← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21701

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط عطاءات العلم

القسطلاني

Полный текст (13 005 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

(٢٤) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في بيان حكم الحائض (إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) واحدٍ (ثَلَاثَ حِيَضٍ) بكسر الحاء وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع: حيضةٍ (وَ) بيان (مَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ) بضمِّ الياء، وتشديد الدَّال المفتوحة (فِي) مدَّة (الحَيْضِ و) مدَّة (الحَمْلِ) ولابن عساكر: «والحبَل» بالباء المُوحَّدة المفتوحة (فِيمَا) بالفاء، ولابن عساكر: «وفيما (١)» (يُمْكِنُ مِنَ الحَيْضِ) أي: من تكراره، والجارُّ والمجرور يتعلَّق (٢) بـ «يُصدَّق»، فإذا لم يمكن لم يُصدَّق (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: « »: (﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) قال القاضي: من الولد والحيض استعجالًا في العدَّة، وإبطالًا لحقِّ الرَّجعة، وفيه دليلٌ على أنَّ قولها مقبولٌ في ذلك، زاد الأَصيليُّ: «﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ﴾». (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله (عَنْ عَلِيٍّ) هو ابن أبي طالبٍ (وَ) عن (شُرَيْحٍ) بالشِّين المُعجَمة والحاء المُهمَلة، ابن الحارث -بالمُثلَّثة- الكنديِّ (٣) الكوفيِّ، أدركَ الرَّسولَ ﵊ ولم يلقَه، استقضاه عمر بن الخطَّاب، وتُوفِّي سنة ثمانٍ وتسعين، وهذا التَّعليق وصله الدَّارميُّ بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ عنِ الشَّعبيِّ قال: جاءتِ امرأةٌ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ (٤) ﵁، تخاصم زوجها طلَّقها فقالت: حضت في شهرٍ ثلاث حيضٍ، فقال عليٌّ لشُرَيْحٍ: اقْضِ بينهما، قال: يا أمير المؤمنين، وأنت ههنا؟ قال: اقضِ بينهما، قال: (إِن جَاءَتْ) ولكريمة: «إنِ امرأةٌ جاءت» (بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا)

стр. 1297

بكسر المُوحَّدة، أي: من خواصِّها (مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ) وأمانته بأن يكون عدلًا، يزعم (أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ شهر» (ثلاثًا صُدِّقَتْ) وفي رواية الدَّارميِّ: أنَّها حاضت ثلاث حيضٍ، تطهر عند كلِّ قرءٍ وتصلِّي، جاز لها، وإلَّا فلا، قال عليٌّ ﵁: قالون، قال: و «قالون» بلسان الرُّوم: أحسنت، وليس عنده لفظة «ببيِّنةٍ» (١)، وطريق علم الشَّاهد بذلك -مع أنَّه أمرٌ باطنيٌّ- القرائنُ والعلامات، بل ذلك ممَّا يشاهده النِّساء فهو ظاهرٌ بالنِّسبة لهنَّ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (أَقْرَاؤُهَا) جمع: قُرْءٍ، بضمِّ القاف وفتحها، في زمن العدَّة (مَا كَانَتْ) قبل العدَّة، فلوِ ادَّعت في زمن الطَّلاق أقراءً معدودةً في مدَّةٍ معيَّنةٍ في شهرٍ مثلًا، معتادةً لِمَا ادَّعته فذاك، وإنِ ادَّعت في العدَّة ما (٢) يخالف ما قبلها لم يُقبَل (وَبِهِ) أي: بما قال عطاءٌ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق أيضًا. (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ) فاليوم مع ليلته أقلُّه، والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «إلى خمسة عشر» (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان العابد، كان يصلِّي اللَّيل كلَّه بوضوء العشاء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٣): «قال: سألت»: (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّد (عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا) أي: طهرها، لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ). ٣٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم مع المدِّ، عبد الله بن أيُّوب الهرويُّ حنفيُّ النَّسب، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)

стр. 1298

حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ) وفي بعض الأصول: «فقالت» بالفاء التَّفسيريَّة: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة (فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا) تدعيها (إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ، وهو يُسمَّى: العاذل، بالذَّال المُعجَمة (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) ومعنى الاستدراك: لا تتركي الصَّلاة (١) في كلِّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة. ومناسبة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فَوَكَلَذلك إلى أمانتها (٣)، وردّه (٤) إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالةٌ على أنَّ فاطمة كانت معتادةً، واختُلِف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطُّهر، فقال الشَّافعيُّ: القرء: الطُّهر، وأقلُّه خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، فلا تنقضي عدَّتها في أقلّ منِ اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطلَّق وقد (٥) بقيَ من الطُّهر لحظةٌ، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا (٦) ثمَّ ستَّة عشر كذلك، ولا بدَّ من الطَّعن في الحيضة الثَّالثة للتَّحقُّق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلُّ الطُّهر وأقلُّ الحيض معًا، فأقلُّ ما تنقضي به العدَّة عنده ستُّون يومًا، وعند مالكٍ: لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأقلِّ الطُّهر إلَّا بما بيَّنته النِّساء. ورواة هذا الحديث ما بين هرويٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع.

стр. 1299

(٢٥) (بابُ الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ) تراهما المرأة (فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ). ٣٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو (١) ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا) أي: في زمن النَّبيِّ ﷺ مع علمه وتقريره، ولأبي ذَرٍّ: «عن أمِّ عطيَّة كنَّا» (لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا) أي: مِنَ الحيض إذا كان في غير زمن الحيض، أمَّا فيه فهو من الحيض تبعًا، وبه قال سعيد بن المُسَيَّب وعطاءٌ واللَّيث وأبو حنيفة ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ وأحمد، وأمَّا الإمام (٢) مالكٌ فيرى أنَّهما (٣) حيضٌ مطلقًا، وأورد عليه حديث أمِّ عطيَّة هذا. ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٢٦) (بابُ عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ) بكسر العين وسكون الرَّاء، المُسمَّى بالعاذل. ٣٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزَامِيُّ، بالحاء المُهمَلة المكسورة والزَّايِ المُخفَّفة (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ) هو ابن عيسى القزَّاز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمة، محمَّد (٤) بن عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزَّهريِّ (عَنْ

стр. 1300

عُرْوَةَ) بن الزُّبير (وَعَنْ عَمْرَةَ) عُطِفَ على «عن عروة» أي: ابن شهابٍ يرويه عنها أيضًا، وهي عَمْرَةُ بنت عبد الرَّحمن بن سعدٍ (١) الأنصاريَّة، المُتوفَّاة سنة ثمانٍ وتسعين، ولأبي الوقت وابن عساكر: «عن عروة عن عَمْرَة» بحذف الواوِ، فيكون من رواية عروة عن عمرة، والمحفوظ إثبات الواو (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) بنت جحشٍ زوج عبد الرَّحمن بن عوفٍ، أخت زينب أمِّ المؤمنين (اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ) جمع: سنةٍ، شذوذًا لأنَّ شرط جمع السَّلامة أن يكون مفرده مُذكَّرًا عاقلًا، ويكون (٢) مفتوح الأوَّل، وهذا ليس كذلك (فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ) أي: بأن (تَغْتَسِلَ) أي: بالاغتسال (فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وأَمْرُها بالاغتسال مُطلَقٌ، فلا يدلُّ على التَّكرار، وإنَّما كانت تغتسل لكلِّ صلاةٍ تطوُّعًا كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ، وإليه ذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكلِّ صلاةٍ إلَّا المتحيِّرة، لكن يجب عليها الوضوء، وما في «مسلمٍ» من قوله (٣): «فأمرها بالغسل لكلِّ صلاةٍ» طعن فيه النُّقاد لأنَّ الأثبات من أصحاب الزُّهريِّ لم يذكروها، نعم ثبتت في «سنن (٤) أبي داود»، فيُحمَلعلى النَّدب جمعًا بين الرِّوايتين، وقد عدَّ المنذريُّ المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ خمسًا: حمنة بنت جحشٍ، وأمَّ حبيبة بنت جحشٍ، وفاطمة بنت أبي حبيشٍ، وسهلة بنت سهيلٍ (٥) القرشيَّة العامريَّة، وسودة بنت زمعة. ورواة هذا الحديث السَّبعة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والتَّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الطَّهارة».

стр. 1301

(٢٧) (بابُ) حكم (المَرْأَةِ) التي (تَحِيضُ بَعْدَ) طواف (الإِفَاضَةِ) أي: هل تمنع من طواف الوداع أم لا؟ ٣٢٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ (١) بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء (٢) المُهمَلة وسكون الزَّاي، المدنيِّ الأنصاريِّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرٍ (٣) (عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المذكورة (٤) في الباب السَّابق (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ) بضمِّ الحاء وفتح المُثنَّاة الأولى المُخفَّفة وتشديد الثَّانية، ابن أخطب -بالخاء المُعجَمة- النَّضريَّة -بالضَّاد المُعجَمة- زوج النَّبيِّ ﷺ ، المُتوفَّاة ﵂ سنة ستِّين في خلافة معاوية، أو ستٍّ وثلاثين في خلافة عليٍّ ﵄ (قَدْ حَاضَتْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا) عن الخروج من مكَّة إلى المدينة حتَّى تطهر، وتطوف بالبيت (أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟) طواف الرُّكن، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «ألم تكن أفاضت» أي: طافت طواف الإفاضة، وهو طواف الرُّكن (فَقَالُوا) بالفاء، ولابن عساكر: «قالوا» أي: النَّاس أو الحاضرون هناك وفيهمُ الرِّجال: (بَلَى) طافت معنا الإفاضة (قَالَ) ﵊: (فَاخْرُجِي) لأنَّ طواف الوداع ساقطٌ بالحيض، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، أي: قال لصفيَّة مخاطبًا لها:

стр. 1302

«اخرجي»، أو خاطب عائشة لأنَّها المخبرة له، أي: اخرجي فإنَّها توافقك، أو قال لعائشة: «قولي لها: اخرجي»، وللأَصيليِّ وابن عساكر كما في الفرع، وفي «الفتح» عنِ المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فاخرجن» وهو مناسبٌ للسِّياق. ورواة الحديث السِّتَّة مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا. ٣٢٩ - ٣٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) بضمِّ الميم وتشديد اللَّام المفتوحة البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسع عشْرةَ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواوِ، تصغير وهبٍ، ابن خالدٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ) المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان، اليمانيِّ الحِمْيَريِّ من أبناء الفرس، المُتوفَّى سنة بضع عشرة ومئةٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (أَنْ تَنْفِرَ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، وقد يُضَمُّ، أي: رُخِّصَ لها النُّفور، وهو: الرُّجوع من مكَّة إلى وطنها (إِذَا حَاضَتْ) من غير أن تطوف للوداع. قال طاوسٌ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ (يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ) أي: لا ترجع حتَّى تطوف طواف الوداع (ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ) أي: ولا (١) تطوف، رجع عن فتواه الأولى الصَّادرة عنِ اجتهاده حيث بلغه (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ) الرُّجوع من غير طوافِ وداعٍ، وإنَّما جُمِعَ وإن كان المراد الحائض نظرًا إلى الجنس. (٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ) بأن انقطع دمها (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله

стр. 1303

ابن أبي شيبة والدَّارميُّ: (تَغْتَسِلُ) أي: المستحاضة (وَتُصَلِّي) إذا رأتِ الطُّهر (وَلَوْ) كان الطُّهر (سَاعَةً وَ) عنِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: أنَّ (١) المستحاضة (يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) ولأبي داود من وجهٍ آخرَ صحيحٍ عن عكرمة قال: «كانت أمُّ حبيبة تُستحاض، فكان زوجها يغشاها» وبه قال أكثر العلماء لأنَّه ليس من الأذى الذي يمنع الصَّوم والصَّلاة، فوجب ألّا يمنع الوطء (إِذَا صَلَّتْ) جملةٌ ابتدائيَّةٌ لا تعلُّق لها بسابقها، أي: المُستحاضة، إذا أرادت تغتسل وتصلِّي، أوِ (٢) التَّقدير: إذا صلَّت تغتسل، فعلى الأوَّل: يكون الجواب مُقدَّمًا وهو رأيٌ كوفيٌّ، وعلى الثَّاني: محذوفًا، وهو رأيٌ بَصْريٌّ (الصَّلَاةُ أَعْظَمُ) من الجماع، فإذا جاز لها الصَّلاة فالجماع بطريق الأَوْلى، وكأنَّه جوابٌ عن مُقدَّرٍ، كأنَّه قِيلَ: كيف يأتي المستحاضة زوجها؟ فقال: «الصَّلاة … » إلى آخره. ٣٣١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التَّميميُّ (٣) اليربوعيُّ الكوفيُّ، نسبه إلى جدِّه لشهرته به (عَنْ زُهَيْرٍ) بن معاوية الجعفيِّ الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «هشام بن عروة» (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «قال رسول الله» (¬ ﷺ : إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ) بفتح الحاء (فَدَعِي) أي: اتركي (الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) هذا مُختَصرٌ من حديث فاطمة بنت

стр. 1304

حُبَيْشٍ، ومثله يُسمَّى: بالمخروم، وتقدَّمت مباحثه في «باب الاستحاضة» [خ¦٣٠٧]. (٢٩) (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ) بضمِّ النُّون وفتح الفاء مع المدِّ، مُفرَدٌ جمعُهُ: نُفَاس (١)، فليس قياسًا لا في المُفرَد ولا في الجمع، إذ ليس في الكلام «فُعَلاء» يُجمَع على «فُعَال» إلَّا نُفَسَاء وعُشَرَاء، و «النُّفَساء» هي: الحديثة العهد بالولادة (وَسُنَّتِهَا) أي: سنَّة الصَّلاة عليها. ٣٣٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُابْنُ أَبِي سُرَيْجٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وآخره جيمٌ، الصَّبَّاح -بتشديد المُوحَّدة- الرَّازي، قِيلَ: نسبه المؤلِّف إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه: عمر (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (شَبَابَةُ) بفتح الشِّين المُعجَمة وتخفيف المُوحَّدتين، ابن سَوَّارٍ -بفتح المُهمَلة وتشديد الواو آخره راءٌ- الفَزَارِيُّ، بفتح الفاء وتخفيف الزَّايِ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ) بكسر اللَّام المُشدَّدة، المُكتِّب (عَنِ ابْنِ (٢) بُرَيْدَةَ) وللأَصيليِّ: «عن عبد الله بن بُرَيْدة» بضمِّ المُوحَّدة وفتح الرَّاء، ابن الحُصَيْب -بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين- الأسلميِّ المروزيِّ التَّابعيِّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ

стр. 1305

جُنْدُبٍ) بضمِّ الجيم وفتح الدَّال وضمِّها، ابن هلالٍ الفَزَاريِّ، المتوفَّى سنة تسعٍ وخمسين (أَنَّ امْرَأَةً) هي أمُّ كعبٍ كما في «مسلمٍ» (مَاتَتْ فِي) أي: بسبب (بَطْنٍ) أي: ولادة بطنٍ، فالمُراد: النِّفاس (فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ وَسَطَهَا) أي: محاذيًا لوسَطها، بتحريك السِّين على أنَّه اسمٌ، وبتسكينها (١) على أنَّه ظرفٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقام عند وسطها». ورواة هذا الحديث ما بين رازيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ ومروزيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦١٣٣٢]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنسائيُّ (٢) وابن ماجه. (٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، وهو ساقط للأَصيليِّ. ٣٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) بفتح الحاء المُهمَلة (بْنُ مُدْرِكٍ) بضمِّ الميم من الإدراك، السَّدوسيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ، المُتوفَّى سنة خمس عشْرة ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا (٣) أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «اسمه الوضَّاح» (مِنْ كِتَابِهِ) أشار بذلك إلى ما قاله أحمد: إذا حدَّث من كتابه فهو أثبت، وإذا حدَّث من غيره فربَّما (٤) وَهِمَ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن أبي سليمان (الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ) هو ابن الهَادِ، واسم (٥) أمِّه: سلمى بنت (٦) عُمَيْسٍ أخت ميمونة

стр. 1306

لأمِّها أنه (قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا) أي: ميمونة (كَانَتْ تَكُونُ) إحداهما زائدةٌ كقوله: وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ فلفظ (١) «كانوا» زائدةٌ، و «كرامِ» بالجرِّصفةٌ لـ «جيرانٍ»، أو في «كانوا» (٢) ضمير القصَّة، وهو اسمها، وخبرها «حائضًا»، أو «تكون» هنا بمعنى: «تصير»، ولابن عساكر: «أنَّها تكون» (حَائِضًا لَا تُصَلِّي وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ) أي: منبسطةٌ على الأرض (بِحِذَاءِ) بكسر الحاء المُهمَلة وبالذَّال المُعجَمة والمدِّ، أي: إزاء (مَسْجِدِ) بكسر الجيم، أي: موضع سجود (رَسُولِ اللهِ ﷺ ¬) من بيته لا مسجده المعهود، كذا قرَّروه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ المنقول عن سيبويه: أنَّه إذا أُرِيد موضع السُّجود، قِيلَ: «مسجَد» بالفتح فقط (وَهْوَ) أي: النَّبيُّ ﷺ (يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ) بضمِّ الخاء المُعجَمة (٣) وسكون الميم: سجَّادةٌ صغيرةٌ من خوصٍ، سُمِّيت بذلك لسترها الوجه والكَّفين من حرِّ الأرض وبردها، ومنه الخمار (إِذَا سَجَدَ) ﵊ (أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ) هذا حكاية لفظها، وإلَّا فالأصل أن تقول: «أصابها»، والجملة حاليَّةٌ. واستُنبِط منه: عدم نجاسة الحائض، والتَّواضع والمسكنة في الصَّلاة بخلاف صلاة المتكبِّرين على سجاجيدَ غالية الأثمان مختلفة الألوان. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ وفيه: التَّحديث والإخبار (٤) والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦٣٧٩]، وكذا مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه، ولله الحمد.

стр. 1307

(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لكريمة بتقديم البسملة على تاليها لحديث: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ»، ولأبي ذَرٍّ: تأخيرها بعد اللَّاحق كتأخيرها عن تراجم سور التَّنزيل، وسقطت من رواية الأَصيليِّ. ((٧)) (كِتَابُ) بيان أحكام (التَّيَمُّمِ) ولغير أبوَيذَرٍّ والوقت -في نسخة (١) - والأَصيليِّ وابن عساكر: «باب التَّيمُّم» وهو لغةً: القصد، يُقال: تيمَّمت فلانًا ويمَّمته، وتأمَّمته وأمَّمته، أي: قصدته، وشرعًا: مسح الوجه واليدين فقط بالتُّراب وإن كان الحدث أكبر، وهو من خصوصيَّات هذه الأمَّة، وهو رخصةٌ، وقِيلَ: عزيمةٌ، وبه جزم الشَّيخ أبو حامدٍ، ونزل فرضه سنة خمسٍ أو ستٍّ (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بلا واوٍ مع الرَّفع، مُبتدأٌ خبرُه ما بعده، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: « » بدل: «قوله تعالى»، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «وقول الله» بواو العطف على «كتاب التَّيمُّم» أو «باب التَّيمُّم» أي: وفي بيان قول الله تعالى: (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) قال البيضاويُّ: فلم تتمكَّنوا منِ استعماله؛ إذِ الممنوع منه كالمفقود (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]) أي: فتعمَّدوا (٢) شيئًا من وجه الأرض طاهرًا، ولذلك قالت (٣) الحنفيَّة: لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح أجزأه، وقال أصحابنا الشَّافعيَّة: لا بدَّ من (٤) أن يعلق باليد شيءٌ مِنَ التُّراب لقوله: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ أي: من بعضه، وجَعْلُ «من»

стр. 1308

لابتداء الغاية تعسُّفٌ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلَّا التَّبعيض، ووقع في رواية النَّسفيِّ وعُبدوسٍ والمُستملي (١) والحَمُّويي: «﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا﴾» قال الحافظ أبو ذَرٍّ عند القراءة عليه: التَّنزيل: «﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾» ورواية (٢) الكتاب: «فإن لم تجدوا»، قال عياضٌ في «المشارق»: وهذا هو الصَّواب، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ … ﴾ الآيةَ» وفي رواية أبي ذَرٍّ: «إلى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾» لم يقل: «منه» وزيادتها لكريمة والشَّبُّويِّ، وهي تعيِّن آية «المائدة» دون «النِّساء». ٣٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ) القاسم (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ¬) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيِّ» (٣) (¬ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) وهو غزوة بني

стр. 1309

المصطلق كما قاله ابنا سعدٍ وحبَّان، وجزم به ابن عبد البِّر في «الاستذكار»، وكانت سنة ستٍّ كما ذكره المؤلِّف عنِ ابن إسحاق، أو (١) خمسٍ كما قاله ابن سعدٍ، ورجَّحه أبو (٢) عبد الله الحاكم في «الإكليل»، وفي هذه الغزوة كانت قصَّة الإفك، وقال الدَّاوديُّ: كانت قصَّة التَّيمُّم في غزاة (٣) «الفتح» ثمَّ تردَّد في ذلك (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة والمدِّ، أدنى إلى مكَّة من ذي الحُلَيفة (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، موضعٌ (٤) بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من أحد الرُّواة عن (٥) عائشة، وقِيلَ: منها، واستُبعِد، والذيفي غير (٦) هذا الحديث: «أنَّه كان بذات الجيش» كحديث (٧) عمَّار بن ياسرٍ ﵁ عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ جيِّدٍ قال: «عرَّس رسول الله ﷺ بأولات (٨) بذات الجيش ومعه عائشة زوجه فانقطع عقدها … » الحديثَ، ولم يشكَّ بينه وبين البيداء (٩) (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون (١٠) القاف، أي: قلادةٌ لي، كان ثمنها اثني عشر درهمًا، والإضافة في قولها: «لي» باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها لمنفعته، لا أنَّه ملكٌ لها بدليل ما في الباب اللَّاحق [خ¦٣٣٦]: «أنَّها استعارت من أسماء قلادةً» (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ) أي: لأجل طلب العقد (وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ

стр. 1310

وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) ولغير أبي ذَرٍّ: «وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ» فالجملة الأخيرة وهي: «وليس معهم ماءٌ» (١) ساقطةٌ عند أبي ذَرٍّ هنا فقط (فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ﵁ (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى إلى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟) بإثبات ألف (٢) الاستفهام الدَّاخلة على «لا»، وعند الحَمُّويي: «لا ترى» بسقوطها (أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسِ) بالجرِّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) وأسند الفعل إليها لأنَّه كان بسببها (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المُعجَمة (قَدْ نَامَ فَقَالَ (٣): حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَ) حبست (النَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) فقال: حبست النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عناءً (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ العين، وقد تُفتَح، أوِ الفتح للقول كالطَّعن في النَّسب، والضَّمّ للرُّمح، وقِيلَ: كلاهما بالضَّمِّ، ولم تقل عائشة: فعاتبني أبي، بل أنزلته منزلة الأجنبيِّ لأنَّ منزلة الأبوَّة تقتضي الحنوَّ، وما وقع من العتاب بالقول والتَّأديب بالفعل مغايرٌ لذلك في الظَّاهر (فَلَا) وللأَصيليِّ: «فما» (يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، وعند المؤلِّف في «فضل أبي بكرٍ» [خ¦٣٦٧٢]: «فنام (٤) حتَّى أصبح» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ) متعلِّقٌ بـ «قام» و «أصبح»، تنازعا فيه، قال في «شرح التَّقريب»: ليس قوله: «حتَّى أصبح» لبيان غاية النَّوم إلى الصَّباح، بل لبيان فقد الماء إلى الصَّباح لأنَّه لم يطلق قوله: «حتَّى أصبح»، بل قيَّده بقوله: «حتَّى أصبح على غير ماءٍ»، أي: حتَّى آل أمره إلى أن أصبح على غير ماءٍ لأنَّ إثبات الفعل على وصفٍ أو حالٍ دون الإثبات المُطلَق (٥) (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بـ «المائدة»، ووقع عند الحميديِّ في الحديث وفيه: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى

стр. 1311

الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولم يقل: آية الوضوء، وإن كان مبدوءًا (١) به في الآية لأنَّ الطَّارئ في ذلك الوقت حكم التَّيمُّم، والوضوء كان مُقرَّرًا يدلُّ عليه: «وليس معهم ماءٌ» (فَتَيَمَّمُوا) بلفظ الماضي، أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا، أو بدلًا عن آية التَّيمُّم، أي: أنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال» (أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة في الأوَّل مُصغَّر أسدٍ، وبضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الضَّاد المُعجَمة والرَّاء في الآخر، الأوسيُّ الأنصاريُّ الأشهليُّ، أحد النُّقباء ليلة العقبة الثَّانية، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين: (مَا هِيَ) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقةٌ بغيرها من البركات، وفي رواية عمرو بن الحارث: «لقد بارك الله للنَّاس فيكم»، وفي «تفسير إسحاق البستيِّ (٢)» من طريق ابن أبي مليكة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أعظم بركة قلادتك!» (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَبَعَثْنَا) أي: أثرنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير مع أسيد بن حُضَيْرٍ (فَأَصَبْنَا) ولابن عساكر: «فوجدنا» (العِقْدَ تَحْتَهُ) وللمؤلِّف من هذا الوجه في «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٣]: فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها، أي: القلادة، وفي الباب التَّالي لهذا الباب [خ¦٣٣٦]: فبعث ﵊ رجلًا فوجدها، ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضيرٍ وناسًا معه، وجُمِعَ بينها بأنَّ أُسَيْدًا كان رأس من بُعِثَ لذلك، فلذلك سُمِّيَ في بعض الرِّوايات، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أوَّلًا، فلمَّا رجعوا ونزلت آية التَّيمُّم وأرادوا الرَّحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن الحضير، وقال النَّوويُّ: يحتمل أن يكون فاعل «وجدها» النَّبيّ ﷺ . واستُنبِط من الحديث: جواز تأديب الرَّجل ابنته ولو كانت مُزوَّجةً كبيرةً، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، ورواته الخمسة مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٦٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٧] و «المحاربين» [خ¦٦٨٤٤]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».

стр. 1312

٣٣٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلة وتخفيف النُّون، زاد الأَصيليُّ: «هو العَوَقِيُّ» بفتح العين المُهمَلة والواو وكسر القاف، الباهليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح المُعجَمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن بَشِيْرٍ -بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمة- الواسطيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ. (ح) مُهمَلةٌ للتَّحويل -كما مرَّ-: (قَالَ) أي: البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «وحدَّثنا» (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المُعجَمة، أبو عثمان البغداديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) المذكور (قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّةآخره راءٌ، ابن أبي سيَّارٍ وَردان الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر كما في الفرع: «هو ابن صُهَيْبٍ» (الفَقِيرُ) لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، الكوفيُّ، أحد مشايخ أبي حنيفة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ: «حدَّثنا» (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أُعْطِيتُ) بضمِّ الهمزة (خَمْسًا) أي: خمس خصالٍ، وعند مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «فُضِّلتُ على الأنبياء

стр. 1313

بستٍّ (١)» ولعلَّه اطلَّع أوَّلًا على بعض ما اختُصَّ به، ثمَّ اطَّلع على الباقي، وإلَّا فخصوصيَّاته ﵊ كثيرةٌ، والتَّنصيص على عددٍ لا يدلُّ على نفيِ ما عداه، وقد استوفيتُ من الخصائص جملةً كافيةً مع مباحثَ وافيةٍ في كتاب (٢): «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّدية» ولله الحمد، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أحمد (٣): أنَّه ﷺ قال ذلك عام غزوة تبوك (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ) من الأنبياء (قَبْلِي) زاد في حديث ابن عبَّاسٍ: «لا أقولهنَّ فخرًا»، وظاهر الحديث أنَّ كلَّ واحدٍ من الخمس لم يكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك (نُصِرْتُ) بضمِّ النُّون وكسر الصَّاد (بِالرُّعْبِ) بضمِّ الرَّاء: الخوف يُقذَف في قلوب أعدائي (مَسِيرَةَ شَهْرٍ) جعل الغاية شهرًا لأنَّه لم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه (وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ) كلُّها (مَسْجِدًا) بكسر الجيم: موضع سجود، لا يختصُّ السُّجود منها (٤) بموضعٍ دون آخر، أو (٥) هو مجازٌ عنِ المكان المبنيِّ للصَّلاة، وهو من مجاز التَّشبيه؛ إذِ المسجد حقيقةٌ عرفيَّة في المكان المبنيِّ للصَّلاة، فلمَّا جازتِ الصَّلاة في الأرض كلِّها كانت كالمسجد في ذلك، فأُطلِق عليها اسمه، فإن قلت: أيُّ داعٍ إلى العدول عن حمله على حقيقته اللُّغويَّة وهي موضع السُّجود؟ أجاب في «المصابيح» بأنَّه إن بُنِيَ على قول سيبويه-أنَّه إذا أُرِيد به (٦)

стр. 1314

موضع السُّجود، قِيلَ: مسجَدٌ، بالفتح فقط- فواضحٌ، وإن جُوِّز الكسر فيه فالظَّاهر أنَّ الخصوصيَّة هي كون الأرض محلًّا لإيقاع الصَّلاة بجملتها لا لإيقاع السُّجود فقط، فإنَّه لم يُنقَل عنِ الأمم الماضية أنَّها كانت تخصُّ السُّجود بموضعٍ دون موضعٍ. انتهى. نعم نُقِلَ ذلك في رواية عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «وكان من قبل إنَّما يصلُّون في كنائسهم» وهذا نصٌّ في موضع النِّزاع، فثبتت (١) الخصوصيَّة، ويؤيِّده ما أخرجه البزَّار من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلِّي حتَّى يبلغ محرابه»، وعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوصٌ بما نهى الشَّارع عن (٢) الصَّلاة فيه، ففي حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ مرفوعًا: «الأرض كلُّها مسجدٌ إلَّا المقبرة والحمَّام» رواه أبو داود، وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ فيه اضطرابٌ، ولذا (٣) ضعَّفه غيره، وفي حديث ابن عمر عند التِّرمذيِّ وابن ماجه: نهى النَّبيُّ ﷺ أن يُصلَّى في سبعة مواطن: «في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطَّريق وفي الحمَّام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله ». قال التِّرمذيُّ: إسناده ليس بالقويِّ (٤)، وقد تُكلِّم في زيد بن جبيرة من قِبَلِ حفظه (٥) (وَ) جُعِلَت ليَ الأرض (طَهُورًا) بفتح الطَّاء على المشهور، واحتجَّ به مالكٌ وأبو حنيفة على جواز التَّيمُّم بجميع أجزاء الأرض، لكن في حديث حذيفة عند مسلمٍ: «وجُعِلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا، وجُعِلَت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، وهو خاصٌّ فيُحمَل العامُّ عليه، فتختصُّ الطَّهوريَّة بالتُّراب، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في الرِّواية الأخرى عنه، ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ: «التُّربة» على خصوصيَّة التَّيمُّم بالتُّراب، فقال: تربة كلِّ مكانٍ ما فيه من ترابٍ أو غيره، وأُجيببأنَّه ورد في (٦) الحديث المذكور بلفظ: «التُّراب» رواه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث عليٍّ عند أحمد والبيهقيِّ بإسنادٍ حسنٍ: «وجُعِلَ

стр. 1315

التُّراب لي طهورًا» (فَأَيُّمَا رَجُلٍ) كائنٍ (مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) جملةٌ في موضع جرٍّ صفةٌ لـ «رجلٍ»، و «أيُّ»: مبتدأٌ فيه معنى الشَّرط، زِيد عليها «ما» لزيادة التَّعميم، و «رجلٍ» مضافٌ إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيِّ: «فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماءً (١) وجد الأرض طهورًا ومسجدًا» وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده» (فَلْيُصَلِّ) خبر المبتدأ، أي: بعد أن يتيمَّم، أو حيث أدركته الصَّلاة (وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ) جمع: غنيمةٍ، وهيما حُصِّل من الكفَّار بقهرٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كمسلمٍ: «المغانم» بميمٍ قبل الغين (وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي) لأنَّ منهم من لم يُؤذَن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن له مغانمُ، ومنهم من أُذِنَ له فيه لكن كانتِ الغنيمة حرامًا عليهم بل تجيء نارٌ تحرقها (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) العظمى، أو لخروج من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ، أو التي لأهل الصَّغائر والكبائر، أو من ليس له عملٌ صالحٌ إلَّا التَّوحيد، أو لرفع الدَّرجات في الجنَّة، أو في إدخال قومٍ الجنَّة بلا حسابٍ (وَكَانَ النَّبِيُّ) غيري (يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ) المبعوث إليهم (خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر، وفي رواية أبي هريرة عند «مسلمٍ»: «وأُرسِلت إلى الخلق كافَّةً»

стр. 1316

وهي أصرح الرِّوايات وأشملها، وهي مؤيِّدةٌ لمن ذهب إلى إرساله ﵊ إلى الملائكة كظاهر آية «الفرقان» ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وبغداديٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والتَّحويل من سندٍ إلى آخر، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٤٣٨] ببعضه، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و «الصَّلاة». (٢) (بابٌ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً) للطَّهارة (وَلَا تُرَابًا) للتَّيمُّم بأن كان في سفينةٍ لا يصل إلى الماء، أو مسجونًا بكنيفٍ نجسةٍ أرضُه وجدُره (١) هل يصلِّي أم لا؟ ٣٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) هو (٢) ابن صالحٍ اللُّؤلؤيُّ البلخيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثين ومئتين كما مال إليه الغسَّانيُّ والكلاباذيُّ، أو هو زكريَّا بن يحيى بن عمر الطَّائيُّ الكوفيُّ، أبو السُّكَيْن، بضمِّ المُهمَلة وفتح الكاف، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) بضمِّ النُّون، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير

стр. 1317

(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ) أختها (أَسْمَاءَ) ذات النِّطاقين (قِلَادَةً) بكسر القاف (فَهَلَكَتْ) أي: ضاعت (فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا) هو أُسَيْد بن حُضَيْرٍ (فَوَجَدَهَا) أي: القلادة، ولا منافاة بينه وبين قوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦٣٣٤]: «فأصبنا العقد تحت البعير» لأنَّ لفظ «أصبنا» عامٌّ شاملٌ لعائشة وللرَّجل، فإذا وجد الرَّجل بعد رجوعه صدق قوله: «أصبنا»، أو أنَّ النَّبيَّ ﷺ هو الذي وجده بعد ما بعث (فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا) أي: بغير وضوءٍ، كما صرَّح به في «مسلم» كالبخاريِّ في «سورة النساء» في «فضل عائشة» [خ¦٤٥٨٣] واستدلَّ بهعلى أنَّ فاقد الطَّهورين يصلِّي على حاله، وهو وجه المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث، فكأنَّ المصنِّف نزَّل فَقْدَ مشروعيَّة التَّيمُّم منزلة فَقْدِ التُّراب بعد مشروعيَّة التَّيمُّم، فكأنَّه يقول: حكمهم في عدم المطهِّر الذي هو الماء خاصَّةً كحكمنا في عدم المطهِّرين (١) الماء والتُّراب، ففيه دليلٌ على وجوب الصَّلاة لفاقد الطَّهورين؛ لأنَّهم صلَّوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانتِ الصَّلاة حينئذٍ ممنوعةً لأنكر عليهمُ الشَّارع ﵊، وبهذا قال الشَّافعيُّ وأحمد وجمهور المحدِّثين وأكثر أصحاب مالكٍ، لكنِ اختلفوا في وجوب الإعادة، فنصَّ الشَّافعيُّ في الجديد: على وجوبها، إذا وجد أحد الطَّهورين، وصحَّحه أكثر أصحابه محتجِّينبأنَّه عذرٌ نادرٌ، فلم تسقط الإعادة، وفي القديم أقوالٌ: أحدها: يُندَب له الفعل، والثَّاني: يحرم ويعيد وجوبًا عليهما، والثَّالث: يجب ولا يعيد، حكاه في «أصل الرَّوضة»، واختاره في «شرح المُهذَّب» لأنَّه أدَّى وظيفة الوقت، وإنَّما يجب القضاء بأمرٍ جديدٍ، ولم يثبت فيه شيءٌ وهو المشهور عن أحمد، وبه قال المزنيُّ وسحنون وابن المنذر لحديث الباب؛ إذ لو كانت واجبةً لبيَّنها لهم النَّبيُّ ﷺ ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأُجيببأنَّ الإعادة ليست على الفور، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: تحرم الصَّلاة لكونه محدثًا وتجب الإعادة، لكنَّ الذي شَهَّرَه الشَّيخ (٢) خليلٌ من المالكيَّة: سقوط الأداء في الوقت، وسقوط قضائها (٣) بعد خروجه (فَشَكَوْا ذَلِكَ) بفتح

стр. 1318

الكاف المُخفَّفة (١) (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ) (آيَةَ التَّيَمُّمِ) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ آية «المائدة» إلى آخرها (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ) ﵂: (جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا) بكسر الكاف فيهما (٢) خطابًا للمُؤنَّث، لكنَّه ضُبِّب على «ذلكِ» في الفرع، ونسبه لرواية أبي ذَرٍّ وابن عساكر. ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة. (٣) (بابُ) حكم (التَّيَمُّمِ فِي الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ) بأن فقده (٣) أصلًا، أو كان موجودًا لكنَّه لا (٤) يقدر على تحصيله (٥)، كما إذا وجده في بئرٍ وليس عنده آلة الاستقاء، أو حال بينه وبينه عدوٌّ أو سَبُعٌ (وَخَافَ) وللأَصيليِّ: «فخاف (٦)» (فَوْتَ) وقت (الصَّلَاةِ) تيمَّم (وَبِهِ) أي: بتيمُّم الحاضر الخائف فوت الوقت عند فقد الماء (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه»، وبه قال الشَّافعيُّ، لكن مع القضاء لندرة فقد الماء في الحضر بخلاف السَّفر. وفي «شرح الطَّحاويِّ» من الحنفيَّة: التَّيمُّم في المصر (٧) لا يجوز إلَّافي ثلاثٍ: إذا خاف فوت الجنازة إن توضَّأ، أو فوت صلاة العيد، أو خوف (٨) الجنب من البرد بسبب الاغتسال.

стр. 1319

(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا (١) وصله القاضي إسماعيل في «الأحكام» من وجهٍ صحيحٍ (فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ) الماء ويعينه على استعماله: (يَتَيَمَّمُ) بل عند الشَّافعيَّةيتيمَّم إذا خاف من الماء محذورًا وإن وجد معينًا، ولا يجب عليه القضاء، وفي روايةٍ: «تيمَّم» بصيغة الماضي (وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ومعه نافعٌ مما وصله في «الموطَّأ» (مِنْ أَرْضِهِ بِالجُرُفِ) بضمِّ الجيم والرَّاء، وقد تُسكَّن، ما تجرفه السُّيول وتأكله من الأرض، والمُراد به هنا: موضعٌ قريبٌ من المدينة على ثلاثة أميالٍ منها إلى جهة الشَّام، وقال ابن إسحاق: على فرسخٍ كانوا يعسكرون به إذا أرادوا الغزو (فَحَضَرَتِ العَصْرُ) أي: صلاتها (بِمَرْبَدِ النَّعَمِ (٢)) بفتح ميم (٣) «مَربد» كما في الفرع، ورواه السَّفاقسيُّ والجمهور: على كسرها، وهو الموافق للُّغة، وبسكون الرَّاء وفتح المُوحَّدة آخره مُهمَلةٌ: موضعٌ تُحبَس فيه النَّعم، أي (٤): الإبل والغنم، وهو هنا على ميلين من المدينة (فَصَلَّى) أي: بعد أن تيمَّم، كما في رواية مالكٍ وغيره، وللشَّافعيِّ: ثمَّ صلَّى العصر (ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) عن الأفق (فَلَمْ يُعِدْ) أي: الصَّلاة. وهذا يدلُّ على أنَّ ابن عمر كان يرى جواز التَّيمُّم للحاضر لأنَّ السَّفر القصير في حكم الحضر، وظاهره: أنَّ ابن عمر لم يراعِ خروج الوقت لأنَّه دخل المدينة والشَّمس مرتفعةٌ، لكن يحتمل أنَّه ظنَّ أنَّه لا يصل إلَّا بعد الغروب، أو تيمَّم لا عن حدثٍ، وإنَّما أراد تجديد الوضوء فلم يجد الماء، فاقتصر على التَّيمُّم بدل الوضوء، وقد ذهب مالكٌ إلى عدم وجوب الإعادة على من تيمَّم في الحضر، وأوجبها الشَّافعيُّ لندور ذلك، وعن أبي يوسف وزفر: لا يصلِّي إلَّا أن يجد الماء ولو خرج الوقت.

стр. 1320

فإن قلت: ما وجه المُطابقة بين التَّرجمة وهذا؟ أُجيب: من كونه تيمَّم (١) في الحضر لأنَّ السَّفر القصير في حكم الحضر-كما مرَّ- وإن كان المؤلِّف لم يذكرِ التَّيمُّم، لكن قال العينيُّ: الظَّاهر أنَّ حذفه من النَّاسخ واستمرَّ الأمر عليه. ٣٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَيْرٍ، نسبةً إلى جدِّه (٢) لشهرته به، المخزوميُّ المصريُّ (٣) (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) ابن شرحبيل الكنديِّ المصريِّ، وفي رواية الإسماعيليِّ: «حدَّثني جعفرٌ» (عَنِ الأَعْرَجِ) هو عبد الرَّحمن بن هرمز المدنيِّ، ولابن عساكر كما في الفرع: «عن حميدٍ الأعرج» وهو ابن قيسٍ المكيِّ، أبو صفوان القارئ، من السَّادسة، تُوفِّي سنة ثلاثين أو بعدها (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا) بضمِّ العين، مُصغَّرًا، ابن عبد الله الهاشميِّ (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة (مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ) بالمُثلَّثة، و «جُهَيمٌ» بضمِّ الجيم وفتح الهاء، بالتَّصغير، عبد الله (بنِ الصِّمَّةِ) بكسر الصَّاد المُهمَلة وتشديد الميم، ابن عمرو بن عتيكٍ الخزرجيِّ (الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ) (٤) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «أبو جُهَيْمٌ (٥)» ولابن عساكر: «فقال الأنصاريُّ»:

стр. 1321

(أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ) بالجيم والميم المفتوحتين: موضعٌ بقرب المدينة، أي: من جهة الموضع الذي يُعرَف بـ «بئر الجمل» (فَلَقِيَهُ رَجُلٌ) هو أبو الجهيم الرَّاوي كما صرَّح به الشَّافعيُّ في روايته (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَُِّ عَلَيْهِ (١) النَّبِيُّ ﷺ ¬) بالحركات الثَّلاث في دال «يردَّ»: الكسرلأنَّه الأصل، والفتح لأنَّه أخفُّ، وهو الذي في الفرع وغيره، والضَّمّ لإتباع الرَّاء (حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ) الذي هناك وكان مباحًا فحتَّه بعصًا، ثمَّ ضرب يده (٢) على الحائط (فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «وبيديه» بزيادة المُوحَّدة، وللدَّارقطنيِّ وغيره: ومسح وجهه وذراعيه (ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ) أي: على الرَّجل (السَّلَامَ) زاد في رواية الطَّبرانيِّ في «الأوسط»: وقال: «إنَّه لم يمنعني أن أردَّ عليك إلَّا أنِّي كنت على غير طهرٍ» أي: أنَّه كره أن يذكر الله على غير طهارةٍ، قال ابن الجوزيِّ: لأنَّ السَّلام من أسماء الله تعالى، لكنَّه منسوخٌ بآية الوضوء، أو (٣) بحديث عائشة: «كان ﵊ يذكر الله على كلِّ أحيانه»، قال النَّوويُّ: والحديث محمولٌ على أنَّه ﵇ كان عادمًا للماء حال التَّيممُّ لامتناع التَّيمُّم مع القدرة سواءٌ كان لفرضٍ أو نفلٍ، قال في «الفتح»: وهو مقُتضَى صنيع البخاريِّ، لكن تُعقِّب استدلاله به على جواز التَّيمُّم في الحضربأنَّه (٤) وَرَدَ على سببٍ وهو إرادة (٥) ذكر الله فلم يُرِدْ به استباحة الصَّلاة، وأُجيببأنَّه لمَّا تيمَّم في الحضر لردِّ السَّلام مع جوازه بدون الطَّهارة، فمن خشي فوات الصَّلاة في الحضر جاز له التَّيمُّم بطريق الأَوْلى، واستدلَّ به: على جواز التَّيمُّم على الحجر (٦) لأنَّ حيطان المدينة مبنيَّةٌ بحجارةٍ سودٍ، وأُجيببأنَّ الغالب وجود الغبار على الجدار، لا سيَّما وقد ثبت «أنَّه ﵊ حتَّ (٧) الجدار بالعصا، ثمَّ تيمَّم» كما في رواية الشَّافعيِّ، فيُحمَل المُطلَق على المُقيَّد.

стр. 1322

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مدنيِّين ومصريِّين (١)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطهارة». (٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟) أي: في يديه بعدما يضرب بهما الصَّعيد، وللأربعة: «باب هل ينفخ فيهما (٢)؟». ٣٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة وتشديد الرَّاء، ابن عبد الله الهمْدانيِّ؛ بسكون الميم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالزَّايِ المفتوحة مقصورًا، و «سعيد» بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن، الصَّحابيِّ الخزاعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية الطَّبرانيِّ: من أهل البادية (إِلَى عُمَرَبْنِ الخَطَّابِ) ﵁ (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ) بفتح الهمزة، أي: صرت جنبًا (فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ) بضمِّ الهمزة، من الإصابة، أي: لم (٣) أجده (فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) العنْسيُّ؛ بالنُّون السَّاكنة، وكان من السَّابقين الأوَّلين، وهو وأبوه

стр. 1323

شهد المشاهد كلَّها، وقال ﵊: «إنَّ عمَّارًا مُلِئَ إيمانًا» أخرجه التِّرمذيُّ، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيّب المُطيّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا عاداه الله، ومن أبغض عمَّارًا أبغضه الله»، له في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، منها: قوله هنا (لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) ﵁: يا أمير المؤمنين (أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا) وللأَصيليِّ: «إذ» (كُنَّا فِي سَفَرٍ) ولـ «مسلمٍ»: في سريَّةٍ، وزاد (١): فأجنبنا (أَنَا وَأَنْتَ) تفسيرٌ لضمير الجمع في: «كنَّا»، وهمزة «أَمَا» للاستفهام، وكلمة «ما» للنَّفي، وموضع «أنَّا كنَّا» نصبُ مفعولِ «تذكر» (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) أي: لأنَّه كان يتوقَّع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أنَّ التَّيمُّم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّارٌ قاسه عليه (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمَّرغت في التُّراب، كأنَّه لمَّا رأى أنَّ التَّيمَّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى (٢) أنَّ التَّيمُّم عنِ الغسل يقع على هيئة الغسل (فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ¬) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت (٣) وابن عساكر: «فذكرت (٤) للنَّبيِّ» بإسقاط لفظ: «ذلك» (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ¬) وللأَصيليِّ: «فقال ﷺ »: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ

стр. 1324

هَكَذَا) بالكاف بعد الهاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «هذا» (فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ (١)) ولأبي ذَرٍّ: «فضرب بكفَّيه» (الأَرْضَ) وللأَصيليِّ: «في الأرض» (وَنَفَخَ فِيهِمَا) نفخًا؛ تخفيفًا (٢) للتُّراب، وهو محمولٌ على أنَّه كان كثيرًا (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) إلى الرُّسغين، وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية للكفَّين، واستُشكِل بأنَّما يمسح به وجهه يصير مُستعمَلًا، فكيف يمسح به كفَّيه؟ وأُجيببأنَّه يمكن أن يمسح الوجه ببعض الكفَّين، والكفَّين بباقيهما، والمشهور عند المالكيَّة: وجوب ضربتين والمسح إلى المرفقين، واختُلِف عندهم إذا اقتصر على الرُّسغين وصلَّى فالمشهور: أنَّه يعيد في الوقت، ومذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ -وصحَّحه النَّوويُّ ﵀: وجوبُ (٣) ضربةٍ لمسح وجهه، وأخرى ليديه، والمسح إلى المرفقين، قياسًا على الوضوء لحديث أبي داود: «أنَّه ﷺ تيمَّم بضربتين؛ مسح بإحداهما وجهه». وروى الحاكم والدَّارقُطنيُّ عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ قال (٤): «التَّيمُّم ضربتان:

стр. 1325

ضربة للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، و «إلى» هنا بمعنى «مع»، والقياس على الوضوء دليلٌ على أنَّ المُراد بقوله في حديث عمَّارٍ: «وكفَّيه» أي: إلى المرفقين، وصحَّح الرَّافعيُّ الاكتفاء بضربةٍ لحديث الباب، والأوَّلأصحُّ مذهبًا، والثَّاني أصحُّ دليلًا، وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ والحاكم: «التَّيمُّم ضربتان … » إلى آخره فالصَّواب وَقْفَه على ابن عمر، وأمَّا حديث أبي داود فليس بالقويِّ، وقضيَّة حديث عمَّار: الاكتفاء بمسح الوجه والكفَّين وهو قولٌ قديمٌ، قال في «المجموع»: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القويُّ في الدَّليل، كما قال الخطَّابيُّ: الاقتصار على الكفَّين أصحُّ في الرِّواية، ووجوب الذِّراعين أشبه بالأصول وأصحُّ في القياس، ولو كان التُّراب ناعمًا كفى وضع اليد عليه من غير ضربٍ، وفي الحديث: أنَّ مسح الوجه واليدين بدلٌ من (١) الجنابة عن كلِّ البدن، وإنَّما لم يأمره بالإعادة لأنَّه عمل أكثر ممَّا كان (٢) يجب عليه في التَّيمُّم. ورواة هذا (٣) الحديث الثَّمانية ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وثلاثةٌ من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف ﵀ في «الطَّهارة»، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. (٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) «التَّيمُّم للوجه» مُبتدأٌ، و «الكفَّين»: عُطِفَ على «الوجه»، والخبر محذوفٌ، قدَّره الحافظ ابن حجرٍ بقوله: «هو الواجب المجزئ»، والعينيُّ: «التَّيمُّم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفَّين»، قال: ثمَّ نقدِّر (٤) بعد ذلك لفظ «جوازًا» يعني: من حيث الجواز، أو (٥) نقدِّر «وجوبًا» يعني (٦): من حيث الوجوب، قال: والتَّقييد بالوجوب لا يُفهَم منه لأنَّه أعمُّ من ذلك. انتهى.

стр. 1326

وقد عقد المؤلِّف ﵀ للضَّربة الواحدة بابًا يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٣٤٧] فليُتأمَّل، مع قول العينيِّ: «ضربةٌ واحدةٌ». ٣٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن مِنهالٍ؛ بكسر الميم (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتَيْبَة، الفقيه الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: «أخبرني» بالإفراد «الحكم» (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة، ابن عبد الله الهمْدانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «عن ابن عبد الرَّحمن» (بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة والزَّاي المُعجَمة بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن (قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا) إشارةٌ إلى سياق المتن السَّابق من رواية آدم عن شعبة [خ¦٣٣٨] لكن ليس في رواية حجَّاجٍ هذه قصَّة عمر، قال حجَّاجٌ: (وَضَرَبَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا) أي: قرَّبهما (مِنْ فِيهِ) كنايةٌ عن النَّفخ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه كان نفخًا خفيفًا (ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ) (١) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ثمَّ (٢) مسح بهما وجهه» (وَكَفَّيْهِ) أي: إلى الرُّسغين، أو إلى المرفقين. (وَقَالَ النَّضْرُ) بالنُّون والضَّاد المُعجَمة، ابن شُمَيْلٍ ممَّا وصله مسلمٌ: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) هو

стр. 1327

ابن الحجَّاج المذكور (عَنِ الحَكَمِ) بن عتيبة (١) (قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ) وفي السَّابقة: «عن ذَرٍّ» فصرَّح في هذه بالسَّماع: (عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الحَكَمُ) بن عتيبة المذكور: (وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن (٢)، ولابن عساكر: «من ابن عبد الرَّحمن بن أبزى عن أبيه»، وأفادت هذه: أنَّ الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد بن عبد الرَّحمن، قال في «الفتح»: والظَّاهر أنَّه سمعه من ذَرٍّ عن سعيدٍ (٣)، ثمَّ لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنَّ سماعه له (٤) من ذَرٍّ كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الرِّوايات بإثباته. انتهى. (قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبزى: (قَالَ عَمَّارٌ) أي: ابن ياسرٍ، زاد في غير الفرع: «الصَّعيد الطَّيِّب» أي: التُّراب الطَّاهر «وضوء المسلم يكفيه» أي: يجزئه «من الماء» عند عدمه، قال الشَّافعيُّ: الصَّعيد لا يقع إلَّا على ترابٍ له غبارٌ، وفي معناهالرَّمل إذا ارتفع له غبارٌ، فيكفي التَّيمُّم به إذا لم يَلْصَقُ بالعضو، بخلاف ما لا غبار له أو له غبارٌ لكنَّه يَلْصَقُ بالعضو. ٣٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديُّ الواشحيُّ؛ بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلةٍ، البصريُّ، قاضي مكَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتَيْبَةَ (عَنْ ذَرٍّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «سمعت ذَرًّا» (عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ) أي: حضر (عُمَرَ)

стр. 1328

ابن الخطَّاب ﵁ (وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ: (كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا) أي: صرنا جُنُبًا، الحديث السَّابق (وَقَالَ:) مكان نفخ فيهما (تَفَلَ فِيهِمَا) أي: في يديه، قال الجوهريُّ: والتَّفل: شبيهٌ بالبزاق، وهو أقلُّ منه، أوَّله البزاق ثمَّ التَّفل ثمَّ النَّفث ثمَّ النَّفخ. ٣٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة قال: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ولابن عساكر زيادة: «ابن أبزى» ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «عن أبيه» بدل قوله: «عن عبد الرَّحمن» (قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ) ﵄: (تَمَعَّكْتُ) أي: تمرَّغت (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ¬) فذكرت ذلك له (فَقَالَ: يَكْفِيكَ) أي: لكلِّ فريضةٍ واحدةٍ تيمَّمت لها وما شئت من النَّوافل، أو في كلِّ الصَّلوات فرضها ونفلها (الوَجْهُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (وَالكَفَّانِ) عُطِفَ عليه، كذا في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر، ولأبي ذَرٍّ وكريمة كما في «فتح الباري»: «الوجهَ والكفَّين» بالنَّصب فيهما أي: أن تمسح الوجه و (١) الكفَّين، ولغيرهم: «الوجهُ» بالرَّفع على الفاعليَّة، «والكفَّين» بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ معه (٢)، أي: يكفيك الوجه مع الكفَّين، قِيلَ: ورُوِي: «الوجهِ والكفَّين» بالجرِّ فيهما، ووجَّهه ابن مالكٍ في «التَّوضيح» بوجهين؛ أحدهما: أنَّ الأصل يكفيك مسح الوجه، فحُذِف المُضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه، والثَّاني: أن تكون الكاف من «يكفيك» حرفًا زائدًا كما في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٣)﴾ [الشورى: ١١]

стр. 1329

وتعقَّبه ابن الدَّمامينيِّ فقال: يدفعه كتابة الكاف متَّصلة بالفعل، أي: بقوله: يكفي. انتهى. والظَّاهر ثبوت الجرِّ روايةً، فإنَّه ثابتٌ مع بقيَّة الأوجه السَّابقة في نسخة الفرع المُقابَلة على نسخة الحافظ شرف الدِّين (١) اليونينيِّ الذي عوَّل النَّاس عليه في ضبط روايات البخاريِّ، حتَّى إنَّ سيبويهِ عصرِه (٢) الجمالِ ابنِ مالكٍ حضره عند سماع البخاريِّ عليه (٣)، فكان إذا مرَّ من الألفاظ ما يتراءى مخُالَفته لقوانين اللِّسان العربيِّ سأله عنه، فإن أجاب (٤) أنَّه كذلك أخذ ابن مالكٍ في توجيهه، ومن ثمَّ جمع كتابه «التَّوضيح» -كما مرَّ- في المقدِّمة (٥)، ومعنى الحديث: يكفيك مسح الوجه والكفَّين في التَّيمُّم، ومفهومه: أنَّ ما زاد على الكفَّين ليس بفرضٍ، وإليه ذهب الإمام أحمد -كما مرَّ- وحُكِيَ عنِ الشَّافعيِّ في «القديم»، وهو القويُّ من جهة الدَّليل، وأمَّا القياس على الوضوء فجوابه: أنَّه قياسٌ في مُقابَلة النَّصِّ، فهو فاسد الاعتبار، وأُجيببأنَّ حديث عمَّارٍ هذا لا يصلح الاحتجاج به لاضطرابه، حيث روى: «والكفَّين»، وفي أخرى: «والكوعين»، وفي أخرى لأبي داود: «ويديه إلى نصف الذِّراع»، وفي أخرى له: «والذِّراعين إلى نصف السَّاعد ولم يبلغ المرفقين»، وفي أخرى له: «إلى المرفقين»، وفي أخرى له أيضًا والنَّسائيِّ: «وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط»، وهذه الزِّيادة على تسليم صحَّتها لو ثبتت بالأمر دلَّت على النَّسخ، ولزم قبولها، لكن إنَّما وردت بالفعل فتُحمَل على الأكمل، وقد قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّالأحاديث الواردة في «صفة التَّيمُّم» لم يصحَّ منها سوى حديث أبي جُهَيْمٍ وعمَّارٍ، وما عداهما فضعيفٌ أو مُختلَفٌ في رفعه ووقفه، والرَّاجح عدم رفعه، فأمَّا رواية: «المرفقين» وكذا «نصف الذِّراع» ففيهما مقالٌ، وأمَّا رواية: «الآباط» فقال الشَّافعيُّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النَّبيِّ ﷺ فكلُّ تيمُّمٍ صحَّ للنَّبيِّ ﷺ بعده، فهو ناسخٌ له (٦)، وإن كان وقع بغير أمره

стр. 1330

فالحجَّة فيما أمر به، وممَّا يقوِّي رواية «الصَّحيحين» في الاقتصار على الوجه والكفَّين، كون عمَّارٍ كان يفتي به بعد النَّبيِّ ﷺ ، وراوي الحديث أعرف (١) بالمُراد به من غيره، ولا سيَّما الصَّحابيِّ المجتهد. انتهى. وتُعقِّب في قوله: «لم يصحَّ (٢) منها سوى حديث أبي جُهَيْمٍ … إلى آخره» بحديث جابرٍ عند الدَّارقُطنيِّ مرفوعًا: «التَّيمُّم ضربةٌ للوجه وضربةٌ للذِّراعين إلى المرفقين»، وأخرجه البيهقيُّ أيضًا والحاكم وقال: هذا إسنادٌ صحيحٌ، وقال الذَّهبيُّ أيضًا: إسناده صحيحٌ، ولا يُلتَفت إلى قول من يمنع صحَّته. ٣٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابن إبراهيم الفراهيديُّ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ زيادة: «ابن أبزى» (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت (عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (فَقَالَ) له بفاء العطف، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قال» (لَهُ عَمَّارٌ … وَسَاقَ الحَدِيثَ) المذكور قريبًا، فـ «ال» للعهد. ٣٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في هذا الباب من رواية ستَّة أنفسٍ، وبينه وبين شعبة بن الحجَّاج في هذه الطَّريق الأخيرة (٣) اثنان، وفي الطُّرق الخمسة السَّابقة واحدٌ، ولم يسُقْه

стр. 1331

تامًّا من رواية واحدٍ منهم، ولم يذكر جواب عمر ﵁، وليس ذلك من المؤلِّف، فقد أخرجه البيهقيُّ من طريق آدم كذلك، نعم؛ ذكر جوابه مسلمٌ من طريق يحيى بن سعيدٍ، والنَّسائيُّ من طريق حجَّاج بن محمَّدٍ، كلاهما عن شعبة، ولفظهما: «فقال: لا تصلِّ» زاد السَّرَّاج: «حتَّى تجد الماء»، وهذا مذهبٌ مشهورٌ عن عمر، وافقه عليه ابن مسعودٍ، وجرت فيه مُناظَرةٌ بين أبي موسى وابن مسعودٍ تأتي إن شاء الله تعالى في «باب التَّيمُّم ضربةٌ» [خ¦٣٤٧]. (٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ) مبتدأٌ وصفته، والخبر قوله: (وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ (١) المَاءِ) أي: يغنيه عند عدمه حقيقةً أو حكمًا، وقد روى أصحاب «السُّنن» نحوه مع زيادة: «وإن لم يجدِ الماء عشر سنين» وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان والدَّارقُطنيُّ. (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا هو موصولٌ عند عبد الرَّزَّاق بنحوه: (يُجْزِئُهُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مهموزًا، أي: يكفيه (التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي: مدَّة عدم الحدث، وهو عند سعيد بن منصورٍ بلفظ: التَّيمُّم بمنزلة الوضوء، إذا تيمَّمت (٢) فأنت على وضوءٍ حتَّى تُحدِث، وفي مُصنَّف حمَّاد بن سلمة عن يونس بن (٣) عبيدٍ عن الحسن قال: يصلِّي الصَّلوات كلَّها بتيمُّمٍ

стр. 1332

واحدٍ مثل الوضوء (١) ما لم يحدث، وهو مذهب الحنفيَّة لترتُّبه على الوضوء، فله حكمه، وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يصلِّي إلَّا فرضًا واحدًا لأنَّه طهارة ضرورة (٢) بخلاف الوضوء، فقد صحَّ فيما قاله البيهقيُّ عن ابن (٣) عمر: «إيجاب التَّيمُّم لكلِّ فريضةٍ»، قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصَّحابة، نعم؛ روى ابن المنذر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه لا يجب، والنَّذر كالفرض، والأصحُّ صحَّة جنائز مع فرضٍ لِشَبَهِ صلاة الجنازة بالنَّفل في جواز التَّرك، وتعيُّنها عند انفراد المُكلَّف عارضٌ، وقد أُبيح عند الجمهور بالتَّيمُّم الواحدالنَّوافل مع الفريضة، إلَّا أنَّ مالكًا اشترط تقدُّم الفريضة. (وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ) مَنْ كان متوضِّئًا، وهذا وصله البيهقيُّ وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفة والجمهور؛ خلافًا للأوزاعيِّ، قال: لضعف طهارته. نعم؛ لا تصحُّ ممَّن (٤) تلزمه الإعادة، كمقيمٍ تيمَّم لعدم الماء عند الشَّافعيَّة. (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ) بالمُهمَلة والمُوحَدة والخاء المُعجَمة المفتوحات: الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت (وَ) كذا (التَّيَمُّمِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (٥) (بِهَا) واحتجَّ ابن خزيمة لذلك بحديث عائشة ﵂: أنَّه ﷺ قال: «رأيت دار هجرتكم سبخةً ذات نخلٍ» يعني: المدينة، قال: وقد سمَّى النَّبيُّ ﷺ المدينة: «طيبة» فدل على أنَّ السَّبخة داخلةٌ في الطِّيب، ولم يخالف في ذلك إلَّا إسحاق بن رَاهُوْيَه.

стр. 1333

٣٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «مُسَدَّد بن مسرهد» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو (٢) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ (٣)، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء (٤) المُهمَلة، العطارديُّ، أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يَرَهُ، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه حتَّى اكتوى فتركته (٥)، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنًى: إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا» لنفي

стр. 1334

الجنس، و «وقعة»: اسمها، و «أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: «وما» (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فكان» (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و «أوَّلَ» بالنَّصب خبرُها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و «من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا (١) نكرةً لإضافته إلى النَّكرة، أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا (٢) يتعيَّن لجواز كونها موصولةً، أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل، أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم (٣) في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة باعتبار البعض لا الكلِّ، أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل (٤) هذا من قبيل عطف المُفرَدات لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا (٥) أن يكون من شارك عمران في رواية حديث (٦) هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ) أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁ (الرَّابِعُ) بالرَّفع صفةٌ لـ «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب خبر «كان» أي: ثمَّ

стр. 1335

كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاسُ بعضُهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: «لم نوقِظه» بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ ﷺ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ) أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) ﵁ (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ كبَّر (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: «لصوته» باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ ﷺ ¬) وإنَّما استعمل التَّكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ (١)، وخصَّ التَّكبير لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله ﵊: «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيبب أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) ﵊ (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها: (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ) أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النَّبيُّ ﷺ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فارتحلوا» أي: عقب (٢) أمره ﵊ بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع
следующие страницы →