْ نَحِلَّ) بفتح النُّون وكسر الحاء المهملة، أي: بالإحلال (وَقَالَ: أَحِلُّوا) من إحرامكم (وَأَصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ) إذنٌ في الجِماع (قَالَ عَطَاءٌ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ جَابِرٌ) ﵁: (وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ) لم يوجب عليهم جماعهنَّ (وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَبَلَغَهُ) ﷺ (أَنَّا نَقُولُ لَمَّا) بالتَّشديد (لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ) من اللَّيالي أوَّلها ليلة الأحد، وآخرها ليلة الخميس؛ لأنَّ توجُّههم من مكَّة كان عشيَّة الأربعاء، فباتوا ليلة الخميس بمنًى، ودخلوا عرفة يوم الخميس (أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِي عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا) جمع «ذَكَر» على غير قياسٍ (المَذْيَ!) بالذَّال المعجَمة السَّاكنة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (٤): «المنيَّ» (قَالَ) عطاء بالسَّند السَّابق: (وَيَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ هَكَذَا وَحَرَّكَهَا) أي: أمالها، قال الكِرمانيُّ: هذه الإشارة لكيفيَّة التَّقطير (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ¬) زاد حمَّاد بن زيدٍ «خطيبًا» [خ¦٢٥٠٥] (فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي (٥) لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ) بفتح الفوقيَّة وكسر الحاء المهملة (فَحِلُّوا) بكسر الحاء: أمرٌ من حلَّ (٦) (فَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمتُ في أوَّل الأمر ما علمت آخرًا، وهو

стр. 12674

جواز العمرة في أشهر الحجِّ (مَا أَهْدَيْتُ (١)، فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ أمره ﵊ بإصابة النَّساء لم يكن على الوجوب، ولهذا قال: لم يعزم عليهم، ولكن أحلهنَّ لهم. وسبق الحديث بـ «الحجِّ» [خ¦١٦٥١]. ٧٣٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو المُقْعَد البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (عَنِ الحُسَيْنِ) بضمِّ الحاء ابن ذكوان المعلِّم (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء عبيد الله الأسلميِّ قاضي مرو، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مُغَفَّل، بالغينِ المعجَمة المفتوحة والفاء المفتوحة المشدَّدة (المُزَنِيُّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ -قَالَ فِي الثَّالِثَةِ-: لِمَنْ شَاءَ؛ كَرَاهِيَةَ) أي: لأجل كراهية (أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً) طريقةً لازمةً لا يجوز تركُها، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأمرَ حقيقةٌ في الوجوب؛ فلذلك أردفه بما يدلُّ على التَّخيير بين الفعل والتَّرك، فكان ذلك صارفًا للحمل على الوجوب، وهذا الباب بعد الباب التَّالي لهذا، ويليه «بابُ كراهيةِ الخلاف». والحديث سبق في «الصَّلاة» في «باب كم بين الأذان والإقامة؟» [خ¦١١٨٣].

стр. 12675

(٢٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]) أي: ذو شورى، يعني (١): لا ينفردون برأيٍ حتَّى يجتمعوا عليه، وقولهِ تعالى: (﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) استظهارًا برأيهم، وتطييبًا لنفوسهم، وتمهيدًا لسُنَّة المشاورة للأمَّة (وَأَنَّ المُشَاوَرَةَ قَبْلَ العَزْمِ) على الشَّيء (وَ) قبل (التَّبَيُّنِ) وهو وضوح المقصود (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾) فإذا قطعت الرَّأي على شيءٍ بعد الشُّورى (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في إمضاء أمرك على ما هو أصلحُ لك (فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ ﷺ ¬) بعد المشورة على شيءٍ وشرع فيه (لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) للنَّهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (وَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي المُقَامِ) بضمِّ الميم (٢) (وَالخُرُوجِ (٣)، فَرَأَوْا لَهُ الخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لَامَتَهُ) بغير همزةٍ في الفرع كأصله، وفي غيرهما (٤) بهمزةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام، أي: درعه (وَعَزَمَ) على الخروج والقتال وندموا (قَالُوا) له: يا رسول الله (أَقِمْ) -بفتح الهمزة وكسر القاف- بالمدينة، ولا تخرج منها إليهم (فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ) فيما قالوه (بَعْدَ العَزْمِ) لأنَّه يناقض التوكُّل الذي أمره الله به (وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) بينه وبين عدوِّه، وهذا وصله الطَّبرانيُّ بمعناه من حديث ابن عبَّاسٍ.

стр. 12676

(وَشَاوَرَ) ﷺ (عَلِيًّا) أي: ابن أبي طالب (وَأُسَامَةَ) بن زيد (فِيمَا رَمَى (١) أَهْلُ الإِفْكِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «رمى به أهل الإفك (٢)» (عَائِشَةَ) ﵂ (فَسَمِعَ مِنْهُمَا) ما قالاه، ولم يعمل بجميعه، فأمَّا عليٌّ فأومأ إلى الفراق بقوله: والنِّساء سواها كثيرٌ، وأمَّا أسامة فقال: إنَّه لا يعلم عنها إلَّا الخير، فلم يعمل ﵊ بما أومأ إليه عليٌّ من المفارقة، وعمل بقوله: «واسأل الجارية تصدقك (٣)» [خ¦٢٦٦١]، فسألها، وعمل بقول أسامة في عدم المفارقة، ولكنَّه أذن لها في التَّوجُّه إلى بيت أبيها (حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ، فَجَلَدَ الرَّامِينَ) بصيغة الجمع، وسُمِّي في رواية أبي داود منهم: مِسْطَح بن أثاثة، وحسَّان بن ثابتٍ، وحَمْنة بنت جحشٍ، ولم يقع في شيءٍ من طرق حديث الإفك في «الصَّحيحين» أنَّه جلد الرَّامي، نعم رواه أحمد وأصحاب السُّنن من حديث عائشة (وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ) أي: إلى تنازع عليٍّ وأسامةَ ومَن وافقهما، وفي «الطَّبرانيِّ» عن ابن عمرَ في قِصَّة الإفك: وبعث رسول الله ﷺ إلى عليِّ بن أبي طالب وأسامةَ بنِ زيدٍ وبريرةَ، قال في «الفتح»: فكأنَّه أشار بصيغة الجمع في قوله: «تنازُعِهِم» إلى ضمِّ بريرةَ إلى عليٍّ وأسامةَ، لكن استُشكِل بأنَّ ظاهر سياق الحديث الصَّحيح أنَّها لم تكن حاضرةً، وأُجِيبَ: بأنَّ المراد بالتَّنازع اختلاف قول (٤) المذكورين عند مساءلتهم واستشارتهم، وهو أعمُّ من أن يكونوا مجتمعين أو مُفْتَرِقين (وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ، وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ) من الصَّحابة والتَّابعين فمن بعدهم (بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي الأُمُورِ المُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا) إذا لم يكن فيها نصٌّ بحكمٍ معيَّنٍ، وكانت على أصل الإباحة، والتَّقييد بـ «الأمناء» صفةٌ موضِّحةٌ؛ لأنَّ غير المؤتمن لا يُستشار، ولا يُلتفت لقوله (فَإِذَا وَضَحَ الكِتَابُ) القرآن (أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ اقْتِدَاءً) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «اقتَدَوا» (بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ (قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، فَقَالَ عُمَرُ) ﵁: (كَيْفَ تُقَاتِلُ) زاد أبو ذرٍّ: «النَّاس» (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ) أي: أمرني الله (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) المشركين عبدة الأوثان دون أهل الكتاب (حَتَّى) أي: إلى أن (يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مع محمَّد رسول الله (عَصَمُوا) أي: حفظوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ

стр. 12677

وَأَمْوَالَهُمْ) فلا تُهدَر دماؤهم ولا تُستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّهَا) من قتل نفسٍ أو حدٍّ أو غرامة مُتْلَفٍ، زاد أبو ذرٍّ هنا: «وحسابهم» أي: بعد ذلك «على الله» أي: في أمر سرائرهم، وإنَّما قيل: دون أهل الكتاب؛ لأنَّهم إذا أعطوا الجزية؛ سقط عنهم القتال، وثبتت لهم العصمة، فيكون ذلك تقييدًا للمطلق، قال الطِّيبيُّ: الذي يُذاق من لفظ «النَّاس» العموم والاستغراق (١) (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁: (وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْدُ عُمَرُ) ﵁ على ذلك (فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ) وللكشميهنيِّ: «إلى مَشُورَتِه» (إِذْ) بسكون المعجمة (كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق. (وقَالَ) ولغير أبي ذرٍّ: «قال» (النَّبِيُّ ﷺ ¬) فيما وصله المؤلِّف من حديث ابن عبَّاسٍ في «كتاب المحاربين» [خ¦٦٩٢٢] (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ) بفتح الميم وضمِّ الشِّين (٢) المعجمة وسكون الواو (كُهُولًا كَانُوا أَوْ (٣) شُبَّانًا (٤)) هذا طرفٌ من حديثٍ وقع موصولًا في «التَّفسير» [خ¦٤٦٤٢] (وَكَانَ) أي: عمر (وَقَّافًا) بتشديد القاف، أي: كثير الوقوف (عِنْدَ كِتَابِ اللهِ كذا وقع في «التَّفسير» [خ¦٤٦٤٢] موصولًا.

стр. 12678

٧٣٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «الأويسيُّ عبد العزيز بن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) -بسكون العين- ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ، وثبت: «ابن سعد» لأبي ذرٍّ وسقط لغيره (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام (وَابْنُ المُسَيِّبِ) سعيدٌ (وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين ابن عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ، أربعتهم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) زاد أبو ذرٍّ: «ما قالوا» (قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) ﵄ (حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ) تأخَّر وأبطأ (يَسْأَلُهُمَا وَهْوَ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) يعني عائشة، ولم تقل: في فراقي؛ لكراهتها التَّصريح بإضافة الفراق إليها (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ) على رسول الله ﷺ (بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ) ممَّا نسبوه إليها، فقال -كما في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١]- «أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلَّا خيرًا» (وَأَمَّا عَلِيٌّ) ﵁ (فَقَالَ): يا رسول الله (لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) بصيغة التَّذكير للكلِّ على إرادة الجنس، وإنَّما قال ذلك لِما رأى عند النَّبيِّ ﷺ من الغمِّ والقلق لأجل ذلك (وَسَلِ الجَارِيَةَ) بريرة (تَصْدُقْكَ) بالجزم على الجزاء، أي: إن أردت تعجيل الرَّاحة فطلِّقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر، فدعا ﷺ بريرة (فَقَالَ) لها: (هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟) بفتح أوَّله، يعني: من جنس ما قيل فيها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فتنام» (عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا) لأنَّ الحديث السِّنِّ يغلب عليه النَّوم ويكثر عليه (فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) بالدَّال المُهمَلة والجيم: الشَّاة التي تألف البيوت (فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ) النَّبيُّ ﷺ (عَلَى المِنْبَرِ) خطيبًا (فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي) بكسر الذَّال المُعجَمة: من يقوم بعذري إن (١) كافأته على قبيح فعله ولا يلومني (مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في» (أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ) ﵂. وهذا الحديث سبق بأطول من هذا في مواضع في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٢] وغيرها.

стр. 12679

(وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة [خ¦٤٧٥٧]. ٧٣٧٠ - قال المؤلِّف: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالواو (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) النَّشائيُّ، بالنون والشِّين المُعجَمة الخفيفة قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ) بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مهملةٍ مشدَّدةٍ وبعد الألف نونٌ، وفي أصل أبي ذرٍّ كما ذكره في حاشية الفرع كأصله «العشانيُّ» بالعين المهملة والشِّين المعجمة، وصحَّح عليه وكتب: نسخة: «الغسَّانيُّ» بالغين المعجمة والسِّين المهملة، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي بالعين المهملة ثمَّ المعجمة تصحيفٌ شنيعٌ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهلُه (وَقَالَ: مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ؟ وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول وسكون الفوقيَّة (بِالأَمْرِ) الذي قاله أهل الإفك (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو أيُّوب خالدٌ الأنصاريُّ -كما عند ابن إسحاق، وأخرجه الحاكم من طريقه-: (سُبْحَانَكَ ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]) وسبَّح تعجُّبًا ممَّن يقول ذلك، فهو تنزيهٌ لله تعالى من أن تكون حُرمة نبيِّه فاجرةً، وقوله: «وقال أبو أسامة» هو تعليقٌ، وقوله: «وحدَّثني محمَّد بن حربٍ» طريقٌ موصولٌ، والله أعلم. هذا آخر «كتاب الاعتصام» نجز (١) سادس عشر (٢) ربيع الأوَّل سنة ستَّ عشرة وتسع مئة.

стр. 12680

ولمَّا فرغ المؤلِّف من مسائل أصول الفقه وما يتعلَّق به (١) شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلَّق به، وبه ختم الكتاب، وكان الأولى تقديم أصول الكلام (٢) لأنَّه الأصل والأساس، والكلُّ مبنيٌّ عليه، لكنَّه من باب التَّرقِّي إرادةً لختم (٣) الكتاب بالأشرف، فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره (٤). ((٩٧)) (كِتابُ التَّوحيد) هو مصدر «وحَّد يوحِّد» ومعنى وحَّدت الله: اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه، وقال الجُنيد: التَّوحيد: إفرادُ القِدَم من الحَدَث (٥)، وهو بمعنى الحدوث، والحدوث يقال للحدوث الذَّاتيِّ وهو كون الشَّيء مسبوقًا بغيره، والزَّمانيِّ وهو كونه مسبوقًا بالعدم، والإضافيِّ وهو ما يكون وجودُه أقلَّ من وجود آخر فيما مضى، وهو تعالى منزَّهٌ عنه بالمعاني الثَّلاثة، وهو من الاعتبارات العقليَّة التي لا وجود لها في الخارج، وفي رواية المُستملي كما في الفرع: «كتاب الرَّدِّ على الجَهْميَّة» بفتح الجيم وسكون الهاء وبعد الميم تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، وهم طوائف يُنسَبون إلى جَهْم بن صفوان من أهل الكوفة: «و» الردِّ على: «غيرهم» أي: القدريَّة، وأمَّا الخوارج فسبق ما يتعلَّق بهم في «كتاب الفِتَن» [خ¦٦٩٣٠] وكذا الرَّافضة في «كتاب الأحكام» [خ¦٦٩٢٢] وهؤلاء الفِرَق الأربعة رؤوس المبتدعة، وقال الحافظ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ- بعد قوله: «كتاب التَّوحيد»: وزاد المُستملي: «الرَّدّ على الجَهْميَّة».

стр. 12681

(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ ﵎ وفي نسخةٍ: « » وهو الشَّهادة بأنَّ الله واحدٌ، ومعنى أنَّه (١) تعالى واحدٌ -كما قاله بعضهم-: نفي التَّقسيم لذاته، ونفي التَّشبيه عن حقِّه وصفاته، ونفي الشَّريك معه في أفعاله ومصنوعاته، فلا تشبه ذاتُه الذَّوات، ولا صفته الصِّفات ولا فعل لغيره حتَّى يكون شريكًا له في فعله أو عديلًا له، وهذا هو (٢) الذي تضمَّنته سورة الإخلاص من كونه واحدًا صمدًا إلى آخرها، فالحقُّ سبحانه مخالفٌ لمخلوقاته كلِّها مخالفةً مُطلَقةً. ٧٣٧١ - ٧٣٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك النَّبيل قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «عن يحيى بن محمَّد بن عبد الله» (بْنِ صَيْفِي) بالصَّاد المهملة، مولى عمرو بن عثمان بن عفاَّن، المكِّيِّ، ونسبه في الأولى لجدِّه (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ -نافذ- بالنُّون والفاء والمعجمة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ). قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله (٣) بن محمَّد بن

стр. 12682

أبي الأسود، واسمه حميدٌ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ العَلَاءِ) بفتح العين ممدودًا، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) الأمويُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ: «عن يحيى بن محمَّد بن عبد الله» (بْنِ صَيْفِي: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ (١)) نافذًا (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ: «قال»: (لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ مُعَاذًا نَحْوَ اليَمَنِ) ولأبي ذرٍّ: «معاذ بن جبلٍ إلى نحو أهل اليمن» أي: إلى جهة أهل اليمن، وهو من إطلاق الكُّلِّ وإرادة البعض؛ لأنَّ بعثه كان إلى بعضهم، لا إلى جميعهم (قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ) بفتح الدَّال (عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) هم اليهود (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالَى) أي: إلى توحيده، و «ما» مصدريَّةٌ (فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ) أي: التَّوحيد (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ الله قد فَرَضَ» (عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «زكاةً في أموالهم» (تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ) بالإفراد (فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ) بالإفراد أيضًا (فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ) صدَّقوا به وآمنوا (فَخُذْ مِنْهُمْ) زكاة أموالهم (وَتَوَقَّ) اجْتنِبْ (كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ) خيار مواشيهم أن تأخذها في الزَّكاة، والكريمة: الشَّاة الغزيرة اللَّبن، وفي الحديث دليلٌ لمن قال: أوَّل (٢) واجبٍ المعرفة كإمام الحَرَمين، واستدلَّ بأنَّه لا يتأتَّى الإتيان بشيءٍ من المأمورات على قصد الامتثال ولا الانكفاف عن شيءٍ من المنهيَّات على قصد الانزجار إلَّا بعد معرفة الآمر الناهي، واعتُرِض عليه بأنَّ المعرفة لا تتأتَّى إلَّا بالنَّظر والاستدلال، وهي مقدِّمة الواجب فتجب، فيكون أوَّل واجبٍ النَّظر، وقال الزَّركشيُّ: اختُلف في التَّقليد في ذلك على مذاهب أحدها -وهو قول الجمهور-: المنع؛ للإجماع على وجوب المعرفة، وبقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فأمر بالعلم بالوحدانيَّة، والتَّقليدُ لا يفيد العلم، وقد ذمَّ الله تعالى التَّقليد في الأصول، وحثَّ عليه في الفروع (٣)، فقال في الأصول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وحثَّ على السُّؤال في الفروع بقوله تعالى:

стр. 12683

﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] والثَّاني: الجواز؛ لإجماع السَّلف على قبول كلمتَي الشّهادة من النَّاطق بهما، ولم يقل أحدٌ له (١): هل نظرت أو تبصَّرت بدليلٍ؟ والثَّالث: يجب التَّقليد، وأنَّ النَّظر والبحث فيه حرامٌ، والقائل بهذا المذهب طائفتان: طائفةٌ ينفون النَّظر ويقولون: إذا كان المطلوبُ في هذا العِلْمَ، والنَّظر لا يفضي إليه، فالاشتغال به حرامٌ، وطائفةٌ يعترفون بالنَّظر لكن يقولون: ربَّما أوقع النَّظر في هذا في الشُّبَهِ، فيكون ذلك سببَ الضَّلال، وقد زلَّ به طائفةٌ من العقلاء، فيحرم الاشتغال به لأجل ذلك، وقد يُتَوهَّم أنَّ هذا مذهب الشَّافعيِّ وغيره من السَّلف (٢)؛ لنهيهم عن علم الكلام والاشتغال به، ولا شكَّ أنَّ منعهم منه ليس هو لأنَّه ممنوعٌ مطلقًا، كيف وقد قطع أصحابه بأنَّه من فروض الكفايات؟! وإنَّما منعوا منه لمن لا يكون له قَدَمٌ (٣) في مسالك التَّحقيق، فيؤدِّي إلى الارتياب والشَّكِّ نحو الكفر، وذكر البيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» هذا قال: وكيف يكون العلم الذي يتوصَّل به إلى معرفة الله وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النَّبيِّ الصَّادق والمتنبِّئ مذمومًا أو مرغوبًا عنه؟ ولكنَّهم لإشفاقهم على الضَّعَفة ألَّا يبلغوا ما يريدون منه فيضلُّوا نَهَوا عن الاشتغال به، ونقل عن الأشعريِّ أنَّ إيمان المقلِّد لا يصحُّ، وأنَّه يقول بتكفير العوامِّ، وأنكره الأستاذ أبو القاسم القشيريُّ وقال: هذا كذبٌ وزورٌ من تلبيسات الكرَّاميَّة على العوامِّ، والظَّنُّ بجميع عوامِّ المسلمين أنَّهم مصدِّقون (٤) بالله تعالى، وقال أبو منصورٍ في «المقنع»: أجمع أصحابنا على أنَّ العوامَّ مؤمنون عارفون بالله تعالى، وأنهم حَشْو الجنَّة؛ للإخبار والإجماع فيه، لكنَّ منهم من قال: لا بدَّ من نظرٍ عقليٍّ في العقائد، وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإنَّ فِطَرَهم جُبِلت على توحيد الصَّانع وقِدَمِه وحُدوث الموجودات، وإن عجزوا عن التعبير عنه على اصطلاح المتكلِّمين، فالعلم بالعبارة علمٌ زائدٌ لا يلزمهم، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يكتفي من الأعراب بالتَّصديق، مع العلم بقصورهم عن معرفة النَّظر بالأدلَّة، ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ وسبق أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٤٥٨].

стр. 12684

٧٣٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصَّاد المهملتين عثمان بن عاصمٍ الأسديِّ (وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المهملة، هو الأشعث بن أبي الشَّعثاء المحاربيُّ أنَّهما (سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ) المحاربيَّ الكوفيَّ (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» (¬ ﷺ : يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟ قَالَ) معاذ: قلت: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) رسول الله ﷺ : (أَنْ يَعْبُدُوهُ) بأن يطيعوه ويجتنبوا معاصيَه (وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) عطفٌ على السَّابق؛ لأنَّه تمام التَّوحيد، والجملة حاليَّةٌ، أي: يعبدوه (١) في حال عدم الإشراك به (٢)، ثمَّ قال ﷺ : (أَتَدْرِي) يا معاذ (مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟) ما حقُّ العباد على الله؟ وهو من باب المشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] أو المراد: الحقُّ الثَّابت أو الواجب الشَّرعيُّ بإخباره تعالى عنه، أو كالواجب في تحقُّق وجوبه (٣) (قَالَ) معاذ: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ﷺ : (أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ) إذا اجتنبوا الكبائر والمناهي، وأتَوا بالمأمورات. والحديث سبق في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٠٠] ونحوه (٤) [خ¦٢٨٥٦] [خ¦٦٢٦٧] وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان».

стр. 12685

٧٣٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام بن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁: (أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُهَا) يكررِّها ويُعيدها، واسم الرجل القارئ: قتادة بن النُّعمان، رواه ابن وهب، عن ابن لَهيعة، عن الحارث ابن يزيد (١)، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ (فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ) ولأبي ذرٍّ: «فذكر ذلك له» (وَكَأَنَّ) بالواو والهمزة وتشديد النُّون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكأنَّ» بالفاء (الرَّجُلَ) الذي سمع (يَتَقَالُّهَا) بالقاف وتشديد اللَّام يعدُّها قليلةً (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها) أي: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولأبي ذرٍّ: «فإنَّها» (لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ) لأنَّ القرآن على ثلاثة أنحاء: قصصٍ، وأحكامٍ، وصفاتٍ لله ، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ متمحِّضةٌ (٢) للتَّوحيد والصِّفات، فهي ثُلثهُ، وفيه دليلٌ على شرف علم التَّوحيد، وكيف لا والعلم يشرف بشرف المعلوم؟ ومعلومُ هذا العلمِ هو الله وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، فما ظنُّك بشرف منزلته وجلالة محلِّه؟! (زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ) عبد الله ابن عبد الرَّحمن بن أبي صعصعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ ﵁ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَخِي) لأُمِّي (قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) وهذا سبق في فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ من «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٣].

стр. 12686

٧٣٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كذا غير منسوبٍ في الفرع كأصله، قال خلفٌ في «الأطراف»: أحسبه محمَّد بن يحيى الذُّهليّ قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفر بن الطَّبريِّ (١) الحافظ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ) سعيدٍ: (أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ) بكسر الرَّاء وتخفيف الجيم (مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّ، مشهورٌ بكنيته، وكان له عشرة أولادٍ رجالٍ (حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم (بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرارة الأنصاريَّة المدنيَّة (-وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ) أميرًا عليها، وهو متعلِّقٌ بـ «بعث» ولا يصحُّ أن يتعلَّق بصفةٍ لـ «رجل» لفساد المعنى، ولا بحالٍ؛ لأنَّ «رجلًا» نكرةٌ، ولم يقل: في سريَّةٍ؛ لأنَّ «على» تُفيد معنى الاستعلاء، والرَّجل: قيل: هو كلثوم بن الهدم، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم ذكروا أنَّه مات في أوَّل الهجرة قبل نزول القتال، قال: ورأيت بخطِّ الرَّشيد العطَّار: كلثوم بن زهدم، وعزاه لـ «صفوة الصَّفوة (٢)» لابن طاهرٍ، ويقال: قتادة بن النُّعمان، وهو غلطٌ، وانتقالٌ من الذي قبله إلى هذا (وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِ) ولأبي ذرٍّ: «في صلاتهم» أي: التي يصلِّيها بهم (فَيَخْتِمُ) (٣) قراءته (بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾) السُّورة إلى آخرها [الإخلاص: ١ - ٦] وهذا يُشْعِر بأنَّه كان يقرأ بغيرها معها في ركعةٍ واحدةٍ، فيكون دليلًا على جواز الجمع بين السُّورتين غير الفاتحة في ركعةٍ، والمراد (٤): أنَّه كان من عادته أن يقرأها بعد الفاتحة (فَلَمَّا رَجَعُوا) من السَّريَّة (ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ): لِمَ تختم

стр. 12687

بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؟ (فَقَالَ) الرجل: أختم بها (لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ) لأنَّ فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقَّةٌ من صفاته (وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا (١)) فجاؤوا فأخبروا (٢) النَّبيَّ ﷺ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ) تعالى (يُحِبُّهُ) لمحبته قراءتها، ومحبة الله تعالى لعباده إرادة الإثابة لهم. والحديث سبق في «باب الجمع بين السُّورتين في الرَّكعة» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦١٠/ ١٠٦ - ١٢٣٢] وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة» والنَّسائيُّ فيه وفي «اليوم واللَّيلة». (٢) (بابُ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾) أي: سمُّوا بهذا الاسم أو بهذا (٣)، قال البيضاويُّ: المراد التَّسوية (٤) بين اللَّفظتين هو أنَّهما يُطلَقان على ذاتٍ واحدةٍ وإن اختلف اعتبار إطلاقهما، والتَّوحيد إنَّما هو للذَّات الذي هو المعبود، هذا إذا كان ردًّا لقول المشركين، أي: حين سمعوه ﷺ يقول: يا ألله، يا رحمن، فقالوا: إنَّه ينهانا أن نعبد إلهَيْنِ وهو يدعو إلهًا آخر؟! وعلى (٥) أن يكون ردًّا لليهود، أي: حيث قالوا لمَّا سمعوه أيضًا يقول: يا ألله يا رحمن: إنَّك لَتُقِلَّ ذكر الرَّحمن وقد أكثر (٦) الله تعالى في التَّوراة، فالمعنى: أنَّهما سيَّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، وهو أجوب (٧) لقوله: (﴿أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]) و «أو» للتَّخيير، والتَّنوين في ﴿أَيًّا﴾ عوضٌ عن المضاف إليه، و ﴿مَّا﴾ صلةٌ لتأكيد ما في «أيٍّ» من الإبهام، والضَّمير في قوله: «له» للمسمَّى؛ لأنَّ التسمية له لا للاسم، وكان أصل الكلام: أيًّا ما تدعوا فهو حسنٌ، فوُضِع موضعه ﴿فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ للمبالغة، والدلالة على ما هو الدليل عليه، وكونها حُسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام. انتهى. قال الطِّيبيُّ:

стр. 12688

إنَّما كان أجوب (١)؛ لأنَّ اعتراض اليهود كان تعييرًا للمسلمين على ترجيح أحد الاسمين على الآخر، واعتراض المشركين كان تعييرًا على الجمع بين اللفظين، فقوله: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُواْ﴾ مطابقٌ للردِّ على اليهود؛ لأنَّ المعنى: أيَّ الاسمين دعوتموه فهو به حسنٌ، وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين، والجواب: أنَّ (٢) هذا مسلَّمٌ إذا كان ﴿أَوِ﴾ للتخيير، فلم يمنع أن تكون للإباحة؛ كما في قوله: جالِس الحسن أو ابن سيرين، فحينئذٍ يكون أجوب، وتقريبه (٣): قل: سمُّوا ذاته المقدَّسة بالله أو بالرحمنِ، فهما سيَّان في استصواب التَّسمية بهما، فبأيِّهما سمَّيته فأنت مصيبٌ، وإن سمَّيته بهما فأنت أصوب؛ لأنَّ له الأسماء الحسنى (٤)، وقد أمرنا أن ندعو بها في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فجواب الشرط الأوَّل قوله: فأنت مصيبٌ، ودلَّ على الشَّرط الثَّاني وجوابه قوله: ﴿فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ وحينئذٍ فالآية فنٌّ من فنون الإيجاز الذي هو حِلْية التنزيل، وقوله: ﴿فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ هو من باب الإطناب، فظهر بهذا أنَّ الإباحة أنسب من التخيير؛ لأنَّ أبا جهل حظر الجمع بين الاسمين، فرُدَّ بإباحة أن يجمع بين أسماء، يعني: فكيف يمنع من الجمع بين الاسمين وقد أبيح الجمع بين الأسماء المتكاثرة؟ على أنَّ الجواب بالتخيير في الردِّ على أهل الكتاب غير مطابقٍ؛ لأنَّهم اعترضوا بالترجيح، وأُجيب بالتسوية؛ لأنَّ ﴿أَوِ﴾ تقتضيها، وكان الجواب العتيد (٥) أن يقال: إنَّما رجَّحنا «الله» على «الرَّحمن» في الذِّكر؛ لأنَّه جامعٌ لجميع صفات الكمال، بخلاف «الرَّحمن» ويُساعِد ما ذكرنا من أنَّ الكلام مع المشركين قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ﴾ [الإسراء: ١١١] لأنَّه مناسبٌ أن يكون تسجيلًا للردِّ على المشركين.

стр. 12689

٧٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» بتخفيف اللام وتشديدها، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم، بالخاء المعجمة والزَّاي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (وَأَبِي ظَبْيَانَ) بفتح الظاء المعجَمة وسكون الموحَّدة، «حُصَين»: بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن جندبٍ الكوفيِّ، كلاهما (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا يَرْحَمُ اللهُ) في الآخرة (مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ) من مؤمنٍ وكافرٍ، و «يَرْحَم» بفتح أوَّله في الموضعين. ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ، وسبق الحديث في «الأدب» [خ¦٦٠١٣] وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل». ٧٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الحاء والميم المشدَّدة ابن درهمٍ الأزديُّ أحد الأعلام (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) بن سليمان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) الحِبِّ ابن الحِبِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ) زينب (يَدْعُوهُ) أي: الرّسول، ولأبي ذرٍّ: «تدعوه» بالفوقيَّة بدل التّحتيَّة، أي: تدعوه زينب على لسان رسولها (إِلَى ابْنِهَا) وهو (فِي) حالة (المَوْتِ) من معالجة الرُّوح (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ارْجِعْ) زاد أبو ذرٍّ: «إليها» وسقط له لفظ «النّبيُّ» والتَّصلية (فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: الذي أراد أن يأخذه هو الذي أعطاه، فإن أخذه؛ أخذ ما هو له، ولفظ «ما» فيهما

стр. 12690

مصدريَّةٌ، أي: أنَّ (١) لله الأخذ والإعطاء، أو موصولةٌ والعائد محذوفٌ، وكذا الصِّلة (وَكُلُّ شَيْءٍ) من الأخذ والإعطاء وغيرهما (عِنْدَهُ) في علمه (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) مقدَّرٍ (فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثَّواب منه تعالى؛ ليحسب (٢) ذلك من عملها الصالح (فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ) إليه ﷺ (أَنَّهَا أَقْسَمَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد أقسمت» أي: عليه (لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] وأبيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابتٍ ورجالٌ (فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ) بالفاء والدَّال المهملة المضمومة، وللكُشْميهنيِّ: «فرُفِعَ» بالرَّاء بدل الدَّال، وللحَمُّويي والمُستملي: «ورُفِعَ» بالواو بدل الفاء (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا، أي: تضطرب وتتحرَّك، والقعقعة: حكاية حركةٍ لشيءٍ يُسمَع له صوتٌ كالسِّلاح (كَأَنَّهَا) أي: نفسُه (فِي شَنٍّ) بفتح الشِّين المعجَمة وتشديد النُّون: قِربةٍ خلقةٍ يابسةٍ (فَفَاضَتْ) بالبكاء (عَيْنَاهُ) ﷺ (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ) أي: ابن عبادة المذكور: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا) البكاء وأنت تنهى عنه؟ وثبت: «ما هذا» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ : (هَذِهِ رَحْمَةٌ) أي: الدَّمعة التي تراها من حزن القلب بغير تعمُّدٍ ولا استدعاءٍ لا مؤاخذة فيها، فهي أثر الرَّحمة التي (جَعَلَهَا اللهُ) تعالى (فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وليس من باب الجزع وقلَّة الصَّبر، و «الرُّحماء»: جمع رحيمٍ، من صيغ المبالغة، وهو أحد الأمثلة الخمسة: فَعول وفعَّال ومِفْعال وفَعِل وفعيل، وزاد بعضهم فيها: فِعِّيلًا كَسِكِّير، وجاء «فعيل» بمعنى: مفعول، قال المتلمِّس: فأمَّا إذا عضَّت بك الحرب عضّةً … فإنَّك معطوفٌ عليك رحيمُ والرَّحمة لغةً: الرِّقَّة والانعطاف، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي البطن؛ لانعطافها على

стр. 12691

الجنين، فعلى هذا يكون وصفه تعالى بالرَّحمة مجازًا عن (١) إنعامه تعالى على عباده، كالملك إذا عطف على رعيَّته أصابهم خيره، وتكون على هذا التقدير صفة فعلٍ، لا صفة ذاتٍ، وقيل: الرَّحمة: إرادة الخير لمن أراد الله به ذلك، ووصفه بها على ذلك القول حقيقةٌ، وهي حينئذٍ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظَّاهر، وقيل: الرَّحمة رقَّةٌ تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في الرِّقَّة المجرَّدة، وتارةً في الإحسان المجرَّد، وإذا وُصِف بها الباري تعالى فليس يُراد بها إلَّا الإحسان المجرَّد دون الرِّقَّة، وعلى هذا روي: الرَّحمة من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميِّين رقَّةٌ وتعطُّفٌ، وأمَّا ما روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «الرَّحمن الرَّحيم: اسمانِ رقيقان، أحدهما أرقُّ من الآخر» فلا يثبت؛ لأنَّه من رواية الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عنه، والكلبيُّ متروكُ الحديث، ونقل البيهقيُّ عن الحسين بن الفضل البجليِّ أنَّه نسب راوي حديث ابن عبَّاسٍ إلى التَّصحيف، وقال: إنَّما هو الرَّفيق؛ بالفاء، أي: فهما اسمان رفيقان، أحدهما أرفق من الآخر، وقوَّاه البيهقيُّ بالحديث المرويِّ في مسلمٍ عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العنف» واختُلِف هل «الرَّحمن الرَّحيم» بمعنًى واحدٍ؟ فقيل: بمعنًى واحدٍ، كندمان ونديم، فيكون الجمع بينهما تأكيدًا، وقيل: لكلِّ واحدٍ منهما فائدةٌ غير فائدة الآخر، وذلك بالنِّسبة إلى تغاير تعلُّقهما؛ إذ يقال: رحمن الدُّنيا ورحيم الآخرة؛ لأنَّ رحمته في الدُّنيا تعمُّ المؤمن والكافر، وفي الآخرة تخصُّ المؤمن، وقيل: الرَّحمن أبلغ؛ إذ لا يُطلَق إلَّا على الله سبحانه، وعلى هذا فالقياس أن يترقَّى إلى الأبلغ فيقول: رحيم رحمن، قال صاحب «التقريب»: إنَّما قدَّم أعلى الوصفين، والقياس تقديم أدناهما، كجوادٍ فيَّاضٍ؛ لأنَّ ذلك القياس فيما كان الثَّاني من جنس الأوَّل وفيه زيادةٌ، و «الرَّحمن» يتناول جلائل النِّعم وأصولها، و «الرَّحيم» دقائقها وفروعها، فلم يكن في الثَّاني زيادةٌ على الأوَّل، فكأنَّه جنسٌ آخر، فيقال: لِما ثبت أنَّ «الرَّحمن» أبلغ من «الرَّحيم» في تأدية معنى الرَّحمة المترقِّي (٢) من «الرَّحيم» إليه؛ لأنَّ معنى التَّرقِّي هو أن يُذكَر معنًى ثمَّ يُردَف بما هو أبلغ منه (٣)، وقال صاحب

стр. 12692

«الإيجاز والانتصاف»: «الرَّحمن» أبلغ؛ لأنَّه كالعَلَم إذ كان لا يوصَف به غير الله تعالى، فكأنَّه الموصوف، وهو أقدم إذ الأصل في نِعَم الله أن تكون عظيمةً، فالبداءة بما يدلُّ على عظمها أَولى. هذا أحسن الأقوال، يعني: أنَّ هذا الأسلوب ليس من باب التَّرقِّي، بل هو من باب التَّتميم، وهو تقييدُ الكلام بتابعٍ يفيد مبالغةً، وذلك أنَّه تعالى لمَّا ذكر ما دلَّ على جلائل النِّعم وعظائمها أراد المبالغة والاستيعاب، فتمَّم بما دلَّ على دقائقها وروادفها؛ ليدلَّ به على أنَّه مولى النِّعم كلِّها، ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، فلو قصد التَّرقِّي لفاتت المبالغة المذكورة، ومن شرط التَّتميم الأخذ بما هو أعلى في الشَّيء، ثمَّ بما هو أحطُّ (١) منه؛ ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشَّيء؛ لأنَّهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلَّا لتوخِّي نُكْتةٍ، وقيل: إنَّه من باب التَّكميل، وهو أن يؤتى بكلامٍ في فنٍّ، فيُرَى أنَّه ناقصٌ فيه، فيكمَّل بآخر، فإنَّه تعالى لمَّا قال: «الرَّحمن» تُوُهِّم أنَّ جلائل النِّعم منه، وأنَّ الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمَّل بـ «الرَّحيم» ويؤيِّده ما في حديث التِّرمذيِّ عن أنسٍ مرفوعًا: «لِيَسأل أحدكم ربَّه حاجته كلَّها حتَّى يسأل شسع نعله إذا انقطع» وزاد: «حتَّى يسأل الملح». وحديث الباب سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤]. (٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَنَا الرَّزَّاقُ) ولأبوي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾» أي: الذي يرزق كلَّ ما يفتقر إلى الرِّزق، وفيه إيماءٌ باستغنائه عنه، وقُرِئ: (إنِّي أنا الرَّزَّاق) وهو موافقٌ للرِّواية الأُولى (﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]) الشَّديد القوَّة، و ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرفع: صفة لـ ﴿ذُو﴾ وقرأ الأعمش بالجرِّ صفةً لـ ﴿الْقُوَّةِ﴾ على تأويل الاقتدار.

стр. 12693

٧٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن جبير» (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حَبيِّبٍ، بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (السُّلَمِيِّ) الكوفيِّ المقرئ، ولأبيه (١) صحبةٌ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) ولأبي ذرٍّ بالرَّفع «أفعل» تفضيل من الصَّبر، وهو حبس النَّفس على المكروه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، فالمرادُ لازمُه، وهو ترك المعاجلة بالعقوبة (عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ) بتشديد الدَّال (لَهُ) أي: ينسبون إليه (الوَلَدَ) واستُشكِل بأنَّ الله تعالى مُنزَّهٌ عن الأذى، وأجيب بأنَّ المراد أذًى يلحق أنبياءه؛ إذ في إثبات الولد إيذاءٌ للنَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه تكذيبٌ له وإنكارٌ لمقالته (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) من العِلَل والبليَّات والمكروهات (وَيَرْزُقُهُمْ) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها، مقابلةً للسَّيِّئات بالحسنات، والرَّزَّاق خالق الأرزاق والأسباب التي يُتمتَّع بها، والرِّزق هو المنتَفَعُ به، وكل ما يُنتَفَع به فهو رِزقُه، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، والرِّزق نوعان: محسوسٌ ومعقولٌ؛ ولذا قال بعض المحقِّقين: الرَّزَّاق مَن رَزَق الأشباحَ فوائدَ (٢) لطفه، والأرواحَ عوائدَ كشفه، وقال القرطبيُّ: الرِّزق في ألسنة المحدِّثين السَّماع، يقال: رزقٌ، يعنون به: سماع الحديث، قال: وهو صحيحٌ. انتهى. وحظُّ العارف منه أن يتحقَّق (٣) معناه؛ ليتيقَّن (٤) أنَّه لا يستحقُّه إلَّا الله، فلا ينتظر الرِّزق ولا يتوقَّعه إلَّا منه، فَيكِل أمره إليه ولا يتوكَّل فيه إلَّا عليه، ويجعل يده خزانة ربِّه، ولسانه وَصْلةً بين الله وبين النَّاس في وصول الأرزاق الرُّوحانية والجسمانية إليهم؛ بالإرشاد والتَّعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك؛ لينال حظًّا من هذه الصِّفة، قال القشيريُّ أبو القاسم: من عرف أنَّ الله هو الرَّزَّاق أفرده بالقصد إليه (٥)، وتقرَّب إليه بدوام التَّوكل عليه، أرسل الشِّبليُّ إلى غنيٍّ أنِ ابعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه: سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشِّبليُّ: الدُّنيا حقيرةٌ وأنت حقيرٌ،

стр. 12694

وإنَّما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي، فسَمَت همَّته العليَّة ألَّا يطلب من الله تعالى الأشياء الخسيسة، ومناسبة الآية للحديث اشتماله على صفتَي الرِّزق والقوَّة الدَّالة على القدرة، أمَّا الرِّزق فمن قوله: «ويرزقهم» وأمَّا القوَّة فمن قوله: «أصبر» فإنَّ فيه إشارةً إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبع البشر، فإنَّه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلَّا مِن جِهة تكليفه ذلك شرعًا، قاله ابن المُنيِّر. وسبق الحديث في «الأدب» في «باب الصبر على الأذى» [خ¦٦٠٩٩]. (٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم الغيب (﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾) فلا يُطْلِع (﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾) من خلقه ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] أي: إلَّا رسولًا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلِعه على غيبه ما شاء و ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَنِ ارْتَضَى﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات (١)؛ لأنَّ الذين تُضَاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب. انتهى. وأُجيب: بأنَّ قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ لفظٌ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحدًا إلَّا الرُّسل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾؟ [الأنبياء: ١٠٩] وتُعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل أيضًا لم يُظهَروا على ذلك، وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول: بالمَلَكِ، والإظهار: بما يكون من غير واسطةٍ، وكرامات الأولياء على المغيَّبات (٢) إنَّما

стр. 12695

تكون تلقِّيًا عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء، وقال الطِّيبيُّ: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضَّعف والخفاء، فإنَّ إطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ فضُمِّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى يُطْلِع، أي: فلا يُظهِر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلَّا من ارتضى من رسولٍ فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطلِع النَّبيَّ على الغيب، يوحي إليه أو يرسل إليه الملك، وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء. (وَ) بابُ قول الله تعالى: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: وقت قيامها (وَ) قوله تعالى: (﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم، وقوله تعالى: (و ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]) هو في موضع الحال، أي: إلَّا معلومةٌ له (١)، وقوله تعالى: (﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]) أي: علم قيامها يردُّ إليه، أي: يجب على المسؤول (٢) أن يقول: الله أعلم بذلك. (قَالَ يَحْيَى بْنُ زِيادٍ) الفرَّاء المشهور في «كتاب معاني القرآن» له: (الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وقال غيره: الظَّاهر: الجليُّ وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه، والباطن: المحتجب كُنْه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل: الظَّاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقال الشَّيخ أبو حامد (٣): اعلم أنَّه إنَّما خفي مع ظهوره؛ لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر بما يفيض عليك من العطاء والنَّعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء، وقيل: الظَّاهر لقومٍ فلذلك وحَّدوه، والباطن عن قومٍ فلذلك جحدوه.

стр. 12696

٧٣٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) القطوانيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) أبو محمَّدٍ مولى الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (١) (عَبْدُ (٢) اللهِ بْنُ دِينَارٍ) المدنيُّ مولى ابن عمر، (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ) أي: أنَّه تعالى يعلم ما غاب عن العباد من الثَّواب والعقاب، والآجال والأحوال، جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة؛ لأنَّ المفاتيح يتوصَّل بها إلى ما في المخازن المستوثق منها بالإغلاق والإقفال، ومن علم مفاتيحها وكيفيَّة فتحها توصَّل (٣) إليها، فأراد أنَّه المتوصِّل إلى المغيَّبات المحيط علمه بها (٤)، لا يتوصَّل إليها غيره، فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيُظهِرها على ما اقتضه حكمته وتعلَّقت به مشيئته، وفيه دليلٌ على أنَّه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها، والحكمة في كونها خمسًا: الإشارة إلى حصر العوالم فيها، فأشار إلى ما يزيد في النَّفس وينقص بقوله: (لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللهُ) أي: ما تُنقصُه، يقال: غاض الماء وغِضْتُه أنا، وما تزداد، أي: ما تحمله من الولد على أيِّ حالٍ هو؟ من ذكورةٍ وأنوثةٍ، وعددٍ؛ فإنَّها تشتمل على واحدٍ واثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ، أو جسد الولد فإنَّه يكون تامًّا ومُخدَجًا، أو مدَّة الولادة فإنَّها (٥) تكون أقلَّ من تسعة أشهرٍ وأزيد عليها إلى أربعٍ عند الشَّافعيِّ، وإلى سنتين عند الحنفيَّة، وإلى خمسٍ عند مالكٍ، وخصَّ الرَّحم بالذِّكر؛ لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك نفى أن يعرف أحدٌ حقيقتها. نعم إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًّا (٦) أو سعيدًا علم به

стр. 12697

الملائكة الموكَّلون بذلك ومن شاء الله من خلقه، وأشار إلى أنواع الزَّمان وما فيها من الحوادث بقوله: (وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ) من خيرٍ وشرٍّ وغيرهما (إِلَّا اللهُ) وعبَّر بلفظ «غدٍ» لأنَّ حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يُعلَم حقيقة ما يقع فيه فما (١) بعده أحرى، وأشار إلى العالم العلويِّ بقوله: (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ) ليلًا أو نهارًا (أَحَدٌ إِلَّا اللهُ) نعم إذا أمر به؛ علمته الملائكة الموكَّلون به ومن شاء الله من خلقه، وأشار إلى العالم السُّفليِّ بقوله: (وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللهُ) أي: أين تموت؟ وربَّما أقامت بأرضٍ وضربت أوتادها وقالت: لا أبرح منها، فترمي بها مرامي القدر حتَّى تموت في مكانٍ لا (٢) يخطر ببالها، كما رُوِي: أنَّ ملك الموت مرَّ على سليمان بن داود ﵉ (٣)، فجعل ينظر إلى رجلٍ من جلسائه يديم النَّظر إليه، فقال الرَّجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت، فقال: كأنَّه يريدني، فمُرِ الرِّيح أن تحملني وتلقيني بالهند، ففعل، فقال ملك الموت: كان دوام نظري إليه (٤) تعجُّبًا منه؛ إذ أُمِرت أقبض روحه بالهند وهو عندك! وفي «الطَّبرانيِّ الكبير» عن أسامة بن زيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما جعل الله منيَّة عبدٍ بأرضٍ إلَّا جعل (٥) له فيها حاجةً» وإنَّما جعل العلم لله والدِّراية للعبد؛ لأنَّ في الدِّراية معنى الحيلة، والمعنى أنَّها -أي: النَّفس- لا تعرف -وإن (٦) أعملت حيلتها (٧) - ما يختصُّ بها، ولا شيء أخصَّ بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريقٌ إلى معرفتهما؛ كان من معرفة ما عداهما (٨) أبعد، وأمَّا المنجِّم الذي يخبر (٩) بوقت الغيث (١٠) والموت فإنَّه يقول بالقياس

стр. 12698

والنَّظر في المطالع (١)، وما يدرك بالدَّليل لا يكون غيبًا، على أنَّه مجرَّد الظَّنِّ، والظَّنُّ غير العلم، والله تعالى أعلم، وأشار إلى علوم الآخرة بقوله: (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللهُ) فلا يعلم ذلك نبيٌّ مرسلٌ ولا ملكٌ مقرَّبٌ. ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث سبق في آخر «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٩]. ٧٣٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد الفريابيُّ الضَّبيُّ مولاهم، محدِّث قيساريَّة قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالد البجليِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل، أحد الأعلام، قال: أدركت خمس مئةٍ من الصَّحابة وما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدَّثت بحديثٍ إلَّا حفظته (عَنْ مَسْرُوقٍ) أي: ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂¬) أنَّها (قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ) ليلة المعراج (فَقَدْ كَذَبَ) قالته رأيًا باجتهادها؛ لقولها: (وَهْوَ) أي: الله تعالى (يَقُولُ) في سورة الأنعام [خ¦١٠٣] (﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾) وأجاب المثبتون: بأنَّ معنى الآية: لا تحيط به الأبصار، أو لا تدركه الأبصار وإنَّما يدركه المبصرون، أو لا تدركه في الدُّنيا؛ لضعف تركيبها في الدُّنيا فإذا كان في الآخرة خلق الله تعالى فيهم قوَّةً يقدرون بها على الرُّؤية، وفي كتابي «المواهب» من مباحث ذلك ما يكفي (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ) والضَّمير في «أنَّه يعلم» للنَّبيِّ ﷺ لعطفه على قوله: «من حدثك أنَّ محمَّدًا» وصرَّح به فيما أخرجه ابن خزيمة وابن حبَّان من طريق عبد ربِّه بن سعيد (٢) عن داود بن (٣) أبي هند عن الشَّعبيِّ بلفظ: «أعظم الفرية على الله من قال: إنَّ محمَّدًا رأى ربَّه، وأنَّ

стр. 12699

محمَّدًا كتم شيئًا من الوحي، وأنَّ محمَّدًا يعلم ما في غدٍ» (وَهْوَ) تعالى (يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ) والآية: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ [النمل: ٦٥] وجاز مثل ذلك؛ لأنَّه ليس الغرض القراءة ولا نقلها (١)، وقَوْلُ الدَّاودي: -ما أظنُّ قوله في هذا الطَّريق: «من حدَّثك، أنَّ محمَّدًا يعلم الغيب» محفوظًا، وما أحدٌ يدَّعي أنَّ رسول الله ﷺ كان يعلم الغيب إلَّا ما (٢) علَّمه الله- متعقَّب بأنَّ بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظنُّ ذلك حتَّى كان يرى أنَّ صحَّة النُّبوَّة تستلزم اطِّلاع النَّبيِّ على جميع المغيَّبات، ففي «مغازي ابن إسحاق»: أنَّ ناقته ﷺ ضلَّتْ، فقال ابن الصَّليت -بالصَّاد المهملة، آخره مثنَّاةٌ، بوزن عظيمٍ-: يزعم محمَّدٌ (٣) أنَّه نبيٌّ ويخبركم (٤) عن خبر السَّماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ رجلًا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلَّا ما علمني الله، وقد دلَّني الله عليها وهي في شِعْب كذا، قد حبستها شجرةٌ» فذهبوا فجاؤوا بها، فأَعْلَم ﷺ أنَّه لا يعلم من الغيب إلَّا ما علَّمه الله، والغرض من الباب: إثبات صفة العلم، وفيه ردٌّ على المعتزلة حيث قالوا: إنَّه عالمٌ بلا علمٍ، قال العِبْريُّ (٥): وكتبهم شاهدةٌ بتعليل (٦) عالميَّة الله تعالى بالعلم كما يقول به أهل السُّنَّة، لكنَّ النِّزاع في أنَّ ذلك العلم المعلَّل به هل هو عين الذَّات كما تقول المعتزلة، أو لا كما يقول أهل السُّنَّة؟ ثمَّ إنَّ علمه تعالى شاملٌ لكلِّ معلومٍ جزئيَّاتٍ وكلِّيَّاتٍ، قال تعالى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي: علمه أحاط بالمعلومات كلِّها، وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ الاية [سبأ: ٣] وأطبق المسلمون على أنَّه تعالى يعلم دبيب النَّملة السَّوداء على (٧) الصَّخرة الصَّماء في اللَّيلة الظَّلماء، وأنَّ معلوماته لا تدخل تحت العدِّ (٨) والإحصاء، وعلمه محيطٌ بها

стр. 12700

جملةً وتفصيلًا، وكيف لا وهو خالقها؟ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وضلَّت الفلاسفة حيث زعموا أنَّه يعلم الجزئيَّات على الوجه الكلِّيِّ لا الجزئيِّ. وحديث الباب سبق في «التَّفسير» [خ¦٤٦١٢]. (٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ﴾) سقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «السَّلام» هو مصدرٌ نُعِتَ به، والمعنى ذو السَّلامة من النَّقائص والبراءة من العيوب، والفرق بينه وبين القدُّوس: أنَّ القدُّوس يدلُّ على براءة الشَّيء من نقصٍ تقتضيه ذاته، فإنَّ القدُّوس (١): طهارة الشَّيء في نفسه، والسَّلام: يدلُّ على نزاهته عن نقصٍ يعتريه لعروض (٢) آفةٍ أو صدور فعلٍ، وقيل: معنى السَّلام: مالك تسليم العباد من المخاوف والمهالك، فيرجع إلى القدرة، فيكون من صفات الذَّات، وقيل: ذو السَّلام على المؤمنين في الجنان كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فيكون مرجعه إلى الكلام القديم، ووظيفة العارف أن يتخلَّق به بحيث يسلم قلبه عن الحقد، والحسد وإرادة الشَّرِّ وقصد الخيانة، وجوارحه عن ارتكاب المحظورات واقتراف الآثام (﴿الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]) هو الذي آمن أولياءه عذابه، يقال: آمنه يؤمنه فهو مؤمن، وقيل: المصدِّق لرسله بإظهار معجزته (٣) عليهم، ومصدِّق المؤمنين ما وعدهم من الثَّواب، ومصدِّق الكافرين ما أوعدهم من العقاب، وقال مجاهدٌ: المؤمن: الذي وحَّد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨].

стр. 12701

٧٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ) بن المِقسم -بكسر الميم- قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو وائلٍ الأسديُّ الكوفيُّ المخضرم (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) ابن مسعودٍ ﵁: (كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ) في التَّشهُّد: (السَّلَامُ عَلَى اللهِ) أي: «من عباده» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٨٣٥] (فَقَالَ) لنا: (النَّبِيُّ ﷺ ¬) لمَّا فرغ من الصَّلاة: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) فأنكر التَّسليم على الله، وبيَّن أنَّ ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإنَّ كلَّ سلامٍ ورحمةٍ له ومنه، فهو مالكها ومعطيها، وقال ابن الأنباريِّ: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق؛ لحاجتهم إلى السَّلامة وغناه عنها (وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ، وهي «تفعلة» من الحياة، بمعنى: الإحياء والتَّبقية، واللَّام في «لله» للاختصاص، أو المراد: كلُّ ما تعظَّم به الملوك لله؛ فاللَّام للاستحقاق (وَالصَّلَوَاتُ) المعهودات في الشَّرع واجبةٌ (وَالطَّيِّبَاتُ) ما طاب من الكلام وحسن أن يُثنَى به على الله، أو ذكر الله مستحقٌّ لله (السَّلَامُ عَلَيْكَ) مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: السَّلام عليك موجودٌ (أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) إنَّما أعاد حرف الجرِّ؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المجرور، و «الصَّالحين» نعتٌ لـ «عباد» والصَّالح هو: القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) معطوفٌ على سابقه، و «رسوله» (١) «فعول» بمعنى مُرسَلٍ، و «فعول» بمعنى «مُفعَلٌ» قليلٌ، قال ابن عطيَّة: العرب تُجرِي «رسول» مجرى المصدر، فتصف به الجمع والواحد والمؤنَّث، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩]. والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣٥] بأتمَّ من هذا. (٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]) الملك معناه: ذو الملك، وهو إذا كان عبارةً عن التَّصرُّف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة

стр. 12702

والإحياء كان من أسماء الأفعال كالخالق، وإن كان راجعًا إلى القدرة فهي صفة ذاتٍ (١)، وعن بعض المحقِّقين: «الملك الحقّ» هو الغنيُّ مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كلِّ ما سواه، ويحتاج إليه كلُّ ما سواه إمَّا بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ، فهو بتقديره منفردٌ وبتدبيره متوحِّدٌ، ليس لأمره مردٌّ ولا لحكمه ردٌّ، أمَّا العبد فإنَّه يحتاج (٢) في الوجود إلى الغير، والاحتياج ممَّا ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملكٌ مطلقٌ، والمَلِك يختصُّ عرفًا بمن يسوس ذوي العقول ويدبِّر أمورهم، فلذلك تقول (٣): ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] ولا يقال: ملك الأشياء، ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنَّه هو المستغني على الإطلاق عن كلِّ شيءٍ، وما عداه مفتقرٌ إليه في وجوده وبقائه، مسخَّرٌ لحكمه وقضائه، فيستغني عن النَّاس رأسًا ولا يرجو ولا يخاف إلَّا إياه، ويتخلَّق به بالاستغناء عن الغير، قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: هلَّا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرَّةً واحدةً؟ قلت: لأنَّ عطف البيان للبيان، فكان مظنّةً للإظهار، فلهذا كرَّر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ لأنَّ عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأنَّ التَّكرير يقتضي مزيد شرف النَّاس وأنَّهم أشرف المخلوقات، وقال الإمام فخر الدِّين: وإنَّما بدأ بذكر الرَّبِّ، وهو اسمٌ لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل نعمه وإلى أن ربَّاه وأعطاه العقل، فحينئذٍ عرف بالدَّليل أنَّه عبدٌ مملوكٌ وهو مالكٌ، فثنَّى بذكر الملك، ولمَّا علم أنَّ العبادة لازمةٌ له وعرف أنَّه معبودٌ مستحقٌّ لتلك العبادة عرَّفه بأنَّه إله، فلهذا خَتَم به. (فِيهِ) أي: في هذا الباب (ابْنُ عُمَرَ) أي: حديثه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ممَّا وصله في «بابِ قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر بابًا [خ¦٧٤١٢] بلفظ: «إنَّ الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السَّموات بيمينه ثمَّ يقول: أنا الملك».

стр. 12703

٧٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو جعفرٍ ابن (١) الطَّبريِّ المصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدٍ) زاد أبو ذرٍّ: «هو ابن المسيِّب» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ) بأن يجمعها حتَّى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ) يفنيها (بِيَمِينِهِ) بقدرته (ثُمَّ يَقُولُ) ﷻ : (أَنَا المَلِكُ) أي: ذو الملك على الإطلاق، فلا مُلْكَ لغيره في الدَّارين (أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟) وفي الحديث: إثبات اليمين صفةٌ لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحةً خلافًا للمجسِّمة. وسبق في «باب يقبض الله الأرض» من «الرِّقاق» [خ¦٦٥١٩]. (وَقَالَ شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة، فيما وصله الدَّارميُّ (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد، ممَّا وصله ابن خزيمة (وَابْنُ مُسَافِرٍ) عبد الرَّحمن بن خالدٍ (٢)، ممَّا سبق موصولًا في «تفسير سورة الزُّمر» [خ¦٤٨١٢] (وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى) الكلبيُّ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريات» أربعتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) وفيه: أنَّه اختُلِف على ابن شهابٍ الزُّهريِّ في شيخه، فقال يونس: سعيد بن المسيِّب، وقال الآخرون: أبو سلمة، وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة، ونقل ابن خزيمة عن محمَّد بن يحيى الذُّهليِّ أنَّ الطَّريقين محفوظان، قال في «الفتح»: وصنيع البخاريِّ يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيبٍ؛ لكثرة من تابعه، لكنَّ يونس كان من خواصِّ الزُّهريِّ الملازمين له، وزاد أبو ذرٍّ بعد قوله: «عن أبي سلمة»: «مثله» أي: مثل الحديث السَّابق.

стр. 12704

(٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾): الغالب، من قولهم: عزَّ، إذا غلب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، فمعناه: مركَّبٌ من وصفٍ حقيقيٍّ ونعتٍ تنزيهيٍّ، وقيل: القويُّ الشَّديد، من قولهم: عزَّ يعزُّ؛ إذا قوي واشتدَّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وقيل: عديم المثل، فيكون من أسماء التَّنزيه، وقيل: هو الذي تتعذَّر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل: العزيز من ضلَّت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعته، وَكَلَّتِ الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله، وحظُّ العارف منه أن يُعزَّ نفسه، فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة، ولا يدانيها (١) بالسُّؤال من النَّاس والافتقار إليهم (﴿الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقةً لا يتطرَّق إليها خفاءٌ ولا شبهةٌ، وأنَّه (٢) أتقن الأشياء كلَّها، فالحكمة: صفةٌ من صفات الذَّات يُظهِرها الفعل، وتعبِّر عنها المحكمات، وتشهد لها (٣) العقول بما شاهدته في الموجودات، كغيرها من صفات الحق، فتأمَّل ذلك في مسالك أفعاله، ومجاري تدبيره، وترتيب ملكه وملكوته، وقيام الأمر كلِّه به، وتطلَّب آثار ذلك في خلقه في السَّموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ؛ من أفلاكٍ ونجومٍ وشمسٍ وقمرٍ، وتدبير ذلك وتقديره (٤) بأمرٍ محكمٍ مع دؤوب اختلاف اللَّيل والنَّهار وتقلُّبهما، وإيلاج كلِّ واحدٍ منهما في قرينه، وتكويرهما بعضهما على بعضٍ، وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات، والآيات البيِّنات بإحكامٍ متناسقٍ، وحِكَمٍ مستمَّرةِ الوجود، إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممَّا يكلُّ دونه النَّظر، وينحسر دونه البصر، ويزيد على القول، ويربو على الوصف، ولا يدرك كُنْهَه العقول، ولا يحيط به سوى اللَّوح المحفوظ، وأوَّل موضعٍ وقع فيه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في سورة إبراهيم [آية: ٤] وأمَّا مطلق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فأوَّل ما وقع في «البقرة» في دعاء

стр. 12705

إبراهيم لأهل مكَّة، قال في «اللُّباب»: والعزيز: هو الغالب الذي لا يُغلَب، والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا، وهما بهذين التَّفسيرين صفةٌ للذَّات، وإن أُرِيد بـ «العزيز» أفعال العزَّة؛ وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأُرِيد بالحكيم (١) أفعال الحكمة؛ لم يكونا من صفات الذَّات، بل من صفات الفعل، والفرق بينهما: أنَّ صفات الذَّات أزليَّةٌ، وصفات الفعل ليست كذلك. وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]) من الولد والصَّاحبة والشَّريك، وثبت لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٢) «عمَّا يصفون» وأضيف الرَّبُّ إلى العزَّة؛ لاختصاصه بها، كأنَّه قيل: ذو العزَّة كما تقول: صاحب صدقٍ؛ لاختصاصه بالصِّدق، ويجوز أن يراد أنَّه ما من عزَّةٍ لأحدٍ إلَّا وهو ربُّها ومالكها كقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: (﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]) أي: ولله المنعة والقوَّة ولمن أعزَّ (٣) من رسوله والمؤمنين، وعزَّة كلِّ واحدٍ بقدر علوِّ مرتبته، فعزَّة الرَّسول ﷺ بما خصَّه الله به من الخصائص التي لا تُحصَى والبراهين التي لا تُستَقصى، وعزَّة المؤمنين بما ورثوه من العلم النَّبويِّ، وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحقِّ، والعزيز: من لا تناله أيدي الشَّياطين ولا تبلغه رعونات الشَّهوات، فتذلَّلْ هداك الله لعزَّته وتضاءلْ لعظمته، وتضرَّع إليه في خلواتك عساه يَهَبُ لك عزًّا لا ذلَّ يصحبه، وشرفًا لا ضِعَة (٤) تتخلله، ثمَّ تذلَّل لأوليائه وأهل طاعته، وتعزَّز على كلِّ جبَّارٍ عنيدٍ. (وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللهِ وَصِفَاتِهِ) والعزَّة تحتمل -كما قال ابن بطَّالٍ-: أن تكون صفة ذاتٍ بمعنى القدرة والعظمة، فيحنث، وأن تكون صفة فعلٍ بمعنى القهر لمخلوقاته، فلا يحنث.

стр. 12706

نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين، وللمستملي: «و (١) سلطانه» بدل قوله: «وصفاته». (وَقَالَ أَنَسٌ) ﵁ في حديثٍ موصولٍ سبق في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَقُولُ جَهَنَّمُ) تنطق كإنطاق الجوارح: (قَطِْ قَطِْ) بفتح القاف وكسر الطّاء أو سكونها فيهما، أي: حَسْب (وَعِزَّتِكَ) مجرورٌ بواو القَسَم. (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) في حديث سبق موصولًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه قال: (يَبْقَى رَجُلٌ) اسمه جُهَينة (بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ: «يا ربِّ» (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) زاد في أواخر «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣] «فيقول: لعلَّك إن أعطيتك أن تسألني (٢) غيره، فيقول»: (لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) أي: غير هذه المسألة. (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) فيه أنَّ أبا سعيدٍ وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور (٣) إلَّا في قوله: «عشرة أمثاله» فإنَّ في حديث أبي هريرة كما في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٧٣]: «فيقول الله: هذا لك ومثله معه» وسبق مبحثه والله الموفِّق. (وَقَالَ أَيُّوبُ) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولًا في «الغسل» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٧٩] وغيره: «لمَّا خرَّ عليه جرادٌ من ذهبٍ، فجعل أيُّوب يَحثِي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيُّوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى» (وَعِزَّتِكَ؛ لَا غِنَى بِي (٤) عَنْ بَرَكَتِكَ) بكسر الغين المعجمة، وفتح النُّون، مقصورًا، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناء» بالهمز ممدودًا: الكفاية (٥)، وكذا (٦) في «اليونينيَّة»: «عناء» بغير نقطةٍ على العين مع المدِّ، وفي «الفرع التِّنكزيّ» (٧) «عناء» بزيادة عينٍ

стр. 12707

تحتها علامة الإهمال، وفي آخر: «غناء» بالمعجمة، فليحرَّر. ٧٣٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو المقعد المِنْقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان التَّميميُّ مولاهم البصريُّ التَّنوريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ) (١) بن ذكوان البصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، ابن الحَصِيب الأسلميُّ أبو سهلٍ المروزيُّ قاضيها (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح أوَّله وثالثه، وسكون ثانيه، البصريِّ، نزيل مرو وقاضيها (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الَّذِي لَا يَمُوتُ) بلفظ الغائب، وفي روايةٍ: «اللَّهم إنِّي أعوذ بعزَّتك لا إله إلَّا أنت أن تضلَّني، أنت الحيُّ الذي لا يموت» (٢) (وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ) وكلمة «تضلَّني» المزادة (٣) في هذه الرِّواية متعلِّقة بـ «أعوذ» أي: من أن تضلَّني، وكلمة التَّوحيد معترضةٌ لتأكيد العزَّة، واستغنى عن ذكر عائد الموصول؛ لأنَّ نفس المخاطب هو المرجوع إليه، وبه يحصل الارتباط، وكذلك (٤) المتكلِّم نحو: أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدره ولا يقال: إنَّ مفهوم قوله أنَّ الملائكة لا يموتون؛ لأنَّا نقول (٥): «والجنُّ والإنس يموتون»؛ لأنَّه مفهوم لقبٍ ولا اعتبار به.

стр. 12708

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدُّعاء» والنَّسائيُّ في «النُّعوت». ٧٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بن محمَّد بن الأسود أبو بكرٍ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النِّسبة، ابن عُمَارة -بضمِّ العين وتخفيف الميم- ابن أبي حفصة نابتٌ -بنونٍ وموحَّدةٍ ثمَّ مثنَّاةٌ- العتكيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: يُلْقَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بينهما لامٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ: «لا يزال يُلقَى» (فِي النَّارِ). قال المؤلِّف: (وَقَالَ (٢) خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁. (وَعَنْ مُعْتَمِرٍ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثانية، ابن سليمان التَّيميِّ، وهو معطوفٌ على قوله: حدَّثنا يزيد بن زريعٍ، فهو موصولٌ (٣) أي: وقال لي خليفة أيضًا: عن معتمرٍ، وبهذا جزم أصحاب الأطراف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) أنَّه (قَالَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا) أي: العصاة في النَّار (وَ) هي (تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ مصدرٌ كالمَجيد، أي: أنَّها تقول بعد امتلائها: هل من مزيدٍ؟ أي: هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلئ؟ يعني: قد امتلأت، أو أنَّها تستزيد وفيها موضعٌ للمزيد، وإسناد القول إليها حقيقةٌ بأن يخلق الله فيها القول أو مجازٌ (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ) أي: من قَدَّمه لها من

стр. 12709

أهل العذاب، أو ثمَّة مخلوقٌ اسمه: القدم (١)، أو المراد تذليلها كتذليل من يُوضَع تحت الرِّجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فَيَنْزَوِي) بالنُّون والزَّاي، فيجتمع (٢) وينقبض (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدِْ قَدِْ) بفتح القاف وسكون الدَّال وتُكسَر فيهما، أي: حسبي حسبي قد اكتفيت (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ) عن الدَّاخلين فيها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بفَضْلٍ» بموحَّدةٍ بدل (٣) الفوقيَّة وفتح الفاء وسكون الضَّاد (حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ) الذي بقي منها. وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث (٤) هنا من ثلاثة طرقٍ عن قتادة، وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] وساقه (٥) هنا على لفظ خليفة، ويُستَنبط منه مشروعيَّة الحلف بكرم الله، كما في الحلف بعزَّة الله. ومطابقة الحديث (٦) ظاهرةٌ. (٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي: بكلمة الحق، وهي قول: كن، وقال ابن عادلٍ في «لبابه»: قيل: الباء بمعنى اللَّام، أي: إظهارًا للحقِّ؛ لأنَّه جعل صنعه (٧) دليلًا على وحدانيته، فهو نظير قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١]. انتهى. وهذا نقله السَّفاقسيُّ عن الدَّاوديِّ، وتُعقِّب: بأنَّ النُّحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنًى، ليس منها أنَّها تأتي بمعنى اللَّام، و «الحقُّ» في الأسماء الحسنى معناه -كما قاله أبو الحكم عبد السَّلام بن برجان-: الواجب الوجود بالبقاء الدَّائم والدَّوام المتوالي، الجامع للخير، والمجد، والمحامد كلِّها، والثَّناء الحسن،

стр. 12710

والأسماء الحسنى، والصفات العُلى، قال: ومعنى قولنا: «واجب الوجود»: أنَّه اضطرَّ جميع الموجودات إلى معرفة وجوده، وألزمها إيجاده إيَّاها، قال تعالى -وقد ذكر دلائله- واستشهاده ببيِّناته: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦] فأوجب عن واجب وجوده أنَّه يحيي الموتى، وأنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ وجود كلِّ ذي وجودٍ (١) عن وجوده، ثمَّ قال: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] أي: لا وجود له؛ إذ ليس له (٢) في الوجود وجود ألبتَّة، فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنَّها ممكنةٌ لا وجود لها في حدِّ ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها، وإيَّاه عنى الشَّاعر بقوله: ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطل … وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائل (٣) ولمَّا أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحقِّ وللحقِّ قال: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] فظهر الحقُّ بعضه لبعضٍ ودلَّ عليه به، فالله تعالى هو الحقُّ المبين، وجوده الحقُّ، وقوله الحقُّ، وقدرته الحقُّ، وعلمه الحقُّ، وإرادته الحقُّ، وصفاته العلى الحقُّ، وأسماؤه كلُّها الحقُّ، وأَوْجَد فعله الحقَّ بكلمته الحقِّ، فالحقُّ بوجوب (٤) وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلَّها، وشمل نواحي (٥) العلم، وأطبق على أقطار التَّفكير، فلم يكن للباطل من الوجود نصيبٌ.
следующие страницы →